محتـويات العـدد
* كلمة العدد:
* (تراثنا) أربعون عاماً من العطاء.
........................................................... هيئة التحرير ٧
* تاريخ الحوزات العلمية (تاريخ الحوزة العلمية في قزوين) (٤).
........................................... الشيخ عدنان فرحان القاسم ١٠
* التصنيف الموضوعي للروايات التفسيرية للإمام الرضا عليهالسلام .
.................... د.عباس مصلائي پور يزدي ود.محسن ديمه كار كراب ٦٠
*(أبو جعفر محمّد بن موسىٰ الموسوي)ومصحفه الموقوف علىٰ العتبة الرضوية سنة ٤٠٢هـ.
................................................. د. مرتضىٰ كريمي نيا ١٠٣
* الراغب الإصفهاني (متكلّم سلفي وفيلسوف صوفي).
............................................... د. حميد عطائي نظري ١٤٨
* من ذخائر التراث:
* (رسالة في حجّية مفهوم الأولوية) للسيّد علي الطباطبائي.
..................................... تحقيق: الشيخ عبد الغني العرفات ٢٢٣
* رسالة في اشتقاق اسم الفاعل من الأعداد لعبد السميع اليزدي الحائري (١٢٦٠هـ).
.................. تحقيق: د. محمد نوري الموسوي و د. نجلاء حميد مجيد ٢٥٥
* من أنباء التراث.
........................................................ هيئة التحرير ٢٨٠
*صورة الغلاف: نموذج من مخطوطة (رسالة في حجّية مفهوم الأولية) للسيّد علي الطباطبائي. والمنشورة في هذا العدد.
كلمة العدد:
(تراثنا)
أربعون عاماً من العطاء
هيئة التحرير
بسم الله الرحمن الرحيم
(تراثنا): أربعون عاماً من العطاء الفكري، رفدت به تراث الكلمة فكانت كلمة التراث وتراث الكلمة، اختارتها أقلام شُحذت بهِمَمِ رجال نذروا أنفسهم للفكر: «نَشَرَتِ النِعْمَةُ عَلَيْهِمْ جَنَاحَ كَرامَتِها، وأسالَتْ لَهُمْ جَداولَ نَعيمِها»، فاختارت مسار الكلمة عبر التراث، فكانت مصداقاً من مصاديق الصفوة التي ساهمت في نشر التراث، فظهرت النخبة من المفكّرين يحمل يراعُهُم كلمة تأنس لها الأنْفُس، فأخذوا يُخاطبون العراقة في وجدان أبناء الأمّة، في الفترة التي ظهرت فيها ظاهرة التمرُّد الفكْري والثقافي التي أخذت تسُود مُجْتمعاتنا الإسلامية، مُتطفّلة علىٰ قيمنا والموروث الثقافي لمُجْتمعاتنا، فكانوا هم أصْحاب الكلمة الطيّبة والعُقول المُفكّرة، ما انفكّت أقلامهم عن الدفاع عن موروثات ورثوها، جاءت بها الصفوة والنُّخبة من السلف الصالح، فكانت أقْلاماً زاكية ساهمت في
رفد الكلمة، وكرّست حياتها في خدمة ثوابت البُنىٰ الفكرية لمدرسة آل البيت عليهمالسلام ، وكان من ثمارها (تراثنا) تتويجاً لمشروعها الطموح الذي بدأت به في المؤسّسة الأمّ (مؤسّسة آل البيت عليهمالسلام لأحياء التراث)، فكان لمؤسّسها حجّة الإسلام والمسلمين السيّد جواد الشهرستاني دور فاعل في إحياء هذا الصرح العلمي ببركة جهوده وآرائه وأفكاره وشخصيّته المتميّزة وهمّته العالية وذوده عن التراث، ففي عام (١٤٠٣هـ) بادر سماحته إلىٰ تأسيس (مؤسّسة آل البيت عليهمالسلام لإحياء التراث) لتتصدّىٰ لتحقيق عيون التراث الإمامي في جميع العلوم، وفي أوائل عام (١٤٠٥هـ) تبلورت لدىٰ سماحته فكرة تأسيس مجلّة تُعنىٰ بهذا التراث، فقد كانت (تراثنا) أوّل مجلّة في حينها تصدر باللغة العربية تتناول قضايا المخطوطات والدراسات التراثية علىٰ مستوىٰ مدرسة أهل البيت عليهمالسلام ، حيث قدّمت التراث للمحقّقين وذوي الاختصاص بصورة حضارية وعلمية، كما أنّها قدّمت للآخر المذهبي والديني ما يمكّنُه من الاطّلاع علىٰ فكر الإمامية وعقائدها وتاريخها وعلومها من خلال النصوص القديمة الأصيلة بتجرّد كامل قد لا تتوفّر عليه الدراسات الأخرىٰ.
(تراثنا) في ذاكرتها قامات كبيرة لا تُنسىٰ، وفي مقدّم تلكم القامات السيّد عبد العزيز الطباطبائي قدسسره ، الذي كان بمثابة الأب الراعي والحاضن للمجلّة حتّىٰ اختاره الله إلىٰ جواره، العالم النادر، الكريم بعلمه، الشديد في عقيدته، تمنعك عنه هيبة العلماء، وتدنيك منه بساطة الأولياء.
(تراثنا) شغلت حيّزاً كبيراً في الساحة الفكرية، وحملت معها أدبيّاتها المتميّزة، حتّىٰ أصبحت مدرسة من مدارس الفكر وأبجدية من أبجديّاته، بل هي جدلية المعرفة بين الماضي والحاضر للرجوع بالهوية الفكرية من خلال تفعيل الكوامن
وتعزيز الثوابت، ومؤسّسة فكرية ساهمت في قراءة التراث قراءة علمية، فكانت تربة عصيّة علىٰ استنبات الغريب عن بيئتها.
لقد كانت حياة النخبة في (تراثنا) جهداً مستمرّاً من أجل إعادة ذلك الصرح التراثي للأمّة، للنهوض بصناعة التراث بما تمليه مدرسة آل البيت عليهمالسلام بثوابتها ومرتكزاتها.
لقد حطّت النخبة رحالها وأناخت ركابها في (تراثنا)، وكان محطّ رهانها إعادة قراءة التراث، علىٰ أمل نقله بما يخدم الثوابت الفكرية للأمّة حتّىٰ لا تعيش القطيعة مع الفترة المُبدِعة من تراثها.
لقد كانت تلك الأقلام نموذجاً يعبّر عن هموم الأمّة الفكرية، خصوصاً وأنّ الخطاب الإسلامي المعاصر يقوم في أغلبه علىٰ إهدار البعد التراثي والتاريخي لمجتمعاتنا، مع عدم الأخذ بنظر الاعتبار معطيات الواقع الثقافي والاجتماعي والبنىٰ الفكرية لهذه المجتمعات، حتّىٰ أصبحت هذه الإشكالية تمثّل أهمّ إشكاليّات الفكر الإسلامي المعاصر علىٰ الإطلاق، ممّا حدىٰ بالنخبة في التراث إلىٰ تبنّي هذا المشروع، فأصبحت (تراثنا) موسوعة ومرجعاً لا تستغني عنها جميع المؤسّسات العاملة في مجال المعرفة.
تاريخ الحوزات العلمية والمدارس الدينية عند الشيعة الإمامية
(تاريخ الحوزة العلمية في قزوين)
(٤)
الشيخ عدنان فرحان القاسم
لقد تناولنا في الأعداد السابقة ـ الفصل الأوّل ـ مدينة قزوين وأهمّيّتها الجغرافية والسياسية والعلمية، ودخول الإسلام لها والعوامل التي أدّت إلىٰ انتشار التشيّع فيها ـ الفصل الثاني ـ أدوار حوزة قزوين العلمية (الدور الأوّل والثاني والثالث والرابع) ونستأنف البحث هنا في بقيّة البحث في الدور الرابع...
المبحث الثالث: المعطيات العلمية لحوزة قزوين:
بعد هذه الجولة التأريخية الممتعة في ثنايا تاريخ حوزة قزوين العلمية، لابدّ لنا من التوقّف عند أهمّ المعطيات العلمية لهذه الحوزة عبر مسيرها التاريخي التكاملي:
أوّلاً: معالم المدرسة الفقهية في قزوين:
تعدّ المدرسة الفقهية في قزوين امتداداً لمدارس فقهية عريقة ظهرت في الحوزات العلمية الشيعية الإمامية، من خلال أعلام وفقهاء تلك الحوزات وآثارهم الفقهية.
ولا يخفىٰ علىٰ الدارس لتأريخ حوزة قزوين تأثّر هذه المدرسة بالحوزات العلمية في العتبات المقدّسة، فكان لحوزات كربلاء والنجف وسامراء الأثر
الأكبر في التأثير علىٰ هذه الحوزة؛ إذ أنّ أغلب كبار فقهاء هذه الحوزة من الدارسين في هذه الحوزات الثلاث، ومن بعدهما في حوزة قم في عصر تأسيسها، وهي أيضاً امتداد لهذه الحوزات؛ إذ أنّ المؤسّس الحائري وخلفه البروجردي (أعلىٰ الله مقامهما) من الدارسين في هذه الحوزات.
نعم تأثّرت حوزة قزوين فقهيّاً في عصر الدولة الصفوية بفقه علماء جبل عامل كفقه الشهيدين العامليّين، وفقه المحقّق الكركي، وعبد الصمد الحارثي، والشيخ البهائي وغيرهم من كبار العلماء الوافدين من جبل عامل في العصر الذهبي للدولة الصفوية.
ومن قبل ذلك كان لمدرسة الحلّة وفقهائها الكبار حضور في الدرس الفقهي في مدرسة قزوين، فكان للمحقّق الحلّي (ت ٦٧٦ هـ) وكتابه القيّم شرائع الإسلام حضور عند فقهاء قزوين تدريساً وشرحاً وتعليقاً وتحشية.
وقد بيّنّا فيما سبق وضمن تراجم علماء وفضلاء حوزة قزوين بعضاً من الآثار الفقهية المهمّة في مجال الاستنباط الفقهي، وفيما يلي استعراض موجز لخصائص بعض من هذه الآثار الفقهية:
١ـ كتاب فقه الملائكة:
وهذا الكتاب من الآثار الفقهية المهمّة للشيخ المولىٰ محمّد الملائكة ابن الشيخ محمّد تقي فرشته بن الشيخ محمّد جعفر بن المولىٰ محمّد كاظم القزويني البرغاني الملقّب بـ: (ملائكة) المتوفّىٰ سنة (١٢٠٠ هـ)، وهو والد المولىٰ محمّد تقي الشهير بالشهيد الثالث، الشهيد في سنة (١٢٦٤ هـ)(١).
__________
(١) طبقات أعلام الشيعة (الكواكب المنتثرة) ٩ / ٧٠٥.
لم يختَر المؤلّف لكتابه اسماً محدّداً فعُرف الكتاب بـ: (فقه الملائكة) وهذا الأثر القيّم: «دورة فقهية كاملة في الفقه الاستدلالي من الطهارة إلىٰ الديات، ويقع في (١٢) مجلّداً، وباللغة العربية، وقد نهج فيه مؤلّفه منهجاً استدلاليّاً مستنداً إلىٰ الأدلّة الروائية وأقوال العلماء الكبار»(١).
٢ ـ كتاب معارج الأحكام في شرح مسالك الأفهام وشرائع الإسلام:
وهو من الآثار الفقهية للسيّد مير حسين (حسينا) القزويني (ت ١٢٠٨ هـ) وهو من مشايخ الإجازة للسيّد مهدي بحر العلوم، وإجازته له مؤرّخة في (١١٦٤ هـ)(٢).
ويقع هذا الأثر في (١٢) مجلّداً كبيراً، شرح فيه المؤلّف كتاب مسالك الأفهام، للشهيد الثاني العاملي (ت ٩٦٦ هـ) شرحاً مزجيّاً، وكان ـ المير حسينا ـ قد اتّخذ من كتاب المسالك محوراً ومتناً لتدريسه للبحث الخارج في حوزة قزوين، ثمّ جمع هذا الشرح والذي هو في الحقيقة شرح مزجي لكتابي شرائع الإسلام للمحقّق الحلّي، ومسالك الأفهام للشهيد الثاني، وقد فرغ من كتابة هذا الشرح سنة (١١٩٣ هـ)، وذكر الشارح في المجلّد الأوّل من كتابه مجموعة من المداخل والمقدّمات شملت علوم الرجال والدراية وطرقه وإجازاته في رواية الحديث، وعرّج علىٰ بعض كتب الطبقات والمشتركات، ولخّص بعض مطالبها، ثمّ بيّن مصادره التي اعتمدها في شرحه...(٣).
ويعدّ هذا الكتاب بمثابة دائرة معارف فقهية مهمّة، وللأسف لم يطبع
__________
(١) مجلّة حوزه، السنة الحادية عشرة، العدد السادس، الصفحة ١٧٦.
(٢) انظر: الذريعة ١ / ١٨٠.
(٣) انظر: الذريعة ٣ / ٨١.
الكتاب وينشر ولازال علىٰ رفوف المكتبات، وله نسخ متعدّدة(١).
ولهذا العَلَم مؤلّفات وآثار علمية كثيرة ذكر منها السيّد الأمين في الأعيان (٢٦) أثراً (٣) منها بعض الشروح والرسائل الفقهية.
٣ـ كتاب دلائل الأحكام في شرح شرائع الإسلام:
للسيّد إبراهيم بن السيّد محمّد باقر القزويني الحائري (١٢٦٢ هـ) الشهير بصاحب الضوابط، نسبة إلىٰ كتابه الأصولي الشهير ضوابط الأصول، وهو من أعاظم العلماء والمحقّقين الشيعة، ومن أبرز تلامذة شريف العلماء المازندراني (ت ١٢٤٦ هـ) والسيّد محمّد المجاهد (ت ١٢٤٢ هـ)، من كبار أساتذة البحث الخارج في كربلاء؛ إذ كان يحضر درسه أكثر من ألف طالب. توفّي في سنة الوباء (١٢٦٢ هـ) ودُفن في الصحن الحسيني.
وكتاب الدلائل من كتب الفقه الاستدلالي ويقع في عدّة مجلّدات، ودورة فقهية كاملة من الطهارة إلىٰ الديات، وله نسخ كثيرة خطّية(٢).
٤ـ كتاب منهج الاجتهاد في شرح شرائع الإسلام:
المولىٰ الشيخ محمّد تقي البرغاني الشهير بالشهيد الثالث، استشهد (١٢٦٢ هـ) وهو من أعاظم علماء الشيعة، ومن أركان الطائفة الجعفرية، ومن مشاهير الفقهاء الإمامية الاثني عشرية.
ويقع هذا الكتاب في (٢٤) مجلّداً، وهو دورة فقهية كاملة قضىٰ مؤلّفه حدود ثلاثين عاماً من عمره الشريف في تأليفه؛ في مسقط رأسه (برغان) من توابع قزوين.
__________
(١) انظر: مقدمهاى بر فقه شيعه: ٩١.
(٢) انظر: مقدمهاى بر فقه شيعه: ٩٣ ـ ٩٤.
ومن مبتكرات هذا الكتاب ـ بالإضافة إلىٰ منهجيّته العلمية وعذب بيان مؤلّفه وترتيب مطالبه ـ تبنّي مؤلّفه لمبدأ ولاية الفقيه المطلقة في عصر الغيبة، ويبحث هذه المسألة الحسّاسة في أكثر من موضع من كتابه(١).
ويعدّ هذا الكتاب من الكتب الشهيرة والكتب المرجعية لدىٰ كبار المراجع، ويشيد الشيخ الطهراني في الطبقات وهو يعرّف بهذا الكتاب فيقول: «... منهج الرشاد في شرح الشرائع، تماماً في أربعة وعشرين مجلّداً، يحكىٰ أنّ صاحب الجواهر استعان بكتاب الجهاد منه علىٰ كتاب الجهاد من كتابه»(٢).
ويشير إلىٰ شهرة هذا الكتاب الفقهي الموسوعي، صاحب الروضات فيقول: منهج الاجتهاد، شرح لشرائع الإسلام وهو من الكتب الفقهية المشهورة في البلاد الإسلامية»(٣).
ولازال هذا الكتاب مخطوطاً ونسخه موزّعة في بعض المكتبات، وقد أحصىٰ المدرّسي الطباطبائي وجود (٢٥) نسخة خطّية للكتاب(٤).
٥ـ كتاب مجمع المسائل في شرح المختصر النافع:
وكتاب المختصر النافع؛ متن فقهي مختصر للمحقّق الحلّي (٦٧٦ هـ) اختصر فيه كتابه الكبير شرائع الإسلام، ثمّ شرح المختصر بكتاب سمّاه المعتبر في شرح المختصر، وهو دورة فقهية استدلالية.
__________
(١)انظر في ثنايا كتاب الجهاد، كتاب القضاء، كتاب الزكاة، من النسخة الخطّية من الكتاب. وانظر: مجلّة الحوزه العدد المزدوج ٥٦ ـ ٥٧، الصفحة ٣٨٨ ـ ٣٨٩.
(٢) الطبقات (الكرام البررة) ١٠ / ٢٢٨.
(٣) روضات الجنّات ٤ / ٤٠٣.
(٤) مقدمه بر فقه شيعه: ٩٢ ـ ٩٥؛ انظر: مجلة حوزه: ١٨١.
وهذا الكتاب من تأليف الشيخ محمّد علي الشهير بالملّا علي البرغاني المتوفّىٰ سنة (١٢٦٩ هـ) وهو ابن الشيخ الملّا محمّد الملائكة البرغاني القزويني، ويعدّ مؤلّف هذا الكتاب من أكابر علماء عصر الدولة القاجارية ومن فحول المجتهدين، ومن الحكماء المتألّهين والعرفاء المتكلّمين(١). ومن أبرز تلامذة السيّد علي الطباطبائي صاحب الرياض، والشيخ جعفر الكبير (كاشف الغطاء) وأخذ علم الحديث والعلوم الغريبة من محضر الميرزا محمّد الأخباري (ت ١٢٣٣ هـ) ثمّ ارتبط ارتباطاً وثيقاً بالشيخ أحمد الأحسائي (ت ١٢٤٢ هـ) ولازمه في السفر والحظر، وله مؤلّفات كثيرة في الفقه والأصول والعرفان، وله شرح علىٰ إرشاد الأذهان(٢) للعلّامة الحلّي.
ويعدّ كتاب مجمع المسائل من أهمّ وأوسع كتبه الفقهية، ويقع في (١٢) مجلّداً كبيراً باللغة العربية، وهو دورة فقهية استدلالية كاملة معزّزة بالأدلّة الروائية وأقوال المتقدّمين والمتأخّرين من الأعلام، ولا زالت مجلّدات هذه الموسوعة القيّمة لم تنَل نصيبها من التحقيق والطباعة والنشر.
وتوجد بعض مجلّدات الكتاب بخطّ مؤلّفه في مكتبة السيّد محمّد علي الروضاتي في إصفهان.
٦ـ موسوعة البرغاني (فقه الشيعة):
ويعدّ هذا الأثر الفقهي من أشهر الآثار الفقهية لحوزة قزوين العلمية، ومؤلّفها(٣) من أبرز أعلام هذه الحوزة المباركة، وهو آية الله الشيخ محمّد صالح
__________
(١) مجلة حوزه: ١٨١.
(٢) دائرة المعارف التشيّع ٣ / ١٨٢.
(٣) مكارم الآثار ٥ / ١٧٠٧ ـ ١٧٠٩.
البرغاني القزويني (ت١٢٧١هـ) ابن آية الله محمّد الملائكة... والأخ الشقيق للشهيد الثالث محمّد تقي البرغاني وهو أشهر من أن يعرف، وقد ذكرنا مختصر ترجمته ضمن الأعلام المُتَرجَمين من حوزة قزوين.
وللمؤلّف آثار علمية كثيرة يصل عددها إلىٰ (٥٤) عنواناً بحسب بعض المحقّقين؛ منها كتب فقهية بعناوين: مسلك السداد، ومسلك الراشدين في ثلاثة مجلّدات(١)، وفنّ الفقاهة في مجلّد واحد، ومسلك النجاة مجلّدين بالفارسية؛ وهي الرسالة العملية لمقلّديه(٢).
ومن أوسع آثاره العلمية الفقهية هذا الأثر القيّم الموسوم بـ: (غنيمة المعاد في شرح الإرشاد) والذي يقع في (١٤) مجلّداً من الحجم الكبير، وبحسب تجزئة محقّق الكتاب يصل عدد أجزائه إلىٰ (٣٠) مجلّداً، طبع القسم الأوّل من الكتاب، من أوّل الطهارة إلىٰ نهاية كتاب الصلاة من قبل مؤسّسة الوفاء في طهران في ثمان مجلّدات سنة (١٤١١هـ) تحت عنوان: (موسوعة البرغاني في فقه الشيعة) وللكتاب نسخ خطّية كثيرة جدّاً بعضها بخطّ المؤلّف، وقد أحصىٰ المدرّسي الطباطبائي(٣) عدد نسخ الكتاب الخطّية فأوصلها إلىٰ (٤٣) نسخة(٤).
وتكمن أهمّية هذا الأثر الفقهي في جمعه بين منهجي الاستدلال الفقهي في مدرستي قزوين وكربلاء في مواجهة المدرسة الأخبارية ومنهجها في الاستدلال الفقهي، حيث جمع المؤلّف بين منهج والده المولىٰ محمّد الملائكة في مواجهة الأخبارية في قزوين، ومنهج أستاذه
__________
(١) مجلّة حوزه: ١٨٢.
(٢) فهرست اهدائي مشكاة ٥ / ٢٠٤٣ ـ ٢٠٤٤.
(٣) مجلّة حوزه: ١٨٢.
(٤) مقدمه بر فقه شيعه: ١٤٤.
الوحيد البهبهاني في مواجهة أخبارية كربلاء، واستطاع المؤلّف ومن خلال مهارته الفقهية التي اكتسبها من هذين العَلَمَين أن يشيّد بناء فقهيّاً استدلاليّاً محكماً(١).
٧ـ موسوعة فقه اللاهيجي القزويني:
من آثار الآخوند المولىٰ صفر علي اللاهيجي القزويني (ت حدود١٢٧٥هـ)، ويقع الكتاب في ثمان مجلّدات كبيرة يضمّ بين دفّتيه دورة فقهية كاملة من الطهارة إلىٰ الديات، توجد نسخة منه بخطّ مؤلّفه في مكتبة الشيخ محمّد صالح البرغاني في كربلاء(٢).
٨ـ شرح الرسائل والمكاسب:
من الآثار الفقهية للشيخ محمّد حسن بن الشيخ محمّد صالح البرغاني (ت بعد سنة ١٢٨٨هـ)، وهو كتاب فقهي استدلالي كبير شرح فيه مؤلّفه كتابَي أستاذه الأنصاري الرسائل والمكاسب ويقع في عشر مجلّدات باللغة العربية، وتوجد منه نسخة بخطّ مؤلّفه عند حفيده(٣).
٩ـ كتاب بحر الحقائق:
من الآثار الفقهية للسيّد محمّد إبراهيم الحسيني القزويني المتوفّي حدود سنة (١٢٨٥ هـ)، ويقع في (١٢) مجلّداً كبيراً، ويحتوي علىٰ دورة فقهية كاملة، توجد نسخة منه مخطوطة المؤلّف عند الشيخ الصالحي ونسخة أخرىٰ في مكتبة المرعشي
__________
(١)مصدر سابق: ١٨٣.
(٢) مجلّة حوزه: ١٨٤ ـ ١٨٥.
(٣) المصدر نفسه: ١٨٦.
النجفي برقم: (٥٩٦٦)(١).
١٠ـ براهين الأحكام في شرح شرائع الإسلام:
من آثار السيّد أبي الحسن السيّد هادي الحسيني القزويني التنكابني (ت ١٢٨٦هـ). ويمثّل هذا الكتاب دائرة معارف فقهية استدلالية تعكس النشاط العلمي لحوزة قزوين في القرن الثالث عشر الهجري(٢).
نكتفي بهذه العشرة الكاملة من عيون المؤلّفات الفقهية لعلماء حوزة قزوين ومدرستها الفقهية الاستدلالية.
وهنالك عشرات الموسوعات الفقهية القيّمة من نتاج علماء وفقهاء حوزة قزوين العلمية، وأغلبها لم يتمّ تحقيقها ونشرها إلىٰ يومنا هذا، ولا نستطيع أن نتوسّع في بيان شرح خصائصها والمنهج الاستدلالي والمباني التي انتهجها مؤلّفوها، فنكتفي بهذه الإشارات إلىٰ أسماء بعضها.
ثانياً: من معالم المدرسة الأصولية في قزوين:
تعدّ حوزة قزوين من الحوزات الأصولية التي وقفت وبقوّة في وجه المدرسة الأخبارية وموقفها المناهض لعلم أصول الفقه؛ وقد سبقت هذه المدرسة مدرسة كربلاء في مواجهتها للمدرسة الأخبارية؛ إذ أنّ الشيخ محمّد الملائكة (ت ١٢٠٠ هـ) قد تصدّىٰ لأفكار الشيخ يوسف البحراني (ت ١١٨٦ هـ) بعد انتقاله إلىٰ كربلاء حدود سنة (١١٦٩ هـ)(٣)؛ نعم يمكن أن نقول: إنّ مدرسة قزوين الأصولية قد
__________
(١) المصدر نفسه: ١٨٧؛ انظر، فهرست مكتبة المرعشي النجفي ١٥ / ٣٤٦.
(٢) المصدر نفسه: ١٨٧.
(٣) تطوّر حركة الاجتهاد: ٣٨٩.
تأثّرت بمدرسة كربلاء من خلال مدرسة الوحيد وتلامذته وامتدادهم.
ومهما يكن من أمر فإنّ المدرسة الأصولية في قزوين قد خلّفت لنا آثاراً علمية مهمّة تعدّ من عيون المؤلّفات الأصولية، وفيما يلي نماذج مختصرة من مؤلّفات علماء قزوين الأصولية:
١ـ كتاب عيون الأصول: للشيخ محمّد تقي البرغاني القزويني الشهير بالشهيد الثالث (استشهد ١٢٦٢ هـ).
ويعدّ هذا الأثر الأصولي ـ الذي يقع في مجلّدين ـ واحداً من أهمّ آثاره العلمية، وهو دورة أصولية كاملة يردّ في كثير من مطالبه علىٰ الميرزا أبي القاسم القمّي (ت١٢٣٢هـ) صاحب قوانين الأصول(١)؛ وله أيضاً شرح علىٰ معالم الدين وملاذ المجتهدين لجمال الدين الحسن بن زين الدين العاملي (١٠١١ هـ).
٢ـ شرح عدّة الأصول: للشيخ خليل بن الغازي (الملّا خليل القزويني) (ت١٠٨٩هـ)، وكتاب عدّة الأصول للشيخ أبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي، وطبع هذا الشرح مع كتاب عدّة الأصول بتحقيق الشيخ محمّد مهدي نجف، طبعة مؤسّسة آل البيت عليهمالسلام (٢).
٣ـ كتاب ضوابط الأصول: للسيّد إبراهيم بن السيّد محمّد باقر الموسوي القزويني (ت ١٢٦٢ هـ)؛ وقد اشتهر مؤلّفه بكتابه فيقال: (صاحب الضوابط) وهو من أبرز تلامذة شريف العلماء المازندراني (١٢٤٦ هـ) في الأصول.
ويقع كتاب ضوابط الأصول في مجلّدين، وطبع مؤخّراً طبعة محقّقة في
__________
(١) الكرام البررة ١٠ / ٢٢٧.
(٢) كتابشناسى اصول فقه شيعه؛ الطبقات ٨ / ٢٠٣.
(٥) مجلّدات كبار، ويعدّ هذا الكتاب من أدقّ المتون الأصولية. وله أيضاً كتاب أصولي ثانٍ بعنوان: (نتائج الأفكار) وهو ملخّص كتابه الأوّل الضوابط.
وقد دوّن المؤلّف في كلا كتابيه دورة أصولية كاملة تبدأ من الكلّيات والوضع وتنتهي بتعارض الأدلّة أو ما يعرف بالتعادل والتراجيح.
يقول الشيخ الطهراني في ترجمة المؤلّف: «وللمترجم تصانيف هامّة وأسفار جليلة تموج بمياه التحقيق والتدقيق... أهمّها الضوابط في الأصول، وهو من أهمّ مصادر هذا الفنّ وأوعىٰ لدقائقه وتحقيقاته، وقد شرحه جماعة من تلاميذه... وله ملخّصه الذي سمّاه: (نتائج الأفكار) وله رسالة في حجّية الظنّ»(١).
٤ـ حاشية قوانين الأصول: للسيّد علي المجتهد القزويني (ت ١٢٩٨ هـ) وتقع هذه الحاشية في مجلّدين كبيرين، ولا زال هذا الكتاب مخطوطاً.
قال الشيخ الطهراني في ترجمة المؤلّف: «... له حاشية علىٰ القوانين المطبوعة، وقد فرغ منه سنة (١٢٩٧ هـ)، وتوفّي بعده بقليل، وله أيضاً حاشية المعالم، وغيرهما»(٢)، وقد طبعت حاشية المعالم في ستّة أجزاء(٣).
٥ـ شرح معالم الأصول: تأليف الشيخ الآخوند ملّا صفر علي اللاهيجي القزويني (ت حدود ١٢٧٥ هـ)، وكتاب معالم الدين أو معالم الأصول من المتون الأصولية المختصرة، من تأليف الشيخ جمال الدين الحسن بن زين الدين العاملي (ت ١٠١١ هـ)، واكتسب هذا الكتاب ومؤلّفه شهرة واسعة حتّىٰ عُرف المؤلّف
__________
(١) طبقات أعلام الشيعة (الكرام البررة) ١٠ / ١٠ ـ ١١.
(٢) الصدر نفسه ١٢ / ٢٦ ـ ٢٧.
(٣) المصدر نفسه ١٢ / ٢٧، الهامش رقم ٢١.
بكتابه فيقال: (صاحب المعالم)، وللكتاب شرح وحواشٍ كثيرة(١).
٦ـ شرح الرسائل: للشيخ حسن أو محمّد حسن بن محمّد صالح البرغاني الحائري (ت ١٢٨٨ هـ) والمؤلّف من خواصّ تلامذة الشيخ مرتضىٰ الأنصاري، وقد حضر قبله في كربلاء عند شريف العلماء المازندراني ثمّ عند صاحب الضوابط السيّد إبراهيم القزويني، ثمّ انتقل إلىٰ النجف الأشرف ولازم درس الشيخ الأنصاري، وبدأ تدريس الأصول في النجف بأمر من أستاذه الأنصاري، ثمّ انتقل إلىٰ كربلاء وأصبح فيها من المراجع(٢).
٧ـ مخازن الأصول: لمؤلّفه الشيخ الميرزا عبد الوهاب بن محمّد صالح البرغاني القزويني (ت ١٢٩٥ هـ): «وهو من أعاظم علماء عصره» كما يقول الشيخ الطهراني(٣).
ويقع كتاب مخازن الأصول في (٢٤) مجلّداً، ولا زال مخطوطاً وتوجد بعض نسخه المخطوطة عند بعض المحقّقين(٤).
٨ـ رسائل أصولية: للشيخ عبد الوهاب القزويني (ت ١٢٦٠ هـ)، وقد ذكرها العلّامة المحقّق الطهراني ضمن ترجمته وقال: «... ولهذا العالم الجليل والفقيه الكبير آثار علمية قيّمة تدلّ علىٰ عظمته وجلالة مكانته منها: ... وفي مكتبة الشيخ قاسم مجموعة من تصانيف المترجم له فيها رسائل أصولية منها: حجّية المظنّة [هكذا] في حال الانسداد، وعدم الحجّية في حال الانفتاح، وحجّية الإجماع، وعدم اجتماع الأمر
__________
(١) انظر: الذريعة ١٤ / ٧١؛ كتابشناسى: ٨١ ـ ٨٢.
(٢) مجلّة حوزه: ١٨٥.
(٣) طبقات أعلام الشيعة (الكرام البررة) ١ / ٨٠٨.
(٤) انظر: مجلّة حوزه: ١٩٠.
والنهي، والعدالة، والتجرّي، وأصل البراءة... وله رسالة في حجّية الإجماع...»(١).
٩ـ تقريرات الأصول: للشيخ الميرزا عبد الرحيم سامت القزويني.
وقد مرّ بنا ترجمته، فهو من أحفاد الملّا محمّد رفيع الدين الواعظ القزويني، واشتهر هذا العلم بكثرة أساتذته، وكثرة تقريراته الفقهية والأصولية، فقد تنقّل في حضور دروس الأعلام الكبار في قم والنجف الأشرف، فدوّن تقريرات أساتذته فقهاً وأصولاً، ومن مدوّناته الأصولية:
أ ـ تقريرات مباحث الأصول: لأستاذه آية الله ضياء الدين العراقي، دورة أصولية كاملة.
ب ـ تقريرات مباحث الأصول: لأستاذه آية الله الميرزا أبي الحسن المشكيني في حجّية الظنّ وأصل البراءة.
ج ـ تقريرات مباحث الأصول: لأستاذه آية الله الميرزا النائيني(٢).
وكتابة التقريرات الفقهية والأصولية من فنون التدوين المتّبعة في الأوساط العلمية، ومن السنن الحسنة التي سار عليها السلف الصالح من علمائنا الأبرار؛ إذ يلقون علىٰ حضّار درسهم بحوثهم العالية فقهاً وأصولاً، ويدوّن تلامذتهم ما يلقيه الأستاذ، أو يقرّرون ما يستفيدون من إفادات أستاذه، ثمّ تعرض علىٰ الأستاذ فيقرّهم عليه، وقد يكتب ما يؤيّد ما كتبه الطالب وقد ينال به درجة الاجتهاد، وقد نشرت الكثير من هذه التقريرات ويوجد منها ما هو مخطوط(٣).
__________
(١) الطبقات (الكرام البررة) ١١ / ٨١١.
(٢) گنجينه دانشمندان ٦ / ١٦١ ـ ١٦٢.
(٣) للتوسّع انظر: الذريعة ٤ / ٢٦٧ وما بعدها.
ثالثاً: معالم المدرسة الفلسفية وأعلامها في حوزة قزوين:
سبقت حوزةَ قزوين العلمية مدرسةٌ فلسفية وعرفانية متكاملة؛ وكان انطلاقها من شيراز ثمّ استقرّت في إصفهان؛ ثمّ انحدر سيل معارفها العالية إلىٰ الحوزات المجاورة، ومنها حوزة قزوين العلمية.
وكان من المنتظر أن تتوسّع وتتجذّر هذه المدرسة العقلية الفلسفية العرفانية والتي شيّد بنيانها كبار الفلاسفة من أمثال الميرداماد (١٤٠١ هـ) وصدر الدين الشيرازي (صدر المتألّهين) (ت ١٠٥٠ هـ) وغيرهما من فلاسفة شيراز وإصفهان(١)، وأن يكون لها حضورها الفاعل والمؤثّر في حوزة قزوين العلمية.
إلّا أنّ ممّا يؤسف له أنّ هذه المدرسة قد منيت بضربات موجعة قاسية عرفت في بعض كتب التراجم بـ: (مقتلة الفلاسفة في قزوين)؛ ينقل العلّامة الطهراني في الطبقات ضمن ترجمة المير غياث الدين بن المير صدر الدين الثالث محمّد الحسيني الدشتكي الشيرازي الشهير بـ: (منصور الدشتكي الثاني) المتوفّىٰ سنة (٩٤٨ هـ)، عن إسكندر المنشئ صاحب كتاب عالم آرا، قال: «كانت الصدارة في عهد الشاه طهماسب بيد عالـمَين هما: المير نعمة الله الحلّي، والمير قوام الدين حسن، فلمّا مات قوام الدين قام مقامه المير غياث الدين منصور الشيرازي (المترجم له) ولمخالفة نعمة الله الحلّي مع علي بن عبد العالي الكركي وتقرّبه لإبراهيم القطيفي، انعزل نعمة الله وذهب إلىٰ الحلّة، وانفرد غياث الدين منصور بالصدارة، لكنّ الشيخ علي عارضه أيضاً فقام الشاه بعزل غياث الدين أيضاً ونصب مكانه معزّ الدين محمّد الإصفهاني، فذهب إلىٰ شيراز من غير رخصة...»(٢).
__________
(١) للتوسّع انظر: تاريخ الحوزات العلمية، تاريخ حوزة إصفهان ٧ / ٣٨٣ وما بعدها.
(٢) انظر: طبقات أعلام الشيعة (إحياء الداثر) ٧ / ٢٥٥ ـ ٢٥٦ الهامش.
ويضيف محقّق كتاب الطبقات في هامش الصفحة بعض التوضيحات فيقول: «ولمّا استقرّ الحكم الصفوي في أوّل القرن العاشر، بدأت التحفّظات المتزمّتة السنّية تظهر من جانبهم تجاه التشيّع وآراءها الفلسفية شيئاً فشيئاً، فكانوا يستخدمون القضاة وشيوخ الإسلام للبلاد من بين الفقهاء الأخباريّين، وأكثرهم من المهاجرين من البلاد العثمانية، بعيدين عن الأصول العقلية لمذاهب الشيعة في إيران(١)، وكان قصدهم من ذلك كبت الاتّجاهات الفلسفية التي كانت تظهر من حين لآخر في قزوين وشيراز وقبلها في سبزوار وبعدها في كاشان وغيرها؛ وأوّل اصطدام بين الفقهاء والفلاسفة نراه فيما حصل بين علي بن عبد العالي الكركي وبين غياث الدين منصور الفيلسوف المترجم له، فقد عزل عن الوزارة تحت ضغط من الكركي المتحفّظ، ثمّ جاء دور إسماعيل الثاني حكم (٩٨٤ ـ ٩٨٥ هـ) فرجع إلىٰ تسنّن آبائه علناً، ثمّ جاء الشاه عبّاس الأوّل حكم (٩٩٦ ـ ١٠٣٨ هـ) وقام بانقلاب عسكري عام (١٠٠٢ هـ) وطرد الصوفية وذوي الميول الفلسفية عن الجيش، وقام بمقتلة عظيمة في فلاسفة قزوين ومكاتبها، وبعد مقتلة قزوين نقل الشاه العاصمة منها إلىٰ إصفهان، وسلّط الأخباريّين علىٰ الفلاسفة وأسّس محاكم لتفتيش العقائد...»(٢).
