تراثنا _ العدد [34]

247
/

۱

الفهرس

*كلمة التحرير :

*(إنّ مع العسر يسراً) ثمّ (إنّ مع العسر يسراً).

................................................................. هيئة التحرير ٧

* هوامش على كتاب المرتضى للندوي.

................................................. السيّد عليّ الحسينيّ الميلانيّ ١٧

*في رحاب نهج البلاغة (٤) :

*ما قيل في نهج البلاغة من نظم ونثر.

.................................................. السيّد عبدالعزيز الطباطبائي ٦٠

۲

*الكلمة في اصطلاح النحاة

........................................................ السيّد عليّ حسن مطر ١١

*من ذخائر التراث :

*الخلاصة في علم الكلام ـ لقطب الدين السبزواري.

...................................... تحقيق : السيّد محمّدرضا الحسينيّ الجلاليّ ١٢٣

*من أنباء التراث.

.................................................................... التحرير ٢٢٧

__________________

*صورة الغلاف : نموذج من إحدى مخطوطات الخلاصة في علم الكلام لقطب الدين السبزواري ـ أحد أعلام القرن السادس الهجري ـ المنشورة في هذا العدد ، ص ١٢٣ ـ ٢٢٦

۳
۴

۵
۶

كلمة التحرير

(إن مع العسر يسرا)

ثم

(إن مع العسر يسرا)

بسم الله الرحمن الرحيم

لم تكن الأمة الإسلامية ـ في عصر من العصور ـ على مثل هذا الحد ، من العسر والشدة والضياع ، الذي هي فيه اليوم.

حيث تعتبر ـ الآن ـ أكثر الأمم تخلفا عن ركب الحياة الحرة الكريمة ، وأكثرها جهلا ، وأشدها ضعفا وخورا ، وأحقرها رأيا وصوتا ، وأوسعها فرقة وتشتتا.

على ما هي عليه من كثرة في العدد ، حيث يبلغ المسلمون المليار والنيف من الرؤوس ، بما يعادل ربع المجموعة البشرية على وجه الأرض!

كما إنهم ليسوا في قلة من المال ، حيث يملكون أكبر مخزون عالمي من الذهب الأسود ـ النفط ـ المدفون تحت أراضيهم الشاسعة ، وحيث أرصدتهم المالية من العملات الصعبة تغطي نفقات أكبر المصانع العالمية ، والبنوك الدولية ، في شرق الأرض وغربها!

ومع أنهم يدعون الانتماء إلى دين الإسلام ، وهو أعز دين عرفته البشرية ، وأحرصه على الكرامة الإنسانية ، وأدعاه إلى العلم والمدنية ، وأوسعه ثقافة

۷

وطهارة ونظافة.

ولكن كما تنبأ به الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، في حديث ثوبان عنه ، قال :

«يوشك الأمم أن تداعى عليكم ، كما تداعى الأكلة إلى قصعتها».

فقال قائل : ومن قلة نحن يومئذ؟!

قال : «بل أنتم ـ يومئذ ـ كثير ، ولكنكم غثاء كغثاء السيل ، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم ، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن».

فقال قائل : يا رسول الله ، وما الوهن؟

قال : «حب الدنيا ، وكراهية الموت» (١).

صدق رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكأنه يصف حالة المسلمين اليوم ، وهم يقفون ـ أمام شراذمة الأمم ـ أذلاء تنهب ثرواتهم ، ويحتقرون ، وتصب عليهم النيران صبا ، وتنتهك حرماتهم ، وتدنس مقدساتهم بكل صلافة ، وفي وضح النهار.

والمسلمون خانعون ، لا ينبسون ببنت شفة ، لأنهم ابتلوا بالوهن :

الوهن في الإدارة ، والوهن في التدبير ، والوهن في القوة والإعداد.

ولذلك لجأوا إلى العدو في أهم مرافق الحياة ، من الاقتصاد والتسلح ، والإدارة ، وركنوا إلى الذين ظلموا حتى في المأكل ، والملبس ، وأطوار الحياة اليومية.

وابتلوا بحب الدنيا ، وكراهية الموت ، والتوغل في الفساد ، واللهو ، والملذات حتى الآذان ، فتهالكوا على الراحة والجاه والملك والرئاسة والسيطرة على شعوبهم المظلومة ، ولجأوا إلى العنجهية والقتل والغارة والاعتداء على

__________________

(١) رواه أبو داود في سننه ـ كتاب الملاحم ـ ٤ / ١١١ رقم ٤٢٩٧ ، وأورده أحمد في مسند أبي هريرة ٢ / ٣٥٩ بلفظ قريب.

۸

أموال الناس وأعراضهم ونفوسهم في سبيل إرضاء الأسياد الغربيين ، وطمعا في المزيد من التحكم على البلاد والعباد ، والتمتع بملذات الحياة.

والكفر العالمي ـ الذي يهاب الإسلام ، لما يعرف فيه من القوة والصدق والحق والطهارة والجد ـ مترصد منذ زمان ، للإجهاز عليه ، لأنه بما فيه ، لو تحقق له النفوذ والانتشار في العالم ، لم يبق للزيف والظلم والفساد في الأرض مجال ، ولم يتمكن أولئك الطامعون من فرض إرادتهم على الشعوب المظلومة المضطهدة.

فالكفر ـ وهو بكل أديانه ومذاهبه وفرقه : ملة واحدة ـ يخاف الدين الإسلامي ، ويحاول طمس معالمه ، وتشويه سمعته ، بين المسلمين ، وغير المسلمين من الأمم الأخرى.

والأدوات التي يستخدمها ـ لتنفيذ خطته للكيد لهذا الدين ولمعتنقيه ـ متطورة بتطور الآلة الصناعية الحديثة ، ووسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية ، وحتى الثقافة والسياسة والاقتصاد ، أصبحت ـ كلها ـ أسلحة للكفار في ضرب الإسلام والمسلمين.

ولم يكف الكفر لحظة واحدة من الكيد للإسلام ، على طول القرون الأربعة عشر الماضية من عمره ، إلا أن هذا العصر تميز بأمور خاصة :

أولا : بالسيطرة الكاملة الشاملة ، للقوى الكافرة ـ مسيحية ويهودية ، أو ملحدة ـ على كل مرافق الحياة في البلدان الإسلامية

سواء بصورة مباشرة ، كخبراء اقتصاد ، أو مستشارين عسكريين ، أو رجال أعمال ، ومدراء بنوك ، ومهندسين ، أو أعضاء الأمم المتحدة!! وحتى عمال التنقيب عن الآثار ، وأطباء الصحة ، وو ...

أم بواسطة أياديهم المتعلمين في مدارسهم ، أو المتربين في أنديتهم ممن رفعوهم إلى مناصب عالية في الدول الإسلامية من ملوك وأمراء ووزراء ورؤساء ، ومدراء عامين ، وقواد حرس ، وضباط جيش ، ورجال مباحث

۹

واستخبارات عسكرية ، ومدنية ، وما إلى ذلك.

فتسللوا إلى مراكز القوى ، والإدارة ، والعمل ، الحساسة في البلاد.

ثانيا : الاختراق الثقافي ، ونشر الأفكار البديلة ، والتشكيكات والشبهات المعارضة للحق ، بأصوات وأبواق وأقلام سامة ومأجورة ، مستخدمة لأزياء براقة ، مثل أصحاب القبعة الجامعية ، أو البدلة الطبية ، أو حتى البزة الدينية ـ أحيانا ـ كما يقوم به علماء البلاط ووعاظ السلاطين ، وغير ذلك من السمات الطيبة ، والأزياء الفضفاضة ، والمقدسة عند المجتمع.

كل ذلك بهدف زعزعة عقيدة الأمة بالدين الحق ، ولأجل تفريع الأدمغة وغسلها ، وملئها بأفكار مستوردة.

وبعد أن كشر الكفر العالمي ـ بزعامة الصهيونية الحاقدة على الإسلام والمسلمين ، في هذا العصر ـ عن أنيابه ، ورفع أقنعة الدجل عن وجه تصرفاته العدوانية ، وأعلن عن خطورة الدين الإسلامي الحنيف على نظامه الجديد ، ونزعاته الإلحادية ، وأطماعه في الأرض ، نزل ـ بكل صلافة ـ بقواته في المياه الإسلامية ، وعلى الأرض المقدسة ، وغزا البلاد الإسلامية ، وصب على أجزاء منها آلاف الأطنان من حقده الأسود.

وفي خضم تلك التدابير اللئيمة ، وهذه الاعتداءات الأليمة ، نواجه نحن «الشيعة» هجوما مركزا خاصا من قوى الكفر والعمالة ، تستهدف «المؤسسة الدينية الشيعية» بالذات ، بسهام حقدها وشغبها ، باعتبارين :

الأول : أن الصحوة الإسلامية المتنامية ، إنما بدأت في مطلع هذا القرن من خلال انتصار الثورة الإسلامية في إيران ، فكانت بداية التحرك المعاصر لإحياء الإسلام وتجديده في قلوب الملايين من المسلمين المضطهدين والمغلوبين على أمرهم ، بحيث أنتج المد الإسلامي العارم ، والجارف لكثير من قواعد الفساد والشر والإلحاد التي زرعتها أيد عميلة في الأرض الإسلامية ، وبدأت تنشر الوعي الإسلامي الصائب ، وتصدر هذا الوعي ليعم كل الأرض

۱۰

الإسلامية وحتى غير الإسلامية.

وهذا ما يشكل أعظم الأخطار على الكفر العالمي وأهدافه القريبة والبعيدة ، وينسف كل مخططاته وتدبيراته ، ويدمرها.

الثاني : أن المؤسسة الدينية الشيعية ، هي المؤسسة الإسلامية الوحيدة التي تتمتع بكامل الحرية من سيطرة أية سلطة رسمية أو غير رسمية ، وإنما تعتمد حرية الرأي واتخاذ القرار وفقا لموازين الإسلام الحق ، والمصلحة الإسلامية من دون التأثر بأي شئ من المضاعفات والألاعيب السياسية وغيرها.

وبذلك تمكنت من مواجهة التحديات الكبرى التي دبرتها العناصر الاستعمارية منذ دخولها أرض الإسلام ، وكذلك كان لها الموقف الحازم تجاه الأحداث والمجريات في داخل العالم الإسلامي.

ومن أجل كل هذا ، أصبح «التشيع» وبالأخص «المرجعية» مستهدفة ، في هذا القرن ، من قبل أعداء الدين الإسلامي ، إذ جعلوها مركز الهدف في كل حملاتهم الشعواء ضد الإسلام ، ومحور كل الألاعيب السياسية والتغييرات والتحولات في خارطة المنطقة الإسلامية ، والعنوان الكبير في قائمة أعمال كل المؤتمرات والمجالس والاجتماعات واللقاءات داخل المنطقة وخارجها.

وكان الإسلام ، قد انحصر وبرز في هذا الهدف بالذات!

ومهما يكنه هذا من حقيقة ، فإن المفارقة الواضحة فيه أن المسلمين في العالم ، والمؤمنين بالحركة الإسلامية بخاصة ، وإن استلهموا من الشيعة روح العودة إلى الإسلام ، وتيقظوا لإحيائه ، وملأوا أنفسهم بالأمل ، لكنهم إنما يسيرون على مناهج تخصهم ، والتزامات ذاتية تحكمها ظروفهم ، وإن كان الجامع هو الولاء للإسلام الدين الحق ، والدفاع عن الوطن الإسلامي ، الذي أصبح مجالا للاستعمار واعتداءاته.

لكن القوى الشريرة ، والمستكبرة ، ترى كل ما حدث ـ ويحدث ـ في العالم الإسلامي لصالح المسلمين ، من عين «الشيعة» و «مرجعيتها الدينية».

۱۱

وقد جعلت من هذا مبررا رسميا لهجومها الإعلامي والسياسي والاقتصادي ، بل العسكري! ضد المسلمين الشيعة ، في كل نقاط العالم ، وبشتى الأشكال والمستويات!

وشاءت الإرادة الإلهية أن تكون الأعوام الخمسة الماضية ، أعوام حزن متوالية ، للشيعة ، فبعد عروج آية الله العظمى السيد الإمام الخميني إلى الرفيق الأعلى ، كان رحيل مرجعي الطائفة ، آية الله العظمى السيد الخوئي ، وآية الله العظمى السيد الكلبايكاني ، قدس الله أسرارهم ، فقد احتل كل منهم «المرجعية الدينية» بجدارة ، وتزعموا إدارة «المؤسسة الدينية» في ظروفها الصعبة والحرجة.

واليوم ، قام عفريت الكفر من جديد ، ليستغل ما يتصوره من فراغ في «المرجعية العليا» بمحاولات شيطانية ما كرة :

فبعث شياطينه ، ليثيروا الشبه والتشكيكات بين «الشيعة» حول أصل «المرجعية» وانهمك خبراء الأجهزة السرية والاستخبارات بتهيئة الكوادر للعمل في مجال الإعلام ، لتأليف الكتب ، وإعداد المقالات ، وبث الأحاديث ، واللقاءات والاجتماعات ، عن «المرجعية الدينية عند الشيعة» فامتلأت آلاف الصفحات من المجلات والجرائد بالحديث عن ذلك ، وبأقلام مزيفة ، وجاهلة وبعيدة عن الفكر الشيعي والفقه الشيعي والتراث الشيعي.

وقامت بالتهجم على الفكر الشيعي ، بصورة متخلية عن أبسط قواعد الأدب والخلق والشرف.

والغرض من وراء ذلك : التشويش على «الشيعة» وعلى «المرجعية» ومحاولة زعزعة الإيمان المستقر في قلوب الملايين من المؤمنين ، وتشكيكهم بالتزاماتهم وقناعاتهم العقيدية ، وصرفهم عن إسناد المرجعية الدينية ، التي كانت ـ ولا تزال ـ هي السد المنيع لمواجهة تحديات الكفر العالمي وأساليبه المتطورة ضد الدين الإسلامي الحنيف وقيمه الإلهية.

۱۲

وقد وجد الاستعمار في أهل النصب والعداء للشيعة ، والبغض والكراهية لهم ، من أصحاب الأقلام وممن يسمي نفسه «مسلما» .. وجد فيهم أنصارا وأعوانا ، وقفوا معه في صف ، يشنون الحملات على «الشيعة» و «المرجعية الشيعية» حاملين أسنة أقلامهم المليئة بالحقد الأسود يكتبون ما لا يليق ، محاولين تزييف عقائد الشيعة بكل طريقة باطلة ومبتذلة ومفضوحة!

ورغم أن أولئك المتحاملين على الشيعة ، يدعون حماية الإسلام والسلفية الدفاع عنهما ، فهم يوالون النصارى ويوادونهم ، واستهوتهم المسيحية الحاقدة على الإسلام ، ويحاولون التزلف إلى اليهود ، والتصالح مع الصليبية المعتدية على مقدسات المسلمين وكرامتهم.

لكنهم يهاجمون «الشيعة» ويحادون «مرجعيتها» التي تمثل الإسلام في عالم اليوم.

إن الناصبين لآل محمد العداء ، يحسبون أن هذه أهم فرصة لهم ، لضرب «الشيعة» ولو بالتعاون مع الكفار الأجانب ، متناسين أن «التشيع» إنما استهدف ـ اليوم ـ باعتباره يمثل الإسلام ، وهو الواجهة والسد للدفاع عن المسلمين!

وهم ـ بدافع من الكفار ـ يصدرون بين الحين والآخر فتاوى مزيفة ضد «الشيعة» وعقائدها ، ومتغافلين عما يجري ـ تحت آذانهم ـ من نعيق الشيطان بالكفر والفساد ، والتعدي على مقدسات الإسلام ، وانتهاك أعراض المسلمين ، وانتهاب أموالهم!

ووجد الكفر ـ هذه المرة ـ منفذا إلى بعض من يتسمى بالتشيع ، ويدعي الانتماء اليه ، ليتخذه عونا في حملته هذه ، ممن استهوته الدنيا ، وباع حظه من الآخرة بالثمن الأوكس ، على حساب دينه ، وأمته ، ووطنه ، طمعا في منصب ، أو مال ، أو لذة ، أو لجوء وإقامة في بلد!!!

وفي هذا الإطار ما ينشر من كتب ومقالات وأحاديث عن «المهدي

۱۳

المنتظر» باعتباره المنطلق الأساس لفكرة " المرجعية "!

زعما أن بالإمكان تشتيت وحدة الصف الشيعي ، والتدخل في أمر قيادتها الدينية بهذه الأساليب الماكرة.

وجهلا بأن الشيعة قد وجدوا الطريق الآمنة ، المطمئنة ، منذ البداية ، وقد عرفوا أعداءهم ـ الداخلين والخارجين ـ وواجهوا أمثال هذه الأحابيل ، وتلك الأساليب ، والألاعيب ، مرات عديدة في طول تاريخهم ، فلم تزدهم إلا صمودا على الحق الذي عرفوه وتبنوه ، وتأكدوا منه ، وأقاموا عليه ألف دليل ودليل.

وما الشيعة في العالم ـ اليوم ـ من القلة أو الضعف بحيث تخفى عليهم أساليب الأعداء الماكرة ، ولا تخدعهم الأقنعة المزيفة التي يرتديها الجهلة ، ولا تغرهم الدموع الكاذبة التي يصبها الأعداء على «المرجعية».

ولا تخدعهم النصائح المسمومة ، ولا الايعازات ، والتمريرات ، ولا المحاولات اللئيمة ، التي تهدف إلى تضعيف الصف الشيعي وتشتيت قواه ، تمهيدا للإجهاز عليه!

وكيف يغتر أحد بكلماتهم المعسولة ، وقد تلطخت أيديهم ـ حتى المرافق ـ بدماء المسلمين والشيعة الأبرياء في إيران الإسلام وفي العراق وجنوب لبنان ، وأفغانستان ، وها هم يجرون أنهارا من دماء المسلمين في البوسنة ، والجزائر ، والأرض المقدسة في القدس تئن من سنابك جيوشهم.

والغريب أن كل هذا الظلم والاعتداء ، يجري في العالم أمام أعين «الزعامة الدينية» للمسيحية ، بل ما يجري في «البوسنة» تحت أرنبة آذان «الفاتيكان» ولا يحاول البابا أن يسمع أصوات القنابل والصواريخ ، ولا أن يفيق من سباته العميق ، فضلا عن أن يسمع أنين الجرحى ، أو نشيج اليتامى ، ولا آهات الثواكل!!

إن «زعامة دينية» لا تحاول أن تعترف بوقوع الجريمة ، وقد اعترف بها العالم ، وكل المنظمات الدولية وشجبتها ، وهي تقع على أيدي أتباع هذه

۱۴

الزعامة ، والصرب النصارى بالذات ، فلا يفتح «البابا» فمه ، لينهاهم ، ويوقف ـ بكلمة واحدة ـ حمام الدم ، لكنه يكتفي بقوله : «إنه يدعو!».

أما هو ـ وعداءا للإسلام ، وتنكيلا بالمسلمين ـ يعترف في نفس هذه اللحظة ، بدويلة إسرائيل ، رسميا ، يقيم معها علاقات دبلوماسية ، ولا يحاول أن يكتفي بالدعاء لها!؟

إن هؤلاء ، وذيولهم في المنطقة الإسلامية ، يريدون أن يتدخلوا في تنصيب «زعامة دينية» للشيعة ، ويعينوا «مرجعا» لهم على غرار البابا أو أكثر غفلة!

إنه الجهل ، والحقد ، واللؤم ، والمكر ، والغباء ، الذي يتصف به أعداء الإسلام ، وأعداء التشيع ، من الكفرة والناصبين العداء لمحمد وآل محمد وشيعتهم ، وإن تزيوا بأزياء البابوية ، والسلفية ، وحتى من تظاهر بالتشيع ممن تعمم باليأس ، والقنوط ، ولفته الحيرة في عالم اللجوء السياسي ، وعمه التعب والإرهاق النفسي ، ويئس ـ بعد مظاهر الشيب والكبر ـ من أن تصل يده إلى بعض ما كان يأمل من كرسي ـ للحكم المهزوز ـ يجلس عليه ولو لحظات ، فحاول اللجوء إلى الكفار المعادين للإسلام ، من عملاء الأمم المتحدة ، ليعينوا له «مرجعا» دينيا ، هنا أو هناك.

لقد أوضح التاريخ ـ عبر القرون والتجارب ـ أن هذه الأساليب ، فاشلة أمام الصمود الشيعي ، والحق العلوي ، والواقع الإسلامي ، والحقيقة «المرجعية».

وبالرغم من العراقيل المقطعية ، والعداءات والحواجز والأجواء العابرة ، وظروف العسر والشدة ، فإن الحق يعلو ولا يعلى عليه كما هو الوعد المحتوم.

ونحن ندعو المؤمنين إلى المزيد من الثبات واليقظة والحذر ، والاعتماد على الله ، والثقة به ، والتمسك بالقرآن ، واتباع سنة الرسول وآل الرسول ، والجد

۱۵

في سبيل تحقيق الأهداف العالية ، والتعاون في توحيد الصف ، ورعاية الضعفاء لرفع الشدة والعسر عنهم ، والانتظار ـ المدعوم باليقين والعمل ـ للفرج وتوقع اليسر ، بعد كل هذه «الشدة» وهذا «العسر».

فإن «انتظار الفرج عبادة» و «إن مع كل عسر يسرين».

والله المستعان.

هيئة التحرير

۱۶

هوامش على كتاب :

المرتضى

سيرة أمير المؤمنين سيدنا أبي الحسن

علي بن أبي طالب رضي‌الله‌عنه وكرم وجهه

بقلم : أبو الحسن علي الحسني الندوي.

السيد علي الحسيني الميلاني

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطاهرين ، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين ، من الأولين والآخرين.

وبعد :

فإنه يصلنا بين كل يوم وآخر كتاب عن الشيعة وأئمتها وعقائدها ، من مختلف البلدان ، الإسلامية منها وغير الإسلامية ، يكتبها «دكاترة» و «مشايخ» يحاولون الصد من انتشار التشيع ، والوقوف أمام توجه أبناء الفرق الأخرى إليه ...

وكذلك الحال في كل زمان ومكان .. فما خرج «منهاج السنة» من الشام ولا «الصواعق المحرقة» من مكة ، ولا «التحفة الاثنا عشرية» من الهند ، ولا غير هذه الكتب في الأزمنة والأمكنة المختلفة .. إلا لهذا السبب ...

يقول ابن حجر المكي في مقدمة كتابه : " سئلت قديما في تأليف كتاب يبين حقيقة خلافة الصديق وإمارة ابن الخطاب ، فأجبت إلى ذلك مسارعة في

۱۷

خدمة هذا الجناب .. ثم سئلت في إقرائه في رمضان سنة ٩٥٠ بالمسجد الحرام ، لكثرة الشيعة والرافضة ونحوهما الآن بمكة المشرفة ، أشرف بلاد الإسلام ، فأجبت إلى ذلك رجاء لهداية بعض من زل به قدمه عن أوضح المسالك»!!

وكان هذا السبب الآن أقوى من أي وقت مضى .. فما أكثر الكتب والمقالات في المجلات .. وحتى الأشرطة .. التي تنشر ضد هذا المذهب على مختلف المستويات .. في هذه الأيام .. لكنها ـ في الأغلب ـ تكرار لما تقوله الأقدمون ، واجترار لما لفظه الغابرون ، وتهجمات لا يقوم بها إلا الجاهلون .. ولا جواب لها .. إلا «السلام».

إلا أنا نجد من بين تلك الكتب كتبا نادرة يبدو أن مؤلفيها شعروا بأن التهريج والافتراء لا يلائم روح العصر ، وأنه لا يجدي إن لم يثمر العكس ..

فجاءوا يدعون العلمية والتحقيق ، ويتظاهرون للنبي وآله بالولاء والتصديق .. فكانت كتبهم بظاهرها جديرة بالقراءة والدراسة ..

لكنك إذا لاحظتها وجدتها لا تختلف في واقعها عن غيرها .. إلا من ناحية الأسلوب ، أعني خلوصها ـ إلى حد ما ـ من السب والشتم ..

أما خلوصها من التحريف ، من الكذب ، من كتم الحقائق ، من إنكار الأمور المسلمة .. فلا ..

ولقد وقع اختياري من بين هذه الكتب المعدودة من هذا القبيل على كتيب وضعه أحدهم حول حديث «إني تارك فيكم الثقلين ، كتاب الله وعترتي أهل بيتي ...» ونشرت في رده كتاب «حديث الثقلين : تواتره ، فقهه» ، وكتاب آخر وضعه بعضهم حول كتاب «المراجعات» وأنا مشغول بالنظر فيه ، وهذا كتاب ثالث أنا بصدد التنبيه على بعض ما فيه ، والله المستعان.

الكتاب عنوانه «المرتضى : سيرة أمير المؤمنين سيدنا أبي الحسن علي ابن أبي طالب ، رضي‌الله‌عنه وكرم وجهه» ومؤلفه : «أبو الحسن علي الحسني

۱۸

الندوي» من منشورات «دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع ، بدمشق».

وهو في فصول عشرة :

الفصل الأول : علي بن أبي طالب في مكة ، من الأسرة والولادة إلى الهجرة ، ١٣ ـ ٣٥.

الفصل الثاني : علي في المدينة من الهجرة إلى وفاة الرسول ، ٣٧ ـ ٥٥.

الفصل الثالث : سيدنا علي في خلافة أبي بكر ، ٥٧ ـ ٩٣.

الفصل الرابع : سيدنا علي في خلافة عمر ، ٩٥ ـ ١١٤.

الفصل الخامس : سيدنا علي في خلافة عثمان ، ١١٥ ـ ١٣٦.

الفصل السادس : سيدنا علي في خلافته ، ١٣٧ ـ ١٥٧.

الفصل السابع : سيدنا علي إزاء الخوارج وأهل الشام إلى شهادته ، ١٥٩ ـ ١٧٤.

الفصل الثامن : سيدنا علي بعد الخلافة ، ١٧٥ ـ ١٩٢.

الفصل التاسع : سيدا شباب أهل الجنة الحسن والحسين ١٩٣ ـ ٢١٩.

الفصل العاشر : سادة أهل البيت وأولاد علي ، ٢٢١ ـ ٢٥٠.

فالكتاب كله يقع في ٢٥٠ صفحة! والمتعلق منه بالموضوع ـ وهو سيرة المرتضى أمير المؤمنين ـ ١٩٠ صفحة فقط!!

تناولت هذا الكتاب .. وأنا مستغرب كيف تمكن المؤلف من أن يودع «سيرة المرتضى أمير المؤمنين» في ١٩٠ صفحة فقط؟!

فوجدته يقول في المقدمة :

«ومن هذه الشخصيات المظلومة أو المهضومة حقها : شخصية سيدنا علي بن أبي طالب ، التي تراكمت عليها حجب كثيفة!! على مدى القرون

۱۹

والأجيال ، لأسباب مذهبية طائفية ونفسية ، ولم ينصف لها حق الإنصاف ، ولم تعرض للدارسين والباحثين ـ وحتى للمحبين المجلين ـ في صورتها الحقيقية ، وإطارها الواسع الشامل ، وفي استعراض ـ أمين دقيق محايد ـ للعصر الذي نبغت فيه ، والأحداث التي عاشتها ، والمجتمع ورجاله وقادته الذين عاصرتهم وتعاونت معهم ، والمعضلات والمصاعب التي واجهتها ، والقيم والمثل التي تمسكت بها أشد التمسك ، والخطة السياسية والإدارية التي آثرتها ، ولم يبحث عن أسبابها ونتائجها ، ولم تقارن بنقيضها وضدها ونتائجه ، لو فضله وسار عليه».

قرأت هذه الفقرة وازداد تعجبي واستغرابي ، وخشيت أن يكون هذا المؤلف أيضا ممن لم ينصف تلك الشخصية المظلومة أو المهضومة حقها»!! بل يكون هو أيضا من الظالمين لها والهاضمين لحقها!!

ثم رأيته يقول :

«ولكني بدأت بعد ذلك أشعر ـ بشدة ـ بفراغ مثير للاستغراب والدهشة في المكتبة الإسلامية العالمية ، فيما يختص بموضوع سيرة سيدنا علي بن أبي طالب ، سيرة موسعة مؤسسة على دراسة تاريخية جديدة واسعة ، يتخطى فيها المؤلف الحدود المرسومة التي قيد فيها المؤلفون كتاباتهم ...».

فقلت : وهل ملأت الفراغ المثير للاستغراب والدهشة ، وجئت ب «سيرة موسعة مؤسسة على دراسة ...» في فصول لا تبلغ المائة ورقة؟! وحينئذ عزمت على مواصلة القراءة ، لأفهم ـ قبل كل شئ ـ كيف تكون المعجزة؟! ... «سيرة موسعة» ... «تملأ الفراغ» ... لشخصية «مظلومة أو مهضومة حقها ...» «في إطارها الواسع الشامل ...» ... «في استعراض أمين دقيق محايد ...» ... في ١٩٠ صفحة!!

* * *

۲۰

وثمة شئ آخر .. في المقدمة .. يلفت النظر .. وهو وصفه هذا الكتاب بقوله :

«لا يكون عيالا على ما كتب وألف ، ولا على مصادر التاريخ المعدودة العرفية المعينة ، التي يستقي منها المؤلفون معلوماتهم في الغالب ...».

ثم قوله :

«إني التزمت في تأليف هذا الكتاب مبدأين كل الالتزام :

أولا : أن أعتمد على الكتب القديمة الموثوق بها المتلقاة بالقبول فقط.

ثانيا : التزمت الإحالة في النقل إلى اسم الكتاب بقيد الجزء ورقم الصفحة ...».

ولكنك إذا ما راجعت فهرس مصادره وجدته يستقي معلوماته من «مصادر التاريخ المعدودة العرفية المعينة» أمثال «سيرة ابن هشام» و «البداية والنهاية» ..

ويخالف ما يدعي الالتزام به في قوله : «أعتمد على الكتب القديمة ...» فقد اعتمد كثيرا على «البداية والنهاية» و «إزالة الخفاء في سيرة الخلفاء» و «السيرة الحلبية» ونحوها من كتب المتأخرين ، حتى أنه رجح في غير مورد ما جاء في أحد هذه الكتب على ما روته «الكتب القديمة» ك «تاريخ الطبري» و «سيرة ابن هشام» ... مضافا إلى تصريحه في هامش الصفحة ٩ من المقدمة بأنه قد «أفاد كثيرا» من كتاب «عبقرية الإمام» للأستاذ عباس محمود العقاد ، بعد أن وصفه بقوله : «إن مما يقتضيه الإنصاف والاعتراف بالحق : إن خير ما كتب عن سيدنا علي رضي‌الله‌عنه هو كتاب عبقرية الإمام ...».

* * *

وبعد :

فهذه هوامش وضعتها باختصار على أهم الفصول المتعلقة من الكتاب ب

۲۱

«المرتضى» تبيينا للحقائق التي أنكرها أو أغفلها ، وتنبيها على الأساليب الملتوية التي سلكها متبعا أثر أئمته السابقين ، ومشيدا لما أسسه أسلافه الأول .. لكن بدس السم في العسل ... ومن الله الهداية في القول والعمل.

* * *

۲۲

الفصل الأول

علي بن أبي طالب في مكة

[١] صفات أمير المؤمنين موروثة؟!

قال في صفحة ١٧ :

«يحسن بنا أن نستعرض ـ في أمانة تاريخية وحياد علمي ـ وضع الأسرة والسلالة ، اللتين ولد ونشأ فيهما أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ...».

كأنه يريد أن الخصائص التي امتاز بها أمير المؤمنين عليه‌السلام والصفات التي فضلته على غيره ... إنما هي قضايا موروثة من آبائه ، فللدم الموروث في أعضاء الأسرة كابرا عن كابر تأثير على أخلافها وذرياتها ... فالفضل في كل ما كان الإمام عليه‌السلام يتمتع به من الصفات العالية في أعلى درجاتها ، كالشجاعة والبلاغة ... يعود إلى القبيلة التي كان ينتمي إليها ، والأسرة التي نشأ فيها ...

وكان الرجل نسي ـ أو تناسي كما تقتضيهما الأمانة التاريخية والحياد العلمي!! ـ أنه لم يوجد في بني هاشم ولا قريش ... من كان يداني سيدنا المرتضى عليه‌السلام في شئ من الصفات التي كانت متوفرة فيه ، وحتى إخوته الذين نشأوا معه وعاشوا سوية ... لم يبلغوا معشار ما بلغه ...

إذن ، ليست القضية قضية عشيرة وقبيلة ، أو أسرة وبيئة ...

ثم ما يقول المؤلف في النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم؟! هل كانت صفاته التي كان عليها موروثة من آبائه كما يقول «علم التشريح وعلم النفس وعلم الأخلاق وعلم الاجتماع» ـ على حد تعبيره ـ؟!

إن حال أمير المؤمنين عليه‌السلام في فضائله التي ميزته عن أبناء أسرته

۲۳

حال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فإن ذلك فضل الله يؤتيه حيث يجعل رسالته ..

[٢] مات أبو طالب ولم يسلم؟!

قال في صفحة ٢٢ :

«مات أبو طالب في النصف من شوال في السنة العاشرة من النبوة ، وهو ابن بضع وثمانين سنة ، وهو العام الذي ماتت فيه خديجة زوج النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم. ولم يسلم أبو طالب وهو المشهور الثابت من كتب الحديث والسيرة ، المعروف عند المسلمين قديما وحديثا ، وقد تأسف على ذلك رسول الله صلى الله عليه [وآله] وحزن له ، وذلك يدل على أن هذا الدين دين مبدئي عقائدي ، لا يحابي فردا ولا سلالة على أساس نسب وسلالة ، أو رحم وقرابة ، ولا على حب ودفاع ، إذا لم تقرن به عقيدة صحيحة وإيمان بما جاء به الرسول».

أقول :

أما أن ما زعمه هو المعروف بين المسلمين قديما وحديثا ، فكذب صريح ، إذ الشيعة مجمعون على إسلام سيدنا أبي طالب عليه‌السلام وإيمانه ، وجماعة كبيرة من علماء الفرق الأخرى ، ينصون على ذلك ويعترفون به وقد ألفت في إثباته الكتب قديما وحديثا.

وأما أنه الثابت من كتب الحديث والسيرة ، فكذب آخر ، لأن كتب الشيعة متفقة على إسلامه ، وكتب غيرهم مشحونة بالأخبار والآثار الواضحة الدلالة على إيمانه.

وأما أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «قد تأسف على ذلك» أي على عدم إسلام أبي طالب عليه‌السلام ، فكذب ثالث.

ولنذكر بعض الروايات الصريحة في موته مسلما ومؤمنا عن المصادر

۲۴

«الموثوق بها المتلقاة بالقبول» كما قال وذلك إلزاما للمكابر ، وإلا فلسنا بحاجة إلى ما يروونه في مثل هذا الموضوع الثابت عندنا بالضرورة :

فمن ذلك : قول أبي طالب لعلي عليه‌السلام لما رآه يصلي مع النبي : «أما إنه لم يدعك إلا إلى خير ، فالزمه» (١).

ورووا قوله لجعفر ـ لما رأى النبي وعليا عن يمينه يصليان ـ : «صل جناح ابن عمك وصل عن يساره» (٢).

ومن ذلك : قوله مخاطبا لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

«والله لن يصلوا إليك بجمعهم

حتى أوسد في التراب دفينا

فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة

وأبشر بذاك وقر منك عيونا

ودعوتني وعلمت أنك ناصحي

ولقد دعوت وكنت ثم أمينا

ولقد علمت بأن دين محمد

من خير أديان البرية دينا» (٣)

ومن ذلك : قول في شعر له في أمر الصحيفة المعروف المشهور :

«ألم تعلموا أنا وجدنا محمدا

رسولا كموسى خط في أول الكتب» (٤)

ومن ذلك : ما ورد في كتب القوم بأسانيد يروون بها عن سيدنا أبي طالب عليه‌السلام أنه قال : «حدثني محمد ابن أخي ، وكان والله صدوقا ، قال : قلت له : بم بعثت يا محمد؟ قال : بصلة الأرحام وإقام الصلاة وإيتاء

__________________

(١) رواه المؤلف في ص ٣١ عن سيرة ابن هشام ١ / ٢٤٦ ، وهو أيضا في تاريخ الطبري ٢ / ٢١٤ ، وسيرة ابن سيد الناس ١ / ٩٤ ، وفي الإصابة ٤ / ١١٦ ، وغيرها.

(٢) أسد الغابة ١ / ٢٨٧.

(٣) البداية والنهاية ٣ / ٤٢ ، فتح الباري ٧ / ١٥٣ ، السيرة الحلبية ١ / ٣٠٥ ، المواهب اللدنية ١ / ٦١.

(٤) سيرة ابن هشام ١ / ٣٧٣ ، ابن كثير ٣ / ٨٧ ، وغيرهما.

۲۵

الزكاة» (٥).

ومن ذلك : وصيته ، فإنه دعا بني عبد المطلب فقال : «لن تزالوا بخير ما سمعتم من محمد وما اتبعتم أمره ، فاتبعوه وأعينوه ترشدوا» (٦).

ومن ذلك : إقراره بالشهادة قبيل وفاته ، كما ذكر علماء القوم في كتبهم ، ونكتفي هنا بكلام أبي الفداء حيث قال : «ذكر وفاة أبي طالب : توفي في شوال سنة عشر من النبوة ، ولما اشتد مرضه قال له رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم : يا عم قلها ، أستحل لك بها الشفاعة يوم القيامة ـ يعني الشهادة ـ فقال له أبو طالب : يا ابن أخي ، لولا مخافة السبة وأن تظن قريش إنما قلتها جزعا من الموت لقلتها. فلما تقارب من أبي طالب الموت جعل يحرك شفتيه ، فأصغى إليه العباس بأذنه وقال : والله يا ابن أخي لقد قال الكلمة التي أمرته أن يقولها. فقال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم : الحمد لله الذي هداك يا عم. هكذا روى ابن عباس. والمشهور (٧) أنه مات كافرا. ومن شعر أبي طالب مما يدل على أنه كان مصدقا لرسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم قوله :

ودعوتني وعلمت أنك صادق

ولقد صدقت وكنت ثم أمينا

ولقد علمت بأن دين محمد

من خير أديان البرية دينا

والله لن يصلوا إليك بجمعهم

حتى أوسد في الترب دفينا

وكان [عمر] أبي طالب بضعا وثمانين سنة " (٨).

وقال السيد أحمد زيني دحلان بعد نقل حديث العباس : «نقل الشيخ

__________________

(٥) الإصابة ٤ / ١١٨ ، أسنى المطالب ـ لأحمد زيني دحلان ـ : ٦ ، وغيرهما.

(٦) الطبقات ١ / ٧٩.

(٧) أي بين المناوئين لله ولرسوله ، لكن المتأمل في كلام أبي الفداء صدرا وذيلا يحكم بأن هذا المؤرخ مخالف لهذا المشهور.

(٨) المختصر في أخبار البشر ١ / ١٢٠.

۲۶

السحيمي في شرحه على شرح جوهرة التوحيد عن الإمام الشعراني والسبكي وجماعة : أن ذلك الحديث ثبت عند بعض أهل الكشف ، وصح عندهم إسلامه».

هذا ، ولا يخفى أنه قد جاء حديث العباس في سيرة ابن هشام مع إضافة في آخره ، وهو أن النبي ـ لما أخبره العباس بقول أبي طالب الكلمة التي أمرها بها ـ قال : «لم أسمع» ولكن الصحيح ما جاء في تاريخ أبي الفداء فإنه عن ابن عباس ، ولا بد وأنه يرويه عن أبيه الذي هو صاحب القصة ، لكن القوم زادوا تلك الكلمة وجعلوا يفسرونها بما لا يخلو من اضطراب ، ففي «الروض الأنف» في شرح هذا الموضع : شهادة العباس لأبي طالب لو أداها بعد ما أسلم لكانت مقبولة ولم يرد بقوله : لم أسمع ، لأن الشاهد العدل إذا قال : سمعت ، وقال من هو أعدل منه : لم أسمع أخذ بقول من أثبت السماع ، لأن عدم السماع يحتمل أسبابا منعت الشاهد من السمع ، ولكن العباس شهد بذلك قبل أن يسلم».

قلت :

أولا : قد عرفت بطلان هذه الزيادة.

وثانيا : إن العباس في هذا الموضع مخبر وليس بشاهد ، والمخبر إن كان موثوقا في إخباره يقبل منه ، ولا يشترط فيه العدالة كما لا يشترط التعدد ، بل لا يشترط فيه الإسلام ، ويشهد بذلك قبول النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خبر سلمان رضوان الله عليه في الهدية والصدقة قبل إسلامه ، وترتيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم الأثر على إخباره بأن الطبق المقدم له من الرطب صدقة فلم يأكل منه ، ثم إخباره مرة أخرى عن طبق آخر قدمه إليه بأنه هدية فجعل صلى الله عليه وآله وسلم يأكل ويقول لأصحابه : كلوا ... فحينذاك أسلم سلمان.

وذلك في قضية معروفة رواها أحمد في المسند ٥ / ٤٣٨ وغيره ،

۲۷

واستشهد بها علماء الأصول في مبحث خبر الواحد ، راجع في ذلك كتاب : كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي ٢ / ٦٨٥.

فيظهر أن السهيلي ـ على جلالته ـ نسي أو تناسى قصة سلمان التي كانت من الثبوت بحيث اعتمد عليها الأصوليون في بحوثهم.

ومن ذلك : ما كان من النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من قول وفعل بعد وفاته ، وإيراد بعض ذلك ـ ولو باختصار ـ كاف في بيان المطلب وكذب المؤلف :

١ ـ بكاؤه الشديد على فقده.

٢ ـ حضوره جنازته.

٣ ـ معارضته لجنازته.

٤ ـ دعاؤه له بقوله : «جزاك الله عني خيرا».

٥ ـ أمره عليا بأن يغسله ويكفنه ويواريه (٩).

وأخرج ابن سعد في الطبقات بسند صحيح عن إسحاق بن عبد الله ، قال العباس : «يا رسول الله ، أترجو لأبي طالب؟ قال : كل الخير أرجو من ربي» (١٠).

[٣] أين كان مولد علي؟!

قال في صفحة ٢٨ :

«قال الحاكم في ترجمة حكيم بن حزام : قد تواترت الأخبار أن فاطمة بنت أسد ولدت أمير المؤمنين عليا في جوف الكعبة ، وولد حكيم بن حزام في

__________________

(٩) الطبقات الكبرى ١ / ١٠٥ ، تاريخ ابن كثير ٣ / ١٢٥ ، تاريخ بغداد ١٣ / ١٩٦ ، الإصابة ٤ / ١١٦ ، تاريخ اليعقوبي ٢ / ٢٦.

(١٠) الطبقات الكبرى ١ / ١٠٦.

۲۸

الكعبة. وقال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : اختلف في مولد علي عليه‌السلام أين كان؟ فكثير من الشيعة يزعمون أنه ولد في الكعبة ، والمحدثون لا يعترفون بذلك ، ويزعمون أن المولود في الكعبة : حكيم بن حزام بن خويلد ابن أسد بن عبد العزى بن قصي».

أقول :

هنا نقاط :

أولا : كلام الحاكم بترجمة حكيم بن حزام هو : «تواترت الأخبار أن فاطمة بنت أسد ولدت أمير المؤمنين عليا في جوف الكعبة» هذا كلامه. وليس بعده «وولد حكيم بن حزام في الكعبة» كما لا يخفى على من راجع المستدرك (١١) ولعله من هنا لم يذكر المؤلف المصدر الذي نقل عنه هذا الكلام!

نعم ، نقل الحاكم بترجمة حكيم بسند له عن «علي بن غنام العامري» أنه ولد حكيم بن حزام في جوف الكعبة ، لكن الذي يعتقده الحاكم هو الذي نص على تواتر الأخبار به ، أما القائل بولادة حكيم فيها وهو «علي بن غنام العامري» فلم أجد له في الكتب الرجالية ذكرا ، فقيل : أن «غنام» مصحف «عثام» فهو أبو الحسن الكلابي المتوفى سنة ٢٢٨ (١٢) فإن كان الأمر كما ذكر ، خرج الرجل عن الجهالة ، إلا أنه لا قيمة لخبره ، لأن المفروض كونه من رجال القرن الثالث ولا يدرى عمن يروي ذلك؟!

وثانيا : نقله عن ابن أبي الحديد وكتابه «شرح نهج البلاغة» يفيد كون

__________________

(١١) المستدرك على الصحيحين ٣ / ٤٨٢.

(١٢) انظر : مجلة «تراثنا» العدد ٢٦ ، الولادة في الكعبة المعظمة فضيلة لعلي عليه‌السلام خصه بها رب البيت ، بقلم الفاضل المتتبع شاكر شبع.

۲۹

المؤلف والمؤلف موثوقا به ومقبولا عنده ، لكونه قد زعم الالتزام بالكتب الموثوق بها والمقبولة فقط.

وثالثا : الغرض من ذكره كلام ابن أبي الحديد بعد كلام الحاكم وسكوته عليه هو التشكيك في صحة ما نص عليه الحاكم ، ولكن كان من المناسب أن يعارض كلام الحاكم بكلام إمام من أئمة الحديث ، لا بكلام أديب مؤرخ خلط في كتابه بين الغث والسمين.

ورابعا : كلام ابن أبي الحديد مردود ، فإن القول بولادة أمير المؤمنين عليه‌السلام في الكعبة هو قول عامة الشيعة لا كثير منهم.

وقوله : «والمحدثون لا يعترفون بذلك» يرده كلام الحاكم ، وأيضا ، فقد نص على ولادته عليه‌السلام في الكعبة ، وتواتر الأخبار بذلك ، كثير من علماء أهل السنة من محدثين ومؤرخين ، منهم شاه ولي الله الدهلوي صاحب كتاب «إزالة الخفا» الذي هو من مصادر المؤلف.

[٤] إسلام علي عليه‌السلام

قال في صفحة ٢٩ :

«ذكر ابن إسحاق : أن علي بن أبي طالب ـ رضي‌الله‌عنه ـ جاء وهما ـ أي النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم وخديجة رضي‌الله‌عنها ـ يصليان ، فقال علي : يا محمد ، ما هذا؟ قال : دين الله الذي اصطفى لنفسه وبعث به رسله ، فأدعوك إلى الله وحدة لا شريك له ، وإلى عبادته ، وأن تكفر باللات والعزى.

فقال علي : هذا أمر لم أسمع به قبل اليوم ، فلست بقاض أمرا حتى أحدث به أبا طالب ، فكره رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم أن يفشي عليه سره قبل أن يستعلن أمره ، فقال له : يا علي ، إذ لم تسلم فاكتم.

فمكث علي تلك الليلة ، ثم إن الله أوقع في قلب علي الإسلام ...».

۳۰

أقول :

هذا الخبر ينقله عن ابن إسحاق ، لكن مصدره : البداية والنهاية لابن كثير ، ج ٣ ص ٢٤ ، والذي في سيرة ابن هشام ـ التي هي تهذيب سيرة ابن إسحاق كما هو معلوم ـ :

«ذكر أن علي بن أبي طالب رضي‌الله‌عنه أول ذكر أسلم. قال ابن إسحاق : ثم كان أول ذكر من الناس آمن برسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم وصلى معه وصدق بما جاءه من الله تعالى : علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم ، رضوان الله وسلامه عليه ، وهو يومئذ ابن عشر سنين.

وكان مما أنعم الله (به) على علي بن أبي طالب رضي‌الله‌عنه ، أنه كان في حجر رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم قبل الإسلام.

قال ابن إسحاق : وحدثني عبد الله بن أبي نجيح ، عن مجاهد بن جبر أبي الحجاج ، قال : كان من نعمة الله على علي بن أبي طالب ، وكان مما صنع الله له وأراد به من الخير : أن قريشا أصابتهم أزمة شديدة ، وكان أبو طالب ذا عيال كثير ، فقال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم للعباس عمه ـ وكان من أيسر بني هاشم ـ : يا عباس ، إن أخاك أبا طالب كثير العيال ... فأخذ رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم عليا فضمه إليه وأخذ العباس جعفرا فضمه إليه ، فلم يزل على مع رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم حتى بعثه الله تبارك وتعالى نبيا ، فاتبعه علي رضي‌الله‌عنه وآمن به وصدقه ، ولم يزل جعفر عند العباس حتى أسلم واستغنى عنه.

قال ابن إسحاق : وذكر بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم كان إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكة ، خرج معه علي بن أبي طالب مستخفيا من أبيه أبي طالب ومن جميع أعمامه وسائر قومه ، فيصليان الصلوات فيها ، فإذا أمسيا رجعا ...».

۳۱

فالذي أورده عن «البداية والنهاية» غير موجود في سيرة ابن هشام! والخبر الذي رواه ابن إسحاق بإسناده عن مجاهد ، أورده المؤلف عن تاريخ الطبري بسنده عن مجاهد! ثم قال في الهامش : «والحكاية عند محمد بن إسحاق أيضا» والذي جاء في السيرة لابن هشام أنه «قال ابن إسحاق : وذكر بعض أهل العلم ...» أورده المؤلف عن ابن إسحاق تحت عنوان «بين علي وأبي طالب»!!

فالملاحظ : أنه يذكر شيئا عن ابن إسحاق بواسطة ابن كثير الدمشقي وهو غير موجود في السيرة الهشامية ، والذي فيه لا يورده ...!! وشئ موجود عند ابن إسحاق يذكره عن الطبري ولا يورده عن ابن إسحاق ، وشئ يورده عنه ولكن تحت عنوان مخترع من عنده!!