ويقول الطهراني أيضاً في ترجمة خليل القزويني ابن الغازي (ت ١٠٨٩ هـ): «ولد بقزوين وبها توفّي... هاجر إلىٰ مكّة ثمّ رجع وسكن قزوين، وله أقاصيص ضدّ حكّام قزوين وطهران في تحريمه صلاة الجمعة في حال غيبة المعصوم، وكان مع ذلك أخباريّاً منكراً للاجتهاد والحكمة والتصوّف...».
وقال الطهراني: «أقول: وتحريمه الجمعة التي أدّت إلىٰ عزله وكذلك تأليفاته
__________
(١) للتوسّع انظر: رياض العلماء ٣ / ٩٠.
(٢) طبقات أعلام الشيعة (إحياء الداثر) ٤ / ٢٥٥ ـ ٢٥٦ هامش رقم (١).
الأصولية والفلسفية يجعلنا نشكّ؛ هل إنّ تظاهره بالأخبارية أيضاً كان تقية منه وتماشياً مع الحكومة التي كانت تعارض الفلاسفة وحريّة الاجتهاد؟»(١).
واستمرّ الضغط علىٰ العرفان والتصوّف الذي بدأت به الحكومة الصفوية منذ مقتلة الفلاسفة بقزوين سنة (١٠٠٢ هـ) ولم ينتهِ هذا الاضطهاد للفلاسفة مع انتهاء الدولة الصفوية وسقوطها سنة (١١٣٥ هـ) بيد الأفغان، بل ازداد مع تسلّط الأتراك الأفشارية في حكومة نادر شاه(٢).
واستأنفت المدرسة الفلسفية نشاطها في طهران في ظلّ الدولة القاجارية كما سوف يأتينا الحديث عن ذلك.
وقد يكون لبعض المشاحنات والسجالات العلمية بين المدرستين؛ المدرسة الدشتكية، والمدرسة الدوانية، والتي جرت في أوائل العصر الصفوي وانتهت بمجيء الملّا صدرا الشيرازي (ت ١٠٥٠ هـ) أثر في انكماش المدرسة الفلسفية في الحوزات العلمية، ومنها حوزة قزوين(٣).
يقول الشيخ الطهراني في ترجمة محمّد الدواني جلال الدين أسعد الدواني (ت ٩٠٨ هـ): «وقد ذكرنا أكثر مؤلّفاته في الذريعة... وكانت أكثرها معرضاً للجدل والمناقشات بين مدرسته ـ الدواني ـ ومدرسة الدشتكي وتلامذتهما حتىٰ أواسط القرن الحادي عشر، فمنها شرحه علىٰ هياكل النور، للسهروردي، سمّاه شواكل الحور؛ وبما أنّ الدواني كان قد أورد في شرحه هذا اعتراضات قشرية سنّية علىٰ السهروردي، قام منصور الدشتكي (ت ٩٤٨ هـ) بردّه في شرح سمّاه إشراق
__________
(١) طبقات أعلام الشيعة (الروضة النضرة) ٨ / ٢٠٤.
(٢) المصدر نفسه؛ طبقات أعلام الشيعة (الكواكب المنتثرة) ٦ / المقدّمة: ١٤ـ١٥ هامش رقم ١.
(٣) طبقات أعلام الشيعة (إحياء الداثر) ٧ / ٢٥٦ بتصرّف.
هياكل النور عن ظلمات شواكل الغرور، ودافع عن غنوص(١) السهروردي. وكذا كان الحال في شروح ألّفها الدواني علىٰ بعض الكتب الفلسفية المدرسية كالتجريد والمطالع؛ فلمّا كتب الحاشية القديمة عارضها صدر الدين الدشتكي، فكتب الدواني الحاشية الجديدة، وعارضها الدشتكي أيضاً فكتب الأجّد، فسميّت بالطبقات الجلالية للدواني، والطبقات الصدرية للدشتكي.
وقام تلامذة المدرستين (الدواني والدشتكي) بعدهما كلّ يدافع عن أستاذه ومكتبه، حتّىٰ جاء ملّا صدرا الشيرازي (ت ١٠٥٠ هـ) وأبدل الفلسفة النورية السهروردية بالفلسفة الوجودية والحركة الجوهرية...»(٢).
وخلاصة ما انتهت إليه المدرسة الفلسفية والدرس الفلسفي في إيران يوجزه لنا المحقّق الطهراني وهو يتحدّث عن شيراز ومدرستها العلمية ومن ينتسب إليها من الأعلام فيقول ـ ما ملخّصه ـ: «شيراز بلدة جنوب إيران، توسّعت معالمها حتّىٰ صارت في عهد عضد الدولة البويهية مركزاً علميّاً له مكتبة عظيمة استفاد منها مسكويه الفيلسوف المؤرّخ الرازي (٣٢٠ ـ ٤٢١ هـ)... وكانت شيراز من مراكز العرفان الغنوصي الإسلامي وزادت المزارات والخانقات فيها عن الخمسمائة، ولذلك كانت تسمّىٰ: (برج الأولياء)»(٣).
وفي القرن العاشر ازدهرت فيها مدرستان إشراقيّتان:
__________
(١) الغنوص: نزعة فكرية ترمي إلىٰ مزج الفلسفة بالدين، وتشتمل علىٰ طائفة من الآراء المظنون بها علىٰ غير أهلها. وهي في أصلها كلمة غير عربية. انظر: موسوعة الفلسفة ٢ / ٨٦ وما بعدها، الغنوصية.
(٢) طبقات أعلام الشيعة (إحياء الداثر) ٧ / ٢٢١ ـ ٢٢٢.
(٣) انظر: نزهة القلوب: ١١٤ وما بعدها.
أ ـ المدرسة الشيعية (الدشتكية) العائدة لعائلة الدشتكي وتلامذتها.
ب ـ المدرسة المعتدلة (الدوانية) التي أسّسها محمّد الدواني (ت ٩١٨ هـ).
وكان [الدواني] يتّهم بالتسنّن، ولذلك انحاز أنصارها في القرن الحادي عشر إلىٰ مدرسة ملّا صدرا الحادّة وريثة المدرستين؛ المدرسة الدشتكية بشيراز، والمدرسة الشاهية الصوفية العريقة بكاشان الذي تعلّم ملّا صدرا بكاشان عندهم وصاهرهم.
وكانت المدارس الثلاث؛ الدشتكية، والدوانية بشيراز، والشاهية بكاشان تحت ضغط من قبل الحكومة الصفوية بعد رجعتها عن التصوّف، وبعد مقتلة الفلاسفة بقزوين سنة (١٠٠٢ هـ) بيد الشاه عبّاس الأوّل (٩٩٦ ـ ١٠٣٨ هـ) فنقل العاصمة من قزوين إلىٰ إصفهان وجعل للأخباريّين المهاجرين من البلاد العثمانية السيطرة علىٰ القضاء وشيخوخة الإسلام في البلاد، فكانت المدارس الأخبارية بإصفهان تتّهم المدرسة الدوانية بالتسنّن، والمدرستين الدشتكية والشاهية بالتصوّف والعرفان الحادّ، ويتّهمون جميعهم بالشعوبية»(١).
ومهما يكن من أمر؛ فرغم كلّ هذه الظروف القاسية والمحن المتوالية والضغوط الشديدة التي تعرّضت لها المدرسة الفلسفية والدرس الفلسفي في إيران في القرنين العاشر والحادي عشر الهجريّين؛ إلّا أنّه استطاع أن ينهض مجدّداً ويستعيد مجده التليد في القرن الثالث عشر وما بعده من خلال تجديد الدرس الفلسفي في حوزة طهران العلمية حتّىٰ أصبحت هذه المدينة تعرف بمدينة:
__________
(١) طبقات أعلام الشيعة (الكواكب المنتثرة) ٩ / ٣٥٤ـ٣٥٥، والشعوبية تعني كما يقول الزمخشري: «وهم الذين يصغرون شأنَ العَرَب ولا يَرون لهم فضلاً علىٰ غيرهم»؛ أساس البلاغة: ٢٣٦ مادّة شعب.
(الألف حكيم)(١) كما سوف يأتينا لاحقاً.
كما أنّه قد برز في حوزة قزوين بعض من أعلام الفلسفة منهم:
١ـ السيّد أبو الحسن الرفيعي القزويني (ت ١٣٩٥ هـ):
قال عنه الرازي: «سيّد الفقهاء المجتهدين، وآية الله في العالمين... ومن أكابر الفقهاء والمجتهدين وأعاظم الحكماء المتألّهين ومراجع التقليد المعاصرين...» كما مرّ بنا سابقاً في ترجمته ضمن علماء قزوين المعاصرين.
ولد في قزوين سنة (١٣١٠ هـ) وأكمل فيها دراسة المقدّمات والسطوح فقهاً وأصولاً، ثمّ انتقل إلىٰ طهران، وحضر فيها عند أكابر أساتذتها وحكمائها في الحكمة والعرفان، فدرس إلهيّات الشفاء، والأسفار، وشرح الإشارات، والمنظومة، والشوارق، والنصوص وشرح مفاتيح الغيب، عاد إلىٰ قزوين وتوقّف بها سنة واحدة ثمّ عاد إلىٰ طهران، وبدأ بالتدريس للكتب: الحكمة ومنظومة السبزواري، وإشارات ابن سينا، بالإضافة إلىٰ الكتب الفقهية والأصولية، وأصبح من أساتذة طهران بلا منازع؛ وفي بداية تشكيل الحوزة العلمية في قم سنة (١٣٤٠ هـ) شدّ الرحال إليها، وبدأ فيها بتدريس الأسفار الأربعة، ومنظومة السبزواري، بالإضافة إلىٰ الكتب الفقهية، ثمّ عاد إلىٰ قزوين سنة (١٣٤٨ هـ) وبقي فيها إلىٰ سنة (١٣٨٠ هـ) قائماً بأمور المرجعية والتدريس وصلاة الجماعة، والقيام بالوظائف الدينية والاجتماعية للناس.
وكان طلّاب الدروس العقلية الفلسفية يشدّون الرحال إلىٰ قزوين لحضور دروسه والانتهال من محضر درسه.
__________
(١) انظر: شهر هزار حكيم: ٧ وما بعدها.
وفي سنة (١٣٨٠ هـ) شدّ الرحال مرّة أخرىٰ إلىٰ طهران وبقي فيها مشغولاً بالتدريس وإقامة صلاة الجماعة، وكان له محضر درس البحث الخارج في الفقه والأصول، بالإضافة إلىٰ درس الفلسفة في كتاب الأسفار الأربعة.
توفّي في طهران سنة (١٣٩٥ هـ)، ونقل جثمانه إلىٰ قم ودُفن فيها(١).
ويعدّ المترجم له من أعاظم الفقهاء والفلاسفة في القرن الرابع عشر الهجري(٢)، وهو سليل أسرة علمية عرفت في قزوين وطهران بـ: (آل الرفيعي) وهم من ذرّية محمّد زمان الطالقاني القزويني؛ وهو من أكابر علماء عصره.
لقد وفّق الرفيعي في فترة حياته المباركة في مجالَي التدريس والتأليف والتصنيف؛ فربّىٰ جيلاً من كبار الحكماء والفلاسفة وأساتذة الحكمة، يصل عدد أكابرهم إلىٰ أكثر من (٣٠) عالماً، من أمثال الإمام الخميني، والسيّد رضي الشيرازي، والعلّامة حسن زاده آملي، والسيّد جلال الدين الآشتياني، والشيخ جوادي آملي... وأمثالهم(٣).
وفي مجال التأليف؛ فلقد ترك آثاراً علمية في الحكمة والفلسفة والعرفان والكلام، وله حواشٍ، وشروح وتعليقات علىٰ الكتب الفلسفية والعرفانية المهمّة، بالإضافة إلىٰ مقالاته العلمية في الموضوعات المختلفة... وبرع أيضاً في مجال الاجتهاد والاستنباط الفقهي، وله في هذا المجال أكثر من ثمانية عشر أثراً علميّاً ما بين تأليف وتحشية وتعليق في مجالَي الفقه والأصول(٤).
يقول آية الله العلّامة الأستاذ حسن حسن زاده الآملي بحقّ أستاذه: «لقد كان
__________
(١) شهر هزار حكيم: ١٧٢ـ١٧٤.
(٢) دائرة معارف تشيّع: المجلّد الأوّل مادّة: آل الرفيعي.
(٣) شهر هزار حكيم: ١٧٨ ـ ١٨٠.
(٤) المصدر نفسه: ١٨٠ الهامش رقم ١.
حضرة آية الله الرفيعي نابغة وجامعاً للمعقول والمنقول والحقيقة»(١).
٢ـ الحكيم المولىٰ آقا القزويني (ت ١٢٨٥ هـ):
«العلّامة المتألّه الأستاذ المولىٰ آقا القزويني المعروف بـ: (الفلسفي)؛ كان من أجلّة حكماء عصره، بارعاً في الفلسفة والحكمة المتعالية والمعارف الإلهيّة والطبيعية ومن مَهَرة الفنّ... وكان له مدرسة عالية في بلدة قزوين أخذ عنه جمع كثير في الحكمة المتعالية الإلهية، ونبغ منهم جمع، منهم: الحكيم البارع رضا قلي الحكيم القزويني المعروف وغيره من الأفاضل.
وله من الآثار: رسالة في السير والسلوك، والحاشية علىٰ الأسفار الأربعة، ورسالة في حدوث العالم، وشرح علىٰ العرشية للملّا صدرا الشيرازي»(٢).
وجاء في دائرة معارف التشيّع (بالفارسية) عن منتخب معجم الحكماء: «آقا القزويني الفيلسوف المتوفّىٰ (١٢٦٧ هـ)؛ كان من تلامذة الفيلسوف علي بن جمشيد النوري، وكان يعدّ من كبار الحكماء في عصره... وكان روّاد هذه العلومة يقصدونه من أقصىٰ البلاد؛ وممّن تتلمذ عليه علي بن عبد الله الزنوزي، ورضا قلي القزويني، مات في قزوين في (١٢٦٧ هـ)»(٣).
والصحيح في سنة وفاته (١٢٨٥ هـ) حيث كتب ابن المترجم له، الملّا أحمد في ظهر نسخة من كتاب الأسفار تاريخ وفاته سنة (١٢٨٥ هـ) وصرّح أنّه عاش مائة سنة(٤).
__________
(١) في سماء المعرفة: ٢٦٤.
(٢) مرآة الشرق ١ / ١٦٢.
(٣) دائرة معارف تشيّع بالفارسية ١ / ١٥ ـ ١٦.
(٤) المصدر نفسه ١ / ١٦.
٣ـ الآخوند المولىٰ الشيخ يوسف الحكمي القزويني:
قال الطهراني في ترجمته: «الحكيم الورع الزاهد، أستاذ المعقول في قزوين»(١).
وذكره قوام السلطنة في المآثر والآثار فقال: «... من فحول فلاسفة الإسلام، وصدر الدين في عصره، وكان طلّاب العلوم العقلية من أقصىٰ البلاد الإيرانية يقصدونه إلىٰ محافظته ـ قزوين ـ ويقبّلون أعتابه.
أخذ عنه المرحوم الآقا رضا قلي القزويني، وتربّىٰ ـ علميّاً ـ عند هذا الحكيم الكبير حتّىٰ أصبح من المشاهير في المدن»(٢).
وفي حاشية المآثر قال: «إنّه ـ المترجم له ـ من أعاظم فلاسفة الإسلام، ومن تلامذة الطراز الأوّل ـ النخبة ـ عند المولىٰ علي النوري، والأستاذ الآقا علي المدرّس الزنوزي، والسيّد رضا قلي القزويني، والميرزا محمّد التنكابني.
وهو صاحب: شرح العرشية، وحاشية الأسفار، ورسالة السير والسلوك، ورسالة حدوث العالم»(٣).
٤ـ السيّد جليل القزويني:
له ترجمة مختصرة في گنجينه دانشمندان جاء فيها: «العلّامة الفيلسوف الآقا السيّد جليل القزويني صاحب كتاب المحاكمات، وكان من كبار علماء قزوين»(٤).
__________
(١) طبقات أعلام الشيعة (الكرام البررة) ١٢ / ٦٣٩.
(٢) المآثر والآثار، علماى عهد ناصر الدين شاه: ١٨٠، برقم ٣٣٧.
(٣) المصدر نفسه: ١٨٠ هامش رقم ٢؛ وللتوسّع انظر: قصص العلماء: ٥٢؛ موسوعة مؤلّفي الإمامية ١ / ٢٩٤؛ مرآة الشرق ١ / ١٦٢؛ أثر آفرينان ١ / ٨؛ فرهنگ نام آوران قزوين ٢ / ٨١٩ ـ ٨٢٠.
(٤) گنجينه دانشمندان ٦ / ١٥٠.
٥ـ الحاجّ خليل بن حاجي بابا القزويني المشهور بـ: (بزركش)(ت قبل ١١٩١ هـ):
قال صاحب التتميم في ترجمته: «كان فاضلاً نبيلاً وعالماً جليلاً، وذا أفكار دقيقة وذا أنظار رقيقة، تفنّن وأحسن، والغالب عليه الحكمة؛ تفكّر في مسائل وكتب فيها رسائل لم يستحسنه معاصروه، منها: رسالة في تحقيق العلم الإلهي وانقسامه إلىٰ الإجمالي والتفصيلي، وما قيل في ذلك...»(١).
وترجم له الطهراني في موضعين من الطبقات بعنوان: خليل زركش... ونقل كلام صاحب التتميم وعلّق علىٰ قوله: وله رسائل أخرىٰ في الحكمة ما استحسنها معاصروه قال... أقول: «والأخباريّون هم الذين لم يستحسنوا طريقته العقلائية»(٢).
وذكره بعنوان: خليل القزويني الحكيم.. وذكر له رسالة: إثبات حدوث الإرادة بالبرهان العقلي...»(٣).
٦ـ آقا رضا قلي القزويني (من علماء أوائل القرن الرابع عشر):
قال الطهراني في ترجمته: «فيلسوف فاضل وعالم كامل، تتلمذ في الحكمة علىٰ حجّة عصره في المعقول ملّا آقا الحكمي القزويني، ونبغ في ذلك نبوغاً باهراً، طار ذكره في البلاد وخلف أستاذه علىٰ شهرته وبراعته وصارت الرحلة إليه كما كانت لأستاذه، ذكره في المآثر والآثار في ذيل ترجمة أستاذه، والظاهر أنّه ممّن أدرك هذه المائة، ولعلّ لم يدركها والله العالم»(٤).
__________
(١) تتميم أمل الآمل: ١٤٦ برقم ٩٧.
(٢) الطبقات (الكواكب المنتثرة) ٦ / ٢٤٤ ـ ٢٤٥.
(٣) الطبقات (الكواكب المنتثرة) ٦ / ٢٤٤.
(٤) طبقات أعلام الشيعة (نقباء البشر في القرن الرابع عشر) ١٤ / ٧٨٣ برقم١٢٦٨؛ المآثر والآثار، علماى عهد ناصر الدين شاه: ١٨٠ برقم ٣٨٨.
٧ـ السيّد الميرزا جعفر القزويني (ت ١٢٩٨ هـ):
جاء في ترجمته: «... وتضلّع في الفلسفة والحكمة والتاريخ واللغة، وأشير إلىٰ فضله... ترك آثاراً جليلة منها الإشراقات في المنطق، والتلويحات الغروية عنوانه: تلويح التلويح»(١).
٨ـ الأمير أبو الفتح القزويني:
«وهو المير أبو الفتح بن المير مخدوم القزويني العربشاهي... له شرح الباب الحادي عشر، الموسوم بـ: (مفتاح الغيب) بالعربية، وله شرح آخر بالفارسية، وله أيضاً شرح الكبرىٰ، وله الردّ علىٰ القوشجي...»(٢).
٩ـ محمّد يحيىٰ القزويني:
«من فضلاء عصره، صحّح نسخة من حاشية المولىٰ شمسا الكيلاني علىٰ إلهيّات التجريد وشرحه، والحاشية الخفرية عليه...»(٣).
١٠ـ إبراهيم الطالقاني (كان حيّاً سنة ١١٤٧ هـ):
قال الطهراني في ترجمته: «... ابن محمّد قاسم بن شمس الدين، من علماء عصره، كان طالقاني الأصل قزويني المولد نجفي المسكن، أوقف جميع مكتبته علىٰ طلبة النجف بعضها سنة (١١٤٢ هـ) وجعل التولية لنفسه...
له من الآثار: رسالة في معنىٰ حدوث العالم، ورسالة في العلّة والمعلول،
__________
(١) المصدر نفسه ١٠ / ٢٦٩ ـ ٢٧١.
(٢) المصدر نفسه ٧ / ١٧٦.
(٣) الطبقات ٦ / ٨١٩.
ورسالة علم الله، وكتب بخطّه حاشية تهذيب المنطق وغيرها(١).
رابعاً: التفسير وعلوم القرآن في حوزة قزوين:
لقد كان للقرآن الكريم وعلومه حضوره المتميّز في الدرس والتأليف والتصنيف في حوزة قزوين العلمية؛ وقد أولىٰ بعض علماء هذه الحوزة لدرس التفسير وعلوم القرآن أهمّية، نجدها في الآثار العلمية لبعض أساتذة هذه الحوزة وفضلائها؛ ويمكن أن نشير إلىٰ بعض منهم:
١ـ الشيخ محمّد صالح البرغاني القزويني (ت ١٢٨٣ هـ)(٢):
وله تفسير القرآن الكريم في عدّة مجلّدات.
٢ـ الحاجّ الميرزا يحيىٰ القزويني:
«للعالم المفسّر الواعظ المدرّس الجليل، والذي كان من الأساتذة العظام في فنون اللغة العربية، وله شروح وتعليقات نافعة علىٰ البهجة المرضية... تفرّغ في أواخر عمره في قزوين لتدريس تفسير القرآن الكريم، وإلقاء المواعظ في بعض الأحيان»(٣).
٣ـ الملّا قاسم النحوي:
وهو من أكابر الطائفة النحوية في قزوين... وله التفسير الكبير(٤).
__________
(١) الطبقات ٦ / ١٣.
(٢) الكرام البررة ٢ / ٦٦٠؛ الذريعة ٤ / ٢٧٨ رقم ١٢٨٢؛ مرآة الشرق ١ / ٧٩٤.
(٣) المآثر والآثار، علماى عهد ناصر الدين: ١١٩ برقم ١٨٦؛ الكرام البررة ٢ / ٦٣١ برقم ١٠٤٩.
(٤) المآثر والآثار: ٢٢٣ برقم ٤٤٠؛ الكرام البررة ١٢ / ٢٤١.
٤ـ الشيخ الملّا علي القزويني (ت بعد ١٣١٠ هـ):
عالم فاضل، وخطيب كبير، وحبر جامع فذّ، كان من الأكابر الأجلّاء، ذا يد طولىٰ في الحديث والتفسير والتاريخ، كثير التتبّع، واسع الاطّلاع... حتّىٰ أنّه لم يكن له في وقته شبيه في إيران، ذكره الفاضل المراغي في المآثر والآثار وأطراه بما ذكرت ترجمته...(١).
٥ ـ الشيخ أبو تراب الشهيدي القزويني (ت ١٣٧٥ هـ):
هو سبط عمّ أبيه ملّا صالح البرغاني صاحب التفسير الكبير الموجود عند المترجم له، وقد ألّف هو كتاب التبيين في شرح آيات المواعظ والبراهين، وهو تفسير فارسي في خمس مجلّدات ضخام، رأيتها عنده بخطّه، فرغ من تبيض خامسها في (١٠ / جمادىٰ الأولىٰ / ١٣٦٥ هـ)...(٢).
٦ـ الشيخ مجتبىٰ التنكابني القزويني (ت ١٣٨٦ هـ):
جاء في ترجمته: «عالم فاضل، مدرّس مفسّر... وله تصانيف منها: تفسيره الفارسي الموسوم بـ: (بيان الفرقان) طبع منه أربع مجلّدات»(٣).
٧ـ السيّد رفيع القزويني:
«كان من أفاضل العلماء أعلام الفضل والكمال، ذكره تلميذه الميرزا محمّد التنكابني المتوفّىٰ سنة (١٣٠٢ هـ)، في كتابه قصص العلماء فوصفه بالعلم
__________
(١) نقباء البشر٤ / ١٧٨٥ برقم ١٩٠٥؛ انظر: المآثر والآثار: ٢٢١ برقم ٤٣٦.
(٢) الكرام البررة ١ / ٨٧ ـ ٨٨؛ انظر: الذريعة ٤ / ٢٧٨ رقم ١٢٨٢ و ٢٦ / ١٥١ رقم ٧٦١.
(٣) المصدر نفسه ٥ / ٢٣١٨ برقم ٢٤١٨؛ انظر: الذريعة ٢٦ / ١١٦ رقم ٥٥٧.
والفضل وذكر أنّه قرأ عليه تفسير البيضاوي...»(١).
٨ـ الحاجّ المولىٰ علي بن الآقا محمّد البرغاني القزويني:
وله تصانيف منها: لسان العارفين، الذي أحال فيه إلىٰ بعض تصانيفه الذي ألّفه قبل المطبوع، ومنها: تفسير غنائم العارفين، وفردوس العارفين في بيان أسرار آل طه ويس، فرغ من تأليفه سنة (١٢٥١ هـ)(٢).
٩ـ يوسف القزويني (ت بعد ١٠٨٣ هـ):
«هو المفسّر ضياء الدين محمّد بن الميرزا خان وزير توپچي القزويني، له تفسير مجمع البحرين، ملخّص عن مجمع البيان للطبرسي، كما صرّح في أوّله؛ ومجمع البحرين عربي في جزئين، فرغ من أوّله (ليلة ٦ / محرّم /١٠٨٢ هـ)»(٣).
١٠ـ محمّد بن علي بن مظفّر الحمداني:
جاء في ترجمته: «مفسّر، صالح، واعظ، له كتاب مفتاح التفاسير، وكتاب دلائل القرآن، وكتاب شرح الشهاب»(٤).
١١ـ محمّد طاهر القزويني:
ابن محمّد مؤمن؛ صاحب رسالة التجريد في التجويد، ومنتخبه بالفارسية الذي كتب في حياة مؤلّفه في سنة (١١١٧ هـ)، ونسخة المنتخب بخطّ جعفر نور الدين
__________
(١) المصدر نفسه ١١ / ٥٨١.
(٢) المصدر نفسه ١٢ / ٨٤ ـ ٨٥.
(٣) الكواكب المنتثرة ٩ / ٨٣٤.
(٤) فهرست منتجب الدين: ١٠٥ برقم ٣٧٨.
محمّد صاحب سراج المضلّين، وقد وصف المؤلّف بقوله: أفضل الفضلاء وأعلم العلماء، وكتب جعفر علىٰ حواشي المنتخب حواشي منه كثيرة؛ وأظنّه والد محسن النحوي القزويني ابن محمّد طاهر صاحب تفسير ملّا محسن النحوي(١).
١٢ـ شمس الدين محمّد المدعوّ بمير سيّد شريف الحسيني الجرجاني:
وله تفسير شاهي(٢).
١٣ـ المير محمّد إبراهيم بن محمّد معصوم الحسيني القزويني (ت ١١٤٥ هـ):
له حاشية علىٰ كتاب آيات الأحكام للعلّامة الأردبيلي مبسوطة جدّاً...(٣).
خامساً: الحديث وتدوينه وروايته وشرحه في حوزة قزوين:
انطلقت الحركة العلمية في قزوين مع بداية دخول نور الإسلام إليها، إذ أكسَبَها موقعها الجغرافي أهمّية بالغة كثغر من ثغور الجهاد والمرابطة في سبيل الله، فجاءت الأحاديث الكثيرة التي تشير إلىٰ مكانتها وثواب المكوث فيها واستيطانها لتعزّز هذه المكانة الرغبة لدىٰ المؤمنين لشدّ الرحال إليها، فوفد إليها جملة من الصحابة والتابعين والرواة والمحدّثين ـ كما أشرنا إلىٰ ذلك في مدخل البحث ـ فأصبحت قزوين «مركزاً لإشعاع فكري وحوزة تجمع طلّاب العلوم من سائر الأصقاع والبلدان»(٤).
وقد تصدّىٰ الشيخ إمام الدين عبد الكريم بن محمّد الرافعي القزويني المتوفّىٰ
__________
(١) فهرست منتجب الدين ٩ / ٣٩٨؛ انظر: الذريعة ٤ / ١٣٢٣.
(٢) المصدر نفسه ٧ / ١٧٦.
(٣) المصدر نفسه ٩ / ١٦.
(٤) مقدّمة كتاب ضيافة الإخوان: ٣.
سنة (٦٢٣ هـ) إلىٰ تدوين أسماء من وفد علىٰ هذه البلدة من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، في كتابه القيّم: التدوين في أخبار قزوين، والذي ضبط نصّه وحقّق متنه المرحوم الشيخ عزيز الله العطاري الخراساني رحمهالله .
«وهو كتاب بالغ الأهمّية ويحتوي علىٰ أكثر من ألف ترجمة بالإضافة إلىٰ مافيه من الفوائد التاريخية والعلمية الأخرىٰ؛ ويحتوي علىٰ تراجم علماء الشيعة والسنّة، وكانت تراجم الشيعة مختصرة استخرجها رضي الدين محمّد بن الحسن القزويني المتوفّىٰ سنة (١٠٩٦ هـ) في كتابه القيّم ضيافة الإخوان وهدية الخلّان. متوسّعاً في التراجم بعض التوسّع... وأضاف بعض التراجم لمن لم ترد في التدوين، والتزم في من ترجمه أن يكون من الشيعة المعروفين الذين ذكروا في كتب أهل السنّة أو حدّثوا عنهم، والكتاب جهد علمي قيّم تبرز أهمّيته في استطراداته العلمية التي يستطردها المؤلّف ضمن ترجمة الأعلام...»(١).
وقد احتوىٰ كتاب (رضي الدين محمّد) علىٰ ترجمة (٦٥) شخصية من رواة الشيعة ومحدّثيهم في قزوين، إلىٰ حين وفاته سنة (١٠٩٦ هـ).
لقد كانت حوزة قزوين ـ ومنذ بداية نشأتها ـ حوزة حديث ورواية ودراية؛ ومن رحم الحديث ومتونه انطلقت العلوم الإسلامية الأخرىٰ كالفقه والتفسير وعلم الكلام وغيرها.
وكان علماء هذه الحوزة الأوائل من السبّاقين في هذا الميدان ومن الرواة الأوائل، واتّصلت روايات بعضهم بالأئمّة من دون واسطة أو بواسطة واحدة، أو وسائط قليلة،
__________
(١) المصدر نفسه: ٣ ـ ٤.
وبعضهم كان من مشايخ النجاشي أو الطوسي، وقد مرّ بنا في مدخل تاريخ حوزة قزوين تراجم أكثر من ثلاثين راوٍ من هؤلاء الرواة ممّن كان لهم دورهم المهمّ في نشر أحاديث أهل البيت عليهمالسلام ؛ وخاصّة الأحاديث الدالّة علىٰ فضائلهم وعصمتهم ومكانتهم الإيمانية والعلمية، وجمعهم لتراث أهل البيت عليهمالسلام الحديثي ضمن مجموعة حديثية بعنوان: صحيفة أو مسند الإمام الرضا عليهالسلام ، والتي جمع فيها الراوي داود بن سليمان الغازي مائتين وأربعين حديثاً عرفت بـ: (صحيفة أهل البيت) واشتهرت بين الخاصّة والعامّة.
بالإضافة إلىٰ ذلك فقد كان لهؤلاء الرواة دورهم الكبير في ردّ الشبهات العقائدية وخاصّة ما يتعلّق بموضوع الإمامة؛ وكذلك كانوا علىٰ ارتباط مباشر مع الأئمّة عليهمالسلام من خلال مصاحبتهم لهم أو مراسلتهم، أو إرسال التقارير الدورية لهم؛ وكانوا عليهمالسلام يطّلعون من خلالها علىٰ أوضاع شيعتهم في المنطقة، وهكذا استطاع هؤلاء الرواة ترسيخ وتجذير عقائد وتعاليم الإسلام بحسب منهج أهل البيت عليهمالسلام .
وكان من المؤمّل أن تستمرّ حركة الرواية والتدوين الروائي والشرح والتحشية لبعض المدوّنات السابقة، بالإضافة إلىٰ سنة إجازة الرواية بين الأعلام... إلّا أنّ ممّا يؤسف له أنّنا لا نجد ذلك الاهتمام الواسع في القرون الأخيرة من تاريخ هذه الحوزة العريقة، إلّا النزر القليل يمكن أن نلتقطه في تراجم بعض أعلام هذه الحوزة، والتي أصبح الاتّجاه العلمي السائد فيها في القرنين الأخيرين هو الدرس الفقهي والأصولي، وتستسقي معارفها في هذين العلمين من الحوزات العلمية في كربلاء والنجف وسامراء، وأغلب أعلام هذين القرنين من الدارسين في هذه الحوزات المباركة.
وفيما يلي إشارات مختصرة لجهود بعض أعلام هذه الحوزة في مجال علم الحديث:
١ـ الشيخ فضل علي القزويني (ت ١٣٦٧ هـ):
وله من الآثار: شرح خطبة الزهراء عليهاالسلام، ومقتل أبي عبد الله عليهالسلام (١).
٢ـ السيّد باقر القزويني النجفي (ت ١٢٤٦ هـ):
وله من الآثار: الفلك المشحون في أحوال الحجّة عليهالسلام (٢).
٣ـ السيّد محمّد تقي القزويني (ت ١٢٧٠ هـ):
وله من الآثار: شرح نهج البلاغة للإمام علي عليهالسلام (٣).
٤ـ الشيخ محمّد رضا القزويني:
وله من الآثار كتاب: الأصول الأصيلة، ويمكن أن يكون من كتب الحديث جمع فيه بعض الأصول الحديثية، أو من كتب (أصول الفقه) والتي تستند إلىٰ بعض مرويّات أهل البيت عليهمالسلام .
٥ـ السيّد حَريث بن محمّد الحسيني القزويني:
وله من الآثار والتصانيف:
أ: المقتل الجليل الموسوم بـ: (مجمع المصائب).
٢ـ كتاب في الأخبار والأحاديث.
٣ـ كتاب الفضل (فارسي) في معجزات أمير المؤمنين، وذكر بعض المطّلعين
__________
(١) الذريعة ١٣ / ٢٢٤ برقم ٧٩٦.
(٢) الطبقات ١٠ / ١٦٩.
(٣) الطبقات ١٠ / ٢٢٩ ـ ٢٣١ .
أنّ اسم الكتاب هو: حياة الأبرار في معجزات الكرّار(١).
٦ـ الأمير القاضي أحمد الغفاري القزويني:
وله من الآثار: أسامي الأوصياء الاثني عشر لأولي العزم من الرسل، ذكر ذلك في كتابه: تاريخ جهان آرا بالفارسية(٢).
٧ـ يحيىٰ القزويني:
وهو ابن عبد اللطيف المتوفّىٰ سنة (٩٦٠ هـ) الشيعي بتصريح كشف الظنون، الفاضل الأديب المؤرّخ صاحب كتاب لبّ التواريخ، فارسي مرتّب علىٰ أربعة أقسام، أوّلها في سيرة النبي والأئمّة الاثني عشر صلوات الله عليهم أجمعين(٣).
٨ـ الأمير آصف القزويني:
قال صاحب التتميم: «... وكان رحمهالله مع كمال فضله مقدّساً منزّهاً زاهداً، ورأيت من مصنّفاته شرحه علىٰ خطبة (همام) المرويّة عن أمير المؤمنين عليهالسلام في نهج البلاغة والكافي، في صفات المؤمنين ـ المتّقين ـ وأجاد فيه كمال الإجادة»(٤).
٩ـ آقا خليل بن محمّد أشرف القائني:
«... بقي في قزوين عامين... ومن تأليفاته شرح حديث عمران الصابي، ورسالة في شرح رسالة الإمام علي التقي عليهالسلام »(٥).
__________
(١) طبقات أعلام الشيعة (الكرام البررة) ١٢ / ٢٥٢ ـ ٢٥٣؛ أعيان الشيعة: ٨ / ٤٥٠.
(٢) الطبقات (إحياء الداثر) ٧ / ١٦؛ مجالس المؤمنين ١ / ١٥؛ الذريعة: ٣ برقم ٩١٣.
(٣) الطبقات ٧ / ٧٥.
(٤) تتميم أمل الآمل: ٤٨.
(٥) المصدر نفسه: ١٤٢ـ١٤٦؛ الطبقات ٩ / ٢٤٣ ـ ٢٤٤.
١٠ـ محمّد أمين القزويني، المدعو بآقا ميرزا:
قال صاحب التتميم في ترجمته: «... كان عالماً فاضلاً، وكان أستاذنا؛ قرأنا عنده... كتاب العقل، والتوحيد من أصول الكافي...»(١).
١١ـ مولانا الحاجّ محمّد رضا القزويني:
«كان من الفضلاء النبلاء والعلماء الأجلّاء... وكان رأيه مائلاً إلىٰ الأخبارية مع كمال غوره في كتب الفقه... له شرح كتاب الطهارة والصلاة من كتاب وسائل الشيعة للشيخ الحرّ ـ العاملي ـ ورسالة الرفيق في آداب السفر»(٢).
١٢ـ محمّد مؤمن الطالقاني:
«من علماء عصره، وله شرح أدعية السرّ، مع الترجمة الفارسية...»(٣).
١٣ـ أبو العرفاء القاضي القزويني:
«وله مجموعة مسائل في المعقول والمنقول»(٤).
١٤ـ محمّد إبراهيم القزويني (ت حدود ١١٠٤ هـ):
قال الطهراني في ترجمته: «هو ابن محمّد لاچين، رأيت بخطّه شرح توحيد أصول الكافي، تاريخ كتابته (يوم الإثنين غرّة رجب ١١٠٤ هـ)»(٥).
__________
(١) المصدر نفسه: ٧٢ برقم ٢٥.
(٢) المصدر نفسه: ١٥٧ ـ ١٥٨ برقم ١٠٨.
(٣) رياض العلماء ٢ / ٢٦٣.
(٤) الطبقات ٩ / ٧٩٨؛ الذريعة ٥ / برقم ١١٠٦ و ١٧ / ١٧١ برقم ٩٠٦.
(٥) الطبقات ٩ / ١٧ ـ ١٨.
١٥ـ محمّد باقر القزويني (ت بعد ١١٠٣ هـ):
«وله: منتخب من كتاب العقل والتوحيد والحجّة والمعيشة ـ من الكافي ـ وسمّاه بالفهرس»(١).
١٦ـ محمّد تقي القزويني:
«... وله تصانيف موجودة عند أحفاده بقزوين منها:... كتاب في الحديث، وكتاب في الأدعية...»(٢).
١٧ـ محمّد شفيع القزويني (ت ما بين ١١٧٥ و ١١٨٥ هـ):
«له: زلال العيون في شرح عيون أخبار الرضا ـ للصدوق ـ بالفارسية، فرغ منه (١١٧٢هـ)... وله رسالة بالفارسية في غزوات أمير المؤمنين سمّاه: شعشعة ذو الفقار، وله أيضاً تاريخ العرفاء، ومجمل تاريخ الزندية، وكتاب محافل المؤمنين»(٣).
١٨ـ محمّد شفيع الواعظ القزويني:
له: تتمّة أبواب الجنان لأبيه(٤).
١٩ـ محمّد صالح الروغني:
وله كتاب الإمامة، وترجمة عيون أخبار الرضا، للصدوق، وكتاب بركات المشهد، وترجمة توحيد المفضّل(٥).
__________
(١) الطبقات ٩ / ٩٢ ـ ٩٣.
(٢) الطبقات ٩ / ١٢٢ ـ ١٢٣.
(٣) الطبقات ٩ / ٣٢٦.
(٤) أمل الآمل ٢ / ٢٧٦.
(٥) الطبقات ٩ / ٣٧٢.
٢٠ـ عبد الكريم القزويني:
وله: نظم الغرر ونضد الدرر، وأصداف الدرر في ترجمة الغرر والدرر، والدعوات وترجمة بعض نهج البلاغة مشروحاً(١).
نكتفي بهذا المقدار من بيان الآثار العلمية لعلماء وفضلاء حوزة قزوين العلمية في العلوم الإسلامية المختلفة، ومنها: الفقه، وأصوله، والفلسفة وعلم الكلام، والتفسير وعلومه، والحديث، والرواية والتاريخ.
والذي نلاحظه؛ أنّ هذه الحوزة كانت حوزة حديثه في بداية نشأتها، إلّا أنّها تحوّلت في أدوارها اللاحقة إلىٰ حوزة فقه وأصول ـ كما نوّهنا بذلك سابقاً ـ ولهذا نجد أكثر عناوين آثار علماء قزوين المتأخّرين عناوين فقهية وأصولية.
خلاصة حوزة قزوين في دورها الرابع:
يعدّ هذا الدور من أهمّ أدوار هذه الحوزة المباركة ويمتدّ لفترة زمنية طويلة وحسّاسة من عمرها المبارك؛ عاشت فيها فترتي التراجع والانكماش، ثمّ فترة التقدّم والازدهار.
وفيما يلي تلخيص مختصر لأهمّ مباحث هذا الدور:
أوّلاً: عاصرت هذه الدورة أواخر عصر الدولة القاجارية المضطربة، ثمّ حكم الدولة الپهلوية وما رافقها من أحداث مؤسفة أدّت إلىٰ تراجع الحوزة وانكماشها في كلّ إيران نتيجة السياسة اللا دينية الاستبدادية التي انتهجتها هذه الدولة وأجهزتها القمعية.
ثانياً: تعرّض رجال حوزة قزوين وفضلاؤها إلىٰ المضايقة والتشريد والسجن والاعتقال والقتل كبقية الحوزات العلمية الأخرىٰ، إلّا أنّها صمدت واستطاعت أن
__________
(١) الطبقات ٩ / ٤٤٥ ـ ٤٤٦.
تحافظ علىٰ ما تبقّىٰ من هذه الحوزة مستفيدة من بعض أوقات الانفراج النسبي.
ثالثاً: تعرّض مدارس ومؤسّسات ومنشآت الحوزة في هذه الحقبة إلىٰ المصادرة وسلب التولية من المتولّين عليها، كما صودرت أوقافها لصالح الدولة الاستبدادية ومؤسّساتها القمعية.
رابعاً: عاش ـ في فترة الاستبداد هذه ـ نخبة من العلماء والفضلاء والفقهاء من أبناء هذه المدينة أو من الوافدين عليها من المدن الأخرىٰ، وكان لهم دورهم في التوعية الدينية ومواجهة النظام الحاكم، بالإضافة إلىٰ وظيفتهم الدينية في صلاة الجماعة والتدريس والخطابة...
خامساً: ترجمنا لأكثر من (٦٠) عالماً من علماء هذه المرحلة وبيّنّا دورهم في المجتمع وآثارهم العلمية ونشاطهم وحضورهم الحوزوي التدريسي.
سادسا: أعقب فترة التراجع والانكماش، فترة التقدّم والازدهار وهي الفترة التي أعقبت انتصار الثورة الإسلامية، وقيام الجمهورية الإسلامية حيث عاد النشاط العلمي للحوزات العلمية عامّة ومنها حوزة قزوين.
سابعاً: تمّ في مرحلة التقدّم والازدهار في ظلّ الجمهورية الإسلامية تأهيل وتعمير المدارس الدينية القديمة، وكذلك تأسيس مدارس جديدة لاستيعاب أكبر عدد من طلّاب العلوم والمعارف الإسلامية.
ثامناً: تمّ تخصيص مدرسة علمية حوزوية للتعليم النسوي، أخذت علىٰ عاتقها الجانب التعليمي والتربوي وتأهيل الدارسات للتدريس والتبليغ والخطابة والتوعية الدينية.
تاسعاً: تمّ تشكيل لجنة استشارية وإدارية لإدارة الحوزة ووضع القوانين والمقرّرات التعليمية والإدارية والتنظيمية لها، ثمّ تطوّرت هذه اللجنة وارتقت إلىٰ: (مديرية الحوزة
العلمية في قزوين) ترتبط إداريّاً وعلميّاً وتنظيميّاً بالحوزة العلمية في مدينة قم المقدّسة.
عاشراً: كان للعلماء المعاصرين لهذه الفترة دورهم البارز في الجهاد وقيادة الأمّة والحوزة حتّىٰ تحقّق الانتصار الكبير، وانبلج نور الإسلام وأهل البيت عليهمالسلام ، وكان لهؤلاء الصفوة من الأعلام دورهم الكبير في ازدهار وتقدّم الحوزة القزوينية من خلال جهودهم الإدارية والتدريسية والتربوية والتي ساهمت في هذا التقدّم والازدهار.
حادي عشر: وفي ختام بحثنا في ثنايا هذه الحوزة المباركة عبر تأريخها ومسيرها التكاملي، سلّطنا الأضواء علىٰ المعطيات العلمية لهذه الحوزة ضمن محاور العلوم الإسلامية في الفقه والأصول والفلسفة وعلوم القرآن والحديث الشريف، وبيّنّا معالم المدرسة الفقهية وأهمّ فقهاء هذه الحوزة مع الإشارة إلىٰ آثارهم العلمية الفقهية وأهمّ الموسوعات ومصنّفاتهم في هذا المجال.
كذلك الأمر في علم أصول الفقه وما كتبه وصنّفه علماء حوزة قزوين فيها من مدوّنات وشروحات وحواشٍ.
وفي مجال الفلسفة والكلام والمنحىٰ العقلي كان لعلماء حوزة قزوين ميدانهم الواسع فيها، وآثارهم تدلّ علىٰ ذلك، وهكذا في مجال التفسير وعلوم القرآن، والحديث الشريف.
وقد اعتمدنا في كلّ مباحث وفصول وأدوار هذه الحوزة علىٰ عيون الكتب والمراجع والمصادر ونوّهنا بها في هوامش الصفحات، ونظّمنا فهرستاً لها في نهاية الكتاب.
تمّ تدوين تاريخ حوزة قزوين العلمية في الثالث عشر من شهر رجب الخير من سنة (١٤٤٢ هـ) يوم ولادة أمير المؤمنين عليهالسلام .
والله وليّ التوفيق والسداد.
خلاصة وتقويم لتأريخ الحوزة العلمية في قزوين في أدوارها الأربعة
بعد هذه الجولة في تأريخ حوزة قزوين منذ تأسيسها وإلىٰ عصرنا الحاضر؛ لابدّ لنا من وقفة قصيرة نلخّص ونقوّم بها المراحل التاريخية التكاملية لهذه الحوزة وضمن نقاط محدّدة وواضحة.
أوّلاً: بدأت المسيرة العلمية لهذه الحوزة المباركة مع دخول الإسلام في مرحلة مبكّرة لهذه المدينة، ووفود بعض الصحابة والتابعين من حملة العلم، ورواة حديث رسول الله، حيث جذبهم إلىٰ هذه المدينة كونها من ثغور المسلمين، ومحلّ رباطهم في جهاد الديلم وصدّ هجماتهم علىٰ بلاد المسلمين، وورود روايات كثيرة في فضلها؛ وهكذا استوطن هؤلاء النخبة في هذه المدينة وشهدت حضورهم لعلمي إلىٰ جانب حضورهم الجهادي، وقد ذكر الرافعي في كتابه القيّم التدوين في أخبار علماء قزوين أسماء كثيرٍ من أولئك العلماء الأفذاذ.
ثانياً: كان دخول التشيّع ومذهب أهل البيت عليهمالسلام إلىٰ هذه المدينة قد مرّ بمراحل متعدّدة، بدأت مع الرواة القزاونة الأوائل من أصحاب الأئمّة عليهمالسلام ، وقد ذكرنا منهم أكثر من ثلاثين شخصية قزوينية كان لهم شرف حمل حديث أهل البيت عليهمالسلام ونشره في هذه المدينة، بالإضافة إلىٰ ترسيخهم لعقائد وتعاليم الإسلام بحسب منهج أهل البيت عليهمالسلام وتصدّيهم لحركة الغلوّ والغلاة وأصحاب المقولات المنحرفة عن خطّ التشيّع العلوي الإمامي.
وهنالك عوامل أخرىٰ ساهمت في دخول وترسيخ وتجذير التشيّع في هذه المدينة رغم الظروف الصعبة والاضطهاد الذي تعرّض له أتباع مذهب أهل البيت عليهمالسلام والتي أشرنا إلىٰ بعض منها.
ثالثاً: حافظت قزوين مذهبيّاً علىٰ طابعها السنّي كأكثرية مع وجود أقلّية شيعية، من الشيعة الإمامية الاثني عشرية أو الشيعة الزيدية، أو الإسماعيلية؛ واستمرّ الأمر إلىٰ عصر ظهور الدولة الصفوية في بداية القرن العاشر الهجري؛ حيث اتّخذت من مدينة تبريز عاصمة لدولتها لفترة ما يقارب نصف قرن من الزمن ثمّ انتقلت
العاصمة إلىٰ مدينة قزوين في عصر الشاه طهماسب الأوّل الصفوي.
وفي هذا العصر توسّعت رقعة التشيّع في قزوين وتحوّلت تدريجيّاً من (دار السنّة) إلىٰ (دار الشيعة) رغم أنّ الدولة الصفوية لم تحمل الناس بالقوّة علىٰ تغيير مذهبهم والتحوّل نحو التشيّع.
رابعاً: هذه الحوزة المباركة؛ كغيرها من الحوزات العلمية يمكن تقسيم تاريخها إلىٰ أدوار ومراحل زمنية متعدّدة بحسب الظروف الزمنية والعوامل الموضوعية التي رافقت مسيرتها التاريخية المتلاحقة.
وقد قمنا بتقسيم أدوار هذه الحوزة إلىٰ أربعة أدوار رئيسية؛ لكلّ دور منها ملامحه العامّة وقواسمه المشتركة مع المراحل السابقة أو اللاحقة له، وكذلك له خصوصيّاته وما يميّزه عن غيره من المراحل.
خامساً: لقد كان الدور الأوّل لهذه الحوزة بمثابة التأسيس والنشأة الأولىٰ لها، وامتداده الزمني يبدأ من القرن الثالث الهجري، ويمتدّ إلىٰ القرن الثامن الهجري، وقبل ظهور الدولة الصفوية.
وقد برز في هذه المرحلة جملة من الأعلام، وكان لهم إسهامهم العلمي في إرساء قواعد وأسس هذه الحوزة الكريمة؛ وقد ذكرنا تراجم بعضهم وأشرنا إلىٰ آثارهم العلمية وإسهامهم العملي في التدريس والإفادة.
وقد شهدت هذه المرحلة تأسيس بعض المدارس الدينية كما تنصّ علىٰ ذلك بعض المؤلّفات التاريخية لهذه المرحلة.
ولم تفُتنا الإشارة ـ في نهاية هذه المرحلة ـ إلىٰ حوزة (آلموت) في قلاع الإسماعيلية، ودور نصير الدين الطوسي فيها.
سادساً: وكان الدور الثاني لهذه الحوزة المباركة، وهو دور (الانتشار والتوسّع)؛ والذي كانت بداياته مع ظهور الدولة الصفوية وامتدّ مع عمر هذه الدولة والذي نافَ علىٰ القرنين من الزمن.
حيث اتّخذت هذه الدولة من التشيّع شعاراً ومذهباً لها، ومن مدينة قزوين عاصمة لها بعد أن دعت بعض الضرورات ترك العاصمة الأولىٰ لدولتها (تبريز).
وقد توسّعت الحوزة القزوينية في هذا الدور توسّعاً كبيراً، وظهر فيه علماء كبار واصلوا مسيرة الحركة العلمية التي بدأها سلفهم الصالح من العلماء الماضين، وقد ترجمنا لنخبة من أولئك الأعلام الكبار، ونوّهنا بآثارهم العلمية في مختلف العلوم الإسلامية والإنسانية بالإضافة إلىٰ جهودهم في التدريس والإفادة والتوجيه الديني والاجتماعي وحضورهم الفاعل ومشاركتهم في جميع المجالات.
ولم تفُتنا الإشارة إلىٰ بعض العلماء العامليّين المهاجرين إلىٰ إيران ممّن استوطنوا قزوين، وكانت لهم خدماتهم الدينية التوعوية بالإضافة إلىٰ آثارهم العلمية.
وفي هذا الدور أضيفت مدارس علمية جديدة تمّ تأسيسها من قبل كبار الشخصيّات في الدولة الصفوية ومن قبل بعض الوجهاء وبإشراف من قبل العلماء والفضلاء في قزوين.
سابعاً: وكان الدور الثالث لهذه الحوزة هو دور (التكامل والتجذّر) واستوعبت هذه الدورة فترة زمنية طويلة قاربت القرنين من الزمن، وعاصرت حكومات وحكّاماً وأمراء تفاوتت مواقفهم من الحوزة العلمية ورجالها؛ وكان لهذه المرحلة خصائصها وملامحها العامّة المشاركة للمراحل السابقة واللاحقة لها، كما وأنّ لها خصائصها التي امتازت بها، والتي منها: ظهور أسر علمية كبيرة في هذه المدينة والمدن المجاورة لها، وكان لهذه الأسر دور علمي ساهم في نشر وترويج العلوم الإسلامية، مثل أسرة آل الجعفري، وأسرة آل الزينبي، وأسرة آل هاشم القزويني، وآل الحمداني، وآل بويه، وآل البرغاني، وآل القزويني... وغيرهم من الأسر، كما وظهرت خلال هذه الفترة بعض التيّارات الفكرية والعقائدية المنحرفة، والتي ينتسب بعض رجالها للحوزة العلمية كالبابية والإسماعيلية وحركة قرّة العين والشيخية والمتشرّعة، كما وشهدت هذه المرحلة ظاهرة الصراع الأخباري الأصولي في قزوين قبل أن تنتقل إلىٰ كربلاء، وقد شغلت هذه الصراعات العقائدية والفكرية رجال وعلماء الحوزة في
قزوين، إلّا أنّها قد وحّدت موقف الأصوليّين في التصدّي للأخباريّين وإخماد حركتهم.
وكان للعلماء في هذا الدور حضورهم المكثّف في النشاط الديني والتبليغي والتدريسي والتصنيف والتأليف؛ حيث امتازت هذه الدورة بأسماء لامعة وعلماء كبار يعدّون في صفوف المراجع؛ وقد أحصينا عدداً كبيراً منهم؛ وذكرنا أهمّ آثارهم العلمية.
وقد تمّ في هذه المرحلة تأسيس مدارس علمية دينية جديدة أضيفت إلىٰ المدارس السابقة، فارتفع عدد المدارس في حوزة قزوين إلىٰ أربع عشرة مدرسة.
ثامناً: وقد مرّت الحوزة العلمية في قزوين في الدور الرابع من تاريخها بمرحلتين، وهما: (مرحلة التراجع والانكماش): فقد كانت الحقبة الأولىٰ لهذه المرحلة في نهاية الدولة القاجارية وحالة عدم الاستقرار السياسي وانعدام الأمن واضطراب الأوضاع والذي ذهب ضحيّته بعض الأعلام في الحوزة، من أمثال الشيخ فضل الله النوري، وعبد الله البهبهاني... وغيرهم، وتعرّض بعض آخر إلىٰ التشريد والاضطهاد والسجن... ثمّ جاءت حقبة الحكومة البهلوية في عهد رضا پهلوي، والذي شنّ حملة قاسية ضدّ الدين والمذهب واستهدف الحوزة العلمية وعلماءها ومدارسها؛ ثمّ أعقبه ولده الشاه (محمّد رضا) والذي (بأبيه اقتدىٰ) بالجريمة والاستبداد ومحاربة الحوزة العلمية.
وفي كلا هاتين الحقبتين صمد وصبر أعلام الحوزات العلمية في إيران ومنها حوزة قزوين، وكانت لهم مواقفهم المشهودة في التصدّي للطغيان الشاهنشاهي، وكان النصر حليفهم وتوّج جهادهم وصبرهم وثباتهم واستقامتهم بنصر كبير للثورة الإسلامية، وتأسيس الجمهورية الإسلامية علىٰ يد مؤسّسها آية الله المرجع السيّد الإمام روح الله الموسوي الخميني.
ومعها بدأت المرحلة الثانية من هذا الدور: (التقدّم والازدهار) حيث افتتح أمام الحوزة وطلّابها آفاقاً جديدة في تنظيم شؤون الحوزة وإعداد مناهجها، وترتيب أوضاعها الإدارية ورعاية شؤون طلّابها... من خلال تأسيس مديرية الحوزة العلمية وتشكيلتها الإدارية وهيأتها العلمية والتربوية... فكانت هذه الحقبة من هذا الدور تتّسم (بالتقدّم والتوسّع والازدهار)
وقد عاصر هذا الدور بكلا مرحلتيه، نخبة من الأعلام والفضلاء كان لهم دورهم في الحفاظ علىٰ الحوزة وضمان عدم اضمحلالها الكامل أمام قسوة الأحداث التي تواجهها، ثمّ المساهمة في تقدّمها وتوسّعها وازدهارها في مرحلتها الثانية؛ وقد ترجمنا لنخبة من هؤلاء الأعلام السابقين بالإضافة إلىٰ بعض الأعلام المعاصرين.
وقد تمّ في هذا الدور الأخير والمرحلة الثانية منه، تأهيل المدارس العلمية القديمة، وتأسيس مدارس جديدة وإضافة مدرسة دينية خاصّة بالنساء الراغبات بالدراسة الدينية الحوزوية، وكان لبعض الأعلام المعاصرين لحوزة قزوين دور كبير في هذه التوسعة والازدهار، وخاصّة الشيخ (هادي باريك بين) والذي عاصر هذه الحوزة لأكثر من ثلاثة عقود من الزمن، وتولّىٰ أمورها ورعايتها بالإضافة إلىٰ مسؤوليّاته الأخرىٰ في إمامة الجمعة والجماعة وغيرها من الأمور الدينية والاجتماعية والسياسية.
تاسعاً: لقد كان لحوزة قزوين العلمية وخلال تاريخها التكاملي الطويل، كثير من المعطيات العلمية وفي مختلف الشؤون المعرفية، وخلّفت لنا إرثاً علميّاً باهراً في علوم الإسلام المختلفة، وبرز فيها مدارس ومناهج علمية في الفقه الإسلامي وأصوله وفي التفسير وعلوم القرآن، وكذلك في مجال الدروس العقلية كعلم الكلام والفلسفة والمنطق، بالإضافة إلىٰ علم الحديث وروايته ودرايته.
ونهض بهذه العلوم نخبة من أعلام الفقهاء والأصوليّين والفلاسفة والمتكلّمين والمحدّثين، وقد ذكرنا تراجم بعضهم مع الإشارة إلىٰ آثارهم العلمية.
وفي الختام؛ ينبغي أن ننوّه بالمصادر والمراجع التي اعتمدنا عليها في تدوين تاريخ الحوزة العلمية في قزوين؛ فقد اعتمدنا علىٰ مصادر أساسية دوّنها بعض أعلام قزوين واحتوت علىٰ معلومات دقيقة عن هذه المدينة، وتراجم أعلامها فكان لكتب التراجم والسيرة بالإضافة إلىٰ كتب الفهارس ومعاجم المدوّنات كـ: (الذريعة) و(كشف الظنون) وكتب الرجال... نصيب وافر في إمدادنا بالمعلومات الوافرة حول تاريخ هذه الحوزة المباركة.
المصادر
١-آثار الحجّة (بالفارسية): الرازي، محمّد شريف، طبعة كتابفروشى برقعي ـ قم، ١٣٣٢ ش.
٢-الإجازة الكبيرة: الجزائري، عبد الله الموسوي الجزائري التستري (من أعلام القرن الثاني عشر)، تقديم: السيّد المرعشي النجفي، تحقيق: محمّد السمامي الحائري، طبعة مكتبة المرعشي ـ قم، الطبعة الأولىٰ، ١٤٠٩ هـ.
٣-أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم: المقدسي، محمّد بن أحمد المقدسي المعروف بالمقدسي البشاري (ت ٣٨٠ هـ)، وضع مقدّمته وهوامشه وفهارسه الدكتور محمّد مخزوم.
٤-اختيار معرفة الرجال المعروف بـ: (رجال الكشي) أو (معرفة الناقلين): الكشي، أبو عمر محمّد بن عمر بن محمّد بن عبد العزيز (ت نحو ٣٤٠ هـ)، تلخيص وتهذيب: الشيخ محمّد بن الحسن الطوسي (ت ٤٦٠ هـ)، تعليق: حسن المصطفوي، طبعة دانشگاه مشهد، ١٣٤٨ ش.
٥-أساس البلاغة: الزمخشري، جار اللّه أبي القاسم محمود بن عمر (ت ٥٣٨ هـ)، تحقيق: عبد الرحيم محمود، طبعة دار المعرفة ـ بيروت، لبنان.
٦-الإسلام وإيران، عطاء وإسهام: مُطهري، مرتضىٰ بن محمّد حسين (استشهد سنة ١٣٩٩ هـ)، ترجمة وتقديم: محمّد هادي اليوسفي الغروي، طبعة منظّمة الإعلام الإسلامي ـ طهران، إيران، الطبعة الأولىٰ، (١٤٠٥هـ ـ ١٩٨٥ م)، وطبعة دار الحقّ ـ بيروت، لبنان، (١٤١٤ هـ ـ ١٩٩٣ م).
٧-أطلس الشيعة: جعفريان، رسول (الدكتور)، ترجمة: نصير الكعبي وسيف علي، طبعة المركز الأكاديمي للأبحاث، الطبعة الأولىٰ، ٢٠١٣ م.
٨-أعلام الإسماعيلية: مصطفىٰ غالب، طبعة دار اليقظة العربية ـ بيروت، لبنان، ١٩٦٤ م.
٩-أعيان الشيعة: الأمين، محسن بن عبد الكريم (ت ١٣٧١ هـ)، طبعة دار التعارف
للمطبوعات ـ بيروت، لبنان، الطبعة الخامسة، (١٤٠٧هـ ـ ١٩٨٦هـ).
١٠-إكمال الدين واتمام النعمة: الصدوق، محمّد بن علي بن بابويه القمي الشهير بالشيخ الصدوق (ت ٣٨١ هـ)، طبعة جامعة المدرّسين ـ قم.
١١-أمل الآمل في تراجم علماء جبل عامل: الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن بن علي الشهير بـ: (الحر العاملي) (ت ١١٠٤ هـ)، تحقيق: أحمد الحسيني، طبعة أفست مكتبة الأندلس ـ بغداد، العراق.
١٢-باب الجنة قزوين: گلريز، محمّد علي، مطبعة دانشگاه تهران، ١٣٣٧ش.
١٣-بحار الأنوار الجامع لدرر أخبار الأئمّة الأطهار: المجلسي، محمّد باقر بن المولىٰ محمّد تقي بن مقصود علي الإصفهاني الشهير بالمجلسي (ت ١١١١ هـ)، طبعة مؤسّسة الوفاء ـ بيروت، لبنان.
١٤-برگى از تاريخ قزوين: مدرس طباطبائي، حسين (الدكتور)، طبعة مكتبة المرعشي النجفي ـ قم، ١٣٦١ ش.
١٥-البهائية في إيران: زاهدي، سعيد زاهد، ترجمة: كمال السيّد، طبعة مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي ـ بيروت، لبنان، الطبعة الأولىٰ، ٢٠١٥ م.
١٦-تاريخ الإسماعيلية: عارف تامر، طبعة رياض الريس للكتب والنشر ـ لندن، قبرص، الطبعة الأولىٰ، ١٩٩١ م.
١٧-تاريخ الحوزات العلمية والمدارس الدينية عند الشيعة الإمامية: القاسم ـ عدنان فرحان (الدكتور)، طبعة شركة دار السلام ـ بيروت، لبنان، الطبعة لأولىٰ، (١٤٣٦ هـ ـ ٢٠١٦ م).
١٨-تاريخ الدعوة الإسماعيلية: مصطفىٰ غالب، طبعة دار الأندلس ـ بيروت، لبنان، الطبعة الثانية، ١٩٦٥م.
١٩-تاريخ تشيع در قزوين از آقاز تا عصر صفوي (بالفارسية): نشر: معاونت تحقيقات وپژوهش حوزه علميه قزوين، چاپ اعتماد.
٢٠-تاريخ حزين أو تذكره حزين: حزين، محمّد علي، طبعة انتشارات كتابفروشى تائيد ـ إصفهان، إيران.
٢١-تاريخ روضة الصفا في سيرة الأنبياء والملوك والخلفاء: ميرخواند، محمّد بن خاوند شاه ابن محمود (٩٠٣ هـ)، تقديم: عبّاس إقبال، تصحيح: جمشيد كيانفر، انتشارات اساطير،
الطبعة الأولىٰ، ١٣٨٠ ش، بالفارسية.
٢٢-تاريخ گزيده: المستوفي، حمد الله بن أتابك أبو بكر بن حمد بن نصر القزويني (ت ٧٥٠ هـ)، باهتمام: عبد الحسين نوائي، مطبعة دار السلطنة، ١٣٢٨ش.
٢٣-تاريخ مدارس ايران، از عهد باستان تا تأسيس دار الفنون: سلطان زاده، حسين، الطبعة الأولىٰ، ١٣٦٤ ش، انتشارات آگاه ـ طهران، إيران.
٢٤-تتميم أمل الآمل: القزويني، عبد النبي، (من أعلام القرن الثاني عشر)، تحقيق: أحمد الحسيني، طبعة مكتبة المرعشي النجفي ـ قم، الطبعة الأولىٰ، ١٤٠٧هـ.
٢٥-التدوين في أخبار قزوين: الرافعي، عبد الكريم بن محمّد الرافعي القزويني (ت ٦٢٣ هـ)، ضبط نصّه وحقّق متنه وعلّق عليه: الشيخ عزيز الله العُطاردي الخراساني، طبعة جمعية المخطوطات الإيرانية، ونشر عطارد ـ طهران، إيران، الطبعة الأولىٰ، ١٣٧٦ ش.
٢٦-تنقيح المقال في أحوال الرجال: المامقاني، عبد الله بن الحسن بن عبد الله بن محمّد باقر النجفي المامقاني (ت ١٣٥١ هـ)، تحقيق واستدراك: محمّد رضا المامقاني، طبعة مؤسّسة آل البيت عليهمالسلام لإحياء التراث ـ قم، الطبعة الأولىٰ، ١٤٢٣ هـ.
٢٧-الحوزات العلمية في الأقطار الإسلامية: الصالحي، عبد الحسين، طبعة بيت العلم ـ بيروت، لبنان، (١٤٢٥ هـ ـ ٢٠٠٤ م).
٢٨-حوزههاى علميه شيعه در گستره جهان (بالفارسية): سيد گبارى، علي رضا، تهيه پژوهشكده باقر العلوم، مطبعة انتشارات امير كبير ـ طهران، ايران، الطبعة الأولىٰ، ١٣٨٧ ش.
٢٩-خاتمة مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل: النوري، الميرزا حسين بن محمّد تقي النوري الطبرسي (صاحب المستدرك) (ت ١٣٢٠ هـ)، تحقيق: مؤسّسة آل البيت ـ قم، إيران، الطبعة الأولىٰ، ١٤٠٧ هـ، والطبعة الحجرية، أفست أهل البيت.
٣٠-دائرة المعارف الإسلامية الشيعية: يصدرها السيّد حسن الأمين، طبعة دار التعارف للمطبوعات ـ بيروت، لبنان، الطبعة السادسة (١٤٢٢هـ ـ٢٠٠٢م)، مقالة بعنوان: (قزوين) بقلم: عبد الحسين الصالحي: ١٨ / ٤٨.
٣١-دور حوزة قزوين في نهضة الفقه الجعفري: بحث منشور في مجلّة حوزه (بالفارسية) السنة الحادية عشرة.
٣٢-الذريعة إلىٰ تصانيف الشيعة: الطهراني، محمّد حسن، الشهير بـ: (آقا بزرك) (ت ١٣٨٩ هـ)، تقديم: محمّد حسين كاشف الغطاء، تحقيق: علي نقي المنزوي، طبعة دار إحياء التراث العربي ـ بيروت، لبنان، الطبعة الأولىٰ، (١٤٣٠هـ ـ ٢٠٠٩م).
٣٣-رجال الطوسي: الطوسي، محمّد بن الحسن (ت ٤٦٠ هـ)، تحقيق: جواد القيومي، طبعة مؤسّسة النشر الإسلامي، جامعة المدرّسين ـ قم، الطبعة الثانية، ١٤٢٠ هـ.
٣٤-رجال النجاشي: النجاشي، أبو العبّاس أحمد بن علي بن أحمد بن العبّاس النجاشي الأسدي الكوفي (ت ٤٥٠ هـ)، حقّقه وضبط نصّه: السيّد الشبيري الزنجاني، طبعة مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجامعة المدرّسين بقم، الطبعة العاشرة، ١٤٣٢ هـ.
٣٥-روضات الجنّات في أحوال العلماء والسادات: الخوانساري، محمّد باقر الموسوي الخوانساري الإصفهاني (١٣١٣ هـ)، طبعة أفست دار إحياء التراث العربي ـ بيروت، الطبعة الأولىٰ، (١٤٣١ هـ ـ ٢٠١٠ م).
٣٦-رياض العلماء وحياض الفضلاء: أفندي، عبد الله الإصفهاني (من أعلام القرن الثاني عشر)، تحقيق: أحمد الحسيني، طبعة مكتبة المرعشي النجفي ـ قم، إيران، الطبعة الأولىٰ، ١٤٠٣هـ.
٣٧-شهداء الفضيلة: الأميني، عبد الحسين أحمد النجفي (ت ١٣٩٠ هـ)، طبعة مطبعة شهاب ـ قم، إيران.
٣٨-شهر هزار حكيم (بالفارسية): طارمي، عبّاس، مطبعة انتشارات روزنه ـ طهران،
٣٩-الشيعة في إيران، دراسة تاريخية من البداية حتّىٰ القرن التاسع الهجري: تعريب: علي هاشم الأسدي، طبعة الآستانة الرضوية المقدّسة ـ مشهد، إيران.
٤٠-ضيافة الإخوان وهدية الخلّان: رضي الدين، محمّد الحسين القزويني (ت ١٠٩٦ هـ)، تقديم وتحقيق: السيّد أحمد الحسيني الإشكوري، طبعة مجمع الذخائر الإسلامية ـ قم، إيران، الطبعة الأولىٰ، ١٣٩٧ هـ.
٤١-طبقات أعلام الشيعة: الطهراني، محمّد حسن، الشهير بـ (آقا بزرك الطهراني) (ت ١٣٨٩ هـ)، تقديم وتحقيق: علي نقي المنزوي، طبعة دار إحياء التراث العربي ـ بيروت، (١٤٣٠ هـ ـ ٢٠٠٩ م).
٤٢-عقائد الشيخية: القزويني ـ علاء الدين، الطبعة الأولىٰ، (١٤٢٢ هـ ـ ٢٠٠٢ م).
٤٣-العلّامة الخواجه نصير الدين الطوسي: الرضوي، محمّد تقي، تعريب: علي هاشم الأسدي، طبعة مشهد ـ إيران، ١٤١٩ هـ.
٤٤-علماى عهد ناصر الدين شاه قاجار، باب دهم المآثر والآثار (بالفارسية): اعتماد السلطنة، محمّد حسن خان (المراغي)، المتوفّىٰ سنة (١٣١٣ هـ)، تحقيق: ناصر الدين الأنصاري القمّي، وحواشي: شبيري زنجاني، طبعة مؤسّسة كتابشناسى شيعه ـ قم، إيران، ١٣٩٥ ش، الطبعة الأولىٰ.
٤٥-عُمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب: ابن عنبة، جمال الدين أحمد بن علي الحسيني (ت ٨٢٨ هـ) بإشراف وتحقيق: لجنة إحياء التراث، طبعة منشورات مكتبة الحياة ـ بيروت، لبنان.
٤٦-الغيبة: الطوسي، محمّد بن الحسن (ت ٤٦٠ هـ)، طبعة مؤسّسة المعارف الإسلامية ـ قم، إيران، الطبعة الأولىٰ، ١٤١١ هـ.
٤٧-فتوح البلدان: البلاذري، أبي الحسن أحمد بن يحيىٰ بن جابر بن داود البغدادي البلاذري (ت٢٧٩هـ)، عني بمراجعته والتعليق عليه: رضوان محمّد رضوان، طبعة دار الكتب العلمية ـ بيروت، لبنان، (١٣٩٨هـ ـ١٩٧٨م).
٤٨-فضائل الأشراف: كمونة، عبد الرزاق الحسيني النجفي، طبعة النجف الأشرف، (١٣٩٠هـ ـ١٩٧٠م).
٤٩-الفقه في جنوب لبنان: الحسيني، محمّد طاهر، طبعة دار المحجّة البيضاء ـ بيروت، لبنان، الطبعة الأولىٰ، (١٤٣٠ هـ ـ ٢٠٠٩ م).
٥٠-فهرست التراث: الجلالي ـ محمّد حسين، (ت ١٤٤٢ هـ)، طبعة دار الولاء ـ بيروت، لبنان، الطبعة الرابعة، (١٤٣٦ هـ ـ ٢٠١٥ م).
٥١-الفهرست: الرازي، منتجب الدين علي بن بابويه (من أعلام القرن السادس الهجري)، تحقيق: جلال الدين الأرموي، طبعة مكتبة المرعشي النجفي ـ قم، إيران، ١٣٦٦ ش، وطبعة أخرىٰ بتحقيق وتعليق: السيّد عبد العزيز الطباطبائي، دار الأضواء ـ بيروت، لبنان.
٥٢-الفهرست: الطوسي، محمّد بن الحسن (ت ٤٦٠ هـ)، تحقيق: جواد القيومي، طبعة مؤسّسة نشر الثقافة ـ قم، الطبعة الثانية، ١٤٢٩ هـ.
٥٣-في سماء المعرفة: الآملي، حسن زاده، ترجمة: وليد محسن، طبعة دار زين العابدين ـ قم، إيران، الطبعة الأولىٰ، (١٤٣٨ هـ ـ ٢٠١٧ م).
٥٤-قصص العلماء: التنكابني، الميرزا محمّد بن سليمان الطيب (ت ١٣٢٠ هـ)، ترجمة: مالك وهبة، طبعة أفست منشورات ذوي القربىٰ ـ قم، إيران، الطبعة الثانية، (١٣٩٥ ش ـ ١٤٢٧ هـ).
٥٥-الكافي: الكليني، أبي جعفر محمّد بن يعقوب (ت ٣٢٩ هـ)، تحقيق وتعليق: علي أكبر الغفاري، طبعة أفست دار الأضواء ـ بيروت، لبنان، (١٤٠٥ هـ ـ ١٩٨٥ م).
٥٦-كتاب (نقض) بالفارسية: الرازي ـ عبد الجليل القزويني (ت ٥٦٠ هـ)، تحقيق وتعليق: جلال الدين المحدّث الأرموي، طبعة مؤسسة دار الحديث ـ قم، إيران.