والمهم أن نقارن بين الذي في السيرة لابن هشام عن ابن إسحاق ، والذي ذكره ابن كثير عن ابن إسحاق ، ثم نسأل المؤلف عما دعاه إلى اعتماد نقل ابن كثير دون ما جاء في نفس سيرة ابن إسحاق؟!

هذا ، وقد سبق ابن الأثير في «أسد الغابة» ابن كثير في هذا الذي أورده معزوا إلى ابن إسحاق ، ولا أستبعد أن يكون ابن كثير قد أخذ المطلب من «أسد الغابة» بلا مراجعة لسيرة ابن إسحاق.

ثم إن المؤلف بعد ما رأى نفسه مضطرا إلى الاعتراف بأن عليا أول من أسلم ، قال في صفحة ٣٠ :

«وهو ما تدل عليه القرائن وطبيعة الأشياء ، فإنه رضي‌الله‌عنه نشأ في أحضان رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم ، وفي البيئة النبوية التي احتضنت الدعوة إلى الإسلام ، وتبليغ رسالات الله إلى كافة الأنام ، والخضوع لتأثيرها ـ إذا لم يكن مانع قاسر أو طبيعة منحرفة قاسية وحاشا عليا عن ذلك ـ شئ طبيعي».

إذن ، كان إسلام علي عليه‌السلام على أثر وجوده في هذه البيئة ،

۳۲

والخضوع لتأثيرها شئ طبيعي ، فالفضل للبيئة التي أثرت فيه وحملته على الخضوع ...!! هذا معنى كلامه ، ويشهد بذلك عبارته بعد هذا حيث قال :

«وقد جمع بعض المحققين والباحثين بين الروايات بأنه كان أول النساء وأهل البيت إسلاما خديجة أم المؤمنين ، وأول الرجال الواعين الناضجين إسلاما أو بكر الصديق ، وأول الصغار والأحداث إسلاما علي بن أبي طالب. والأول أقرب إلى القياس ، والله أعلم».

فإسلام علي عليه‌السلام كان إسلام تأثر بالبيئة ، لا إسلام نضوج!! وهنا يأتي هذا السؤال :

إذا كان إسلام علي عن تأثير البيئة ، ولم يكن عن وعي ونضج ، فما تصنع ب «حديث الانذار» الصريح في خلافة علي بعد النبي فضلا عن صحة إسلامه؟!

فيضطر المؤلف إلى التعرض للحديث ، لكن باختصار!! وفي الهامش!! ثم التشكيك في صحته!! فيقول :

«وقد جاءت قصة ضيافة بني عبد المطلب وصنع الطعام لهم ، وقيام علي ابن أبي طالب بذلك على أثر نزول آية (وأنذر عشيرتك الأقربين) ودعوة رسول الله بني عبد المطلب إلى الإسلام ، ورد أبي لهب على ذلك ردا قبيحا ، واستجابة علي ومؤازرته لرسول الله ، وما تكلم به الرسول ، في بعض كتب السيرة ، وسردها ابن كثير بطولها في كتابه البداية والنهاية ٣ / ٣٩ ـ ٤٠ ، وتكلم في بعض رواتها ، وفيها ما يشكك في صحتها وضبطها».

فأقول للمؤلف :

إن قصة يوم الانذار وحديث بدء الدعوة المحمدية من أهم الأحداث الخالدة في تاريخ الإسلام ، ومن أسمى أيام ومواقف أمير المؤمنين في كل حياته الكريمة وسيرته المشرفة .. فكيف تغفل ذكرها كما هي واردة في " الكتب

۳۳

القديمة الموثوق بها» كما وصفت تلك الكتب والتزمت بالنقل عنها؟!

أهكذا يكتب عن سيرة «هذه الشخصية المظلومة أو المهضومة حقها ، شخصية سيدنا علي بن أبي طالب ، التي تراكمت عليها حجب كثيفة على مدى القرون والأجيال ، لأسباب مذهبية طائفية ونفسية ، ولم ينصف لها حق الإنصاف» كما عرفتها؟!

وكيف تقول : «وقد جاءت قصة ... في بعض كتب السيرة» والحال أن الشيخ علي المتقي الهندي وحده أوردها في كتابه «كنز العمال» ـ وهذا الكتاب من المصادر التي نقلت عنها في كتابك ـ عن : أحمد بن حنبل ، والطحاوي ، وابن إسحاق ، ومحمد بن جرير الطبري ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، وأبي نعيم ، والضياء المقدسي؟! (١٣).

ثم إن المتقي ينص على أن ابن جرير الطبري صحح هذا الحديث ، كما أن الضياء المقدسي يراه صحيحا لأنه أخرجه في كتابه «المختارة» الذي التزم فيه بالصحة ، فما بالك تركت كل هؤلاء وقلت : «وسردها ابن كثير بطولها في كتابه البداية والنهاية ٣ / ٣٩ ـ ٤٠ ، وتكلم في بعض رواتها ، وفيها ما يشكك في صحتها وضبطها»؟!!

هذا ، ولنورد نص الرواية عن ابن إسحاق وابن جرير وجماعة :» عن علي ، قال : لما نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم (وأنذر عشيرتك الأقربين) دعاني رسول الله فقال : يا علي ، إن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين ، فضقت بذلك ذرعا وعرفت أني مهما أناديهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره ، فصمت عليها ، حتى جاءني جبريل فقال : يا محمد ، إنك إن لم تفعل ما تؤمر به يعذبك ربك.

فاصنع لي صاعا من طعام ، واجعل عليه رجل شاة ، واجعل لنا عسا من

__________________

(١٣) كنز العمال ١٣ / ١٢٩ و ١٣١ و ١٤٩ و ١٧٤.

۳۴

لبن ، ثم اجمع لي بني عبد المطلب حتى أكلمهم وأبلغ ما أمرت به.

ففعلت ما أمرني به ، ثم دعوتهم له ، وهم يومئذ أربعون رجلا ، يزيدون رجلا أو ينقصونه ، فيهم أعمامه : أبو طالب وحمزة والعباس وأبو لهب ، فلما وضعته تناول النبي جشب حزبة من اللحم ، فشقها بأسنانه ثم ألقاها في نواحي الصحفة ثم قال : كلوا بسم الله.

فأكل القوم حتى نهلوا عنه ، ما نرى إلا آثار أصابعهم ، والله إن كان الرجل الواحد منهم ليأكل مثل ما قدمت لجميعهم.

ثم قال : اسق القوم يا علي ، فجئتهم بذلك العس ، فشربوا منه حتى رووا جميعا ، وأيم الله إن كان الرجل منهم ليشرب مثله.

فلما أراد النبي أن يكلمهم بدره أبو لهب إلى الكلام فقال : لقد سحركم صاحبكم. فتفرق القوم ، ولم يكلمهم النبي.

فلما كان الغد فقال : يا علي ، إن هذا الرجل قد سبقني إلى ما سمعت من القول ، فتفرق القوم قبل أن أكلمهم ، فعد لنا مثل الذي صنعت بالأمس من الطعام والشراب ، ثم اجمعهم لي.

ففعلت ثم جمعتهم. ثم دعاني بالطعام فقربته ففعل به كما فعل بالأمس ، فأكلوا وشربوا حتى نهلوا ، ثم تكلم النبي فقال :

يا بني عبد المطلب ، إني والله ما أعلم شابا في العرب جاء قومه بأفضل ما جئتكم به ، إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة ، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه ، فأيكم يؤازرني على أمري هذا؟

فقلت ـ وأنا أحدثهم سنا ، وأرمصهم عينا ، وأعظمهم بطنا ، وأحمشهم ساقا ـ : أنا يا نبي الله ، أكون وزيرك عليه

فأخذ برقبتي فقال : إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم ، فاسمعوا له وأطيعوا.

فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب : قد أمرك أن تسمع وتطيع

۳۵

لعلي.

ابن إسحاق ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، وأبو نعيم والبيهقي معا في الدلائل» (١٤).

في هذه الرواية دلالة على :

١ ـ إن عليا عليه‌السلام ـ على صغر سنة ـ كان في أعلى درجات الوعي والنضج ، ولا يقاس به أحد من الذين أسلموا من بعده ...

٢ ـ إن عليا عليه‌السلام هو الذي صنع الطعام ـ بأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ـ وهو الذي دعا القوم وأطعمهم وسقاهم ...

٣ ـ إن عليا عليه‌السلام أخو النبي ووصيه وخليفته في المسلمين .. وإنه يجب إطاعته والتسليم له عليهم جميعا .. منذ ذلك الحين ...

ولهذه الأمور ـ لا غير ـ يشكك بعض القوم في صحة الخبر .. كابن كثير! .. وينكر ابن تيمية وجوده في الصحاح والمسانيد بالرغم من وجوده في مسند أحمد! .. ويحذفه محمد حسين هيكل من كتابه في الطبعة الثانية بعد أن أثبته في الأولى! .. ويستهين به مؤلفنا في كتابه الذي ألفه أداء لحق المرتضى!! ..

[٥] بين علي وأبي طالب

وهذا عنوان يقصد به الغض من أمير المؤمنين عليه‌السلام ، وقد جاء في صفحة ٣٠ تحت هذا العنوان ما نصه :

«قال ابن إسحاق : وذكر بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكة ، وخرج معه علي بن أبي طالب مستخفيا من أبيه أبي طالب ...».

__________________

(١٤) كنز العمال ١٣ / ١٣١ ـ ١٣٣.

۳۶

أقول :

أولا : كيف ينقل هذا عن ابن إسحاق ، ويعتمد عليه ، ولا ينقل عنه ـ ولا عن غيره ـ قصة يوم الانذار؟!

وثانيا : كيف يعتمد على مثل هذا الخبر المنقول عن «بعض أهل العلم» ولم يعلم من هو؟! بل يعتمد على تكلم ابن كثير في بعض رواة حديث يوم الانذار مع وروده في مسند أحمد ، وتصحيح الطبري وغيره له؟!

۳۷

الفصل الثاني

علي في المدينة

[٦] المؤاخاة

جاء في الكتاب ، صفحة ٣٩ ، تحت هذا العنوان ما نصه :

«جاء في الطبقات الكبرى لابن سعد : آخى رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم بين علي بن أبي طالب وسهل بن حنيف.

وقال ابن كثير : آخى النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم بينه وبين سهل ابن حنيف. وذكر ابن إسحاق وغيره من أهل السير والمغازي أن رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم آخى بينه وبين نفسه ، وقد وردت في ذلك أحاديث كثيرة لا يصح شئ منها لضعف أسانيدها وركة بعض متونها (١)».

أقول :

أولا : إن من يقرأ هذا النص المنقول عن ابن كثير ، ابتداء بكلمة «آخى النبي» وانتهاء بكلمة «متونها» ثم ينظر إلى وضع رقم الهامش على كلمة «متونها» والإرجاع في الهامش إلى البداية والنهاية ٣ / ٢٢٦ ـ ٢٢٧ ، لا يفهم إلا كون هذا الكلام لابن كثير ...

إلا أنا لما راجعنا الجزء والصفحة المذكورتين وجدنا عنوان ابن كثير هكذا : «فصل في مؤاخاة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بين المهاجرين والأنصار» ولم نجد فيه هذا النص المذكور في كتاب المؤلف!! ... ومن شاء فليراجع ...

وثانيا : إذا كان قد «ذكر ابن إسحاق وغيره من أهل السير والمغازي أن

۳۸

رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم آخى بينه وبين نفسه " فلماذا لم تذكر عبارة ابن إسحاق ولم تعتمد على نقله ، وأنت معتمد عليه في الموارد الأخرى حتى مع الجهل برواة الخبر عنده؟!

وثالثا : إن أخوة أمير المؤمنين عليه‌السلام للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وسلم ثابتة قبل يوم المؤاخاة ، ففي أخبار حديث يوم الانذار : أن النبي جعله أخا له ...

ومن ذلك ما أخرجه أحمد في «المسند» بسند صحيح ، فقد رواه عن عفان ، ثنا أبو عوانة ، عن عثمان بن المغيرة ، عن أبي صادق ، عن ربيعة بن ناجذ ، عن علي رضي‌الله‌عنه ، قال : جمع رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم ـ أو : دعا رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم ـ بني عبد المطلب ، فيهم رهط كلهم يأكل الجذعة ويشرب الفرق.

قال : فصنع لهم مدا من طعام ، فأكلوا حتى شبعوا. قال : وبقي الطعام كما هو كأنه لم يمس ، ثم دعا بغمر فشربوا حتى رووا ، وبقي الشراب كأنه لم يمس أو لم يشرب. فقال : يا بني عبد المطلب ، إني بعثت إليكم خاصة وإلى الناس بعامة ، وقد رأيتم من هذه الآية ما رأيتم : فأيكم يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي؟ قال : فلم يقم إليه أحد ، قال : فقمت إليه وكنت أصغر القوم. قال : فقال : اجلس. قال ثلاث مرات ، كل ذلك أقوم إليه فيقول لي : اجلس ، حتى كان في الثالثة ضرب بيده على يدي» (١٥).

هذا ، ولو أردنا إيراد نصوص المؤاخاة لطال بنا المقام ، فراجع الترمذي في فضائل الإمام عليه‌السلام ، حيث أخرجه عن ابن عمر وحسنه ، وكذا الحاكم عن ابن عمر ، وجاء في الاستيعاب بترجمته عليه‌السلام : «وروينا من وجوه عن علي أنه كان يقول : أنا عبد الله وأخو رسول الله ، لا يقولها أحد غيري إلا كذاب».

__________________

(١٥) مسند أحمد ١ / ١٥٩.

۳۹

[٧] زواج علي بفاطمة

قال في صفحة ٣٩ :

«وفي السنة الثانية من الهجرة زوج رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم بنته فاطمة عليا كرم الله وجهه ، وقال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم لفاطمة : قد أنكحتك أحب أهل بيتي إلي ، ودعا لها ، ونضح عليها من الماء».

أقول :

نقل هذا عن «إزالة الخفاء» : ٢٥٤ ، وهذا الكتاب من تأليف الشيخ ولي الله الدهلوي ـ المتوفى سنة ١١٧٦ ه ـ ولست أدري لماذا لم ينقل عن الكتب القديمة الموثوق بها كما قال؟!

فقد ورد في المصادر القديمة المعتبرة عندهم أنه صلى‌الله‌عليه‌وآله وسلم قال لها حين زوجها منه :

«زوجتك خير أمتي ، أعلمهم علما ، وأفضلهم حلما ، وأولهم سلما» (١٦).

[٨] جنايات المؤلف على أحاديث الفضائل

هذا .. ولا يخفى على من يطالع كتاب المؤلف جناياته على أحاديث فضائل مولانا أمير المؤمنين عليه‌السلام المروية في المصادر القديمة المعتبرة عند القوم ، فهو بالإضافة إلى عدم ذكره كثيرا من مواقف الإمام عليه‌السلام ، وإلى جنايته على حديث يوم الانذار ، وحديث المؤاخاة ... أغفل ذكر ما قاله النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حقه يوم الخندق ، ولم يذكر حديث الراية

__________________

(١٦) مسند أحمد ٥ / ٢٦ ، مجمع الزوائد ٩ / ١٠١ و ١١٤ ، الاستيعاب ٣ / ١٠٩٩ ، الرياض النضرة ٢ / ١٩٤.

۴۰

يوم خيبر بصورة كاملة ، وكذا حديث المنزلة الذي قاله النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وسلم لدى خروجه إلى تبوك ، ولم يأت من خبر «حجة الوداع وخطبة غدير خم» بشئ حيث عنون ذلك ، إلا أنه قال : «فلما وصل إلى غدير خم خطب وذكر فيها فضل علي رضي‌الله‌عنه وقال : من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه»!!

ثم إنه أضاف بالنسبة إلى حديث «من كنت مولاه» :

«وكان سبب ذلك أن بعض الناس كانوا قد اشتكوا عليا وعتبوا عليه ، وتكلم فيه بعض من كان معه بأرض اليمن ، بسبب ما كان صدر منه إليهم من المعدلة التي ظنها بعضهم جورا وتضييقا وبخلا ، والصواب كان مع علي في ذلك».

أقول :

وهذا نفس ما يتقول به النواصب في هذا المقام!!

غير إن المؤلف تفضل!! فقال : «والصواب كان مع علي في ذلك» ليوهم أنه ليس منهم!!

وعلى كل حال ، فقد اضطرب المخالفون لأمير المؤمنين والمنكرون فضائله ومناقبه الصريحة في أفضليته والدالة على خلافته بعد النبي بلا فصل ... تجاه ما ورد من ذلك في كتب السنة ... وفي خصوص حديث الغدير ... تجد بعضهم يقدح في سنده ، وآخر يسلم السند ويقدح في الدلالة ، وثالث يرى أن لا جدوى في شئ من ذلك فينكر وجود علي مع النبي في حجة الوداع ، ورابع لما وجد الحديث متواترا ودلالته ثابتة وأن وجود علي في الغدير لا ينكر ... عمد إلى دعوى أن الحديث وارد في قضية خاصة ومناسبة معينة ، فاضطربوا هذه المرة في تحديد تلك القضية والمناسبة :

فبعضهم قال : إن قوما نقموا على علي بعض أموره ...

۴۱

وبعضهم قال : إنه وقع بينه وبين أسامة بن زيد كلام ...

وبعضهم قال : إنه وقع بينه وبين زيد بن حارثة كلام ، وهذا معناه ورود الحديث قبل حجة الوداع بزمان طويل ...

فلينظر المنصف!! كيف يسعى أعداء الحق وراء إنكاره ولو بارتكاب المستحيل!!

لقد كان على المؤلف ـ الذي التزم بالنقل عن الكتب الموثوق بها المعتمدة!! وتصدى لأن يكتب عن حسن نية! سيرة شخصية مظلومة ـ أن يبذل جهدا قليلا فيبحث عن واقع القضية أو يترك قوله : «وكان سبب ذلك ...» أو ينقل ـ في الأقل ـ ما جاء في سيرة ابن هشام التي أكثر من النقل عنها والإرجاع إليها ، فإن الذي جاء فيها هكذا :

«قال ابن إسحاق : وحدثني يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي عمرة ، عن يزيد بن طلحة بن يزيد بن ركانة ، قال : لما أقبل علي رضي‌الله‌عنه من اليمن ليلقى رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم بمكة ، تعجل إلى رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم ، واستخلف على جنده الذين معه رجلا من أصحابه ، فعمد ذلك الرجل فكسى كل رجل من القوم حلة من البز الذي كان مع علي رضي‌الله‌عنه ، فلما دنا جيشه خرج ليلقاهم فإذا عليهم الحلل ، قال : ويلك! ما هذا؟! قال : كسوت القوم ليتجملوا به إذا قدموا في الناس ، قال : ويلك! انزع قبل أن تنتهي به إلى رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم ، قال : فانتزع الحلل من الناس ، فردها في البز. قال : وأظهر الجيش شكواه لما صنع بهم.

قال ابن إسحاق : فحدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر بن حزم ، عن سليمان بن محمد بن كعب بن عجرة ، عن عمته زينب بنت كعب ـ وكانت عند أبي سعيد الخدري ـ عن أبي سعيد الخدري ، قال : اشتكى الناس عليا رضي‌الله‌عنه ، فقام رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم فينا خطيبا ، فسمعته

۴۲

يقول : لا تشكوا عليا ، فوالله إنه لأخشن في ذات الله. أو : في سبيل الله " (١٧).

فهذا هو الذي قاله رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في المناسبة التي أشار إليها المؤلف ، حسب ما في سيرة ابن هشام ، الذي هو من أهم مصادره ... لا حديث الغدير ...

على أنا لو سلمنا صدور حديث الغدير من النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وسلم ، بسبب شئ من القضايا المزعومة ، فإن الحديث : «ألست أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا : بلى ، قال : فمن كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه» وقد نص غير واحد من محققي القوم ، كالقاضي عبد الجبار المعتزلي ـ في مقام الجواب عن الاستدلال بحديث الغدير ـ بأن كل ذلك لو صح وكان الخبر خارجا عليه ، فلم يمنع من التعلق بظاهره وما يقتضيه لفظه ، فيجب أن يكون الكلام في ذلك دون بيان السبب الذي وجوده كعدمه.

قلت : وكيف يكون مانعا عن التعلق بظاهره وما يقتضيه لفظه ، والحال أن كبار الصحابة لم يعبأوا بالسبب ، وفهموا من الحديث ما هو ظاهر فيه ، فقال أبو بكر وعمر لعلي : «بخ بخ ...» وقال حسان بن ثابت في معناه قصيدته المشهورة ، واغتاظ بعضهم من مدلوله وسأل بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع ...

فلو كان كلام النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في مناسبة خاصة وبسبب معين وخطابا لشخص أو أشخاص فقط ... لما كان ذلك كله.

هذا موجز البيان في هذا المقام ... والتفصيل موكول إلى محله.

[٩] وفاة الرسول

وهذا آخر عنوان من عناوين الفصل الثاني من كتابه ، وقد تطرق هنا إلى

__________________

(١٧) سيرة ابن هشام ٢ / ٦٠٣.

۴۳

صلاة أبي بكر ، وزعم أنها «كانت بأمر من النبي ، وأنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خرج وجلس إلى جنب أبي بكر ، فجعل أبو بكر يصلي قائما ورسول الله يصلي قاعدا»!!

أقول :

قد حققت في رسالة مستقلة أن صلاة أبي بكر لم تكن بأمر منه صلى الله عليه وآله وسلم ، وأنه خرج ونحاه عن المحراب وصلى بالمسلمين بنفسه.

ثم إنه لم يتعرض هنا لخبر سرية أسامة ، وأنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أبقى عنده عليا وأمر بخروج غيره ـ وفيهم المشايخ ـ مع أسامة!

وإن كنت في ريب من قولنا هذا فهذه عبارة الحافظ ابن حجر في شرح البخاري : «وكان ممن انتدب مع أسامة كبار المهاجرين والأنصار ، منهم : أبو بكر وعمر وأبو عبيدة وسعد وسعيد وقتادة بن النعمان وسلمة بن أسلم ، فتكلم في ذلك قوم ... ثم اشتد برسول الله صلى الله عليه [وآله] سلم وجعه فقال : أنفذوا بعث أسامة.

وقد روي ذلك عن الواقدي وابن سعد وابن إسحاق وابن الجوزي وابن عساكر» (١٨)

ثم لم يذكر مناجاة النبي قبيل وفاته مع علي عليه‌السلام ، وأنه توفي ورأسه في حجر علي!!

هذا الخبر الثابت المتفق عليه بين المسلمين ، قالت أم سلمة رضي الله عنها : «والذي أحلف به أن علي لأقرب الناس عهدا برسول الله ... فأكب عليه علي ، فجعل يساره ويناجيه ، ثم قبض رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم من يومه ذلك ، فكان أقرب الناس به عهدا» (١٩).

__________________

(١٨) فتح الباري ٨ / ١٢٤.

(١٩) مسند أحمد ٦ / ٣٠٠ ، المستدرك ٣ / ١٣٨ ، ابن عساكر ٣ / ١٦.

۴۴

وقالت عائشة : «قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم وهو في بيتها لما حضره الموت : ادعوا لي حبيبي ، فدعوت له أبا بكر ، فنظر إليه ثم وضع رأسه ، ثم قال : ادعوا لي حبيبي ، فدعوت له عمر ، فلما نظر إليه وضع رأسه. ثم قال : ادعوا لي حبيبي ، فقلت : ويلكم ادعوا له عليا فوالله ما يريد غيره. فلما رآه أخرج الثوب الذي كان عليه ثم أدخله معه ، فلم يزل محتضنه حتى قبض ويده عليه» (٢٠).

هذا ، ولا يخفى ما اشتمل عليه هذا الخبر من فوائد.

* * *

__________________

(٢٠) الرياض النضرة ٢ / ١٨٠ ، ابن عساكر ٣ / ١٤ ، ذخائر العقبى : ٧٢.

۴۵

الفصل الثالث

سيدنا علي في خلافة أبي بكر

وفي هذا الفصل الذي يبدأ بالصفحة ٥٩ ، ويختم بالصفحة ٩٣ ذكر مقدمة تتعلق بمصير الديانات الأخرى وانحرافها عن الصراط المستقيم والطريق الصحيح ، حتى جاء في الصفحة ٦١ :

[١٠] شروط خلافة النبي ومتطلباتها

فذكر تحت هذا العنوان ستة أمور اعتبرها شروط الخلافة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، نلخصها فيما يلي :

١ ـ يمتاز بأنه ظل طول حياته بعد الإسلام متمتعا بثقة رسول الله به وشهادته له ، واستخلافه إياه في القيام ببعض أركان الدين.

٢ ـ يمتاز هذا الفرد بالتماسك والصمود في وجه الأعاصير والعواصف.

٣ ـ يمتاز هذا الفرد في فهمه الدقيق للإسلام.

٤ ـ يمتاز بشدة غيرته على أصالة هذا الدين.

٥ ـ يكون دقيقا كل الدقة ، وحريصا أشد الحرص في تنفيذ رغبات الرسول.

٦ ـ يمتاز بالزهد في متاع الدنيا والتمتع به.

* * *

۴۶

* ثم قال في صفحة ٦٢ :

تحقيق أبي بكر هذه الشروط والمتطلبات :

فقال :

«وقد اجتمعت هذه الصفات والشروط كلها في سيدنا أبي بكر رضي الله عنه ...»!

* وقال في صفحة ٦٣ :

«ونتناول مظاهر تحقيق سيدنا أبي بكر الشروط المذكورة أعلاه بالترتيب ...».

فشرع يشرح تحقيق أبي بكر لتلك الشروط ... حتى الصفحة ٧١!

أقول :

أولا : كل هذه الصفحات التي سودها المؤلف أجنبية عن «سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب».

وثانيا : البحث عن أن الأصل والأساس في خلافة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما هو؟ وأن الشروط التي يعتبر وجودها في الخليفة ما هي؟ وأن الذي كان واجدا لذلك وأهلا للخلافة من هو؟ والبحوث الأخرى المتعلقة بموضوع (الإمامة) ... موضعها (علم الكلام) ومرجعها (كتب الإمامة).

وثالثا : من يراجع كتب أهل السنة ك «المواقف» و «المقاصد» وشروحهما وغيرهما ... يجد الشروط المعتبرة عندهم في الخليفة أشياء أخرى غير هذه التي اخترعها هذا المؤلف ... فهو في كل ما أتى به مخالف لما قال به أئمة مذهبه.

ورابعا : هذه الشروط التي زعم توفرها في أبي بكر كانت متوفرة بصورة أتم وأكمل في كثير من أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فيكون كل

۴۷

واحد منهم أحق وأولى منه بالخلافة عن النبي.

وخامسا : هذه الشروط التي زعم توفرها في أبي بكر كانت متوفرة ـ في هذا الحد الذي ادعاه ـ في عشرات ـ إن لم نقل مئات ـ من أصحاب النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فما الذي قدمه وفضله عليهم؟!

ويشهد بما ذكرنا قوله المشهور المتفق عليه : «أقيلوني ، فلست بخيركم».

وسادسا : إن كان يقصد اختصاص أبي بكر ـ دون غيره ـ ببعض الأمور ، فلذا قدم على غيره ، فإنا لم نجد فيما أورده شيئا يختص بأبي بكر إلا مسألة الصلاة في مرض النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقد حققنا هذه المسألة من قبل في رسالة خاصة مطبوعة ، وتوصلنا ـ على ضوء أحاديث الصحاح والمسانيد المعتبرة لدى القوم ـ إلى أن لا أساس لذلك من الصحة ... ومن شاء فليرجع إلى تلك الرسالة (٢١).

* قال في صفحة ٧١ :

[١١] الأمر الشورى في الإسلام وخلافة أبي بكر

وتحت هذا العنوان ذكر أن الحكومة والسيطرة كانت في الأمم والأديان السالفة وراثية وقد قضى الإسلام على ذلك.

ولا أعلم لهذا المطلب علاقة ب (المرتضى أمير المؤمنين) إلا دعوى أن القول بإمامته بعد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مبني على أساس الوارثة ، وأنه لا دليل على هذا القول ، ويشهد بهذا قوله في صفحة ٧٣ :

«وقد قضى الإسلام على هذين الاحتكارين الوراثيين اللذين جنيا على

__________________

(٢١) انظر : «تراثنا» السنة السادسة / رجب ١٤١١ ه ، العدد ٢٤ ، ص ٧ ـ ٧٦.

۴۸

الإنسانية جناية تجلت شواهدها ومظاهرها في تاريخ روما وإيران والهند ، وترك الأمر إلى المسلمين وإلى أهل الشورى وأهل العلم والإخلاص في اختيار الخليفة ، ولذلك لم يصرح رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم بشئ في شأن من يكون خليفته بعده وولي أمر المسلمين ، فإن كان ذلك فريضة من فرائض الدين وكان لا بد من التصريح به ، لنفذه رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم وصرح به ... يقول الأستاذ العقاد معلقا على حديث القرطاس : أما القول بأن عمر هو الذي حال بين النبي عليه‌السلام والتوصية باختيار علي للخلافة بعده ، فهو قول من السخف ...».

أقول :

أولا : ليست إمامة علي وأولاده بعد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من باب الوارثة وحصر الخلافة في الأسرة الهاشمية ، فإن كان الغرض من هذا الكلام نسبة هذا الاعتقاد إلى شيعة أهل البيت عليهم‌السلام ، فهو كذب وافتراء.

وثانيا : تعتقد الشيعة أن جميع ما قاله النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو فعله كان بأمر من الله سبحانه ، ولكن المنافقين يجوزون عليه «الهجر»!!

وثالثا : وتعتقد أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صرح بأشياء ـ لا بشئ ـ في شأن من يكون خليفته بعده ، والتفصيل موكول إلى محله في الكتب الكلامية ، ونكتفي هنا بالقول بأن في كل ما قاله في حق علي منذ يوم الانذار إلى يوم الغدير دلالة على خلافته من بعده.

ورابعا : لقد ثبت في محله أن عمر هو الذي حال دون وصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله : «حسبنا كتاب الله» و «إن الرجل ليهجر» .. وهذا ما تؤكده «المصادر القديمة الموثوق بها» كما وصفها المؤلف ، ولذا لم ينقل عنها شيئا في الباب ، والتجأ إلى نقل كلام زميله في العناد : عباس محمود العقاد.

۴۹

* قال في صفحة ٧٦ :

[١٢] مبايعة أبي بكر

«وقف المسلمون في المدينة على مفترق طرق : إما اتفاق الكلمة ، وإما تنازع واختلاف ، وقد زاد الأمر تعقدا حدوث هذا الحادث في المدينة التي كانت موطن قبيلتين عظيمتين من قحطان وهم الأوس والخزرج ... فلم يكن غريبا ولا غير طبيعي أن يروا لهم حقا في خلافة النبي المكي المهاجر. وقد فطن لهذه العقدة النفسية والمحنة عمر بن الخطاب ، فاستعجل الأمر ، وقد علم أن الأنصار يستشرفون إلى أن يكون منهم الخليفة ، فجمع المسلمين في سقيفة بني ساعدة فقام ودعا إلى بيعة أبي بكر فبايع الناس أبا بكر ، ثم كانت البيعة العامة من غد بعد بيعة السقيفة في المسجد النبوي ، ولم تكن مبايعة أبي بكر مصادفة من المصادفات التي قد يحالفها التوفيق ، ومؤامرة من المؤامرات التي قد تكلل بالنجاح ، وقد أجاد الكاتب الإسلامي الشهير (في الإنجليزية) السيد أمير علي التعبير عن هذه الحقيقة التاريخية ، إذ قال ...».

أقول :

أولا : كل هذه الأمور لا علاقة لها بموضوع الكتاب.

وثانيا : إنه لم ينقل هنا شيئا عن المصادر القديمة الموثوق بها!! وإنما ذكر كلاما للكاتب الإسلامي الشهير في الإنجليزية ...!!

وثالثا : لم يتم أمر البيعة لأبي بكر بهذه البساطة والسذاجة ، فأحداث السقيفة ، وأحداث دار علي والزهراء عليهما‌السلام مثبتة في التاريخ ، ومذكورة في محلها من الكتب المفصلة.

ورابعا : قول عمر بن الخطاب : «كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله شرها ، ألا ومن عاد إلى مثلها فاقتلوه» ثابت مشهور بين المسلمين ... وهو يفيد أن

۵۰

بيعته كانت مصادفة من المصادفات إن لم تكن مؤامرة من المؤامرات ...

* قال في صفحة ٨١ :

[١٣] الحكمة في تأخير خلافة سيدنا علي

«وكان من تقدير العزيز العليم أنه لم يخلف رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم في ولاية أمر المسلمين ، ولم يتول خلافته على أثر وفاته أحد من أهل بيته وأبناء الأسرة الهاشمية مباشرة ... فما بقيت القضية قضية أسرية وقضية محسوبية وعصبية ...».

أقول :

حال خلافة سيدنا أمير المؤمنين عليه‌السلام عن النبي ، حال خلافة هارون عن موسى ، فهارون كان أخا لموسى وقد جعله خليفة له بأمر من الله ، قال تعالى (وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين) وعلي عليه‌السلام كان أخا لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بنص منه يوم الانذار وغيره ، وقد جعله خليفة من بعده بأمر من الله كما في حديث يوم الانذار كذلك وغيره من الأحاديث الواردة في المواقف المختلفة ، وقد قال له : أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ...

وكما أن قوم موسى اتبعوا السامري واتخذوا العجل من بعده وتركوا هارون ... كذلك قوم محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكما أن موسى قال لهارون : (لا تتبع سبيل المفسدين) كذلك النبي قال لعلي وأوصاه بأن لا يتبع سبيل المفسدين ...

فإذا كان إعراض قوم موسى عن هارون وضلالتهم ... من تقدير العزيز العليم ... فكذلك إعراض هذه الأمة عن علي وانقلابهم على أعقابهم ...

۵۱

من تقدير العزيز العليم!!

* قال في صفحة ٨١ :

[١٤] المحنة الأولى لأبي بكر وموقفه الصارم فيها

«وقد ثبت واتفق عليه المحدثون وأصحاب السيرة أن رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم قال : إنا معشر الأنبياء لا نورث ، ما تركنا صدقة» وجاءت محنة دقيقة تمتحن صرامة أبي بكر ، وتفصيل القصة هو ما رواه البخاري بسنده عن عائشة. قالت : إن فاطمة والعباس أتيا أبا بكر رضي‌الله‌عنه يلتمسان ميراثهما ... وظل أبو بكر على ما اعتقده ودان به وعزم على تنفيذ وصية رسول الله ، وظلت السيدة فاطمة عليها‌السلام على مطالبتها ، وهي إما لم يبلغها ما عرفه الصديق ، وإما رأت متسعا أو مبررا لخليفة رسول الله لتحقيق ما أرادته وإجابة ما طلبته ، وكل مجتهد في ذلك وله العذر والصواب. وقد جاء في مسند الإمام أحمد بن حنبل أن السيدة فاطمة قالت : فأنت وما سمعت من رسول الله أعلم. وعاشت فاطمة بعد وفاة رسول الله ستة أشهر وهي واجدة على ذلك مهاجرة لأبي بكر حتى توفيت. ويقع مثل هذا كثيرا في حياة العشائر والجماعات ، ومما تقتضيه الطبيعة البشرية ، وما جبلت عليه من العاطفية والحساسية والاقتناع بما عرفه الإنسان ودان به.

ولكن لم يكن اختلافها في هذا الأمر موجدتها (٢٢) على أبي بكر متخطية للحدود الشرعية ، مخالفة لما جبلت عليه من كرم النفس وعلو النظر والسماحة ، فقد روي عن عامر أنه قال : جاء أبو بكر إلى فاطمة وقد اشتد مرضها فاستأذن عليها فقال لها علي : هذا أبو بكر على الباب يستأذن ، فإن شئت أن تأذني له.

__________________

(٢٢) كذا.

۵۲

قالت : أوذاك أحب إليك؟ قال : نعم. فدخل فاعتذر إليها وكلمها فرضيت عنه.

ولنختم هذا البحث بما قاله الأستاذ العقاد ...».

أقول :

أولا : ما نسبه إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من أنه قال : «إنا معشر الأنبياء ...» ليس مما ثبت واتفق عليه المحدثون ، بل هو شئ تفوه به أبو بكر وحده! ولم ينقل عن غيره من الصحابة أنه سمعه من رسول الله ، ولم يسمع هذا النقل حتى من أبي بكر قبل تلك الساعة التي اخترع فيها هذا الكلام ، ولذا فقد نص بعض أكابر الحفاظ كالإمام الحافظ البارع ابن خراش على أنه حديث موضوع على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

وثانيا : قد ثبت في محله أن فدكا نحلة من رسول الله نحلها إياها ، وكانت فاطمة تملك فدكا في حياة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثم إنها بعد أن أصر أبو بكر على غصب فدك منها رجعت وطالبت به وبغيره بعنوان الإرث ، واستدلت بالكتاب والسنة ، فلم يخضع أبو بكر للكتاب وأبى أن يعمل بأحكامه ، فطالبت للمرة الثالثة بعنوان الخمس .. فلما رأته «صارما» في مخالفة الكتاب والسنة هجرته وماتت واجدة عليه.

وثالثا : قد ظهر بما ذكرنا سقوط احتمال أنه لم يبلغها شئ عرفه أبو بكر ، أو أنها طالبته بشئ لم يكن من حقها المطالبة به ...

ورابعا : ما نقله عن «المسند» لأحمد وأرجع إلى الجزء الأول ، الصفحة رقم ٤ ، في سنده : «الوليد بن جميع» هو متفرد بهذا الحديث ، وقد ذكر ابن حبان «فحش تفرده ، فبطل الاحتجاج به» وقال الحاكم : «لو لم يذكره مسلم في صحيحه لكان أولى. وقال الفلاس : كان يحيى لا يحدثنا عنه» (٢٣).

__________________

(٢٣) ميزان الاعتدال في نقد الرجال ـ للحافظ الذهبي ـ ٤ / ٣٣٧.

۵۳

وخامسا : لقد ناقض المؤلف نفسه في هذا المقام غير مرة ، فهو في حين يقول : «ظلت السيدة فاطمة عليها‌السلام على مطالبتها» ينقل الحديث عن مسند أحمد ليستفيد أنها سكتت عن مطالبتها!

وفي الوقت الذي ينص على أنها توفيت مهاجرة لأبي بكر ، ينقل حديثا عن «الرياض النضرة» أنه «اعتذر إليها وكلمها فرضيت عنه»!!

وسادسا : جعله ما كان بين الصديقة المعصومة وبين أبي بكر من قبيل «ما يقع كثيرا في حياة العشائر والجماعات ...» إلى آخر ما قال ... هو ظلم آخر للزهراء عليها‌السلام ...

وسابعا : نقله كلمات العقاد هنا ـ كسائر الموارد ـ لا يداوي جرحا من الجروح ...

وثامنا : إن الذي أتى أبا بكر مع العباس هو «علي» لا «فاطمة» والمؤلف لم يورد نص الخبر ، فلنذكره عن صحيح البخاري ، كتاب الجهاد ، باب حكم الفئ ، عن عمر بن الخطاب ، أنه قال لعلي والعباس : «فلما توفي رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم قال أبو بكر : أنا ولي رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم. فجئتما تطلب ميراثك من ابن أخيك ، ويطلب هذا ميراث امرأته عن أبيها. فقال أبو بكر : قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم : لا نورث ما تركناه صدقة. فرأيتماه كاذبا آثما غادرا خائنا ، والله يعلم أنه لصادق بار راشد تابع للحق. ثم توفي أبو بكر وكنت أنا ولي رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم وولي أبي بكر ، فرأيتماني كاذبا آثما غادرا خائنا ، والله يعلم أني لصادق بار راشد تابع للحق».

هذا هو الخبر ، فهل عرفت لماذا ترك ذكره!

ولا بأس أن تعلم أنه لما كان يدل على ما يدل عليه ... فقد حرفه البخاري ، فأورده في الأبواب الأخرى بأشكال مختلفة :

أما في باب فرض الخمس ، فاسقط الفقرتين «فرأيتماه ...»

۵۴

و «فرأيتماني ...».

أما في كتاب المغازي ، فحذف فقرة : «فرأيتماه» وجعل مكانها جملة «تذكران أن أبا بكر فيه كما تقولان» وحذف الفقرة الثانية.

وأما في كتاب النفقات ، فحذف الفقرة الأولى وجعل مكانها جملة : «تزعمان أن أبا بكر كذا وكذا» وحذف الفقرة الثانية.

وأما في كتاب الفرائض ، باب قول النبي : لا نورث ... ، فحذف الفقرتين.

وأما في كتاب الاعتصام ، باب ما يكره من التعمق والتنازع ، فحذف الفقرة الأولى ووضع مكانها جملة : «تزعمان أن أبا بكر فيها كذا» وحذف الفقرة الثانية.

* قال في صفحة ٨٧ :

«توفيت فاطمة رضي‌الله‌عنها بعد رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم بستة أشهر على الأشهر ... ودفنت ليلا ... وولدت لعلي : حسنا وحسينا ومحسنا وأم كلثوم ، رضي‌الله‌عنها وأرضاها».

أقول :

أولا : إذا كانت على قيد الحياة بعد أبيها مدة ستة أشهر ، وتوفيت مهاجرة لأبي بكر ، ولم تبايعه بالخلافة ، فمن بايعت؟! ومن كان إمامها؟! وهل كان غير علي؟!

وثانيا : لماذا كان دفنها ليلا؟!

وثالثا : أين «محسن» الذي ولدته لعلي؟! متى ولد؟! وما كان مصيره؟!

* * *

۵۵

* قال في صفحة ٨٨ :

[١٥] مبايعة سيدنا علي

«واختلفت الأخبار في مبايعة علي متى كانت؟».

فذكر حديثا عن البيهقي ثم قال : «والمشهور أن عليا عليه‌السلام رأي أن يراعي خاطر فاطمة رضي‌الله‌عنها بعض الشئ ، فلم يبايع أبا بكر ، فلما ماتت رضي‌الله‌عنها بعد ستة أشهر من وفاة أبيها بايعه ...».

أقول :

نعم ، هذا هو المشهور ، بل هو الواقع .. كما في كتب القوم .. بل إن مقتضى الأدلة المشروحة بالتفصيل على ضوء أخبار الفريقين ـ من الكتاب والسنة وغير ذلك ـ هو أن عليا عليه‌السلام خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بلا فصل ، ومراعاة خاطر فاطمة عليها‌السلام هو أحد الأسباب لامتناعه عن البيعة وليس السبب الوحيد. وملابسات مبايعته مسطورة في الكتب الموثوقة بها المعتمد عليها.

وعلى فرض أن يكون هذا هو السبب الوحيد لامتناعه عن البيعة ، فلا يخفى أن معنى ذلك أنها لو بقيت أضعاف هذه المدة لما بايع.

* * *

۵۶

الفصل الرابع

سيدنا علي في خلافة عمر

وافتتح هذا الفصل بذكر أشياء جعلها مناقب لعمر .. فجميع ما أورده من الصفحة ٩٧ إلى الصفحة ١١٤ لا علاقة له بموضوع كتابه ، لا نعلق عليه بشئ ، وإن كان لنا هنا كلام كثير ... والقدر الذي له صلة بالموضوع ما ذكره في الصفحة ١٠٣ :

[١٦] «وكان علي لسيدنا عمر ناصحا أمينا وقاضيا في المعضلات حكيما يفض المشكلات ويزيح الشبهات ، حتى أثر عن سيدنا عمر أنه قال : (لولا علي لهلك عمر) واشتهر في التاريخ والأدب ، وذهب مثلا : (قضية ولا أبا حسن لها) وروي عن النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم أنه قال : أقضاهم علي ، وقد استخلفه عمر عند رحيله إلى القدس ، وقد زوجه علي بنته أم كلثوم ، وهو دليل على إكرامه له وارتباطه به».

أقول :

أولا : الكلمات التي قالها عمر في حق علي إن دلت على شئ فإنها تدل على جهله بالأحكام الشرعية ، وتحيره أمام المشكلات العلمية ، والقضايا الطارئة ... فكان الأولى بالمؤلف الذي يريد ـ كما قال في المقدمة ـ أن يدرس سيرة أمير المؤمنين عليه‌السلام وما امتاز به من خصائص ومواهب دراسة تاريخية محايدة ... أن يصرح بما قلناه ، لا أن يصور عليا عليه‌السلام كقاض من قضاة حكومة عمر ...!

وثانيا : لقد حقق غير واحد من المحققين خبر تزويج علي عليه‌السلام

۵۷

ابنته من عمر ، وظهر أن لا واقعية لما ينقل في بعض الكتب حول هذا الخبر ، ولنا رسالة مفردة في هذا الموضوع وهي مطبوعة (٢٤).

وثالثا : هناك موارد علم الإمام عليه‌السلام ـ وهو باب مدينة العلم ـ عمر ابن الخطاب وجه الحق والصواب ، لئلا تنتهي تصرفاته عن جهل بالأمور إلى وهن الإسلام وخذلان المسلمين ، وهذه حقائق لا ينكرها أحد من المسلمين.

__________________

(٢٤) انظر : «تراثنا» السنة الثامنة / محرم ـ جمادى الآخرة ١٤١٣ ه ، العددين ٣٠ و ٣١ ، ص ٣٧٨ ـ ٤٣٣.

۵۸

الفصل الخامس

سيدنا علي في خلافة عثمان

وفي هذا الفصل يذكر المؤلف العناوين التالية : مبايعة عثمان ، مكانة عثمان الدينية والاجتماعية ، الفتوح في زمن عثمان واتساع الدولة الإسلامية ، مأثرة عثمان العظيمة الخالدة ، محنة عثمان في الخلافة ، الفتنة تبلغ ذروتها ، حصر عثمان ، شهادته!! ودور سيدنا علي الرائع في حمايته ، أثر العقيدة في عثمان وسيرته وعلو مكانته في الإسلام.

وأنت ترى أن لا شئ من هذه العناوين يرتبط بسيدنا أمير المؤمنين عليه السلام.

ولا يخفى أن أكثر ما جاء في هذا الفصل فإنما هو كلمات ينقلها المؤلف من الأستاذ كرد علي ، وعباس محمود العقاد ...

ونحن في غنى ـ الآن ـ من التعرض لما جاء في هذا الفصل بالنقد ... لأن المؤلف بصدد الدفاع عن عثمان وبني أمية الذين سودوا وجه التاريخ ، وشوهوا صورة الإسلام ... والأشنع من هذا سعيه في الفصلين اللاحقين وراء توجيه بغي الباغين وخروج الخارجين على أمير المؤمنين عليه‌السلام ... والإعراض عما أتى به أولى من التعرض له ، فقد كان الغرض التنبيه على دسائس المؤلف ووساوسه ، والكشف عن مقاصده وهواجسه ...

ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين.

* * *

۵۹

في رحاب نهج البلاغة

(٤)

ما قيل في «نهج البلاغة» من نظم ونثر

السيد عبد العزيز الطباطبائي

قد نظم الأدباء والشعراء في مدح «نهج البلاغة» الشئ الكثير ، بادين إعجابهم به وإكبارهم له في فصاحة لفظه ، وبلاغة تعبيره ، ورصانة معناه ، وما اشتمل عليه من آداب وحكم ، وعلم التوحيد ، ومواعظ وزواجر ، وهداية وإرشاد ، وتحذير من الدنيا ، وترغيب في الآخرة ، ونظم وسياسة ، وفيه كل ما يجب على إمام المسلمين وخليفة سيد المرسلين أن يؤديه إلى الأمة من نصح وتوجيه وتربية.

وكان ذلك مبعثرا في بطون الكتب وظهور مخطوطات نهج البلاغة ، يتناقلها النساخ من نسخة إلى نسخة ، ومن مخطوطة إلى مخطوطة ، فرأيت خلال عملي في «نهج البلاغة» وفهرسة مخطوطاته القديمة أن أجمع ما أجد عليها من شعر ونظم ، وقد رتبته حسب القوافي ، كما وجمعت من أقوال البلغاء وكبار الأدباء عن نهج البلاغة من الكلام المنثور ورتبته حسب التسلسل الزمني ، فجاء ما بلغه جهدي هذا المجموع الذي ينشر هنا ، والله الموفق للصواب ، وهو المستعان.

* * *

۶۰

«نهج البلاغة»

في الشعر العربي

(١)

فمنهم السيد علي بن محمد آل زبارة البيهقي ، له قصيدة في نهج البلاغة ، أورده فريد خراسان ظهير الدين البيهقي ـ المتوفى سنة ٥٦٥ ه ـ في شرحه على نهج البلاغة الذي سماه : معارج نهج البلاغة ، فقال في ص ٨ منه : قال السيد الإمام كمال الدين أوحد العترة أبو الحسن علي بن محمد العلوي الزبارة (١) :

يا من تجاوز قمة الجوزاء

بأبي ، مبيد للعدى أباء

__________________

(١) هو السيد النقيب عماد الدين أبو الحسن علي بن محمد بن يحيى بن هبة الله الحسيني البيهقي ، آل زبارة ، من أعلام بيهق وأشرافها في القرن السادس.

وآل زبارة من الأسر العلوية العلمية العريقة في العلم والشرف والنقابة والجاه والسيادة والتقدم والرئاسة ، كابرا عن كابر ، ولهم الذكر الحسن والثناء البليغ في كتب الأنساب والتواريخ ، ذكرهم البيهقي في «تاريخ بيهق» وفي «لباب الأنساب».