٥٧-كتاب آثار البلاد وأخبار العباد: القزويني، زكريا بن محمّد بن محمود الكوفي القزويني (ت ٦٨٢ هـ)، طبعة دار صادر ـ بيروت، لبنان.
٥٨-كتاب البلدان: الهمذاني، أبو عبد الله أحمد بن محمّد بن إسحاق الهمداني المعروف بابن الفقيه (ت ٣٦٥ هـ)، تحقيق: يوسف الهادي، طبعة عالم الكتب ـ بيروت، لبنان، الطبعة الأولىٰ، (١٤١٦ هـ ـ ١٩٩٦ م).
٥٩-كتاب البلدان: اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب إسحاق بن جعفر بن وهب بن واضح، الشهير باليعقوبي (ت ٢٨٤ هـ)، وضع حواشيه: محمّد أمين ضاوي، طبعة دار الكتب العلمية ـ بيروت، لبنان، الطبعة الأولىٰ، (١٤٢٢ هـ ـ ٢٠٠٢ م).
٦٠-كتاب التوحيد: الصدوق، محمّد بن علي بن بابويه القمي الشهير بالشيخ الصدوق (ت ٣٨١ هـ)، صحّحه وعلّق عليه: السيّد هاشم الحسيني الطهراني، طبعة مؤسّسة النشر الإسلامي، جامعة المدرّسين ـ قم، الطبعة الخامسة، ١٤١٦ هـ.
٦١-كتاب نزهة القلوب (المقالة الثالثة): المستوفي، حمد الله بن أتابك أبو بكر بن حمد بن نصر القزويني (ت ٧٥٠ هـ)، طبع بسعي واهتمام وتصحيح كاي ليسترانج (بالفارسية)، ناضر: دنياى كتاب، الطبعة الأولىٰ، ١٣٦١ ش.
٦٢-كتابشناسى اصول فقه شيعه (بالفارسية): مهريزي، مهدي (الدكتور)، مطبعة كنگره
جهانى شيخ مرتضىٰ انصارى، الطبعة الأولىٰ، ١٣٧٣ ش، قم.
٦٣-گنجينه دانشمندان (بالفارسية): مطبعة چاپخانه پيروز ـ قم، ١٣٥٤ش.
٦٤-لؤلؤة البحرين في الإجازات وتراجم رجال الحديث: البحراني، يوسف بن أحمد صاحب الحدائق (ت ١١٨٦ هـ)، تحقيق: السيّد محمّد صادق بحر العلوم، طبعة أفست مؤسّسة آل البيت ـ قم.
٦٥-اللألئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة: السيوطي، جلال الدين عبد الرحمان بن كمال الدين أبي بكر ابن محمّد سابق الدين خضر الخضيري الأسيوطي المشهور باسم جلال الدين السيوطي (ت ٩١١ هـ)، خرّج أحاديثه وعلّق عليه: محمّد بن المنعم، طبعة دار المعرفة ـ بيروت، لبنان، الطبعة الأولىٰ، (١٣٩٥هـ ـ ١٩٧٥م).
٦٦-لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث: الوردي، علي (الدكتور)، طبعة أفست المكتبة الحيدرية ـ قم، وطبعة بغداد، ١٩٧١ م.
٦٧-مجالس المؤمنين (بالفارسية): التستري، القاضي نور الله المرعشي (الشهيد سنة ١٠١٩ هـ)، طبعة انتشارات كتابفروشي إسلاميه ـ طهران، الطبعة الرابعة، ١٣٧٧ ش، والطبعة المعرّبة بتعريب وتحقيق: محمّد شاع فاخر، طبعة المكتبة الحيدرية ـ قم، إيران، الطبعة الأولىٰ، ١٤٣٣هـ.
٦٨-مختصرُ التُّحفة الاثني عشرية: الالوسي، محمود شكري (المتوفّىٰ بعد سنة ١٣٠٣ هـ) حقّقه وعلّق عليه: محبّ الدين الخطيب، طبعة المكتبة السلفية ـ القاهرة، مصر.
٦٩-مرآة الشرق: الخوئي، صدر الإسلام، محمّد أمين الإمامي (ت ١٣٦٧ هـ)، تصحيح وتقديم: علي الصدرائي الخوئي، طبعة مكتبة المرعشي النجفي ـ قم، إيران، الطبعة الأولىٰ، (١٤٢٧ هـ ـ ٢٠٠٦ م).
٧٠-مسند الإمام الرضا عليهالسلام : العطاردي الخراساني القوچاني، عزيز الله الخبوشاني (١٣٩٣ ش = ١٤٣٥ هـ)، طبعة مؤسّسة طبع ونشر آستان قدس الرضوي، الناشر المؤتمر العالمي للإمام الرضا عليهالسلام ، ١٤٠٦ هـ.
٧١-مُعجَم البُلدان: الحموي، شهاب الدين أبي عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي الرومي البغدادي (ت ٦٢٦ هـ)، تقديم: محمّد عبد الرحمن المرعشلي، طبعة دار إحياء التراث العربي ـ بيروت، لبنان، وطبعة دار صادر ـ بيروت، لبنان، الطبعة الثالثة، ٢٠٠٧ م.
٧٢-معجم خطباء المنبر الحسيني: الكرباسي، محمّد صادق، دائرة المعارف الحسينية، طبعة
المركز الحسيني للدراسات ـ لندن، المملكة المتّحدة، الطبعة الأولىٰ، (١٤٣٣ هـ ـ ٢٠١٢ م).
٧٣-معجم رجال الفكر والأدب في النجف خلال ألف عام: الأميني، محمّد هادي (الدكتور)، الطبعة الثانية، (١٤١٣ هـ ـ ١٩٩٢ م).
٧٤-معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع: البكري الأندلسي، أبي عبيد، عبد الله بن عبد العزيز (ت ٤٨٧ هـ)، تحقيق: مصطفىٰ السَّقا، طبعة مكتبة الخانجي ـ القاهرة، مصر، الطبعة الثالثة، (١٤١٧ هـ ـ ١٩٩٦ م).
٧٥-مقاله بعنوان: (حوزه علميه قزوين): مجلّة پيام حوزه، السنة الثانية، العدد الأوّل، ١٣٧٤ ش.
٧٦-مقدمهاى بر فقه شيعه كلّيات وكتابشناسى: مدرس طباطبائي، حسين، ترجمه للفارسية، محمّد آصف فكرت، ناشر: بنياد پژوهشهاى إسلامى ـ مشهد، إيران، ١٣٦٨ش.
٧٧-مكارم الآثار در احوال رجال دو قرن (١٣ و ١٤ هجرى) (بالفارسية): معلّم حبيب آبادي، الميرزا محمّد علي (ت ١٣٩٦ هـ)، طبعة انتشارات كما، مؤسّسة نفائس المخطوطات في إصفهان، الطبعة الأولىٰ، ١٣٧٧ هـ.
٧٨-منتقلة الطالبية: ابن طباطبا، إبراهيم بن ناصر بن طباطبا (من أعلام القرن الخامس الهجري) تحقيق: محمّد مهدي الخرسان، طبعة المكتبة الحيدرية النجف الأشرف، (١٣٨٨ هـ ـ ١٩٦٨ م).
٧٩-منهج المقال في تحقيق أحوال الرجال (الرجال الكبير)، وعلىٰ هامشه (التعليقة البهبهانية): الأسترآبادي، الميرزا محمّد بن علي، المتوفّىٰ سنة (١٠٢٨ هـ) تحقيق: مؤسّسة آل البيت عليهمالسلام لإحياء التراث ـ قم، الطبعة الأولىٰ، ١٤٢٢ هـ.
٨٠-موسوعة الفلسفة: بدوي، عبد الرحمان (الدكتور)، طبعة اُفست ذوي القربىٰ ـ قم، ١٤٢٧ هـ.
٨١-الهجرة العاملية إلىٰ إيران: المهاجر، جعفر، طبعة دار الروضة ـ بيروت، لبنان، الطبعة الأولىٰ، (١٤١٠ هـ ـ ١٩٨٩ م).
٨٢-هدية الرازي إلىٰ المجدّد الشيرازي: الطهراني، محمّد حسن، الشهير بـ (آقا بزرك الطهراني) (ت ١٣٨٩ هـ)، طبعة انتشارات ميقات ـ قم، إيران، ١٤٠٣ هـ.
التصنيف الموضوعي للروايات التفسيرية للإمام الرضا عليهالسلام (١)
د.عباس مصلائي پور يزدي
د.محسن ديمه كار كراب
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدّمة:
القرآن الكريم هو آخر الكتب السماوية ومعجزة الرسول الأعظم صلىاللهعليهوآلهه الخالدة الذي أنزله الله تبارك وتعالىٰ لهداية البشر، هذا وإنّ فهم دلالة الآيات ومعرفة الغاية منها هو أحد احتياجات الناس الملحّة للارتقاء المعنوي والهداية بهدىٰ القرآن. ومن أجل ذلك فقد أمر الله تبارك وتعالىٰ نبيّه صلىاللهعليهوآلهه أن يبيّنه للناس ليهتدوا إلىٰ الطريق الأفضل والاستفادة الصحيحة؛ وذلك حيث قال عزّ وجلّ: ﴿وأَنزَلْنَا إِلَيكَ الذِّكْرَ لِتُبـيِّنَ لِلنَّـاسِ مـا نُـزِّلَ إِلَـيهِم ولَعَلَّهُـم يَتَفَكَّرُونَ﴾(٢) كما خصّص علم تأويل القرآن به عزّ وجلّ وبالراسخين في العلم في قوله تبارك وتعالىٰ: ﴿وما يَعلَمُ تَأويلَهُ إِلَّا اللهُ والرَّاسِخُونَ في العِلمِ﴾(٣). فإنّ الراسخين في العلم ـ وفقاً لما دلّت عليه الكثير من الروايات ـ هم رسول الله صلىاللهعليهوآلهه والأئمّة المعصومون عليهمالسلام (٤). والمراد من قوله:
__________
(١) تمّت ترجمة المقالة إلىٰ العربية من قبل هيئة التحرير.
(٢) سورة النحل الآية: ٤٤.
(٣) سورة آل عمران الآية: ٧.
(٤) الكافي ١/٢١٣؛ بصائر الدرجات: ١٩٦ـ١٧٩؛ بشارة المصطفىٰ ١/٢٧؛ وسائل الشيعة
﴿الّذِينَ أُوتُوا العِلمَ﴾ في آية: ﴿بـَلْ هُـوَ آيـَاتٌ بَيِّنَـاتٌ فِـي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾(١) في العديد من الروايات هم الأئمّة الأطهار عليهمالسلام (٢). بناء علىٰ هذا فعند الرجوع إلىٰ أهل البيت عليهمالسلام ورواياتهم سوف نحصل علىٰ مبانيهم ومناهجهم التفسيرية فضلاً عمّا نحصل عليه من التفسير والتأويل الصحيح للآيات القرآنية عندهم عليهمالسلام ؛ وذلك أنّ أحد الأدوار الأساسية التي امتاز بها أهل البيت عليهمالسلام قد تجلّت في بيانهم الروايات التفسيرية، وتعليمهم أسلوب ومنهجية فهم القرآن الكريم(٣).
واستناداً إلىٰ تلك الآيات والروايات فإنّ الأئمّة الأطهار عليهمالسلام هم الوحيدون بين البشر الذين ورثوا العلم الإلهي بعد النبي صلىاللهعليهوآلهه ، ولهم الهيمنة الكاملة والرأي النافذ في المعارف القرآنية وما تهدف إليه آيات الذكر الحكيم، فقد اهتمّ الأئمّة الأطهار عليهمالسلام بتفسير آيات القرآن الكريم وتبيينها؛ نظراً إلىٰ حاجة الناس إليه. وبناء علىٰ ما تحظىٰ به المنهجية التفسيرية من أهمّية ومكانة خاصّة في تفسير آيات القرآن الكريم من جانب، وسعة الروايات التفسيرية عند أهل البيت عليهمالسلام ؛ سنسلّط الضوء في مقالنا هذا علىٰ الروايات التفسيرية للإمام الرضا عليهالسلام أنموذجاً لمناقشتها إلماماً بالموضوع وأخذاً بأعبائه حذار تشتّته والإسهاب فيه. علماً بأنّ أغلب الروايات التي ناقشناها وحلّلناها في مقالنا هذا قد أخذناها من المصادر الشيعية المتقدّمة أمثال: بصائر الدرجات، التفسير المنسوب إلىٰ علي بن إبراهيم القمّي، الكافي، كتب الشيخ الصدوق، تفسير العيّاشي. كما نقلنا أيضاً بعض الروايات عن
__________
١/١٦٤؛ تفسير العيّاشي ١/١٩٣.
(١) سورة العنكبوت الآية: ٤٩.
(٢) بصائر الدرجات: ١٨٠؛ وسائل الشيعة ٢٧/٢١٤؛ الكافي ١/٢٠٥.
(٣) التفسير والمفسّرون ١/٤٦٨ـ ٤٦٩.
وسائل الشيعة، بحار الأنوار، البرهان في تفسير القرآن، ونور الثقلين. ولا يخفىٰ أنّ مقالنا هذا لا يسع دراسة ونقد سند هذه الروايات؛ فلابدّ من إحالة هذا الأمر إلىٰ فرصة أخرىٰ.
وخلصنا في بحثنا هذا إلىٰ أهمّ النماذج التفسيرية من روايات الإمام الرضا عليهالسلام والتي هي عبارة عن:
أسباب النزول، توضيح معاني المفردات، توضيح الآيات من خلال مصاديقها وقيودها التوضيحية، تعيين محلّ إحالة الضمير، الإشارة إلىٰ نوع الخطاب، تفسير القرآن بالقرآن، تفسير القرآن بالسنّة، التفسير الموضوعي، تأويل الآيات المتشابهة، تفسير باطن الآيات، توضيح آيات الأحكام، ذكر تفاصيل القصص القرآنية، الاستدلال بالآيات في الروايات، شرح أسباب الأحداث والوقائع في آيات القرآن، الاهتمام بما توحيه الرسالة من هداية وأهداف تربوية، دفع الشبهات وتصحيح الانحراف الفكري في فهم القرآن الكريم وتبيين المسائل الاعتقادية وعرض بعض أبحاث العلوم القرآنية.
ومن الأبحاث التي ناقشناها هنا: هي بيان بعض المباني المعرفية للقرآن والتأكيد علىٰ وجود ظاهرتين: روائية وكلامية في الروايات التفسيرية للإمام الرضا عليهالسلام .
أوّلاً: مباني المعارف القرآنية في روايات الإمام الرضا عليهالسلام :
إنّ التأمّل في الروايات التفسيرية للإمام الرضا عليهالسلام يبيّن لنا أهمّ مباني المعارف القرآنية فيها وهي عبارة عن:
١ـ خلود القرآن:
روىٰ الإمام الرضا عليهالسلام عن أبيه عن جدّه الإمام الصادق عليهمالسلام : أنّ رجلاً سأل أبا عبد
الله عليهالسلام : ما بال القرآن لا يزداد علىٰ النشر والدرس إلّا غضاضة؟ فقال: «لأنّ الله تبارك وتعالىٰ لم يجعله لزمان دون زمان ولا لناس دون ناس، فهو في كلّ زمان جديد وعند كلّ غضّ إلىٰ يوم القيامة»(١)، فمن خلال هذه الرواية يمكننا أن نستنتج أنّ القرآن يبقىٰ خالداً وغضّاً ومزدهراً في جميع العصور وفي كلّ آن لكافّة الناس إلىٰ يوم القيامة.
٢ـ صيانة القرآن الكريم من خطر التحريف:
إنّ أحد أهمّ مباني المعارف القرآنية هو صيانة القرآن الكريم من التحريف ويفتقر إثبات هذا الأمر إلىٰ أدلّة قاطعة، ويتطلّب بيان هذا الموضوع مجالاً آخر لسنا في صدده هنا، وأمّا ما نحن فيه فقد قال الإمام الرضا عليهالسلام في رواية: «لَا يخْلُقُ مِنَ الأَزمِنَةِ ولَا يغِثُّ علَىٰ الْأَلْسِنَةِ؛ لِأَنَّه لَم يجعلْ لِزَمانٍ دونَ زمانٍ بلْ جُعِلَ دلِيلَ الْبرْهانِ وحجةً علَىٰ كُلِّ إِنْسانٍ لَا يأْتِيهِ الْباطِلُ مِن بينِ يديهِ ولَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ منْ حكِيمٍ حمِيدٍ»(٢)، فيمكننا أن نستنبط من هذه الرواية صيانة القرآن من التحريف(٣).
٣ـ القرآن كتاب هداية:
الكثير من آيات القرآن تبيّن حقيقة أنّ القرآن كتاب هداية، مثل الآيات التالية:
-﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيبَ فِيهِ هُدَىً لِّلْمُتَّقِينَ﴾(٤).
-﴿قُلْ نَزَّلَه رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُواْ وهـُدَىً وبُشْرَى لِلْمسْلمِينَ﴾(٥).
__________
(١) عيون أخبار الرضا عليهالسلام ٢/٨٧؛ تفسير البرهان ١/٦٦.
(٢) عيون أخبار الرضا عليهالسلام ٢/١٣٠؛ تفسير البرهان ١/٦٥.
(٣) قرآن حكيم از منظر إمام رضا عليهالسلام : ٢٤.
(٤) سورة البقرة الآية: ٢.
(٥) سورة النحل الآية: ١٠٢.
ـ ﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وكِتَابٍ مُبِينٍ * هُدَىً وبُشْرَىٰ لِلْمؤْمِنِينَ﴾ (١).
هذا الجانب من القرآن الكريم هو أحد مباني المعارف القرآنية التي أشير إليها في روايات الإمام الرضا عليهالسلام . ففي رواية سأله الريّان بن صلت عن القرآن فقال عليهالسلام : «كتاب الله لا تتجاوزوه ولا تطلبوا الهدىٰ من غيره فتضلّوا»(٢).
ثانياً: أهمّية العلوم القرآنية في روايات الإمام الرضا عليهالسلام :
إنّ التأمّل في الروايات التفسيرية للإمام الرضا عليهالسلام يكشف عن قسم من رواياته التي تشير إلىٰ بحوث العلوم القرآنية التي سنذكرها أدناه:
١ـ أسباب النزول:
إنّ موضوع سبب النزول هو أحد أبحاث العلوم القرآنية الذي يحظىٰ بأهمّية وله مكانته في مجال تفسير القرآن الكريم. وقد اعتبر الواحدي في كتاب أسباب النزول دراسة هذا العلم أمراً لابدّ منه من أجل تفسير القرآن الكريم؛ لأنّ فهم القرآن وتفسيره ـ علىٰ حدّ تعبيره ـ أمر محال وغير ممكن إن لم يكن مقروناً بمعرفة سبب نزول الآيات(٣)، وكذلك اعتبر ابن الدقيق سبب النزول طريقاً مهمّاً جدّاً للوصول إلىٰ فهم معاني القرآن. ويعتقد كلّ من البغوي وابن تيمية أيضاً بأنّ معرفة سبب النزول يساعد علىٰ فهم الآيات؛ وذلك بدليل أنّ العلم بالسبب يؤدّي إلىٰ العلم بالمسبّب(٤).
__________
(١) سورة النمل الآية: ١ـ٢.
(٢) التوحيد: ٢٢٤.
(٣) أسباب النزول: ١٠.
(٤) معالم التنزيل ١/١٣؛ أسباب النزول: ٣٤٢.
فالرواية التالية عن الإمام الرضا عليهالسلام تكشف لنا المكانة الخاصّة لهذا العلم، فعن إبراهيم بن العبّاس عن الإمام الرضا عليهالسلام قال: «لَو أَردت أَنْ أَخْتِمه فِي أَقْرَب مِنْ ثَلَاثَةٍ لَخَتَمتُ، ولَكِنِّي ما مرَرتُ بِآيةٍ قَطُّ إِلَّا فَكَّرْتُ فِيها، وفي أَيّ شَيءٍ أُنْزِلَت، وفِي أَيّ وقْتٍ، فَلِذَلِك صِرْتُ أَخْتِمُ فِي كُلِّ ثَلَاثَةِ أَيّامٍ»(١).
وستأتي في (فصل أنواع الوجوه التفسيرية) نماذج من الروايات التفسيرية للإمام الرضا عليهالسلام مشيرة إلىٰ بيان سبب النزول.
٢ـ علم القراءة:
إنّ علم القراءة أيضاً من العلوم القرآنية التي يبدو الاهتمام بها جليّاً في روايات الإمام الرضا عليهالسلام . ففي رواية: «عن عبد العزيز بن المهتدي قال: سألت الإمام الرضا عليهالسلام عن التوحيد؟ فقال عليهالسلام : كلّ من قرأ قل هو الله أحد وآمن بها فقد عرف التوحيد، قلت: كيف يقرؤها؟ قال عليهالسلام : كما يقرؤها الناس...»(٢). حيث يمكننا أن نستنبط من هذه الرواية جواز القراءات المتعارفة في زمن أهل البيت عليهمالسلام ، كما أنّ السيّد الخوئي أيضاً صرّح في كتابه البيان في تفسير القرآن ـ في شأن جواز القراءة بالقراءات المختلفة في الصلاة بعد أن ذكر أنموذجين من هذا القبيل من الروايات ـ قائلاً بجواز القراءات المعروفة في زمن المعصومين عليهمالسلام ، وذلك بشرط أن لا تكون تلك القراءات شاذّة أو موضوعة أو مرفوضة من قبلهم عليهمالسلام (٣). وفضلاً عن ذلك فإنّ القراءة التي يستفاد منها معنىٰ مغاير
__________
(١) عيون أخبار الرضا عليهالسلام ٢/١٨٠؛ وسائل الشيعة ٦/٢١٧.
(٢) تفسير البرهان ٥/٨٠١.
(٣) البيان في تفسير القرآن: ١٦٧.
للمفهوم والمقصود الإلهي من الآية تكون تلك القراءة باطلة، علىٰ سبيل المثال ففي رواية أنّ الإمام الرضا عليهالسلام صرّح في شأن قراءة: (إِنَّه عمِلَ غَيرَ صالِحٍ) في قوله عزّ وجلّ آية: ﴿قَالَ يا نُوح إِنَّه لَيس مِنْ أَهلِك إِنَّه عملٌ غَيرُ صـالِحٍ﴾(١) قائلاً عليهالسلام : «كَذَبوا، هـو ابنُه ولَكِنَّ الله عزّ وجلّ نَفَاه عنْه حِينَ خَالَفَه فِي دِينِهِ»(٢)، فإنّ هذه الرواية ـ كما وضّحها المجلسي ـ تبيّن أنّ المستفاد من هذه القراءة هو أنّ ابن نوح كان ابن زنا وقد فنّدها الإمام الرضا عليهالسلام . كما يحتمل المجلسي أيضاً أنّ إحدىٰ القراءتين في الرواية المذكورة يمكن أن تكون: (عملُ غَيرِ صالحٍ) وهذا الوجه كذلك ردّه الإمام عليهالسلام ؛ لأنّه موضوع وبعيد عن الواقع(٣).
ولا يخفىٰ أنّه جاءت في بعض الروايات التفسيرية للإمام الرضا عليهالسلام ألفاظ أو عبارات متخلّلة بين آيات القرآن الكريم، وفي نهاية تلك الروايات قال الإمام عليهالسلام : «هكذا نزلت»، مثال ذلك في الرواية التالية حيث قرأ الإمام عليهالسلام آية: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمَامِ والَملَائِكَةِ...) علىٰ شكل: «هل ينظرون إلّا أن يأتيهم الله بالملائكة في ظلل من الغمام...»(٤). علماً أنّ ذكر أمثال هذه الألفاظ والعبارات تعدّ من الإضافات التفسيرية الخارجة عن النصّ وقد صدرت عن الإمام عليهالسلام لتوضيح مفهوم الآية بنحو أفضل(٥).
__________
(١) سورة هود الآية: ٤٦.
(٢) عيون أخبار الرضا عليهالسلام ١/٧٥؛ تفسير العيّاشي ٢/ ١٥١٢.
(٣) بحار الأنوار ١١/٣٢١.
(٤) التوحيد ١/١٢٦.
(٥) تفسيرالميزان ٢/١٠٥.
٣ـ معلومات عن معرفة السورة القرآنية:
تتضمّن الروايات التفسيرية للإمام الرضا عليهالسلام أحياناً معلومات عن بعض السور وآيات القرآن الكريم، حيث يتمّ اليوم مناقشة مثل هذه المعلومات في دراسات تتناول تلك السور، وهذان أنموذجان من قبيل هذه الروايات:
أ ـ كيفية نزول سورة الأنعام:
وقد بيّن الإمام الرضا عليهالسلام في رواية طريقة نزول سورة الأنعام بالنحو التالي: «نزلت سورة الأنعام جملة واحدة شيّعها ألف ملك لهم زجل بالتسبيح والتهليل والتكبير، فمن قرأها سبّحوا له إلىٰ يوم القيامة»(١)، بناء علىٰ هذا فإنّه لم يعتبر نزول هذه السورة نزولاً تدريجيّاً، بل يعتبره دفعة واحدة. فإنّ العلم بمثل هذه الأمور كثيراً ما يساعد علىٰ فهم القرآن الكريم.
ب ـ أوّل السور وآخرها في ترتيب النزول:
وفي رواية للإمام الرضا عليهالسلام عن أبيه عليهالسلام عن جدّه الإمام الصادق عليهالسلام أنّه عدّ أوّل السور وآخرها نزولاً بالترتيب علىٰ رسول الله صلىاللهعليهوآله هي سورة العلق وسورة النصر(٢).
٤ـ فضائل وخواصّ السور والآيات:
ومن بحوث العلوم القرآنية هو ذكر فضائل وخواصّ سور وآيات القرآن الكريم التي جاء ذكرها في روايات الإمام الرضا عليهالسلام ، والروايات التالية هي أنموذج تكشف لنا عن وجه هذا الأمر:
__________
(١) تفسير القمّي ١/١٩٣؛ تفسير البرهان ٢/٣٩٥.
(٢) عيون أخبار الرضا عليهالسلام ٢/٦؛ تفسير البرهان ١/٦٩.
أ: سورة الفرقان:
في رواية: «عن إسحق بن عمّار عن أبي الحسن عليهالسلام قال: يا ابن عمّار لا تدع قراءة سورة: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرقانَ عَلَىٰ عَبدِهِ﴾(١)، فإنّ من قرأها كلّ ليلة لم يعذّبه الله أبداً ولم يحاسبه وكان منزله في الفردوس الأعلى»(٢).
ب: سورة الزلزلة:
في رواية: «عن الرضا عليهالسلام عن آبائه عليهمالسلام قال: قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهه : من قرأ إذا زلزلت أربع مرّات كان كمن قرأ القرآن كلّه»(٣).
ج: آية الكرسي:
في رواية: «عن الرضا عليهالسلام عن آبائه عليهمالسلام عن أمير المؤمنين عليهالسلام قال: قال رسول الله صلىاللهعليهوآله ه : من قرأ آية الكرسي مائة مرّة كان كمن عبد الله طول حياته»(٤).
٥ـ الحروف المقطّعة:
كذلك الحروف المقطّعة هي أيضاً من بحوث علوم القرآن؛ ففي رواية: «قال الإمام الرضا عليهالسلام : إنّ الله تبارك وتعالىٰ أنزل هذا القرآن بهذه الحروف التي يتداولها جميع العرب، ثمّ قال: ﴿قُلْ لَئِنِ اِجْتَمَعَتِ الإِنْسُ والجِنُّ عَلَىٰ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا القُرْآنِ...﴾(٥)»(٦). وذهب بعض
__________
(١) سورة الفرقان الآية: ١.
(٢) ثواب الأعمال: ١٠٩؛ مجمع البيان ٧/٢٥٠.
(٣) صحيفة الرضا عليهالسلام : ٦٦؛ الكشف والبيان ١٠/٢٦٣.
(٤) عيون أخبار الرضا عليهالسلام ٢/٦٥.
(٥) سورة الإسراء الآية: ٨٨.
(٦) معاني الأخبار: ٤٤.
المفسّرين إلىٰ أنّ هذه الرواية ذات صلة بالحروف المقطّعة(١).
٦ـ المحكم والمتشابه:
المحكم والمتشابه هو من أهمّ البحوث في علوم القرآن، فإنّ أحد الطرق الصحيحة لتفسير القرآن الكريم هو الاستفادة من الآيات المحكمات لفهم المتشابهات منها؛ وذلك أنّ القرآن قد قسّم الآيات إلىٰ قسمين: المحكمات وهي الأصل والأمّ وأخر متشابهات: ﴿مِنهُ آياتٌ مُحكَماتٌ هنَّ أُمُّ الكِتابِ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾(٢). فمن خلال مفهوم (أمّ الكتاب) وكونه أصلاً في قوله تبارك وتعالىٰ: ﴿هُنَّ أُمُّ الكِتابِ﴾ يتبيّن أنّ المحكمات هي المعوّل عليها لفهم المتشابهات. فالذي يتبيّن من هذا الأصل هو، أوّلاً: إمكان تفسير القرآن بالقرآن. وثانياً: يتبيّن من خلال هذا الأصل استقلالية فهم القرآن، فإذا تعسّر علينا فهم آية من القرآن مثل المتشابهات، فلابدّ حينها من الرجوع إلىٰ آية أخرىٰ من المحكمات لتفسيرها.
وبعد أن ذكر العلّامة الطباطبائي روايات في تفسير المتشابهات، قال: «الأخبار كما ترىٰ متقاربة في تفسير المتشابه وهي تؤيّد ما ذكرناه في البيان السابق: أنّ التشابه يقبل الارتفاع، وأنّه إنّما يرتفع بتفسير المحكم له»(٣).
وقد أكّد الإمام الرضا عليهالسلام في رواية علىٰ ضرورة ردّ الآيات المتشابهة إلىٰ الآيات المحكمة وقال: «من ردّ متشابه القرآن إلىٰ محكمه هدي إلىٰ صراط مستقيم، ثمّ قال: إنّ في أخبارنا متشابهاً كمتشابه القرآن، ومحكماً كمحكم القرآن،
__________
(١) تفسير نمونة ١/٦٤.
(٢) سورة آل عمران الآية: ٧.
(٣) تفسير الميزان ٣/٦٨.
فردّوا متشابهها إلىٰ محكمها، ولا تتّبعوا متشابهها دون محكمها فتظلّوا»(١).
نورد روايتين من تفسير الإمام الرضا عليهالسلام للآيات القرآنية المبتنية علىٰ ردّ المتشابهات منها إلىٰ المحكمات أنموذجاً كما يلي:
ألف: ففي تفسير آية: ﴿قَالَ يَا إِبلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدِي أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ العَالِينَ﴾(٢) «قال عليهالسلام : يعني بقدرتي وقوّتي»(٣).
ب: وفي تفسير آية: ﴿وجُوهٌ يَومَئِذٍ ناضِرَةٌ * إِلىٰ رَبِّها ناظِرَةٌ﴾(٤) أيضاً، «قال عليهالسلام : يعني مشرقة تنتظر ثواب ربّها»(٥).
ثالثاً: الجوانب المختلفة في الروايات التفسيرية للإمام الرضا عليهالسلام :
إنّ التأمّل في روايات الإمام الرضا عليهالسلام يكشف عن وجود جوانب مختلفة فيها؛ أعمّ من كونها أخلاقية واعتقادية وفقهية و... ومن أبرز الجوانب يمكن الإشارة إلىٰ:
١ـ الجانب الروائي:
يعتبر كلام الإمام الرضا عليهالسلام أحد المصادر التفسيرية المتقنة للقرآن الكريم؛ إذ له معرفة كاملة بمعاني الآيات وبما ترمي إليه من غاية ومقصود، وبالرغم من ذلك كلّه فقد يذكر أحياناً تفسير آيات القرآن بروايات تفسيرية لمن سلف قبله من الأئمّة المعصومين عليهمالسلام . ويمكن لهذا الأمر أن يكشف لنا عن إمور جديرة بالاهتمام:
__________
(١) عيون أخبار الرضا عليهالسلام ١/٢٩٠؛ تفسير نور الثقلين ١/٣١٨.
(٢) سورة (ص) الآية: ٧٥.
(٣) عيون أخبار الرضا عليهالسلام ١/١٢٠.
(٤) سورة القيامة:الآية: ٢٢ـ٢٣.
(٥) التوحيد ٢/١١٦؛ الاحتجاج: ٤٠٩.
ألف: إنّ ذكر روايات الأئمّة عليهمالسلام يؤدّي إلىٰ إحياء المدرسة التفسيرية لأهل البيت عليهمالسلام ونشرها، وبهذا الشكل يتمّ عرض التفسير الصحيح من آيات القرآن للناس.
ب: اطّلاع الناس علىٰ روايات الأئمّة عليهمالسلام يؤدّي إلىٰ معرفتهم بمدىٰ علم أهل بيت النبوّة عليهمالسلام فيتوجّهون إلىٰ رواياتهم للنيل من علومهم عليهمالسلام .
ج: تعتبر الحقبة الزمنية التي عاشها الإمام الرضا عليهالسلام هي المرحلة التي اضطرب الناس بها في أمر الإمامة بعد استشهاد أبيه الإمام موسىٰ بن جعفر عليهالسلام وظهرت آنذاك الفرق الشيعية المنحرفة كالفطحية والإسماعيلية والواقفية وأمثالها، فاستماع روايات الأئمّة عليهمالسلام عن طريق الإمام أبي الحسن الرضا عليهالسلام يؤدّي إلىٰ إقبال أتباع هذه الفرق علىٰ الإمام الرضا عليهالسلام وقبولهم المدرسة الإمامية.
٢ـ الجانب الكلامي في تفسير القرآن:
عاش الإمام الرضا عليهالسلام في عصر ازدهرت فيه الحضارة الإسلامية، وكثرت الترجمة لكتب اليونانيّين والرومانيّين وغيرهم، وازداد التشكيك في الأصول والعقائد من قبل الملاحدة وأحبار اليهود وبطارقة النصارىٰ ومجسّمة أهل الحديث، وفي تلك الأزمنة أتيحت له عليهالسلام فرصة المناظرة مع المخالفين علىٰ اختلاف مذاهبهم، فظهر برهانه وعلا شأنه. ويقف علىٰ ذلك من اطّلع علىٰ مناظراته واحتجاجاته مع هؤلاء(١). فإنّ المرحلة التي مرّ بها الإمام الرضا عليهالسلام هي مرحلة كثرت فيها المناظرات والاحتجاجات بين علماء الأديان والمذاهب؛ بحيث كان يشتدّ بينهم الجدال والنزاع العلمي في كثير من الأبحاث الكلامية وخاصّة في أبحاث أصول الدين(٢). وبالرغم من
__________
(١) الأئمّة الاثني عشر: ١٠٨.
(٢)) حياة الإمام الرضا عليهالسلام : ١٠١.
عدم تطرّق كتب التاريخ مثل: الكامل في التاريخ لابن الأثير؛ تاريخ الإسلام للذهبي، والبداية والنهاية لابن كثير؛ لذكر هذه المناظرات، لكنّ الجوامع الروائية الشيعية قامت بتدوين تلكم المناظرات والاحتجاجات التي دارت بين الإمام الرضا عليهالسلام وبين علماء ومتكلّمي مختلف الأديان والمذاهب، فعلىٰ سبيل المثال قد خصّص ابن بابويه باباً لمناظرات الإمام الرضا عليهالسلام مع أهل الأديان وأصحاب المقالات مثل الجاثليق ورأس الجالوت ورؤساء الصابئيّين والهربذ الأكبر وما كلّم به عمران الصابئي في التوحيد عند المأمون(١)، وباباً في ذكر مجلس الرضا عليهالسلام مع سليمان المروزي ـ متكلّم خراسان ـ عند المأمون في التوحيد، وباباً في ذكر مجلس آخر للرضا عليهالسلام عند المأمون مع أهل الملل والمقالات وما أجاب به علي بن محمّد بن الجهم في عصمة الأنبياء(٢)، وذكر الطبرسي احتجاج الرضا عليهالسلام علىٰ أهل الكتاب والمجوس ورئيس الصابئيّين وغيرهم(٣).
بناء علىٰ هذا فإنّ المناظرات والتساؤلات الكلامية للمسلمين وغيرهم من جانب وضرورة الدفاع عن الدين وتبليغ القرآن في تلك المرحلة الحسّاسة من جانب آخر؛ صارت سبباً لتعويل الإمام الرضا عليهالسلام علىٰ آيات القرآن الكريم، فكان يستدلّ بها كثيراً في الجواب علىٰ الأسئلة الكلامية، ولذلك فإنّ منهجية التفسير الكلامي في بعض روايات الإمام الرضا عليهالسلام تبدو واضحة جدّاً. وقد جاءت بعض تلك البحوث الكلامية التي طرحت آنذاك بالنحو التالي:
أ: الإمامة والولاية:
إنّ الإمام الرضا عليهالسلام كان يرىٰ ضرورة تبيين الولاية والإمامة ولزوم تبيين مقام المعصومين
__________
(١) التوحيد: ٤١٧.
(٢) عيون أخبار الرضا عليهالسلام ١/١٥٤ ، ١٧٩ و ١٩١.
(٣) الاحتجاج ٢/٤١٥.
عليهمالسلام لهداية الناس؛ ولذلك نراه كثيراً ما كان يلفت انتباه المخاطَبين إلىٰ الجانب الولائي في تفسيره لبعض الآيات. فإنّ التأمّل في رواياته التفسيرية عليهالسلام يكشف لنا عن هذه الحقيقة، وهو أنّه من أجل تحقّق هذا الهدف كان يتطرّق عن طريق تأويل بعض الآيات وما تحمله في باطنها من معانٍ عميقة للقرآن الكريم إلىٰ موضوع الإمامة والولاية ومقام المعصومين عليهمالسلام ، وفي بعض الأحيان كان يتطرّق إلىٰ ذكر منكري فضائلهم وأعدائهم والمنحرفين عنهم وعن مقام إمامتهم وعصمتهم. وستأتي فيما بعد نماذج من رواياته التفسيرية عليهالسلام التي تشير إلىٰ هذه المنهجية وسنبيّنها في قسمي تبيين الآيات عن طريق بيان مصاديقها وبيان بطون الآيات.