والسيد أبو الحسن هذا هو الذي حث البيهقي على تأليف «لباب الأنساب» فصدره باسمه مع الاطراء الكثير ، فقال عنه : «الأمير السيد الأجل الكبير ، المؤيد الرضي ، عماد الدولة والدين ، جلال الإسلام والمسلمين ، أخص سلطان السلاطين ، مجتبى الخلافة ، ظهير الأنام ، صفي الأيام ، ذخر الأمة ، شرف الملة ، غوث الطالبية ، كمال المعالي ، فخر آل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ذي المناقب ، ملك السادات ، نقيب النقباء في الشرق والغرب ...».

وكرر هذا الاطراء عند كلامه على نسبه الطاهر وبيته الرفيع ص ٤٧٣ و ٤٧٥ ، ثم قال : «نسبه الطاهر الرفيع الذي هو بين أنساب أمراء سادات الزمان كليلة القدر في شهر رمضان ...».

وصدر شرحه على «نهج البلاغة» أيضا باسمه وأطراه بقوله : «الصدر الأجل ، السيد العالم ،

۶۱

زوج البتول أخو الرسول منابذ

الكفار دامغ صولة الأعداء

متشبث بعرى التقى معروفة يمناه

بالإعطاب والإعطاء

ذي غرة قمرية وعزيمة

رضوية وسجية ميثاء

قد طلق الدنيا بلا كره

ولم يغتر بالصفراء والبيضاء

لو لم يكن في صورة بشرية

ما كان يدعى من بني حواء

نهج البلاغة من مقالته التي

فيها تضل قرائح البلغاء

كم فيه من خطب تفوح عظاتها

كالروض غب الديمة الوطفاء

(٢)

ولأبي نصر علي بن أبي سعد محمد بن الحسن بن أبي سعد الطبيب رحمه‌الله (٢) :

نهج البلاغة مشرع الفصحاء

ومعشش البلغاء والعلماء

__________________

عماد الدولة والدين ، جلال الإسلام والمسلمين ، ملك النقباء في العالمين ... فإنه جمع في الشرف بين النسب والحسب ، وفي المجد بين الموروث والمكتسب ، إذا اجتمعت السادة فهو نقيبهم وإمامهم ، وإذا ذكرت الأئمة والعلماء فهو سيدهم وهمامهم ...».

(٢) هو الشيخ جمال الدين أبو نصر علي بن أبي سعد محمد بن الحسن (الحسين) بن أبي سعد المتطبب القمي ، كان عالما ، فاضلا ، أديبا شاعرا ، ناظما ناثرا ، ممن يروي بالإجازة عن السيد فضل الله الراوندي ، وممن عني بنهج البلاغة قراءة ورواية وتصحيحا وتعليقا وامتداحا ، فقد كتب في آخر نسخته من نهج البلاغة :

عرضت هذه النسخة ـ بعد القراءة على الإمام الكبير ، العلامة النحرير ، زين الدين ، سيد الأئمة ، فريد العصر ، محمد بن أبي نصر ، سقاه الله شآبيب رضوانه ، وكساه جلابيب غفرانه ـ على نسخة السيد الإمام الكبير السعيد ضياء الدين ، علم الهدي [السيد فضل الله الراوندي] تغمده الله برحمته ، وتوج مفرقه بتيجان مغفرته ، وصححتها غاية التصحيح ، ووشحتها نهاية التوشيح ، بحسب وقوفي على حقائقها ، وإحاطتي بدقائقها ، وشنفت آذان حواشيها بالدرر التي

۶۲

درج عقود رقاب أرباب التقى

في درجه من غير ما استثناء

في طيه كل العلوم كأنه

الجفر المشار إليه في الأنباء

من كان يسلك نهجه متشمرا

أمن العثار وفاز بالعلياء

__________________

وجدتها فيها ، ثم بعد ذلك قرأته على ابنه السيد الإمام الكبير عز الدين المرتضى ، رضي‌الله‌عنه وأرضاه ، وجعل الجنة مأواه ، وسمعته عليه قراءة استبحثت عن معانيه ، وسماعا استكشفت عن مبانيه ، ثم ما اقتصرت على تشنيف آذانها ، بل سمطتها بالجواهر ، وقلدتها بالدرر الزواهر ، التي استجردتها بالغياصة في بحار مصنفات العلماء ، واستنبطتها من معادن مؤلفات الفضلاء ، وانتزعت أكثرها من منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة ، من كلام الإمام السعيد قطب الدين الراوندي ، بيض الله غرته ، ونور حضرته ، وكابدت في تصحيح كل ورق إحدى بنات طبق ، ولقيت من توشيح كل سطر نبات برح وأم وفر ، فصحت إلا ما زل عن النظر ، أو تهارب عن إدراك البصر ، ولا يعرف ذلك إلا من تسنم قلال شواهق هذه الصناعة بحق ، وجرى في ميدانها أشواطا على عرق ، وذلك في شهر ربيع الأول سنة إحدى وستمائة.

أقول : هو ممن قرأ نهج البلاغة على محمد بن أبي نصر القمي سنة ٥٨٧ ه ، وقرأه على علي بن فضل الله الراوندي [تأتي ترجمته ص] سنة ٥٨٩ ه.

فبأول نسخة من نهج البلاغة : قرأ وسمع علي كتاب نهج البلاغة الأجل الإمام العالم ، الولد الأخص الأفضل ، جمال الدين ، زين الإسلام ، شرف الأئمة ، علي بن محمد بن الحسين المتطبب ، أدام الله جماله ، وبلغه في الدارين آماله ، قراءة وسماعا يقتضيهما فضله ، وأجزت له أن يرويه عني ، عن المولى السعيد والدي سقاه الله صوب الرضوان ، عن ابن معبد الحسني ، عن الإمام أبي جعفر الطوسي ، عن السيد الرضي.

ورويته له عن الشيخ الإمام عبد الرحيم ابن الأخوة البغدادي ، عن الشيخ أبي الفضل محمد ابن يحيى الناتلي ، عن أبي نصر عبد الكريم بن محمد (الديباجي) سبط بشر الحافي ، عن السيد الرضي.

وروى لي السيد الإمام ضياء الدين علم الهدى سقى الله ثراه ، عن الشيخ مكي بن أحمد المخلطي ، عن أبي الفضل الناتلي ، عن أبي نصر ، عن الرضي رحمهم‌الله.

ورواه لي أبي قدس الله روحه ، عن الشيخ الإمام أبي جعفر محمد بن علي بن الحسن المقري النيسابوري ، عن الحسن بن يعقوب الأديب ، عمن سمعه عن الرضي.

كتبه علي بن فضل الله الحسني حامدا مصليا

في رجب سنة ٥٨٩.

۶۳

غرر من العلم الإلهي انجلت

منظومة تجلو ضياء ذكاء

ويفوح منها عبقة نبوية

لا غرو قدا من أديم سناء

روض من الحكم الأنيقة جاده

جود من الأنوار لا الأنواء

أنوار علم خليفة الله الذي

هو عصمة الأموات والأحياء

وجذيلها وعذيقها مترجبا

ومحككا جدا بغير مراء

مشكاة نور الله خازن علمه

مختاره من سرة البطحاء

وهو ابن بجدته عليه تهدلت

أغصانه من جملة الأمراء

ووصي خير الأنبياء اختاره

رغما لتيم أرذل الأعداء

صلى الإله عليهما ما ينطوي

برد الظلام بنشر كف ضياء

وعلى سليلهما الرضي محمد

قطب السباق جوى من الفصحاء

(٣)

ولبعضهم ـ كما على بعض مخطوطات نهج البلاغة ـ :

نهج البلاغة منهج البلغاء

وملاذ ذي حصر وذي إعياء

فيها معان في قوالب أحكمت

لهداية كالنجم في الظلماء

وتضمن الكلمات في إيجازها

بذواتها بجوامع العلياء

صلى الإله على النبي محمد

وعلى علي ذي علا وإخاء

(٤)

والآخر :

نهج البلاغة هذا سيد الكتب

تاج الرسائل والأحكام والخطب

۶۴

كم فيه من حكمة غرا بالغة

ومن علوم (٣) إلهي ومن أرب

ومن دواء لذي داء وعافية

لذي بلاء ومن روح لذي تعب

فيه كلام ولي الله حيدر من

يمينه في عطاء المال يستجب

وصي خير عباد الله كلهم

مختار رب البرايا سيد العرب

علي المرتضى من في مودته

ترجى النجاة ليوم الحشر والرعب

فمن يواليه من صدق الجنان ففي

الجنان طنب فوق السبعة الشهب

ومن يعاديه في نار الجحيم هوى

وعاش ما عاش في ويل وفي حرب

قد امتزجت بقلبي حبه فجرى

في النفس مجرى دمي في اللحم والعصب

صلى عليه إله الخلق خالقنا

رب الورى وعلى أبنائه النجب

وزاده في جنان الخلد منزلة

ورتبة وعلى معلو (٤) على الرتب

(٥)

ولغيره :

نهج البلاغة نهج الفضل والأدب

ونهج كل هدى يبغيه ذو الأدب

في ضمنه كلم في ضمنها حكم

تشفي القلوب من الأد (و) اء والريب

يحوي شوارد ألفاظ مهذبة

قد أفحمت فصحاء العجم والعرب

إن قسته بكلام الناس ممتحنا

فالنبع قد قسته يوما إلى الغرب

من كان مقتبسا منه فوائده

فقد علا رتبا ناهيك من رتب

__________________

(٣) كذا.

(٤) كذا.

۶۵

(٦)

وللسيد الإمام عز الدين ، سيد الأئمة ، المرتضى علي (٥) ابن الإمام العلامة ضياء الدين علم الهدى أبي الرضا السيد فضل الله الراوندي قدس الله روحهما :

نهج البلاغة نوره

لذوي البلاغة واضح

وكلامه لكلام أرباب

الفصاحة فاضح

__________________

(٥) هو السيد الإمام القاضي عز الدين أبو الفضائل علي ابن السيد الإمام ضياء الدين أبي الرضا فضل الله بن علي الحسني الراوندي.

ترجم له الشيخ منتجب الدين في فهرسته ، رقم ٣٧٨ ، وقال : فقيه ، فاضل ، ثقة ، له : كتاب حسيب النسيب للحسيب النسيب ، كتاب غنية المتغني ومنية المتمني ، كتاب مزن الحزن ، كتاب غمام الغموم ، كتاب نثر اللآلي لفخر المعالي ، كتاب مجمع اللطائف ومنبع الظرائف ، كتاب الطراز المذهب في أبرار المذهب ، تفسير القرآن ، لم يتمه.

ويوجد كتابه «حسيب النسيب» في مكتبة المرعشي ، ضمن المجموعة رقم ٤٠٤٧ ، وله مجموعة شعرية أدبية رآها ابن الفوطي وذكرها في ترجمته في تلخيص مجمع الآداب ، فقد ترجم له فيه ج ١ ص ٢٥٥ ، وله كتاب : إرشاد المسلمين في شرح كلمات أمير المؤمنين عليه‌السلام ، وهو شرح نثر اللآلي ، ومنه مخطوطة في مكتبة خدا بخش ، برقم ٢٠٣٧.

وممن يروي عنه أبو نصر القمي المتقدم ، وابن أبي الفوارس الرازي البغدادي في أربعينه ، روى عنه في الحديث الثاني عشر منه مع الاطراء الكثير قائلا :

حدثني الصدر الكبير ، الإمام العالم ، الزاهد الأنور ، المرتضى ، عز الملة والدين ، ضياء الإسلام والمسلمين ، سيد الأئمة من العالمين ، ووارث الأنبياء والأولياء والمرسلين ، ملك العلماء ، علم الهدى ، قدوة الحق ، نقيب النقباء والسادة ، سيد العترة الطاهرة ، علي ابن الصدر ، الإمام السعيد ...

حكاه عنه السيد ابن طاوس في الباب ٨٩ من كتاب «اليقين» والسيد عز الدين هذا مترجم في أمل الآمل ٢ / ١٦٩ ، وتعليقة أمل الآمل ـ للأفندي ـ : ١٨٤ ، ورياض العلماء ٣ / ٣١٢ و ٤ / ١٧٧ و ١٧٨ ، والدرجات الرفيعة ، وأعيان الشيعة ٨ / ٣٠١ ، والثقات العيون : ١٩٨ ، ومعجم رجال الحديث ١ / ١٤١.

۶۶
۶۷

(٩)

وللأديب يعقوب بن أحمد النيسابوري المتوفى سنة ٤٧٤ (٦) :

العلم فيه زاخر

والفضل فيه راجح

وغوامض التوحيد فيه

جميعها لك لائح

ووعيده مع وعده

للناس طرا ناصح

تحظى به هذي البرية

صالح أو طالح

لا كالعريب ومالها

فالمال غاد ورائح

هيهات لا يعلو إلى

مرقى ذراه مادح

إن الرضي الموسوي

لمائه هو مائح

لاقت به ويجمعه

عدد القطار مدائح

(٧)

ومما وجد مكتوبا على نسخة من نهج البلاغة ، محفوظة في مكتبة السيد المرعشي ، برقم ٦٧٢٦ :

كتاب فيه آيات الملاحه

على نهج البلاغة والفصاحة

(٨)

وللأديب عبد الرحمن بن الحسين :

نهج البلاغة نعم الذخر والسند

وفيه للمؤمنين الخير والرشد

عين الحياة لمن أضحى تأملها

يا حبذا معشرا في مائها وردوا

ما إن رأت مثلها عين ولا سمعت

أذن ولا كتبت في العالمين يد

شرب روحي عند كتبتها

وكان للروح من آثارها مدد

صلى الإله على من كان منطقه

روحا تزايد منها الروح والجسد

نهج البلاغة نهج مهيع جدد

لمن يريد علوا ما له أمد

__________________

(٦) هو أبو يوسف ـ وقيل : أبو سعد ـ يعقوب بن أحمد بن محمد بن أحمد القاري الكردي النيسابوري ، المتوفى سنة ٤٧٤ ه.

ترجم له معاصراه : الثعالبي في تتمة اليتيمة برقم ١١٨ ، والباخرزي في الدمية ، برقم ٣٦٢ ، وأوردا شيئا من نظمه ، وأثنيا عليه ، فقال الثعالبي : «قد امتزج الأدب بطبعه ، ونطق الزمان بفضله ...» وأما الباخرزي فقال : «لا أعرف اليوم من ينوب منابه في أصول الأدب محفوظا ومسموعا ، حتى كأنه قرآن أوحي إليه مفصلا ومجموعا ، فتأليفاته للقلوب مآلف ، وتصنيفاته في محاسن أوصافها وصاف ووصائف ، والكتب المنقشة بآثار أقلامه تذرى بالروض الضاحك غب بكاء رهامه ...».

وترجم له الفارسي في السياق والصريفيني في منتخبه ، رقم ١٦٦١ ، ووصفه بالأديب البارع الكردي ، أستاذ البلد ، وأستاذ العربية واللغة ، معروف مشهور ، كثير التصانيف والتلاميذ ، مبارك النفس ، جم الفوائد والنكت والطرف ، مخصوص بكتب أبي منصور الثعالبي ، تلمذ للحاكم أبي سعد ابن دوست ، وقرأ الأصول عليه وعلى غيره ، وصحب الأمير أبا الفضل الميكالي ، ورأى العميد أبا بكر القهستاني ، وقرأ الحديث الكثير وأفاد أولاده ، وتوفي في رمضان سنة ٤٧٤ ...

وترجم له ابن شاكر في فوات الوفيات ٤ / ٣٤٤ رقم ٥٨٢ وقال : وقرأ الحديث الكثير على المشايخ ، ونسخ الكتب بخطه الحسن ، وكان متواضعا يخالط الأدباء ، وله نظم ونثر وتصانيف وفرائد ونكت وطرف.

وترجم له الفيروزآبادي في البلغة : ٦٨٦ رقم ٤١٠ ، فقال : شيخ وقته في النحو واللغة والآداب ، كثير التصانيف والتلاميذ.

وترجم السمعاني في معجم شيوخه لابنه الحسن ثم قال : ووالده الأديب صاحب التصانيف الحسنة ، وكان أستاذ أهل نيسابور في عصره ، وكان غاليا في الاعتزال ، داعيا إلى الشيعة ...

وله ترجمة في إنباه الرواة ٤ / ٤٥ ، وطبقات النحاة ـ لابن قاضي شبهة ـ رقم ٥٣٩ ، وبغية الوعاة ٢ / ٣٤٧.

وبالرغم من وصفهم له بكثرة التصانيف وبأنها حسنة ، لم يذكروا له سوى البلغة وجونة الند .. ذكرهما السيوطي في البغية.

۶۸

يا عادلا عنه تبغي بالهوى رشدا

إعدل إليه ففيه الخير والرشد

والله والله التاركيه عموا

عن شافيات عظات كلها سدد

كأنها العقد منظوما جواهرها

صلى على ناظميها ربنا الصمد

ما حالهم دونها إن كنت تنصفني

إلا العنود وإلا البغي والحسد

(١٠)

قال علي بن أحمد الفنجكردي النيسابوري (٧) :

نهج البلاغة من كلام المرتضى

جمع الرضي الموسوي السيد

__________________

فأما البلغة في اللغة فقد حقق وطبع في طهران سنة ١٣٨٩ ه من قبل بنياد فرهنك ، وأما جونة الند فلم نعثر له على مخطوط.

ويعقوب بن أحمد هذا من أقدم من أشاد بذكر نهج البلاغة ولهج به ، وكان السبب في رواجه وشهرته والإقبال عليه في المشرق الإسلامي ، وقد نظم هذه الأبيات في تقريظ «نهج البلاغة» وكتبها على نسخته منه ، واقتدى به ابنه الحسن وتلميذه الفنحكردي الآتيان ، وتصدر لإقراء «نهج البلاغة» فكان يقرأ عليه ويصحح ويقابل على نسخته ، فانعكس على كثير من مخطوطاته القديمة المتبقية حتى الآن كما تقدم ، تجدها منقولة من نسخته أو مقابلة عليها ، وعلى أكثرها تقريظه وتقريظ ابنه ، مما يدل على بالغ اهتمامه بهذا الكتاب ، وعلى أثر ذلك كثرت شروحه في تلك الرقعة قبل غيرها ، فشرحه الإمام الوبري الخوارزمي ، وظهير الدين البيهقي فريد خراسان ، وعلي ابن ناصر السرخسي ، وقطب الدين الكيدري ، والفخر الرازي ، وغيرهم ، وسوف نأتي على ذكرهم ببسط وتفصيل تحت عنوان : شروح نهج البلاغة.

(٧) هو شيخ الأفاضل أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد الفنجكردي النيشابوري ، المتوفى سنة ٥١٣ ه.

ترجم له ظهير الدين البيهقي فريد خراسان في وشاح الدمية ـ وحكاه عنه ياقوت ـ قال : الإمام علي بن أحمد الفنجكردي ، الملقب بشيخ الأفاضل ، أعجوبة زمانه ، وآية أقرانه ، وشيخ الصناعة ، والممتطي غوارب البراعة ..

وترجم له السمعاني في الأنساب ٩ / ٣٣٤ وفي التحبير ١ / ٥٦٢ رقم ٥٤٥ ، قال :

هو الأستاذ البارع ، صاحب النظم والنثر الجاريين في سلك السلاسة ، الباقيين معه على



۶۹

__________________

هرمه وطعنه في السن على كمال الطراوة ، قرأ أصول اللغة على أبي يوسف يعقوب بن أحمد الأديب وغيره وأحكمها ، وتخرج فيها ، وكان سليم النفس ، أمين الجيب ، عفيفا خفيفا ، ظريف المحاورة ، قاضيا للحقوق ، محمود الأحوال ، مرضي السيرة ، حسن الاعتقاد ، مكبا على الاستفادة والإفادة ، مشتغلا بنفسه ... وتوفي ليلة الجمعة الثالث عشر من شهر رمضان سنة ثلاث عشرة وخمسمائة.

وهو الذي حث الميداني على تأليف كتابه في اللغة «السامي في الأسامي» فذكره في خطبته وأثنى عليه بقوله :

الشيخ الإمام أبي الحسن علي بن أحمد الفنجكردي ، متع الله أهل الأدب بطول مدته ، وصرف المكاره عن سدته ، فهو بقية المشايخ وإمام الجماعة ، والمرجوع إليه اليوم في هذه الصناعة ، صاحب الأخلاق النقية ، والمعرب عن فضله من غير التقية ، بل هو الأب لا يسعني عقوقه ، ولا يرفض لدى حقوقه ...

وترجم له ابن شهرآشوب في معالم العلماء ، برقم ٤٨١ ، وقال : له كتاب تاج الأشعار ، وسلوة الشيعة ، وهي أشعار أمير المؤمنين عليه‌السلام.

أقول : ذكر شيخنا رحمه‌الله هذين الكتابين في الذريعة ٣ / ٢٠٥ و ٩ / ١٠١ و ٨٤٩ و ١٢ / ٢٢٣ واعتبرهما كتابا واحدا ، وأظنهما كتابين ، فقد جمع شعر أمير المؤمنين عليه‌السلام وعمل ديوانه زهاء العشرين رجلا ، بدء بالجلودي ـ المتوفى سنة ٣٣٢ ه ـ وإلى السيد الأمين العاملي ، ثم زميلنا المعاصر العلامة المحمودي أبقاه الله.

وقد عد الدكتور منزوي في فهرس المكتبة المركزية لجامعة طهران ٢ / ١١٦ ـ ١٢٥ سبعة عشر رجلا منهم ، وراجع الذريعة ٩ / ١٠١ ـ ١٠٢ ، فقد ذكر فيه تسعة منهم ، ومنهم من جمع له عليه‌السلام ديوانين ، أو قل جمع ديوانه مرتين ، كالفنجكردي ، له تاج الأشعار وله سلوة الشيعة ، وقطب الدين الكيدري له الحديقة الأنيقة ، وله أنوار العقول من أشعار وصي الرسول.

وربما نتحدث في المستقبل عن شعر أمير المؤمنين عليه‌السلام ومن جمعه وعن مخطوطه ومطبوعه وشروحه وترجماته.

وللفنجكردي ترجمة حسنة في الغدير ٤ / ٣١٩ ، وأورد له أبياته في الغدير ، منها قوله رحمه الله :

لا تنكرن غدير خم إنه

كالشمس في إشراقها بل أظهر

وقوله :

يوم الغدير سوى العيدين لي عيد

يوم يسر به السادات والصيد

نال الإمامة فيه المرتضى وله

فيه من الله تشريف وتمجيد

۷۰

بهر العقول بحسنه وبهائه

كالدر فصل نظمه بزبرجد

ألفاظه علوية لكنها

علوية حلت محل الفرقد

فيه لأرباب البلاغة مقنع

من يغن باستظهاره يستسعد

وترى العيون إليه صورا إن تلا

منه كتابا رائعا في مشهد

أعجب به كلماته قد ناسبت

كلمات خير الناس طرا أحمد

نعم المعين على الخطابة للفتى

وبه إلى طرق الفصاحة يهتدي

وأجد يعقوب بن أحمد ذكره

بعلو همته وطيب المولد

ودعا إليه مخلصا أصحابه

فعل الحنيفي الكريم المرشد

العاقل الندب الأديب المكتسي

لبس العفاف الناصح المتودد

ثم ابنه الحسن الموفق بعده

فيه بسنته الرضية يقتدي

كم نسخة مقروة حصلت به

مسموعة لأولي النهى والسؤدد

يا رب قربه وأكرم نزله

واحشره في رهط النبي محمد

وأطل بقاء سليله الحسن الفتى

فينا برغم الكاشحين الحسد

خذه أبا الحسن الفتى مستمسكا

بعراه وارق إلى المجرة واصعد

__________________

وأورد أبيات أسعد بن مسعود العتبي ـ المتوفى ٤٧٤ ه ـ في (الفنجكردي) وهي قوله :

يا أوحد البلغاء والأدباء

يا سيد الفضلاء والعلماء

يا من كأن عطاردا في قلبه

يملى عليه حقائق الأشياء

ذكرهما ياقوت في معجم الأدباء ٢ / ٢٤٢ نقلا عن الوشاح ، والصفدي في الوافي بالوفيات ٩ / ٣٠.

ومن مصادر ترجمة الفنجكردي : معجم الأدباء ٥ / ١٠٣ ، بغية الوعاة ٢ / ١٤٨ – وكلاهما نقل ترجمته عن السياق لعبد الغافر ولم أجده في منتخبه! ـ طبقات أعلام الشيعة ، الثقات العيون : ١٨١ ، أعيان الشيعة ٨ / ١٥٦ ، رياض العلماء ٣ / ٣٥٢ ، الكنى والألقاب ـ للقمي ـ ٣ / ٣٤ ، معجم رجال الحديث ١١ / ٢٥٧.

والفنجكردي ـ بفتح الفاء وكسر الكاف ـ نسبة إلى بنج كرد من قرى نيشابور.

۷۱

واسهر وصل وصم وذاكر واستطر

واحفظ وبر وزك واسلم واسعد (٨)

(١١)

ولقطب الدين الكيدري على نسخة كتبت في القرن الثامن في البلاد اليمنية ، محفوظة في مكتبة المرعشي ، رقم ١٥٤ (٩) :

نهج البلاغة نهج كل مسدد

نهج المرام لكل قرم أمجد

يا من يبيت وهمه درك العلى

فاسلكه تحظ بما تروم وتزدد

إنسان عين للعلوم بأسرها

مضمونه وذوو البصائر شهد

بهر النجوم الزهر بل شمس الضحى

معنى وألفاظا برغم الحسد

ينبوع مجموع العلوم رمى به

نحو الأنام ليقتفيه المهتدي

__________________

(٨) أوردها البيهقي في شرحه على نهج البلاغة ، ص ٧ ـ ٨ ، ما عدا الأبيات : الخامس والسادس والأخير.

(٩) هو قطب الدين أبو الحسن محمد بن الحسين بن تاج الدين الحسن بن زين الدين محمد بن الحسين بن أبي المحامد البيهقي الكيدري.

أحد أعلام الطائفة في القرن السادس ، كان فقيها ، متكلما ، أديبا شاعرا ، مشاركا في جملة من العلوم.

ترجم له ابن الفوطي في تلخيص مجمع الآداب ، ج ٤ ق ٢ ص ٦٩١ ، وأورد له إجازة كتبها على ظهر «الفائق» تاريخها جمادى الأولى سنة ٦١٠ ه ، مما يدل على أنه أدرك القرن السابع.

والكيذري ضبطه الذهبي في المشتبه : ٥٥٤ بالفتح وياء وذال معجمة ، نسبة إلى كيذر من قرى بيهق ، منها الأديب قطب الدين محمد بن الحسين الكيذري الشاعر ، ولم يزد عليه ابن حجر شيئا في تبصير المنتبه : ١٢٢٠.

له عدة مصنفات قيمة ، طبع منها أنوار العقول من أشعار وصي الرسول ، وشرحه على نهج البلاغة الذي سماه حدائق الحقائق في فسر دقائق أفصح الخلائق ، وأبياته هذه في مدح نهج البلاغة مذكورة فيه في ج ١ ص ٨٦ من الطبعة الهندية.

وسوف نترجم له في شراح «نهج البلاغة» ترجمة مطولة مبسوطة.

۷۲

فيه لطلاب النهاية مقنع

فليلزمنه ناظر (١٠) المسترشد

صلى الإله على منظمه الذي

فاق الورى بكماله والمحتد

(١٢)

وعلى نسخة من نهج البلاغة في مكتبة السيد المرعشي برقم ٥٦٩٠ ، للشيخ الأديب أفضل الدين الحسن بن فادار رحمه‌الله (١١) :

متصفح نهج البلاغة وارد

عللا يزيد على الألذ البارد

وارد شرب بلاغة لاقى به

ريا غليل موافق ومعاند

متنزه في روضة قد نورت

جنباتها بشواهد وشوارد

ومسارح نشر الحيا بعراصها

راياته فملأن عين الزابد

__________________

(١٠) كذا.

(١١) هو الشيخ أفضل الدين أبو عبد الله الحسن بن فادار القمي ، من أعلام اللغة والأدب في القرن السادس.

ترجم له معاصره الشيخ منتخب الدين في الفهرست برقم ٩٤ ، ووصفه بالشيخ الأديب إمام اللغة.

وعده معاصره الآخر عبد الجليل الرازي في كتاب «النقض» في كبار الأدباء العلماء من أعلام الطائفة ، مباهيا بهم في ص ٢١٣ بعد أن عد الخليل وسيبويه وابن جني ومن في هذا المستوى ، قال : والأديب أبو عبد الله أفضل الدين الحسن بن فادار القمي ، لا نظير له ...

وفي جامعة علي كره مخطوطة نهج البلاغة ، كتبت سنة ٥٣٨ ه ، جاء في آخرها :

عورض من أوله إلى آخره بنسخة من نسخة الأديب أفضل الدين حسن بن فادار القمي طول الله عمره ، مما يبدو أنه كان حيا في هذا التاريخ.

ومن مصادر ترجمته :

رياض العلماء ١ / ٢٩٦ ، تأسيس الشيعة الكرام لجميع فنون الإسلام : ١١٦ ، طبقات أعلام الشيعة ـ القرن السادس ـ : ٧٠ ، تنقيح المقال ١ / ٣٠٢ ، أعيان الشيعة ٥ / ٢٢٣ ، معجم رجال الحديث ٥ / ٧٩.

۷۳

حكم عليها مسحة العلم الإلهي

المصفى من معاب الناقد

درر بها عبق النبوة فاغم

إذ كان سقياها بماء واحد

قربن مرق بلاغة لمريدها

وفتحن مغلق بابها للراشد

ومواعظ وزواجر ومراشد

وفوائد وتوائم فوارد

(١٣)

وللحسن بن يعقوب الأديب النيسابوري رحمه‌الله : قال علي بن زيد البيهقي فريد خراسان ، المتوفى سنة ٥٦٥ ، في شرحه على نهج البلاغة ، ص ٧ : وأنشدني الإمام الحسن بن يعقوب (١٢) لنفسه مقتديا بوالده رحمهما‌الله :

نهج البلاغة درج ضمنه درر

نهج البلاغة روض جاده درر

نهج البلاغة وشي حاكه صنع

من دون موشيه الديباج والحبر

__________________

(١٢) هو الحسن بن يعقوب بن أحمد بن محمد النيشابوري ، من أعلام الأدب في القرن السادس ، تقدم أبوه يعقوب ـ المتوفى سنة ٤٧٤ ه ـ وأما هو فمن مشايخ ظهير الدين البيهقي فريد خراسان ، وصفه وأباه في شرحه على نهج البلاغة ، فقال :

قرأت نهج البلاغة على الإمام الزاهد ، الحسن بن يعقوب بن أحمد القاري ، هو أبوه في فلك الأدب قمران ، وفي حدائق الورع ثمران ، في شهور سنة ست عشرة وخمسمائة ، وخطه شاهد لي بذلك ، والكتاب سماع له عن الشيخ جعفر الدوريستي.

وترجم له تلميذه الآخر وهو السمعاني في معجم شيوخه ، الورقة ٨٥ ب ، قال :

أبو بكر ، الحسن بن يعقوب بن أحمد بن محمد بن أحمد النيسابوري الأديب ، من أهل نيسابور ، كان شيخا فاضلا ، نظيفا ، مليح الخط ، مقبول الظاهر ، حسن الجملة ، ووالده الأديب صاحب التصانيف الحسنة ، وكان أستاذ أهل نيسابور في عصره ، وكان غاليا في الاعتزال ، داعيا إلى الشيعة ، سمع أباه أبا يوسف يعقوب بن أحمد بن محمد الأديب ، وأبا نصر عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن الحسين بن موسى التاجر ، والسيد أبا الحسن محمد بن عبيد الله الحسيني

۷۴

أو جونة ملئت عطرا إذا فتحت

خيشومنا فغمت ريح لها ذفر

صدقتكم سادتي والصدق عادتنا

وهذه شيمة (١٣) ما عابها بشر

صلى الإله على بحر غواربه

رمت به نحونا ما لألأ القمر

(١٤)

ومما وجد على بعض مخطوطات نهج البلاغة :

كلام إذا ما قيس بالدر قيمة

وحسنا به يوما فقد وصف الدر

وإن حير الألباب تيها فإنني

أنزهه عن أن أقول له سحر

(١٥)

من قصيدة للشيخ جعفر الهلالي ، نشرت في العدد ٥ من «تراثنا» :

يا بناة العرفان في دولة

الاسلام أنتم عمادنا المذخور

ثورة الفكر فيه فجرتموها

يقظة حولها الزمان يدور

__________________

المعروف بنو دولت ، وأبا سعيد مسعود بن ناصر بن أبي زيد السجزي الحافظ ، وجماعة سواهم ، وكان قد كتب الحديث الكثير بخطه ، رأيت كتاب الولاية لأبي سعيد مسعود بن ناصر السجزي وقد جمعه في طرق هذا الحديث «من كنت مولاه فعلي مولاه» بخطه الحسن المليح ، وكتب إلي الإجازة بجميع مسموعاته ، وخطه عندي بذلك في جمادى الأولى سنة ٥٠٧ ، وكانت ولادته [كذا ، والصواب : وفاته] في المحرم سنة ٥١٧ ...

وترجم له في التحبير أيضا برقم ١٢٦ بعين ما مر إلى قوله : الحديث الكثير ، ثم قال : وكتب إلي الإجازة ، وكانت وفاته في المحرم سنة ٥١٧.

وله ترجمة في السياق ، وفي منتخبه برقم ٥٤٥ ، وفي دمية القصر ، ص ١٠٣٨ ، وفي الوافي بالوفيات ١٢ / ٣٠٨ ، ولسان الميزان ٢ / ٢٥٩ ، وطبقات أعلام الشيعة ـ القرن السادس ـ : ٧٠ ، وأعيان الشيعة ٥ / ٣٩٣.

(١٣) في معارج نهج البلاغة : وإنه خصلة.

۷۵

بارك الله فيكم ذلك المسعى

ووافاكم بذاك الحبور

إن إحيائكم ل (نهج) علي

هو والحق مكسب مشكور

لم يكن للبلاغة اليوم نهجا

بل لدى العلم ذاك بحر غزير

هو نهج العقيدة الصلبة الشماء

ينهار من صداها الكفور

هو نهج الآداب والخلق السامي

به الروح تزدهي والضمير

هو نهج للحكم يبني السياسات

نظاما له الهدى دستور

هو هذا نهج البلاغة حقا

من (علي) بيانه مسطور

عجبا ذلك التراث بهذا الحجم

يقصى ومن سواه نمير

ما الذي كان قد جناه (علي)

عند قوم حتى استحرت صدور

ألان الحق الذي قد رعاه

كان مرا والجاحدون كثير

يا لها أمة أضاعت حجاها

حيث راحت خلف السراب تسير

ولديها من ثورة الفكر ما يغني

ولكن أين السميع البصير؟!

فهي تعشو عن الحقيقة في المسرى

وفي بيتها السراج المنير

أخذت تطلب السواقي البعيدات

وفي جنبها تفيض البحور

إن هذا هو الخسار وهل يفلح

قوم قد مات فيهم شعور

(١٦)

ومما قاله الشيخ أحمد بن محمد بن جعفر بن أحمد البحراني الأوالي ، المعروف بالربان ، على نسخة من نهج البلاغة فرغ منها في شهر رمضان سنة ٧٠٣ :

نهج البلاغة نهج أم لاحبه

قن بمصباح نور الله قد نظرا

۷۶

إذ فيه من المشكلات العلم أعظمها

فمايح الغرب منه فائز ظفرا

إذا تأملت ألفاظا بها نظمت

تخالها خالص الياقوت أو دررا

وإن نظرت بعين الفكر قلت أرى

هذا كسف به الإسلام قد نصرا

فالسيف سيف علي والمقال معا

فمن ترى حاز هذا الفضل مفتخرا

أليس قد قال خير الخلق قاطبة

الحق عند علي أين دار يرى

والله ما حاد عنه الحاسدون غنى

لكن نورهم عن نوره قصرا

كما ترى أعين الخشاف يقبضها

ضوء النهار ترى أبصارهم غفرا

لم يقض مولاي من باراك منقبة

مما خصصت به في سعيه وطرا

فاه واعجبا من قول ذي عند

هذا الصريم يضاهي الشمس والقمر

(١٧)

ولأبي محمد ابن شيخ صنعان ، نظمه وكتبه على نسخة من نهج البلاغة بخطه ، بعد ما فرغ من نسخه في سنة ١٠٧٢ ، وهي في مكتبة مدرسة سبهسالار ، رقم ٣٠٨٥ ، وصفت في فهرسها ٢ / ١١٩ ، وأوردها شيخنا رحمه الله في الغدير ١١ / ٣٣٠ ـ ٣٣١ :

نهج البلاغة روضة ممطورة

بالنور من سبحات وجه الباري

أو حكمة قدسية جليت بها

مرآة ذات الله للنظار

أو نور عرفان تلألأ هاديا

للعالمين مناهج الأبرار

أو لجة من رحمة قد أشرقت

بالعلم فهي تموج بالأنوار

خطب روت ألفاظها عن لؤلؤ

من مائه بحر المعارف جاري

وتهللت كلماتها عن جنة

حفت من التوحيد بالنوار

۷۷

وكأنها عين اليقين تفجرت

من فوق عرش الله بالأنهار

حكم كأمثال النجوم تبلجت

من ضوء ما ضمنت من الأسرار

كشف الغطاء بيانها فكأنها

للسامعين بصائر الأبصار

وترى من الكلم القصار جوامعا

يغنيك عن سفر من الأسفار

لفظ يمد من الفؤاد سواده

والقلب منه بياض وجه نهار

وجلى عن المعنى السواد كأنه

صبح تبلج صادق الأسفار

من كل عاقلة الكمال عقيلة

تشتاف فوق مدارك الأفكار

عن مثلها عجز البليغ وأعجزت

ببلاغة هي حجة الاقرار

وإذا تأملت الكلام رأيته

نطقت به كلمات علم الباري

ورأيت نهرا بالحقائق طاميا

من موجه سفن العلوم جواري

ورأيت أن هناك برا شاملا

وسع الأنام كديمة مدرار

ورأيت أن هناك عفو سماحة

في قدرة تعلو على الأقدار

ورأيت أن هناك قدرا نماشيا

عن كبرياء الواحد القهار

قدر الذي بصفاته وسماته

ممسوس ذات الله في الآثار

مصباح نور الله مشكاة الهدى

فتاح باب خزائن الأسرار

صنو الرسول وكان أول مؤمن

عبد الإله كصنوه المختار

وبه أقام الله دين نبيه

وأتم نعمته على الأخيار

(١٨)

وقال بولس سلامة :

هذه الكف للمعارف باب

مشرع من مدينة الأسرار

۷۸

تنثر الدر في كتاب مبين

سفر نهج البلاغة المختار

هو روض من كل نهر جنى

أطلعته السماء في نوار

فيه من نضرة الورود العذارى

والخزامى والفل والجلنار

في صفاء الينبوع يجري زلالا

كوثرا رائقا بعيد القرار

تلمح الشط والضفاف ولكن

يا لعجز العيون في الأغوار

(١٩)

وقال السيد صدر الدين علي بن ناصر الحسيني السرخسي (١٤) من أعلام القرن السادس ، في مقدمة شرحه على نهج البلاغة الذي سماه «أعلام نهج البلاغة» :

وقلت في عنفوان عمري :

لله درك يا نهج البلاغة من

نهج نجا من مهاوي الجهل سالكه

أودعت زهر نجوم ضل منكرها

وجار عن جدد عنا مسالكه

لأنت در ويالله ناظمه

وأنت نضر ويالله سابكه

* * *

__________________

(١٤) هو السيد الأمير الأجل صدر الدين أبو الحسن علي ابن السيد الأجل أبي الفوارس ناصر بن علي الحسيني السرخسي ، من أعلام القرن السابع ، مؤلف «زبدة التواريخ» وشرح نهج البلاغة الذي سماه «أعلام نهج البلاغة».

وسوف نترجم له في الأعداد القادمة ترجمة موسعة عند كلامنا على شروح نهج البلاغة.

۷۹

(٢٠)

ومما قيل في نهج البلاغة :

نهج البلاغة فيه كل فضيلة

وإليه مجموع الكتاب يؤول

فيه جوامع حكمة وفصاحة

عنها عيون ذوي الغباوة حول

معناه من عين اليقين ولفظه

من نوع مشكاة الكتاب يفول

(٢١)

كتاب كان الله رصع لفظه

بجوهر آيات الكتاب المفصل

حوى حكما كالوحي ينطق معجزا

ولا فرق إلا أنه غير منزل

نهج البلاغة نهج العلم والعمل

فاسلكه يا صاح تبلغ غاية الأمل

كم فيه من حكم بالحق محكمة

تحيي القلوب ومن حكم ومن مثل

ألفاظه درر أغنت بحليتها

أهل الفصاحة من حلى ومن حلل

ومن معانيه أنوار الهدى سطعت

فانجاب عنها ظلام الزيغ والزلل

وكيف لا وهو نهج طاب منهجه

هدى إليه أمير المؤمنين علي

(٢٢)

كلام علي كلام علي

وما قاله المرتضى مرتضى

* * *

۸۰

(٢٣)

وقال شيخ الخطباء الشيخ أحمد الوائلي من قصيدة :

يا يراعا ينمنم الورد من نهج

علي والنهج سفر جليل

دلل النبر أنه لعلي

رب قول عليه منه دليل

إنه في البيان شمس فلا الفانوس

من سنخه ولا القنديل

نظم الرائعات مبنى ومعنى

فإذا الأحرف الشذا والخميل

كل فصل أبو تراب به يبدو

فتهتز بالهدير الفصول

غير أن النفس المريضة تهوى

أن يغطي الحقائق التضليل

زعموه نسج الرضي ومهلا

أين من هادر الفحول الفصيل؟!

لا تعر قولهم فما هو شئ

كي يصفيه الجرح والتعديل

إنه العجز والقصور وماذا

غير أن يحسد المتين الهزيل

قد أفاظت «مصادر النهج»

فيما رد فيه معاند وجهول

ودرى الباحثون في أن دعوى

عزوه للرضي قول عليل

وأبى الحاقدون أن ينظروا إلا

ازورارا وأعين الحقد حول

ولو «النهج» نهج صخر بن حرب

فعلى القطع إنه مقبول

لكن النهج كان نهج علي

وعلي على الدني ثقيل

* * *

۸۱

(٢٤)

وقال عبد الباقي العمري :

ألا إن هذا السفر نهج بلاغة

لمنتهج العرفان مسلكه جلي

على قمم من آل حرب ترفعت

كجلمود صخر حطه السيل من عل

(٢٥)

ومما قيل في نهج البلاغة ، من مقال : نهج البلاغة في الأدب العربي ، المنشور في العدد ٥ من «تراثنا» ص ٦٤ :

نهج البلاغة مهدي السالكين إلى

مواطن الحق من قول ومن عمل

فاسلكه تهدى إلى دار السلام غدا

وتحظ فيها بما ترجوه من أمل

(٢٦)

وقال عبد الواحد النعماني (١٥) :

كلام شفاء للصدور مؤيدا

من الوحي مشتق وليس بقرآن

__________________

(١٥) أظنه عبد الواحد بن الصفي النعماني ، مؤلف كتاب «نهج السداد في شرح واجب الاعتقاد».

ترجم له الأفندي في رياض العلماء ٣ / ٢٧٩ وقال : (فاضل عالم متكلم ... ولم أتعين خصوص عصره ، فلاحظ ، وأظن أنه من تلامذة الشهيد أو تلامذة تلامذته ، ثم ظني أنه من أسباط النعماني صاحب كتاب الغيبة ...).

وترجم له شيخنا صاحب الذريعة ـ رحمه‌الله ـ في الضياء اللامع ، ص ٨٣ ، وقال عن كتابه نهج السداد : رأيت بعض نسخة كتبت سنة ٨٩٦ ، وبعضها سنة ٩٠٢ مكتوبا عليها أنه تصنيف الإمام العالم الفاضل الكامل ، قدوة العارفين ، عبد الواحد ابن الصفي النعماني قدس الله روحه

۸۲
۸۳

ولكنما فيه له منه جامع (١٦)

فصاحته قد أعجزت كل إنسان

(٢٧)

وقال آخر :

كتاب حوى نهج البلاغة لفظه

عليه من النور الإلهي تيجان

من الوحي مشتق فلم يأت مثله

لما فيه من روح الفصاحة إنسان

(٢٨)

ومما وجد مكتوبا بخط جديد على مخطوطة لنهج البلاغة كتبت سنة ٦٠٨ ه :

نهج البلاغة في البرية حجة

وبه تصح عقيدة الإيمان

لو لم يكن وحيا بليغا لم يكن

معناه مشتقا من القرآن

هو خامس الكتب التي جاءت على

متفرق الأنباء والأديان

__________________

الزكية ...

أقول : عثرت حتى الآن على سبع نسخ من مخطوطات «نهج السداد» ذكرتها في تعليقاتي على الذريعة إحداها ما ذكره شيخنا ـ رحمه‌الله ـ وهي المؤرخة سنة ٩٠٢ ه ، وهذه في مكتبة المرعشي في قم ، رقم ١١٢٦ ، مذكورة في فهرسها ٣ / ٢٩٨.

وأقدم مخطوطاتها هي التي كتبت سنة ٧٩٠ ه ، وقوبلت في شهر رمضان سنة ٧٩٦ ه ، وهي في مكتبة ملك الأهلية العامة في طهران ، في المجموعة رقم ٤٨٠ ، ذكرت في فهرسها ٥ / ٣٤ ، فالمؤلف من أعلام القرن الثامن ، ولعله من تلامذة العلامة الحلي ـ المتوفى سنة ٧٢٦ ه ـ مؤلف متن هذا الشرح وهو «واجب الاعتقاد».

وأظن أن النعماني نسبة إلى النعمانية ، مدينة بالعراق لا زالت عامرة قرب واسط ، كما رجحه السيد الأمين ـ رحمه‌الله ـ في أعيان الشيعة عند ترجمته للمؤلف ٨ / ١٣١.

(١٦) ولعل الصواب : شاهد.

في حكمة التوراة والإنجيل في

فضل الزبور وعزة الفرقان

إنذاره لمن اعتدى وبيانه

لمن اهتدى بالنص والبرهان

هو معجز لم يأت خلق مثله

وكفى به التلويح والتبيان

(٢٩)

وقال عبد المسيح الأنطاكي ـ منشئ جريدة العمران المصرية ، والمتوفى سنة ١٣٤١ ه ـ في مقصورته العلوية أو القصيدة العلوية المباركة ، المطبوعة غير مرة في ص ٥٣٩ :

إن الفصاحة ما دانت لذي لسن

من البرية عربيها وعجميها

كما انثنت ببهاها وهي خاضعة

للمرتضى اللسن القوال راعيها

كأنها خلقت خلقا له وكأنه

من العدم المجهول مبديها

قد بذ كل فصيح قبله عرفت

آثار آدابه والناس ترويها

ولم يدع بعده سبلا لمطلب

سبقا بمضمارها إن رام يمشيها

لم يبق ذكرا لقس وهو أفصح

ملسان ولا خطب قد كان يلقيها

نعم فصاحته ما من يقاربه

فيها وحسبي علي كان ينشيها

وإنه دون ريب سيد الفصحاء

الناثرين من الأقوال دريها

وإنها فوق أقوال البرية طرا

إنما دون ما قد قال باريها

وهي التي تسحر الألباب ما تليت

سحرا حلالا يغشي نفس تاليها

هي الشمول بالباب الورى لعبت

لعب الشمول بلا إثم لساقيها

عقود در لجيد الشرع قد نظمت

فهاكه قد تحلى من لآليها

في حسنها جليت مثل العرائس في

حليها تبهر الدنيا مجاليها

۸۴

آضت تلاوتها والله مطربة الأسماع

ما نغمات الطير تحكيها

فمن تلاها تلاهى عن فرائضه

إنسا بها ناسي الدنيا وما فيها

ضمت مواعظه الغرا وحكمته

الكبرى وأخلاقه الزهرا فحاويها

وجاء فيها بأحكام توضح

آيات الكتاب على ما شاء موحيها

وكان يكسو معانيه السنية

ألفاظا تليق بها أعظم بكاسيها

كان يرسلها عفوا بلا تعب

على المنابر بين الناس يشجيها

كذا رسائله الغراء كان بلا

تكلف بدراريه يوشيها

ظلت وحقك كنزا لا نفاد له

من الفصاحة للأعراب يغنيها

منها تعلمت الناس الفصاحة

لكن أعجزت كل من يبغي تحديها

بذلك اعترفت أهل الصناعة

بالإجماع مصدرة فيه فتاويها

وعمرك الله هل أجلى وأفصح من

أقوال حيدرة أو من معانيها

في كل ما نظمت أو كل ما نثرت

أهل الزكانة في شتى أماليها

لولا التقى قلت : آيات منسقة

فيها الهداية أو تجري مجاريها

وذي كتابته «نهج البلاغة» في

سطورها وبه هدي لقاربها

وحسبنا ما رأينا للصحابة آ

ثارا تحاكي الذي أبقاه عاليها

وهم لقد وردوا معه مناهل دين

الله والمصطفى قد كان مجريها

فإن تقل غير هياب فصاحته

للناس معجزة لم تلق تسفيها

وذات يوم أتى مثوى معاوية

لجدية محفن قد كان يبغيها

فقال : من عند أعيى الناس جئتك يا

رب الفصاحة أنشدني مثانيها

فقال : ويحك ترمي بالفهاهة

والإعياء حيدرة كذبا وتمويها

ولم يسن قوانين الفصاحة إلاه

لأمتنا حتى قريشيها

۸۵

وتلك قوله حق منه قد بدرت

عفوا بمجلسه ما اسطاع يزويها

والفضل للمرء ما أعداؤه شهدت

له به وروته في نواديها

* * *

۸۶

وأما الكلام المنثور

فهناك كثير من الأدباء والبلغاء بهرهم كلام أمير المؤمنين عليه‌السلام الذي قديما وصفوه بأنه : دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق ، ومن شدة إعجابهم به كان لهم أقوال ذهبية حول بلاغته عليه‌السلام الرائقة ومقدرته الخطابية الفائقة ، لو تعرضنا لها لطال بنا المقام ، وإنما نقتصر على من أطرى «نهج البلاغة» خاصة ، وأبدي إعجابه بما يحويه من بلاغة متناهية وأدب جم وحكم بالغة وكلم خالدة.