ب: نفي رؤية الباري ووصفه:
وفي رواية سأل أبو هاشم الجعفري من الإمام الرضا عليهالسلام عن إمكان وصف الباري، فتلا الإمام عليهالسلام قوله تبارك وتعالىٰ: ﴿لاَ تُدرِكُه الأَبصار وهو يدرِك الأَبصار وهـو اللَّطِيـف الخَبِيرُ﴾(١) ثمّ قال: «إِنَّ أَوهام القلـوب أكبـر من أبصار العيون فهو لا تدركه الأوهام وهو يدرك الأوهام»(٢).
ج: علم الباري بالأشياء قبل خلقها:
في شأن علم الباري عزّ وجلّ بالأشياء قبل خلقها سأل الحسين بن بشّار الإمام الرضا عليهالسلام فتلا عليه الإمام عليهالسلام هذه الآيات: ﴿هذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَـيكُم بِالحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَستَنسِخُ ما كُنتُم تَعمَلُونَ﴾(٣)؛ ﴿بلْ بَدَا لَهم ما كَانُواْ يُخْفُونَ مِـن قَبـلُ ولَو رُدّواْ لَعَادُواْ لِما نُهواْ عنْه وإِنَّهم لَكَاذِبونَ﴾(٤)
__________
(١) سورة الأنعام الآية: ١٠٣.
(٢) الكافي ١/٩٩؛ التوحيد: ١١٢.
(٣) سورة الجاثية الآية: ٢٩.
(٤) سورة الأنعام الآية: ٢٨.
و...﴿قَالُواْ أَتَجعَلُ فِيها مَـن يُفْسِدُ فِيها ويَسفِكُ الدِّماءَ ونَحنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعلَمُ ما لاَ تَعلَمُون﴾(١) معوّلاً عليها لدلالتها علىٰ العلم الإلهي بالأشياء قبل خلقها(٢).
د: الدفاع عن عصمة الأنبياء عليهمالسلام :
من الشبهات والأسئلة المثارة آنذاك هي الشبهة الدائرة حول الآيات التي يوحي ظاهرها بعدم عصمة بعض الأنبياء. بناء علىٰ هذا ثابر الإمام الرضا عليهالسلام إلىٰ تفسير هذه الآيات دفاعاً عن عصمتهم؛ منها ما في رواية محمّد بن الجهم عنه عليهالسلام في مجلس المأمون في عصمة الأنبياء عليهمالسلام (٣). وسوف نشير إليها لاحقاً.
هـ: مسألة الجبر:
وفي رواية أخذ فيها الإمام الرضا عليهالسلام بقوله تبارك وتعالىٰ: ﴿ما أَصابَك مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وما أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَّفْسِكَ﴾(٤) ردّاً علىٰ القائلين بالجبر(٥).
و: مسألة تكليف ما لا يطاق:
وقد أخذ الإمام الرضا بقوله تبارك وتعالىٰ: ﴿وما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾(٦) في الجواب علىٰ سؤالين عن التكليف بما لا يطاق، ردّاً لهذا الأمر(٧).
__________
(١) سورة البقرة الآية: ٣٠.
(٢) عيون أخبار الرضا عليهالسلام ١/١١٨.
(٣) عيون أخبار الرضا عليهالسلام ١/١٩٦.
(٤) سورة النساء آية: ٧٩.
(٥) قرب الأسناد: ١٥٥؛ الكافي ١/١٦٠؛ التوحيـد: ٣٣٨.
(٦) سورة فصّلت الآية: ٤٦.
(٧) عيون أخبار الرضا عليهالسلام ١/١٢٤؛ الاحتجاج ٢/٤١٣.
رابعاً: نماذج من الروايات التفسيرية في كلام الإمام الرضا عليهالسلام :
إنّ الدراسات التي تتناول الوجوه التفسيرية في روايات الإمام الرضا عليهالسلام تكشف عن أهمّ أساسيّات المنهج التفسيري من وجهة نظره عليهالسلام التي عبّرنا عنها في هذا المقال بـ: (تصنيف موضوعات الروايات التفسيرية في كلام الإمام الرضا عليهالسلام )، وهي كما يلي:
١ـ ذكر سبب النزول:
يحظىٰ ذكر سبب النزول في الروايات التفسيرية للإمام الرضا عليهالسلام بمنزلة جديرة بالاهتمام. وسنشير فيما يلي إلىٰ بعضها:
أ: وقد ذكر الإمام الرضا عليهالسلام رواية عن آبائه الطاهرين عليهمالسلام عن أمير المؤمنين عليهالسلام تبييناً للآية: (٩٩) من سورة يونس، ورفعاً للغموض الدائر حولها: «إنّ المسلمين قالوا لرسول الله عليهما السلام لو أكرهت يا رسول الله من قدرت عليه من الناس علىٰ الإسلام لكثر عددنا وقوينا علىٰ عدوّنا. فقال رسول الله صلىاللهعليهوآله : ما كنت لألقي الله عزّ وجلّ ببدعة لم يحدث إليّ فيها شيئاً...»(١)؛ ردّاً لما اقترحوه عليه عليهما السلام ثمّ نزلت آية: ﴿ولَو شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِه النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ * وما كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ﴾(٢).
فإنّ الإمام عليهالسلام عندما وضّح سبب نزول هذه الآية ردّ الشبهة الحاصلة من ظاهر الآية في شأن النبي صلىاللهعليهوآله بإكراهه الناس علىٰ قبول رسالته والدخول في الإسلام.
ب: وفي رواية أخرىٰ وضّح الإمام الرضا عليهالسلام فيها سبب نزول هذه الآيات من سورة الليل: ﴿وما خَلَقَ الذَّكَرَ والْأُنْثى * إِنَّ سَعيَكُم لَشَتَّى * فَأَمّا مَنْ أَعطَىٰ
__________
(١) الاحتجاج٢/٤١٣.
(٢) سورة يونس الآية: ٩٩ـ١٠٠.
واتَّقَى * وصَدَّقَ بِالْحُسنى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾(١)تبييناً لها(٢).
٢ـ تبيين معاني مفردات الآيات:
لا شكّ أنّ فهم مفردات الآيات هو من ضروريّات تفسير القرآن الكريم، وقد بلغ هذا العلم من الأهمّية حدّاً حتّىٰ اعتبره الراغب الإصفهاني من الضروريّات الأوّلية لمن أراد فهم القرآن الكريم(٣). كما أنّ البعض الآخر اعتبروا الاستفادة من حقائق القرآن ومعارفه وأحكامه وآدابه قائماً علىٰ دقّة وصحّة فهم مفردات آياته(٤). ومن خلال التأمّل في الروايات التفسيرية للإمام الرضا عليهالسلام يتبيّن لنا مدىٰ اهتمامه عليهالسلام ، بتبيين معاني مفردات الآيات في تفسير آيات القرآن الكريم؛ حيث كان يبدي عليهالسلام اهتمامه حيال هذا الأمر بمختلف الأساليب. ونشير هنا إلىٰ بعض هذه الموارد كما يلي:
أ: تبيين معاني المفردات القرآنية في بعض الآيات استناداً إلىٰ غيرها من الآيات القرآنية:
وقد فسّر الإمام الرضا عليهالسلام في رواية معنىٰ: (ختم) في الآية: (٧) من سورة البقرة بمعنىٰ طبع علىٰ قلوب الكفّار(٥) تعويلاً علىٰ قوله تبارك وتعالىٰ: ﴿بَلْ طَبَعَ الله عَلَيها بِكُفْرِهِم فَلَا يؤْمِنُونَ إِلَّا قَليلاً﴾(٦). كما بيّن عليهالسلام في رواية أخرىٰ معنىٰ: (قواماً)
__________
(١) سورة الليل الآية: ٣ـ٦.
(٢) قرب الأسناد: ١٥٦.
(٣) المفردات في غريب القرآن: ٥٤.
(٤) التحقيق في كلمات القرآن الكريم ١/٥.
(٥) عيون أخبار الرضا عليهالسلام ١/١٢٣.
(٦) سورة النساء الآية: ١٥٥.
في آية: (٦٧) من سورة الفرقان(١) تعويلاً علىٰ آيتي: ﴿علَىٰ المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلَىٰ الْمقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالمَعرُوفِ حَقّاً عَلَىٰ المُحسِنِينَ﴾(٢) و﴿ولا يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا﴾(٣).
ب: تبيين وجه التسمية في بعض المفردات القرآنية:
وقد بيّن الإمام الرضا عليهالسلام في بعض الروايات وجه تسمية مفردات الآيات من خلال تبيين معانيها. علىٰ سبيل المثال فقد بيّن عليهالسلام في رواية وجه تسمية (أولو العزم)(٤)، وفي رواية أخرىٰ بيّن عليهالسلام وجه تسمية (الأمّي)(٥)، ورواية أخرىٰ بيّن عليهالسلام فيها وجه تسمية (إبليس)(٦).
ج: تبيين ما هو المراد من المفردات:
وقد بيّن الإمام الرضا عليهالسلام في بعض الروايات المراد من مفردات الآيات، وذلك مثل الرواية التي ذكر فيها مفردة: (رهبانية) من آية: ﴿ورُهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْـوَانِ اللهِ﴾(٧)، حيث بيّن أنّ المراد منها صلاة الليل(٨). وفي آية أخرىٰ بيّن عليهالسلام المراد من: (الكلم الطيّب) في آية: ﴿إِلَيهِ يَصعَدُ الْكَلِـمُ
__________
(١) الكافي ٤/٥٤؛ وسائل الشيعة ٢١/٥٥٦.
(٢) سورة البقرة: ٢٣٦.
(٣) سورة الطلاق الآية: ٧.
(٤) علل الشرائع ١/١٢٢، في سورة الأحقاف الآية: ٣٥.
(٥) بحار الأنوار ١٦/١٣٣.
(٦) معاني الأخبار: ١٣٨.
(٧) سورة الحديد الآية: ٢٧.
(٨) تهذيب الأحكام ٢/١٢٠.
الطَّيـِّبُ والْعَمَـلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾، قائلاً: «هو قَولُ لَا إِلَهَ إِلَّا الله مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله عَلِيٌّ ولِيُّ اللَّهِ وخَلِيفَتُه حقّاً وخُلَفَاؤُه خُلَفَاءُ الله»(١).
٣ـ تبيين الآيات عن طريق بيان المصداق:
ومن الوجوه التفسيرية للإمام الرضا عليهالسلام هو تبيين الآيات عن طريق بيان مصداقها. ولابدّ هنا من ذكر أنموذجين من الروايات:
أ: مصاديق الكبائر:
فسّر الإمام الرضا عليهالسلام في الآية: ﴿إِنْ تَجتَنِبوا كَبائِرَ ما تُنْهَونَ عَنْهُ﴾(٢)، وبيّن فيها مصداق كبائر الذنوب قائلاً: «عبادة الأوثان وشرب الخمر وقتل النفس وعقوق الوالدين وقذف المحصنات والفرار من الزحف وأكل مال اليتيم»(٣).
ب: مصاديق الميسر:
وفي رواية أخرىٰ بيّن الإمام الرضا عليهالسلام مصاديق الميسر قائلاً: «إنّ الشطرنج والنرد وأربعة عشر وكلّ ما قومر عليه منها فهو ميسر».
فإنّ التأمّل في الروايات التفسيرية للإمام الرضا عليهالسلام يبيّن لنا أنّ الموارد التفسيرية التي أشار بها إلىٰ مصاديق الآيات إنّما تتناسب مع الأحوال والظروف السياسية والاجتماعية والدينية التي كانت تمرّ بها الأمّة الإسلامية آنذاك. فإنّ مثل هذه الظروف في واقع الأمر كان لها الأثر الكبير في منهجية تفسير الإمام الرضا
__________
(١) تأويل الآيات الظاهرة: ٤٦٩.
(٢) سورة النساء الآية: ٣١.
(٣) تفسير العيّاشي ١/٢٣٨.
عليهالسلام في بيان مصاديق الآيات. ولابدّ لنا هنا من الإشارة إلىٰ نماذج من الروايات استدلالاً لما ذكرناه من هذا التأثير:
أوّلاً: أشار الإمام الرضا عليهالسلام في تفسير آية: ﴿مَنْ ذَا الَذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَـَسناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ ولَهُ أَجرٌ كَرِيم﴾(١) إلىٰ أحد المصاديق حيث قال: «صِلَةُ الإمام فِي دولَةِ الْفَسقَةِ»(٢).
فإنّ تبيين أحد مصاديق هذه الآية يبيّن لنا جليّاً ظلم الحكّام الطغاة، والاحتياج للتأمين المالي، وضرورة تواصل الناس مع الأئمّة المعصومين عليهمالسلام في ذلك الزمان، في حين أنّ ظاهر الآية لم يظهر منه هذا الأمر.
ثانياً: وبيّن الإمام الرضا عليهالسلام قوله تبارك وتعالىٰ: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلىٰ هَؤُلَاءِ ولَا إِلىٰ هَؤُلَاءِ﴾(٣)، فقال: «نزلت في الواقفة»(٤)، وفي رواية أخرىٰ أيضاً بيّن قوله تبارك وتعالىٰ: ﴿وقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ ولُعِنُوا بِما قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾(٥) وذكر عليهالسلام أنّها نزلت في الواقفة؛ وذلك لأنّ الواقفية ادّعت أنّه لا إمام بعد الإمام موسىٰ بن جعفر عليهالسلام فأجابهم الله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ والمعنىٰ الباطني في القرآن لكلمة: (يد) هو الإمام(٦). وقد جاء تصريح الإمام الرضا عليهالسلام هذا في حين أنّ الفرقة الواقفية نشأت بعد شهادة
__________
(١) سورة الحديد آية: ١١.
(٢) الكافي ٨/٣٠٢.
(٣) سورة النساء الآية: ١٤٣.
(٤) الكشي: ٤٦٢.
(٥) سورة المائدة الآية: ٦٤.
(٦) الكشي: ٤٥٧.
الإمام الكاظم عليهالسلام ، وهذه الآية قد نزلت في شأن اليهود قبل أن تصدر هذه الرواية بمائة وخمسين عاماً. فعلىٰ ما يبدو من بيان مصداق هذه الآية هو ردّ الفرقة الواقفية التي كانت آنذاك تنتشر سريعاً بين الشيعة.
ثالثاً: وبيّن الإمام الرضا عليهالسلام مصداقية قوله تبارك وتعالىٰ: ﴿إِنَّ أَكْرَمكُم عِنْد اللَّهِ أَتْقاكُم﴾(١) فقال في تفسيرها: «أَشَدّكُم تَقِيةً»(٢).
فإنّ ذكره عليهالسلام : (التقية) بصفتها مصداقاً لهذه الآية يعكس لنا الظروف الزمنية الحرجة التي كان يعيشها الإمام آنذاك، حيث كانت: (التقية) أمراً ضروريّاً للشيعة. بناء علىٰ هذا فإنّ الظروف السياسية والاجتماعية والدينية في ذلك الزمان قد تركت أثرها جليّاً واضحاً علىٰ منهجية تفسير الإمام الرضا عليهالسلام .
٤ـ تبيين الآيات عن طريق بيان قيودها التوضيحية:
من أساليب تفسير القرآن الكريم التي نشهدها في الروايات التفسيرية للإمام الرضا عليهالسلام أيضاً، هو تبيين الآيات عن طريق تبيين القيود التوضيحية التي هي أعمّ من الجارّ والمجرور والعلل التي تفرضها بعض الأفعال والعبارات الموجودة في الآيات وما جاء فيها من هذا القبيل.
ولا شكّ أنّ ذكر مثل هذه الموارد يلعب دوراً كبيراً في فهم الآيات وردّ الشُّبه الموجودة في بعض آيات القرآن الكريم.
ولا بأس هنا بالإشارة إلىٰ أنموذجين من الروايات التفسيرية للإمام الرضا عليهالسلام في هذا المضمار:
__________
(١) سورة الحجرات الآية: ١٣.
(٢) المحاسن: ١/٢٥٨؛ وسائل الشيعة ١٦/٢١٢.
أ: إجابة الإمام الرضا عليهالسلام علىٰ سؤال وجّه إليه في شأن الآية الكريمة: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسِلامِ ومَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجـاً كَأَنَّمَا يَصَعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾(١)، التي يستشعر من ظاهر منطوقها الجبر، وقد أشار عليهالسلام في جوابه إلىٰ قيود بيّنها الإمام ردّاً للشبهة الطارئة عليها وتلك القيود عبارة عن:
«﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ﴾: بإيمانه في الدنيا إلىٰ جنّته ودار كرامته في الآخرة، ﴿يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسلامِ﴾: للتسليم لله والثقة به والسكون إلىٰ ما وعده من ثوابه حتّىٰ يطمئنّ إليه، ﴿ومنْ يُرِد أَنْ يضِلَّه﴾: عن جنّته ودار كرامته في الآخرة لكفره به وعصيانه له في الدنيا، ﴿يَجعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً﴾: حتّىٰ يشكّ في كفره ويضطرب من اعتقاد قلبه حتّىٰ يصير، ﴿كَأَنَّما يَصَعَّدُ فِي السَّماءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ الله الرِّجْسَ عَلَىٰ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾»(٢).
بناء علىٰ هذا فقد اعتبر عليهالسلام دليل الهداية الإلهية هو وجود الهداية في الإنسان أو الضلال فيه؛ وذلك بسبب ما يراوده من الكفر والعصيان في دار الدنيا.
ب: وفي رواية أخرىٰ تصدّىٰ بها الإمام للردّ علىٰ الشبهة القائلة بضلالة النبي موسىٰ عليهالسلام والدفاع عن عصمته في آية: ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذاً وأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾(٣)، حيث أقرّ النبي موسىٰ عليهالسلام أنّه: ﴿مِنَ الضَّالِّينَ﴾ صريحاً، فقد اعتبر الإمام الرضا عليهالسلام كلمة: (الضالّين) مقيّدة بقيد: (عن الطريق بوقوعي إلىٰ مدينة من مدائنك)، وذلك بمعنىٰ أنّ النبي موسىٰ عليهالسلام لم يكن من الضالّين عن الهداية الإلهية، بل كان عليهالسلام قد ضلّ الطريق وصادف أنّه دخل حارة من حارات المدينة وجرىٰ هناك ما جرىٰ من قصّة قتله القبطي. وكذلك الأمر في آية: ﴿أَلَم يجِدْكَ يَتِيماً
__________
(١) سورة الأنعام آية: ١٢٥.
(٢) عيون أخبار الرضا عليهالسلام ١/١٣١.
(٣) سورة الشعراء الآية: ٢٠.
فَآوَىٰ﴾، حيث قال عليهالسلام : «ألم يجدك وحيداً فآوىٰ إليك الناس» وآية: ﴿ووَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَىٰ﴾، قَيَّدَ ضَالّا عليهالسلام بقيد: «عند قومك»، وقوله تبارك وتعالىٰ: ﴿فَهَدىٰ﴾ قال عليهالسلام : «أي: هداهم إلىٰ معرفتك»، وقوله: ﴿ووَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنىٰ﴾ قال عليهالسلام : «أغناك بأن جعـل دعـاءك مـستجاباً»(١). وبهذا الأسلوب سعىٰ الإمام الرضا عليهالسلام لتبيين هذه الآيات ودافع عن عصمة الأنبياء من خلال بيان القيود التوضيحية.
ولا يخفىٰ أنّ ذكر هذه التوضيحات بين عبارات القرآن الكريم وألفاظه يعدّ توضيحاً خارجاً عن منطوق الآيات ولا علاقة له بأصل منطوق الآية ونصّها وإنّما له صلة بمفهومها العامّ، ولا ينبغي لأحد أن يتصوّر أنّ هذه التوضيحات جزء من آيات الكتاب العزيز، فإنّ مثل هذا التصوّر ما هو إلّا تخرّص ناتج عن عدم الدقّة وسذاجة الفهم، هذا وإنّ الأدلّة القاطعة لصيانة القرآن عن التحريف تردّ كلّ الشبهات القائمة في هذا المجال.
٥ـ تعيين مرجع الضمير:
من العوامل المؤثّرة في الوصول إلىٰ الفهم الصحيح لآيات القرآن الكريم هو التعيين الصحيح لإحالة الضمير، فإنّ التعيين الخاطئ لمرجع الضمير يؤدّي إلىٰ الفهم الخاطئ في تفسير آيات القرآن الكريم، مثل آية: ﴿حَتّىٰ إِذَا استَيأَسَ الرُّسُلُ وظَنُّوا أَنَّهُم قَد كُذِبُوا جَاءَهُم نَصرُنا فَنُجِّي منْ نَشاءُ ولا يُرَدّ بأْسُنا عنِ الْقَومِ الْمجرِمينَ﴾(٢)، فقد كان المأمون العبّاسي يظنّ أنّ قيد: (استيأس الرسل) إنّما هو (من الرسل) وأنّ ضمير: (الواو) في: (ظنّوا) وضمير: (هم) في: (أنّهم) يعود إلىٰ: (الرسل) فبناء علىٰ هذه القراءة ارتاب المأمون في عصمة الرسل ويقينهم،
__________
(١) تفسير نور الثقلين ٤/ ٤٨.
(٢) سورة يوسف الآية: ١١٠.
لكنّ الإمام الرضا عليهالسلام تدارك الأمر وذكر القيد الصحيح لجملة: (استيأس الرسل) والمرجع الصحيح لإحالة الضمائر ردّاً للشبهة الطارئة، حيث عدّ: (من قومهم) قيداً لجملة: (استيأس الرسل) وأحال مرجع الضمائر في: (ظنّوا) إلىٰ: (القوم) وفي: (أنّهم) وفي: (كُذبوا) إلىٰ: (الرسُل) وقد قرأ عليهالسلام هذه الآية بهذا المعنىٰ بالوجه التالي: (حتَّىٰ إِذَا استَيأَس الرُّسلُ من قومهم وظنّ قومهم أنّ الرسل قـد كُذبوا جاء الرسل نصرنا)(١).
٦ـ الاهتمام بنوع الخطاب:
إنّ تعيين نوع الخطاب في الآيات هو أيضاً أحد الوجوه التفسيرية للإمام الرضا عليهالسلام ؛ إذ يؤدّي عدم الاهتمام بهذا الأمر في بعض الآيات إلىٰ الشكّ في عصمة النبي الأكرم عليهما السلام مثل الآيات التالية: ﴿عَفَا الله عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهم﴾(٢)، و﴿ولَقَدْ أُوحِيَ إِلَيكَ وإِلَىٰ الَّذِينَ مِنْ قَبلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبِطَنَّ عَمَلُكَ ولَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾(٣)، و﴿ولَولا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾(٤)، فقد اعتبر الإمـام الرضا عليهالسلام نوعية الخطاب في هذه الآية من قبيل: «إيّـاكِ أعني واسمـعي يا جارة»(٥)، وقـد أشار ابن عبّاس في رواية إلىٰ وجود مثل هذا النوع من الخطاب في القرآن الكريم(٦).
وقد صرّح الإمام الصادق عليهالسلام في رواية قائلاً: «نزل القرآن بإيّاكِ أعني
__________
(١) تفسير البرهان ٣/٢١٧.
(٢) سورة التوبة الآية: ٤٣.
(٣) سورة الزمر الآية: ٦٥.
(٤) سورة الإسراء الآية: ٧٤.
(٥) عيون أخبار الرضا عليهالسلام ١/٢٠٢؛ تفسير البرهان ٢/٧٧٨؛ قصص الأنبياء: ١٨.
(٦) تنزية الأنبياء: ١١٩؛ عصمة الأنبياء: ١١٢.
واسـمعي يا جارة»(١).
وقد عقّب الشيخ صالح المازندراني علىٰ مثل هذا النوع من الخطاب قائلاً: «وإنّ بعض آيات القرآن، بل القرآن كلّه نزل علىٰ سبيل التعريض، وهو توجيه الخطاب إلىٰ المخاطب في حين أنّ المراد من الخطاب هو شخص آخر يقصد به المتكلّم»(٢). وعلّق الشيخ الطوسي بعد نقل رواية ابن عبّاس قائلاً: «فيكون الخطاب للنبي والمراد به الأمّة من ذلك»(٣).
٧ـ تفسير القرآن بالقرآن:
لا شكّ أنّ القرآن الكريم هو في حدّ ذاته يعتبر أتقن مصدر في تفسير القرآن، وقد أشار أمير المؤمنين عليهالسلام إلىٰ ذلك حيث قال: «وينْطِقُ بعضُه بِبعضٍ ويشْهد بعضُه علَىٰ بعض»(٤). ومن خلال التأمّل في آيات القرآن الكريم يتبيّن أنّ بعض الأمور في بعض الآيات جاءت بشكل مبهم ومجمل في حين أنّ نفس هذه الأمور جاءت في آيات أخرىٰ مفصّلة ومبيّنة. وفضلاً عن ذلك فقد عرّف القرآن نفسه قائلاً: ﴿تِبْياناً لِكُلِّ شَيءٍ﴾(٥)، هذا وإنّ القول المعروف: «القرآن يفسّر بعضه بعضاً» أيضاً يشير إلىٰ هذا الأمر(٦).
وقد شوهدت في الروايات التفسيرية للإمام الرضا عليهالسلام طريقة تفسير القرآن بالقرآن ونكتفي هنا بذكر أنموذجين منها:
__________
(١) الكافي ٢/٦٣١؛ تفسير العيّاشي ١/١٠.
(٢) شرح أصول الكافي ١١/٨١.
(٣) تفسير التبيان ١٠/٢٨.
(٤) نهج البلاغة: ١٩٢.
(٥) سورة النحل الآية: ٨٩.
(٦) التفسير والمفسّرون ٢/٢٢.
أ: قد استفاد الإمام الرضا عليهالسلام من طريقة تفسير القرآن بالقرآن في إثبات أنّ: (أهل الذكر) في قوله تبارك وتعالىٰ: ﴿وما أَرسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾(١) هم الأئمّة الأطهار عليهمالسلام ؛ تعويلاً علىٰ آية: ﴿قَد أَنْزَلَ الله إِلَيكُم ذِكْراً رسولًا يتْلُوا علَيكُم آياتِ اللَّهِ مبيِّناتٍ﴾(٢) حيث وصفت هذه الآيات رسول الله عليهما السلام بالذكر، فعرّف الإمام عليهالسلام نفسه إنّه من أهل الذكر(٣).
ب: وفي رواية أخرىٰ فسّر عليهالسلام آية: ﴿يوصِيكُم الله فِي أَولادِكُم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حـظِّ الْأُنْثَيينِ﴾(٤) بآية: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلَىٰ النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾(٥).
٨ـ تفسير القرآن بالسيرة:
إنّ من أفضل سبل معرفة القرآن وأهمّها هو تفسير القرآن بسيرة المعصومين عليهمالسلام ، وفي الواقع إنّ سيرة المعصومين عليهمالسلام هي من مصادر علم التفسير ومن أسس الدراسات والتحقيقات القائمة للحصول علىٰ المعارف القرآنية، فبناء علىٰ حديث الثقلين المتواتر فإنّ العترة الطاهرة عليهمالسلام هم عِدْل القرآن؛ إذ يعتبر الالتزام بأحدهما دون الآخر بمثابة تركهما، فمن هذا المنطلق فإنّ الحصول علىٰ الدين الكامل لابدّ أن يكون بالتمسّك بكلّ واحد منهما مقروناً بالآخر(٦). ثمّ إنّ الإمام الرضا عليهالسلام وإن كان هو أيضاً من أهل البيت عليهمالسلام وتعدّ رواياته
__________
(١) سورة الأنبياء آية: ٧.
(٢) سورة الطلاق آية: ١٠ـ١١.
(٣) عيون أخبار الرضا عليهالسلام ١/٢٣٩.
(٤) سورة النساء آية: ١١.
(٥) فقه القرآن ٢/٣٥٩؛ وسائل الشيعة ٢٦/٩٥. والآية من سورة النساء: ٣٤.
(٦) تسنيم ١/١٣٢.
التفسيرية من المصادر المتقنة في تفسير القرآن، ولكنّه فضلاً عن ذلك فقد اعتمد علىٰ نقل بعض الروايات التفسيرية عن آبائه وأجداده الطاهرين عليهمالسلام إلىٰ جانب الأمور التي بيّنها هو عليهالسلام من تفسير القرآن ونشير هنا إلىٰ بعض الروايات التي نقلها عن آبائه وأجداده عليهمالسلام :
أ: تناول الإمام الرضا عليهالسلام سورة الفاتحة ونقل في تفسيرها رواية عن آبائه الطاهرين عليهمالسلام عن أمير المؤمنين عليهالسلام تبييناً لها(١).
ب: وتناول عليهالسلام آية: ﴿فَلَمّا قَضَينا علَيهِ الْموتَ ما دَلَّهم عَلَىٰ مَوتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾(٢)، ونقل في تفسيرها رواية عن أبيه وجدّه عن الإمام الباقر عليهالسلام (٣).
ج: تناول عليهالسلام آية: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِنْ قَولِها وقالَ رَبِّ أَوزِعني أَنْ أَشْكُرَ نِعمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ علَيَّ وعَلَىٰ والِدَيَّ﴾(٤)، ونقل في تفسيرها رواية عن أبيه الإمام موسىٰ بن جعفر عليهالسلام عن جدّه الإمام الصادق عليهالسلام (٥).
د: تناول آية: ﴿ثُمَّ لَتُسئَلُنَّ يَومَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾(٦)، ونقل في تفسيرها رواية عن الإمام الصادق عليهالسلام (٧).
__________
(١) التفسير المنسوب إلىٰ الإمام العسكري عليهالسلام : ٣٠.
(٢) سورة سبأ أية: ١٤.
(٣) تفسير القمّي ٢/٣٨.
(٤) سورة النمل آية: ١٩.
(٥) علل الشرائع ١/٧٢؛ قصص الأنبياء: ٣٦٨.
(٦) سورة التكاثر آية: ٨.
(٧) عيون أخبار الرضا عليهالسلام ٢/١٢٨.
٩ـ التفسير الموضوعي للقرآن الكريم:
التفسير الموضوعي هو وجه آخر من الوجوه التفسيرية للإمام الرضا عليهالسلام ، ففي جوابه علىٰ الأسئلة التي وجّهت إليه من قبل علماء خراسان والعراق في مجلس المأمون، وإثباتاً لما أراده تبارك وتعالىٰ من قوله: ﴿الَّذِينَ اصطَفَينا مِنْ عِبَادِنا﴾ في آية: ﴿ثُمَّ أَورَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهم ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنْهم مقْتَصِد ومِنْهِمْ سَابِقٌ بِالخَيرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ﴾(١)، بأنّهم عترة النبي عليهما السلام لماّ قالوا له: أخبرنا هل فسّر الله عزّ وجلّ الاصطفاء في الكتاب؟ قال عليهالسلام : «فسّر الاصطفاء في الظاهر سوىٰ الباطن في اثني عشر موطناً وموضعاً»، ثمّ تطرّق بعد ذلك لتفسير: (الاصطفاء) في المناسبات التي ذكر بها ثمّ ذكر بالترتيب دلالة تلك الآيات علىٰ أهل البيت عليهمالسلام (٢) بتوضيح لا غبار عليه.
١٠ـ تأويل الآيات:
التأويل من مادّة (أوّل) بمعنىٰ الإرجاع إلىٰ أصله، فالمراد من التأويل هو إرجاع الكلمات ومفاهيمها إلىٰ المقاصد التي يرومها المتكلّم(٣)، فقد اعتبر القرآن الكريم العلم بالتأويل من مختصّات الباري تبارك وتعالىٰ والراسخين في العلم؛ وذلك في قوله عزّ وجلّ: ﴿ومَا يَعْلَمُ تَأْويلَهُ إِلَّا الله والرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾(٤)، فإنّ الكثير من الروايات عرّفت أئمّة أهل البيت الأطهار عليهمالسلام بأنّهم هم: ﴿الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾(٥).
__________
(١) سورة فاطر آية: ٣٢.
(٢) تحف العقول: ٤٢٥؛ بشارة المصطفىٰ: ٢٢٨.
(٣) المفردات في غريب القرآن: ٩٩؛ تفسير روشن ١/١٩.
(٤) سورة أل عمران آية: ٧.
(٥) بصائر الدرجات: ٢٠٣؛ تفسير القمّي ٢/٤٥١؛ الكافي ١/٤١٥؛ مناقب آل أبي طالب ٤/٤٢١.
يُعدّ تأويل الآيات المتشابهة أنموذجاً من نماذج التأويل في الروايات التفسيرية للإمام الرضا عليهالسلام ، علىٰ سبيل المثال فإنّ الإمام الرضا قدّر كلمة: (ثواب) قبل كلمة: (ربّهم) في تأويل آية: ﴿كَلَّا إِنَّهم عنْ ربهِم يومئِذٍ لَمحجوبونَ﴾(١)، وقدّر كلمة: (أمر) قبل: (ربّك) في آية: ﴿وجاء ربُّكَ والْملَكُ صفّاً صّفاً﴾(٢)، وقدّر كلمة: (بالملائكة) بعد: (الله) في آية: ﴿هلْ ينْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يأْتِيهم الله في ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ﴾(٣)؛ بناء علىٰ هذا فإنّ هذه الآيات تردّ شبهة جسمانية الباري سبحانه وتعالىٰ(٤)، وفي مواهب الرحمان في تفسير القرآن بعد أن ذكر المؤلّف هذه الرواية قال: «ما ورد في الحديث بيان حسن جدّاً للآية الشريفة، كما هو شأنه عليهالسلام في بيان الآيات المتشابهات»(٥).
١١ـ بيان بطون الآيات:
فضلاً عن المعاني الظاهرية فإنّ للقرآن معاني باطنية أيضاً يعبّر عنها بـ: (بطون القرآن)(٦)، ففي رواية قال الإمام الباقر عليهالسلام : «إنّ للقرآن بطناً وللبطن بطناً وله ظهر وللظهر ظهر»(٧)، ولكن لا يمكن لأحد أن يدرك بطون الآيات
__________
(١) سورة المطفّفين آية: ١٥.
(٢) سورة الفجر آية: ٢٢.
(٣) سورة البقرة آية: ٢١٠.
(٤) معاني الأخبار: ١٣.
(٥) مواهب الرحمن ٣/٢٥٣.
(٦) تفسير نمونه ٤/٣٢٣.
(٧) المحاسن ٢/٣٠٠.
ويتوصّل إليها سوىٰ النبي صلىاللهعليهوآلهه والأئمّة المعصومين عليهمالسلام الراسخين في العلم، ولا ينبغي لأحد أن يأتي بشيء من تلقاء نفسه كونه من المعاني الباطنية للآية(١).
ويتبيّن من خلال التأمّل والتدقيق في الروايات التفسيرية للإمام الرضا عليهالسلام والدقّة فيها أنّ الإمام شأنه كشأن سائر المعصومين عليهمالسلام حيث تطرّق في بعض الروايات لبيان بطون بعض آيات القرآن الكريم.
ونكتفي هنا بذكر نماذج من هذه الروايات:
أ: ففي آية: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتي عَلَىٰ مَا فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللهِ﴾(٢)، قال الإمام الرضا عليهالسلام : «جنب الله هو أمير المؤمنين كذلك من كان من بعده من الأوصياء»(٣).
ب: وفي رواية أخرىٰ في آية: ﴿وعَلَامَاتٍ وبِالنَّجمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾(٤) قال عليهالسلام : «فالعَلَامَاتُ الأَوصِياءُ والنَّجمُ رَسُولُ اللهِ»(٥).
ج: وفي رواية أخرىٰ في آية: ﴿وقِفُوهُم إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ﴾(٦) اعتبر أنّ الأمّة جميعاً موقوفون يوم القيامة ومسؤولون عن ولاية علي عليهالسلام (٧).
د: وفي رواية في آية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يأْمرُكُم أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلى أَهلِها﴾(٨) قال عليهالسلام :
__________
(١) تفسير نمونه ٢٤/٣٦٠.
(٢) سورة الزمر الآية: ٥٦.
(٣) بصائر الدرجات: ٦٢.
(٤) سورة النحل الآية: ١٦.
(٥) تأويل ألآيات الظاهرة: ٢٥٧.
(٦) سورة الصافّات الآية: ٢٤.
(٧) عيون أخبار الرضا عليهالسلام ٢/٥٩.
(٨) سورة النساء الآية: ٥٨.
«هم الأئمّة يؤدّي الإمام إلىٰ الإمام من بعده ولا يخصّ بها غيره ولا يزويها عنه»(١).
فمن خلال التأمّل في هذه الآيات وما شابهها من سائر الروايات التي من هذا القبيل في بيان المعاني الباطنية لبعض آيات القرآن الكريم يبدو أنّ الهدف الأساسي للإمام الرضا عليهالسلام من بيانه المعاني الباطنية للآيات هو أن يوجّه الناس لموضوع ولاية المعصومين عليهمالسلام وإمامتهم، وتبيين علوّ شأنهم ورفيع منزلتهم.
١٢ـ تبيين آيات الأحكام:
وقد تطرّق الإمام الرضا عليهالسلام في بعض الروايات إلىٰ تبيين آيات الأحكام كسائر المعصومين عليهمالسلام ونكتفي هنا بذكر أنموذجين من هذه الروايات:
أ: في رواية عن محمّد بن أبي نصر البزنطي، في آية: ﴿ومِنَ اللَّيلِ فَسَبِّحْهُ﴾(٢) قال الإمام الرضا عليهالسلام : «أدبار السجود أربع ركعات بعد المغرب وأدبار النجوم ركعتان قبل صلاة الصبح»(٣).
ب: وفي رواية أخرىٰ في آية: ﴿ثُمَّ لْيقْضُوا تَفَثَهُمْ ولْيُوفُوا نُـذُورَهُمْ ولْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيتِ الْعَتيقِ﴾(٤)، بادر الإمام الرضا عليهالسلام لتوضيح كلمة: (تفث) وقال: «تقليم الأظفار وطرح الوسخ عنك والخروج عن الإحرام»(٥).
وقد أشار الإمام الرضا عليهالسلام إلىٰ بعض آيات الأحكام تبييناً لها بنحو أفضل وذلك
__________
(١) تفسير العيّاشي ١/٢٤٩؛ تأويل الآيات الظاهرة: ١٤٠.
(٢) سورة الطور الآية: ٤٩.
(٣) بحار الأنوار ٨٤/٨٨.
(٤) سورة الحجّ الآية: ٢٩.
(٥) الكافي ٤/٥٠٤؛ من لا يحضره الفقيه ٢/٤٨٥.
من خلال تبيين علّة تشريع بعض أحكامها. مثل كتابه إلىٰ محمّد بن سنان الذي أشار به عليهالسلام إلىٰ علّة تحريم المحرّمات، مثل: قتل النفس، عقوق الوالدين، الزنا، قذف المحصنات، وأكل مال اليتيم، والفرار من الزحف، والتعرّب بعد الهجرة(١).
١٣ـ ذكر جزئيّات قصص القرآن الكريم:
«علىٰ أنّ القرآن ليس بكتاب تاريخ ولا أنّه يريد في قصصه بيان التاريخ علىٰ حدّ ما يرومه كتّاب التاريخ؛ وإنّما هو كلام إلهي مفرّغ في قالب الوحي يهدي به الله من اتّبع رضوانه سبل السلام، ولذلك لا تراه يقصّ قصّة بتمام أطرافها وجهات وقوعها، وإنّما يأخذ من القصّة نكات متفرّقة يوجب الإمعان والتأمّل فيها حصول الغاية من عبرة أو حكمة أو موعظة أو غيرها»(٢).
«إنّ دأب كلامه تعالىٰ فيما يورده من القصص أن يقتصر علىٰ مختارات من نكاتها المهمّة المؤثّرة في إيفاء الغرض من غير أن يبسط القول بذكر متنها بالاستيفاء والتعرّض لجميع جهاتها والأوضاع والأحوال المقارنة لها فما كتاب الله بكتاب تاريخ وإنّما هو كتاب هدىٰ»(٣).
ولكنّ العلم بجزئيّات قصص القرآن الكريم يساعد كثيراً علىٰ فهم الآيات، هذا ويعدّ ذكر بعض جزئيّات قصص القرآن الكريم من أحد النماذج التفسيرية للإمام الرضا عليهالسلام لتلك القصص، علىٰ سبيل المثال فإنّ بعض تلك الروايات جاءت كما يلي:
أ: ففي رواية جاءت بعد الآيات: (٦٠ـ٨٢) من سورة الكهف، تطرّق الإمام الرضا
__________
(١) من لا يحضره الفقيه ٣/٥٦٥.
(٢) تفسير الميزان ٢/٣٠٨.
(٣) تفسير الميزان ١٣ /٢٩١.
عليهالسلام فيها إلىٰ ذكر بعض جزئيّات قصّة موسىٰ والخضر ‘ بالتفصيل(١).
ب: وفي رواية أخرىٰ تطرّق الإمام فيها إلىٰ ذكر جزئيّات قصّة بلعم بن باعورا تبييناً لآية: ﴿واتْلُ علَيهِم نَبأَ الَّذي آتَيناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيطانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوينَ﴾(٢).
ج: وفي رواية ابن أبي نصر البزنطي ذكر الإمام الرضا عليهالسلام عدد الدراهم في قصّة النبي يوسف عليهالسلام عشرين درهماً تبييناً لآية: ﴿وشَرَوهُ بِثَمنٍ بخْسٍ دَرَاهِم مَعْدُودَةٍ وكَانُوا فيهِ مِـنَ الزَّاهِدِينَ﴾(٣).
ولا يخفىٰ أنّ بيان بعض جزئيّات القصص القرآنية قد جاءت في الإسرائيليّات أيضاً، ولكن بفارق أنّ هذه الروايات ضعيفة جدّاً وموهنة، وغالباً ما نقلت من مصادر أهل الكتاب، وخاصّة اليهود من قبل أشخاص مثل عبد الله بن سلام وكعب الأحبار ووهب بن منبّه وتميم بن أوس الداري وأمثالهم، وقد وضعت طعناً بالإسلام ثمّ تسلّلت شيئاً فشيئاً إلىٰ كتب الحديث(٤).
١٤ـ الاستدلال بالآيات في الروايات:
إنّ الاستدلال بآيات القرآن الكريم في الكثير من الروايات لتأييد بعض الأمور، هو وجه آخر من الوجوه التفسيرية للإمام الرضا عليهالسلام والتي تساعد في تبيين آيات القرآن الكريم. فإنّ هذا الأمر فضلاً عمّا يؤول إليه من تأييد تلك الأمور وتصحيحها فهو في حدّ ذاته يعدّ وجهاً من وجوه التفسير؛ لأنّ بعض الأمور المستوحاة من تلك
__________
(١) تفسير القمّي ٢/٣٨.
(٢) تفسير القمّي ١/٢٤٩. والآية من سورة الأعراف: ١٧٥.
(٣) فقه القرآن في شرح آيات الأحكام: ١٢٩. والآية من سورة يوسف: ٢٠.
(٤) الإسرائيليّات في التفسير والحديث: ١٩ـ٢٠.
الآيات سوف تؤدّي إلىٰ فهمها بنحو أفضل بالنسبة إلىٰ المخاطبين.
والشاهد علىٰ ما ذكرنا الأنموذجان التاليان:
أ: في رواية قال الإمام الرضا عليهالسلام : «لا يكون المؤمن مؤمناً حتّىٰ يكون فيه ثلاث خصال: سنّة من ربّه، وسنّة من نبيّه، وسنّة من وليّه، فالسنّة من ربّه كتمان سرّه، قال الله عزّ وجلّ: ﴿عالِمُ الْغَيبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيبِهِ أَحداً إِلَّا منِ ارتَضَىٰ مِنْ رسولٍ﴾(١)، وأمّا السنّة من نبيّه صلىاللهعليهوآله فمداراة الناس فإنّ الله عزّ وجلّ أمر نبيّه صلىاللهعليهوآلهه بمداراة الناس فقال: ﴿خُذِ العَفْوَ وأمُرْ بِالمَعْرُوفِ وأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ﴾(٢)، وأمَّا السنّة من وليّه فالصبر في البأساء والضرّاء فإنّ الله عزّ وجلّ يقول: ﴿والصَّابِرِينَ في البَأسَاءِ والضَّرَّاءِ﴾(٣)»(٤). فبيّن عليهالسلام تلك الأمور استدلالاً بآيات القرآن الكريم.
ب: وفي رواية أخرىٰ قال عليهالسلام : «أقرب ما يكون العبد من الله عزّ وجلّ وهو ساجد وذلك قوله تبارك وتعالى: ﴿واسْجُدْ واقْتَرِبْ﴾(٥)»(٦).
١٥ـ ذكر علل الأمور في بعض الآيات:
الوجه الآخر من الروايات التفسيرية للإمام الرضا عليهالسلام هو ذكر علل بعض الأمور في الآيات القرآنية، ويأتي هذا الأمر في سياق بيان بعض دقائق الأمور في
__________
(١) سورة الجنّ الآية: ٢٦.
(٢) سورة الأعراف الآية: ١٩٩.
(٣) سورة البقرة الآية: ١٧٧.
(٤) الخصال ١/٨٢؛ مشكاة الأنوار: ٨٥.
(٥) سورة العلق الآية: ١٩.
(٦) الكافي ٣/٢٦٥؛ من لا يحضره الفقيه٢/٧.
القرآن الكريم. ولتبيين الأمر نذكر أنموذجين لهذا القبيل من الروايات:
أ: ففي تفسير آية: ﴿وهو الَّذي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ والْأَرْضَ في سِتَّةِ أَيَّامٍ وكَانَ عَرْشُهُ عَلَىٰ الْماءِ لِيبلُوَكُم أَيُّكُم أَحْسَنُ عَمَلاً﴾(١)، فإنّ الإمام الرضا عليهالسلام فضلاً عن ذكره بعض التوضيحات بادر إلىٰ بيان علل ثلاثة أمور في هذه الآية الكريمة: في بادئ الأمر بادر إلىٰ بيان علّة استقرار العرش الإلهي علىٰ الماء، ثمّ ذهب إلىٰ بيان علّة خلق السماوات والأرض في ستّة أيّام، وفي نهاية المطاف اعتبر الامتحان هو أحد علل خلق الإنسان(٢).
ب: وفي رواية أخرىٰ سئل الإمام الرضا عليهالسلام عن اللحظات الأخيرة التي آمن بها فرعون وأقرّ بالتوحيد حين غرقه، فاستند الإمام عليهالسلام في جوابه بآية: ﴿فَلَمّا رأَوا بأْسَنا قالُوا آمنَّا بِاللهِ وحدَهُ وكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمّا رَأَوا بَأْسَنَا﴾(٣)، وآية: ﴿يَومَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَم تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبلُ أَو كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيراً﴾(٤)، حيث اعتبر إيمان فرعون لا جدوىٰ منه في اللحظات الأخيرة، ثمّ بيّن عليهالسلام علّة أخرىٰ لهذا الأمر علىٰ أنّ فرعون استغاث بموسىٰ حين الغرق ولم يستغِث بالله عزّ وجلّ، ولو كان قد استغاث بالله لأغاثه(٥).
١٦ـ الاهتمام بما توحيه الرسالة التربوية وأهدافها:
ممّا لا شكّ فيه أنّ تربية الناس وهدايتهم إلىٰ الطريق الصحيح هو أحد المهامّ الأساسية للإمامة، وقد بلغت أهمّية هذا الأمر حدّاً بحيث اعتنىٰ به الإمام الرضا عليهالسلام في تفسير القرآن
__________
(١) سورة هود الآية: ٧.
(٢) عيون أخبار الرضا عليهالسلام ١/١٣٥؛ الاحتجاج ٢/٤١٢.
(٣) سورة غافر الآية: ٨٤ـ٨٥.
(٤) سورة الأنعام الآية: ١٥٨.
(٥) علل الشرائع ١/٥٩، وسائل الشيعة ١٦/٩٠.
الكريم عناية خاصّة كسائر الأئمّة عليهمالسلام والروايات التالية تعبّر عمّا ذكرناه:
أ: في رواية قال الإمام الرضا عليهالسلام : إنّ أوحش ما يكون هذا الخلق في ثلاثة مواطن: يوم ولد ويخرج من بطن أمّه فيرىٰ الدنيا، ويوم يموت فيرىٰ الآخرة وأهلها، ويوم يبعث فيرىٰ أحكاماً لم يرَها في دار الدنيا. وقد سلّم الله عزّ وجلّ علىٰ يحيىٰ عليهالسلام في هذه الثلاثة المواطن وأمّن روعته فقال: ﴿وسَلَامٌ عَلَيهِ يَوْمَ وُلِدَ ويَومَ يَمُوتُ ويَوْمَ يُبْعَثُ حَيَّا﴾(١)، وقد سلّم عيسىٰ بن مريم علىٰ نفسه في هذه الثلاثة المواطن فقال: ﴿والسَّلَامُ عَلَيَّ يَـوْمَ وُلِدْتُ ويَوْمَ أَمُوتُ ويَومَ أُبعَـثُ حَيَّـا﴾(٢).
ب: وفي رواية قد بادر عليهالسلام إلىٰ مسألة عرض أعمال الأمّة عليه عليهالسلام . فممّا لا شكّ فيه أنّ توجيه الناس إلىٰ هذا الأمر إنّما هو بمثابة تربيتهم وهدايتهم. يقول عبد الله بن أبان: «قلت للرضا عليهالسلام اُدعُ الله لي ولأهل بيتي، فقال: أوَلست أفعل؟ والله إنّ أعمالكم لتعرض عليّ في كلّ يوم وليلة. قال: فاستعظمت ذلك. فقال لي أما تقرأ كتاب الله عزّ وجلّ: ﴿وقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَىٰ اللهُ عَمَلَكُمْ ورَسُولُهُ والُمؤْمِنُونَ﴾(٣)»(٤).
١٧ـ إزالة الشكّ وتصحيح الشبهات:
ومن الوجوه التفسيرية للإمام الرضا عليهالسلام هو إزالة الشكّ وتصحيح سوء الفهم حول بعض آيات القرآن الكريم. ونشير هنا إلىٰ ذكر أنموذجين من الروايات التفسيرية للإمام الرضا عليهالسلام :
__________
(١) سورة مريم الآية: ١٥.
(٢) عيون أخبار الرضا عليهالسلام ١/٢٥٧؛ بحار الأنوار ٦/١٥٨. والآية من سورة مريم: ٣٣.
(٣) سورة التوبة الآية: ١٠٥.
(٤) بصائر الدرجات: ٤٢٩؛ بحار الأنوار ٢٣/٣٤٧.
أ: في رواية عن إبراهيم بن العبّاس يقول: كنّا في مجلس الرضا عليهالسلام فتذاكرنا الكبائر وقول المعتزلة فيها إنّها لا تغفر، فقال الرضا عليهالسلام : «قال أبو عبد الله عليهالسلام قد نزل القرآن بخلاف قول المعتزلة، قال الله جلّ جلاله: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ للنّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ﴾(١)»(٢)، فقد ذكر الإمام الرضا عليهالسلام بطلان نظر المعتزلة استناداً علىٰ الآية.
ب: في رواية ردّ الإمام الرضا عليهالسلام صريحاً قراءة: (إنّه عَمِلَ غير صالح) في آية: ﴿قالَ يا نُوحُ إِنَّه لَيسَ مِنْ أَهلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيرُ صَالِحٍ﴾(٣)، واعتبر القائلين بها كذّابين(٤). وتعدّ هذه الرواية أنموذجاً آخر من إزالة الشكّ وتصحيح سوء الفهم حول القرآن الكريم، وقد أشرنا إليها في قسم القراءة(٥).
١٨ـ تبيين المعارف الاعتقادية:
ومن الوجوه التفسيرية للإمام الرضا عليهالسلام هي تبيين المعارف الاعتقادية التي بادر إليها الإمام عليهالسلام عن طريق تفسير بعض آيات القرآن الكريم، وهذان أنموذجان من الروايات في هذا المضمار:
أ: مسألة البداء:
في رواية ردّ بها الإمام الرضا عليهالسلام قول سليمان المروزي الذي كان من المنكرين لمسألة البداء مستنداً علىٰ إثباتها بآيات عديدة، مثل: ﴿أَو لا يذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبلُ ولَم يَكُ
__________
(١) سورة الرعد الآية: ٦.
(٢) التوحيد: ٤٠٦؛ تفسير البرهان ٣/٢٢٦.
(٣) سورة هود الآية: ٤٦.
(٤) عيون أخبار الرضا عليهالسلام ٢/٧٥؛ تفسير العيّاشي ٢/١٥١.
(٥) راجع: علم قرائت: ٢ـ٢.
شَيئاً﴾(١)، و: ﴿وهو الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُـمَّ يُعِيدُهُ﴾(٢)، و: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ والْأَرضِ﴾(٣)، و: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشَاءُ﴾(٤)، و: ﴿وبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ﴾(٥)، و: ﴿وآخَرُونَ مرْجونَ لِأَمرِ اللَّه إِمّا يعذِّبهم وإِمَّا يَتُوبُ عَلَيهِمْ﴾(٦)، و: ﴿ومَا يَعْمُرُ مِنْ مُعَمَّرٍ ولَا يَنْقَصُ مِنْ عُمرِهِ إِلَّا فِي كِتابٍ﴾(٧).
ب: ضرورة أخذ الدين من الإمام المعصوم:
وفي رواية بيّن عليهالسلام في تفسير آية: ﴿ومَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيرِ هُدَىً مِنَ اللَّه﴾(٨) أحد المعارف الاعتقادية للدين الحنيف وهو ضرورة اتّباع الإئمّة المعصومين عليهمالسلام وأخذ مفاهيم الدين عنهم، والنهي عن الاجتهاد بالرأي باسم الدين؛ وذلك حين قال عليهالسلام : «يعني منِ اتَّخَذَ دِينَه رأْيه بِغَيرِ إمام مِنْ أَئِمّةِ الْهدىٰ»(٩).
نتيجة البحث:
١ـ إنّ الظروف الفكرية والبحوث العلمية في كلّ زمان لها الأثر الكبير علىٰ نهج المفسّرين في تفسير القرآن الكريم. وكانت الحقبة الزمنية التي عاشها الإمام الرضا عليهالسلام قد كثرت فيها المناظرات العلمية والكلامية بين الأديان والمذاهب،
__________
(١) سورة مريم الآية: ٦٧.
(٢) سورة الروم الآية: ٢٧.
(٣) سورة البقرة الآية: ١١٧.
(٤) سورة فاطر الآية: ١.
(٥) سورة السجدة الآية: ٧.
(٦) سورة السجدة الآية: ١٠٦.
(٧) التوحيد:٤٤٣؛ بحار الأنوار ٤/٩٥. والآية من سورة فاطر: ١١.
(٨) سورة القصص الآية: ٥٠.
(٩) بصائر الدرجات: ١٣؛ الكافي ١/٣٧٤.
وقد طرحت بها الشبهات والتساؤلات الكلامية وقد تركت هذه الحقبة أثرها في النهج الكلامي للإمام الرضا في تفسير القرآن بشكل واضح.
٢ـ لقد تناول الإمام الرضا عليهالسلام في تفسيرالقرآن الكريم بعض الروايات التفسيرية لمن قبله من الأئمّة المعصومين عليهمالسلام ، وقد أدّىٰ هذا الأمر إلىٰ نشر المدرسة التفسيرية الصحيحة لآيات القرآن الكريم بحيث مالت إليه عليهالسلام الفرق الشيعية المنحرفة فضلاً عن معرفة الناس بعلوم أهل البيت عليهمالسلام .
٣ـ من خلال التأمّل في الروايات التفسيرية للإمام الرضا عليهالسلام يتبيّن أنّ رواياته عليهالسلام تشتمل علىٰ بعض المباني المعرفية للقرآن الكريم مثل خلود القرآن وصيانة القرآن من التحريف والهداية القرآنية، وتشتمل أيضاً علىٰ بعض أبحاث العلوم القرآنية مثل: سبب النزول، قراءات القرآن، معرفة السور، وفضائل السور والآيات وخواصّها، والحروف المقطّعة، والمحكم والمتشابه.
٤ـ الوجوه التفسيرية للإمام الرضا عليهالسلام هي عبارة عن: ذكر أسباب النزول، تبيان معنىٰ المفردات، تبيين الآيات عن طريق بيان مصداقها وقيودها التوضيحية، تعيين مرجع الضمير، الاهتمام بنوع الخطاب، تفسير القرآن بالقرآن، تفسير القرآن بالسنّة، التفسير الموضوعي، تأويل الآيات المتشابهة، بيان المعنىٰ الباطني للآيات، تبيين آيات الأحكام، ذكر جزئيّات القصص القرآنية، الاستناد بالآيات في الروايات، بيان أسباب وعلل الأمور في الآيات، الاهتمام بما توحيه الرسالة التربوية وبأهدافها، ردّ الشبهات وتصحيح الشبهات حول القرآن وتبيين المعارف الاعتقادية.
٥ـ بعض الروايات التفسيرية للإمام الرضا عليهالسلام التي تمّت بها الإشارة إلىٰ بيان مصاديق بعض آيات القرآن الكريم، جاءت متناسبة مع الظروف الاجتماعية والسياسية وما يفتقر إليه المجتمع الإسلامي آنذاك.
المصادر
القرآن الكريم.
١-القرآن الكريم: ترجمة محمّد مهدي فولادوند، تحقيق: اللجنة العلمية لدار القرآن الكريم، طهران، دار القرآن الكريم، ١٤١٥هـ.
٢-صحيفة الرضا: الإمام علي بن موسىٰ الرضا عليهالسلام ، باهتمام محمّد مهدي نجف، كنگره جهاني امام رضا عليهالسلام ، ١٤٠٦هـ.
٣-التوحيـد: ابن بابويه القمّي، الشـيخ الصدوق، جامعـة المدرّسين، قم ـ إيران ١٣٩٨هـ.
٤-ثواب الأعمال: ابن بابويه القمّي، الشيخ الصدوق، الشريف الرضي، قم ـ إيران ١٣٦٤ش.
٥-الخصال: ابن بابويه القمّي، الشيخ الصدوق، جامعة المدرّسين، قم ـ إيران، ١٤٠٣هـ.
٦-علل الشرائع: ابن بابويه القمّي، الشيخ الصدوق، مكتبة الداوري، قم ـ إيران.
٧-عيون أخبار الرضا عليهالسلام : ابن بابويه القمّي، الشيخ الصدوق، جهان، قم ـ إيران، ١٣٧٨هـ.
٨-معاني الأخبار: ابن بابويه القمّي، الشيخ الصدوق، جامعة المدرّسين، ١٣٦١ش، قم ـ إيران.
٩-من لا يحضره الفقيه: ابن بابويه القمّي، الشيخ الصدوق، جامعة المدرّسين، قم ـ إيران، ١٤١٣هـ.
١٠-تحف العقول: ابن شعبه الحرّاني الحلبي، جامعة المدرّسين، قم ـ إيران، ١٤٠٤هـ.
١١-مناقب آل أبي طالب عليهمالسلام : ابن شهر آشوب المازندراني، مؤسّسة علّامة، قم ـ إيران، ١٣٧٩هـ.
١٢-البرهان في تفسير القرآن: سيّد هاشم البحراني، تحقيق: قسم الدراسات الإسلامية مؤسّسة البعثة، إيران ـ طهران، ١٤١٦هـ.
١٣-المحاسن: أحمد بن محمّد البرقي، دار الكتب الإسلامية، قم ـ إيران ١٣٧١هـ.
١٤-معالم التنزيل في تفسير القرآن: البغوي، باهتمام: عبد الرزاق المهدي، دار إحياء التراث العربي، بيروت ـ لبنان، ١٤٢٠هـ.
١٥-التفسير المنسوب إلىٰ الإمام الحسن العسكري عليهالسلام : مدرسة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف ، قم ـ إيران، ١٤٠٩هـ.
١٦-الكشف والبيان عن تفسير القرآن: الثعلبي النيشابوري، دار إحيـاء التراث العربي، بيروت ـ لبنان ١٤٢٢هـ.
١٧-قصص الأنبياء عليهمالسلام : السيّد نعمة الله الجزائري، مكتبة آية االله المرعشي، قم ـ إيران، ١٤٠٤هـ.
١٨-تفسير تسنيم: الشيخ جوادي آملي، إسراء، قم ـ إيران: ١٣٧٩ش>
١٩-قرآن حكيم از منظر امام رضا عليهالسلام : زينب كربلائي، إسراء، قم ـ إيران، ١٣٨٢ش.
٢٠-وسائل الشيعة: محمّد بن الحسن الحرّ العاملي، مؤسّسة آل البيت عليهمالسلام ،قم ـ إيران، ١٤٠٩هـ.
٢١-تأويل الآيات الظاهرة: السيّد شرف الدين الحسيني الاسترآبادي، جامعة المدرّسين، قم ـ إيران، ١٤٠٩هـ.
٢٢-قرب الأسناد: عبد الله بن جعفر الحميري القمّي، مكتبة نينوى، طهران ـ إيران.
٢٣-تفسير نور الثقلين: عبد علي بن جمعة العروسي الحويزي، باهتمام: السيّد هاشم الرسولي المحلاتي، إسماعيليان، قم ـ إيران، ١٤١٥هـ.
٢٤-البيان في تفسير القرآن: السيّد أبو القاسم الخوئي، نشر: أنوار الهدى، قم ـ إيران، ١٤٠١هـ.
٢٥-الإسرائيليات في التفسير والحديث: محمّد حسين الذهبي، دار الإيمان، دمشق ـ سوريا، ١٤٠٥هـ.
٢٦-المفردات في غريب القرآن: الحسين بن محمّد الراغب الإصفهاني، باهتمام: صفوان عدنان داودي، دار العلم ـ بيروت، الدار الشامية ـ دمشق، ١٤١٢هـ.
٢٧-الأئمّة الاثني عشر عليهمالسلام : الشيخ جعفر السبحاني، دار جواد الأئمّة، بيروت ـ لبنان، ٢٠١٥م ـ ١٤٣٦هـ.
٢٨-نهج البلاغة: السيّد الرضي، دار الهجرة، قم ـ إيران.
٢٩-الدرّ المنثور في تفسير المأثور: جلال الدين السيوطي، مكتبة آية االله المرعشي النجفي، قم ـ إيران، ١٤٠٤هـ.
٣٠-لباب النقول في أسباب النزول: السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن، دار إحياء العلوم، بيروت ـ لبنان.
٣١-بصائر الدرجات: محمّد بن الحسن الصفّار، مكتبـة آية الله المرعشي، قم ـ إيران، ١٤٠٤هـ.
٣٢-الميزان في تفسير القرآن: السيّد محمّد حسين الطباطبايي، جامعة المدرّسين، قم ـ إيران، ١٤١٧ق.
٣٣-مشكاة الأنوار: أبو الفضل علي بن حسن الطبرسي، المكتبة الحيدرية، نجف ـ العراق، ١٣٨٥هـ.
٣٤-الاحتجاج: أبو منصور أحمد بن علي الطبرسي، المرتضى، مشهد ـ إيران، ١٤٠٣هـ.
٣٥-مكارم الأخلاق: رضي الدين الطبرسي، الشريف الرضي، قم ـ إيران، ١٤١٢هـ.
٣٦-مجمع البيان في تفسير القـرآن: الفضل بن الحسن الطبرسي أمين الإسلام، باهتمام: محمّد جواد البلاغي، ناصر خسرو، طهران ـ إيران، ١٣٧٢ش.
٣٧-بشارة المصطفىٰ لشيعة المرتضىٰ: أبو جعفر الطبري، المكتبة الحيدرية، النجف ـ العراق، ١٣٨٣هـ.
٣٨-التبيان في تفسير القرآن: أبو جعفر محمّد بن حسن الطوسي، باهتمام: أحمد القصير العاملي، دار إحياء التراث العربي، بيـروت ـ لبنان>
٣٩-تهذيب الأحكام: دار الكتب الإسلامية، طهران ـ إيران، ١٣٦٥ش.
٤٠-تنزيـه الأنبياء والأئمة عليهمالسلام : السيّد المرتضىٰ علم الهدىٰ، منشورات الشريف الرضي، قم ـ إيران.
٤١-تفسير العياشي: أبو النضر محمّد بن مسعود العيّاشي، باهتمام: السيّد هاشم رسولي محلّاتي، مطبعة علمية، طهران ـ إيران،١٣٨٠هـ.
٤٢-عصمة الأنبياء: أبو عبد الله فخر الدين الرازي، مطبعـة الشهيد، منشورات الكتبي النجفي، قم ـ إيران، ١٤٠٦هـ.
٤٣-مفاتيح الغيب: دار إحياء التراث العربي، بيروت ـ لبنان، ١٤٢٠هـ.
٤٤-حياة الإمام الرضا عليهالسلام : باقر شريف القرشي، سعيد بن جبير، قم ـ إيران، ١٣٧٢ش.
٤٥-فقه القرآن في شرح آيات الأحكام: القطب الراوندي، سعيد بن هبة الله، مكتبة آية الله المرعشي، قم ـ إيران، ١٤٠٥هـ.
٤٦-قصص الأنبياء عليهمالسلام : القطب الراوندي، سعيد بن هبة الله، بنياد پژوهشهاي آستان قدس رضوي، مشهد ـ إيران، ١٤٠٩هـ.
٤٧-تفسير القمّي: علي بن إبراهيم القمّي، مؤسّسة دار الكتاب، قم ـ إيران، ١٤٠٤هـ.
٤٨-رجال الكشي: محمّد بن عمر الكشي، مشهد: دانشگاه مشهد، ١٣٤٨ش.
٤٩-الكافي: الكليني، أبو جعفر محمّد بن يعقوب، طهران ـ إيران، دار الكتب الاسلامية، ١٣٦٥ش.
٥٠-شرح أصول الكافي (مع تعليقات الميرزا أبي الحسن الشعراني): المولىٰ محمّد صالح المازندراني، باهتمام: السيّد علي عاشور، دار إحياء التراث العربي، بيروت ـ لبنان.
٥١-بحار الأنوار: محمّد باقر المجلسي، مؤسّسة الوفاء، بيروت ـ لبنان، ١٤٠٤هـ.
٥٢-التحقيق في كلمات القرآن الكريم: حسن مصطفوي، بنگاه ترجمه ونشر كتاب، طهران ـ إيران، ١٣٦٠ش.
٥٣-تفسير روشن: حسن مصطفوي، مركز نشر كتاب، طهران، ١٣٨٠ش.
٥٤-التفسير والمفسّرون في ثوبه القشيب: محمّد هادي معرفت، دانشگاه علوم إسلامي رضوي، مشهد ـ إيران، ١٤١٩هـ.
٥٥-تفسير نمونه: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي، طهران، دار الكتب الإسلامية، ١٣٧٤ش.
٥٦-مواهب الرحمن في تفسير القرآن: السيّد عبد الأعلىٰ الموسوي السبزواري، مؤسّسة أهـل البيت عليهمالسلام ، بيروت ـ لبنان، ١٤٠٩هـ.
٥٧-أسباب نزول القرآن: علي بن أحمد الواحدي، باهتمام: كمال بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية، بيروت ـ لبنان،١٤١١هـ.
(أبو جعفر محمّد بن موسىٰ الموسوي)(١)
عالم وأديب شيعي من أعلام القرن الرابع الهجري
ومصحفه الموقوف علىٰ العتبة الرضوية سنة ٤٠٢هـ(٢)
د.مرتضى كريمي نيا
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدّمة:
أبو جعفر محمّد بن موسىٰ الموسوي من أحفاد الإمام موسىٰ بن جعفر عليهالسلام ، عالم وأديب شيعي في نيشابور، وكان نقيب الشيعة في طوس في القرن الرابع الهجري، وكان من المقرّبين عند الأمراء السامانيّين وحكّامهم وله بهم صلة وثيقة، وبالرغم من عدم ذكر اسمه في مصادر الشيعة في الفقه والحديث والكلام والتفسير والرجال إلّا أنّ العديد من أدباء ومؤرّخي القرن الرابع والخامس الهجري مثل أبي منصور الثعالبي وأبي نصر العتبي ذكروه كراراً ونقلوا أقواله وأشعاره التي غالباً ما ترتبط بتاريخ الإيرانيّين وأدبهم وثقافتهم وعاداتهم في
__________
(١) تمّت ترجمة هذه المقالة من قبل هيئة التحرير.
(٢) أتقدّم بالشكر الجزيل إلىٰ هيئة إدارة مكتبة آستان قدس رضوي في العتبة الرضوية الموقّرة وجميع الأخوة العاملين في قسم المخطوطات؛ لما وفّروه لي من صور النسخ المشار إليها في مقالنا هذا.
القرن الرابع الهجري في خراسان.
فمن خلال دراسة المصادر القديمة لترجمة حياته وجمع المعلومات من هنا وهناك عن آثار أبي جعفر الموسوي يتطرّق مقالنا هذا لتعريف النسخة القرآنية الكاملة (ثلاثين جزءاً) والتي تمّ وقفها من قبله علىٰ العتبة الرضوية سنة (٤٠٢ هـ). تعدّ هذه النسخة واحدة من أقدم النسخ القرآنية الموقوفة والمؤرّخة عند الشيعة التي كتبت في خراسان بخطّ النسخ القديم، وفيها كمّ هائل من العلامات والنقوشات المذهّبة. وقد جاء الرسم القرآني فيها بناء علىٰ الرسم القياسي ومخالفاً للرسم العثماني، وقراءته أقرب ما تكون لقراءة أبي عمرو البصري ويعقوب الحضرمي.
ومن خلال دراسة هذا القرآن ـ الذي لم يتبقّ منه حاليّاً سوىٰ خمسة أقسام في مكتبة آستان قدس رضوي ـ نرىٰ أنّه يرتبط بأحد العلماء والأدباء من السادة العلويّين الشيعة باسم: أبي جعفر محمّد بن موسىٰ الموسوي من أعلام القرن الرابع الهجري، الذي قلّما جاء اسمه في المصادر الشيعية، ولم نجد عن حياتة وآثاره معلومات كثيرة.
ومن أهمّ مميّزات هذا القرآن هو وقفيّته التي أرّخت في بداية القرن الخامس الهجري، ويبدو أنّ القرآن قد تمّت كتابته في أواخر القرن الرابع الهجري. وقد جاء نصّ وقفية أبي جعفر محمّد بن موسىٰ الموسوي في بدايات جميع الأجزاء الثلاثين للقرآن الكريم كما يلي:
«وقفه وسبّله السیّد أبو جعفر محمّد بن موسىٰ الموسوي تقبّل الله منه علىٰ مسجد مشهد(١)
__________
(١) بناء علىٰ التحقيقات التي أجريتها إلىٰ الآن علىٰ وقفيّات المصاحف القرآنية في مكتبة آستان قدس رضوي، فإنّ عبارة: (مسجد مشهد الإمام) لم ترد في أيّ من الوقفيّات الأخرىٰ. ويدلّ هذا التعبير علىٰ أنّ مرقد الإمام الرضا عليهالسلام وحرمه الشريف في القرن الرابع الهجري كان فيه مسجد أيضاً. والجدير بالذكر أنّ بعض الوقفيّات قد وردت فيها عبارات مشابهة تدلّ علىٰ تأييد هذا الأمر؛ فعلىٰ سبيل المثال وردت في وقفية أبي الحسن علي بن عبد الرحمن التاجر، المؤرّخة ٤١٢ هـ (في النسخة القرآنية رقم: ٣٣١٦)، عبارة: «وحرام علىٰ من یخرج ذلك من مشهده وهو القبّة التي فیه تربته وعن المسجد التي تشرع بابه إلیه»؛ وفي وقفية أبي البرکات علي
الإمام أبي الحسن علي بن موسىٰ الرضا علیه السلام، لا یباع ولا یوهب ولا یخرج من سور المشهد وذلك في شوّال سنة اثنتین وأربعمائة» (انظر الصورة: ١ و٢).
وهي من أقدم الوقفيّات القرآنية في مكتبة آستان قدس رضوي والتي يتبيّن منها بوضوح أنّ واقفها شيعي. ومن خلال دراسة الجوانب المختلفة لهذا القرآن نكتشف أموراً جديدة عن تاريخ كتابة وقف القرآن من قبل الكتّاب والواقفين الشيعة والسنّة في القرن الرابع الهجري في خراسان. وقبل أن نبدأ ببيان تفصيلي للأقسام المتبقّية من قرآن أبي جعفر الموسوي في مكتبة آستان قدس رضوي، علينا أوّلاً أن نمرّ علىٰ حياة وسيرة وآثار هذا العالم والأديب الشيعي الذي عاش في القرن الرابع الهجري وبداية القرن الخامس الهجري؛ خصوصاً وأنّه لم تؤلّف فيه حتّىٰ الآن ترجمة وافية تجمع المعلومات الموجودة عنه من هنا وهناك في بطون الكتب. وعليه سنتطرّق في الفصل الأوّل من مقالنا هذا إلىٰ شرح سيرة وآثار أبي جعفر الموسوي، وفي الفصل الثاني منه إلىٰ بيان ودراسة القرآن الذي تمّ وقفه من قبله علىٰ حرم الإمام الرضا عليهالسلام .
__________
ابن الحسین الحسیني، المؤرَّخة ٤٢١ هـ (في النسخة القرآنية رقم: ٦)، وردت عبارة: «ولا یخرَجَ مِنَ القُبَّةِ والمَسجد»؛ وفي وقفية حسین بن علي بن حسین بقّالان، المؤرّخة ٥١٤ هـ (في النسخة القرآنية رقم: ٤٣٥٣)، وردت عبارة: «في المسجد المبنيّ في هذا المشهد»؛ وفي وقفية أبي المجد سعید بن محمّد بن موسىٰ البراوستاني، المؤرّخة ٥١٥ هـ (في النسخة القرآنية رقم: ٥٢)، وردت عبارة: «یقرأ في الروضة الرضویة والمسجد المتّصل بالقبّة»؛ وفي وقفية محمّد بن علي بن محمّد المعروف بالسرکریني الرازي، المؤرَّخة ٥٤٠ هـ (في النسخة القرآنية رقم: ٣٥٤٩)، وردت عبارة: «وقف علىٰ المسجد المقدّسة الرضویة النبویة الإمامیة الطاهریة علي بن موسىٰ الرضا علیهما السلام والصلوة المعروف بمشهد الطوس».