(١)

فمنهم أبو الحسن علي بن زيد البيهقي ، فريد خراسان ـ المتوفى سنة ٥٦٥ ه ـ في شرحه على نهج البلاغة الذي سماه : معارج نهج البلاغة ، ص ٣ ، قال :

فصل

وها أنا ذا أقول : هذا الكتاب النفيس مملوء من ألفاظ يتهذب بها المتكلم ، ويتدرب بها المتكلم [المتعلم / ظ] ، فيه من القول أحسنه ، ومن المعاني أرصنه ، كلام أحلى من نغم القيان ، وأبهى من نعم الجنان ، كلام مطلعه كسنة [كهيئة / ظ] البدر ، ومشرعه مورد أهل الفضل والقدر ، وكلمات وشيها حبر ، ومعانيها فقر ، وخطب مقاطعها غرر ، ومباديها درر ، استعاراتها تحكي غمزات الألحاظ المراض ، ومواعظها تعبر عن زهرات الرياض ، جمع قائل هذا الكلام بين ترصيع بديع ، وتجنيس أنيس ، وتطبيق أنيق ، فلله در

۸۷

خاطر عن مخايل الرشد ماطر ، وعين الله إذا انهلت فيه عزالي الأنواء أن يخضر رباه ، ويفوح رياه ، ولا للساري في مسالك نهج البلاغة أن يحمد عند الصباح سراه ، ولا لمجيل قداح الطهارة إذا صدقه رائد التوفيق والإلهام أن يفوز بقدحي المعلى والرقيب ، ويمتطي غوارب كل حظ ونصيب.

ولا شك أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه‌السلام كان باب مدينة العلوم ، فما تقول في سقط انفض من زند خاطره الواري ، وغيض بدا من فيض نهره الجاري ، لا بل في شعلة من سراجه الوهاج ، وغرفة من بحره المواج ، وقطرة من سحاب علمه الغزير ، ولا ينبئك مثل خبير.

والسيد الإمام الرضي ـ رحمه‌الله ـ ناظم تلك العقود ، وقاطف هذا العنقود ... وأنا أقول : ما ظنك بكلام علي بن أبي طالب أمير المؤمنين عليه السلام ، وهو كلام إذا لحظه الطرف رأى حقائق العلم المكنون ، وإذا تصفحه الخاطر جنى ثمرات السر المخزون ، حتى قال عمرو بن بحر الجاحظ : وددت أني أعطيت جميع مصنفاتي ، وقطعت أنسابها عني ، وأخذت بدلها ثلاث كلمات منسوبة إلى علي بن أبي طالب (عليه‌السلام) وصارت منسوبة إلي ...

وقال في ص ٩٩ بعد شرح قوله عليه‌السلام : «ولا يحمدحامد إلا ربه ..» :

وأقول : في وصف هذا الكلام : هذا كلام يجري مجرى السحر الحلال ، ويرتفع درجته عن نعوت الكمال ، كأنه اليواقيت في النظام ، أو مواقيت الأعياد في الأيام ، لفظ أحسن من عطفة الأصداغ ، وبلاغة كالأمل أذن بالبلاغ ، وأمثال كأنها حديقة الأحداق وبضاعة الحذاق ، يضحك معاني تلك الألفاظ شعور الأدب ضحك الأزاهير غب بكاء السحاب ، كأنها لآلىء السمط أو أشعة السقط ، وكان الصبح يتنفس عن نسيمها ، والدر يبسم عن نظيمها ، ولا غرو ، فإن قائلها استقى من منابع المصطفى عليه‌السلام ، وجذب العلم

۸۸

بضبعه ، وشق الالهام عن بصره وسمعه ، وختمت آداب الدين في عراص طبعه ، بذكره ينشرح الصدور ، وفلك الفصاحة [على] قطبه وخاطره يدور.

وقال في ص ١٠٨ بعد شرح قوله عليه‌السلام : «تخففوا تلحقوا ..» :

ثم مدح السيد هذا الكلام بألفاظ تشفي القرائح القريحة والجوارح الجريحة (١٧) ، وأنا أقول : هذه ألفاظ علوية ، يحكي تورد الأشجار ، وتنفس الأسحار ، ودرر السحاب ، ودرر السخاب ، فيها ملح كيواقيت السحر ، وفقر كالغنى بعد الفقر ، ومواعظ تقود المستمعين إلى الطاعة والانقياد والإذعان ، تجري في القلوب مجرى المياه في عروق الأغصان ، لو تليت على الحجارة لانفجرت منها عيون الماء ، أو على الكواكب لانتثرت من آفاق السماء.

وقال في ص ٣٧٨ بعد الانتهاء من شرح وصيته إلى ابنه الحسن عليهما‌السلام :

ولو سودت في شرح هذه الوصية ، التي جمع فيها أمير المؤمنين عليه السلام جميع ما يحتاج إليه البشر ، طاقات من القراطيس ، لما قرب من فوائدها بنصف عشرها أو أقل ، ومن له ذوق علمي وعملي فإنه يكفيه ما أشرت إليه ، ومن كان بخلاف ذلك فالقليل والكثير من البيان عنده سواء.

__________________

(١٧) قال الشريف الرضي رحمه‌الله بعد هذا الكلام : هذا الكلام لو وزن بعد كلام الله سبحانه وبعد كلام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بكل كلام لمال به راجحا ، وبرز عليه سابقا.

فأما قوله عليه‌السلام : «تخففوا تلحقوا» فما سمع كلام أقل منه مسموعا ، ولا أكثر محصولا ، وما أبعد غورها من كلمة! وأنقع نطفتها من حكمة! وقد نبهنا في كتاب (الخصائص) على عظم قدرها وشرف جوهرها.

۸۹

(٢)

وقال قطب الدين الراوندي ـ المتوفى سنة ٥٧٣ ه ـ في أول شرحه على نهج البلاغة المسمى : منهاج البراعة ، ج ١ ص ٤ :

وهو كلام عند أهل الفطنة والنظر ، دون كلام الله ورسوله ، وفوق كلام البشر ، واضحة مناره ، مشرقة آثاره ...

(٣)

وقال قطب الدين الكيدري محمد بن الحسين النيشابوري ، من أعلام القرن السادس ، في شرحه على نهج البلاغة ، الذي سماه : حدائق الحقائق في فسر دقائق أفصح الخلائق ، ج ١ ص ٨٦ :

هذا الكتاب ـ الذي نحن بصدده وهو كتاب نهج البلاغة ـ نطفة من بحار علومه الغزيرة ، ودرة من جواهر أصدافه الجمة الغفيرة ، وقطرة من قطرات غيثه المدرار ، وكوكب من كواكب فلكه الدوار ، ولعمري إنه الكتاب الذي لا يدانيه في كمال الفضل كتاب ، وطالب مثله في الكتب كالعنزي لا يرجى له إياب ، وهو محجر عيون العلوم ، وفي خلال الكتب كالبدر بين النجوم ، ألفاظه علوية علوية ، ومعانيه قدسية نبوية ، وهو عديم المثل والنظير ، وكما قلت فوقه بكثير ... وإذ قد كان هذا الكتاب الغاية في بلاغة البلغاء ، والنهاية في فصاحة الفصحاء ، تعين الفرض علينا أن نصدر شرحه بجملة وجيزة من أقسام البلاغة وأحكامها ...

* * *

۹۰

(٤)

وقال ابن أبي الحديد عند وصفه لشرحه على نهج البلاغة ، في مقدمته ، ص ٤ :

وبرهن على أن كثيرا من فصوله [نهج البلاغة] داخل في باب المعجزات المحمدية ، لاشتمالها على الأخبار الغيبية ، وخروجها عن وسع الطبيعة البشرية ، وبين من مقامات العارفين التي يرمز إليها في كلامه ما لا يعقله إلا العالمون ، ولا يدركه إلا الروحانيون المقربون ...

وقال عند كلامه على خصائص أمير المؤمنين عليه‌السلام وخصائله وما امتاز به عمق سواه من الفضائل ، ص ٧١ :

وما أقول في رجل تعزى إليه كل فضيلة ، وتنتهي إليه كل فرقة ، وتتجاذبه كل طائفة ، فهو رئيس الفضائل وينبوعها ، وأبو عذرها ، وسابق مضمارها ، ومجلي حلبتها ، وكل من بزغ فيها بعده فمنه أخذ ، وله اقتفى ، وعلى مثاله احتذى ...

فتكلم على العلوم والفنون والفضائل إلى أن انتهى إلى قوله في ص ٤٢ :

وأما الفصاحة : فهو عليه‌السلام إمام الفصحاء ، وسيد البلغاء وفي كلامه قيل : دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوقين.

ومنه تعلم الناس الخطابة والكتابة ، قال عبد الحميد بن يحيى : حفظت سبعين خطبة من خطب الأصلع ، ففاضت ثم فاضت.

وقال ابن نباتة : حفظت من الخطابة كنزا لا يزيده الإنفاق إلا سعة وكثرة ،

۹۱

حفظت مائة فصل من مواعظ علي بن أبي طالب ...

ويكفي هذا الكتاب الذي نحن شارحوه دلالة على أنه لا يجارى في الفصاحة ، ولا يبارى في البلاغة ، وحسبك أنه لم يدون لأحد من فصحاء الصحابة العشر ، ولا نصف العشر مما دون له ، وكفاك في هذا الباب ما يقوله أبو عثمان الجاحظ في مدحه في كتاب «البيان والتبيين» وفي غيره من كتبه ...

وقال في ج ١٦ ص ١٤٥ عند كلامه على كتابه عليه‌السلام إلى عبد الله بن عباس بعد مقتل محمد بن أبي بكر :

أنظر إلى الفصاحة كيف تعطي هذا الرجل قيادها ، وتملكه زمامها ، واعجب لهذه الألفاظ المنصوبة يتلو بعضها بعضا كيف تواتيه وتطاوعه ، سلسة سهلة تتدفق من غير تعسف ولا تكلف ، حتى انتهى إلى آخر الفصل فقال : «... يوما واحدا ، ولا ألتقي بهم أبدا» ، وأنت وغيرك من الفصحاء إذا شرعوا في كتاب أو خطبة جاءت القرائن والفواصل تارة مرفوعة ، وتارة مجرورة ، وتارة منصوبة ، فإن أرادوا قسرها بإعراب واحد ظهر منها في التكلف أثر بين ، وعلامة واضحة ، وهذا الصنف من البيان أحد أنواع الاعجاز في القرآن ، ذكره عبد القاهر ، قال : انظر إلى سورة النساء وبعدها سورة المائدة ، الأولى منصوبة الفواصل ، والثانية ليس فيها منصوب أصلا ، ولو مزجت إحدى السورتين بالأخرى لم تمتزجا ، وظهر أثر التركيب والتأليف بينهما.

ثم إن فواصل كل واحد منهما تنساق سياقة بمقتضى البيان الطبيعي لا الصناعة التكلفية.

ثم انظر إلى الصفات والموصوفات في هذا الفصل ، كيف قال : «ولدا ناصحا» ، و «عاملا كادحا» ، و «سيفا قاطعا» ، و «ركنا دافعا» ، لو قال : «ولدا كادحا» و «عاملا ناصحا» وكذلك ما بعده لما كان صوابا ، ولا في الموقع واقعا ، فسبحان الله من منح هذا الرجل هذه المزايا النفيسة والخصائص الشريفة! أن

۹۲

يكون غلام من أبناء عرب مكة ، ينشأ بين أهله ، لم يخالط الحكماء ، وخرج أعرف بالحكمة ودقائق العلوم الإلهية من أفلاطون وأرسطو.

ولم يعاشر أرباب الحكم الخلقية والآداب النفسانية ، لأن قريشا لم يكن أحد منهم مشهورا بمثل ذلك ، وخرج أعرف بهذا الباب من سقراط.

ولم يرب بين الشجعان ، لأن أهل مكة كانوا ذوي تجارة ، ولم يكونوا ذوي حرب ، وخرج أشجع من كل بشر مشى على الأرض ، قيل لخلف الأحمر : أيما أشجع عنبسة وبسطام أم علي ابن أبي طالب؟ فقال : إنما يذكر عنبسة وبسطام مع البشر والناس ، لا مع من يرتفع عن هذه الطبقة ، فقيل له : فعلى كل حال. قال : والله لو صاح في وجوههما لماتا قبل أن يحمل عليهما.

وخرج أفصح من سبحان وقس ، ولم تكن قريش بأفصح العرب ، كان غيرها أفصح منها ، قالوا : أفصح العرب جرهم وإن لم تكن لهم نباهة.

وخرج أزهد الناس في الدنيا ، وأعفهم ، مع أن قريشا ذوو حرص ومحبة للدنيا ، ولا غرو فيمن كان محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله مربيه ومخرجه ، والعناية الإلهية تمده وترفده أن يكون منه ما كان.

(٥)

وقال كمال الدين محمد بن طلحة الشافعي النصيبي ـ المتوفى سنة ٦٥٢ ه ـ في «مطالب السؤول» في الفصل العاشر ، في فصاحته ، وجمل من كلامه عليه‌السلام .... النوع الخامس في الخطب والمواعظ ، مما نقلته الرواة وروته الثقات عنه عليه‌السلام :

قد اشتمل كتاب نهج البلاغة المنسوب إليه عليه‌السلام على أنواع من خطبه ومواعظه ومواعظه الصادعة بأوامرها ونواهيها ، المطلعة أنوار الفصاحة

۹۳

والبلاغة مشرقة من ألفاظها ومعانيها ، الجامعة حكم عيون علم المعاني والبيان على اختلاف أساليبها مودعة فيها ، ولا يليق نقل ما فيه مع شهرته وكثرة نسخة بمنصب من نصب نفسه لجمع أشتات المناقب من أرجاء محالها ونواحيها ...

(٦)

وقال ابن الطقطقي في كتاب «الفخري» ص ١٢ ، في أواخر مقدمته في كلامه على الكتب الأدبية ، كحماسة أبي تمام ومقامات الحريري ، ومدحها من جهة وذمها من جهة أخرى ، فقال في كلامه عن مقامات الحريري :

فإن نفعت من جانب ضرت من جانب ، وبعض الناس تنبهوا على هذا من المقامات الحريرية والبديعة ، فعدل الناس إلى نهج البلاغة من كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه‌السلام ، فإنه الكتاب الذي يتعلم منه الحكم ، والمواعظ ، والخطب ، والتوحيد ، والشجاعة ، والزهد ، وعلو الهمة ، وأدنى فوائده الفصاحة والبلاغة.

(٧)

قال القوشجي ـ المتوفى سنة ٨٧٩ ه ـ في شرحه على التجريد ، ص ٣٧٨ ، في شرح قول نصير الدين الطوسي في وصف أمير المؤمنين عليه‌السلام : «وأفصحهم لسانا» :

على ما يشهد به نهج البلاغة ، وقال البلغاء : وإن كلامه دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق.

* * *

۹۴

(٨)

وقال نظام الدين الجيلاني في ديباجة شرحه لنهج البلاغة ، الذي سماه : أنوار الفصاحة وأسرار البراعة :

ولما كان كتاب نهج البلاغة ... محتويا على مختار كلام الإمام الهمام مولانا وإمامنا ... في جميع الفنون ، من خطب وكتب ومواعظ وآداب البلغاء والعلماء ، ومتضمنا من عجائب البلاغة وغرائب الفصاحة وبدائع الصنائع ، بحيث يعده العلماء تحت كلام الخالق وفوق كلام المخلوق ، فلم يطمع (ظ) ببدائع صنائعه وعجائب بدائعه من غير الشرح والتفسير إلا واحد بعد واحد ممن برع في العلوم العربية والرسوم الأدبية ، وكان مع ذلك مسترسل الطبيعة ، مشتعل القريحة ، ويقظان النفس ، دراكا اللمحة ، منتبها على الرمز والإشارة ، متفوقا ذا درية بأساليب النظم وتراكيب النثر ، وعلم كيف يرتب الكلام ويؤلف ، وكيف ينظم ويرصف ، فإن هذا الكتاب دستور الغرائب وفهرست العجائب ، ولا يعرف ذلك إلا من تسنم شواهق البلاغة بحق ، وجرى في ميدان الفصاحة أشواطا على عرق ، وعرف أن لا كل سوداء تمرة ، ولا كل حمراء جمرة ، فإن هذا الكتاب ميدان ، وللفصحاء والبلغاء فيه جولان ، وكان في الاشتهار كالشمس في رابعة النهار ، وسلمه المخالف والموافق ، واستحسنه الصغار والكبار ، فإنه وإن كان صغير الحجم وجيز النظم ، فهو كثير العلم ، عظيم الاسم ، جليل الشأن ، واضح البرهان ، لا يعرف على وجه الأرض بعد الكتاب الإلهي كتاب أشرف منه وأعظم ، ولا أنفس منه وأتم ، فمن شأنه أن يكتب سطوره بالنور على خدود الحور ظاهرا ، وينقش معانيه بقلم العقل على لوح النفس باطنا ، فإنه خلاصة كلامه عليه‌السلام ...

* * *

۹۵

(٩)

وقال عبد المسيح الأنطاكي في تعاليق قصيدته «القصيدة العلوية المباركة» ص ٥٦٧ :

إن الحكمة المأثورة عن سيدنا أمير المؤمنين عليه صلوات الله ، فهو ولا جدال سيد الحكماء ، وعنه تروى الحكمة في مواطن السراء والضراء ، وقد وردت الحكمة على لسانه الشريف في كثير من رسائله وخطبه وأقواله حتى قالوا : إنه كان ينطق بالحكمة في كل موطن أقام فيه ومجلس جلسه وموقف وقفه ، بل كانت جميع أقواله الشريفة وأعماله المنيفة حكما مأثورة منبثقة عن توقد ذكاء وسعة تجربة واختبار ، ولقد جمع الشريف الرضي بعض هاتيك الحكم في آخر كتاب نهج البلاغة ، فكانت حلية في الآداب ملأى بما يسدد خطى الناس إلى الرشاد والصواب ، وقد اقتبسنا بعضها فنظمناها حلية لجيد علويتنا المباركة ، والأمل أن تعم فائدتها ، وتحسن على القراء الأتقياء عائدتها ، وبالله المستعان.

(١٠)

وقال الشيخ محمد عبده في مقدمة شرحه لنهج البلاغة :

حمد لله سياج النعم ، والصلاة على النبي وفاء الذمم ، واستمطار الرحمة على آله الأولياء ، وأصحابه الأصفياء ، عرفان الجميل ، وتذكار الدليل.

وبعد ، فقد أوفى لي حكم القدر بالاطلاع على كتاب نهج البلاغة مصادفة بلا تعمل ، أصبته على تغير حال ، وتبلبل بال ، وتزاحم أشغال ، وعطلة من أعمال ، فحسبته تسلية ، وحيلة للتخلية ، فتصفحت بعض صفحاته ،

۹۶

وتأملت جملا من عباراته ، من مواضع مختلفات ، ومواضيع متفرقات ، فكان يخيل لي في كل مقام أن حروبا شبت ، وغارات شنت ، وأن للبلاغة دولة ، وللفصاحة صولة ، وأن للأوهام عرامة ، وللريب دعارة ، وأن جحافل الخطابة ، وكتائب الذرابة ، في عقود النظام ، وصفوف الانتظام ، تنافح بالفصيح الأبلج ، والقويم الأملج ، وتمتلج المهج برواضع الحجج ، فتفل من دعارة الوساوس ، وتصيب مقاتل الخوانس ، فما أنا إلا والحق منتصر ، والباطل منكسر ، ومرج الشك في خمود ، وهرج الريب في ركود. وإن مدبر تلك الدولة ، وباسل تلك الصولة ، هو حامل لوائها الغالب ، أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.

بل كنت كلما انتقلت من موضع إلى موضع أحس بتغير المشاهد ، وتحول المعاهد :

فتارة كنت أجدني في عالم يعمره من المعاني أرواح عالية ، في حلل من العبارات الزاهية ، تطوف على النفوس الزاكية ، وتدنو من القلوب الصافية ، توحي إليها رشادها ، وتقوم منها مرادها ، وتنفر بها عن مداحض المزال ، إلى جواد الفضل والكمال.

وطورا كانت تتكشف لي الجمل عن وجوه باسرة ، وأنياب كاشرة ، وأرواح في أشباح النمور ، ومخالب النسور ، قد تحفزت للوثاب ، ثم انقضت للاختلاب ، فخلبت القلوب عن هواها ، وأخذت الخواطر دون مرماها ، واغتالت فاسد الأهواء ، وباطل الآراء.

وأحيانا كنت أشهد أن عقلا نورانيا ، لا يشبه خلقا جسدانيا ، فصل عن الموكب الإلهي واتصل بالروح الإنساني ، فخلعه عن غاشيات الطبيعة ، وسما به إلى الملكوت الأعلى ، ونما به إلى مشهد النور الأجلى ، وسكن به إلى عمار جانب التقديس ، بعد استخلاصه من شوائب التلبيس.

وآنات كأني أسمع خطيب الحكمة ينادي بأعلياء الكلمة ، وأولياء أمر الأئمة ، يعرفهم مواقع الصواب ، ويبصرهم مواضع الارتياب ، ويحذرهم مزالق

۹۷

الاضطراب ، ويرشدهم إلى دقائق السياسة ، ويهديهم طرق الكياسة ، ويرتفع بهم إلى منصات الرئاسة ، ويصعدهم شرف التدبير ، ويشرف بهم على حسن المصير.

ذلك الكتاب الجليل هو جملة ما اختاره السيد الشريف الرضي ، رحمه الله ، من كلام سيدنا ومولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ، جمع متفرقة وسماه هذا الاسم : نهج البلاغة ، ولا أعلم اسما أليق بالدلالة على معناه منه ، وليس في وسعي أن أصف هذا الكتاب بأزيد مما دل عليه اسمه ، ولا أن آتي بشئ في بيان مزيته فوق ما أتى به صاحب الاختيار كما ستراه في مقدمة الكتاب.

ولولا أن غرائز الجبلة ، وقواضي الذمة تفرض علينا عرفان الجميل لصاحبه ، وشكر المحسن على إحسانه ، لما احتجنا إلى التنبيه على ما أودع نهج البلاغة ، من فنون الفصاحة ، وما خص به من وجوه البلاغة ، خصوصا وهو لم يترك غرضا من أغراض الكلام إلا أصابه ، ولم يدع للفكر ممرا إلا جابه ...

(١١)

ولقد أحسن الوصف أستاذ الفن محمد حسن نائل المرصفي ، مدرس البيان بكلية الفرير الكبرى بمصر ، في مقدمة الشرح على نهج البلاغة ، فجمع بإيجاز أطراف البيان حول عبقرية الإمام ، وذكر مزاياه العالية ، وشرح ماهية كلامه في نهج البلاغة ملخصا فيما يأتي ، قال :

بهذه الخصال الثلاث ـ يعني جمال الحضارة الجديدة ، وجلال البداوة القديمة ، وبشاشة القرآن الكريم ـ امتاز الخلفاء الراشدون ، ولقد كان المجلي في هذه الحلبة علي صلوات الله عليه ، وما أحسبني أحتاج في إثبات هذا إلى

۹۸

دليل أكثر من نهج البلاغة ، ذلك الكتاب الذي أقامه الله حجة واضحة على أن عليا رضي‌الله‌عنه قد كان أحسن مثال حي لنور القرآن وحكمته وعلمه وهدايته وإعجازه وفصاحته.

اجتمع لعلي عليه‌السلام في هذا الكتاب ما لم يجتمع لكبار الحكماء وأفذاذ الفلاسفة ونوابغ الربانيين ، من آيات الحكمة السامية وقواعد السياسة المستقيمة ، ومن كل مواعظة باهرة وحجة بالغة تشهد له بالفعل وحسن الأثر.

خاض علي في هذا الكتاب لجة العلم والسياسة والدين ، فكان في كل هذه المسائل نابغة مبرزا ، ولئن سألت عن مكان كتابه من الأدب بعد أن عرفت مكانه من العلم ، فليس في وسع الكاتب المسترسل والخطيب المصقع والشاعر المفلق أن يبلغ الغاية في وصفه والنهاية من تقريظه ، وحسبنا أن نقول : إنه الملتقى الفذ الذي التقى فيه جمال الحضارة وجزالة البداوة ، والمنزل الفرد الذي اختارته الحقيقة لنفسها منزلا تطمئن فيه وتأوي إليه بعد أن زلت بها المنازل في كل لغة (١٨) ...

(١٢)

وقال الأستاذ محمد الزهري الغمراوي المصري ، في مقدمته لطبعة نهج البلاغة بشرح الشيخ محمد عبده ومحمد حسن نائل المرصفي ، طبعة دار الكتب المصرية سنة ١٣٢٨ ه ، وطبعة المطبعة الميمنية بالقاهرة تحت عنوان : «كتاب الفصحاء» :

ولم ينقل عن أحد من أهل هذه الطبقات ما نقل عن أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب كرم الله وجهه ، فقد اشتملت مقالاته على المواعظ الزهدية ،

__________________

(١٨) ما هو نهج البلاغة ، ص ٥.

۹۹

والمناهج السياسية ، والزواجر الدينية ، والحكم النفسية ، والآداب الخلقية ، والدرر التوحيدية ، والإرشادات الغيبية ، والردود على الخصوم ، والنصائح على وجه العموم ، وقد احتوى على غرر كلامه كرم الله وجه كتاب نهج البلاغة الذي جمعه وهذبه أبو الحسن محمد ابن الطاهر ، المشهور بالشريف الرضي ، رحمه الله وأثابه وأرضاه.

(١٣)

وقال الشيخ مصطفى الغلاييني ـ المتوفى سنة ١٣٦٤ ه ـ عضو المجمع العلمي السوري ، وأستاذ التفسير والفقه والآداب العربية في الكلية الإسلامية في بيروت ، في كتابه «أريج الزهر» المطبوع في بيروت سنة ١٣٢٩ ه تحت عنوان : «نهج البلاغة وأساليب الكلام العربي» :

من أحسن ما ينبغي مطالعته لمن يتطلب الأسلوب العالي كتاب نهج البلاغة للإمام علي رضي‌الله‌عنه ، وهو الكتاب الذي أنشأت هذا المقال لأجله ، فإن فيه من بليغ الكلام ، والأساليب المدهشة ، والمعاني الرائقة ، ومناحي الموضوعات الجليلة ، ما يجعل مطالعه ـ إذا زاوله مزاولة صحيحة ـ بليغا في كتابته ، وخطابته ، ومعانيه.

(١٤)

وقال محمد كرد علي في مقال له عنوانه : «الانشاء والمنشئون» (١٩) :

__________________

(١٩) نشر أولا باللغة الفرنسية في مجلة «التعليم».

۱۰۰

إذا أردنا أن نحكم على المنشئين بما انتهى إلينا من خطبهم ، ورسائلهم ، ومحاوراتهم ، ومصنفاتهم ، وبدأنا بأهل القرن الأول للإسلام ، نرى على رأسهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ، فإنه سيد البلغاء على الاطلاق ، وواضع بنيان البيان العربي ، وكلامه ـ كما قال العارفون : بعد كلام الله ورسوله عليه الصلاة والسلام ـ أبلغ كلام.

ونهج البلاغة الذي جمعه الشريف الرضي من كلامه ، وشرحه ابن أبي الحديد كتاب الدهر الخالد ...

وقال أيضا في مقال آخر له (٢٠) :

وإذا طلبت البلاغة في أتم مظاهرها ، والفصاحة التي لم تشبها عجمة ، فعليك بنهج البلاغة الذي فيه خطب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ورسائله إلى عماله ...

(١٥)

وقال الصحفي الشهير أمين نخلة ، المسيحي اللبناني ، في جواب من سأله أن يختار له مائة كلمة من حكم أمير المؤمنين عليه‌السلام :

سألتني أن أنتقي مائة كلمة من كلمات أبلغ العرب أبي الحسن ، تخرجها في كتاب ، وليس بين يدي الآن من كتب الأدب التي يرجع إليها في مثل هذا الغرض إلا طائفة قليلة ، منها : إنجيل البلاغة (النهج) فرحت أسرح إصبعي فيه ، ووالله لا أعرف كيف أصطفي لك المائة من مئات ، بل الكلمة من

__________________

ثم نشر بالعربية في مجلة المجمع العلمي السوري ، في المجلد الخامس ، العدد الثاني ، ص ٨٠.

۱۰۱

كلمات ، إلا إذا سلخت الياقوتة عن أختها الياقوتة ، ولقد فعلت ويدي تتقلب على اليواقيت ، وعيني تغوص في اللمعان ، فما حسبتني أخرج من معدن البلاغة بكلمة لفرط ما تحيرت في التخيير!

فخذه هذه المائة (٢١) ، وتذكر أنها لمحات من نور ، وزهرات من نور ، ففي نهج البلاغة من نعم الله على العربية وأهلها أكثر بكثير من مائة كلمة ... (٢٢).

(١٦)

وقال الأستاذ محمد محيي الدين عبد الحميد في كلام له عن نهج البلاغة في مقدمته لطبعه :

وهو الذي يقول جامعه الشريف الرضي في سبب توليفه : «علما أن ذلك يتضمن من عجائب البلاغة ، وغرائب الفصاحة ، وجواهر العربية ، وثواقب الكلم الدينية والدنيوية ، ما لا يوجد مجتمعا في كلام ، ولا مجموع الأطراف في كتاب ، إذ كان أمير المؤمنين عليه‌السلام مشرع الفصاحة وموردها ، ومنشأ البلاغة ومولدها ، ومنه عليه‌السلام ظهر مكنونها ، وعنه أخذت قوانينها ، وعلى أمثلته حذا كل قائل خطيب ، وبكلامه استعان كل واعظ بليغ ، ومع ذلك فقد سبق وقصروا ، وتقدم وتأخروا».

هذا كتاب «نهج البلاغة» وهو الذي عرفت منزلته بين الكتب ، وسمعت الثناء العظيم عليه من رجل من رجالات الأدب والبيان في عصر العلم والبيان ، وهو «أشعر الطالبيين من مضى ومن غبر ، على كثيرة شعرائهم المفلقين» (٢٣) ،

__________________

(٢٠) مجلة المجمع العلمي السوري ، المجلد ١٨ ، ص ٢٧٠.

(٢١) نشرت هذه المائة كلمة ـ اختيار أمين نخلة ـ في مطبعة العرفان بصيدا سنة ١٣٤٩ = ١٩٣٠.

(٢٢) ما هو نهج البلاغة ـ للسيد هبة الدين الشهرستاني ـ : ٣.

(٢٣) يقول ذلك الثعالبي في شأن الشريف الرضي.

۱۰۲

ومن حكيم الإسلام وإمام المسلمين وزعيم الدعوة الاجتماعية والأدبية في العصر الحديث ، فليس بدعا أن نحضك على قراءته ومعاودة مراجعته ، ثم على التأسي به وقفو نهجه ، وليس كثيرا أن نكفل لك إذا أنت لم تأل جهدا في اتباع هذه النصيحة أن تبلغ الذروة ، وتصل إلى ما تطمع فيه من امتلاك أزمة البلاغة ، والتمكن من أعنتها.

وليس من شك عند أحد من أدباء هذا العصر ، ولا عند أحمد ممن تقدمهم ، في أن أكثر ما تضمنه «نهج البلاغة» من كلام أمير المؤمنين عليه السلام ، نعم ليس من شك عند أحد في ذلك ، وليس من شك عند أحد في أن ما تضمنه الكتاب جار على النهج المعروف عن أمير المؤمنين ، موافق للأسلوب الذي يحفظه الأدباء والعلماء من كلامه الموثوق بنسبته إليه.

(١٧)

وقال شيخنا الحجة العلامة الكبير الشيخ آقا بزرك الطهراني ـ المتوفى سنة ١٣٨٩ ه ـ رحمه‌الله ، في موسوعته الخالدة كتاب «الذريعة إلى تصانيف الشيعة» ج ٤ ص ١٤٤ ، في الثناء على نهج البلاغة :

لم يبرز في الوجود بعد انقطاع الوحي الإلهي كتاب أمس به مما دون في نهج البلاغة ، نهج العلم والعمل الذي عليه مسحة من العلم الإلهي ، وفيه عبقة من الكلام النبوي ، وهو صدف لآلىء الحكم ، وسفط يواقيت الكلم ، المواعظ البالغة في طي خطبه ، وكتبه تأخذ بمجامع القلوب ، وقصار كلماته كافلة لسعادة الدنيا والآخرة ، ترشد طلاب الحقائق بمشاهدة ضالتهم ، وتهدي أرباب الكياسة لطريق سياستهم وسيادتهم ، وما هذا شأنه حقيق أن يعتكف بفنائه العارفون وينقبه الباحثون ، وحري أن تكتب حوله كتب ورسائل كثيرة حتى يشرح

۱۰۳

فيها مطالبه كلا أو بعضا ، ويترجم إلى لغات أخر ، ليغترف أهل كل لسان من بحاره غرفة ...

وقال فيه ـ رحمه‌الله ـ أيضا في ج ١٤ ص ١١١ :

هو كالشمس الطالعة في رائعة النهار ، في الظهور وعلو الشأن والقدر ، وارتفاع المحل ، قد جعلت رؤيتها لجميع الناس مرأى واحدا لا تخفى على أحد ، فيقبح من العاقل البصير سؤال ما هي الشمس الطالعة؟ وهي مما يقتبس من إشراق نورها كافة الكائنات في البر والبحر ، كذلك النهج قد طبقت معروفيته الشرق والغرب ، ونشر خبره في أسماع الخافقين ، ويتنور من تعليمات النهج جميع أفراد نوع البشر ، لصدوره عن معدن الوحي الإلهي ، فهو أخ القرآن الكريم في التبليغ والتعليم ، وفيه دواء كل عليل وسقيم ، ودستور للعمل بموجبات سعادة الدنيا وسيادة دار النعيم ، غير أن القرآن أنزله حامل الوحي الإلهي على قلب النبي الأمين صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والنهج أنشأه باب مدينة علم النبي وحامل وحيه ، سيد الموحدين وإمام المتقين ، علي أمير المؤمنين عليه‌السلام من رب العالمين ، وقد قيل فيه :

نهج البلاغة نهج العلم والعمل

فاسلكه يا صاح تبلغ غاية الأمل

وقد لمحنا في ج ٤ ص ١٤٤ إلى سيادته على سائر الكتب ، وكونه دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق ، ونعم ما قيل فيه :

كلام علي كلام علي

وما قاله المرتضى مرتضى

لقد صارت الكلمات التي يلقيها أمير المؤمنين عليه‌السلام في خطبه ، أو يمليها إلى كاتبه مخزونة في صدور جمع من أصحابه ، على موجب السيرة العربية ، ثم قيد ما في تلك الصدور إلى الكتابة في الأصول الأولية التي ذكرنا اثني عشر منها في ج ٧ ص ١٨٧ وبعدها ، ومنها ما ألف في عصر الأمير عليه

۱۰۴

السلام ، مثل كتاب «الخطب» تأليف أبي سليمان زيد الجهني ، الذي شهد حروب الأمير عليه‌السلام ، ثم نقل منها إلى سائر الكتب التي ألفت في جمع خطبه عليه‌السلام إلى عصر الشريف الرضي ـ رحمه‌الله ـ مما لا يستهان به ، وكانت تلك الأصول المعتبرة والكتب المعتمدة في مكتبة الوزير سابور بن أردشير وغيرها في بغداد تحت نظر الشريف الرضي ـ رحمه‌الله ـ يستفيد منها في كل حين ، حتى أخرج منها ما اختاره من منشئآت أمير المؤمنين عليه‌السلام وجعلها بين الدفتين مرتبا على ثلاثة أقطاب : ١ ـ الخطب ، ٢ ـ الكتب ، ٣ ـ الحكم ، وبعد ذلك سمى ما دونه من المنشئات ب «نهج البلاغة».

(١٨)

وقال السيد هبة الدين الشهرستاني في «ما هو نهج البلاغة» ص ٥ بعد إيراد كلام المرصفي الذي تقدم برقم ١٠ :

وكم مثل هذا في الواصفين لنهج البلاغة من حكموا بتفوقه على كتب الانشاء ومنشآت البلغاء ، واعترفوا ببلوغه حد الاعجاز ، وأنه فوق كلام المخلوقين ودون كلام الخالق المتعال ، وأعجبوا به أقصى الاعجاب ، وشهدت ألسنتهم بدهشة عقولهم من عظمة أضاء سنا برقها من ثنايا الخطب ومزايا الجمل ، وليس إعجاب الأدباء بانسجام لفظه وحده ، ولا دهشة العلماء من تفوق معانيه البليغة حد الاعجاز فقط ، وإنما الاعجاب كله والدهشة كلها في تنوع المناحي في هذه الخطب والكلم ، واختلاف المرامي والأغراض فيها ، فمن وعظ ونصح وزهد وزجر ، إلى تنبيه حربي واستنهاض للجهاد ، إلى تعليم فني ودروس ضافية في هيئة الأفلاك وأبواب النجوم وأسرار من طبائع كائنات

۱۰۵

الأرض وكامنات السماء ، إلى فلسفة الكون وخالقه وتفنن في المعارف الإلهية وترسل في التوحيد وصفة المبدأ والمعاد ، إلى توسع في أصول الإدارة وسياسة المدن والأمم ، إلى تثقيف النفوس بالفضائل وقواعد الاجتماع وآداب المعاشرة ومكارم الأخلاق ، إلى وصف شعري لظواهر الحياة ، وغير ذلك من شتى المناحي المتجلية في «نهج البلاغة» بأرقى المظاهر ، والإمام نراه الإمام في كل ضرب من ضروب الاتجاه ، وعبقرية الإمام ظاهرة التفوق على الجميع ، بينما نرى أفذاذ الرجال يجدون في أوجه الكمال فلا يبلغونه إلا من الوجه الواحد ...

(١٩)

وقال العلامة الجليل الشيخ هادي آل كاشف الغطاء النجفي ـ المتوفى بها سنة ١٣٦١ ه ـ في كتابه «مستدرك نهج البلاغة» المطبوع سنة ١٣٥٤ ه ، ص ٣ :

إن نهج البلاغة من كلام مولانا أمير المؤمنين ، وإمام الموحدين ، باب مدينة العلم ، علي بن أبي طالب عليه‌السلام ، من أعظم الكتب الإسلامية شأنا ، وأرفعها قدرا ، وأجمعها محاسن ، وأعلاها منازل ، نور لمن استضاء به ، ونجاة لمن تمسك بعراه ، وبرهان لمن اعتمده ، ولب لمن تدبره ، أقواله فصل ، وأحكامه عدل ، حاجة العالم والمتعلم ، وبغية الراغب والزاهد ، وبلغة السائس والمسوس ، ومنية المحارب والمسالم ، والجندي والقائد.

فيه من الكلام في التوحيد والعدل ، ومكارم الشيم ، ومحاسن الأخلاق ، والترغيب والترهيب ، والوعظ والتحذير ، وحقوق الراعي والرعية ، وأصول المدنية الحقة ، وما ينقع الغلة ، ويزيل العلة ، لم تعرف المباحث الكلامية إلا منه ، ولم تكن إلا عيالا عليه ، فهو قدوة فطاحلها ، وإمام أفضلها.

* * *

۱۰۶

(٢٠)

وقال الأستاذ عبد الوهاب حمودة ، أستاذ الأدب الحديث بكلية الآداب بجامعة فؤاد الأول ، في مقال له حول نهج البلاغة نشره في مجلة «رسالة الإسلام» الصادرة عن دار التقريب بمصر ، في عددها الثالث من سنتها الثالثة ، شهر رمضان سنة ١٣٧٠ ه ، تحت عنوان : «الآراء الاجتماعية في نهج البلاغة» فقال :

لسنا بصدد تحقيق نسبة كتاب «نهج البلاغة» إلى الإمام علي رضي الله عنه ، أو إلى جامعه الشريف الرضي ، فإن لذلك مجالا غير هذا.

غير أنه مما لا شك فيه عند أحد من أدباء هذا العصر ، ولا عند أحد ممن تقدمهم في أن أكثر ما تضمنه «نهج البلاغة» هو من كلام أمير المؤمنين رضوان الله عليه.

وعلى ضوء هذا الرأي نحن ننظر في الكتاب فنبحث في مطاويه ، ونمتع الذهن بأسرار معانيه ، ونستخرج منه الآراء الناضجة الاجتماعية ، والأفكار الخالدة الإنسانية.

وإن الباحث ليتملكه الدهش حين يرى لأدب آل البيت جميعا سمات خاصة وخصائص متمايزة ، لا فرق في ذلك بين رجالهم ونسائهم وخطبائهم وشعرائهم.

فإن لأدب كل جماعة سمات تستمد من وجداناتهم ، وصدق عواطفهم ، ونبل مقاصدهم ، ودقة مشاعرهم.

فمن سمات أدب آل البيت صدق العاطفة ، وجزالة الأسلوب ، وسمو المقصد ، وحرارة العبارة ، وقوة الإيمان ، ورسوخ العقيدة ، وتوقد الوجدان.

ولا عجب في ذلك ، فإن الأدب ينهض في عصور المشادة لا عصور

۱۰۷

اللين والأمن ، وإن عصور الأمن عصور طراوة ودعة لا تحفز النفوس ، ولا تستثير قواها الكامنة.

وعلى النقيض من ذلك عصور المشادة والجهاد التي تحرك أعمق أعماق النفوس وتثير كل تياراتها ، وتبتعث رواقدها ، لما تتطلبه طبيعة العراك من استمداد كل قوة ، وإفراغ كل جهد.

إن الاضطهاد العنيف لم يترك في أدب آل البيت أنينا وشكوى ، ولا بكاء ولا عويلا ، وإنما ترك قوة صامدة ، وتحقيرا لأمر الدنيا ، وإعظاما للجهاد ، وإكبارا للتضحية.

ولم يكن لآل البيت أسلوب قوي فحسب ، بل كانت معانيهم أيضا قوية ، فقد اصطبغت هذه المعاني بالمثل الأعلى للإيمان والعقيدة ، فاكتسبت رونقا وجلالا ، وعظمة وجمالا.

ولا غرو ، فقد قدموا في سبيل هذه العقيدة أغلى ما يمكن أن يقدمه إنسان قربانا لعقيدة ، وهي أنفسهم الزكية ، وأرواحهم الطاهرة ، أليس يقول الإمام رضي‌الله‌عنه : «لنا حق فإن أعطيناه ، وإلا ركبنا أعجاز الإبل وإن طال السرى».

وقد اجتمع له رضي‌الله‌عنه في كتاب «نهج البلاغة» ما يجتمع لكبار الحكماء ، وأفذاذ الفلاسفة ، ونوابغ الربانيين من آيات الحكمة السامية ، وقواعد السياسة المستقيمة ، ومن كل موعظة باهرة ، وحجة بالغة ، وآراء اجتماعية ، وأسس حربية ، مما يشهد للإمام بالفضل وحسن الأثر.

فأنت واجد في خطبه ووصاياه رضوان الله عنه ملتقى العاطفة المشبوبة والإحساس المتطلع إلى الرحمة والإكبار ، فقد كانت حياته وحياة أبنائه سلسلة من الجهاد والصراع والاضطهاد والجلاد.

فكان رضي‌الله‌عنه شجاعا في غير بغي ، قويا في غير قسوة ، سليم الصدر من الضغن والحقد ، برئ النفس من حب الانتقام والغرور ، لا يتكلف

۱۰۸

ولا يحتال على أن يتكلف ، بل كان يقول : «شر الأخوان من تكلف له».

وكان لا يعرف غير طريق واحدة هي طريق الصراحة التي تكشف عن قرارة نفسه ، فهو في طلب الحق لا تلين قناته ، ولا تأخذه فيه هوادة ، وهو يربأ بنفسه أن يستهوي الأفئدة بالمداجاة والمقاربة وبذل العطاء كما كان يفعل سواه ...

(٢١)

وقال الدكتور صبحي الصالح في ما كتب يأذن في طبع نهج البلاغة بتحقيقه (٢٤) :

وإني بدوري وبوصفي محققا للكتاب ، وشارحا له ، وضابطا لنصه : أرى أن نهج البلاغة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه‌السلام يجب أن يطبع ، وينشر ، ويوزع في جميع أنحاء العالم ، ليستفيد منه الجيل المسلم الجديد.

من أجل هذا أرى لزاما علي أن أشكر أصدقائي الأعزة من العلماء العاملين في مركز البحوث الإسلامية في قم لنهوضهم بهذا الواجب في إيران المسلمة العريقة في إسلامها ...

(٢٢)

وقال العلامة الشيخ عزيز الله العطاردي الخراساني القوجاني ، نزيل طهران اليوم ، في مقدمته لمنهاج البراعة (٢٥)

__________________

(٢٤) نشر بتصوير خطه في مقدمة الطبعة الأولى لنهج البلاغة في إيران بتحقيق الدكتور صبحي الصالح ، من إصدارات مركز البحوث الإسلامية في قم سنة ١٣٩٥ ه.

(٢٥) في شرح نهج البلاغة ، لقطب الدين الراوندي ـ المتوفى سنة ٥٧٣ ه ـ وقد طبعه بالهند سنة ١٤٠٤ ه.

۱۰۹

وهو يتحدث عن نهج البلاغة :

هذا الكتاب الشريف أشرف الكتب بعد كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهو دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوقين ، وأفضل الكلام وأفصحه وأنفعه وأرفعه ، وهذا واضح لمن تأمل في الكتاب ، وتفكر في ألفاظه ومعانيه.

نهج البلاغة كتاب يشتمل على المعارف الإلهية ، والأسرار النبوية ، والأحكام الإسلامية ، والقواعد السياسية ، يستفيد منه الحكيم الإلهي ، والفقيه الرباني ، والواعظ الصمداني ، والمصلح السياسي.

وفيه آداب الحرب وتنظيم العساكر والجيوش ، وردت فيه مواعظ شافية للمتعظين ، وآداب للعارفين ، وترغيب للعابدين ، وتحذير للمنافقين ، وتخويف للأمراء والسلاطين ، وإرشادهم في الحكم وبسط العدل للمسلمين ، وكظم الغيظ والعفو عن المجرمين.

من نظر في نهج البلاغة وتعمق في خطبه ورسائله يرى نفسه مع خطيب وأمير إلهي ، تارة يتكلم في التوحيد ، ويبحث عن أسرار الكائنات ، ويكشف غوامض المسائل ، ويشرح مكنون العلم.

وتارة يتكلم عن النبوة وصفات الأنبياء عليهم‌السلام والأولياء.

وأخرى يتكلم عن العباد والزهاد وصفات المتقين.

وآونة عن فنون الحرب والجهاد مع الأعداء في الغزوات ومقارعة الأبطال ومصارعة الشجعان.

وحينا يعظ الناس ويحذرهم من الدنيا وزينتها ، ويرغبهم في الآخرة ونعيمها.

* * *

۱۱۰

الكلمة

في اصطلاح النحاة

السيد علي حسن مطر

الكلمة لغة :

أولا : معناها.

تستعمل الكلمة في ثلاثة معان لغوية (١) :

الأول : الحرف الواحد من حروف الهجاء.

الثاني : اللفظة الواحدة المؤلفة من بضعة حروف ذات معنى.

الثالث : الجملة المفيدة والقصيدة والخطبة.

وقد أشار بعض العلماء إلى أن استعمال الكلمة في المعنى الأخير من المجاز اللغوي «من باب تسمية الشئ باسم بعضه ، كتسميتهم ربيئة القوم عينا ، والبيت من الشعر قافية ، لاشتماله عليها ، وهو مجاز مهمل في عرف النحاة» (٢) ، «أي أنهم لا يستعملون الكلمة بمعنى الكلام

__________________

(١) لسان العرب لابن منظور ، وتهذيب اللغة للأزهري ، مادة (كلم) ، أوضح المسالك في شرح ألفية ابن مالك ، لابن هشام ١ / ١٢ ، شرح قطر الندى لابن هشام : ص ١٣ ، شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك ١ / ١٦ ، همع الهوامع في شرح جمع الجوامع ، للسيوطي ، تحقيق عبد السلام هارون وعبد العال سالم مكرم ١ / ٣.

(٢) حاشية الصبان على شرح الأشموني ١ / ٢٨ ـ ٢٩ ، البهجة المرضية للسيوطي ١ / ١٠.

۱۱۱

أصلا» (٣) ، ومن ثم اعترضوا على ابن مالك حينما قال في ألفيته : «وكلمة بها كلام قد يؤم» ، وعدوه من أمراض الألفية التي لا دواء لها» (٤).

وقد ذكر الشنواني ـ دفاعا عن صاحب الألفية ـ أن «الكلمة تطلق لغة واصطلاحا مجازا على الكلام وحقيقة على المفرد» (٥) ، وهي دعوى تحتاج إلى دليل من استعمالات النحاة.

ويظهر من ابن الخشاب (ت ٥٦٧ ه) ذهابه إلى أن استعمال الكلمة في المعنى الأول مجاز لغوي أيضا ، إذ قال : «أما الكلمة فمنطلقة في أصل الوضع على الجزء الواحد من الكلم الثلاث» (٦) ، أي : الاسم والفعل والحرف ، وهي الألفاظ الدالة على معنى ، فيكون إطلاقها على أحد حروف الهجاء مجازا ، من باب تسمية الجزء باسم الكل ، كإطلاق اليد على الإصبع. وعليه يكون المعنى الحقيقي للكلمة لغة هو المعنى الثاني فقط ، وهو الموافق لمعناها الاصطلاحي ، كما سيتضح خلال البحث.

* * *

ثانيا ـ لغات الكلمة :

في الكلمة ثلاث لغات (٧) :

__________________

(٣) حاشية الصبان ١ / ٢٩.

(٤) حاشية الخضري على شرح ابن عقيل ١ / ١٧ ، همع الهوامع ١ / ٤ ، حاشية الصبان ١ / ٢٩.

(٥) حاشية السجاعي على شرح قطر الندى ، ص ٧.

(٦) المرتجل ـ لابن الخشاب ـ ص ٢١.

(٧) مادة (كلم) في كل من : صحاح اللغة للجوهري وتهذيب اللغة للأزهري ولسان العرب لابن منظور ، الخصائص لابن جني ١ / ٢٧ ، شرح شذور الذهب لابن هشام ص ١١ ، شرح الأشموني ١ / ٢٦.

۱۱۲

الأولى : كلمة ، على وزن نبقة ، وهي الفصحى ولغة أهل الحجاز ، وبها جاء التنزيل.

الثانية : كلمة ، على وزن سدرة ، وهي لغة تميم.

الثالثة : كلمة ، على وزن ضربة ، وأول من نص على هذه اللغة الجوهري (٨) دون نسبة ، ثم نسبها ابن هشام إلى تميم (٩).

* * *

ثالثا ـ اشتقاق الكلمة.

ذكر بعض العلماء أن الكلمة مشتقة لغة من الكلم ، وهو الجرح ، لتأثيرها في النفس (١٠). وقال الرضي : «وهو اشتقاق بعيد» (١١) ، لبعد المناسبة اللغوية التي يتوقف عليها الاشتقاق بين المشتقين (١٢).

وقال ابن فارس : «الكاف واللام والميم أصلان ، أحدهما يدل على نطق مفهم ، والآخر على جراح» (١٣) ، وعليه تكون الكلمة أصلا مستقلا ، وليست مشتقة من الكلم بمعنى الجرح.

* * *

__________________

(٨) صحاح اللغة مادة (كلم).

(٩) شرح شذور الذهب لابن هشام ص ١١ ، شرح اللمحة البدرية لابن هشام ١ / ٢٠٦.

(١٠) شرح المفصل لابن يعيش ١ / ٥١ ، المرتجل لابن الخشاب ص ١٨ ، شرح الكفاية للرضي ، تحقيق الدكتور يوسف حسن عمر ١ / ٢٠.

(١١) شرح الكافية ١ / ٢٠.

(١٢) حاشية شرح الكافية (طبعة بولاق) ١ / ٢.

(١٣) مقاييس اللغة لابن فارس ، مادة (كلم).

۱۱۳

* الكلمة اصطلاحا.

أقدم ما تسنى لي العثور عليه من تعريفات الكلمة اصطلاحا ، قول الزمخشري (ت ٥٣٨ ه) : «الكلمة هي اللفظة الدالة على معنى مفرد بالوضع» (١٤) ، وتابعه عليه المطرزي (ت ٦١٠ ه) (١٥).

ومما قاله ابن يعيش في شرح هذا التعريف : «فاللفظة جنس للكلمة ، وذلك لأنها تشمل المهمل والمستعمل ... وقوله : الدالة على معنى ، فصل فصله من المهمل الذي لا يدل على معنى ... وقوله : مفرد ، فصل ثان فصله من المركب ... وقوله : بالوضع ، فصل ثالث احترز به عن أمور منها ما قد يدل بالطبع ... وذلك كقول النائم : أخ ، فإنه يفهم منه استغراقه في النوم» (١٦).

وعرفها كل من ابن الخشاب (ت ٥٦٧ ه) وأبي البقاء العكبري (ت ٦١٦ ه) بأنها «اللفظة المفردة» (١٧). وواضح أن عدم تقييد اللفظة بالمستعملة أو الدالة على معنى يجعل تعريفهما غير مانع من دخول الألفاظ المهملة.

أما ابن الحاجب (ت ٦٤٦ ه) فقد عرفها بما يشابه تعريف الزمخشري مضمونا ، وإن كان أخصر عبارة ، قال : «الكلمة لفظ وضع لمعنى مفرد» (١٨) ، وتابعه عليه ابن عقيل (ت ٧٦٩ ه) (١٩).

ومما ذكره الرضي (ت ٦٨٦ ه) في شرحه هذا التعريف : أن (اللفظ) المأخوذ جنسا فيه ، هو أيضا «قيد احترازي عن نحو الخط والعقد والنصبة

__________________

(١٤) المفصل في علم العربية ، جار الله الزمخشري ، ص ٦.

(١٥) المصباح في علم النحو ، أبو الفتح المطرزي ، ص ٣٧.

(١٦) شرح المفصل لابن يعيش ١ / ١٨ ـ ١٩.

(١٧) المرتجل لابن الخشاب ، ص ٤ ـ ٥ ، مسائل خلافية في النحو ، لأبي البقاء العكبري ، ص ٣١.

(١٨) شرح الرضي على الكافية ١ / ١٩.

(١٩) شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك ١ / ١٥.

۱۱۴

والإشارة ، فإنها ربما دلت بالوضع على معنى مفرد ، وليست بكلمات. ويجوز الاحتراز بالجنس أيضا ، إذا كان أخص من الفصل بوجه ، وهو ههنا كذلك ، لأن الموضوع للمعنى المفرد قد يكون لفظا ، وقد لا يكون " (٢٠).

ثم عقب على التعريف بملاحظتين :

أولاهما : أن «المقصود من قولهم : (وضع اللفظ) جعله أولا لمعنى من المعاني ، مع قصد أن يصير متواطئا عليه بين قوم ... [وعليه] لم يكن محتاجا إلى قوله (لمعنى) ، لأن الوضع لا يكون إلا لمعنى».

والثانية : «قوله (لمعنى مفرد) يعني المعنى الذي لا يدل جزء لفظه على جزئه .. والمشهور في اصطلاح أهل المنطق جعل المفرد والمركب صفة اللفظ ، فيقال : اللفظ المفرد واللفظ المركب ، ولا ينبغي أن يخترع في الحدود ألفاظ ، بل الواجب استعمال المشهور المتعارف منها فيها ، لأن الحد للتبيين ، وليس له أن يقول : إني أردت بالمعنى المفرد ، المعنى الذي لا تركيب فيه ، لأن جميع الأفعال إذن تخرج عن حد الكلمة. ولو قال : الكلمة لفظ مفرد موضوع ، سلم من هذا» (٢١).

وعرفها ابن معطي (ت ٦٢٨ ه) بأنها «اللفظ المفرد الدال على معنى مفرد» (٢٢). وهو لا يختلف عن الصياغة التي خلص إليها الرضي إلا بتقييده للمعنى بأنه مفرد.

وعرفها ابن مالك (ت ٦٧٢ ه) بتعريف لا يخلو من التعقيد. قال : «الكلمة لفظ مستقل دال بالوضع تحقيقا أو تقديرا ، أو منوي معه كذلك» (٢٣).

وذكر السلسيلي (ت ٧٧٠ ه) في شرحه : أنه احترز بالمستقل من بعض

__________________

(٢٠) شرح الرضي على الكافية ١ / ٢٢ ـ ٢٣.

(٢١) شرح الرضي على الكافية ١ / ٢١ ـ ٢٢.

(٢٢) الفصول الخمسون ، ابن معطي ، تحقيق محمود الطناحي ، ص ٣١.

(٢٣) تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد ، لابن مالك ، تحقيق محمد كامل بركات ، ص ٣.

۱۱۵

اسم كالتاء في (مسلمة) ومن بعض فعل كهمزة (إعلم).

وأما قوله : «تحقيقا أو تقديرا» فمثال التحقيق (رجل) ، فإنه دال على مسماه تحقيقا ، ومثال التقدير أحد جزأي العلم المضاف ، كامرئ القيس ، فمن حيث المدلول هو كلمة واحدة ، ومن حيث التركيب كلمتان.

وقوله : «أو منوي معه» قسيم (لفظ) الوارد في أول التعريف ، لأن الكلمة قسمان : ملفوظة أو منوية مع اللفظ كالفاعل في (إفعل).

وأما قوله : «كذلك» فقد حكى عن ابن مالك نفسه أنه إشارة إلى الدلالة والاستقلال ، أي : معنى هذا المنوي معنى المستقل الدال بالوضع ، واحترز ب (كذلك) من الإعراب المقدر في فتى ونحوه ، فإنه وإن كان منويا مع اللفظ ، لكنه ليس مستقلا دالا بالوضع ، فلا يكون كلمة ، بخلاف الفاعل المستكن في الفعل (٢٤).

وقد سجل أبو حيان على هذا التعريف ملاحظتين :

أولاهما : أن ابن مالك إنما احتاج «إلى أن يتحرز بمستقل من بعض اسم وبعض فعل ، لأنه أخذ جنسا بعيدا وهو اللفظ ، فلو أخذ أقرب منه وهو القول لم يحتج إلى التحرز بقوله (مستقل) ، لأن بعض اسم وبعض فعل لا يقال له : قول».

والثانية : أن احترازه عن المهمل بقوله : (دال بالوضع) «ليس بجيد ، لأنه قبل هذا الفصل ذكر لفظ (الاستقلال) واللفظ المهمل لا يدخل تحت قوله : مستقل» (٢٥).

وأما السلسيلي فقد لاحظ عليه : أن احترازه ب (كذلك) عن الإعراب

__________________

(٢٤) شفاء العليل في إيضاح التسهيل ، محمد بن عيسى السلسيلي ، تحقيق عبد الله البركاتي ، ١ / ٩٥ ـ ٩٦.

(٢٥) شفاء العليل ، للسلسيلي ١ / ٩٥ ـ ٩٦ ، التذييل والتكميل ، لأبي حيان ج لوحة ٥ ، ٦ (نقلا عن حاشية شفاء العليل ١ / ٩٥ ـ ٩٦).

۱۱۶

المقدر في (فتى) ، لأنه منوي مع اللفظ ، لكنه ليس كذلك «فيه نظر ، فإنه خرج بقوله أولا» (٢٦) ، أي بقوله : مستقل. ويمكن أن يلاحظ عليه أيضا :

أولا : أنه لم يقيد اللفظ بأنه مفرد ، ليتحرز بذلك من دخول المركب.

وثانيا : أن كون الكلمة دالة تحقيقا تارة وتقديرا أخرى ، أو ملفوظة تارة ومنوية أخرى ، هو من الأحوال العارضة عليها ، وليس من ذاتياتها المقومة لحقيقتها ، فلا داعي لدخوله في تعريفها.

وعرفها ابن الناظم (ت ٦٨٦ ه) بقوله : «الكلمة لفظ بالقوة أو لفظ بالفعل ، مستقل ، دال بجملته على معنى مفرد بالوضع» (٢٧).

ومما قاله في شرحه : إن قيد «بالقوة مدخل للضمير في نحو إفعل وتفعل ، ولفظ بالفعل مدخل لنحو زيد في : قام زيد ... ودال ، معمم لما دلالته زائلة كأحد جزأي امرئ القيس ، لأنه كلمة ، ولذلك أعرب بإعرابين كل على حدة ، وبجملته مخرج للمركب كغلام زيد ، فإنه دال بجزئيه على جزأي معناه ، وبالوضع مخرج للمهمل ، ولما دلالته عقلية كدلالة اللفظ على حال اللافظ» (٢٨).

وترد على هذا التعريف الملاحظة الأولى المتقدمة لأبي حيان ، وأما ملاحظته الثانية فليست بواردة هنا ، لأن ابن الناظم لم يقصر قيد (الوضع) على إخراج المهمل فقط ، بل أخرج به أيضا ما دلالته عقلية.

ويبقى عليه أنه جعل (المفرد) قيدا للمعنى دون اللفظ ، وأنه أدخل في التعريف (القوة والفعل) وهما من الأحوال العارضة على اللفظ لا من ذاتياته.

ولأبي حيان الأندلسي (ت ٧٤٥ ه) تعريفان للكلمة :

__________________

(٢٦) شفاء العليل ١ / ٩٦.

(٢٧) شرح ابن الناظم على الألفية ، ص ٣ ـ ٤.

(٢٨) شرح ابن الناظم على الألفية ، ص ٣ ـ ٤.

۱۱۷

أولهما : «الكلمة قول أو منوي معه ، دال على معنى مفرد» (٢٩).

والثاني : «الكلمة قول موضوع لمعنى مفرد» (٣٠) ، بحذف عبارة (أو منوي معه) وهو الأولى ، لما تقدم من أن كون الكلمة ملفوظة أو منوية ليس من ذاتياتها.

ويبدو أن أبا حيان أو من أدخل (القول) جنسا في تعريف الكلمة. وقد اعترض عليه بأن «ذكر اللفظ أولى ، لإطلاق القول على غيره كالرأي ، [لكنه] ممنوع ، لعدم تبادره إلى الأذهان ، إذ هو مجاز» (٣١).

وقد أشار ابن هشام (ت ٧٦١ ه) عند شرحه هذا التعريف إلى أن «قوله : (موضوع لمعنى مفرد) مجموعه فصل مخرج للمركبات كغلام زيد ، وليس قوله : (موضوع لمعنى) وحده فصلا ، كما قد يتوهم من لا نظر له ، لأن ذلك يقتضي أن القول أعم من الموضوع لمعنى وغيره ، وأنه احترز عن غير الموضوع ، فهذا خطا لما ذكرناه آنفا من أن القول لا يكون إلا موضوعا ، وأشد من هذا فسادا من يتوهم أن قوله (موضوع) وحده فصل ، و (لمعنى) فصل ثان ، وفساد ذلك لأمرين : أحدهما ما ذكرناه ، والثاني : أن الوضع لا يكون إلا لمعنى» (٣٢).

وقد عقب ابن هشام ناقدا تعريف أبي حيان بقوله : «إنه لا فائدة لقوله : (موضوع لمعنى) ، لأن ذلك مستفاد من الجنس» (٣٣) المذكور في أول التعريف وهو (القول).

وقد خلص ابن هشام إلى أنه لو عرف الكلمة بأنها " قول مفرد ، لكان أولى من وجهين : أحدهما أنه أخصر مع تحصيله للمعنى المقصود ، والثاني أنه لا

__________________

(٢٩) غاية الاحسان في علم اللسان ، لأبي حيان ، مخطوط (مصورته بحوزتي) ١ / ب.

(٣٠) شرح اللمحة البدرية ، لابن هشام ، تحقيق الدكتور هادي نهر ، ١ / ٢٠٠.

(٣١) همع الهوامع شرح جمع الجوامع ، للسيوطي ، تحقيق عبد السلام هارون وعبد العال سالم مكرم ١ / ٥.

(٣٢) همع الهوامع شرح جمع الجوامع ، للسيوطي ، تحقيق عبد السلام هارون وعبد العال سالم مكرم ١ / ٥.

(٣٣) شرح اللمحة البدرية ١ / ٢٠٧.

۱۱۸

يوهم غير الواقع ، فإن كلامه ربما أوهم قولين باطلين : أحدهما أن القول غير موضوع ، والثاني أن المركب معناه بالوضع ، وإنما هذا شأن المفردات التي يتولى بيانها اللغوي ، فأما المركبات فدلالتها على معناها التركيبي دلالة عقلية لا وضعية» (٣٤).

ويعد تعريف ابن هشام للكلمة بأنها (قول مفرد) أخصر وأدق صياغة لتعريفها ، وقد أثبته أيضا في كل من كتابيه : قطر الندى وشذور الذهب ، وتابعه عليه الأشموني (ت ٩٠٠ ه) في شرحه على الألفية ، والسيوطي (ت ٩١١ ه) في كتابه : الأشباه والنظائر في النحو (٣٥). إلا أن السيوطي سجل صياغة أخرى لتعريف الكلمة تعد تراجعا في المسير التكاملي للتعريف ، إذ قال : الكلمة «قول مفرد مستقل أو منوي معه» (٣٦).

وثمة نقطتان ذكرهما السيوطي في شرح هذا التعريف (٣٧) ، ينبغي إبرازهما والتعليق عليهما.

أولاهما : أن من أسقط قيد (الاستقلال) من التعريف «رأى ما جنح إليه الرضي من أنها مع ما هي فيه كلمتان صارتا واحدة لشدة الامتزاج».

والثانية : قوله : «وعدلت كاللباب إلى جعل الإفراد صفة القول عن جعلهم إياه صفة المعنى».

أما النقطة الأولى ، فكان من المتوقع أن يذكر داعيا آخر لإسقاط قيد الاستقلال هو ما ذكره أبو حيان في كتابه «التذييل والتكميل» من أن «بعض اسم وبعض فعل لا يقال له قول» ، خاصة وأن الكتاب المذكور كان من بين المصادر التي اعتمد عليها السيوطي في كتابه «جمع الجوامع». كما يلاحظ في مواضع

__________________

(٣٤) شرح اللمحة البدرية ١ / ٢٠٧ ـ ٢٠٨.

(٣٥) تحقيق عبد العال سالم مكرم ٣ / ٥.

(٣٦) همع الهوامع ١ / ٤.

(٣٧) همع الهوامع ١ / ٤ ـ ٥.

۱۱۹

متفرقة منه ، وكما صرح به السيوطي نفسه في كتابه «بغية الوعاة» (٣٨).

وأما النقطة الثانية ، فلعل ما ذكره يوهم أن أبا البقاء العكبري ـ صاحب (اللباب) ـ أول من جعل الإفراد صفة للفظ دون المعنى ، والصحيح ـ كما تقدم في البحث ـ أن السابق إلى ذلك هو ابن الخشاب في كتابه «المرتجل».

* * *

__________________

(٣٨) بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة ، للسيوطي ، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ١ / ٢٨٢.

۱۲۰

من ذخائر التراث

۱۲۱
۱۲۲

الخلاصة

في علم الكلام

تصنيف

الإمام العالم البارع الورع المتقي

قطب الدين السبزواري

(من أعلام أوائل القرن السادس الهجري)

تحقيق

السيد محمد رضا الحسيني الجلالي

۱۲۳
۱۲۴

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الخلائق ، سيد الأنبياء والمرسلين محمد ، وعلى الأئمة الأطهار من آله وعترته الطيبين.

وبعد :

فقد وفقني الله تعالى لاستغلال العطل الدراسية في الحوزة العلمية المباركة ، في سبيل إحياء بعض الرسائل الكلامية القديمة والتي لم تنشر من قبل ، فحققت منها :

١ ـ النكت في مقدمات الأصول ، للشيخ المفيد رحمه‌الله (ت ٤١٣) والذي نشر لأول مرة بمناسبة الذكرى الألفية لوفاته سنة ١٤١٣ في قم المقدسة ، وطبع مرتين في تلك السنة.

٢ ـ عجالة المعرفة في أصول الدين ، للشيخ ظهير الدين ، محمد بن سعيد بن هبة الله ، وهو ابن القطب الراوندي من أعلام أواخر القرن السادس.

وطبع في نشرة «تراثنا» المجيدة ، العدد ٢٩ ، شوال ١٤١٢.

۱۲۵

٣ ـ الخلاصة في علم الكلام ، للإمام قطب الدين السبزواري ، من أعلام أوائل القرن السادس.

وهو هذا الكتاب الذي ينشر هنا لأول مرة.

وقد احتوى عملنا فيه على :

١ ـ هذه المقدمة ، الشاملة للحديث عن موضوع الكتاب ، وعن مؤلفه ، وعن نسخه ، ونماذج مصورة منها.

٢ ـ متن الكتاب مضبوطا ، مصححا ، ومشكولا.

٣ ـ الفوائد القيمة ، الموجودة في هوامش النسخ.

والله هو المسؤول أن يتقبل عملنا بأحسن القبول ، وأن يوفقنا لخير مأمول ، وأن يهدينا سواء السبيل.

إنه قريب مجيب.

۱۲۶

المقدمة

١ ـ موضوع الكتاب ومحتواه :

تكاد كلمة المسلمين تتفق على أن المعارف التي يجب على المسلم استيعابها هي : أصول الدين ، وأحكام الشريعة.

وإن كانت المعرفة ـ بشكل عام ـ مطلوبة ، ومرادة ، وبكل فروعها ، فيما يتعلق بالكون والحياة ، وبخاصة : ما يرتبط بالجوانب الاجتماعية والإنسانية التي تحدد علاقة الإنسان ببني نوعه ، وذوات جنسه من كافة المخلوقات ، كالتعاليم الأخلاقية ، والآداب الحسنة ، التي استقطبت جهودا جبارة من المصلحين ، وفي مقدمتهم الأنبياء والأئمة ، والعلماء ، والصالحين من الناس.

وبالنسبة إلى هذين الواجبين ـ العقيدة والشريعة ـ فقد اختلفت المذاهب الإسلامية في تحديد المصادر التي يؤخذان منها (١) لكنها لم تختلف في أصل الالتزام بوجوبهما وضرورتهما ، لكل من يعتقد بالإسلام.

وقد يكون من الواضح المعروف : أن الإنسان إنما يتحرك في الحياة تبعا لدعوة الضرورة وما يحسه من الحاجة ، ويلتزم به من قناعات ، فإذن لا بد من وجود قناعة تكون هي «الركيزة» الأساسية لانطلاقه ، وتوجهه ، وتحركه ، وتلك هي «عقيدته».

وأما منشأ انقداح هذه الركيزة عنده ، وسبب انبثاق هذه الضرورة في

__________________

(١) لاحظ حديثا مفصلا عن هذا الاختلاف وأبعاده في ما قدمناه لكتاب «الحكايات» للشيخ المفيد ، ص ١٤ وما بعدها ، وانظر : «نظرات في تراث الشيخ المفيد» ص ٤٠ فما بعدها.

۱۲۷

وجوده ، فهي :

عند البعض : إشراق وتوجيه غيبي ، لا غير ، ولذلك يقفون في تحديد أبعاد الركيزة «العقيدة» على التعبد بما ورد من قبل السمع ، وما جاءت به نصوص الشرع من الحديث ، والأثر ، وما التزمه السلف! فيحددون «التفكير البشري» بإطار ما ورد من النص ، وما ورد من أقوال الشارع ، وآثار السلف المشروعة ، فيما يجب على المسلم أن يعتقده ويفكر فيه ، ويعرفه! لا يجوز له أن يعرف غيره ، ولا يفكر فيه ، ولا يبحث عنه ، ولا يتجاوزه!

بينما عامة المذاهب الإسلامية ـ ومنهم الشيعة الإمامية ـ يرون أن حصر «العقيدة» في هذا الإطار يستتبع الدوران في حلقة مفرغة ، حيث إن المفروض قبل التوجه إلى الحاجة ، عدم وجود اعتقاد مسبق بما هو غيب ، أو يسمى شرعا ، أو حديثا ، أو سمعا! فكيف يتم الالتزام بنفس الغيب؟! فضلا عن تحديد شئ بما يأتي عنه؟ وعلى أساسه؟!

وبعبارة أخرى : فإن الغيب الذي لم تتم القناعة بوجوده ، كيف يتم إثبات شئ به؟! وكيف تحصل القناعة بشئ من خلاله؟! وهل فاقد الشئ يعطيه؟!

مع أن مثل هذا الاشراق ، يعتمد نظرية «الجبر الإلهي» المرفوض علميا!

وقد اعتبر المسلمون ـ كافة ـ هذا النوع من الالتزام العقيدي ، جمودا ، وإخمادا للفكر الإنساني ، واستبدادا بحق الإنسان في الفكر ، ومصادرة لحريته!

بل ، يلتزم المسلمون بأن الإنسان لا بد أن يتوصل إلى القناعة ومن خلال إحساسه ـ بفطرته ووجدانه ـ وأن يشعر ـ بنفسه ـ بلزوم ارتكازه على «ركيزة» ومنطلق ، وأن يملك «مبدأ» لحركته ، ومرجحا لتعيين اتجاه سيره في هذه الحياة ، وعقيدة يحس بها بوجوده ، ويعترف بها بكيانه ، ويلتزمها بعقله وضميره ، حتى تطمئن نفسه بأنها المحرك الصائب والموجه الأمين الرائد له.

ومنشأ هذه الضرورة عندهم :

إما إحساسه بفقدان شئ ، والفقر إليه ، والنقص عنده ، ولزوم البحث

۱۲۸

عنه ، وسد الحاجة به ، وملء الفراغ والنقص؟

أو القناعة بالتقصير أمام ما بحوزته من إمكانات ونعم ، يحثه ضميره إلى شكرها ، فيلزم معرفة المنعم بها عليه؟

أو شعوره بإمكان خطر يهدده في متاهات هذا الكون الرحيب ، فيلجأ إليه؟

وكل من ذلك الاحساس بالحاجة ، والقناعة بلزوم شكر المنعم ، والشعور بوجوب دفع الخطر ، التي هي معلومة له ، موجودة عنده ، تدعوه إلى «معرفة» تغنيه ، وتمكنه من أداء الشكر ، وتكون الملجأ له.

وهذا المنشأ ، يدعوه إلى البحث والنظر ، والفكر والتأمل ، حتى يقف على «معتقد» يقتنع به ، وينطلق منه لتكميل مسيرته الفكرية في الحياة ، وأداء واجباته العملية على الأرض.

وهذا الالتزام لا يتوقف على التعبد بشئ ، ولا على التزام مسبق ، ولا على وجود شرع أو نص ، أو حديث.

وإن كان بالإمكان أن يسترشد الإنسان في تفتيق إحساسه ، وبلورة شعوره ، وتحريك ضميره ووجدانه ، بالتعبديات ، من أحاديث الشرع وآثار المتشرعة ، فيمهد بها الطريق ، وينير بها الدرب ، ليسير إلى المنشود في أسهل السبل وأيسرها ، ويصل إلى المطلوب بأسرع وقت ، وآمن شكل وأتقنه.

لكن لا على أساس تلك القناعة المفروضة ، ولا التعبد المسبق ، ولا الاعتقاد الجبري.

وإن عامة المسلمين يرون رفض المنهج المذكور تزمتا ممقوتا ، وحنبلية مرفوضة ، ومعارضة صريحة حتى لنصوص الشريعة ، حيث أكدت على أن (لا إكراه في الدين).

۱۲۹

والشيعة الإمامية :

استهداء بقناعات الفطرة ، والعقل السليم.

واسترشادا بهدي القرآن الكريم ، والسنة الشريفة الثابتة بالطرق الموثوقة عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والأئمة المعصومين عليهم‌السلام.

تعتمد في تحديد «المعرفة» وما يتعلق بها من قضايا ، وأحكام ، ولوازم ، على أسس من المنطق ، والفكر ، والبحث العلمي ، وعلى ما يوافق عليه العقل البشري ، والفطرة الخالصة ، والابتعاد عن التناقض والتهافت والاستبداد والتعصب.

ومن أجل تعبيد الطرق للطالبين ، وتوضيح الحجج للراغبين ، وتقريب المسافة للبعيدين ، وتسهيل الأمر للمتلهفين للحق : ألف علماؤنا الكرام كتب علم الكلام ، معتمدين مناهج عديدة ، ومسالك سديدة ، تهدي إلى الرشاد ، وتوصل إلى الحق المراد.

ومن نفائس المؤلفات الكلامية : كتابنا هذا المعروف باسم «الخلاصة في علم الكلام» والمنسوب تأليفه إلى الإمام قطب الدين السبزواري ، من علماء أوائل القرن السادس الهجري.

ويتكفل البحث عن «أصول الدين» ضمن أبواب ثمانية ، وهذه مجمل بحوثها ، عبر العناوين الرئيسية فيها :

الباب الأول : في التوحيد ، وفيه فصول :

الفصل الأول : في إثبات وجوب النظر.

الفصل الثاني : في إثبات ذاته تعالى.

الفصل الثالث : في صفاته الثبوتية.

الفصل الرابع : في صفاته السلبية.

الباب الثاني : في العدل ، وفيه فصول :

۱۳۰

الفصل الأول : في تعريف العدل.

الفصل الثاني : في الاختيار.

الفصل الثالث : في أنه تعالى قادر على القبيح.

الفصل الرابع : في أنه تعالى لا يفعل القبيح.

الفصل الخامس : في أنه تعالى لا يريد القبيح.

الفصل السادس : في أن الكافر مكلف كالمؤمن.

الباب الثالث : في النبوة ، وفيه فصول :

الفصل الأول : في حسن بعثة الأنبياء عليهم‌السلام.

الفصل الثاني : في إثبات نبوة نبينا محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله وسلم.

الفصل الثالث : في صفاته عليه‌السلام.

الفصل الرابع : كلام الله تعالى محدث.

الفصل الخامس : في جواز النسخ.

الباب الرابع : في الإمامة ، وفيه فصول :

الفصل الأول : في إثبات وجوب الإمام.

الفصل الثاني : في صفات الإمام.

الفصل الثالث : في تعيين الإمام.

الفصل الرابع : في غيبته عليه‌السلام.

الباب الخامس : في الوعد والوعيد.

الباب السادس : في الآلام والأعواض.

الباب السابع : في الآجال ، والأرزاق ، والأسعار ، وفيه فصول :

فصل في أجل الحيوان.

فصل في الأرزاق.

فصل في الأسعار.

۱۳۱

الباب الثامن : في أحوال المكلفين بعد الموت ، وفيه فصول :

الفصل الأول : في سؤال القبر.

الفصل الثاني : في الإعادة.

الفصل الثالث : في الشفاعة.

الفصل الرابع : في عدم التكليف في الآخرة.

* * *

۱۳۲

٢ ـ أهمية الكتاب فكريا وتراثيا :

غلب السلاجقة على الأمور وقد كانت جذور الحياة القبلية راسخة في أعماق نفوسهم مما أثر في دولتهم ، وكانوا غير مثقفين ، ولم يحاولوا الاستعانة بالحكماء والعلماء كثيرا ، بل غلبت عليهم الصبغة العسكرية ، فقد أدت قوة النظام القبلي إلى إثارة الفتن والقلاقل ، كما أثرت بداوة السلاجقة في تعصبهم الشديد للمذهب السني الذي يرعاه الخليفة العباسي في بغداد ، فاستغلوا ذلك في سبيل القضاء على آل بويه ـ الديالمة ـ الوزراء المتمسكين بالمذهب الشيعي ، فتم لهم ذلك.

«حتى سيطر طغرل ـ كبير السلاجقة ـ على الخليفة العباسي سيطرة تامة ، فلم يكن الخليفة يستطيع التصرف ـ حتى في ممتلكاته الخاصة ـ بعد أن ترك لطغرل كل شئ.

وبلغت قوة طغرل في العراق حدا جعله يفكر في مصاهرة الخليفة العباسي القائم بأمر الله ، بالزواج من ابنته ، وقد فزع الخليفة العباسي من فكرة مصاهرة السلاجقة ، وإعطاء ابنته لطغرل ـ وهو في السبعين من عمره ـ فرفض أول الأمر ، ولكنه هدد وخوف ، فأرغمته عوامل الضعف والخوف على القبول مضطرا» (٢).

وهكذا أصبح التعصب للمذهب السني وسيلة بيد هؤلاء الغزاة للسيطرة على البلاد ، وكان ذلك يقويهم ، ويجمع حولهم المتعصبين من أعداء التشيع.

__________________

(٢) سلاجقة إيران والعراق ـ للدكتور عبد النعيم محمد حسنين ـ : ٤٢ ـ ٤٣ ، وكافة المعلومات السابقة حول السلاجقة مأخوذة من هذا الكتاب.

۱۳۳

وقد أثرت سيطرة هؤلاء الجهلة المتعصبين ومن تلاهم من الأمراء الخوارزمية والأيوبية ـ في الشام ـ أن يتعرض الشيعة إلى اضطهاد في القرنين (٤٥٠ ـ ٦٥٠) فكانا من أشد الفترات العصيبة في تاريخ الإسلام عموما ، والتشيع خصوصا ، حيث أدى ذلك إلى ابتلاء الأمة ، بأشكال من العصبيات المقيتة ، وسيطرة القبائل البعيدة عن الثقافة ، كالسلاجقة والأيوبيين ، من الذين استغلوا اختلاف المذاهب ، في إثارة الطائفية بين الأمة الإسلامية ، والتمسك بالحنبلية والتشدد باسم التدين ، واعتمادهم سياسة القمع المذهبي ، والمحاسبة على العقائد إرضاء لأفكار العامة الجهلة ، كل ذلك دعما لكراسيهم ، وتحكيما لسيطرتهم.

فكان على أثر ذلك أن تعرضت مدارس الشيعة ومراكزهم العلمية وعلماؤهم الكبار إلى أشكال من الهجوم والتهجير والإبادة (٣).

وهذا هو السبب المباشر في شحة المصادر المتكفلة بالحديث عن تاريخ هذه الفترة ، وكذلك ضياع التراث الذي أنتجته عقول مفكريها ومؤلفيها.

مع أن الشذرات الباقية ، سواء من المصادر التاريخية ، أو التراث المتبقى ، تدل على ضخامة الثروة وعظمة الجهود المبذولة ، في سبيل إبقاء الحضارة ، والحفاظ على استمرار حياتها.

فهذان الكتابان العظيمان : معالم العلماء ، لابن شهرآشوب (ت ٥٨٨) وفهرست الشيخ منتجب الدين ابن بابويه (كان حيا في ٦٠٠) يدلان على ما نقول بوضوح.

وكذلك المنقولات عن «تاريخ الري» و «تاريخ الإمامية» لابن أبي طي الحلبي ، يكشفان عن مجد رفيع ، وحركة واسعة.

بالرغم من كل العراقيل ، والصعوبات ، والعقبات ، والهجمات الشرسة

__________________

(٣) انظر : الثقات العيون ـ التقديم ـ : ص / ه ـ و.

۱۳۴

التي قام بها الأعداء الأراذل ، ضد الحق ورجاله وتراثه.

فوجود مثل هذا الكتاب ـ وفي خضم هذه الفترة بالذات ـ فيه من الدلالة الواضحة على قوة العقيدة ، ورسوخ التصميم الأكيد على إبقاء جذوتها متقدة ، منيرة ، مشعة ، هادية.

فهو على صغر حجمه ، وبالقوة ، والمتانة ، والجامعية ، التي يمتاز بها ، عينة وافية الدلالة على ذلك.

ويلاحظ في الكتاب :

أنه يعتمد بشكل عام على الاستدلال العقلي لكل قضاياه الكلية ، وليس في كل الكتاب مورد يلتجئ فيه إلى الأدلة السمعية في أصول المسائل المطروحة فيه.

نعم ، في القضايا الجزئية ، التي لا مجال لدرك العقل لها ، ولا تدخل في مجال إثباته ونفيه ، بل طريقها السمع والنقل أو الثبوت العرفي ، استند إلى الأدلة المقبولة لمن اعتقد بتلك الأصول ووافق عليها ، وهي :

قضية تعيين أشخاص الأنبياء والأئمة عليهم‌السلام.

وما يحدث في القبر من السؤال.

والشفاعة في يوم القيامة.

ومن ناحية أخرى : فإن وجود هذا الكتاب ، وبالصورة التي ألفت فيه قضاياه ومسائله ، يدل على تكامل التصور الشيعي لأصول الدين منذ تأليفه في أوائل القرن السادس الهجري ، ومطابقته لما عليه العقيدة الشيعية في هذا القرن الذي نحن فيه.

وهذا يكشف عن اتصال حلقات الفكر الشيعي مدى القرون.

وبذلك يثبت زيف المزاعم التي يثيرها النواصب الجهلة ، أعداء الحق ، ضد شيعة آل محمد صلوات الله وسلامه عليهم ، من الترهات والأكاذيب ،

۱۳۵

ونسبة عقائد الشيعة إلى تواريخ متأخرة تبعا لنعيق أعداء الله : اليهود والنصارى ، المتلبسين بقميص الاستشراق المتهرئ ، وأدعياء تاريخ الحركات الفكرية في العالم الإسلامي ، من أمثال ، فلها وزن ، وفلوتن ، وجولدزيهر ، وماسينيون.

وذيولهم العرب المستسلمين ، والراقصين على نغماتهم ، من أمثال أحمد أمين ، وطه حسين ، ورشيد رضا ، ومحمود صبحي ، وإلهي ظهير ، طلائع الرتل الخامس للاستعمار والصهيونية ، في البلاد الإسلامية.

وأما أهمية هذا الكتاب تراثيا :

فإن انتشار نسخه المخطوطة في مكتبات العالم ، وفيها نسخ قديمة من القرن السابع والثامن والتاسع ، وما تلاها ، وكتابتها في بلدان مختلفة ، وبأيدي شخصيات علمية مرموقة ، يدل كل ذلك على عناية فائقة به.

وبما أن الكتاب لم يطبع لحد الآن ، أقدمنا على طبعه بعد تحقيقه والتقديم له ، اعتزازا بهذا الأثر الثمين ، وتخليدا للفكر الإمامي ، وتمجيدا بالتراث الإسلامي ، وتجديدا لذكرى العلماء الأعلام الذين خدموا الدين والعلم والحضارة ، بجهودهم القيمة.

والحمد لله على توفيقه.

* * *

۱۳۶

٣ ـ مؤلف الكتاب :

عرف هذا الكتاب باسم : «الخلاصة في أصول الدين» ذات الأبواب الثمانية ، منسوبا إلى «بعض قدماء الأصحاب» (٤).

وجاءت تسميتها ب : «الخلاصة في علم الكلام» في نسخة من النسخ المتوفرة ، كما سيجئ ضمن التعريف بها.

وكتابنا هو الرسالة ذات الأبواب الثمانية ، فلا بد أن يكون هو المقصود بما نسب إلى بعض القدماء ، حتما.

وأهملت بعض النسخ ذكر المؤلف ، إلا أن المذكور مع بعضها أنه «تصنيف قطب الدين السبزواري».

ومع أن اسم «الخلاصة في الكلام» مقيدا ب «الأبواب الثمانية» لم يذكر في كتب الفهارس ، ولا معاجم التراجم ، منسوبا إلى شخص ملقب ب «قطب الدين السبزواري».

إلا أن سماحة السيد المرعشي ـ قدس الله روحه ـ ذكر في وصفه لنسخة «د» المرقمة في مكتبته العامرة برقم ٥١٤ قوله : «الخلاصة في العقائد ، للعلامة المولى قطب الدين السبزواري ، من تلاميذ شيخنا الشهيد الأول» (٥).

وجاء في بعض فهارس المكتبة الرضوية المقدسة في مشهد : ذكر نسخة من «إرشاد الأذهان» للعلامة الحلي ، برقم ٢٢١٣ ، كتبها قطب الدين السبزواري (٦).

مضافا إلى أن ناسخ النسخة المرقمة ٤٥٤ في المكتبة المرعشية ، علق

__________________

(٤) الذريعة ٧ / ٢٠٨ رقم ١٠٢٣ ، والثقات العيون : ٣١٣.

(٥) لاحظ نماذج مصورات النسخ ، بداية المجموعة ٥١٤ ، لنسخة (د).

(٦) فهرست ألفبائي : ٣٩.

۱۳۷

على قول المصنف في متن كتابنا ـ في بحث الإمامة ـ «وهو مذكور في (المنهج)» بقوله : «اسم كتاب ، أي في المنهج الثامن من كتاب (مناهج اليقين) للشيخ جمال الدين بن المطهر رحمه‌الله» (٧).

لكن ، مع التتبع الوافر والطويل الأمد في كتب التراجم ـ المتوفرة ـ لم نجد فيها من لقب من الأعلام ب «قطب الدين السبزواري» في طبقة تلاميذ الشهيد الأول.

مع أن شيخنا العلامة الطهراني ذكر في موسوعته العظيمة «الذريعة إلى تصانيف الشيعة» وجود نسخة من هذا الكتاب ، كتبها مهدي بن الحسن بن محمد النيرمي سند ٦٥٧ (٨).

ووجود هذه النسخة يدل على تقدم تأليف الكتاب على ولادة الشهيد الأول في سنة ٧٣٤ ، فكيف يكون مؤلف هذا الكتاب من تلامذته؟! وأما ما في تعليقة النسخة المرقمة ٤٥٤ ، المحفوظة في المكتبة المرعشية ، فلا يمكن الاستناد إليه :

أولا : أن ولادة العلامة في سنة ٦٤٨ ، فيكون حين كتابة تلك النسخة في سنة ٦٥٧ ابن تسع سنين ، فمن البعيد أن يكون مؤلفا لكتاب «مناهج اليقين» (٩) فضلا عن أن يصبح مرجعا لمؤلف الخلاصة!

مع أن «مناهج اليقين» هو من أوسع الكتب الكلامية التي ألفها العلامة!؟

على أن العلامة إنما بدأ التاليف وعمره (ثلاثون) سنة ، على ما ببالي!؟

__________________

(٧) لاحظ المتن ، الباب الرابع في الإمامة ، آخر الفصل الأول.

(٨) الذريعة ٧ / ٢٠٨ رقم ١٠٢٣ ، والثقات العيون : ٣١٣.

وقد نقلنا عبارته في التعريف بالنسخ.

(٩) هذا هو الصحيح في اسم الكتاب ، وقد ذكر باسم «المنهج» و «المنهاج» فلاحظ : الذريعة ٢٣ / ١٨١ و ٢٠٠.

۱۳۸

وثانيا : إن المعلق المذكور خلط بين (المنهج) الذي هو اسم كتاب ، وبين (المنهج) الثامن ، الذي هو واحد من المناهج المؤلف عليها كتاب العلامة!

وثالثا : إن الظاهر من عبارة المتن ، أن (المنهج) المذكور إنما هو اسم كتاب في أصول الفقه ، لا في أصول الدين ، حيث إن المؤلف أحال عليه بحثا أصوليا ، وهو مسألة «تقليل الاشتراك في اللفظ» وهذا واضح لمن تأمل العبارة! وبوجود النسخة المكتوبة سنة ٦٥٧ من كتابنا ، وينتفي أن يكون مؤلفه هو كاتب نسخة (الإرشاد) للعلامة ، إذ من البعيد أن يكون شخص بمستوى التاليف ـ والعلامة دون العاشرة من عمره ـ ويبقى إلى أن يستنسخ كتابا للعلامة!؟

خصوصا إذا لا حظنا أن «قطب الدين السبزواري» المنسوب إليه الكتاب ، موصوف في تلك النسخ بأنه «الإمام ، العالم ، البارع ، الورع ، المتقي» و «مولانا الأعظم».

مما يستدعي أن يكون شخصية معروفة ، متميزة حين تأليفه.

ووجود نسخة ابن العودي ، المكتوبة سنة ٧٤٢ ينافي ـ أيضا ـ كون مؤلفه «من تلاميذ الشهيد الأول».

حيث إن الشهيد ولد سنة ٧٣٤ ، فيكون في سنة ٧٤٢ ابن (ثمان) سنين ، فكيف يكون مؤلف الكتاب ـ المكتوب سنة ٧٤٢ ـ من تلامذته؟!

ووجود نسخة سنة ٦٥٧ ينفي احتمال أن يكون الكتاب من تأليف أحمد ابن الحسين بن أبي القاسم العودي كاتب النسخة (أ) نفسه :

فمضافا إلى الاختلاف الكبير بين نسخة ابن العودي ، وبقية النسخ ، حيث يدل على عدم كونها نسخة المؤلف ، خصوصا مع ترجيح تلك النسخ عليها أحيانا من حيث الضبط والصحة ، كما يبدو للناظر إلى الفوارق التي أثبتناها في الهوامش.

۱۳۹

فإن وجود نسخة مكتوبة سنة ٦٥٧ يقتضي ـ بوضوح ـ أن يكون تأليف الكتاب قبل هذه الفترة.

ولا بد من الوقوف على من يلقب ب «قطب الدين» وينسب إلى مدينة «سبزوار» ويعيش في الفترة ما بين سنتي (٥٠٠ ـ ٦٥٠ ه) على أكثر التقادير.

وإذا لاحظنا أن المؤلف وصف في بعض النسخ ب «الإمام ، العالم ، البارع ، الورع ، المتقي» وعرف ب «مولانا الأعظم» (١٠).

ولاحظنا أن شخصيات معروفة اهتموا باستنساخ كتابه ، كابن فتحان الكاشاني ، وأحمد ابن العودي الأسدي الحلي.

ولا حظنا وفرة نسخ الكتاب ، مما يدل على عناية فائقة به ، فإن مؤلفا مثل هذا لا بد أن يكون مذكورا ، بل معروفا ، مشهورا ، لا مجهولا ، مغمورا ، وغير مترجم!

وإذا اعتبرنا أن النسبة إلى «سبزوار» تتبادل مع النسبة إلى «نيسابور» باعتبار أن «سبزوار» كانت ـ قديما ـ من نواحي إقليم نيسابور ، والنسبة إلى الإقليم الأعم مشهور ، والاكتفاء به شائع ، يمكن أن يقال :

إن المترجمين اكتفوا بنسبة «النيسابوري» عن «السبزواري».

وعندما بحثنا عن الملقبين ب «قطب الدين» والمنسوبين إلى «نيسابور» وما يقرب منها من المدن وفي خلال الفترة (٥٠٠ ـ ٦٥٠ ه) وجدنا عدة أشخاص :

الأول : قطب الدين النيسابوري ، أبو الفضل ، عبد الله بن محمد بن عبد الله ، الحيري ، المفتي.

ترجمه ابن الفوطي البغدادي ، وقال : كان فقيها ، فاضلا ، عالما ،

__________________

(١٠) كما في النسخ : د ، ه ، و.

۱۴۰

حافظا ، كتب الكثير ، وسمع ، له أشعار مطبوعة ، وفوائد مجموعة ، منها قوله :

لا روعت بعدها الخطوب لكم

سربا ولا فصلت لكم جمل

توفى سنة (أربع عشرة وخمسمائة) بالكوفة ، وحمل إلى مشهد الإمام المرتضى علي عليه‌السلام ، فدفن هناك (١١).

الثاني : قطب الدين النيسابوري ، أبو جعفر ، محمد بن علي بن الحسين ، المقرئ.

ترجم له الشيخ منتجب الدين ، بقوله : الشيخ ، الإمام ، ثقة ، عين ، أستاد السيد الإمام أبي الرضا ، والشيخ الإمام أبي الحسين رحمهما‌الله.

له تصانيف ، منها : «التعليق» ، «الحدود» ، «الموجز في النحو».

أخبرنا بها السيد الإمام أبو الرضا فضل الله بن علي الحسني عنه (١٢).

وذكره شيخنا الطهراني في أعلام القرن السادس عن منتجب الدين وغيره (١٣).

وذكر تحت عنوان (التعليق) في الذريعة ، قائلا : أستاد الراونديين : السيد الإمام أبو الرضا ، فضل الله ، الذي كان حيا سنة ٥٤٨ ، والإمام قطب الدين ، المتوفى ٥٧٣ (١٤).

__________________

(١١) تلخيص مجمع الآداب في معجم الألقاب ٤ / ٦٥٤ ، وقد أرشدنا سماحة السيد الطباطبائي دام مجده إلى هذه الترجمة.

(١٢) فهرست أسماء علماء الشيعة ، لمنتجب الدين : ٧ ـ ١٥٨ رقم ٣٦٣ ، والملاحظ أنه ذكر جده باسم «الحسن» بينما الموجود في المخطوطة «ب» بخط ابن فتحان ، والمنقولة عن خط قطب الدين الراوندي ـ تلميذ المترجم ـ هو «الحسين» كما أثبتناه ، وقد نقل المتأخرون عن المنتجب هذه الترجمة.

(١٣) الثقات العيون : ٢٧٢ ، وانظر : أعيان الشيعة ٩ / ٤٤٤ و ٢ / ٣١٦.

(١٤) الذريعة ٤ / ٢٢١ رقم ١١٠٦ بعنوان (التعليق).

۱۴۱

وذكره الشيخ النوري في مشايخ أبي الرضا الراوندي ، فقال ، الخامس عشر : الشيخ أبو جعفر النيسابوري ، وقال : صاحب «المجالس» الذي ينقل عنه ابن شهرآشوب [ت ٥٨٨] في المناقب ، وذكر في «المعالم» أن له كتاب «البداية» (١٥).

وقال شيخنا الطهراني : يروي عن الحاكم الحسكاني ، أبي القاسم عبد الله بن عبيد الله (١٦).

وقال السيد الطباطبائي في تعليقه على فهرست المنتجب : هو من تلامذة الحسن بن أحمد بن يعقوب النيسابوري ، والشيخ أبي علي ، الحسن ابن الشيخ الطوسي (١٧).

وقد يتراءى للناظر أن يكون المؤلف : هو أبو جعفر ، محمد بن علي بن الحسين ، قطب الدين النيسابوري ـ هذا ـ نظرا إلى المرجحات التالية :

١ ـ أنه الموصوف ب «الإمام» في ترجمته.