الفصل ألأوّل
سيرة وآثار أبي جعفر الموسوي
أبو جعفر محمّد بن موسىٰ الموسوي؛ هل هو من أحفاد الإمام الكاظم أو الإمام الجواد عليهماالسلام؟
أطلق اسم: (أبو جعفر محمّد بن موسىٰ الموسوي) في المصادر القديمة من كتب التراجم والتاريخ والأدب علىٰ شخصيّتين من علماء الشيعة السادة في القرن الرابع الهجري: أحدهما في قم والآخر في خراسان. والأوّل من أعقاب الإمام الجواد عليهالسلام ؛ والثاني من نسل الإمام موسىٰ بن جعفر الكاظم عليهالسلام . فالأوّل: هو أبو جعفر محمّد بن موسىٰ بن أحمد بن محمّد بن أحمد بن موسىٰ بن الإمام محمّد التقي عليهالسلام ، وكان نقيباً للسادة في قم(١). والثاني: هو أبو جعفر محمّد بن موسىٰ بن أحمد بن القاسم بن حمزة بن
__________
(١) ذكر ابن فندق في (لباب الأنساب ٢/٥٨٦) نسبه كالتالي: «أبو جعفر بقمّ وهو محمّد بن موسىٰ ابن أحمد بن محمّد بن أحمد بن موسىٰ بن محمّد التقي بن علي بن موسىٰ الرضا رضي الله عنهم». ذكر التیمي البکري صاحب كتاب: الشجرة المباركة في أنساب الطالبيّة: ٩٥ نسبه إلىٰ الإمام الجواد عليهالسلام كالتالي: «موسىٰ بن محمّد التقي. له ابن واحد معقّب اسمه أحمد أبو علي بقمّ؛ ولأحمد ابن واحد اسمه محمّد أبو علي الأعرج بقمّ؛ ولمحمّد الأعرج ابن واحد اسمه أحمد أبو عبد الله النقیب الرئیس بقمّ؛ ولأحمد هذا ابنان معقّبان: موسىٰ أبو الحسن الرئیس بقمّ، ثمّ انتقل إلیٰ طوس وعلي؛ أمّا موسىٰ بن أحمد النقیب، فله من الأبناء المعقّبین ثلاثة: محمّد أبو جعفر نقیب بقمّ بعد أبیه، وعبد الله أبو الفتح ذو المناقب سیّد الأشراف بقمّ، وأحمد أبو عبد الله بخراسان، لأمّهات شتّىٰ» بناء علىٰ هذا، فإنّ نسب السیّد أبي جعفر محمّد بن موسىٰ الموسوي (من أحفاد الإمام الجواد عليهالسلام ) هو كالتالي: محمّد بن موسىٰ بن أحمد بن محمّد بن أحمد بن موسىٰ بن الإمام محمّد التقي عليهالسلام . جدّه أبو عبد الله أحمد بن محمّد الأعرج، كان نقیب السادة في قم، وجدّ جدّه هو السيّد الأجلّ
موسىٰ بن جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، الأديب والعالم الشيعي الذي سكن طوس ونيشابور، وكان نقيب السادة في طوس.
ويمكننا بواسطة بعض القرائن أن نستنتج أنّ الواقف للقرآن علىٰ العتبة الرضوية الذي نبتغيه هو ـ باحتمال قوي ـ الشخص الثاني الذي هو من نسل الإمام الكاظم عليهالسلام ، وذلك:
١ـ بناء علىٰ الوقفيّات الموجودة في مكتبة آستان قدس رضوي فإنّ الشخص الواقف لهذا القرآن قد ذَكرَ اسمه: (أبو جعفر محمّد بن موسىٰ الموسوي)؛ وكما سنرىٰ فيما بعد فإنّ كثيراً من معاصريه أيضاً قد ذكروه باسم: (أبو جعفر الموسوي). ومعلوم أنّ لقب الموسوي يطلق في الغالب علىٰ السادة من نسل الإمام السابع عليهالسلام .
٢ـ إنّ هذا الشخص وبعض أجداده وأحفاده كانوا من سكنة إقليم خراسان وبالخصوص بخارىٰ وطوس ونيشابور ـ كما سيتبيّن لاحقاً ـ وإنّ هذا الأمر هو أكثر ما ينطبق علىٰ واقف هذه الجزوات القرآنية. ومن الجدير بالذكر هنا أن نشير إلىٰ أنّ أبا منصور الثعالبي ذكره في بعض كتبه باسم: (الموسوي الطوسي) ونقل عنه أقوالاً في مدح تربة طوس(١).
يتبيّن لنا من خلال البحث في المصادر الأدبية والتاريخية أنّ (أبا جعفر الموسوي) كان أديباً وشاعراً، وفي عهد السامانيّين سكن مدناً عديدة من أقليم خراسان أو سافر إليها مع الأمراء والوزراء السامانيّين، ومنهم أبو الحسن نصر بن أحمد بن إسماعيل الساماني(٢) وأبو منصور محمّد
__________
موسىٰ بن محمّد التقي عليهالسلام ، المعروف بموسىٰ المبرقع (ت ٢٩٦ هـ) كان من سكنة كاشان وقم. أبوه هو أبو الحسن موسىٰ بن أحمد، كان نقیب السادة في قم ثمّ انتقل منها إلىٰ طوس، وتولّىٰ أبو جعفر الموسوي ـ نجله الأكبر ـ نقابة السادة في قم بعد وفاة أبيه.
(١) ثمار القلوب للمضاف والمنسوب: ٤٣٥؛ لطائف المعارف: ١١٨.
(٢) هو الأمیر الساماني الذي بلغ الحكم في الثامنة من عمره سنة ٣٠١ هـ، وكانت مدّة حكمه ٣١ سنة. أنشد فيه الشاعر المعروف رودکي قصيدته: «بوى جوى مولیان آید همى». روىٰ أبو جعفر الموسوي في
ابن عبد الرزّاق الطوسي(١)، وكان شخصاً ثريّاً، جواداً، وخبيراً بشؤون الديوان، والكتابة، إضافة إلىٰ كونه نقيب سادة خراسان في طوس، وأكثر سكن أجداده كان في دامغان وهرات وبُست(٢)، في حين قضىٰ هو أكثر حياته في نيشابور وطوس. وكان وقوراً محترماً بين الناس، وقد أنشد أبرز الشعراء المعاصرين له مثل أبي الفتوح البستي (٣٣٠ـ٤٠٠هـ) وبديع الزمان الهمداني (٣٥٨ـ ٣٩٨ هـ) أبياتاً في مدحه(٣)، وقد ذكره محمّد بن عبد الجبّار العتبي (٤٢٧هـ) ـ وهو أحد الأعلام
__________
سبب موته قصّة نقلها عنه الثعالبي في (ثمار القلوب، ص ١٨٨). انظر : بقية هذه المقالة.
(١) هو حاکم طوس وقائد الجيش بخراسان في العهد الساماني (قتل سنة ٣٥٠ هـ)، وقد قام وزيره أبو منصور المعمّري في الفترة (بين سنة ٣٣٩ إلىٰ ٣٤٥ هـ ) ـ تنفيذاً لأمره ـ بتدوين الملحمة النثرية الموسومة بـ: شاهنامه أبو منصوري ، حيث كان هذا الأثر هو الأساس الذي اعتمد عليه الشاعر (دقيقي الطوسي) ومن ثمّ الشاعر (فردوسي) في ديوانه الملحمي المعروف بـ: شاهنامه.
(٢) المجدي في أنساب الطالبیّين: ٣١١.
(٣) الیمیني: ٤٤٢ـ٤٤٣. الأبیات الشعرية التي قالها أبو الفتح البستي فيه هي:
|
أنا للسيّد الـشریف غلامٌ |
|
حیثما کان فلیبلَّغ سلامي |
|
وإذا کنتُ للـشریف غلاماً |
|
فأنا الحرُّ والزمان غلامي |
والأبیات الشعرية التي قالها بدیع الزمان الهمداني فيه هي:
|
أنا في اعتقادي للتَّسنّنِ |
|
رافـضيٌّ في ولائكْ |
|
وإن اشتغلت بهؤلاء |
|
فلست أغفل عن أولئكْ |
|
يا عِقدَ منتظَم النبوَّةِ |
|
بيتَ مختلف الملائكْ |
|
يا ابن الفواطمِ والعواتكِ |
|
والتَّرائكِ والأرائكْ |
|
أنا حائكٌ إن لم أكن |
|
عبداً لعبدك وابنُ حائكْ |
وقد جاء في کتاب المناقب: ٧٩، والنقض: ٢١٨: أنّ بدیع الزمان الهمداني أنشد هذه الأبيات عند مرقد الإمام الرضا عليهالسلام . انظر ما جاء في كتاب مقدّمة النقض: ١٣١ـ١٣٤، وفي كتاب تعليقات النقض ٢/٧٠٠ـ٧٠٧ و٢/٧٦٥ـ٧٦٦ من شرح الأبيات وارتباطها بمدح أبي جعفر الموسوي
المعاصرين له ـ جوانب من نسبه وسيرته في كتاب اليميني حيث قال:
«ومن أعيان رعايا السلطان بناحية طوس، وإن كانت نيسابور دارَ قراره، ومعتقدَ ضِياعهِ وعَقاره، السيّد أبو جعفر محمّد بن موسىٰ بن أحمد بن أبي القاسم(١) بن حمزة بن موسىٰ بن جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضوان الله تعالىٰ عليهم أجمعين
|
نسبٌ كَأنَّ عليه من شمسِ الضُّحىٰ |
|
نوراً ومن فَلَقِ الصَّباحِ عمودا |
وقد خدم ملوك آل سامان وعاشر وزراءهم وكتّابهم والتقط محاسنهم وآدابهم؛ فألفاظه ينابيع العلوم، وأقواله مرابيع العقول، ومجالسه حدائق الجدّ والهزل، وجوامع القول الفصل؛ فلم تبقَ يتيمة خطابٍ، ولا كريمةُ صوابٍ، ولا غُرّةُ حكمة، ولا دُرّةُ نكتةٍ، ولا طُرفةُ حكايةٍ، ولا فِقرَةُ روايةٍ، إلّا وهي عُرضةُ خاطره، ونُهزةُ هاجسه، ونصبُ تذكُّرِه، ومثال تدبُّرِه وتصوّره؛ لا تصدأ صفيحةُ فکره، ولا تدرس صحيفةُ ذكره، ولا يخْسِفُ بدرُ معارفه، ولا يُنزَفُ بحر لطائفه؛ ثمّ هو واحدُ خراسان من بين الأشراف العلوية في قوّة الحال وسعة المجال واتّساع رقعةِ الضِّياع وارتفاع
__________
وسبب إنشادها، حيث بيّن المرحوم المحدّث الأرموي أنّه لابدّ وأن يكون المخاطب في قول الشاعر: «يا ابن الفواطمِ والعواتكِ والتَّرائكِ والأرائكْ» هو أبو جعفر الموسوي.
(١) الصحیح هو (القاسم). انظر: عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب ١ / ٢٢٨، حيث جاء فيه: «وأمّا القاسم بن حمزة بن الكاظم عليهالسلام وفيه البقية، ويعرف بالأعرابي وأمّه أمّ ولد فأعقب من محمّد، وعلي، وأحمد، فمن بني محمّد بن القاسم بن حمزة، قيل وهو الأعرابي، أبو جعفر محمّد بن موسىٰ بن محمّد بن القاسم بن حمزة بن الكاظم عليهالسلام خدم ملوك آل ساسان [کذا، والصحیح: سامان] وعاشر كتّابهم ووزراءهم وله شعر منه قوله :
|
فديت غزالي وهو ملكي حقيقة |
|
يلذّ به عيشي إذا نابني همّ |
|
جميل محيّاه وكالدعص ردفه |
|
لطيف سجاياه وليس له خصم |
قدر الارتفاع واشتداد باعِ العزّ وامتدادِ شُعاع الجاهِ والقَدْر. وقد كتبت عنه من نوادر الأخبار والأشعار ما حكيت بعضه في كتابي الموسوم بلطائف الآداب...»(١).
وقد ورد اسم أبي جعفر محمّد بن موسىٰ الموسوي في أهمّ المصادر المعاصرة له، وكذلك أيضاً ورد من بعده في أغلب كتب التراجم والأنساب؛ منها ما ورد في مصنّفات الحاكم النيشابوري (ت٤٠٥هـ)، وأبي النصر العتبي (ت٤٢٧هـ)، وأبي منصور الثعالبي (ت٤٢٩هـ)، وشيخ الشرف العبيدلي (ت٤٣٦هـ)، والعلوي العمري (ت٤٧٠هـ)، وابن فندق البيهقي (المتوفّىٰ في القرن السادس)، وابن عنبة (ت٨٢٧هـ) وآخرين(٢).
ذكره الثعالبي مرّة باسم السيّد الشريف أبي جعفر الموسوي، ومرّة أخرىٰ باسم الموسوي الطوسي، وكثيراً ما نقل عنه مطالب أدبية، وأخرىٰ تاريخية، وتارة تفسيرية، وسوف نشير اليها لاحقاً في مقالنا هذا.
وقد أطرىٰ عليه الحاكم النيشابوري (٣٢٩ـ٤٠٥هـ) واعتبره من أشراف زمانه؛ ومن المحتمل جدّاً أنّ الحاكم قد التقىٰ بأبي جعفر الموسوي في نيشابور. وبالرغم من أنّ أصل كتاب الحاكم غير موجودٍ اليوم بين أيدينا، ولكنّ اسم أبي جعفر الموسوي قد جاء في الترجمة الفارسية المتبقّية من تاريخ نيشابور ـ ترجمة محمّد بن الحسين الخليفة النيشابوري ـ كما يلي: «محمّد بن جعفر بن موسىٰ بن جعفر بن محمّد بن علي بن الحسین بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، السیّد أبو جعفر الموسوي وکان أوحد الأشراف في عصره» (٣).
__________
(١) الیمیني: ٤٤٠ـ٤٤١.
(٢) للحصول علىٰ كتب تراجم المعاصرين في القرن الأخير، انظر : ناسخ التواریخ ٧/ ٣٠٥ـ٣٠٦؛ أعیان الشیعة ١٠/٧٧ـ٧٨؛ تعلیقات نقض ٢/٧٠٠ـ٧٠٧ و٧٦٥ـ٧٦٦.
(٣) تاریخ نیشابور: ١٨٠، رقم: ٢٣١٦. ويبدو أنّه وقع سهو في ذكر اسمه، ومع هذا، فإنّ عنوان: (أبو جعفر الموسوي) المعروف في تلك الحقبة في نيشابور إنّما ينطبق علىٰ الشخص الذي نعنيه.
وذكره الشيخ شرف الدين العبيدلي (ت٤٣٦هـ) حيث قال: إنّه نقيب طوس(١).
وذكره نجم الدين أبو الحسن علي بن أبي القاسم العلوي العمري المعروف بابن الصوفي قائلاً: «ووقع من بني حمزة بن موسىٰ الکاظم علیه السلام قوم إلىٰ دامغان وبست وهرات وکان منهم بطوس نقیب وجیه یکنّىٰ أبا جعفر محمّد بن موسىٰ بن أحمد بن محمّد بن القاسم بن حمزة بن موسىٰ الکاظم علیه السلام» (٢).
وأخيراً ذكره محمّد بن عبد الجبّار العتبي (ت ٤٢٧هـ) في كتاب اليميني أو تاريخ العتبي وأسهب في مدحه وذكر نسبه الشريف ورقّة أدبه وعلمه وفضله وكرمه وجوده وسخائه(٣). وكذلك ذكره ـ عندما تطرّق لسيرة ناصر الدين أبي منصور سبكتكين الحاكم الغزنوي (٣٦٦ـ٣٨٧هـ) ـ حيث قال: «وأنشدني السيّد أبو جعفر محمّد بن موسىٰ الموسوي بيتين ذكر أنّهما مكتوبان علىٰ باب داره، وهما:
|
من سَرَّه أن يرىٰ الفردوسَ عاليةً |
|
فلينظرنَّ إلىٰ إيوان كَيوان |
|
أو سَرَّه أن يرىٰ الرضوانَ عن كَثَبٍ |
|
بملءِ عَينيهِ فلينظر إلىٰ الباني»(٤) |
ميلاده ووفاته:
لم يذكر أيّ من المصادر القديمة تاريخاً دقيقاً عن زمن ميلاد أبي جعفر الموسوي ووفاته، ويحتمل قويّاً أن يكون من المعمّرين، فقد ذكر الثعالبي في إحدىٰ نقولاته عن أبي جعفر
__________
(١) «ومنهم نقیب طوس أبو جعفر محمّد بن موسىٰ بن أحمد بن محمّد الأعرابي بن القاسم بن حمزة بن موسىٰ الکاظم»، تهذیب الأنساب ونهایة الأعقاب : ١٦٩.
(٢) المجدي في أنساب الطالبیّين : ٣١١.
(٣) الیمیني: ٤٤٠ـ٤٤١.
(٤) الیمیني : ٣٩٩.
الموسوي ما حكاه من أنّ أباه أخذه إلىٰ مجلس الأمير نصر بن أحمد الساماني في بخارىٰ أيّام حكمه في فترة (٣٠١ـ٣٣١هـ) وكان قد حضر في ذلك المجلس المجلّل عدد غفير من العلماء والشعراء (١). فإذا قلنا أنّه في ذاك الحين كان له من العمر عشرون سنة، ولنفترض أنّ هذه القصّة قد حصلت في أواخر حكومت نصر بن أحمد الساماني، فعلىٰ هذا لابدّ لنا أن نعتبر أنّ مولده كان في الفترة ما بين سنة (٣٠٠ـ٣١٠ هجرية)، وبما أنّ وقف القرآن من قبل أبي جعفر الموسوي علىٰ العتبة الرضوية قد تمّ في شوّال سنة (٤٠٢هـ)؛ نستنتج من ذلك أنّه كان حيّاً في سنٍّ قد ناهز التسعين أو المائة من عمره.
أبو جعفر محمّد بن موسىٰ الموسوي أجداده وأعقابه:
بعد التفحّص والبحث في مصادر الأنساب والتراجم القديمة عثرنا علىٰ بعض المعلومات عن ذلك:
إنّ أبا جعفر الموسوي من السادة من نسل الإمام موسىٰ بن جعفر عليهالسلام ، وينتهي نسبه إلىٰ الإمام الكاظم عليهالسلام بخمس وسائط، أبرزهم هو حمزة بن الإمام الكاظم عليهالسلام بلا فصل. وممّا ذكره أبو الحسن العلوي العمري في كتابه المجدي في أنساب الطالبيّين يتبيّن أنّ أجداد أبي جعفر الموسوي وهم أحفاد الإمام الكاظم عليهالسلام كانوا قد شدّوا رحالهم وهاجروا إلىٰ دامغان وبُست وهرات في إقليم خراسان، وكان أبو جعفر الموسوي يعدّ آنذاك من نقباء طوس (٢).
وذكر ابن فندق البيهقي أنّ قبر موسىٰ بن أحمد (والد أبي جعفر الموسوي)
__________
(١) يتيمة الدهر ٤/١١٥.
(٢) «ووقع من بني حمزة بن موسىٰ الکاظم علیه السلام قوم إلیٰ دامغان وبست وهرات، وکان منهم بطوس نقیب وجیه یکنّىٰ أبا جعفر محمّد بن موسىٰ بن أحمد بن محمّد بن القاسم بن حمزة بن موسىٰ الکاظم علیه السلام». المجدي في أنساب الطالبیّين : ٣١١.
يقع في مشهد الرضا عليهالسلام ، وإنّ نقباء طوس ومشهد الرضا عليهالسلام في زمانه ـ أي: زمان ابن فندق (أواسط القرن السادس الهجري) ـ هم من أحفاد أبي جعفر(١). ويظهر من كلام البيهقي أيضاً أنّ أبا جعفر الموسوي كان له ولد باسم حمزة وحفيد باسم زيد، وكانت لهما نقابة السادة في طوس ومشهد آنذاك.
وصرّح الشيخ شرف العبيدلي (ت ٤٣٦ هـ) أيضاً قائلاً: «وابنه أبو القاسم حمزة بن أبي جعفر نقیب طوس أيضاً»(٢).
ونقل ابن عساكر (ت ٥٧١ هـ) روايات عن حفيد آخر من أحفاد أبي جعفر اسمه الشريف أبو الحسن زيد بن الحسن بن زيد بن حمزة بن محمّد بن موسىٰ، وقد سمعها منه في منطقة طابران من توابع مدينة طوس(٣).
مؤلّفات أبي جعفر محمّد بن موسىٰ الموسوي:
لابدّ لنا أوّلاً وقبل كلّ شيء أن نقول: إنّ أبا جعفر الموسوي كان أديباً
__________
(١) «أمّا نقباء طوس ومشهد الرضا رضي الله عنه، فهم أولاد أبي الحسين زيد بن حمزة بن محمّد بن موسىٰ بن أحمد بن محمّد بن القاسم بن حمزة بن موسىٰ الكاظم رضي الله عنه. قبر موسىٰ بن أحمد بمشهد. أمّا حمزة ابن موسىٰ فأمّه أمّ ولد، وهو مدفون بالسيرجان من كرمان»، لباب الأنساب ٢/٥٩٤.
(٢) تهذیب الأنساب ونهایة الأعقاب : ١٦٩.
(٣) «أخبرني الشريف أبو الحسن زيد بن الحسن بن زيد بن حمزة بن محمّد بن موسىٰ بن أحمد بن محمّد بن القاسم بن حمزة ابن موسىٰ بن جعفر الموسوي الطوسي بطابران، قال: أنا أبو الخير عبد الله بن مرزوق الهروي، أنا أبو الفضل الطبسي، قال: أنا محمّد بن القاسم الفرسي، ثنا أبو بكر محمّد بن محمّد الحافظ، قال: ثنا أبو عبد الله المخضوب، قال: سمعت محمّد بن إبراهيم الحافظ يقول: سمعت يحيىٰ بن معين يقول: «الإسناد النازل قرحة في الوجه، والإسناد العالي قرب إلىٰ الله ورسوله صلّىٰ الله عليه وسلم، فأوّل ما أبدأ به: (ذكر أحاديث في الحثّ علىٰ حفظ أربعين حديثاً من السنّة) وإنّ من حفظها يكون فقيهاً مستوجباً للشفاعة ودخول الجنّة» الأربعين البلدانية: ١٩ـ٢٠. وصرّح ابن عساكر في نقل روائي آخر قائلاً: «بقرائتي علیه بطابران». معجم الشیوخ: ٣٥٩.
وشاعراً من الطراز الأوّل، فقد وصل منه إلينا مقاطع أدبية من النثر والشعر في الكتب الأدبية والتاريخية القديمة. كما أنّ الشيخ آقا بزرك الطهراني ذكر في كتاب الذريعة أنّه عثر علي نسخة: (مسألة في معنىٰ من کنت مولاه للأدیب أبي جعفر محمّد بن موسىٰ) عند آية الله المرعشي النجفي(١). هذا وإنّ السيّد عبد العزيز الطباطبائي الذي صحّح نصّ هذه الرسالة ونشرها بناء علىٰ نسختين؛ الأولىٰ: في مكتبة آية الله المرعشي في (المجموعة رقم: ٢٥٥.٨، المؤرَّخة ١٠٥٦) والثانية: في مكتبة مجلس الشورىٰ الإسلامي في (مجموعة إمام جمعة خوئي، النسخة رقم: ٨، الرسالة الخامسة، من خلف الورقة: ١٤إلىٰ وجه الورقة: ١٥) كان يرىٰ أنّ المراد من (الأدیب السعید أبو جعفر محمّد بن موسىٰ) الذي جاء ذكره في بداية هذه الرسالة هو أبو جعفر محمّد بن موسىٰ بن عمران الزامي النيسابوري(٢)، الذي ذكره الثعالبي في يتيمة الدهر في عداد فضلاء بخارىٰ وأضاف قائلاً: إنّه «من أفراد الأدباء والشعراء بخراسان عامّة وحسنات نيسابور خاصّة»(٣).
فممّا سبق ومن خلال مرورنا علىٰ نصّ هذه الرسالة القصيرة بنظرة خاطفة نستنتج: أنّ هذا الأثر لابدّ وأن يكون من تأليف أحد الأدباء الشيعة قويي العقيدة، ومعتقدٍ كامل الاعتقاد بولاية أمير المؤمنين علي عليهالسلام ، ولم تكن له رغبة بإظهار معتقده في هذا الشأن أمام ذوي المقامات والأمراء السنّة في خراسان. وبذلك أرىٰ أنّ هذه الرسالة من تأليفات أبي جعفر محمّد بن موسىٰ الموسوي
__________
(١) الذریعة إلىٰ تصانیف الشیعة ٢٠/٣٩٤.
(٢) الغدیر في التراث الإسلامي: ٩٤. وبناء علىٰ هذا فقد نسبه آیة الله جعفر السبحاني أيضاً في معجم التراث الکلامي ٢/١٠٥، قائلاً : أبو جعفر محمّد بن موسىٰ الرامي الأدیب.
(٣) یتیمة الدهر ٤/١٧١.
العالم والأديب الشيعي في القرن الرابع الهجري في طوس ونيشابور، وليست من تأليف أبي جعفر محمّد بن موسىٰ بن عمران (الرامي /الزامي) الملقّب بأبي جعفر البناني الذي لم يعتبره أصحاب التراجم قديماً وحديثاً ذا نزعة شيعية، وللأهمّية البالغة لهذه الرسالة ـ في عرضها الآراء المذهبية لأبي جعفر الموسوي ـ أذكر هنا نصّها المختصر بناء علىٰ ما صحّحه الأستاذ المرحوم المحقّق الطباطبائي(١):
«في معنىٰ مَنْ كُنتُ مَوْلاهُ فعَلِيٌّ مَوْلاه لِلأدِيْب أَبي جَعْفَر مُحَمَّد بْن مُوسى:
قال الأديب السعيد أبو جعفر محمّد بن موسىٰ نوّر الله مصرعه: سألني السيّد الرئيس أبو إبراهيم ـ أدام الله رفعته ـ في داره المعمورة ببقائه، عن معنىٰ قول الرسول صلّىٰ الله عليه وآله: مَن كنت مولاه فعليّ مولاه. فلم أجد محيصاً عن إيراد ما هو مذهبي فيه، فذكرت له ما سمعه من فيّ لما سمعته من فيه، ثمّ خيّل إليه أنّ ما أوردته لا يجديه نفعاً مهمّاً [ما] لم يكن مكتوباً يعيد فيه نظره ويبديه، فأمليت ثانياً ما سمعه منّي بادياً ليتأمّله تأمّلاً شافياً.
وبعد، فإنّي وإن لم أكُن إماماً في الأدب وعلّامة في معرفة كلام العرب، فقد تشبّثت منه بسبب وأويت منه إلىٰ مذهب لا مذهب ومن كان مثلي ممّن يعلم بعض العربية فلابدّ من أن يكون له في مثل ذلك علىٰ شيء اعتماد، وعلىٰ رأي سكون وإخلاد.
والمولىٰ ـ علىٰ ما يضمره فؤادي وعليه اعتقادي ـ في هذا الخبر بمعنىٰ الأَولىٰ، ولا يجوز غيره بدليلين مقنعين عند من أنصف لا من اعتسف؛ وذلك أنّ الأسماء علىٰ ضربين: مخصوصة ومشتركة، فالمخصوص منها: لا يمكن أن يعدّىٰ به عن خصوصيّته، اصطلاحاً كان أم توقيفاً علىٰ ما هو مسطور في الدفاتر ومبيّن
__________
(١) الغدیر في التراث الإسلامي: ٩٥ـ٩٧.
للأصاغر من الأدباء والأكابر. والمشترك: يحمله كلّ ذي علم علىٰ ما يدلّ عليه علمه ويهديه إليه فهمه، و: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾.
وهذا الاسم من المشترك عندي، ولا يسوغ حمله علىٰ المناسبة والمعاقبة، لكون ذلك معروفاً معلوماً، وأهل النحو يقولون: الإخبار بما يعرف لا يفيد، وأنا وإن لم أكن نحويّاً فقد شممت رائحته وأنت لائحته، والنبي صلّىٰ الله عليه وآله أجلّ وأعظم من أن يخبر بشيء لا يفيد.
والمولىٰ بمعنىٰ الأولىٰ أولىٰ لقوله تعالىٰ: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾، ليكون الخبر بهذا التأويل موازياً للوحي والتنزيل، فكأنّه قال عليه السلام: كلّ مؤمن أنا أولىٰ به من نفسه فعليّ كذلك؛ لأنّ عليّا عليهالسلام نفس النبي صلّىٰ الله عليه وآله بدلالة قوله تعالىٰ: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ﴾ ومعلوم أنّ الإنسان لا يدعو نفسه، فثبت أنّ المراد بأنفسنا علي عليه السلام».
ما نقله الثعالبي عن أبي جعفر محمّد بن موسىٰ الموسوي:
مع صرف النظر عن التفاصيل النسبية، فإنّ معظم معلوماتنا عن سيرة أبي جعفر محمّد بن موسىٰ الموسوي وشخصيّته قد أتت من المواضيع الأدبية والتاريخية والتفسيرية التي نقلها عنه ـ المعاصر له ـ أبو منصور الثعالبي (٣٥٠ـ ٤٢٩ هـ) في مختلف مؤلّفاته، وبما أنّها نقولات مهمّة فسنذكر في هذا المقال مجموعة من أهمّ تلك المطالب علىٰ سبيل الاختصار، حيث إنّ أغلب هذه النقولات مرتبطة بالثقافة والأدب والتاريخ الإيراني لخراسان في القرنين الثالث والرابع الهجريّين.
١ـ نقل الثعالبي في كتاب الاقتباس من القرآن الكريم موضوعاً تفسيريّاً عن أبي جعفر الموسوي جاءت عبارته في شأن الآية الثانية عشرة من سورة المجادلة كالتالي: «سمعت أبا جعفر محمّد بن موسىٰ الموسوي يقول: إنّ رسم النثارات للملوك وغيرهم من الكبراء والرؤساء مأخوذ من أدب الله تعالىٰ في شأن رسوله عليهالسلام حيث قال: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً﴾. فكأنّ اليوم من يبتغي إلىٰ المَلِك والرئيس مسألة فَيَقْدِم عليه، ويقدِّم نثاراً بين يديه، إنّما يتصدّق بذلك عنه؛ شكراً لله علىٰ ما يسّر من لقائه سالماً في نفسه وماله، ويسأله أن يرىٰ فيه برأيه من التصدّق به أو غير ذلك، فلو تولّىٰ إعطاءه الفقراء لكان الشكّ قد نفع في ذلك (الذي) يترجّح بين التصديق والتكذيب»(١).
وقد نقل الميبدي ـ في تفسيره كشف الأسرار(٢) في النوبة الثانية(٣) عند تفسير الآية الثانية عشرة من سورة المجادلة ـ الفقرة الأولىٰ من بداية كلام أبي جعفر حيث قال: «وقال بعضهم: إنّ رسم النثارات للملوك وغیرهم من الکبراء والرؤساء مأخوذ من آداب الله تعالىٰ في شأن رسوله حیث قال: ﴿یا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا إِذا ناجَیْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَیْنَ یَدَیْ نَجْواکُمْ صَدَقَةً﴾»(٤).
٢ـ وقد حَدَّثَني السَّيِّد أَبُو جَعْفَر الموسوي قَالَ: أنْشد الْعَبَّاس الأرخسي الْأَمِير نصر بن أَحْمد [بن إسماعيل الساماني (حكم ٣٠١ـ٣٣١هـ)] لَيْلَة السذق الحادي وَالثَّلَاثِينَ من الأسذاق الَّتِي أَقَامَ رسومها قصيدة أَوّلهَا:
__________
(١) الاقتباس من القرآن الکریم ١/١٣٣.
(٢) والمعروف بـ: (تفسير الخواجه عبد الله الأنصاري) وذلك لأنّ الميبدي ذكر في بداية تفسيره أنّه استفاد في تفسيره (کشف الأسرار وعدّة الأبرار) من بعض آراء الخواجه عبد الله الأنصاري.
(٣) كُتب تفسیر (کشف الأسرار وعدّة الأبرار) من قِبَل الميبدي في ثلاثة أقسام ـ سماها بـ:النوبات حسب تعبيره في الكتاب ـ الأولىٰ: كانت في ترجمة الآيات إلىٰ اللغة الفارسية؛ والثانية: في بيان المضامين اللغوية وتفسير معاني الآيات، وعلوم القرآن؛ والثالثة: كانت في بيان المضامين العرفانية للآيات.
(٤) كما جاء في کشف الأسرار وعدّة الأبرار في ذيل الآية. لقد قام راقم السطور قبل مدّة بتصحيح أصل تفسير الخواجه عبد الله الأنصاري بناء علىٰ أربع نسخ خطّية تمّ العثور عليها ـ ولم ينشر بعد ـ وبعد التدقيق وإعمال النظر في تفسير هذه الآية من نسخة الأصل تبيّن أنّ هذا الكلام ليس موجوداً في أصل تفسير الخواجة عبد الله، وهي من إضافات الميبدي.
|
مهترا بار خدايا ملك بغدادا |
|
سذق [سى] ويكم برتو مبارك بادا |
فقطّب نصر وَجهه وزوىٰ مَا بَين عَيْنَيْهِ وَقَالَ: «إين شمرون نى جه بايست» وتنغّص تِلْكَ اللَّيْلَة وَلم يسمع تَمام القصيدة(١) وَلم يسذق بعْدهَا أي: لم يدُرْ عَلَيْهِ الْحول حَتَّىٰ مَاتَ(٢).
يعتبر الاحتفال بمناسبة (ليلة السذق) واحداً من الأعياد الثلاثة الدينية عند الإيرانيّين في تاريخهم القديم، واستمرّ الاحتفال به بعد الإسلام أيضاً في مختلف أنحاء إيران إلىٰ ما قبل هجوم المغول في القرن السابع الهجري، يقام الاحتفال بهذا العيد في ليلة العاشر من الشهر الفارسي (بهمن) ـ يصادف ليلة الثلاثين من شهر كانون الثاني ـ واختلفت الأقوال في وجه تسمية هذا العيد وسبب الاحتفال به، فذهب الشاعر الإيراني فردوسي في ديوانه المعروف بـ: (شاهنامه) إلىٰ أنّ وجه تسميته منسوب إلىٰ ظاهرة النار:
|
برآمد به سنگ گران سنگ خرد |
|
هم آن وهم این سنگ گردید خرد |
|
فروغى پدید آمد از هر دو سنگ |
|
دل سنگ گشت از فروغ آذرنگ |
|
جهاندار پیش جهان آفرین |
|
نیایش همى کرد وخواند آفرین |
|
که اورا فروغى چنین هدیه داد |
|
همین آتش آن گاه قبله نهاد |
|
یکى جشن کرد آنشب وباده خورد |
|
سده نام آن جشن فرخنده کرد |
__________
(١) فتطيّر وتشاءم الأمير نصر بن أحمد من ذكر مدّة حكمه في هذا البيت وظنّ أنّ هذه السنة نهاية عمره عند سماعه هذا البيت، وانقطع عن استماع بقية القصيدة؛ وفعلاً لم يدُرْ عليه الحول حتّىٰ وافاه الأجل كما ذكر المؤرّخون.
(٢) ثمار القلوب: ١٨٨. وقد ذكر الزمخشري في ربیع الأبرار ٥/١٧٨ هذا الحدث كالتالي: «وعن نصر بن أحمد أنّ شاعراً جاءه ليلة السذق بقصيدة في أوّلها عدد أسذاقه وكانت إحدىٰ وعشرين، فأنكر العدد واغتاظ، ولم يسمع ما بعده، ولم يسذق بعدها، إذ لم يدُرْ عليه الحول». وقد جاءت هذه العبارة: (إحدىٰ وعشرین) بدلاً من: (إحدىٰ وثلاثين)، وهو غير صحيح نظراً إلىٰ فترة حكم نصر بن أحمد الساماني وهي ٣١ عاماً.
٣ـ كانت بخارىٰ في الدولة السامانية مثابة المجد وكعبة الملك ومجمع أفراد الزمان ومطلع نجوم أدباء الأرض وموسم فضلاء الدهر، فحدّثني أبو جعفر محمّد بن موسىٰ الموسوي قال: اتّخذ والدي أبو الحسن دعوة ببخارىٰ في أيّام الأمير السعيد، جمع فيها أفاضل غربائها كأبي الحسن اللحّام وأبي محمّد بن مطران وأبي جعفر بن العبّاس بن الحسن وأبي محمّد ابن أبي الثياب وأبي النصر الهرثمي وأبي نصر الظريفي ورجاء بن الوليد الإصبهاني وعلي بن هارون الشيباني وأبي إسحاق الفارسي وأبي القاسم الدينوري وأبي علي الزوزني ومن ينخرط في سلكهم، فلمّا استقرّ بهم مجلس الأنس أقبل بعضهم علىٰ بعض يتجاذبون أهداب المذاكرة ويتهادون رياحين المحاضرة ويقتفون نوافج الأدب ويتساقطون عُقود الدرّ وينفثون في عقد السحر، فقال لي أبي: يا بني هذا يوم مشهود مشهور فاجعله تاريخاً لاجتماع أعلام الفضل وأفراد الوقت واذكره بعدي في أعياد الدهر وأعيان العمر فما أراك ترىٰ علىٰ السنين أمثال هؤلاء مجتمعين، فكان الأمر علىٰ ما قال ولم تكتحل عيني بمثل ذلك المجمع(١).
٤ـ حدّثني السيّد أبو جعفر محمّد بن موسىٰ الموسوي قال: كنت ببخارىٰ كثيراً ما تجمعني وابن مطران فأرىٰ رجلاً مضطرب الخلقة من أجلاف العجم، فإذا تكلّم حكىٰ فصحاء العرب علىٰ حبسة يسيرة في لسانه، وكان يجمع بين أدب الدرس وأدب النفس وأدب الأنس؛ فيطرب بنثره كما يطرب بشعره ويؤنس بهزله كما يؤيس بجدّه، وقد عيّره اللحّام في بعض أهاجيه وكان بينهما سوق السلاح قائمة؛ فيتهاجيان ويتهاتران ولا يكادان يصطلحان، وكان اللحّام يُربي عليه في الهجاء ولا يشقّ غباره في سائر فنون الشعر، وبلغني أنّ ديوان شعر ابن مطران حمل إلىٰ حضرة الصاحب فأعجب به، فقال: ما ظننت أنّ ما وراء النهر يخرج مثله ومرّ له في الشراب المطبوخ:
__________
(١) يتيمة الدهر ٤/١١٥.
|
وَرَاحٍ عذّبتها النَّار حَتَّىٰ |
|
وَقَتْ شُرَّابَها نَارَ الْعَذَاب |
|
يذيب الْهمّ قبل الحسو لون |
|
لَهَا فِي مثل ياقوت مذاب |
|
ويمنحها المزاج لهيب خدٍّ |
|
تشـرّب مَاؤُهُ مَاء الشَّبَاب |
فتعجّب من حسن البيت الأوّل وتحفّظه(١).