٢ ـ أن كاتب نسخة (ب) وهو ابن فتحان الكاشاني ، نقل قطعة من كتابه «التعليق» بواسطة خط القطب الراوندي ، واصفا للنيسابوري ب «الإمام قطب الدين».

ولا يخلو إيراده لهذه القطعة بعد الانتهاء من الكتاب ، من اعتبار وترجيح لما يرى.

٣ ـ أن أبا جعفر هذا ، مشهور ، معروف ، ولا تزال بعض مؤلفاته متداولة ، ونسبته إلى «نيسابور» أكثر ، بل هي الوحيدة.

__________________

(١٥) مستدرك الوسائل ٣ / ٤٩٥.

(١٦) الثقات العيون : ٢٧٢ نقلا عن «الإجازة الكبيرة» للعلامة الحلي.

(١٧) فهرست منتجب الدين : ١٥٨ ه ١.

۱۴۲

الثالث : قطب الدين النيسابوري ، أبو الحسن ، محمد بن الحسين بن الحسن ، البيهقي ، الكيدري :

قال شيخنا الطهراني : شارح نهج البلاغة في سنة ٥٧٦ ، وله «أنوار العقول» وهو ديوان الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام ، وله «بصائر الأنس بحظائر القدس».

ويروي عن الشيخ الإمام محمد بن القطب الراوندي (١٨).

ويروي عن السيد الإمام أبي الرضا ، فضل الله الراوندي (١٩).

الرابع : قطب الدين السبزواري ، محمد بن محمد الكارزي :

عنونه الشيخ منتجب الدين قائلا : الإمام ، قطب الدين محمد بن محمد الكارزي ، فقيه ، عالم بسبزوار (٢٠).

ونقله عنه الحر العاملي بعنوان : «الشيخ قطب الدين» (٢١).

فاسقط لفظ «الإمام» وجعل بدلها «الشيخ».

وكذلك سقطت كلمة «الإمام» من بعض نسخ كتاب منتجب الدين ، كما أشار إليه محققه.

ونقل شيخنا الطهراني عبارة المنتجب وفيه : «الإمام ، تاج الدين» (٢٢).

فأثبت لفظ «الإمام» لكنه أبدل لقب «قطب الدين» ب «تاج الدين».

وهكذا ـ أيضا ـ جاء اللقب الثاني في أكثر نسخ (الفهرست) للمنتجب ،

__________________

(١٨) هو مؤلف «عجالة المعرفة» التي حققناها في العدد ٢٩ من «تراثنا».

(١٩) الثقات العيون : ٢٥٩ ـ ٢٦٠.

(٢٠) فهرست منتجب الدين : ١٧٣ رقم ٤٢٣.

(٢١) أمل الآمل ، القسم الثاني : ٣٠٣ رقم ٩١٤.

(٢٢) الثقات العيون : ٢٨٦.

۱۴۳

كما أثبت محققه.

ولولا هذا الاختلاف في نسخ كتاب منتجب الدين لكان «الإمام قطب الدين السبزواري» هذا ، متعينا لأن يكون مؤلف كتابنا ، لأنه الشخص الوحيد الذي ينطبق عليه هذا العنوان وفي الفترة (٤٦٠ ـ ٦٠٠ ه) المدة التي يشملها مجال تغطية كتاب منتجب الدين.

ولا بد من جمع ما قيل عن هذا الإمام ، استيفاء للبحث : فبعد وجود هذا الكتاب منسوبا إلى «قطب الدين السبزواري» ، ونسبة كتاب «المنهج» في أصول الفقه ، إلى أيضا في متن الكتاب (٢٣).

بعد التأكد من وجود شخص موصوف ب «الإمام قطب الدين» من منطقة سبزوار ، قد ترجمه منتجب الدين.

لا يمكن الريب في وجود هذه الشخصية في القرن السادس.

وبما أن الشيخ منتجب الدين نسبه «كارزيا» فهو يوافق ما وجد باسمه في كتب الأنساب العامية ، بعنوان : «محمد بن محمد بن الحسين بن الحارث الكارزي ، أبو الحسن».

ذكره ابن ماكولا (ت ٤٧٥) (٢٤) والسمعاني (ت ٥٦٢) (٢٥) والذهبي (ت ٧٤٨) (٢٦) وابن ناصر (ت ٨٤٢) (٢٧) والحموي (٢٨).

وقد صرحوا بأن (كارز) بالراء مكسورة ، ثم زاي ، قرية على نصف فرسخ من نيسابور ، وأن الرجل كان بنيسابور.

__________________

(٢٣) ذكره في الباب الرابع ، في الإمامة ، آخر الفصل الأول.

(٢٤) الاكمال ٧ / ١٨٢.

(٢٥) الأنساب ١٠ / ٣١٧ في عنوان «الكارزي» وفي عنوان «المكاتب».

(٢٦) المشتبه : ٥٣٩.

(٢٧) توضيح المشتبه ٧ / ٢٦٥.

(٢٨) معجم البلدان ٤ / ٤٢٨.

۱۴۴

وما ذكروه إلى هنا ، لا يعارض ما ذكره المنتجب في شئ.

إلا أن إيراد ابن ماكولا ـ المتوفى ٤٧٥ ـ للرجل يدل على تقدم عصره عليه!

وهم ذكروا أن الرجل من مشايخ أبي عبد الله الحاكم النيسابوري ، ابن أبي نعيم ، المتوفى ٤٠٥.

وذكروا بعده في عنوان (الكارزي) شخصا باسم : علي بن محمد بن إسماعيل ، وقالوا : إن الحاكم ذكره في تاريخه «تاريخ نيسابور» وروى عنه ، وقال : توفي بمكة سنة ٣٦٢.

وذكروا آخر ، باسم : محمد بن الحسن أبو الحسن ، وأن الحاكم حدث عنه.

وخلطوا بين هؤلاء وبين من رووا عنه ، ومن روى عنهم ، حتى قال ابن ناصر الدين في بعضهم : «أخشى أن يكون الذي قبله» (٢٩).

ومهما يكن :

فإن أوثق ما نعتمده هنا هو ما أخبر به الشيخ منتجب الدين من وجود «الإمام قطب الدين السبزواري».

وبما أن منتجب الدين كان حيا سنة ٦٠٠ ، وقد ألف كتابه لضبط أسماء من تأخر زمانه عن زمان الشيخ الطوسي (ت ٤٦٠) وعاصروه (٣٠).

فإن وجود هذا الرجل لا يتأخر عن هذا التاريخ ـ سنة ٦٠٠ ـ ، ولا يتقدم على عصر الشيخ الطوسي (ت ٤٦٠).

ولا يزال التأكد من هوية مؤلف هذا الكتاب بحاجة إلى مزيد من البحث.

ولا يفوتني قبل الانتهاء من هذا البحث ، أن أشيد بمتابعة سماحة السيد

__________________

(٢٩) توضيح المشتبه ٧ / ٢٦٥.

(٣٠) فهرست أسماء علماء الشيعة : ٦.

۱۴۵

الطباطبائي حفظه الله حول مؤلف هذا الكتاب ، ولما تم إنجاز ما قدمناه ، تفضل بقراءته وإبداء ملاحظاته.

وقد استفدنا من مكتبته الزاخرة بالمصادر التي راجعناها ، فنسأل من الله له الأجر الوافر ، والعمر المديد.

* * *

۱۴۶

٤ ـ نسخ الكتاب :

لهذا الكتاب نسخ كثيرة جدا موزعة على مكتبات العالم شرقا وغربا ، ولا ريب أن كثرتها تدل على مدى اهتمام الطائفة به.

وقد وقفنا على «سبع» من النسخ ، واستفدنا منها في ضبط هذا النص ، وهي :

١ ـ نسخة مكتبة بادليان ، في مدينة أوكسفورد ، في بريطانيا :

وهي ضمن مجموعة «آل العودي» وتحتوي على كتاب «فرق الشيعة» المنسوب إلى النوبختي ، وهي النسخة التي اعتمدها المستشرق الألماني هلموت ريتر ، في طبعة الكتاب في إستانبول ، في العدد الرابع من النشريات الإسلامية لجمعية المستشرقين الألمانية ، وطبع بمطبعة الدولة سنة ١٩٣١.

ووصفها في المقدمة ، ص : و.

وتحتوي على كتاب «النكت في مقدمات الأصول» للشيخ المفيد ، وهي إحدى النسخ التي اعتمدناها في تحقيق الكتاب ، وقد طبع في العدد ٣٠ – ٣١ من مجلة «تراثنا» وطبع مستقلا ـ أيضا ـ ضمن آثار الشيخ المفيد بمناسبة الذكرى الألفية لوفاته سنة ١٤١٣.

وتحتوي على مجموعة من مؤلفات آل العودي ، ومستنسخاتهم ، ومنها هذا الكتاب «الخلاصة في علم الكلام».

وهذه أقدم النسخ التي عثرنا عليها ، وقد جاء في خاتمتها :

«والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين.

علقها العبد الفقير إلى الله تعالى أحمد بن الحسين بن أبي القاسم العودي الأسدي الحلي ، عفا الله عنه ، وذلك

۱۴۷

بتاريخ نهار الخميس ، رابع وعشرين شهر ذي الحجة من شهور سنة اثنتي وأربعين وسبعمائة».

وهي بخط واضح ، إلا أن الرطوبة أثرت في بعض مواضعها فلم يقرأ ، وقد رمزنا إليها بالحرف (أ).

سمح لنا بصورة منها فضيلة العلامة المحقق المفهرس الشهير السيد أحمد الحسيني دام علاه.

٢ ـ نسخة مكتبة المتحف البريطاني ـ في لندن ـ بريطانيا ، برقم OR ١٠٩٦٨.

كتب في هامش صفحتها الأولى : «كتاب الخلاصة في الكلام».

وجاء في نهايتها :

«والله أعلم ، وقع الاتمام على يد العبد المفتقر إلى ربه الحنان ، عبد الملك بن إسحاق بن عبد الملك بن فتحان ، الواعظ ، أصلح الله شأنه ، وصانه عما شانه.

في الحادي عشر من شهر جمادى الآخرة من سنة أربع وثمانمائة».

وكاتب النسخة هو : عبد الملك بن إسحاق بن عبد الملك بن فتحان الواعظ ، القمي ، الكاشاني ، الفتحاني ، أبو الفضائل ، رضي الدين.

يروي عنه ابنه علاء الدين فتح الله ، وحفيده عبد الله بن فتح الله ، وأجاز لزين الدين علي.

وهو يروي عن الفاضل المقداد ، وابن فهد الحلي ، وغيرهم ، كما ذكر ابن أبي جمهور الأحسائي في مقدمة غواليه.

لاحظ : الضياء اللامع : ٢ ـ ٨٣ ، والذريعة ١ / ٢٠٧ رقم ١٠٧٩ ، وعوالي اللآلي ١ / ٩ في الطريق السابع.

وهي نسخة واضحة الخط ، ورمزنا إليها بالحرف (ب) وقد تفضل علينا

۱۴۸

بصورتها سماحة العلامة المحقق الشهير ، المتتبع ، السيد عبد العزيز الطباطبائي دام علاه.

٣ ـ نسخة مكتبة العلامة الطباطبائي ـ في شيراز.

جاء في نهايتها :

«اللهم اجعلنا منهم ، بحشرنا معهم ، وآتنا ثوابهم ، والحمد لله رب العالمين.

تمت الكتاب بعون الله الملك الوهاب.

كاتبه وصاحبه حسين بن آدم عبد الله .... سنة تسعة وتسعين وثمانمائة».

وفي الجانب الأيسر من نهاية الصفحة ما نصه :

«لوحظت هذه الرسالة الوسطى فهي تامة.

ورمزنا إليها بالحرف (ج).

وقد أرسل مصورتها إلينا ابن بنت خالتنا الأخ الفاضل الموقر الشيخ محمد بركت دام موفقا.

٤ ـ نسخة مكتبة آية الله العظمى السيد شهاب الدين النجفي المرعشي قدس‌سره ، في قم المقدسة.

وهي الكتاب الأول من مجموعة برقم ٥١٤.

كتب على طرة الصفحة الأولى منها ما نصه :

«من تصانيف مولانا الأعظم مولانا قطب الدين السبزواري».

وعلى هذه الصفحة فهرس ما في المجموعة ـ بخط السيد المرعشي ـ وهي : «السعدية» للعلامة الحلي ، و «أجوبة المسائل الاعتقادية» للشيخ المفيد ، ومجمل العقائد.

۱۴۹

وكتب السيد المرعشي ما نصه : «الخلاصة في العقائد ، للعلامة المولى قطب الدين السبزواري ، من تلاميذ شيخنا الشهيد الأول».

وجاء في نهايتها :

«تمت الكتاب خلاصة [كذا] تصنيف مولانا الامام العالم الورع البارع الورع التقي قطب الدين السبزواري ، غفر الله له ولجميع المؤمنين والمؤمنات.

فرغ من تحريره يوم الثلاثاء في عشرين شوال المعظم سنة ثمانين وثمانمائة.

كاتبه ومالكه الفقير علي بن مجد الدين سديدي استرابادي الأبامنصوري.

اللهم اغفر لهم وارحمهم ولجميع المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات».

وهي نسخة متقنة ، مضبوطة بالحركات ، وقد استفدنا منها في ضبط المتن ، وهي محشاة بفوائد عديدة جيدة ، أثبتناها نحن في عملنا هذا منفصلة تتميما ، وهي الفوائد المرقمة ١ ـ ٣٨.

ورمزنا إليها بالحرف «د».

قدم مصورتها ، ومصورة النسخة التالية «ه» الأخ الفاضل المحقق الشيخ رضا المختاري الرضوانشهري ، وفقه الله.

٥ ـ نسخة أخرى في مكتبة السيد المرعشي رحمه‌الله.

وهي الكتاب الثالث من مجموعة مرقمة برقم ٢٢٤٧.

جاء في آخرها :

«تمت الكتاب خلاصة من تصنيف مولانا الإمام العالم البارع الورع المتقي قطب الدين سبزواري غفر الله ذنوبه ، سنة ثمان وتسعين وثمانمائة».

وهي تشبه نسخة «د» في كثير من الجهات ، كما وردت فيها نفس الفوائد

۱۵۰

في الهوامش ، إلا أنها مغلوطة ، وتمتاز عليها بالفائدتين ٣٩ ـ ٤٠ وقد أثبتناهما ، ورمزنا إليها بالحرف «ه».

٦ ـ نسخة ثالثة في مكتبة السيد المرعشي رحمه‌الله.

وهي الكتاب الثالث في مجموعة برقم ٤٥٤ ، تحتوي على : إرشاد المسترشدين ، لمحمد فخر الدين ابن العلامة الحلي ، وعلي : الرسالة السعدية ، للعلامة الحلي ، وعلى كتابنا هذا.

وهي نسخة متطابقة مع نسخة «د» حرفيا ، وكأنها منقولة عنها بزيادة كثير من الأغلاط الفاحشة في المتن ، وتمتاز عنها ببعض الهوامش المفيدة ، أثبتناها في قسم الفوائد بالأرقام ٤١ ـ ٤٦.

ونشكر إدارة المكتبة العامرة على تسهيلها أمر مراجعة النسخة.

٧ ـ نسخة مكتبة مجلس الشورى الإسلامي ـ في طهران.

وهي الكتاب الثاني في المجموعة ٣٩١٧.

جاء في آخرها :

«تمت الرسالة ، بعون الملك المنان ، في تاريخ صفر سنة سبع وثمانين وألف من الهجرة النبوية صلى الله عليه وآله وسلم ، الخط باق والعمر فان ، والعبد عاص والرب عاف».

وخطها ردئ ، ولا تمتاز بشئ يذكر ، ورمزنا إليها بالحرف «و».

وهي من مصورات فضيلة الشيخ المختاري دام فضله.

وهناك نسخ أخرى لم نتمكن من الوقوف عليها ، نذكر منها :

١ ـ نسخة في مكتبة المسجد الأعظم في قم المقدسة ، برقم ٢٦٨٠ ، مذكورة في فهرس المكتبة ، ص ٥٧٩.

٢ ـ وأخرى في المكتبة المذكورة ، برقم ٢٧٩٧ ، مذكورة في الفهرس ، ص ٥٨٨.

۱۵۱

٣ ـ النسخة التي ذكر وجودها سماحة شيخنا العلامة المرحوم الشيخ آقا بزرك الطهراني في الذريعة ، وإليك نص قوله : الخلاصة في أصول الدين مرتبا على ثمانية أبواب : لبعض قدماء الأصحاب ، توجد نسخة منه في النجف عند السيد حسين ابن علي بن أبي طالب الحسيني الهمداني.

وهي ضمن مجموعة من الرسائل كلها بخط مهدي بن الحسن بن محمد النيرمي الجرجاني ، فرغ من كتابة الخلاصة في سنة ٦٥٧.

وعلى النسخة تملك السيد أبي الرضا ، محمد بن مبارك شاه الأبرقوهي.

الذريعة ٧ / ٢٠٨ رقم ١٠٢٣ ، وانظر : الثقات العيون : ٣١٣.

* * *

۱۵۲

٥ ـ عملنا في الكتاب :

١ ـ في المقدمة :

قدمنا حديثا عن موضوع الكتاب ، وأهمية هذا النص في دعم الفكر الشيعي ، تراثيا وتاريخيا.

وقدمنا تحقيقا واسعا عن مؤلف الكتاب.

وقدمنا الكلام على نسخ الكتاب ، مع تقديم نماذج من صور الصفحات المهمة في كل نسخة ، لزيادة التوثق.

٢ ـ في النص :

حاولنا استخلاص نص مضبوط ، صحيح ، من بين النسخ السبع التي راجعناها مباشرة ، ووضعنا النص المختار في المتن ، محافظين على ما يحتمل تأثيره من العبارات الأخرى في الهوامش.

وضبطنا النص بالتشكيل التام ، إبرازا لأهميته العلمية والتراثية ، وليكون عونا على فهمه.

وقطعنا النص بشكل دقيق ، وطبقا للمتعارف في تحقيق النصوص ، لإبراز معالمه الفنية والعلمية كذلك.

ورسمنا الكلمات بالإملاء المتعارف في عصرنا ، ليسهم في سرعة فهمه ، واستذواقه.

٣ ـ في الملحقات :

وقد جمعنا في نهاية الكتاب ما كتب على هوامش بعض النسخ من الفوائد القيمة ، حافظا عليها من الضياع.

۱۵۳

٤ ـ الرموز :

وقد استعملنا الرموز التالية للدلالة على النسخ المعتمدة ، نوردها هنا مجتمعة للتسهيل :

(أ) لنسخة مكتبة بادليان ، بأوكسفورد (نسخة ابن العودي).

(ب) لنسخة مكتبة المتحف البريطاني (نسخة ابن فتحان).

(ج) لنسخة مكتبة العلامة الطباطبائي ، بشيراز.

(د) لنسخة مكتبة آية الله السيد المرعشي ، المرقمة ٥١٤.

(ه) لنسخة مكتبة آية الله السيد المرعشي ، المرقمة ٢٢٤٧.

(و) لنسخة مكتبة مجلس الشورى الإسلامي بطهران ، المرقمة ٣٩٢٧.

وفي الختام :

أشكر الله شكرا متواصلا على توفيقه لهذه الخدمة ، وأرجوه أن يخلص نيتي ، ويتقبل عملي ، ويثيبني بأحسن ما يثيب عباده المخلصين ، ويتغمدني برحمته في الدنيا ، ويوم لا ينفع مال ولا بنون ، والحمد لله رب العالمين.

حرر في السابع عشر من شهر شوال المكرم سنة ١٤١٤ ه.

وكتب

السيد محمد رضا الحسيني الجلالي

۱۵۴

۱۵۵

۱۵۶

۱۵۷

۱۵۸

۱۵۹

۱۶۰

۱۶۱

۱۶۲

۱۶۳

۱۶۴

۱۶۵

۱۶۶

۱۶۷

۱۶۸

[المتن]

(كتاب الخلاصة في الكلام) (١)

بسم الله الرحمن الرحيم

وعليه التكلان (٢)

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة على محمد وآله الطاهرين.

اعلم أن هذا الكتاب يشتمل على مسائل تتعلق بعلم الأصول ، من التوحيد ، والعدل ، والنبوة ، والإمامة ، ومعرفة الثواب والعقاب ، والآلام ، والأعواض ، والآجال ، والأرزاق ، والأسعار ، وما يتعلق بها.

ونحن نرتب الأول فالأول (إن شاء الله تعالى) (٣).

__________________

(١) هذا الاسم في هامش (ب) فقط.

(٢) في (أ) : «وبه العون» بدل «وعليه التكلان» وفي (ج ، د ، ه) : «وبه نستعين» بدل ذلك.

(٣) ما بين القوسين ليس في (ب).

۱۶۹

الباب الأول

في التوحيد

وفيه فصول :

الفصل الأول

في إثبات وجوب النظر

اعلم أن معرفة الله تعالى واجبة ، ولا يمكن تحصيلها إلا بالنظر ، فيلزم أن يكون ذلك (٤) النظر واجبا.

وإنما قلنا : «إن معرفة الله تعالى واجبة».

لأن شكر المنعم واجب ، ودفع الضرر عن النفس ـ أيضا ـ واجب ، فإذا جوز كامل (٥) العقل أن تكون المنافع الحاصلة له من الحياة ، والقدرة ، وغير ذلك :

إما أن تكون نعما لمنعم ، يجب عليه شكرها ، ويستحق الذم بترك شكرها.

وإما أن تكون ضررا على نفسه ، فيجب عليه التحرز منها.

فإذن يجب (٦) عليه معرفة فاعلها ، ليشكرها ، أو يتحرز (٧) عنها.

وإنما قلنا : «إن معرفة الله تعالى لا تحصل إلا بالنظر».

__________________

(٤) كلمة «ذلك» ليست في (أ ، ب).

(٥) في (أ) : الكامل.

(٦) في (أ) : وجب.

(٧) في (ب) : يحترز.

۱۷۰

لأن معرفة الله تعالى ليست بديهية ، ولا وجدانية ، ولا حسية ، ولا خبرية ، فلم يبق إلا النظر (٨).

فثبت أن طريق معرفته تعالى هو النظر ، والاستدلال.

فثبت أن يكون النظر واجبا.

الفصل الثاني

في إثبات ذاته تعالى

كل جسم محدث ، وكل محدث محتاج إلى المؤثر ، (فكل جسم محتاج إلى المؤثر) (٩).

وإنما قلنا : «إن كل جسم محدث».

لأن الجسم هو الذي يصح أن يشار إليه إشارة حسية ، والمشار إليه بالإشارة الحسية يجب أن يكون حاصلا في الحيز.

وإذا ثبت هذا ، فالجسم لو كان أزليا ، لكان في الأزل حاصلا في الحيز ، لكن يستحيل أن يكون حصوله في الحيز أزليا ، فيستحيل أن يكون الجسم أزليا.

وإنما قلنا : «إن حصوله في الحيز يستحيل أن يكون أزليا».

لأنه لو كان كذلك ، لكان لا يخلو :

إما أن يكون حاصلا في حيز (١٠) لا يكون (١١) قبله حاصلا في حيز آخر.

__________________

(٨) في (ج ، ه) : إلا بالنظر.

(٩) ما بين القوسين ليس في (أ).

(١٠) في (ب ، ه) : في الحيز.

(١١) في (ج) : لم يكن.

۱۷۱

أو لم يكن كذلك ، بل كان حاصلا في حيز كان قبله حاصلا في حيز آخر.

فمن الأول : يلزم أن لا يخرج عن ذلك الحيز ، وإن أخرج بالقهر وجب أن يعود إليه ، إذا زال القهر ، وإذا لم يعد ، علمنا أنه ليس كذلك.

من الثاني : يلزم أن يكون الأزلي مسبوقا بغيره ، وهو محال.

فثبت : أنه لا يكون حصوله في الحيز أزليا ، وإذا كان كذلك لم يكن الجسم أزليا.

وإنما قلنا : «إن كل محدث محتاج إلى المؤثر».

لأن المحدث هو الموجود الذي لم يكن ثم كان ، وما كان كذلك علم ـ بالضرورة ـ أن له محدثا.

فثبت أن لجميع الأجسام محدثا.

دليل آخر :

كل موجود ـ سوى الواحد ـ ممكن ، وكل ممكن ، محدث ، فكل موجود سوى الواحد ممكن محدث.

وإنما قلنا : «إن كل موجود ـ سوى الواحد ـ ممكن».

لأنا لو قدرنا موجودين واجبي الوجود ، لكان كل واحد منهما مشاركا للآخر في كونه واجبا ، ومباينا عنه بالتعين (١٢) ، وما به المشاركة غير ما به المباينة ، فيلزم أن يكون كل واحد منهما مركبا مما به المشاركة ، ومما به المباينة.

وكل مركب ممكن ، لأن كل مركب محتاج إلى جزئه ، وجزؤه غيره ،

__________________

(١٢) في (أ) : بالتغيير.

۱۷۲

لأنه ليس هو ، وما ليس هو يكون غيره.

فثبت أن كل مركب ممكن.

وإنما قلنا : «إن كل ممكن محدث».

لأن كل ممكن محتاج إلى المؤثر ، لأن الممكن هو الذي تكون (١٣) نسبة طرفي الوجود والعدم إليه على السوية ، فإذا حصل الرجحان لا بد له من مرجح ، فثبت أن كل ممكن محتاج إلى المرجح ، وما كان كذلك ، فهو محدث (١٤).

فثبت أن كل موجود ـ سوى الواحد ـ ممكن ، محدث.

الفصل الثالث

في إثبات صفاته الثبوتية

وفيه مسائل :

* المسألة الأولى : ولا بد من كونه ـ تعالى ـ قادرا :

لأنه لو لم يكن قادرا (١٥) ، لكان موجبا ، لأنه قد صدر عنه الفعل ، وكل من صدر عنه الفعل :

فأما أن يصدر عنه (١٦) مع جواز إن لا يصدر ،

__________________

(١٣) كلمة «تكون» من (ج) وفي (د) : «هو الذي يكون طرفا الوجود والعدم نسبة إليه على السوية».

(١٤) في (ج ، د) : «كان محدثا» بدل : «فهو محدث».

(١٥) في (ب) : «كذلك» بدل قوله : «قادرا».

(١٦) أضاف في (ج) كلمة : «الفعل».

۱۷۳

أو مع استحالة أن لا يصدر.

فالأول : هو القادر.

والثاني : هو الموجب.

ويستحيل أن يكون ـ تعالى ـ موجبا ، لأنه لو كان كذلك ، للزم : إما (١٧) من قدمه قدم العالم.

أو من حدوث العالم حدوثه تعالى.

وهما محالان ، فيلزم أن لا يكون موجبا.

وأيضا : لو كان ـ تعالى ـ موجبا ، لكان يلزم من تغير كل شئ في العالم تغيره في ذاته تعالى ، لأن تغير المعلول دليل على تغير العلة ، فلو لم تتغير العلة ، لم يتغير المعلول.

وإذا كان التغير على الله ـ تعالى ـ محالا ، يستحيل أن يكون موجبا.

* مسألة : ولا بد من كونه ـ تعالى ـ عالما :

لأنه أوجد بعض مقدوراته دون البعض ، على وجه دون وجه ، في وقت دون وقت ، وإذا كان كذلك ، فلا بد أن يدعوه الداعي إلى ذلك البعض ، والداعي يستحيل أن يدعو القادر (١٨) إلا إلى ما علم حقيقته ، وتصور ماهيته ، وإذا ثبت كونه قادرا (١٩) ثبت كونه عالما.

دليل آخر :

كل من صدر عنه أفعال محكمة متقنة ، يجب أن يكون عالما ، وقد

__________________

(١٧) كلمة «إما» لم ترد في (أ ، د ، ه).

(١٨) كذا في (أ ، ه) وكلمة «القادر» ليست في (ب) وفي (ج) : «يدعوه القادر».

(١٩) في (ب ، د) : موجدا.

۱۷۴

صدر عنه ـ تعالى ـ أفعال محكمة متقنة ، فيجب أن يكون عالما.

والأول : بديهي.

والثاني (٢٠) : حسي.

فثبت كونه ـ تعالى ـ عالما.

* مسألة : ولا بد من كونه ـ تعالى ـ حيا :

لأن الحي هو الذي يصح أن يقدر ويعلم ، وإذا ثبت كونه ـ تعالى قادرا عالما ، ثبت كونه حيا.

* مسألة : ولا بد من كونه ـ تعالى ـ موجودا :

لأنه لو لم يكن موجودا ، لكان معدوما ، والمعدوم يستحيل أن يكون قادرا عالما ، وإذا ثبت كونه كذلك ، ثبت كونه موجودا.

* مسألة : ولا بد من كونه (٢١) ـ تعالى ـ موصوفا بهذه الصفات أزلا ، وأبدا :

لأنه لو لم يكن كذلك ، لم يصر موصوفا بها (٢٢) أبدا ، والتالي باطل (٢٣) لما مر ، فالمقدم باطل.

فثبت أنه ـ تعالى ـ موصوف بهذه الصفات أزلا ، وأبدا.

__________________

(٢٠) قوله : «والثاني» ليس في (أ).

(٢١) في (أ ، ه) : ولا بد أن يكون.

(٢٢) في (أ) : «بهذه الصفات» بدل «بها».

(٢٣) في (ب) : وضع الحرف (ط) رمزا لكلمة باطل هنا وفيما يلي إلى آخر الكتاب.

۱۷۵

* مسألة : ولا بد من كونه ـ تعالى ـ قادرا على جميع الممكنات ، وعالما بكل المعلومات :

لأنه لو لم يكن كذلك ، لكان اختصاصه بالبعض دون البعض ـ مع استواء جميع المقدورات والمعلومات ، ومع أن نسبة ذاته تعالى إلى (٢٤) الجميع على السوية ـ يحتاج (٢٥) إلى مخصص ، ولا مخصص هناك.

فوجب أن يكون قادرا (على الكل ، عالما بالكل) (٢٦).

* مسألة : ولا بد من كونه ـ تعالى ـ مدركا ، سميعا ، بصيرا ، مريدا ، كارها :

لأن المرجع في جميع هذه الصفات إلى كونه ـ تعالى ـ عالما بكل المعلومات ، وإذا ثبت كونه ـ تعالى ـ كذلك ، ثبت كونه موصوفا بهذه الصفات.

* مسألة : وهذه الصفات ـ التي أثبتناها ـ صفات إضافية ، نسبية ، ليست زائدة على ذاته المنزهة :

لأنها لو كانت زائدة ، فلا يخلو :

إما أن تكون واجبة ،

أو ممكنة ،

وهما محالان ، فيستحيل أن تكون زائدة.

__________________

(٢٤) كلمة «إلى» لم ترد في (ب).

(٢٥) في (ه) : مع ... مع ... فإذا يحتاج.

(٢٦) في (ج) بدل ما بين القوسين : «على كل عالما بكل».

۱۷۶

وإنما قلنا : «إنها لم تكن واجبة».

لأنها محتاجة إلى (الذات التي هو) (٢٧) الغير ، وما كان محتاجا إلى الغير لا يكون واجبا.

وإنما قلنا : «إنها لا تكون ممكنة».

لأنها لو كانت ممكنة ، لكانت محتاجة إلى الغير ، والمحتاج إلى الغير محدث ، كما مر.

وإذا لم تكن واجبة ولا ممكنة ، لم تكن زائدة على ذاته ، فحصل المرام (٢٨).

الفصل الرابع

في صفاته السلبية

وفيه مسائل :

* مسألة : ويستحيل أن يكون ـ تعالى ـ جسما :

لأنه لو كان جسما ، لكان مساويا لسائر الأجسام في الجسمية : فإن لم يخالف الأجسام من وجه آخر ، لزم : إما حدوثه ،

أو قدمها (٢٩).

__________________

(٢٧) ما بين القوسين زيادة في (ج) وفي (د) : لأنها محتاجة إلى ذات وما كان ...

(٢٨) في (ج) عن نسخة : فحصل المراد ، وفي (ه) كتب «المراد» تحت «المرام» ولعله تفسير له.

(٢٩) زاد في (أ) هنا : «لكونه محدثا».

۱۷۷

وإن خالفها ، لزم كونه مركبا مما به المشاركة ، ومما به المخالفة ، وهو أيضا محال.

فيستحيل إن يكون ـ تعالى ـ جسما.

دليل آخر (٣٠) :

لو كان ـ تعالى ـ جسما ، لكان لا بد أن يكون حاصلا في الحيز كما مر.

ثم لا يخلو :

إما أن يصح خروجه عن ذلك الحيز.

أو لا يصح.

فإن صح ، صح عليه الحركة.

وإن لم يصح ، لزم أن يكون كالمقيد العاجز.

وهما محالان عليه ـ تعالى ـ.

فيستحيل أن يكون ـ تعالى ـ جسما.

* مسألة : ويستحيل أن يكون ـ تعالى ـ عرضا :

لأن العرض محتاج إلى الغير ، والبارئ ـ تعالى ـ ليس محتاجا إلى الغير ، فلا يكون عرضا.

__________________

(٣٠) في (د ، ه) : «مسألة» بدل «دليل آخر».

۱۷۸

* مسألة : ذاته ـ تعالى ـ مخالفة لسائر الذوات ، لعين (٣١) ذاته المخصوصة (٣٢) ، لا لأمر زائد :

لأنه لو كانت ذاته ـ تعالى ـ مساوية لسائر الذوات ، لكان اختصاصه بتلك الصفة :

إما لأمر زائد ،

أو لا لأمر.

فمن الأول : يلزم التسلسل.

ومن الثاني : يلزم ترجيح الممكن من غير مرجح.

وهما محالان.

فثبت كونه ـ تعالى ـ مخالفا لسائر الذوات لعين (٣٣) ذاته المخصوصة.

* مسألة : لو كان البارئ ـ تعالى ـ محتاجا إلى غيره ، لكان لا يخلو :

إما أن يكون محتاجا في ذاته.

أو في صفاته.

وهما محالان ، لما مر.

فيستحيل أن يكون ـ تعالى ـ محتاجا.

__________________

(٣١) كذا في (ج ، د) وفي (ب ، ه) : بعين ، وفي (أ) : «لغير».

(٣٢) كلمة «المخصوصة» ليس في (أ).

(٣٣) كذا في (ج ، د) وفي (ب ، ه) : بعين ، وفي (د) : «لنفس» بدل «العين» وفي (أ) : «لغير».

۱۷۹

* مسألة : ويستحيل أن يكون ـ تعالى ـ مرئيا بالبصر :

لأنه لو كان كذلك ، لكان لا يخلو :

إما أن يكون مقابلا للرائي ، (أو في حكم المقابل) (٣٤).

أو لا يكون.

فإن كان مقابلا :

فأما أن يكون في جهة.

أو لا يكون في جهة.

فإن كان في جهة ، لزم كونه ـ تعالى ـ جسما ، وهو محال.

وإن لم يكن في جهة ، لم يكن مقابلا ، فلم تكن الرؤية معقولة ، لأن الرؤية (المعقولة) (٣٥) عبارة عن «ارتسام صورة المرئي في العين ، أو اتصال شعاع البصر به (٣٦)» وهذا لا يعقل إلا في ما كان مقابلا للرائي ، وهو عليه ـ تعالى ـ محال.

وإذا بطلت هذه الأقسام ، ثبت استحالة رؤيته ـ تعالى ـ بالبصر.

* مسألة : يستحيل قيام الحوادث بذاته ، خلافا للكرامية ، والحنابلة :

لأنه لو صح اتصافه ـ تعالى ـ بها ، لكانت تلك الصفة (٣٧) :

إما أن تكون من لوازم ذاته.

وإما أن تكون من عوارض ذاته :

__________________

(٣٤) ما بين القوسين في (ه).

(٣٥) ما بين القوسين من (د ، ه).

(٣٦) في (د ، ه) : شعاع البصرية إليه.

(٣٧) كذا في النسخ ، لكن في (ه) وهامش (ب) : «الصحة».

۱۸۰

فمن الأول : يلزم أزلية الحوادث.

ومن الثاني : يلزم التسلسل.

وهما محالان.

فيستحيل كونه موصوفا بها.

* مسألة : الألم واللذة عليه ـ تعالى ـ محال :

لأنهما من توابع المزاج ، الذي هو من توابع الأجسام ، وإذا ثبت كونه ـ تعالى ـ ليس بجسم ، يستحيل أن يكون ـ تعالى ـ موصوفا بهما ، أو بواحد منهما.

* مسألة : ويستحيل أن يتحد الله ـ تعالى ـ بغيره :

لأنهما لا يخلوان (٣٨) من أقسام ثلاثة ، وهي :

إما إن بقيا (٣٩) كما كانا موجودين (٤٠).

أو صارا معدومين.

أو عدم أحدهما دون الثاني.

وليس في (شئ من) (٤١) هذه الأقسام اتحاد (٤٢).

فيستحيل عليه الاتحاد.

__________________

(٣٨) كذا الصواب ، وكان في (أ ، ب) : لا يخلو ، وفي (ج ، د ، ه) : لا يخلوا.

(٣٩) في (أ) : يبقيا.

(٤٠) كلمة «موجودين» من (ج ، د ، ه).

(٤١) ما بين القوسين ليس في (أ).

(٤٢) في (ب) : الاتحاد.

۱۸۱

* مسألة : ويستحيل أن يحل الله ـ تعالى ـ في شئ :

لأنه لو حل في شئ ، لا يخلو :

إما أن يجب حلوله فيه ،

أو لا يجب :

فمن الأول : يلزم حدوثه ـ تعالى ـ وهو محال.

ومن الثاني : يلزم استغناؤه عنه ، والمستغني عن الشئ يستحيل أن يحل فيه.

* مسألة : يستحيل أن يكون موصوفا بشئ من الألوان :

لاستحالة كونه ـ تعالى ـ محلا للأعراض (لأن محلها الأجسام ، وإذا لم يكن ـ تعالى ـ جسما ، لم يكن محلا للأعراض) (٤٣) فلم يكن موصوفا بشئ من الألوان.

__________________

(٤٣) ما بين القوسين ساقط من (ج).

۱۸۲

الباب الثاني

في العدل

وفيه فصول :

(الفصل الأول) (٤٤)

[تعريف العدل]

اعلم أن مرادنا من كونه ـ تعالى ـ عادلا ، هو : أنه لا يفعل القبيح ، ولا يخل بالواجب.

وهذه المسألة متفرعة على إثبات الحسن والقبيح (٤٥) بحكم العقل ، خلافا للأشعرية.

اعلم أن كل من صدر عنه فعل ـ من المكلفين ـ من الأفعال الاختيارية ، فلا يخلو :

إما أن يكون صدور ذلك الفعل منافرا للعقل ،

أو لا يكون :

والأول : هو القبيح.

والثاني : إما أن يكون تركه منافرا للعقل ،

أو لا يكون :

والأول : هو الواجب.

__________________

(٤٤) هذا العنوان لم يرد في (أ).

(٤٥) في (ب ، ه) : والقبح.

۱۸۳

والثاني : إما أن يكون فاعله مستحقا للمدح.

أو لا يكون :

والأول : هو الندب.

والثاني : إما أن يكون فعله أولى من تركه ،

أو لا يكون :

والأول : هو الحسن.

والثاني : إما أن يكون تركه أولى من فعله.

أو لا يكون :

والأول : هو المكروه.

والثاني : هو المباح.

وإذا ثبت هذا ، فلا شك أن بعض أفعالنا ما يكون العقل منافرا عن فعله ، كالظلم ، والكذب ، والعبث ، والمفسدة ، وغير ذلك.

وبعض أفعالنا ما يكون ملائما للعقل (٤٦) ، كشكر المنعم ، ورد الوديعة ، وقضاء الدين (٤٧) وغير ذلك.

والعلم بذلك يجده كل عاقل من نفسه ، ولا يحتاج إلى شرع ، ولهذا يعرفه المنكرون للشرائع ، كالكفار الأصلية ، والبراهمة ، وعبدة الأوثان والأصنام ، كما يعرفه المليون (٤٨).

ومن أنكر ذلك فهو جاهل مكابر.

__________________

(٤٦) في (أ) : «ما لائم العقل» ولم ترد «ما يكون» في غير (ج).

(٤٧) في (ب ، د ، ه) : الديون.

(٤٨) كذا الصواب ، وهو الموجود في (ب ، د ، ه) وكان في (أ) : «المكيون».

۱۸۴

الفصل الثاني

[في الاختيار]

لا شك أن العلم بحسن المدح والذم (٤٩) على بعض أفعال الإنسان ، علم ضروري.

ولا شك ـ أيضا ـ أن حسن المدح والذم يتوقف على كون الممدوح والمذموم فاعلا ، وما يتوقف عليه العلم الضروري ، يجب أن يكون ضروريا.

فثبت أن العلم بكون العبد فاعلا علم ضروري.

حجة أخرى :

إن كل ما صدر عنا من الأفعال إنما يصدر بحسب دواعينا وقصودنا ، وكل فعل يكون كذلك ، كان ذلك الفعل فعلا لذلك الفاعل.

فإذن : وجب أن يكون كل ما صدر عنا (من الأفعال) (٥٠) فعلا لنا.

الفصل الثالث

في أنه ـ تعالى ـ قادر على القبيح

والدليل عليه : هو أن القبيح من الممكنات ، لأنه لو لم يكن من الممكنات ، لما قدرنا عليه ، فإذا كان من الممكنات ـ والله تعالى قادر على

__________________

(٤٩) زاد في (أ) هنا كلمة : «يتوقف».

(٥٠) ليس في (ب).

۱۸۵

جميع الممكنات ـ ،

فيجب أن يكون قادرا على القبيح.

الحجة الثانية :

أنه ـ تعالى ـ قادر على تعذيب المصر على الكفر ، فإذا تاب وجب أن يكون قادرا عليه ، لأن توبته لا تؤثر في قادريته ـ تعالى ـ.

وتعذيبه بعد التوبة ظلم ، والظلم قبيح.

فيجب أن يكون ـ تعالى ـ قادرا على القبيح.

الفصل الرابع

في أنه ـ تعالى ـ لا يفعل القبيح ،

ولا يخل بالواجب

والدليل عليه هو أنه ـ تعالى ـ إذا كان عالما بقبح القبيح ـ لأنه عالم بكل المعلومات ـ وعالما باستغنائه عنه (٥١).

فإذن (٥٢) : علمه ـ تعالى ـ يصرفه عن فعله ، ولا يدعوه الداعي إليه ، لاستغنائه عنه ، ومع وجود الصارف وعدم الداعي إليه (٥٣) يستحيل أن يصدر الفعل عن القادر.

فثبت أنه ـ تعالى ـ لا يفعل القبيح ، البتة ، ولا يخل بالواجب.

__________________

(٥١) كذا في (ب ، ه) وفي سائر النسخ : عنها.

(٥٢) كذا الصواب ، ورسمها في (أ ، ه) : إذا ، مضبوطا بفتحتين ، وفي سائر النسخ «إذا» بالألف.

(٥٣) في (أ ، ه) : ومع عدم الداعي ووجود الصارف.

۱۸۶

الفصل الخامس (٥٤)

[في أنه لا يريد القبيح]

وإذا ثبت أنه ـ تعالى ـ لا يفعل القبيح ، فكل ما صدر عنه من إحداث العالم ، وما فيه من خلق الحيوانات المؤذية ، والنباتات المضرة ، و (السموم) (٥٥) القاتلة ، (وغير ذلك من التكاليف الشاقة) (٥٦) حسن.

وكل ما صدر (٥٧) (في العالم) (٥٨) من الظلم ، والقبيح ، والكذب ، والفساد ، وغير ذلك ، إنما صدر عن غيره ، لا عنه.

ولا يريد ـ البتة ـ شيئا من القبائح ، لأن إرادة القبيح قبيحة.

الفصل السادس (٥٩)

[في أن الكافر يختار الكفر باختياره]

كل ما فعله الله ـ تعالى ـ بالمؤمن (٦٠) من تعريض الثواب ، وإزاحة العلة من التمكين ، والألطاف ، ونصب الأدلة ، فقد فعله بالكافر.

__________________

(٥٤) جاء في (أ) كلمة : «مسألة» بدل عنوان «الفصل الخامس».

(٥٥) كلمة «السموم» من (د ، ه).

(٥٦) ما بين القوسين ورد في (أ ، د ، ه) فقط.

(٥٧) زاد كلمة «عنا» في (ب) هنا.

(٥٨) قوله : «في العالم» من (ه).

(٥٩) جاء في (أ) بدل العنوان ، كلمة : «مسألة».

(٦٠) كذا في (ه) وفي النسخ : بالمؤمنين.

۱۸۷

وإذا كان تكليف المؤمن حسنا ، يجب (٦١) أن يكون تكليف الكافر ـ أيضا ـ حسنا.

فأما ما صدر عنه من الكفر ، فإنما يصدر (٦٢) عنه باختياره ، وبتركه الواجب ، لا بالتكليف (٦٣).

__________________

(٦١) في (ج) : وجب.

(٦٢) في (أ) : صدر.

(٦٣) في (د) : «لا بتكليف» كذا مضبوطا.

۱۸۸

الباب الثالث

في النبوة

وفيه فصول :

الفصل الأول

في حسن بعثة الأنبياء عليهم‌السلام

في بعثة الأنبياء فوائد :

منها : أن يأتوا من الله ـ تعالى ـ بإعلام الثواب الدائم للمطيع المؤمن ، والعذاب الدائم للكافر العاصي ، وذلك لطف لهم.

ومنها : أن يعلمهم كيفية شكر المنعم (٦٤).

ومنها : زيادة دواعي المكلفين في أداء الواجبات ، واجتناب المقبحات.

وما كان فيه هذه الفوائد الموفرة ، كان حسنا.

فيجب أن تكون بعثة الأنبياء حسنة.

__________________

(٦٤) في (د) : الشكر للمنعم.

۱۸۹

الفصل الثاني

في إثبات نبوة

نبينا محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

لأنه ادعى النبوة ، وظهرت المعجزة على يده (٦٥) (على وفق دعواه) (٦٦) ، وكل من كان كذلك كان نبيا حقا : أما أنه ادعى النبوة ، فذلك معلوم بالتواتر.

وأما أنه ظهرت المعجزة على يده (٦٧) ، فهو أنه ظهر القرآن عليه.

وأما بيان أن القرآن معجز ، فمن حيث أن لفظه البليغ ، ومعناه المبين (٦٨) ، ما لم يعهده أحد من العرب.

فإذا أتى (٦٩) عليه‌السلام بالقرآن ، وتحداهم به ، واجتمعوا (٧٠) على أن يأتوا بمثله (آية أو سورة) (٧١) ، فقد عجزوا عن ذلك.

ولما ظهر عجزهم عن معارضته (٧٢) ، ثبت أنه معجز ، من قبل الله ـ تعالى ـ.

__________________

(٦٥) كذا في (أ) وفي النسخ : «عليه» وفي (ه) : «ظهر المعجز» بدون عليه.

(٦٦) في (أ) بدل ما بين القوسين جاء : «موافقا لدعواه».

(٦٧) كذا في النسخ ، و «على يده» من (أ) فقط ، وفي (د) : عليه.

(٦٨) الكلمة مضبوطة في (ب).

(٦٩) كذا في النسخ ، وفي (أ) : «تقرر» بدون قوله «أتى» ، ولعله : تفرد.

(٧٠) جاء في (أ) : وأجمعوا.

(٧١) في (أ) بدل ما بين القوسين : «أو بسورة».

(٧٢) في (أ) : عن المعارضة.

۱۹۰

ولو قدروا على الإتيان بمثله (٧٣) ، لأتوا به ، ولما خرجوا بالسيف ، ولا اختاروا ما فيه بذل المهج والنفوس ، واسترقاق الأولاد ، لأن من قدر على دفع الخصم ـ بأهون الأمور وأيسر ما في المقدور ـ لا يقصد الأصعب والأشد (٧٤) ، وذلك لا يكون منهم إلا عجزا ظاهرا ، ونكولا واضحا (٧٥).

فثبت أن القرآن معجز ، خارق للعادة.

وإذا ثبت هذا ، ثبت أنه نبي من عند الله تعالى.

ومن معجزاته ـ التي هي سوى القرآن ـ :

تسبيح الحصا في كفه (٧٦) ،

وحنين الخشبة ،

وشكاية الناقة ،

(وكلام الذئب) (٧٧) ،

وكلام الذراع (٧٨) المشوي ،

وانفجار الماء من بين أصابعه ،

وإشباع الخلق الخلق الكثير من الطعام القليل ،

ومجئ الشجرة إليه لما قال لها : «أقبلي» وعودها إلى مكانها لما قال لها : «أدبري» (٧٩) ،

__________________

(٧٣) كذا في (ه) وفي النسخ : إتيان مثله.

(٧٤) في (أ) : الأشق.

(٧٥) في (أ) : فاضحا.

(٧٦) في (أ) : كفيه.

(٧٧) ما بين القوسين من (ه).

(٧٨) في (ب) : الطائر.

(٧٩) في (ب) : ارتدي.

۱۹۱

وانشقاق القمر ،

والإخبار عن الغيوب ـ على ما تواتر به النقل ـ ،

وإظلال السحاب قبل مبعثه.

وهذه الأخبار ـ وإن كان كل واحد منها في حيز الآحاد ـ إلا أنه لما كثرت الأخبار عن شئ يستحيل أن تكون كلها كذبا.

وإذا صح واحد منها حصل المقصود ، وصح الباقي.

فثبت أنه عليه‌السلام كان نبيا حقا ، من عند الله ، صادقا في جميع ما أتى به.

الفصل الثالث (٨٠)

في صفاته (عليه‌السلام) (٨١)

يجب أن يكون النبي عليه‌السلام موصوفا بكمال العقل ، والذكاء ، والفطنة ، وقوة الرأي ، وجودته (٨٢).

ويجب أن يكون معصوما من القبائح كلها ـ صغيرها وكبيرها ـ قبل النبوة ، وبعدها ، عمدا (كان أو سهوا) (٨٣) ، ونسيانا.

لأنه لو جاز (٨٤) ذلك عليه ينفر العقل عن متابعته ، ولا يليق بالحكيم إيجاب اتباع من ينفر العقل عن متابعته.

__________________

(٨٠) في (ب) : فصل ، بدل العنوان.

(٨١) كذا في (د ، ه) وفي النسخ : صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

(٨٢) في (ب) : وجوده.

(٨٣) ما بين القوسين من (د).

(٨٤) كذا في (ه) وفي النسخ : لأن جواز.

۱۹۲

فيجب أن يكون موصوفا بهذه الصفات.

الفصل الرابع

كلام الله ـ تعالى ـ محدث

لأنه مركب من الحروف على وجه يتقدم بعضها على بعض ، وكل ما كان كذلك ، كان محدثا.

وإنما قلنا : «إنه مركب من الحروف على ذلك الوجه».

لأنه لا يفهم كلام إلا وأن يكون كذلك ، وذلك بديهي.

وإنما قلنا : «إن كل ما كان كذلك كان محدثا».

لأن المتقدم إنما يتقدم على المتأخر بمقدار متناه (فيلزم أن يكون المتأخر بمقدار (٨٥) متناهيا (٨٦) ، لأنه مسبوق بالمتقدم (٨٧).

ويلزم ـ أيضا ـ (٨٨) : أن يكون المتقدم متناهيا ، لأنه متقدم على المتأخر بمقدار متناه ، وما كان متقدما على المتناهي (٨٩) بمقدار متناه ، كان ـ أيضا ـ متناهيا.

وكل ما كان متناهيا في زمان وجوده ، كان محدثا.

فلزم (٩٠) أن يكون جميع كلام الله ـ تعالى ـ محدثا

__________________

(٨٥) هذه الكلمة من (ه) فقط.

(٨٦) ما بين القوسين لم يرد في (أ).

(٨٧) في (أ) : بالتقدم.

(٨٨) في (ب) : وأيضا يلزم.

(٨٩) في (ج) «المتأخر» بدل «المتناهي».

(٩٠) في (ب) : فيلزم.

۱۹۳

الفصل الخامس

في جواز النسخ

إذا ثبتت نبوة نبينا محمد عليه‌السلام ، وصحة نبوته موقوفة على النسخ ، فوجب أن يكون النسخ حقا.

دليل آخر :

إن المصالح الشرعية مختلفة باختلاف الأوقات والأشخاص ، فلا بد أن يبين ـ سبحانه وتعالى ـ للمكلفين ، إزاحة لعلتهم.

فإذن : لا بد أن (تغير الأحكام لتغير) (٩١) المصالح ، وذلك هو النسخ.

__________________

(٩١) في (أ) : تتغير الأحكام كتغير.

۱۹۴

الباب الرابع

في الإمامة

وفيه فصول :

الفصل الأول

في إثبات وجوب (٩٢) الإمام

الإمامة واجبة في الدين عقلا وشرعا ، كما أن النبوة واجبة في الفطرة (٩٣) ، عقلا وسمعا ، خلافا لأكثر الأمة.

أما الوجوب عقلا :

فهو أن احتياج الناس إلى إمام ، واجب العصمة ، يحفظ أحكام الشرع عليهم ، ويحملهم على مراعاة أحكامه بالوعد والوعيد ، وإجراء حدود الدين ، كاحتياجهم إلى نبي يشرع لهم الأحكام ، ويبين لهم الحلال والحرام.

واحتياج الخلق إلى استبقاء (٩٤) الشرع ، كاحتياجهم إلى تمهيده.

وإذا كان إرسال النبي (٩٥) واجبا ، لكونه لطفا وتمكينا ، كان نصب الإمام ـ أيضا ـ واجبا (٩٦).

__________________

(٩٢) في (ب) : «وجود» بدل «وجوب».

(٩٣) في (أ) : في النظر.

(٩٤) كذا في (ج) وفي (أ ، ه) : «استيفاء» منقوطا ، وفي (ب) بلا نقاط.

(٩٥) في (أ) : وإذ كان إرسال الأنبياء ، وأضاف في (ج) : وإنزال الكتب.

(٩٦) في (أ) : كان ـ أيضا ـ نصب الإمام لطفا واجبا.

۱۹۵

حجة أخرى :

نصب الإمام لطف ، واللطف واجب على الله تعالى ، فوجب أن يكون نصب الإمام أيضا ـ واجبا عليه تعالى.

وإنما قلنا : «إن نصب الإمام لطف».

لأن اللطف هو : «ما عنده يختار المكلف الطاعة ، أو يكون إلى اختيارها أقرب ، ولولاه ، لما كان كذلك ، مع تمكنه (٩٧) في الحالين ، ولا يكون فيه وجه قبح».

ولا شك أن عند وجود الرئيس المهيب النافذ الأمر ، الأخذ على يد (٩٨) السفيه ، المنتصف للمظلوم من الظالم ، يرتفع (٩٩) الفساد كله أو أكثره.

فوجب أن يكون وجوده لطفا ، كسائر الألطاف.

وإنما قلنا : «إن اللطف واجب عليه تعالى».

لأن كل ما كان كذلك يجب أن يفعله الحكيم ، لأنه لو لم يفعله ـ مع بقاء التكليف ـ لكان المكلف غير مزاح العلة ، فيكون الله ـ تعالى ـ ناقضا لغرضه ، وهو عليه ـ تعالى ـ محال.

وإذا ثبتت المقدمتان ، ثبت أن نصب الإمام واجب على الله تعالى.

__________________

(٩٧) في (ه) : مع المكنة.

(٩٨) كلمة «يد» لم ترد في (ب) ، وفي (ج) : على يد السيف.

(٩٩) في (ب) : «يندفع» بدل «يرتفع».

۱۹۶

حجة أخرى (١٠٠).

أما الدليل السمعي :

فقوله ـ تعالى ـ : (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ، وكونوا مع الصادقين) [سورة التوبة (٩) الآية (١١٩)].

إن الله ـ تعالى ـ أمرنا بالكون مع الصادقين ، وذلك يدل على أنه ـ تعالى ـ أوجب علينا متابعتهم.

فنقول : ذلك الصادق الذي يجب علينا متابعته ، يجب أن يكون صادقا في كل ما قال ، وإلا ، لكان يجب علينا متابعته فيما لا يكون صادقا فيه ، وذلك لا يجوز.

وإذا كان صادقا في كل الأمور ، فذلك الصادق :

إما أن يكون معينا ،

أو غير معين.

والثاني : باطل (١٠١) ، وإلا ، لزم الاجمال والتعطيل.

والأول :

إما أن يكون ذلك المعين جميع الأمة ،

أو بعضهم :

والأول : باطل ـ بالضرورة ـ.

فبقي الثاني.

فوجب أن يكون في الأمة شخص معلوم (١٠٢) لا يجوز عليه الخطأ ،

__________________

(١٠٠) كذا في النسخ ، وعليها في (ج) ضبة ، بلا مرجع في الهامش ، فليلاحظ.

(١٠١) أضاف في (ج) كلمة : بالضرورة.

(١٠٢) كذا في (د) وهو الأصح ، لكن في سائر النسخ : معصوم.

۱۹۷

وذلك هو المطلوب.

الحجة الرابعة :

قوله تعالى : (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) [سورة النساء (٤) الآية (٥٩)].

وجه الاستدلال : أنه ـ تعالى ـ أمر المكلفين بطاعة أولي الأمر ، كما أمرهم بطاعته ، وبطاعة رسوله.

وإذا كانت طاعته تعالى (١٠٣) وطاعة رسوله واجبة ، وجب أن تكون طاعة أولي الأمر كذلك ، لأن حكم المعطوف حكم المعطوف عليه (١٠٤).

وإذا ثبت ذلك ، فنقول : لا يخلو :

إما أن يكون معينا ،

أو غير معين ، ويتم هذا الدليل كما مر قبل.

الحجة الخامسة :

قوله تعالى : (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) [سورة المائدة (٥) الآية (٥٥)].

وجه الاستدلال : أن «الولي» هو الأولى (١٠٥) بالتدبير ، والأحرى بالتصرف (في الدين) (١٠٦).

وإذا كان المراد ـ في هذه الآية ـ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب

__________________

(١٠٣) في (أ) هنا زيادة : «واجبة».

(١٠٤) في (ب) : لأن حكم المعطوف والمعطوف عليه واحد.

(١٠٥) في (د) : يفيد ، وفي (ب) : هو يفيد أولى بالتدبير.

(١٠٦) ما بين القوسين في (أ) فقط.

۱۹۸

عليه‌السلام ، يجب أن يكون هو أولى المؤمنين (١٠٧) بالتدبير ، والأحرى بالتصرف.

وذلك يدل على إمامته.

بيان الصغرى : تقليلا للاشتراك ، كما هو مذكور في «المنهج».

وبيان الكبرى : إجماع الطائفة المحقة ، مع فرق من الطوائف المختلفة.

وإذا ثبتت المقدمتان ، ثبت أنه إمام ، متصرف في الدين ، وهذا هو المطلوب.

الفصل الثاني

في (١٠٨) صفات الإمام

يجب أن يكون الإمام معصوما من جميع القبائح ، كما مر في النبي عليه‌السلام ، قبل الإمامة وبعدها.

لأن العلة في وجوب عصمة النبي والإمام ، واحدة ، كما مر ، وإذا كانت عصمة النبي عليه‌السلام واجبة ، فيجب أن تكون عصمة الإمام كذلك.

وأيضا : إن الله ـ تعالى ـ أمرنا بتعظيمه وطاعته ، فوق (١٠٩) تعظيم كل واحد من الأمة ، فوجب أن لا يكون خبيثا في عقيدته ، إذ لو لم يكن كذلك ،

__________________

(١٠٧) في (أ) : أولى بالمؤمنين ، وكلمة «المؤمنين» ليست في (ج).

(١٠٨) زيدت هنا كلمة : «إثبات» في (ج ، د) فقط.

(١٠٩) في (أ) : فوقف.

۱۹۹

لكان مستحقا (١١٠) (لأن تتبرأ منه الرعية) (١١١) ، وذلك باطل.

ويجب أن يكون أكثر ثوابا ـ عند الله تعالى ـ من كل واحد من رعيته : لأن تعظيمه فوق تعظيم كل واحد (١١٢) منهم ، فيجب أن يكون أفضل من جميع رعيته فيما هو إمامهم فيه ، لقبح تقديم المفضول على الفاضل.

ويجب أن يكون أعلم منهم فيما هو إمامهم فيه ، لما مر.

ويجب أن يكون أشجع منهم ، وأقواهم قوة ورأيا ، لقبح تقديم الأضعف على الأقوى ، مع أنهم متعبدون بالجهاد.

ويجب أن لا يكون ناقص الخلقة ، مشنوء (١١٣) الصورة على حد يوجب النفرة عن متابعته.

ويجب أن لا يكون محترفا بحرفة (١١٤) توجب النفرة عن متابعته.

الفصل الثالث

(في تعيين الإمام

الإمام الحق بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ بلا فصل ـ هو) (١١٥) أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه‌السلام.

__________________

(١١٠) في (د) : يستحق.

(١١١) ما بين القوسين مشوه في (أ) ، والذي تمكنت من قراءته فيها هو : «للذم ، لا لأن تعظمه الرعية».

(١١٢) في (ب) : كل أحد واحد منهم.

(١١٣) في (ب) الكلمة مهملة النقاط ، ولعل الصواب : «مشوه».

(١١٤) في (ب) : محارفا لحرفة ، وفي (أ ، ج) : متحرفا بحرف.

(١١٥) جاء في (أ) بدل ما بين القوسين ، هكذا : «في تعيين إمام الحق بعد النبي صلى الله عليه وآله بلا فصل ، وهو».

۲۰۰

لأنا قد دللنا على أن وجوب العصمة شرط في صحة الإمامة ، وكل من قال : «إن الإمام يجب أن يكون معصوما» قال : إن الإمام بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بلا فصل هو أمير المؤمنين عليه‌السلام.

ثم الحسن ، ثم الحسين ، ثم علي بن الحسين ، ثم محمد بن علي الباقر ، ثم جعفر بن محمد الصادق ، ثم موسى بن جعفر الكاظم ، ثم علي ابن موسى الرضا (١١٦) ، ثم محمد بن علي التقي ، ثم علي بن محمد النقي ، ثم الحسن بن علي العسكري ، ثم الحجة القائم ، الخلف الصالح ، محمد ابن الحسن ، صاحب الزمان.

صلوات الله عليهم أجمعين.

والآن (١١٧) إمامنا وولينا الذي أوجب الله علينا طاعته ، هو الخلف الصالح الذي ينتظر ظهوره وخروجه.

اللهم ارزقنا أن نكون من المستشهدين بين يديه ، والذابين عنه ، آمين رب العالمين.

الفصل الرابع

(في غيبته عليه‌السلام) (١١٨)

سبب غيبة الإمام لا يجوز (أن يكون) (١١٩) من قبل الله ـ تعالى ـ ، لأنه ـ تعالى ـ لا يخل بالواجب.

__________________

(١١٦) أضاف في (أ ، ب ، د ، ه) : المدفون بخراسان.

(١١٧) في (أ) : لأن ، وفي (ج) : وهو أن ، وفي (د ، ه) : وهو الآن.

(١١٨) ما بين القوسين ليس في (ب ، ه).

(١١٩) ما بين القوسين ليس في (ب ، ه).

۲۰۱

ولا يجوز أن يكون من الإمام ، لأنه معصوم ، فلا يترك ما كان واجبا عليه.

فلم يبق إلا أن يكون من خوف الأعداء ، ومن فقدان (١٢٠) الناصر ، فإذا زال الأول ، أو حصل الثاني ، يظهر ، ويملؤ (١٢١) الأرض قسطا وعدلا كما قد ملئت جورا وظلما.

إن شاء الله تعالى.

__________________

(١٢٠) في (أ ، ج) : فقد.

(١٢١) كذا في (ج) وفي (أ) : ظهر ويملؤ ، وفي (ب) : ظهر وبظهوره يملؤ.

۲۰۲

الباب الخامس

في الوعد والوعيد

* مسألة : المكلف (١٢٢) إذا خرج من دار الدنيا ، فلا يخلو :

إما أن يكون كافرا ،

أو لا يكون :

والأول : يبقى مخلدا في النار.

والثاني :

إما أن يكون عاصيا ،

أو لا يكون :

والثاني : يبقى مخلدا (١٢٣) في الجنة.

والأول :

إما أن يتوب قبل أن يموت ، أو لا يتوب :

والأول : يعفو الله ـ تعالى ـ عنه (١٢٤) بفضله وكرمه.

والثاني : اختلفت الأمة (١٢٥) في حاله :

فعند أهل الوعيد ، يبقى (١٢٦) مخلدا في النار.

__________________

(١٢٢) كلمة «المكلف» ليست في (أ).

(١٢٣) كلمة «مخلدا» في (أ) فقط.

(١٢٤) كلمة «عنه» من (أ) ، وفيها : «بمنه» بدل «بفضله».

(١٢٥) في (أ) : «الإمامية» بدل «الأمة».

(١٢٦) في (أ ، ب) : «يكون» بدل «يبقى».

۲۰۳

وعند الخوارج يبقى (١٢٧) في الجنة.

وعند أهل التفضيل (١٢٨) : يعذب بقدر ما صدر عنه من المعاصي ، إن لم يعف الله ـ تعالى ـ عنه ، أو لم يشفع فيه (١٢٩) شفيع ، ثم يدخل الجنة ويبقى مخلدا فيها.

وهو الحق.

والدليل عليه : أن ذلك الفاسق صار مستحقا للعقاب بفسقه ، ولكنه مع ذلك يكون مستحقا للثواب بإيمانه وسائر طاعته (١٣٠) ، ولا يزيل فسقه ما كان ثابتا له من استحقاق الثواب.

وإذا كان كذلك ، (وجب أن لا يكون عقابه دائما ، لأنه : لو أزاله ، فإزالته) (١٣١) :

إما على طريق الموازنة ،

أو على طريق الاحباط :

والأول : باطل ، لأنه :

إما أن يؤثرا معا ،

أو على التعاقب :

والأول : باطل ، لأن المؤثر في عدم كل واحد منهما وجود الآخر ، والعلة يجب حصولها مع المعلول ، فيلزم أن يكونا موجودين حال كونهما

__________________

(١٢٧) كلمة «يبقى» من (ج) فقط.

(١٢٨) كذا في النسخ ، وفي (د ، ه) : التفضل ، وفي (أ) : التفصيل ، بالصاد المهملة.

(١٢٩) في (ب) : أو يشفع له شفيع ثم دخل ، وفي (ه) : يشفعه.

(١٣٠) في (د ، ه) : طاعاته.

(١٣١) ما بين القوسين ساقط من (د) ، وفي (ب) : «لأنه لو أزال فإن زالت» ، وفي (أ) : «لأنه لو أزالته فإزالته» والصواب ما أثبتناه.

۲۰۴

معدومين ، وذلك محال.

والثاني ـ أيضا ـ محال ، لأن المعدوم لا يؤثر.

وأما الثاني ـ هو طريق الاحباط ـ وهو أيضا باطل ، لأنه يلزم أن لا ينتفع المؤمن بإيمانه وسائر طاعته ، ولا يندفع عنه بذلك الإيمان ضرر (١٣٢) ، وذلك ظلم.

فلم يبق إلا أن يكون استحقاق الثواب باقيا ، مع استحقاق العقاب.

فإذا خرج من الدنيا مع هذين الاستحقاقين ، فلا يخلو :

إما أن يدخل الجنة ، ثم يخرج منها ويدخل النار؟! وذلك خلاف الاجماع.

أو يدخل النار ، ثم يخرج منها ، فيدخل الجنة ، وهو الحق.

__________________

(١٣٢) في (أ) : ضرورة.

۲۰۵

الباب السادس

في الآلام والأعواض

إذا رأينا أن بعض الحيوانات يتألمون بالأمراض والأوجاع التي لا يمكن إسنادها (١٣٣) إلا إليه ـ تعالى ـ وجب أن تكون من فعله ـ تعالى ـ.

وإذا ثبت أنه ـ تعالى ـ لا يفعل القبيح ، وجب أن تكون هذه الآلام حسنة.

وإذا كانت حسنة كذلك فلا بد لها من وجه حسن ، وذلك لا يجوز إلا أن يكون لطفا لغيرهم ، مع أعواض مستوفاة لهم ، (أو لهم ، من غير عوض لهم (١٣٤).

* مسألة :

كل ألم صدر عنه ـ تعالى ـ ولا يكون المتألم مستحقا له ، وجب عليه ـ تعالى ـ أن يعوضه بأعواض مستوفاة : من نفع أو دفع ضرر ، حتى يخرج عن كونه ظلما (١٣٥) ، وأن يكون لطفا لآخر (١٣٦) ، حتى يخرج عن كونه عبثا.

* مسألة :

كل ألم صدر عن غيره ظلما ، وجب عليه ـ تعالى ـ أن ينتصف

__________________

(١٣٣) في (أ) : استنادها.

(١٣٤) ما بين القوسين ليس في (ب) وفي (أ) : أو من غير عوض لهم ، وهو لطف لهم.

(١٣٥) في (ج) : عن كونه تعالى ظالما.

(١٣٦) في (أ) : وإن يكن لطفا للآخر.

۲۰۶

للمظلوم من الظالم ، إن كان له ذلك العوض ، وإن لم يكن له عوض (١٣٧) ، وجب عليه أن يتفضل عليه بمثله ، وينقل (١٣٨) عنه إلى المظلوم ، ليتمكن الله ـ تعالى ـ من الانتصاف (١٣٩) الذي هو واجب عليه.

__________________

(١٣٧) في (ج) : «شئ» بدل «عوض».

(١٣٨) كذا في (ب ، ه) وفي النسخ : وينتقل.

(١٣٩) في (أ) : الإنصاف.

۲۰۷

الباب السابع

في الآجال والأرزاق والأسعار

وفيه فصول :

فصل في أجل الحيوان

أجل الحيوان (١٤٠) هو الوقت الذي بطلت (١٤١) حياته فيه ، من غير تأثير للوقت ولا للعلم (١٤٢) في بطلانها.

وإذا بطلت حياة أحد ، فلا يخلو بطلانها :

إما أن يكون من جهة الله تعالى ، أو من جهة غيره :

فإن كانت من جهة الله ـ تعالى ـ فلا بد أن يكون فيه وجه حكمة ، وإلا ، لزم الترجيح من غير المرجح ، وهو محال.

وإذا بطلت من جهة غيره ، فحكمه حكم سائر الآلام.

ثم اختلفت الأمة فيه :

فقال بعضهم : يجب (١٤٣) أن يعيش إن لم يقتل.

وقال بعضهم : يموت.

وقال بعضهم : يمكن أن يعيش ، ويمكن أن يموت.

__________________

(١٤٠) من أول الباب إلى هنا مختلف في النسخ ، وقد لفقنا المثبت من جميعها.

(١٤١) في (ب) : «تبطل» بدل «بطلت».

(١٤٢) كذا في (ب) والكلمة مشوشة في (أ) ولعلها : للظلم.

(١٤٣) في (أ) : «يمكن» بدل «يجب» وهو غير صحيح ، لأنه ينافي الفرض الثالث ، فلا حظ.

۲۰۸

وهو الحق ، لأن بقاء حياته من الممكنات ، والله ـ تعالى ـ قادر على كل الممكنات ، فوجب أن يكون قادرا على بقائها (١٤٤).

فصل في الأرزاق

الرزق : تمكين الحيوان من الشئ الذي يجوز له أن ينتفع به ، ولم يكن لأحد منعه عنه.

وعلى هذا ، فلا يكون له ـ تعالى ـ رزق ، لاستحالة الانتفاع عليه.

ويكون للحيوانات رزق ، لحصول الانتفاع لهم ، ونفي المنع عنه فيما كان ملكا لهم.

ولم يكن الحرام رزقا ، لوجوب المنع عنه.

أما قول من قال : «الحرام رزق ، لأن الرزق هو ما (ينتفع به الحيوان ويبتلعه (١٤٥)».

وقول من قال : «الحرام رزق ، لأن والرزق ما) (١٤٦) أكله الحيوان».

باطل ، لقوله تعالى : (أنفقوا مما رزقناكم) [سورة البقرة (٢) الآية (٢٥٤)].

ولقوله : (ومما رزقناهم ينفقون) [سورة البقرة (٢) الآية (٣) وسورة الأنفال (٨) الآية (٣) وسورة الحج (٢٢) الآية (٣٥) وسورة القصص (٢٨) الآية (٥٤) وسورة السجدة (٣٢) الآية (١٦) وسورة الشورى (٤٢) الآية

__________________

(١٤٤) في (أ) : فيجب ، وفي (ب) : على بقائه.

(١٤٥) كلمة «ويبتلعه» جاءت في هامش (ج) عن نسخة.

(١٤٦) ما بين القوسين لم يرد في (أ).

۲۰۹

(٣٨)] (١٤٧).

ولا يمكن إنفاق ما أكله الحيوان وابتلعه.

ولأن الله ـ تعالى ـ مدح على إنفاق الرزق ، فلو كان الحرام رزقا ، لكان الله ـ تعالى ـ مادحا على المعصية ، وآمرا بها (١٤٨) ، وهو عليه ـ تعالى ـ محال.

فصل في الأسعار

اعلم أنه إذا كان سبب الرخص من الله تعالى ـ كإكثار الأشياء المنتفع (١٤٩) بها ، وتقليل المشتهين (١٥٠) أو الشهوات ، فالرخص من الله تعالى.

وإذا كان سبب الغلاء منه ـ تعالى ـ كتقليل الأشياء ، وتكثير المشتهين (١٥١) أو الشهوات ، فذلك الغلاء منه ـ تعالى ـ.

وإذا كان سببهما من الناس ، كابتياع المتاع ، أو إجبار صاحب المتاع على البيع ، وإزالة إخافة الطريق ، كان الرخص منهم.

وإن كان بالعكس من ذلك ، كان الغلاء منهم.

__________________

(١٤٧) هذه الآية لم ترد في (أ) وفي (ج ، د ، ه) تقديم وتأخير بين الآيتين.

(١٤٨) في (ب) : وأمر بها.

(١٤٩) في (ج) : الممتع ، وفي (د) : المتمتع.

(١٥٠) كذا في (أ) وفي هامش (ب) عن نسخة ، لكن في متن (ب) : المشترين.

(١٥١) كذا في (أ) وفي هامش (ب) عن نسخة ، لكن في متن (ب) : المشترين.

۲۱۰

الباب الثامن

في أحوال المكلفين بعد الموت

وفيه فصول :

الفصل الأول

[في سؤال القبر]

الدليل على سؤال القبر (١٥٢) : إجماع الأمة ، ولا يؤثر في ذلك خلاف من خالف إجماع الأمة فيه.

ولا يمتنع ـ أيضا ـ أن يكون في ذلك مصلحة أو لطف (لمن يسمع هذا الخبر) (١٥٣) (ويمكن إثباته بالسمع) (١٥٤).

الفصل الثاني

في الإعادة

حشر الأجساد ممكن ، والله ـ تعالى ـ قادر على الممكنات ، وعالم

__________________

(١٥٢) في (ب) بدل العنوان ، من أول الباب إلى هنا : فصل في أحوال المكلفين بعد الموت ، وفيه فصول ، والدليل على سؤال القبر ...

وفي (أ) : الباب الثامن ، وفيه فصول ، فصل في أحوال المكلفين بعد الموت ، فصل الدليل على سؤال القبر ... إلى آخره.

وقد لفقنا من النسخ ما أثبتناه ، والترقيم للفصول من نسختي (ج ، د) فقط.

(١٥٣) ليس ما بين القوسين في (ب) وكلمة «هذا» من (د ، ه).

(١٥٤) ما بين القوسين ليس في (أ ، د).

۲۱۱

بجميع المعلومات.

ثم إن الأنبياء ـ الذين عرفنا صدقهم ـ أخبرونا عن ذلك ، وكل ما أخبر عنه الصادق ـ وكان ذلك الشئ (الذي أخبر عنه) (١٥٥) ممكن الوقوع ـ كان وقوعه حقا ، وإلا لزم كذب الأنبياء ، وهو محال.

فوجب أن يكون حشر الأجساد حقا.

الفصل الثالث

في الشفاعة

اتفقت الأمة على أن لنبينا شفاعة مقبولة ، لكنهم اختلفوا في كيفية شفاعته :

فقال بعضهم : هي للمؤمنين خاصة ، لزيادة درجتهم.

وقال بعضهم : بل ، لإسقاط العقاب (١٥٦) عن أهل الكبائر ، وإخراجهم من النار.

وهو الحق ، والدليل عليه : هو أن لفظة «الشفاعة» (١٥٧) :

إما أن يكون حقيقة (في زيادة الدرجة.

أو في إسقاط العقاب (١٥٨) ،

أو فيهما :

__________________

(١٥٥) ما بين القوسين ليس في (د).

(١٥٦) في هامش (ب) : العذاب ، عن نسخة.

(١٥٧) في (أ) : «الشفيع» بدل «الشفاعة».

(١٥٨) في هامش (ب) : العذاب ، عن نسخة.

۲۱۲

فإن كان حقيقة) (١٥٩) في الأول ، لزم أن يكون مجازا في الثاني.

والظاهر الشائع بخلافه.

وأيضا : يلزم أن يكون إذا قلنا : «وارفع درجته» (١٦٠) أن نكون نحن شافعين له.

وإذا بطل هذا ، ثبت أن الشفاعة لا تكون إلا في إسقاط العقاب عنهم ، وإخراجهم من النار.

الفصل الرابع

(في عدم التكليف) (١٦١) [في الآخرة]

وأهل الآخرة ليسوا بمكلفين :

(والدليل عليه ، هو : أنه يجب على الله ـ تعالى ـ أن يثيب المكلفين) (١٦٢) ثوابا خالصا من المشقة ، فلو كانوا مكلفين لم يكن خالصا من المشقة ، وذلك محال.

فثبت أنهم غير مكلفين ، بل منعمين ، مكرمين.

[والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين] (١٦٣).

__________________

(١٥٩) ما بين القوسين ساقط من (ج).

(١٦٠) في (أ) : «ارفع درجة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله».

(١٦١) ما بين القوسين من (ه) فقط.

(١٦٢) ما بين القوسين ساقط من (ج).

(١٦٣) ما بين المعقوفين من (أ) ، واختلفت النسخ في ما ختمت به ، وقد أثبتنا خواتيمها في المقدمة ، فلاحظ.

۲۱۳

فوائد قيمة

موجودة مع النسخ

توجد مع بعض النسخ التي رأيناها فوائد قيمة حاولنا إيرادها حفاظا عليها.

وهي مبثوثة في هوامش النسخ بشكل مستقل ، أو بشكل التعليق على ما ذكره المصنف.

وأكثرها موجود على هامش نسخة «د» المرقمة ٥١٤ في المكتبة المرعشية ، وهي الفوائد ١ ـ ٣٧.

وقد تكرر بعض هذه الفوائد في النسختين ٤٥٤ و ٢٢٤٧ ، الموجودتين في نفس المكتبة ، سوى ما يلي :

فالفائدتان ٣٨ ـ ٣٩ مذكورتان في نسخة ٢٢٤٧ فقط.

والفوائد ٤٠ ـ ٤٥ مذكورة في نسخة ٤٥٤ فقط.

وقد مني ما جاء في هاتين النسختين ـ متنا وهامشا ـ بالتحريف والتشويش والغلط ، فحاولنا إثبات ما فيهما بصورة صحيحة من دون إشارة.

__________________

وانتهينا من مقابلة النسخ وضبط هذه النسخة القيمة في فترات آخرها أول شوال سنة ١٤١٤ ، في منزلنا بمدينة قم المقدسة حماها الله.

ونشكر الله على فضله وإحسانه ، والصلاة والسلام على محمد وآله ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

وكتب العبد

السيد محمد رضا الحسيني

الجلالي

۲۱۴

جاء في نسخة (ب) بعد الانتهاء من الكتاب في صفحة مستقلة وبخط النسخة ما نصه :

نقلت من (التعليق في الأصول) تصنيف الشيخ الإمام قطب الدين ، أبي جعفر ، محمد بن علي بن الحسين ، النيسابوري ، رضي‌الله‌عنه وأرضاه :

بخط الشيخ العلامة السعيد قطب الدين أبي الحسين الراوندي ، رفع الله درجاته في الجنان :

فإن قيل : أليس قد روي : أن القرآن كان أكثر من ذلك ، وقد كتم ما زاد على المعروف المتداول ، إلى حد لم يعلم له أثر؟!

ومن جوز ذلك ، فليس له أن يستبعد كتمان المعارضة؟

قلنا : هذا يلزم من جوز تغيير القرآن وتبديله من جهة البشر ، وذهب إلى أن الرسول ترك القرآن مشمرا مبددا ، ثم جمعه بعض الصحابة من غير معرفة بجميعه ، فحذف ، ونقص ، وجمع ما وقع في يده ، ولم يفكر في ما غاب عنه!

وهذا قول من لا معرفة له بالقرآن ، ولا بمن أنزله!

وأما نحن معشر الإمامية : فنذهب ـ بحمد الله ـ إلى أن جميع القرآن هو الذي بيننا الآن ، وهو المبلغ المنزل ، بلا زيادة ، ولا نقصان.

وكان مجموعا على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقد ختم عليه جماعة من الصحابة ختمات كثيرة.

وكان صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يعرض على الأمين في كل سنة مرة المبلغ المنزل ، وفي السنة التي قبض فيها عرض عليه من أوله إلى آخره مرتين.

۲۱۵

وقد ضمن الله كتابه من التغيير ، والتبديل ، والتصرف بالزيادة والنقصان ، والتقديم ، والتأخير ، بقوله عز من قائل :

(إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) [سورة الحجر (١٥) الآية (٩)].

وبقوله تعالى : (إن علينا جمعه وقرآنه) [سورة القيامة (٧٥) الآية (١٧)]. انتهى (١).

__________________

(١) أوردنا صورة هذه الصفحة من المخطوطة المشتملة على هذه الفائدة الجليلة في النماذج المصورة لمخطوطات الكتاب ، ص ١٥٩.

ووجود هذا النص الصريح الواضح ، والقاطع في حكمه بصيانة القرآن الكريم من أية شائبة نقص أو تحريف أو زيادة.

مع توغل هذا النص في القدم ، وعلى لسان واحد ـ آخر ـ من أئمة العلم والمعرفة ، من الشيعة الإمامية الكرام.

يدل على أن تهمة القول بالتحريف ، ليس إلا افتياتا وكذبا حاول النواصب ترويجها ونسبتها إلى شيعة محمد وآل محمد الأطهار ، القائلين بعصمتهم والمتبعين آثارهم.

فالمقصرون بحق القرآن هم أولئك المقصرون في تكريم الرسول والنافون عنه العصمة الربانية ، وهم الذين أحرقوا القرآن ، ولا يزالون يعتدون عليه وعلى أهله بالافتيات والتكذيب.

وأما الشيعة الكرام ، فهم ـ تبعا لأئمة أهل البيت المطهرين عليهم‌السلام ـ يحتفون بهذا القرآن الذي بين المسلمين ، متداول مشهور ، مقروء منشور ، يقدسونه ، ويستدلون به ، ويحفظونه ، ويذبون عنه ، ويعتقدون بأنه هو الوحي الإلهي المنزل على قلب الرسول الطاهر صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

وأنه هو كتاب الله الذي خلفه الرسول ـ هو والعترة ـ خليفتين له ، لا يفترقان حتى يردا عليه الحوض ، ولن تضل الأمة ما تمسكت بهما كما في أحاديث الثقلين المتواترة بين المسلمين.

والحمد لله رب العالمين.

۲۱۶

الفوائد المسجلة على هامش نسخة «د» : المرقمة ٥١٤ في المكتبة المرعشية.

١ ـ الشكر : ثلاثة أقسام : قلبي ، وقولي ، وجوارحي ، فالصلاة ـ وهي شكر للمنعم ـ : فالنية : قلبية ، والقراءة : قولية ، والركوع والسجود : جوارحية.

٢ ـ الكلام : هو العلم بذات الله وصفاته وأفعاله ، على وجه يوافق العقل والنقل.

٣ ـ الكلام : علم في وحدانية الله تعالى ، ويدخل في ذلك العلم بصفاته الثبوتية والسلبية.

٤ ـ التوحيد : هو العلم بأن الله تعالى لا يشارك في غيره لا بذات ولا صفات.

٥ ـ الفرق بين التوحيد والعدل : أن التوحيد سابق ، والعدل مسبوق ، والتوحيد أزلي ، والعدل لا يزالي.

٦ ـ المعرفة : هي العلم الحاصل عن الفكر.

٧ ـ المراد بالنظر : الفكر ، والفكر ترتيب أمور معلومة يتأدى [بها] إلى مجهول.

٨ ـ قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «النعمة وحشية قيدوها بالشكر».

٩ ـ النظر على ضربين : نظر عين ، ونظر قلب.

والله ـ تعالى ـ يعرف بنظر القلب ، لا بنظر العين ، إذ لو عرف بنظر العين لزم أن لا يكون إلا في مكان المعرفة ...

١٠ ـ العرفان أخص من العلم ، لأن كل معرفة يسبقها جهل ، ولا يلزم سبق الجهل في كل علم ، ألا ترى إلى علم الله تعالى لا يسبقه الجهل ،

۲۱۷

وكذلك يقال : عرفت الله ، ولا يقال : علمت الله ـ تعالى ـ.

١١ ـ البديهية : ما يعلم بالضرورة بلا استدلال ، كالحكم بأن الكل أعظم من الجزء.

١٢ ـ معرفة الله تعالى ليست وجدانية.

الوجدانية ما يدرك بالحس الباطن ، كالحكم بأن لنا غضبا وخوفا وجوعا ، وغير ذلك.

١٣ ـ ولا حسية. أي لا في الظاهرة ولا في الباطنة.

وقيل : الحسية : ما يدرك بالحس الظاهر ، كالحكم بأن الشمس مضيئة ، والنار محرقة.

١٤ ـ معرفة الله ليست خبرية.

لأن خبر الواحد لا يفيد العلم ، والخبر المتواتر شرطه الانتهاء إلى المخبرين ، فإن أهل الأرض لو أخبروا بوجود الصانع ، لما أفاد إخبارهم العلم ، ولا طريق إلى معرفة الله ـ تعالى ـ بهذه الأمور ، فلم يبق إلا النظر والاستدلال.

١٥ ـ الفرق بين المحدث ، والمؤثر : أن المؤثر يقع على الموجب وعلى المختار ، والمحدث لا يقع إلا على المختار ، فالمؤثر عام ، والمحدث خاص.

١٦ ـ إن قيل : ما الفرق بين المحدث والممكن؟

قلنا : الممكن عام ، والمحدث خاص ، لأن الممكن يقع على الموجود والمعدوم والمحدث لا يقع إلا على الموجود ، لأن المحدث هو الموجود الذي لم يكن ثم كان [كتبت هذه الفائدة مرتين في (ص ٣) من النسخة].

١٧ ـ الصفات على ضربين : ثبوتية ، وسلبية.

۲۱۸

فالثبوتية على ثلاثة أضرب : أحكام ، وأوصاف ، وأفعال : فالأحكام ، كواجب الوجودي ، والقديمي.

والأوصاف ، كالقادرية ، والقائمية.

والأفعال ، كالخالقية ، والرازقية.

وأما السلبية : على ثلاثة أضرب : أحكام ، وأوصاف ، وأفعال.

فالأحكام ، كجائز الوجودي ، والمحدثي.

والأوصاف ، كالمتحركية ، والساكنية.

والأفعال ، كالظلم ، والكذب ، والغضب ، والمفسدة ، وتكليف ما لا يطاق.

١٨ ـ ما الفرق بين علم الله تعالى وقدرته؟

قلنا : إن علم الله تعالى يتعلق بالواجب والممكن ، والمستحيل ، والقدرة لا تتعلق إلا بالممكن.

والعلم عام ، والقدرة خاصة.

١٩ ـ الألم : إدراك الشئ في محل الحياة ، مخالفا للطبع.

٢٠ ـ الفرق بين الحلول والاتحاد : إذا نزل ذات الباري بالجسم يقال : الاتحاد ، وإذا نزل صفات الباري ، يقال : الحلول ، [وكلاهما] محال.

٢١ ـ الفرق بين العدل والإحسان : أن كل عدل إحسان، وليس كل إحسان عدلا.

٢٢ ـ الداعي : العلم بصلاح الشئ ، والصارف : العلم بفساد الشئ.

٢٣ ـ الاخلال بالواجب ، كعدم إثابة المؤمن ، وعدم الانتصاف من الظالم للمظلوم.

٢٤ ـ إذا كان الله تعالى عالما بقبح القبيح ، وعالما باستغنائه عن القبيح ، فعلمه بقبح القبيح وجود الصارف القوي ، وعلمه باستغنائه عدم

۲۱۹

الداعي ، ومع وجود الصارف وعدم الداعي يستحيل الفعل ، فوقوع القبيح منه تعالى مستحيل.

٢٥ ـ التعريض : هو تعريف الغير بما يؤدي إلى النفع ودفع الضرر مع أنه لولاه لم يتمكن من الوصول إليه ، قاصدا للوصول إليه.

والمراد بالتعريض هنا [الفصل السادس من الباب الثاني] :

جعل المكلف متمكنا من الوصول إلى الثواب الت ...

٢٦ ـ التمكين : ما يصح للمكلف عنده أن يفعل.

٢٧ ـ إزاحة العلة : هو تمكين المكلف من الفعل ، ورفع الموانع ، وتقوية الدواعي إليه ، على وجه لا يبقى له عذر في ألا يفعله.

٢٨ ـ المراد بالتكليف : ما يكون خارجا من الاختيار.

٢٩ ـ النبي : هو المخبر عن الله تعالى بغير واسطة من البشر.

٣٠ ـ اللطف : إما عام وهو يمكن أن تحصل الطاعة معه ، وأن لا تحصل ، كمعرفة الباري تعالى ، وأمر الإمام وزجره ، ووجود النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وهذا يسمى «رحمة» لقوله تعالى : (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) [سورة الأنبياء (٢١) الآية (١٠٧)].

وإما خاص : وهو ما يجب أن تحصل معه الطاعة لا محالة.

وإما أخص : وهو ما يجب أن تحصل معه الطاعة ، ولا تحصل المعصية ، لا على سبيل الاجبار ، وهو «العصمة».

٣١ ـ اللطف : ما يقرب إلى الطاعة ، ويبعد عن المعصية.

٣٢ ـ الأخبار قسمان : أحدهما : في حيز التواتر ، وهو الذي يعلم بالتواتر.

والآخر : الذي في حيز الآحاد ، وهو الذي لم يعلم بالتواتر وإن أخبر قوم.

٣٣ ـ الزمان الذي يكون ما بين نبيين يقال له : «فترة».

۲۲۰

٣٤ ـ فرقست ميان رسول وإمام :

رسول صاحب شرع بود ، وإمام حافظ شرع.

رسول سابق بود ، وإما مسبوق.

ورسول لطف باشد وتمكين ، وإمام لطف باشد ، وتمكين نباشد.

ودر يكي زمانه بيغمبران بسار روا باشد ، أما إمام بجز يكي روا نباشد در يك زمانه.

٣٥ ـ «الولي» تفيد الأولى بالتدبير : أي في أمور الدين والدنيا.

٣٦ ـ القيام بالإمامة واجب للإمام بعد النص ، فإذا لا يقوم بلا عذر يترك لما وجب عليه.

٣٧ ـ من المعتزلة من يقول : أهل الكبائر يبقى مخلدا في النار ، فيقال له : «أهل الوعيد».

وفي نسخة المجموعة رقم ٢٢٤٧ في المكتبة المرعشية :

٣٨ ـ يستحيل قيام الحوادث بذاته [تعالى] لأن صفاته صفات الكمال ، فيستحيل [خلوه] عنها ، والمقدمتان متفق عليهما ، فلو قام الحادث بذاته لزم خلو الله تعالى عن الكمال ، وهو محال.

٣٩ ـ كان لقوم موسى عليه‌السلام خمسون صلاة ، ولأمة محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خمس صلوات ، والصلاة لقوم موسى عليه‌السلام لا تجوز إلا في المسجد ، ولأمة محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الأرض كلها مسجد.

وفي نسخة المجموعة رقم ٤٥٤ في المكتبة المرعشية :

٤٠ ـ تعليق على قول المصنف : ـ في مبحث إعجاز القرآن ـ : «حيث

۲۲۱

إن لفظه البليغ ، ومعناه المبين ، ما لم يعهده واحد من العرب» ما نصه.

بمعنى أن إعجاز القرآن بسبب أنه في أعلى طبقات البلاغة فهو مرتب المعاني بحيث لم يعهد من العرب مثله.

ويمكن أن يكون هذا إشارة إلى اختلاف الأقوال في بيان إعجاز القرآن :

فقوله : «لفظه البليغ» إشارة إلى أن إعجازه بسبب البلاغة.

و «معناه المبين» إشارة إلى أنه خال عن التناقض.

و «ما لم يعهده» إشارة إلى عذابة الابتداء والانتهاء.

وإلى كونه مشتملا على الإخبار بالغيب.

ويصير معناه : أن القرآن معجز بسبب اشتماله على جميع ما ذكرنا ، أو بسبب كل واحد مما ذكر ...

الكل محتمل.

٤١ ـ اختلفت الأمة في وجوب نصب الإمام :

فالأشاعرة على أنه يجب على الناس ، سمعا.

وقول المعتزلة والزيدية : يجب عليهم ، سمعا وعقلا.

وقالت الإمامية والإسماعيلية : يجب على الله تعالى عقلا :

إلا أن الإمامية أوجبوه لحفظ قوانين الشرع.

والإسماعيلية : ليكون معرفا لله تعالى ، وصفاته ، بناء على مذهبهم [من] أنه لا بد في معرفة الله تعالى من معلم.

وقال أبو بكر الأصم : لا يجب مع الأمن ، لعدم الحاجة إلى الإمام ، وإنما يجب عند الخوف وظهور الفتن.

وقال الفوطي ومن تابعه بعكس ما قال الأصم.

٤٢ ـ قوله : «اللطف واجب عليه تعالى» : إشارة إلى رد قول من قال :

۲۲۲

«لم لا يجوز أن يكون الإمام ـ مع كونه لطفا ـ مشتملا على وجه قبح ، وحينئذ لا يجب على الله تعالى؟».

فقال : إنه لطف كسائر الألطاف ، ليس فيه وجه قبح ، لأن القبائح معلومة لنا ، وكلها منتفية عنه.

وإنما قلنا : «إنها معلومة لنا» لأنا مأمورون بتركها ، والأمر بترك الشئ فرع على علم المأمور بذلك الشئ.

٤٣ ـ وعلق على قول المصنف : «وإذا لم يكن معينا لزم الاجمال» بقوله :

أما الاجمال : فإنه لم يتعين ذلك الصادق الذي وجب علينا اتباعه.

وأما التعطيل : فلأن الاجمال ـ على ما ذكرنا ـ يستلزم تعطيل الأحكام ، أي توقف المكلفين.

٤٤ ـ وعلق على قوله : «تقليلا للاشتراك» بقوله :

تقليل الاشتراك هو أن المراد بالولي ـ هيهنا ـ هو الأولى بالتصرف ، والدليل عليه النقل من أهل اللغة ، ومنه قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل».

وإذا كان يفيد «الأولى» وجب أن يكون حقيقة فيه ، وغير حقيقة في غيره ، وإلا لزم الاشتراك ، وهو خلاف الأصل.

٤٥ ـ قوله : «وذلك يدل على إمامته».

لأن حاصل الاستدلال : كلما كان المراد في هذه الآية عليا ، كان أولى بالتدبير.

وكلما كان أولى بالتدبير ، كان إماما بالإجماع ، كما ذكره.

«وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين».

۲۲۳

المصادر والمراجع

١ ـ الاكمال في رفع الارتياب عن المؤتلف والمختلف من الأسماء والكنى والأنساب.

تأليف : الأمير الحافظ ابن ماكولا (ت ٤٧٥) عني بتصحيحه الأستاذ نايف العباس ، الناشر : محمد أمين دمج ـ بيروت.

٢ ـ أمل الآمل في علماء جبل عامل.

تأليف : الحر العاملي ، محمد بن الحسن (ت ١١٠٤).

تحقيق السيد أحمد الحسيني ، دار الكتاب الإسلامي ـ قم ١٣٦٢ ه ش.

٣ ـ الأنساب.

تأليف : السمعاني ، أبي سعيد عبد الكريم بن محمد (ت ٥٦٢) تحقيق الدكتور عبد الفتاح محمد الحلو ، الناشر : محمد أمين دمج ـ بيروت ط. أولى ١٤٠١ ه.

وطبعة مرجليوث ـ ليدن ١٩١٣ م.

٤ ـ تلخيص مجمع الآداب في معجم الألقاب.

تأليف : ابن الفوطي ، عبد الرزاق بن أحمد الشيباني الحنبلي (ت ٧٢٣) حققه الدكتور مصطفى جواد ، مطابع وزارة الثقافة والسياحة والإرشاد القومي ـ دمشق ١٩٦٧ م.

٥ ـ توضيح المشتبه في ضبط أسماء الرواة وأنسابهم وألقابهم وكناهم.

تأليف : ابن ناصر الدين ، شمس الدين محمد بن عبد الله الدمشقي (ت ٨٤٢) حققه وعلق عليه محمد نعيم العرقسوسي ، مؤسسة الرسالة ـ ط. أولى ١٤١٤ ه.

٦ ـ الثقات العيون في سادس القرون (القرن السادس من طبقات أعلام الشيعة).

تأليف : العلامة الشيخ آقا بزرك الطهراني (ت ١٣٨٩).

تحقيق ولده علي نقي منزوي ، دار الكتاب العربي ـ بيروت ١٣٩٢.

٧ ـ الحكايات في مخالفات المعتزلة.

من أمالي الشيخ المفيد (ت ٤١٣) تحقيق السيد محمد رضا الحسيني الجلالي ، طبع المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد (مصنفات الشيخ المفيد / رقم ٩) ـ قم

۲۲۴

١٤١٣ ه.

٨ ـ الذريعة إلى تصانيف الشيعة.

تأليف : العلامة الشيخ آقا بزرك الطهراني (ت ١٣٨٩) الطبعة الأولى في النجف وطهران ، أعادته مؤسسة إسماعيليان ـ قم.

٩ ـ سلاجقة إيران والعراق.

تأليف : الدكتور عبد النعيم محمد حسنين ـ مكتبة النهضة المصرية ـ الطبعة الثانية ١٣٨٠ ـ سلسلة المكتبة التاريخية رقم ٧.

١٠ ـ الضياء اللامع في المائة السابعة (القرن السابع من طبقات أعلام الشيعة).

تأليف : العلامة الشيخ آقا بزرك الطهراني (ت ١٣٨٩).

تحقيق ولده علي نقي منزوي ، دار الكتاب العربي ـ بيروت ١٩٧٢ م.

١١ ـ عوالي اللآلي العزيزية في الأحاديث الدينية.

تأليف : الشيخ المحقق المحدث محمد بن علي بن إبراهيم الأحسائي ابن أبي جمهور.

تحقيق : الحاج آقا مجتبى العراقي ـ الطبعة الأولى ـ قم ـ ١٤٠٣ ه.

١٢ ـ فهرست أسماء علماء الشيعة ومصنفيهم.

تأليف : علي بن عبيد الله أبي الحسن ابن بابويه الرازي (ق ٥).

تحقيق : السيد عبد العزيز الطباطبائي ، نشر مجمع الذخائر الإسلامية ، مطبعة الخيام ـ قم ١٤٠٤ ه.

١٣ ـ فهرست ألفبائي.

للمكتبة الرضوية المقدسة ـ مشهد.

١٤ ـ مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل.

تأليف : الحاج ميرزا حسين النوري الطبرسي (ت ١٣٢٠) منشورات مؤسسة إسماعيليان ـ قم ـ الجمهورية الإسلامية في إيران ، طبعة مصورة عن الطبعة الأولى.

١٥ ـ المشتبه في الرجال ، أسمائهم وأنسابهم.

تأليف : محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز التركماني الذهبي (ت ٧٤٨).

۲۲۵

تحقيق : علي محمد البجاوي ، دار إحياء الكتب العربية ، عيسى البابي ـ القاهرة.

١٦ ـ معجم البلدان.

تأليف : ياقوت بن عبد الله الحموي الرومي البغدادي ، دار صادر ـ دار بيروت ـ بيروت ١٣٩٩ ه.

١٧ ـ نظرات في تراث الشيخ المفيد.

تأليف : السيد محمد رضا الحسيني الجلالي ، نشر المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد (ضمن الرسالات والمقالات / رقم ٤) الطبعة الأولى ـ قم ١٤١٣ ه.

* * *

۲۲۶

من أنباء التراث

كتب ترى النور لأول مرة

* تقريرات آية الله المجدد الشيرازي ، ج ٢.

بقلم : الشيخ علي الروزدري ، المتوفى حدود سنة ١٢٩٠ ه.

كتاب نادر مهم ، إذ لم يعهد للسيد الميرزا محمد حسن الشيرازي الكبير (١٢٣٠ ـ ١٣١٢ ه) أثر بعد وفاته وإلى الآن ، والكتاب عبارة عن تقريرات درسه في علم الأصول ، كتبها تلميذه المولى الروزدري ، وهو تقرير جيد السبك ، عميق المطالب ، جزل العبارة ، سهل التناول ، فيه الكثير من الآراء الجديدة والأفكار القيمة الفريدة.

تم تحقيق الكتاب بالاعتماد على ثلاث

نسخ مخطوطة نفيسة ، كتب اثنتين منها تلميذان من تلاميذ المجدد الشيرازي قدس‌سره.

اشتمل هذا الجزء على مبحث دلالة الأمر على الوجوب وما يتعلق به من مباحث أصولية أخرى.

تحقيق ونشر : مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث ـ قم / ١٤١٣ ه.

* شرح المائة كلمة.

وهي ١٠٠ كلمة في الحكمة لأمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام ، والتي اختارها الجاحظ أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب الكناني (١٦٣ ـ ٢٥٥ ه) من كلمات أمير المؤمنين عليه

۲۲۷

السلام التي لا تحصى.

أما الشرح ، فهو تأليف أبي الثناء أحمد ابن محمد الزيلي السيواسي (٩٣٠ ـ ١٠٠٦ ه).

وقد تم تحقيق الكتاب على نسختين مخطوطتين ، أولاهما لمتن المائة كلمة فقط ، والثانية للشرح.

تحقيق : رياض مصطفى العبد الله.

نشر : دار المختارات العربية ـ بيروت / ١٤١٤ ه.

* مرآة الكتب ، ج ١.

تأليف : الشيخ علي بن موسى بن محمد شفيع ، المشتهر بثقة الإسلام التبريزي (١٢٧٧ ـ ١٣٣٠ ه).

كتاب مهم في فهرسة الكتب الشيعية ، مرتب على مقصدين ، وكل منهما مرتب وفق الحروف الهجائية.

اشتمل المقصد الأول على تراجم علماء الإمامية الذين عاشوا بعد عصر شيخ الطائفة الطوسي ـ المتوفى سنة ٤٦٠ ه ـ إلى عصر المؤلف ، وقد ذكر مؤلفات هؤلاء في المقصد الثاني من كتابه.

ولم يذكر من ليس له مؤلف وإن كان مذكورا في كتب الرجال إلا نادرا ، كما قدم المؤلف لكتابه مقدمة ذكر فيها مطالب

هامة.

تم تحقيق الكتاب على نسخة فريدة بخط المؤلف ـ رحمه‌الله ـ ناقصة الأول ، محفوظة في مكتبة آية الله المرعشي العاملة ـ قم.

اشتمل هذا الجزء على ذكر أسماء المؤلفين ابتداء من حرف الهمزة ولغاية قسم من حرف الحاء.

تحقيق : الشيخ محمد علي الحائري.

نشر : مكتبة آية الله المرعشي العامة ـ قم / ١٤١٤ ه.

كتب صدرت محققة

* تفسير غريب القرآن.

المنسوب إلى : الإمام الشهيد زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم‌السلام ، المستشهد سنة ١٢١ ه.

كتاب يتولى تفسير وشرح وبيان الكلمات الغريبة الغامضة المعنى الواردة في القرآن الكريم ، أو التي نزلت بلغات غير لغة قريش ، مع ذكر اللغة التي تنسب إليها الكلمة ، وكثيرا ما يذكر الأقوال المتعددة في تفسير الكلمة الواحدة ، كما حوى كثيرا من علم التفسير والقراءات.

كان الكتاب قد طبع لأول مرة في

۲۲۸

بيروت ، وصدر عن الدار العالمية سنة ١٤١٢ ه ، بتحقيق الدكتور حسن محمد تقي الحكيم ـ رحمه‌الله ـ معتمدا في عمله على ثلاث نسخ مخطوطة للكتاب.

وقد اعتمد المحقق ـ في طبعة الكتاب الجديدة هذه ـ في عمله على نسخة مخطوطة واحدة ، ذكرت مواصفاتها في مقدمة التحقيق.

كما ألحق المحقق بكتابه هذا كتابين آخرين لزيد الشهيد عليه‌السلام ، بعد مراجعتهما والتعليق عليهما ، هما :

١ ـ الصفوة ، في اصطفاء أهل البيت عليهم‌السلام ، وهو كتاب مختصر يعرض آراء زيد الشهيد عليه‌السلام في مسألة الإمامة وأحقية أهل البيت عليهم‌السلام بها وبخلافة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وسلم.

وقد صدر سابقا عن دار الأضواء في بيروت سنة ١٤٠٩ ه ، بتحقيق ناجي حسن ، معتمدا على نسخة مخطوطة محفوظة في مكتبة المتحف البريطاني.

٢ ـ القلة والكثرة ، وهي مقتطفات من رسالة في مدح الأقل وذم الأكثر ، كان قد أورد بعضها السيد ابن طاووس ـ رحمه الله ـ في كتابه «سعد السعود» وهي في

إثبات إمامة أهل البيت عليهم‌السلام وإن قل القائل بها ، وإبطال إمامة غيرهم وإن كثر مدعوها.

تحقيق : السيد محمد جواد الحسيني الجلالي.

نشر : مكتب الإعلام الإسلامي ـ قم / ١٤١٤ ه.

* أخبار الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم‌السلام.

تأليف : الحافظ الطبراني ، أبي القاسم سليمان بن أحمد اللخمي الشامي (٢٦٠ ـ ٣٦٠ ه).

كتاب يحتوي على سيرة حياة الإمام الحسن المجتبى عليه‌السلام (٣ ـ ٥٠ ه) ويعرض فيه منزلة أهل البيت عليهم السلام ، مستل من «المعجم الكبير» للمؤلف ، كما أضاف المحقق للكتاب مجموعة من الفهارس الفنية.

تحقيق : محمد شجاع ضيف الله.

نشر : دار الأوراد ـ الكويت / ١٤١٢ ه.

* الوجيز في تفسير القرآن العزيز ، ج ١.

تأليف : الشيخ علي بن الحسين بن محيي الدين بن أبي جامع العاملي

۲۲۹

الحارثي الهمداني (١٠٧٠ ـ ١١٣٥ ه).

تفسير مهم ، امتاز بوضوح الفكرة وجزالة العبارة وقوة الأداء ، استوعب كل جوانب القراءات ، وأسباب النزول ، واللغة ، والنحو ، والبلاغة ، والأحكام الفقهية ، والمسائل الكلامية ، والتاريخ القصصي ، وقد ذكر فيه مؤلفه ـ رحمه‌الله ـ الآراء المختلفة للمفسرين ، ثم يذكر ما يذهب هو إليه بالدليل المقنع.

كان قد طبع لأول مرة بتحقيق الدكتور عبد الرزاق محيي الدين في بغداد سنة ١٣٧٣ ه طبعة ناقصة ، إذ اشتملت على أقل من نصف التفسير فقط ، أي حتى سورة النحل ، فيما اشتملت الطبعة المحقة هذه على جميع التفسير من أوله إلى آخره ، وقد اشتمل هذا الجزء على تفسير السور المباركة من (الفاتحة) لغاية (الأنفال).

وقد تم تحقيقه بالاعتماد على عدة نسخ مخطوطة ، ذكرت مواصفاتها في مقدمة التحقيق.

تحقيق : الشيخ مالك المحمودي.

نشر : دار القرآن الكريم ـ قم / ١٤١٣ ه.

* شرح البداية في علم الدراية.

تأليف : الشهيد الثاني ، الشيخ زين

الدين بن علي بن أحمد الشامي العاملي (٩١١ ـ ٩٦٥ ه).

وهذا الشرح كأصله من تأليف الشهيد الثاني قدس‌سره ، وهو من أفضل المؤلفات وأقدمها في هذا الموضوع ، اشتمل على مقدمة وأبواب أربعة ، بحث فيها : التعاريف والتقسيمات ، أقسام الحديث ، في من تقبل روايته ومن ترد ، في تحمل الحديث وطرق نقله ، وفي أسماء الرجال وطبقاتهم وما يتصل بهم.

تحقيق : السيد محمد رضا الحسيني الجلالي.

نشر : منشورات الفيروزآبادي ـ قم / ١٤١٤ ه.

* مقتل الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم‌السلام.

تأليف : الحافظ الطبراني ، أبي القاسم سليمان بن أحمد اللخمي الشامي (٢٦٠ ـ ٣٦٠ ه).

هو ما استله المحقق من كتاب المؤلف «المعجم الكبير» ليبرز قصة مقتل الإمام الحسين عليه‌السلام مما يسهل تناوله لكل أحمد ، كما أضاف مجموعة من الفهارس الفنية لمطالب الكتاب.

تحقيق : محمد شجاع ضيف الله.

۲۳۰

نشر : دار الأوراد ـ الكويت / ١٤١٢ ه.

* الصحيفة السجادية.

من إنشاء الإمام زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام (٣٨ ـ ٩٥ ه).

هي الصحيفة المباركة المشتملة على ٥٤ دعاء جامعا للمعارف والأخلاق الإسلامية السامية.

تم تحقيق هذه الصحيفة بالاعتماد على نسخة نفيسة عتيقة كتبت سنة ٤١٦ ه ، ذكرت مواصفاتها في مقدمة التحقيق ، مضافا إلى ذلك دراسة مستفيضة حول خصوصيات الصحيفة السجادية وسندها ومحتواها ونسخها وطبعاتها وشروحها.

تحقيق : كاظم الشانه جي.

نشر : مجمع البحوث الإسلامية التابع للروضة الرضوية المقدسة ـ مشهد / ١٤١٣ ه.

* سلسلة الإبريز بالسند العزيز.

تأليف : السيد أبي محمد الحسن بن علي بن أبي طالب الحسيني البلخي ، المتوفى سنة ٥٣٢ ه.

كتاب يحتوي على أربعين حديثا مسلسلا معنعنا عن آباء المؤلف عن أئمة

أهل البيت عليهم‌السلام عن الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، اشتملت هذه الأحاديث على أمهات المفاهيم الإسلامية والكلم الحكمية.

تم تحقيقه بالاعتماد على نسخة مخطوطة محفوظة في مكتبة الأمبروزيانا ، ذكرت مواصفاتها في مقدمة الكتاب.

تحقيق : السيد محمد جواد الحسيني الجلالي.

نشر : مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ـ بيروت / ١٤١٤ ه.

* أحكام الخلل في الصلاة.

تأليف : الشيخ الأعظم ، الشيخ مرتضى الأنصاري (١٢١٤ ـ ١٢٨١ ه).

كتاب يتكون من قسمين ، اشتمل الأول منهما على كتاب «خلل الصلاة» وهو شرح لكتاب «قواعد الأحكام» للعلامة الحلي الشيح جمال الدين أبي منصور الحسن بن يوسف بن المطهر الأسدي (٦٤٨ ـ ٧٢٦ ه) فيما اشتمل القسم الثاني على رسالتين في أحكام الخلل في الصلاة.

ذكرت مواصفات النسخ المخطوطة والمطبوعة على الحجر المعتمدة في التحقيق في مقدمة الكتاب.

إعداد : لجنة تحقيق تراث الشيخ

۲۳۱

الأعظم ـ قم / ١٤١٣ ه.

نشر : الأمانة العامة للمؤتمر العالمي بمناسبة الذكرى المئوية الثانية لميلاد الشيخ الأنصاري ـ قم / ١٤١٣ ه.

* شرح تبصرة المتعلمين ، ج ١.

تأليف : الحجة الشيخ الآقا ضياء الدين العراقي (١٢٧٨ ـ ١٣٦١ ه).

و «تبصرة المتعلمين» للعلامة الحلي ، الشيخ جمال الدين أبي منصور الحسن بن يوسف بن المطهر الأسدي (٦٤٨ ـ ٧٢٦ ه) من المتون الفقيهة المختصرة على نحو الفتوى ، وهو دورة كاملة من الطهارة إلى الديات ، ولسلاسة عبارته ووجازته وأهميته العلمية ، تناوله الفقهاء بالشرح والتعليق منذ عصر مؤلفه ـ قدس سره ـ وحتى هذه الأواخر.

كان الكتاب مطبوعا فيما سبق بتحقيق وتعليق الشيخ محمد هادي معرفة.

وقد تم تحقيقه مرة أخرى بالاعتماد على نسختين : إحداهما بخط المصنف قدس سره ، والثانية بخط أحد تلاميذه وعليها تصحيحات المصنف ـ قدس‌سره ـ بخطه.

اشتمل هذا الجزء على كتابي : الطهارة والصلاة.

تحقيق : الشيخ محمد الحسون.

نشر : مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين في الحوزة العلمية ـ قم / ١٤١٤ ه.

* عيون أخبار الرضا عليه‌السلام، ج ١.

تأليف : الشيخ الصدوق ، أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين ابن بابويه القمي ، المتوفى سنة ٣٨١ ه.

أهم مصدر أساسي لمعرفة أحوال وسيرة وأخبار الإمام الثامن والحجة الضامن

أبي الحسن علي بن موسى الرضا عليهما السلام (١٤٨ ـ ٢٠٣ ه) فقد احتوى هذا الكتاب على حقائق ودقائق من مسائل جمة ، ونكات مهمة ، علمية وتاريخية وفقهية وكلامية وأدبية مسندة عنه عليه السلام.

ولمنزلته العلمية هذه ، فقد شرح عدة مرات وكتبت عليه عدة تعليقات قيمة ، كما وترجم إلى اللغة الفارسية غير مرة.

كان قد طبع عدة مرات طبعات حجرية وحروفية في طهران وقم والنجف الأشرف وبيروت.

وقد تم تحقيقه بالاعتماد على عدة نسخ مخطوطة ، ذكرت مواصفاتها في مقدمة التحقيق.

۲۳۲

اشتمل هذا الجزء لغاية الباب ٥١ في صفة النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله وسلم.

تحقيق : مؤسسة الإمام الخميني (قدس سره) للتحقيقات العلمية ـ قم.

نشر : المؤتمر العالمي للإمام الرضا عليه‌السلام ـ مشهد / ١٤١٣ ه.

* تذكرة الفقهاء ، ج ١ ـ ٣.

تأليف : العلامة الحلي ، الشيخ جمال الدين أبي منصور الحسن بن يوسف ابن المطهر الأسدي (٦٤٨ ـ ٧٢٦ ه).

أهم وأكبر كتاب في الفقه الاستدلالي المقارن ، يوجد منه من أوائل كتاب الطهارة وإلى كتاب النكاح ، لخص فيه مؤلفه ـ قدس‌سره ـ فتاوى علماء المذاهب المختلفة ، وقواعد الفقهاء في استدلالاتهم ، وأشار في كل مسألة إلى الخلاف الواقع فيها ، ويذكر مختاره وفق الطريقة المثلى ، وهي طريقة الإمامية ، ويوثقه بالبرهان الواضح القوي.

خرج من الكتاب في أجزائه الثلاثة هذه كتابا : الطهارة والصلاة.

تم تحقيق الكتاب بالاعتماد على ١٥ نسخة مخطوطة ، منها ما هو مقروء على المصنف قدس‌سره ، ومنها ما عليه إجازة

مهمة ، ذكرت مواصفاتها في مقدمة التحقيق، ومن المتوقع أن يصدر في ٢٠ جزء.

تحقيق ونشر : مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث ـ قم / ١٤١٤ ه.

* كتاب الصوم.

تأليف : الشيخ الأعظم ، الشيخ مرتضى الأنصاري (١٢١٤ ـ ١٢٨١ ه).

مجلد ضم بين دفتيه ثلاثة مصنفات للمؤلف ـ قدس‌سره ـ حول الصوم وأحكامه ، هي :

١ ـ شرح «إرشاد الأذهان» : وهو شرح مزجي لقسم من كتاب الصوم من كتاب «إرشاد الأذهان» للعلامة الحلي ، المتوفى سنة ٧٢٦ ه ، يتضمن البحث عن ماهية الصوم مع الخاتمة.

٢ ـ شرح «قواعد الأحكام : وهو شرح لقسم من كتاب «قواعد الأحكام» للعلامة الحلي أيضا ، يحتوي على المطالب : الثاني والثالث والرابع منه ، في ما يوجب الافطار ، وما يجب بالإفطار ، ومباحث أخرى.

٣ ـ مسائل متفرقة : وهي ٢٤ مسألة في أحكام الصوم المختلفة ، يورد حكمها مع الاستدلال عليها.

۲۳۳

تم تحقيق هذه المصنفات على عدة نسخ مخطوطة ، بالاستعانة بما هو مطبوع حجريا أو حروفيا ، ذكرت مواصفاتها في مقدمة التحقيق.

إعداد : لجنة تحقيق تراث الشيخ الأعظم ـ قم.

نشر : الأمانة العامة للمؤتمر العالمي بمناسبة الذكرى المئوية الثانية لميلاد

الشيخ الأنصاري ـ قم / ١٤١٣ ه.

* بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار ، ج ٣٤.

تأليف : شيخ الإسلام العلامة محمد باقر بن محمد تقي المجلسي (١٠٣٧ ـ ١١١٠ ه).

تضمن هذا الجزء الأبواب ٣١ ـ ٣٦ ، المشتملة على سائر ما جرى من الفتن من غارات أصحاب معاوية على أعمال أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب عليه‌السلام ، وتثاقل أصحابه عن نصرته، وفرار بعضهم إلى معاوية ، وعلة عدم تغيير أمير المؤمنين عليه‌السلام بعض البدع ـ التي أحدثت بعد وفاة الرسول الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الدين ـ في زمانه ، ونوادر ما وقع في أيام خلافته عليه السلام وجوامع خطبه ونوادرها ، وذكر

الصحابة الذين كانوا على الحق ولم يفارقوا الإمام عليا عليه‌السلام ، وذكر بعض المخالفين والمنافقين ، وذكر ما روي عنه عليه‌السلام من الأشعار.

وهذا الجزء هو الجزء الثاني من المجلد الثامن ـ الباحث في الفتن والمحن الواقعة بعد وفاة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم ـ من موسوعة البحار المطبوعة على الحجر في ٢٥ مجلدا كبيرا.

وهو تكملة للطبعة الحروفية التي لم يطبع فيها المجلد الثامن برمته.

تحقيق: الشيخ محمد باقر المحمودي.

نشر : مؤسسة النشر التابعة لوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي ـ طهران / ١٤١٣ ه.

* رسائل فقهية.

تأليف : الشيخ الأعظم ، الشيخ مرتضى الأنصاري (١٢١٤ ـ ١٢٨١ ه).

سبع رسائل فقهية في مواضيع شتى ضمها هذا المجلد : وهي :

١ ـ العدالة ، تحقيق : الشيخ صادق الكاشاني.

٢ ـ التقية ، تحقيق : الشيخ محمد رضا الأنصاري.

٣ ـ قاعدة : لا ضرر ، تحقيق : السيد

۲۳۴

منذر الحكيم.

٤ ـ التسامح في أدلة السنن ، تحقيق : الشيخ رحمة الله الرحمتي.

٥ ـ قاعدة : من ملك ، تحقيق : الشيخ محمد الحسون.

٦ ـ القضاء عن الميت ، وتحقيق : الشيخ محمد الحسون.

٧ ـ المواسعة والمضايقة ، تحقيق : السيد محمد الكاهاني والسيد علي أصغر الموسوي القوجاني.

وقد تم تحقيق هذه الرسائل على عدة نسخ مخطوطة ومطبوعة على الحجر ، ذكرت مواصفاتها في مقدمة الكتاب.

نشر : الأمانة العامة للمؤتمر العالمي بمناسبة الذكرى المئوية الثانية لميلاد الشيخ الأنصاري ـ قم / ١٤١٤ ه.

* مرآة الكمال لمن رام درك مصالح الأعمال ، ج ١ ـ ٣.

تأليف : العلامة الشيخ عبد الله بن محمد حسن المامقاني (١٢٩٠ ـ ١٣٥١ ه).

موسوعة في الآداب والسنن الشرعية ومكارم الأخلاق الإسلامية ، رتبه مؤلفه على اثني عشر فصلا وخاتمة ، ولذا سماه

أيضا بالاثنا عشرية ، وفي كل فصل مقامات ، اشتملت الفصول هذه على آداب : الولادة ، اللباس ، المسكن ، الأكل والشرب ، النوم والانتباه منه ، الطهور والصلاة ، التنظيف والتزيين ، النكاح ، التكسب وطلب الرزق ، العشرة ومكارم الأخلاق وسيئها ، قراءة القرآن والذكر والدعاء والتوسلات ، الصحة والمرض والموت وما بعده.

طبع الكتاب لأول مرة على الحجر سنة ١٣٤٢ ه ، ثم أعيد طبع الجزء الأول منه في النجف الأشرف سنة ١٣٨٦ ه.

تحقيق وتعليق : الشيخ محيي الدين المامقاني.

صدر الكتاب في قم سنة ١٤١٣ ه.

* المختصر النافع.

أو : النافع في مختصر الشرائع.

تأليف : المحقق الحلي ، الشيخ أبي القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن ابن يحيى بن سعيد الهذلي (٦٠٢ ـ ٦٧٦ ه).

كتاب مختصر في فقه الإمامية، اختصره مصنفه ـ قدس‌سره ـ من كتابه «شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام» وقد رتبه على أربعة أقسام: العبادات، العقود ،

۲۳۵

الإيقاعات ، والأحكام.

وقد تم تحقيقه بالاعتماد على نسختين مخطوطتين، ذكرت مواصفاتهما في مقدمة التحقيق ، مضافا إلى ذلك النسخة المطبوعة في القاهرة سنة ١٣٧٦ ه.

تحقيق ونشر : قسم الدراسات الإسلامية في مؤسسة البعثة ـ قم / ١٤١٣ ه.

* نشأة التشيع والشيعة.

تأليف : السيد محمد باقر الصدر.

بحث وجيز عميق حول كيفية ولادة التشيع ومبدأ نشوء الشيعة ، تطرق فيه مؤلفه ـ رحمه‌الله ـ بالتحليل إلى كل ما يمت إلى ذلك بصلة ، كالظروف السياسية والاجتماعية والنفسية.

كتب هذا البحث في الأصل كتصدير لكتاب الدكتور عبد الله فياض الموسوم ب : «تاريخ الإمامية وأسلافهم من الشيعة» الذي صدر في بغداد سنة ١٣٩٠ ه ، ثم نشر مستقلا في القاهرة سنة ١٣٩٧ ه ، بعنوان : «التشيع ظاهرة طبيعية في إطار الدعوة الإسلامية» كما نشر ـ أيضا ـ في بيروت في العام نفسه بعنوان «بحث حول الولاية».

كما ألحق المحقق بالكتاب دراسة

علمية مختصرة حول الإعداد الفكري والتربوي لإمامة علي عليه‌السلام وخلافته.

تحقيق : الدكتور عبد الجبار حمد شرارة.

نشر : مركز الغدير للدراسات الإسلامية ـ قم / ١٤١٤ ه.

* الإجازة الكبيرة.

أو : الطريق والمحجة لثمرة المهجة.

وهي إجازة آية الله العظمى السيد شهاب الدين المرعشي النجفي (١٣١٥ ـ ١٤١١ ه) إلى ولده «محمود» في الرواية ، ذكر فيها طرقه إلى أصحاب التصانيف الأصلية ، وشيوخه المجيزين ، ورتبها حسب الحروف الهجائية ، وترجم لهم ، وقسم إجازته هذه إلى عشرة فصول ، هي :

تراجم الشيوخ الشيعة ، تراجم المجيزات ، تراجم الشيوخ العامة ، تراجم الشيوخ الزيدية ، طريق المجيز إلى المعصوم عليه‌السلام ، تراجم بعض العلماء والمشاهير ، الأحاديث المعنعنة عن الأئمة عليهم‌السلام ، في بعض الفوائد النافعة ، ترجمة المجيز بقلمه ، ووصايا صاحب الإجازة.

إعداد : الشيخ محمد السمامي

۲۳۶

الحائري.

نشر: مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي العامة ـ قم پ/ ١٤١٤ ه.

طبعات جديدة

المطبوعات سابقة

* أين دفن رسول الإسلام محمد بن عبد الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

تأليف : الشيخ محمد علي برو العاملي.

دراسة تحليلية عن مكان دفن النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ويثبت أنه دفن في حجرة الزهراء البتول صلوات الله وسلامه عليهما وفق أدلة علمية من الكتب المعتمدة ، وأن للسياسة دور كبير في تحريف هذه الحقيقة.

كان الكتاب قد طبع لأول مرة سنة ١٤٠٣ ه ، وصدر في قم ثانية سنة ١٤٠٦ ه عن مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين في الحوزة العلمية.

ثم أعادت طبعه بصف جديد دار المحجة البيضاء ودار الرسول الأكرم

صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ بيروت / ١٤١٣ ه.

* فقه الصادق ، ج ٧ ـ ٢١.

تأليف : السيد محمد صادق الحسيني الروحاني.

شرح فقهي استدلالي مبسوط لكتاب «تبصرة المتعلمين في أحكام الدين» للعلامة الحلي ، الشيخ أبي منصور جمال الدين الحسن بن يوسف بن المطهر الأسدي (٦٤٨ ـ ٧٢٦ ه).

اشتملت هذه الأجزاء على كتب : الزكاة والخمس ، الصوم ، الحج ، الجهاد والأمر بالمعروف ، المتاجر ، الإجارة وتوابعها ، الديون ، النكاح.

كان الكتاب مطبوعا قبل الآن في إيران ، ومن المؤمل أن يتم في أكثر من ٢٧ جزءا.

نشر : مؤسسة دار الكتاب ـ قم / ١٤١٣ و ١٤١٤ ه.

* لأكون مع الصادقين.

تأليف : الدكتور محمد التيجاني السماوي.

كتاب يتناول جملة من العقائد الإسلامية التي وردت في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة ، والتي كانت مسرحا لاختلاف الفرق والمذاهب ، وعلى ضوئها نشأ علم الكلام والمدارس الفلسفية ،

۲۳۷

ويحدد الطريق الصائبة منها بدلالة الكتاب والسنة.

طبع فيما سبق عدة طبعات في بلدان مختلفة.

ثم أعادت طبعه بصف جديد المؤسسة الجامعية للدراسات الإسلامية ـ قم / ١٩٩٣ م.

* طبقات أعلام الشيعة ، ج ١ ـ ٤.

تأليف : آقا بزرك الطهراني ، الشيخ محسن بن علي بن محمد رضا (١٢٩٣ ـ ١٣٨٩ ه).

موسوعة قيمة بأعلام الإمامية رضوان الله عليهم ، ابتداء من القرن الرابع وحتى العاشر الهجري ، رتب المؤلف ـ رحمه الله ـ الأعلام فيها حسب حروف المعجم ، اشتمل المجلد الأول من هذه الطبعة على أسماء أعلام القرن الرابع الهجري ، فيما ضم كل مجلد من المجلدات الأخر أسماء أعلام قرنين من القرون ، وسمى الجزء الخاص بكل قرن باسم خاص ، وهي كالآتي :

١ ـ نوابغ الرواة رابعة المئات.

٢ ـ النابس في القرن الخامس ، والثقات العيون في سادس القرون.

٣ ـ الأنوار الساطعة في المائة السابعة ،

والحقائق الراهنة في المائة الثامنة.

٤ ـ الضياء اللامع في القرن التاسع ، وإحياء الدائر من القرن العاشر.

أعادت طبعة بالتصوير مؤسسة إسماعيليان ـ قم / ١٤١٤ ه.

* الغدير في الكتاب والسنة والأدب ، ج ١ ـ ١١.

تأليف : العلامة الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي (١٣٢٠ ـ ١٣٩٠ ه).

موسوعة قيمة حول واقعة يوم الغدير في ١٨ ذي الحجة سنة ١٠ ه ، تناولها المؤلف ـ قدس‌سره ـ من نواح شتى ، كالرواية سندا ومتنا ، ودينيا ، وعلميا ، وتاريخيا ، وأدبيا ، وأخلاقيا ، كما تضمن تراجم كثير من رجالات العلم والدين والأدب من الذين نظموا هذه الواقعة أو صنفوا فيها.

أعيد طبعه مرات عديدة منذ تأليفه ولحد الآن ، نذكر ما نشر منها هذه السنة ١٤١٤ ه :

١ ـ أعادت دار الكتب الإسلامية في طهران طبعه بالتصوير على الطبعة السابقة.

٢ ـ وأعادت مكتبة الريف في البحرين

۲۳۸

طبعه بالتصوير على طبعة طهران سنة ١٣٧٢ ه.

٣ ـ وأعادت طبعه بصف وإخراج جديدين مؤسسة الأعلمي في بيروت.

صدر حديثا

* دفع الارتياب عن حديث الباب.

تأليف : السيد علي بن محمد بن طاهر ابن يحيى العلوي ، المتوفى سنة ١٤٠٩ ه.

رسالة مختصرة من كتاب المؤلف الواسع في تصحيح حديث الرسول الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «أنا مدينة العلم وعلي بابها» والرواية الثانية : «أنا دار الحكمة وعلي بابها» تناولها بالبيان الواضح والشرح الكامل وأثبت صحة السند ، ودلالتهما على أن المقصود بهما هو أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب عليه‌السلام ، كما رد فيها على مضعفي الحديث.

نشر : دار القرآن الكريم ـ قم.

* النظام السياسي في عهد الإمام علي عليه السلام لمالك الأشتر.

تالف : الشيخ نوري حاتم.

عرض موجز وبيان لفقرات عهد الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام لواليه على مصر مالك بن الحارث الأشتر النخعي ـ المستشهد سنة ٣٨ ه ـ تناولها المؤلف حسب ترتيب ورودها في العهد الذي اشتمل على تعاليم سياسية وعسكرية واقتصادية واجتماعية وغير ذلك ، مما يجعله وثيقة مفصلة تعالج وتبين وتنظم واجبات الحاكم ووظائفه ، والعلاقات بين الحاكم وبين أفراد المجتمع في شتى المجالات.

نشر : مؤسسة المرتضى العالمية ـ بيروت / ١٤١٤ ه.

* حياة الإمام العسكري عليه‌السلام.

تأليف : الشيخ محمد جواد الطبسي.

دراسة تحليلية تاريخية علمية لحياة الإمام الحادي عشر من أئمة أهل البيت عليهم‌السلام الإمام أبي محمد الحسن بن علي العسكري عليهم‌السلام (٢٣١ ـ ٢٦٠ ه).

يتكون الكتاب من بابين اشتملا على فصول عديدة ، ضم الباب الأول منهما التعريف بشخصية الإمام الحسن العسكري عليه‌السلام ، وحياته في ظل أبيه الإمام الهادي عليه‌السلام ، وذكر مناقبه

۲۳۹

ومعجزاته ، ودلائل إمامته ، وما روي عنه من قصار الحكم والعقائد والفقه والتفسير ، فيما ضم الباب الثاني ما يدور حول عصره ، وموقفه من المترددين والشاكين في إمامته ، وثورة الزنج ، وكذا موقفه من البدع والانحرافات التي شاعت آنذاك ، وذكر حكام عصره ، ووكلائه وأصحابه ورواته.

نشر : مكتب الإعلام الإسلامي ـ قم / ١٤١٣ ه.

* مبادئ السلام والبراءة في القانون الدولي الإسلامي.

تأليف : الشيخ فاضل المالكي.

كتاب يعرض رأي الإسلام في البراءة من المشركين ، وفي مبدأ التعايش السلمي مع الكفار غير المحاربين ، وغير ذلك من البحوث المتفرعة عن هذين المبدأين ، استنادا إلى آيات القرآن الكريم وأحاديث أهل البيت المعصومين عليهم‌السلام.

نشر : دائرة العلوم الإسلامية ـ قم / ١٤١٤ ه.

* متابعات ثقافية.

تالف : عبد الجبار الرفاعي.

كتاب احتوى في فصوله السبعة على مراجعات وقراءات نقدية في الثقافة

والانتاج الفكري الإسلامي المعاصر ، وهي مقتطفات في موضوعات إسلامية متنوعة في محاولة للتعريف بالنتاج الفكري في العقد الأخير ، وتشخيص منابعه وإلى ما يصبو إليه ، كما يهدف إلى التغلب على الثقافة الاستهلاكية التي شاعت في المجتمع الإسلامي ومظاهر ضعفها من خلال تلك النقود والمحاورات.

نشر : مكتب الإعلام الإسلامي ـ قم / ١٤١٤ ه.

* الحياة السياسية للإمام السجاد عليه السلام.

تأليف : الشيخ نوري حاتم.

دراسة لحياة الإمام الرابع من أئمة أهل البيت عليهم‌السلام الإمام أبي محمد علي ابن الحسين السجاد زين العابدين عليهم السلام (٣٨ ـ ٩٥ ه) تناولت بالتحليل مواقفه ونشاطاته العبادية والاجتماعية والسياسية ، وأثرها في قيادة الأمة وصيانة الشريعة ، في ظل الظروف التي عاشها الإمام السجاد عليه‌السلام إبان الحكم الأموي والثورات والحركات المسلحة التي قامت خلال تلك الفترة.

نشر : مؤسسة المرتضى العالمية ـ بيروت / ١٤١٤ ه.

۲۴۰

* عبرة أولي الألباب ، ج ١.

تأليف : علي محمد عاشور.

كتاب يحتوي على عشرين قصة من قصص الصديقين والأخيار ذات طابع أخلاقي ، ابتدأ الكلام فيها عن بعض أحوال أهل بيت النبوة المعصومين الأربعة عشر عليهم‌السلام ، فذكر في حقهم أربعة عشر قصة بين معجزة ومنقبة ، ثم ثنى الكلام بذكر القصص الأخرى ، كما اشتمل الكتاب على مباحث أخلاقية أخرى.

نشر : دار المجتبى ـ بيروت / ١٤١٤ ه.

* المهدي والمسيح.

تأليف : باسم الهاشمي.

قراءة إسلامية جديدة في الأناجيل الأربعة من العهد الجديد ، تكشف ـ من خلال النصوص المنتقاة منها ـ عن بشارة السيد المسيح نبي الله عيسى بن مريم عليهما‌السلام بإنشاء دولة الإمام المهدي المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف في آخر الزمان ، وإشارته إلى ذلك وعلائم قيامها.

نشر : دار المحجة البيضاء ودار الرسول

الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ بيروت / ١٤١٤ ه.

* رسالة عقائدية.

تأليف : السيد أبو القاسم الديباجي.

كتاب يعرض أهم المباحث العقائدية

الشيعية ، فقد ألف ردا على كتاب «تصحيح الشيعة» الذي حاول ـ على زعم مؤلفه ـ تفنيد عقائد الشيعة الاثني عشرية ، فأثار ما أثاره المخالفون السابقون حولها من الشبهات والشكوك والافتراءات بدون دليل أو برهان ، ثم اجترها المقلدون اللاحقون من غير وعي أو تدبر ، فأوضح ما التبس على أولئك أو تغافلوا عنه بالدليل العقلي والنقلي.

صدر الكتاب مؤخرا في قم.

* الموسوعة الرجالية ، ج ٣ و ٤ و ٦.

تأليف : آية الله العظمى السيد الحسين الطباطبائي البروجردي ، المتوفى سنة ١٣٨٠ ه.

هي ترتيب لرجال أسانيد ـ أو طبقات رجال ـ أمهات المصادر الأساسية للحديث والرجال عند الإمامية ـ المدرجة أدناه ـ رتبها حسب حروف المعجم لاسم الراوي الأول في السند ، وتم توضيح ما أجمل

۲۴۱

منها ، مع تبيين ما طرأ عليها من العلل ، كالتصحيف أو القلب أو الزيادة أو النقيصة أو الارسال ، ولما هو الصواب فيها ، مع فوائد رجالية أخرى.

وقد اشتملت الأجزاء الثلاثة هذه على أسانيد الكتب حسب ما يلي : الجزء الثالث : الخصال ، معاني الأخبار ، علل الشرائع ، ثواب الأعمال وعقاب الأعمال، وكلها للشيخ الصدوق ، المتوفى سنة ٣٨١ ه.

الجزء الرابع : الكافي ، للشيخ الكليني ، المتوفى سنة ٣٢٩ ه.

الجزء السادس : رجال الكشي ، فهرست الشيخ الطوسي ، فهرست الشيخ النجاشي.

وقد طبعت الكتب بالتصوير على نسخة الأصل المكتوبة بخط أحد تلاميذ السيد البروجردي، رحمهما‌الله رحمة واسعة.

نشر : مجمع البحوث الإسلامية التابع للروضة الرضوية المقدسة ـ مشهد / ١٤١٣ ه.

* الكتاب المقدس في الميزان.

تأليف : الشيخ محمد علي برو العاملي.

كتاب يتكفل بالرد على المبشرين

النصارى باستدلالاتهم الواهية بآيات القرآن الكريم ، وتحاملهم على التاريخ ، فيورد نصوص (الكتاب المقدس) ويتناولها بالبحث والدراسة ليثبت خطأ ما ذهب إليه المبشرون في افتراءاتهم وشبههم.

نشر : الدار الإسلامية ـ بيروت / ١٤١٣ ه.

* ترتيب كتاب العين.

إعداد : الشيخ محمد حسن البكائي.

و «العين» من تأليف الخليل بن أحمد الفراهيدي (١٠٠ ـ ١٧٥ ه) سلك في تأليف كتابه مسلكا خاصا ، فلم يرتبه على النظام المعجمي المألوف ـ هجائيا أو أبجديا ـ وإنما جعل أول كتابه حرف لعين ، لأنها أدخل الحروف في الحق صوتا ، ثم تدرج بالحروف بما يقرب من حرف العين الأرفع فالأرفع ، حتى يصل إلى الحروف الشفوية.

ولما كان هذا الترتيب غير مألوف للمراجع والباحث ، فقد أعيد ترتيب الكلمات الواردة فيه بحسب حروف المعجم المألوفة حاليا ، ليسهل تناوله لطلاب العلم ، وألحق به عدة فهارس فنية تعين الباحث على الوصول إلى بغيته.

كما ضم المعد إلى الكتاب رسالة وجيزة

۲۴۲

أسماها : «الدليل إلى المستعملات في اللغة العربية» استخرج مفرداتها من الكتاب نفسه ، ونظمها بحسب الحروف الهجائية.

نشر : مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين في الحوزة العلمية ـ قم / ١٤١٤ ه.

* فاطمة بنت أسد.

تأليف : الدكتور الشيخ محمد هادي الأميني.

بحث عن سيرة وحياة والدة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب عليه‌السلام ، يستعرض فيه المؤلف جوانب جهادها وهجرتها وعظمتها وإيمانها ، وبقية جوانب حياتها الكريمة عليها‌السلام.

نشر : مؤسسة البلاغ ـ بيروت / ١٤١١ ه.

* تراجم الرجال ، ج ١ و ٢.

تأليف : السيد أحمد الحسيني.

مجموعة كبيرة من تراجم لأعلام أهمل التاريخ ذكرهم، مرتبة حسب حروف المعجم ، تنشر موادها لأول مرة، وقد استقى المؤلف معلوماته مما كان مبثوثا في ثنايا النسخ المخطوطة، أو ما أشير إليه في بعض إجازات العلماء السابقين.

نشر : مكتبة آية الله العظمى المرعشي العامة ـ قم / ١٤١٤ ه.

* المعجم الموحد ، ج ١ و ٢.

تأليف : الشيخ محمود درياب النجفي.

كتاب جرد فيه مؤلفه كل الأعلام التي جاءت تراجمهم في الأصول الرجالية الأربعة : «الفهرست ، والرجال» لشيخ الطائفة الطوسي ، و «اختيار معرفة الرجال» للكشي ، و «الرجال» للنجاشي ، مضافا إليها الأعلام التي جاءت في «خلاصة الأقوال» للعلامة الحلي ، ومن ثم قام بتوحيد الأسماء المتحدة فيما بينها في الواقع ، كما حدد طبقاتهم ، وذكر نصوص الجرح والتعديل التي جاءت بشأن هذه الأعلام في المصادر الثلاثة الأولى ، كما حدد أحوال المذكورين فيه على أساس التقسيم الرباعي للحديث : الصحيح ، الموثق ، الحسن ، والضعيف.

نشر : مجمع الفكر الإسلامي ـ قم / ١٤١٤ ه.

* الشروط ، ج ١ ـ ٣.

أو : الالتزامات التبعية في العقود.

تأليف : السيد محمد تقي الخوئي.

بحث موسع في (الشرط) يتضمن دراسة

۲۴۳

مفهومه وحدوده ، ويحدد ضوابطه ومعالمه ، ويجمع شتات مسائله وفروعه المنتشرة في الأبواب الفقهية المختلفة.

نشر : دار المؤرخ العربي ـ بيروت / ١٤١٤ ه.

* معالم الفتن ، ج ١.

تأليف : سعيد أيوب.

دراسة علمية عميقة، تناولت بالبحث أطروحات الإسلام التي جاء بها الرسول الكريم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيما يتعلق بمستقبل الأمة ودورها الرسالي، وكذلك يتناول بالبحث مسيرة الأمة وحركتها خلال تلك الحقبة الزمنية التي تلت وفاة الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله وسلم ، التي تلونت بألوان شتى، ودخل فيها ما ليس منها ، وأقصي عنها من أقصي ، فكانت مسرحا لفتن مظلمة ، وقد اعتمد في ذلك كله على النصوص القرآنية والأحاديث النبوية المعتمدة لدى الجميع.

نشر : دار الكرام ـ بيروت / ١٤١٤ ه.

* معجم ما كتب عن الرسول وأهل البيت صلوات الله عليهم، ج ٣ ـ ١١.

تأليف : عبد الجبار الرفاعي.

معجم موسوعي جامع ، يهدف إلى

توثيق كل ما يحتاجه الباحث عن سيرة الرسول الأكرم وأهل بيته المعصومين عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين ، فيوفر له رؤية مرجعية علمية واسعة في أي موضوع من موضوعات السيرة الشريفة بسهولة ويسر.

يقع الكتاب في ١١ جزء مقسمة إلى ١٦ قسما اشتملت على ما كتب عن المعصومين الأربعة عشر عليهم‌السلام من مختلف النواحي ، مضافا إلى ذلك ما كتب عن إعجاز القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة المطهرة.

اشتملت هذه الأجزاء على ما كتب في السيرة النبوية ابتداء من حرف القاف وحتى نهاية حروف المعجم ، مضافا إليها مستدرك لمواد السيرة النبوية مما فات إدراجه في مواضعه ، كما أضاف في نهاية الجزء الرابع القسم اللاتيني لما كتب في السيرة النبوية ، ثم ما كتب عن الأئمة الثني عشر والزهراء البتول صلوات الله وسلامه عليهم ، والمصادر المشتركة مما كتب عن أهل البيت عليهم‌السلام ، وما كتب فيما يتعلق بالسنة الشريفة ، كالدراية والرجال وغيرها.

نشر : مؤسسة الطبع والنشر التابعة لوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي ـ طهران / ١٣٧١ ه. ش.

۲۴۴

* الاعتصام بالكتاب والسنة.

تأليف الشيخ جعفر السبحاني.

دراسات مبسطة ل ١٥ مسألة من المسائل الفقهية المهمة التي كانت موردا للخلاف بين فقهاء الإمامية وبين فقهاء سائر المذاهب الفقهية الأخرى ، أثبت من خلالها صحة ما ذهبت إليه الإمامية اعتمادا على الكتاب والسنة.

نشر : مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام ـ قم / ١٤١٤ ه.

* الإمام الحسن العسكري عليه‌السلام من المهد إلى اللحد.

تأليف : السيد محمد كاظم القزويني.

دراسة وعرض لحياة الإمام الحادي عشر من أئمة أهل البيت عليهم‌السلام ، الإمام أبي محمد الحسن العسكري عليهما السلام (٢٣١ ـ ٢٦٠ ه) ذكر فيه مآثر ومكارم وخصائص الإمام عليه‌السلام ، كما ذكر فيه رواته وما ورد عنه من السنن والأفعال والأحكام ، وعرض أيضا الأحداث التي مر بها الإمام عليه‌السلام حتى شهادته في سامراء في حكومة المعتمد العباسي.

نشر : مكتبة بصيرتي ـ قم/ ١٤١٣ ه.

* اقتصادنا الميسر.

تأليف : السيد علي حسن مطر.

كتاب تحرى فيه مؤلفه الاختصار ووضوح العبارة ليقدم صورة شاملة وميسرة للمذهب الاقتصادي الإسلامي ، استقى مادته من مؤلفات السيد محمد باقر الصدر ـ رحمه‌الله ـ المؤلفة في هذا المجال ، فرتبها وعرضها بأسلوب يمكن أن يستفيد منه حتى غير المختصين بهذا الحقل.

صدر الكتاب في قم مؤخرا.

كتب قيد التحقيق

* تلخيص المرام في معرفة الأحكام.

تأليف : العلامة الحلي ، الشيخ جمال الدين أبي منصور الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر الأسدي (٦٤٨ ـ ٧٢٦ ه).

من أهم المصادر الفقهية في معرفة الأحكام وقواعد الفقه ومسائله الدقيقة على سبيل الاختصار ، وهو من أوائل الكتب التي ألفها العلامة الحلي قدس‌سره ، وعليه شروح عديدة.

يقوم بتحقيقه : الشيخ هادي حسن القبيسي العاملي ، معتمدا على نسختين

۲۴۵

مخطوطتين نفيستين ، هما :

١ ـ نسخة كتبت سنة ٧٣٥ ه ، محفوظة في مكتبة مجلس الشورى الإسلامي ـ طهران ، برقم ٦٢١٩٦.

٢ ـ نسخة مكتوبة في عصر المؤلف قدس‌سره ، محفوظة في مكتبة آية الله المرعشي النجفي العامة ـ قم ، برقم ٤٧٢.

* شرح كلمات بابا طاهر.

تأليف : عين القضاة عبد الله بن محمد ابن علي الميانجي الهمداني ، المقتول سنة ٥٢٥ أو ٥٣٣ ه.

شرح مختصر لكلمات باب طاهر ، المعروف بالعريان (ق ٥ ه) في الأخلاق والمعارف.

يقوم بتحقيقه : محمد حسن سعدي ، معتمدا على نسختين مخطوطتين ، إحداهما محفوظة في مكتبة الإمام الرضا

عليه‌السلام في مشهد ، والثانية في مكتبة آية الله المرعشي العامة في قم ، مضافا إليها نسخة سلطانية لمتن الكلمات المشروحة ، مدونة سنة ١٣٤٧ ه.

* اللؤلؤ المسجور في معنى لفظ الطهور.

تأليف : الشيخ أسد الله التستري الدزفولي الكاظمي ، المتوفى سنة ١٢٣٧ ه.

بحث فقهي مفصل في الطهور ، ألفه أساسا في الرد على الحنفية في قول إمامهم بأن لفظ (الطهور) مبالغة فقط ولا يدل على المطهرية.

يقوم بتحقيقه : الشيخ هادي حسن القبيسي العاملي ، معتمدا على نسختين مخطوطتين ، إحداهما محفوظة في مكتبة الإمام الرضا عليه‌السلام في مشهد ، والثانية في مكتبة المدرسة الفيضية في قم.

* * *

۲۴۶