٥ـ ونظير هذه الحكاية في فحش المعنىٰ وطهارة اللفظ ما أنشدنيه أبو جعفر محمّد بن موسىٰ الموسوي، قال أنشد محمّد بن عيسىٰ الدامغاني ولم يسمّ قائله:
|
تذكر إذ أرسلته بيدقاً |
|
فيك فوافاني فرزانا(٢) |
٦ـ وسمعت السيّد أبا جعفر الموسوي يقول عاتب بعض الناس صديقاً له علىٰ إخلاله بإضافته بعد أن كان يدعوه كثيراً فقال ما الذي أنكرت منّي هل نبشت وسادتك؟ هل قلبت حملك؟ هل بعثرت أبزارك؟ هل أكلت بيضة بقيلتك؟ هل تفلت في طستك(٣)؟
٧ـ حدّثني أبو جعفر محمّد بن موسىٰ الموسوي، قال: دخلت يوماً إلىٰ الشيخ أبي نصر بن أربد ببخارىٰ وعنده علوي مبرم، تأذّىٰ بطول جلوسه وكثرة كلامه فلمّا نهض قال لي أبو نصر: ابن عمّك هذا خفيف علىٰ القلب. فقلت له: نعم مساعداً له علىٰ رأيه فتبسّم ضاحكاً من قولي وقال لي: أراك لم تفطن للغرض فما زلت أفكّر حتّىٰ وقع لي أنّه أراد خفيفاً مقلوباً وهو الثقيل، وهذا المعنىٰ أراد سعد دوست بقوله:
|
وأثقل من قد زراني وكأنّما |
|
تقلّب في أجفان عيني وفي قلبي(٤) |
__________
(١) يتيمة الدهر ٤/١٣٢.
(٢) رسائل الثعالبي: ٢٤.
(٣) ثمار القلوب: ٤٩٨.
(٤) رسائل الثعالبي: ٣٣. وقد نقل ابن الجوزي فيما بعد هذا الكلام برمّته في كتابه الأذكياء:
٨ـ وقال لي السيّد أبو جعفر الموسوي يوماً وأنا معه علىٰ المائدة، وقد قُدِّم لي لون في غاية الحرارة كأنّها طبخت بنار شوقي إليك(١).
٩ـ أبو عبد الله الغوّاص؛ من قرية الجنيد من رستاق بست بنيسابور أديب متبحّر في اللغة شاعر باللسانين كثير المحاسن، وهو الآن حيّ يرزق وله نعمة ودهقنة وديوان شعره عظيم الحجم ومن ملحه قوله... وقوله في دار السيّد أبي جعفر الموسوي:
|
يَا دَار سعد قد علت شرفاتها |
|
بنيتْ شَبيهَةُ قبْلَةٍ للنَّاس |
|
لوُرُود وَفد أَو لدفع ملمّة |
|
أَو بذل مَال أَو إدارة كاس(٢) |
١٠ـ وأنشدني السيّد أبو جعفر الموسوي له في أبي العبّاس، وكان يلقّب بطويس:
|
وَقَائِل قَالَ سرّاً |
|
عَن غير لبٍّ وكيس |
__________
ص١٥٧: «روىٰ أبو جعفر محمّد بن موسىٰ الموسوي، قال: دخلت علىٰ أبي نصر بن أبي زيد وعنده علوي مبرم، فتأذّىٰ بطول جلوسه وكثرة كلامه، فلمّا نهض قال لي أبو نصر: ابن عمّك هذا خفيف علىٰ القلب. فقلت: نعم. فقال: ما أظنّك فهمت. ففكّرت فعلمت أنّه أراد خفيفاً مقلوباً وهو الثقيل، وهذا المعنىٰ الذي أراده أبو سعيد بن دوست:
|
وأثقل منّي زائري وكأنّما |
|
يقلّب فِي أجفان عَيْني وَفِي قلبِي |
|
فَقلت لَهُ لمّا برمت بِقُرْبِهِ |
|
أَرَاك علىٰ قلبِي خَفِيفاً علىٰ الْقلب |
وصف لشاعر طيّب خراسان فلمّا سافر إليها لم تعجبه فقال:
|
تمنّينا خراساناً زَمَاناً |
|
فَلم نعطَ المنىٰ وَالصَّبْر عَنْهَا |
|
فَلَمَّا أَن أتيناها سرَاعًا |
|
وجدناها بِحَذْف النّصْف مِنْهَا |
(١) ثمار القلوب : ٥٨٣.
(٢) يتيمة الدهر ٤/٥٠٩ـ٥١٠. هذه هو توصيف دار أبي جعفر الموسوي في نيشابور التي وصفها أبو عبد الله الغوّاص، جاءت مطابقة لما تميّز به من جود وشرف نسب، وقد نقلتُ أكثرها من قول أبي نصر محمّد بن عبد الجبّار العُتبي.
|
لم لَا... طويساً |
|
وَأَنت جَار طويس(١) |
١١ـ وأنشدني السيّد أبو جعفر الموسوي قال أنشدني الهزيمي لنفسه:
|
من كفّ سيف عَليّ عَن مقاتله |
|
كَفَفْت غرب لساني عَن تنَاوله |
|
من الفضول دخولي فِي مظالمه |
|
وتركي القَوْل فِي أقْصَىٰ فضائله |
|
الله يسْأَل عبداً عَن جريرته |
|
وَعَن جرائر قوم غير سائله(٢) |
١٢ـ أبو نصر الظريفي الأبيوردي؛ حدّثني السيّد أبو جعفر الموسوي قال كان للظريفي عليّ الهزيمي درس ومنه أقتبس، فخرج كاتباً شاعراً ظريفاً كلقبه، وكان وارداً علىٰ الحضرة كثير الإقامة بها مداخلاً لفضائلها متصرّفاً منها علىٰ أعمال البريد، وكان أبو عليّ البلعمي يكرمه وينادمه، فاقترح عليه قصيدة يسلك فيها طريق المتقدِّمين فخامة وجزالة، فأنشده من الغد قصيدة فِي مدحه كأنّها صدرت عن أحد فحولة الشعراء الجاهليّين، فارتضاها وخيّره في أعمال البريد ببلاد خراسان فاختار بلده أبيورد وتنجّز المنشور والصلة وشخص؛ ومن مشهور سائر شعره قوله:
|
أرىٰ وطني كعشٍّ لي وَلَكِن |
|
وَلَوْلَا أَنَّ كسب الْقُوت فرض |
|
أسافر عَنهُ فِي طلب المعاش |
|
لما برح الطُّيُور من العشاش(٣) |
١٣ـ أبو عبد الله محمّد بن أبي بكر الجرجاني الملقّب طرمطراق؛ كاتب، شاعر، ظريف، فاضل، من أعيان العمّال ببخارىٰ وقد تقدّم ذكره عند ذكر الهزيمي. أنشدني السيّد أبو جعفر الموسوي قال أنشدني أبو عبد الله لنفسه:
__________
(١) يتيمة الدهر ٤/١٤٤.
(٢) يتيمة الدهر ٤/١٥٠.
(٣) يتيمة الدهر ٤/١٥٣.
|
نصيبنا من طول آمالنا |
|
تعسّف فِي خدمَة دائبه |
|
وَحَاصِل الذلّ بِلَا طائل |
|
والشأن فِي منتظر العاقبه(١) |
١٤ـ أبو علي محمّد بن عيسىٰ الدامغاني؛ تثنّىٰ به الخناصر وتضرب به الأمثال في حسن الخطّ والبلاغة وأدب الكتابة والوزارة... وولي ديوان الرسائل دفعات والوزارة مرّات وكان يقول الشعر ولا يظهره ويحبّ الأدب ويكرم أهله... وأنشدني السيّد الشريف أبو جعفر الموسوي قال أنشدني أبو عليّ محمّد ابن عيسىٰ ولم يسمّ قائلاً:
|
تذكر إِذْ أَرْسلتهُ بيدقا |
|
فِيك فوافاني فرزانا(٢) |
١٥ـ وسمعت أبا جعفر محمّد بن موسىٰ الموسوي یقول: کان علي ـ رضي الله عنه ـ یقول: قبلة الوالدین عبادة، وقبلة الولد رحمة، وقبلة المرأة شهوة، وقبلة الأخ مبرّة، فزاد فیه الحسن البصري: وقبلة الملك العادل طاعة(٣).
١٦ـ وسمعت أبا جعفر محمّد بن موسىٰ الموسوي الطوسي، قال: کان أبو منصور محمّد ابن عبد الرزّاق يقول: قد ألان الله لأهل طوس الحجارة كما ألان لداود عليهالسلام الحديد(٤).
١٧ـ أبو جعفر الموسوي الطوسي، كتب إلىٰ صديق له: عندي يا سيّدي سفيذناجة، كأنّما طبخت بنار شوقي إليك، وقلية أحمض من فراقي إيّاك، وخبيص أحلىٰ من مودّتي لَك(٥).
__________
(١) يتيمة الدهر ٤/١٧٥.
(٢) يتيمة الدهر ٤/١٦٣ـ١٦٤.
(٣) آداب الملوك: ٣٩.
(٤) لطائف المعارف: ١١٨. قال الثعالبي في کتاب آخر له: كان أبو جعفر الموسوي يكرّر هذا الكلام ويقول: «وکثیراً ما یقول السیّد الموسوي الطوسي: قد ألان الله لنا الحجارة كما ألان لداود عليهالسلام الحديد»، ثمار القلوب للمضاف والمنسوب: ٤٣٥.
(٥) خاصّ الخاصّ: ٥٨.
١٨ـ ولأبي جعفر الموسوي:
|
أيّ خير ترجو بنو الدهر في الدهـ |
|
ـر وما زال قاتلاً لبنيه |
|
من يعمّر يفجع بفقد الأخلّا |
|
ء ومن مات فالمصيبة فيه(١) |
الفصل الثاني
القرآن الموقوف من قبل أبي جعفر الموسوي علىٰ الحرم الرضوي
بعد هذه المقدّمة عن حياة أبي جعفر محمّد بن موسىٰ الموسوي وشخصيّته نتطرّق إلىٰ تعريف القرآن الموقوف من قبله علىٰ حرم الإمام الرضا عليهالسلام . لقد توصّلنا من خلال البحث والدراسة في غضون الأعوام الأخيرة ـ في مجموعة النسخ القرآنية في مكتبة آستان قدس رضوي ـ إلىٰ اكتشاف خمسة أجزاء فقط من قرآن أبي جعفر الموسوي في هذه المكتبة، وهي عبارة عن الأجزاء: (١٤، ١٨، ١٩، ٢٠، و٢٢). وإنّ جميع هذه الأجزاء تحتوي علىٰ وقفية أبي جعفر سوىٰ أحد هذه الأجزاء ـ رقم: (٣٢٧٧) ـ ليس فيه وقفية، وقد حكمت علىٰ هذا الجزء بأنّه من ضمن هذه الأجزاء لشبهه الكامل بخطّ وعلامات بقية الأجزاء، كما يوجد في نهاية أحد هذه الأجزاء ـ رقم: (٣٢٩٧) ـ ورقة مفردة من الجزء (٢٧) من القرآن، ولم أعثر علىٰ سائر أوراقه. وبالرغم من احتمال تلف بقية أجزاء هذا القرآن إثر تصدّعها وتعرّضها للحوادث الطبيعية؛ فإنّه لا يستبعد احتمال العثور علىٰ قسم آخر من هذا القرآن في مكان ما من مكتبات إيران ومتاحفها أو مكتبات ومتاحف العالم الأخرىٰ. ومن حسن الحظّ أنّه تبقّىٰ حتّىٰ الآن من هذا المصحف ذي الأجزاء الثلاثين ثلاثة أجزاء متوالية ـ الجزء ٢٠،١٩،١٨ من
__________
(١) اللطائف والظرائف: ٢٤. وللحصول علىٰ نقولات أخرىٰ انظر: یتیمة الدهر ٤/١٥٠؛ ثمار القلوب: ٢٦١.
القرآن ـ موجودة في المكتبة برقم: (٣٢٩٨، ٣٢٩٩ و٤٨٧٨). ويتبيّن من الجدول رقم: (١) أنّ كاتب القرآن قد كتب آية: ﴿وَقالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِکَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَکْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَ عَتَوْا عُتُوّاً کَبيراً﴾ (سورة الفرقان: ٢١) في نهاية الجزء الثامن عشر من النسخة رقم: (٣٢٩٨)، وكذلك في بداية الجزء التاسع عشر النسخة رقم: (٣٢٩٩).
والجدول أدناه يبيّن محتويات الأجزاء الخمسة المتبقّية في مكتبة آستان قدس رضوي:
الجدول رقم: (١)
فهرسة مختصرة من الأجزاء المتبقّية من قرآن أبي جعفر الموسوي في مكتبة
آستان قدس رضوي
|
رقم النسخة في المكتبة |
عدد الأوراق |
الجزء القرآني |
المحتوىٰ القرآني |
بداية النسخة |
خاتمة النسخة |
|
٣٢٩٧ |
٤٢ |
١٤ |
الحجر: ١ـ النحل: ١٢٨ |
قال فما خطبکم |
والذین هم محسنون |
|
٣٢٩٨ |
٤٨ |
١٨ |
المؤمنون: ١ـ الفرقان: ٢١ |
بسملة. قد أفلح |
عتوّاً کبیراً |
|
٣٢٩٩ |
٤٨ |
١٩ |
الفرقان: ٢١ـ النمل: ٥٥ |
وقال الذین لا یرجون |
بل أنتم قوم تجهلون |
|
٤٨٧٨ |
٣٩ |
٢٠ |
النمل: ٥٦ ـ العنکبوت: ٤٣ |
فما کان جواب قومه |
إلّا العالمون |
|
٣٢٧٧ |
٤٧ |
٢٢ |
الأحزاب: ٣١ـ یس: ٢٧ |
ومن یقنت منکنّ |
من المکرمین |
|
٣٢٩٧(ملحق) |
١ |
٢٧ |
الذاریات: ٣١ـ٣٢ |
قال فما خطبکم |
مسوّمة عند |
الوصف العامّ لهذه النسخة من القرآن:
لابدّ من الإشارة هنا إلىٰ أنّ هذه النسخة من القرآن ـ ذات الثلاثين جزءاً ـ هي نسخة عادية، حيث تشبه النسخ التي عادة ما يستفاد منها في المساجد والمقابر والمدارس أو التي تكتب للاستفادة الشخصية من قبل المالك؛ وذلك لأنّها تفتقر إلىٰ جماليّات الخطّ والتذهيب، ولا تمتاز بالدقّة العالية، وحتّىٰ النصّ القرآني فإنّه لم يصحّح ولم تعالج أخطاؤه، وعادة ما كانت النسخ القرآنية المكتوبة من قبل النسّاخ المعروفين والبارزين تعرف بالخطّ الجميل والتهذيب الدقيق الرائع والنصّ القرآني الذي قلّما يعتريه الخطأ، وكذا الحال في المصاحف التي كانت تكتب بأمر من قبل الأمراء والوزراء والحكّام فهي تمتاز بجودة الخطّ والتهذيب الجميل، أمّا قرآن أبي جعفر الموسوي فإنّه يفتقد إلىٰ جميع عناصر الخطّ الكوفي تقريباً، وقد يكون أنموذجاً من خطّ النسخ القديم في أواخر القرن الرابع الهجري، حيث يمكن القول بإنّه من أقدم نماذج خطّ النسخ الإيراني التي عثرنا عليها، والذي يعود تاريخه إلىٰ أواخر القرن الرابع الهجري.
لقد افتتح الكاتب جميع أجزاء القرآن بالبسملة حتّىٰ تلك الأجزاء التي لا تبتدأ بالسور القرآنية، فقد بدأ الجزء: (١٤) من القرآن في هذا المصحف (النسخة رقم: ٣٢٩٧) بسورة الحجر، والجزء: (١٨) (النسخة رقم: ٣٢٩٨) بسورة المؤمنون، ومن الطبيعي أن تتصدّر البسملة تلك السور، ولكن بدأ الجزء: (١٩) من القرآن في هذا المصحف (النسخة رقم: ٣٢٩٩) بآية: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءنَا﴾ (الفرقان، ٢١)، والجزء (٢٠) (النسخة رقم: ٤٨٧٨) بآية: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾ (النمل، ٥٦)، والجزء: (٢٢) (النسخة رقم: ٣٢٧٧) بآية: ﴿وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ﴾ (الأحزاب، ٣١) حيث أضاف الكاتب البسملة في بداية كلّ من هذه الأجزاء الثلاثة أيضاً، وإن لم تبتدئ بالسورة (انظر الصور: ٧و٨). وكذلك تتصدّر البسملة بداية الجزء: (٢٧) من القرآن
والموجود منه ورقة واحدة متبقّية من أوّله ملحقة بالنسخة رقم: (٣٢٩٧) والذي يبتدئ بالآية: ﴿فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ (الذاريات، ٣١) ( انظر الصورة رقم: ٥).
جعل الكاتب أو المذهِّب للنسخة في مطالع السور ألواحاً مستطيلة مذهّبة جاء فيها اسم السورة وعدد الآيات بالخطّ الكوفي والقلم الذهبي، كما أنّه رسم في حاشية تلك الألواح أترنجة (انظر الصورة رقم: ٣). ولم يرسم في النسخة علائم لنهاية الآيات تشير إلىٰ فصل الآيات، ولكن يوجد فيها علائم التخميس والتعشير؛ فإنّ علامة التخميس شبيهة باللوزة المذهّبة تحتوي علىٰ حرف الهاء ويحتمل أنّها تشير العدد: (٥)، وعلامة التعشير هي عبارة عن شمّسة مذهّبة ومضلّعة في حاشية الورقة مع ذكر رقم الآية بالحروف الأبجدية (ك، ل، م، ...). مضافاً إلىٰ ذلك علامة السجدة ـ علىٰ سبيل المثال في الجزء: (١٩)من القرآن (النسخة رقم: ٣٢٩٩)، الورقة: (٩ ألف) ـ قد رسمت في الحاشية علىٰ هيئة نجمة داوود سداسية الشكل (انظر الصورة رقم: ٩). وكذلك في الجزء: (١٩)من القرآن (النسخة رقم: ٣٢٩٩)، الورقة: (٤٣ ألف)، والجزء: (١٤) من القرآن (النسخة رقم: ٣٢٩٧)، الورقة: (٢٢ ألف) رسمت علىٰ هيئة نجمة ثمانية الشكل، كما تمّ تعيين بدايات الأسباع كذلك ـ وهو التقسيم السباعي للقرآن ـ حيث رسمت وعلّمت بداية كلّ سُبع بقلم مذهّب وبخطّ كوفي غليظ يشبه بداية السور القرآنية (انظر الصورة رقم: ١٠).
اعتاد الكاتب ـ بناء علىٰ التقاليد الإيرانية القديمة في الكتابة ـ أن يضع تحت حرف السين نقطة واحدة أو ثلاث نقاط، وعادة ما يضع نقطة واحدة تحت حرف الدالّ والراء والصادّ والطاء تمييزاً لها عن الحروف المنقّطة المشابهة لها، وقد تمّ تداول هذه الطريقة في كتابة القرآن عند الإيرانيّين منذ القرن الثالث إلىٰ عدّة قرون بعد ذلك. كما يستفيد الكاتب تارة من علامة التنوين () لسدّ مسدّ آخر السطر وتسوية السطور؛ علىٰ سبيل المثال في الجزء: (١٨) من القرآن (النسخة رقم: ٣٢٩٨)، الورقة: (٢٧
ألف)، وتارة يضع علامة التنوين وسط الكلمة الواقعة في آخر السطر، ومثال ذلك في كتابة: (آمنوٍا) في الجزء (١٨) (النسخة رقم: ٣٢٩٨)، الورقة: (٤٠ ألف)، السطر: (٣)؛ والجزء( ١٩) من القرآن (النسخة رقم: ٣٢٩٩)، الورقة: (١٧ألف)، السطر: (٢)؛ وكذلك في الجزء: (١٤) من القرآن (النسخة رقم: ٣٢٩٧)، الورقة: (٢١ ألف)، السطر (٢)؛ وفي كتابة: (ظهیرٍا) في الجزء: (٢٠) من القرآن (النسخة رقم: ٤٨٧٨)، الورقة: (٢٩ ب)، السطر: (٤)؛ وفي كتابة: (فاعرضوٍا) في الجزء: (٢٢) من القرآن (النسخة رقم: ٣٢٧٧)، الورقة: (٢٠ب)، السطر: (٣)؛ وتارة يضعها في بداية السطر؛ كما في الجزء: (٢٠) من القرآن (النسخة رقم: ٤٨٧٨)، الورقة: (٢٥ ألف)، السطر: (١و٢)؛ والورقة: (٣٦ ألف)، السطر: (١).
وضع الإعراب وسائر العلائم:
إنّ أجزاء أبي جعفر الموسوي القرآنية فيها الكثير من العلائم. وقد استفاد واضع العلائم في هذه النسخة من حركات الإعراب الجديدة المنتسبة للخليل بن أحمد في الإعراب. وقد مُيّزت حركات الإعراب باللون الأحمر، كما أنّه كتب باللون الأخضر للإشارة إلىٰ القراءات الأخرىٰ؛ وهذا يعني أنّ القراءة الأصلية والأساسية في هذا المصحف تميّزت باللون الأحمر، والقراءة الثانية تميّزت باللون الأخضر. وتميّزت العلائم الأخرىٰ كالهمزة والمدّ والسكون وعلامة الوقف أيضاً بألوان أخرىٰ مثل اللون البنّي الفاتح (المائل للأصفر) واللون الأزرق.
وتوجد في نسخة قرآن أبي جعفر الموسوي علائم مختلفة تسهيلاً لقراءة القرآن. كما توجد أيضاً إشارات علىٰ جواز وعدم جواز الوقف (انظر الجدول رقم: ٢). وقد وضعت علامتي (قف) و(لا) فوق الكلمة للدلالة علىٰ الوقف وعدمه؛ ومن خلال تقصّي الأماكن التي وضعت فيها علامة: (لا) حيث تمّ وضعها بمواضع غير منطقية وفي غير محلّها ـ مثلاً بين الفعل والفاعل في: (ضرب
الله) (النحل، ٧٥) في الجزء: (١٤) من القرآن (النسخة رقم: ٣٢٩٧)، الورقة: (٢٧ ب) وفي: (تتوفّىهم الملائكة) (النحل، ٣٢)، كذلك في الجزء: (١٤) من القرآن (النسخة رقم: ٣٢٩٧)، الورقة: (١٨ ألف)؛ أو بين المضاف والمضاف إليه في: (من دون الله)، الجزء: (١٩) من القرآن (النسخة رقم: ٣٢٩٩)، الورقة: (٨ ألف) ـ يمكننا الحدس أنّ وضع علائم الوقف هذه قديمة نسبيّاً وتعود إلىٰ زمن كتابة النسخة في أواخر القرن الرابع أو أوائل القرن الخامس الهجري.
والمقصود من علامة: (حف /خف) في أجزاء أبي جعفر الموسوي القرآنية هو تخفيف الكلمة من غير تشديد: مثال ذلك ما جاء في: (لِما) في الجزء: (١٩) من القرآن (النسخة رقم: ٣٢٩٩)، الورقة: (٩ ألف)؛ وفي: (لِما) (النحل ١١٦) في الجزء: (١٤) من القرآن (النسخة رقم: ٣٢٩٧)، الورقة: (٣٧ ب)؛ وفي كلمة: (علِمنا) (الحجر، ٢٤) في الجزء: (١٤) من القرآن (النسخة رقم: ٣٢٩٧)، الورقة: (٤ ب)؛ وفي: (ألا) (النحل، ٥٩) في الجزء: (١٤) من القرآن (النسخة رقم: ٣٢٩٧)، الورقة: (٢٣ ب)؛ وفي: (فكلوا) (النحل، ١١٤) في الجزء: (١٤) من القرآن (النسخة رقم: ٣٢٩٧)، الورقة: (٣٧ ألف)؛ وفي: (ردف) (النمل، ٧٢) في الجزء: (٢٠) من القرآن (النسخة رقم: ٤٨٧٨)، الورقة: (٥ ب).
ويحتمل أن يكون المقصود من علامة: (تم/بم) الاختصارية هو الإشارة إلىٰ نوع من إتمام معنيٰ الجملة وحسن الوقف، مثال ذلك مجيء هذه العلامة بعد: (بما صبروا) (المؤمنون، ١١١)، في الجزء: (١٨) من القرآن (النسخة رقم: ٣٢٩٨)، الورقة: (١٩ ب)؛ وبعد: (كلا) (الشعراء ١٥) في الجزء: (١٩) من القرآن (النسخة رقم: ٣٢٩٩)، الورقة: (١٤ ألف)؛ وبعد: (بأسكم) (النحل، ٨١)، في الجزء: (١٤) من القرآن (النسخة رقم: ٣٢٩٧)، الورقة: (٢٩ ب)؛ وبعد كلمة: (الأقدمون) (الشعراء، ٧٦) في الجزء: (١٩) من القرآن (النسخة رقم: ٣٢٩٩)، الورقة: (٢١ ب). ولم أعثر حتّىٰ الآن علىٰ مثل هذه العلامة في سائر المصاحف القرآنية التي تعود إلىٰ تلك الحقبة.
الجدول رقم: (٢)
فهرسة للعلائم التي وضعها كاتب النسخة تسهيلاً لقراءة القرآن
|
العلامة |
معناها |
|
قف / وقف |
وقف |
|
لا |
عدم وقف |
|
خف |
التخفیف في قبال التشدید |
|
تم/بم؟ |
اتمام الکلام/ حسن الوقف |
|
ﺀ |
الهمزة |
سهو الكاتب وإصلاح النصّ:
إنّ سهو الكاتب في النسخة القرآنية من مصحف أبي جعفر مَثَلُه كمثل أغلب المصاحف القرآنية القديمة، وخاصّة المصاحف القرآنية العادية والمتداولة بين عامّة الناس التي كثيراً ما يطرأ عليها السهو من قبل الكاتب عند كتابتها. إنّ بعض هذه الأخطاء ـ التي تعتبر أمراً مغايراً لموضوع اختلاف الرسم والإملاء واختلاف القراءات ـ قد تمّ إصلاحها من قبل قرّاء النسخة فيما بعد، ولكنّ قسماً من هذه الأخطاء لا زالت في نصّ هذه الأجزاء تلوح لنواظر القرّاء، وقد جمع الفهرست التالي بعض أخطاء الكاتب والتي تمّ إصلاح أغلبها في زمن متأخّر بقلم يختلف عمّا قبله:
الجزء: (٣٢٧٧)، الورقة: (١٢ب) سقطت كلمة: (فيها) من آية: ﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا﴾ (الأحزاب، ٦٠)، ثمّ أضيفت بعد ذلك بقلم آخر.
الجزء: (٣٢٩٧)، الورقة: (٨ ب): (قالوا بل) (الحجر، ٦٣)، كتبت بالخطأ: (قال بل) ثمّ تمّ إصلاحها بقلم آخر.
الجزء: (٣٢٩٧)، الورقة: (١٠ ألف): (لظالمين) (الحجر، ٧٨) كتبت
بالخطأ: (الظالمين) ثمّ تمّ بعد ذلك إزالة الألف.
الجزء: (٣٢٩٧)، الورقة: (١١ ب): (عضين) (الحجر، ٩١) كتبت بالخطأ: (عظين) ثمّ تمّ إصلاحها بعد ذلك.
الجزء: (٣٢٩٧)، الورقة: (٢٢ ب) تكرّرت فيها عبارة: ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ﴾ (النحل، ٥٣) ثمّ شطب علىٰ المكرّر.
الجزء: (٣٢٩٧)، الورقة: (٢٦ ألف و: ب)، تكرّرت فيها كلمة: (ثمّ) وتمّ بعد ذلك شطب المكرّر.
الجزء: (٣٢٩٧)، الورقة: (٣٠ ب في نهاية السطر الأخير) و(٣١ ألف في بداية السطر الأوّل)، تكرّر بها كلمة (الذين) (النحل، ٨٨) وتمّ شطب الأولىٰ في نهاية الورقة: (٣٠ ب) بعد وضع الإعراب عليها.
الجزء: (٣٢٩٨)، الورقة: (٩ ب): (عابدون) (المؤمنون، ٤٧) كتبت بالخطأ: (عابدين) ثمّ تمّ إصلاحها بعد ذلك.
الجزء: (٣٢٩٨)، الورقة: (١٥ ب): (سيقولون لله) (المؤمنون، ٨٥)، صُحّحت بالخطأ: (سيقولون الله)، أي: بزيادة الألف، ولا توجد في القراءات قراءة بهذا النحو ( انظر الصورة: ٦).
الجزء: (٣٢٩٨)، الورقة: (٢٥ ب): (تعوّدوا) (النور، ١٧) كتبت بحذف ألف الزينة، ثمّ تمّ إصلاحها بعد ذلك. وكذلك كلمة: (فالقوا) (الفرقان، ٤٤) في الجزء: (٣٢٩٩)، الورقة: (١٨ ألف).
الجزء: (٣٢٩٨)، الورقة: (٣٣ ألف): (نور علىٰ نور) (النور، ٣٥) كتبت في بادئ الأمر: (نار علىٰ نور)، ثمّ أضيفت بعد ذلك كلمة: (نور) أعلىٰ كلمة: (نار) ولكن لم يتمّ محو كلمة: (نار).
الجزء: (٣٢٩٨)، الورقة: (٤٠ ألف): (معجزين) (النور، ٥٧) كتبت في
بادئ الأمر (معاجزين)، ثمّ تمّ بعد ذلك إصلاحها.
الجزء: (٣٢٩٩)، الورقة: (٣٣ ب و٣٤ ألف)، كلمة: (علما) (الشعراء، ١٩٧) كتبت مرّتين ثمّ شطب بعد ذلك الثاني منهما.
في الجزء: (٣٢٩٩)، الورقة: (٣٦ ألف)، الآيتان: (٢١٧ و٢١٨ سورة الشعراء) تكرّر كتابتهما، وقد شطب عليهما واضع علائم الإعراب بقلم أحمر ولم يعربهما.
الجزء: (٣٢٩٩)، الورقة: (٤٤ ألف): (أولوا بأس) (النمل، ٣٣) كتبت: (ألوا بأس) من غير الواو الأولىٰ.
الجزء: (٣٢٩٩)، الورقة: (٤٥ ب)، آية: (أشكر أم أكفر) (النمل، ٤٠)، سقطت الميم ثمّ أضيفت بعد ذلك بقلم آخر.
الجزء: (٤٨٧٨)، الورقة: (١٣٧ ألف): (ائتنا) (العنكبوت، ٢٩)، كتبت: (اتنا) ولم تصحّح فيما بعد.
وفي بعض الصفحات قد سقط قسم من الآية بسبب سهو الكاتب، ثمّ استدرك السقط بعد ذلك بين السطور أو في حاشية الورقة بقلم آخر يختلف نسبيّاً. مثال ذلك: في الجزء: (٣٢٩٨)، الأوراق: (٧ ب، ٨ ألف، ١٥ ألف، ٢٢ ب، ٢٧ ب)؛ وفي الجزء: (٣٢٩٩)، الأوراق: (٩ ألف، ٢٤ ألف، ٣١ ب)؛ وفي الجزء: (٣٢٩٧)، الورقة: (٣٣ ألف).
رسم المصحف:
أنّ إملاء ورسم الكلمات في النسخة القرآنية من مصحف أبي جعفر لا تتطابق مع الرسم العثماني، وقد جاءت في أكثر الموارد بالرسم القرآني الإملائي القياسي؛ وهذا الأمر نراه بوضوح في إثبات الألف في كلمات مختلفة مثل: (السماوات، الصالحات، القيامة، كتاب، وآيات) وأمثالها، وكذلك كتبت كلمة: (الليل) بلامين خلافاً للرسم العثماني، وكتبت ياء النداء منفصلة عن الاسم المنادىٰ الذي جاء بعده في كلمات مثل: (يا هامان) و(يا موسىٰ)، وكتبت الأسماء التي علىٰ وزن اسم الفاعل بالألف دائماً (في حالة المفرد أو الجمع للمذكّر أو جمع المؤنّث). الفهرسة التالية تبيّن
بعض الموارد البارزة من مخالفة النسخة القرآنية من مصحف أبي جعفر للرسم العثماني:
ـ (جُز مَقسومٌ) (الحجر، ٤٤)، الجزء: (٣٢٩٧)، الورقة: (٦ ب)، وقد تمّ استبدالها فيما بعد بـ: (جزوٌ مقسومٌ).
ـ (فَأَنَّا تُسْحَرُونَ) (المؤمنون، ٨٩) بدلاً من (فَأَنّىٰ تُسْحَرُونَ) الجزء: (٣٢٩٨)، الورقة: (١٦ ألف).
ـ (جاوا) (النور، ١١و١٣) الجزء: (٣٢٩٨)، الورقة: (٢٣ ب) والورقة: (٢٤ ألف).
ـ (جاوا) (الفرقان، ٤)، الجزء: (٣٢٩٨)، الورقة: (٤٤ ب).
ـ (جاوا) (النمل، ٨٤)، الجزء: (٤٨٧٨)، الورقة: (٦ ب).
ـ (أيّه المؤمنون) (النور، ٣١) في الجزء: (٣٢٩٨)، الورقة: (٣٠)، كتبت في بادئ الأمر (أيّها) ثمّ حذفت ألفها الأخيرة.
ـ (تراءىٰ الجمعان) (الشعراء، ٦١)، بدلاً من (تراءا الجمعان) في الجزء: (٣٢٩٩)، الورقة: (٢٠ ألف).
ـ (أهاكذىٰ عرشك) (النمل، ٤٢)، بدلاً من (أهكذا عرشك) في الجزء: (٣٢٩٩)، الورقة: (٤٦ ألف).
ـ (ولَّو) (النمل، ٨٠)، الجزء: (٤٨٧٨)، الورقة: (٦ ألف)، وقد استبدلت فيما بعد بـ: (وَلَّوا).
ـ (امرَأَة وقُرَّة) (القصص، ٩)، بدلاً من: (امرأت وقُرّت) في الجزء: (٤٨٧٨)، الورقة: (١٠ ب).
اختلاف القراءات:
نستنتج من خلال الدراسات التي تمّت حتّىٰ الآن في المصاحف المكتوبة في القرون الأولىٰ ـ والتي نشرنا قسماً منها في سلسلة من مقالات متقدّمة بقلم راقم السطور ـ أنّ عامّة المصاحف
المكتوبة في القرون الأولىٰ ـ وخاصّة في شرق العالم الإسلامي ـ لم تكتب من أوّلها إلىٰ آخرها علىٰ قراءة واحدة(١)، في حين أنّنا نرىٰ أنّ المصاحف المكتوبة في القرون اللاحقة كتبت علىٰ إحدىٰ القراءات السائدة في إيران آنذاك، أو سائر مناطق العالم الإسلامي، مثل اختيار قراءة أبي عبيد أو أبي حاتم. وهكذا النسخة القرآنية من مصحف أبي جعفر الموسوي، حيث إنّ القراءة الغالبة فيها والأكثر بروزاً من غيرها هي قراءة أبي عمرو (من القرّاء السبعة) ويعقوب الحضرمي (من القرّاء العشرة)، وكلاهما من القرّاء البصريّين.
الجدول رقم: (٣)
فهرسة لأهمّ مواضع اختلاف القراءة في النسخة القرآنية من مصحف أبي
جعفر الموسوي المخالفة لقراءة حفص عن عاصم
|
النسخة |
الورقة |
السورة والآیة |
قراءة نصّ النسخة |
مطابق لقراءة |
قراءة حفص |
اللون |
|
٣٢٩٧ |
٢ب |
الحجر، ٨ |
ما تَنَزَّلُ الملائکةُ |
أبوعمرو، یعقوب، ابنکثیر، نافع، أبو جعفر، ابنعامر |
ما نُنزِّلُ الملائکةَ |
أحمر |
|
٣٢٩٧ |
٨ألف |
الحجر، ٥٦ |
يَقنِطُ |
الکِسائي، خَلَف، أبوعمرو، یعقوب |
يَقنَطُ |
أحمر |
|
٣٢٩٧ |
١٤ألف |
النحل، ١٢ |
وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ |
حمزة، الکِسائي، خَلَف، شُعبة، أبوعمرو، یعقوب، ابنکثیر، نافع، أبوجعفر |
وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ |
أحمر |
|
٣٢٩٧ |
١٥ب |
النحل، ٢٠ |
تدعون |
حمزة، الکِسائي، خَلَف، أبوعمرو، ابنکثیر، نافع، أبوجعفر، ابنعامر |
یدعون |
أسود |
|
٣٢٩٧ |
٢١ألف |
النحل، ٤٣ |
یُوحَى |
حمزة، الکِسائي، خَلَف، شُعبة، أبوعمرو، |
نوحِي |
أسود |
__________
(١) علىٰ سبيل المثال، انظر: نسخهشناسى مصاحف قرآنى، لمرتضىٰ کریمى نیا: (١ إلىٰ ١١) مجموعة المقالات التي تمّ نشرها في مجلة آینه پژوهش، في الأعداد ١٧٢ـ١٧٤، ١٧٧ـ١٧٨، و١٨٠ـ١٨٥.
|
|
|
|
|
یعقوب، ابن کثیر، نافع، أبوجعفر، ابن عامر |
|
|
|
٣٢٩٧ |
٣٣ب |
النحل، ٩٦ |
وَلَیَجزِيَنَّ |
حمزة، الکِسائي، خَلَف، أبوعمرو، یعقوب، نافع، هشام، ابن ذکوان |
وَلَنَجزِيَنَّ |
أسود |
|
٣٢٩٨ |
٤ب |
المؤمنون،٢٠ |
سِینَاءَ |
أبوعمرو، ابنکثیر، نافع، أبوجعفر |
سَیْنَاءَ |
أحمر |
|
٣٢٩٨ |
٦ب |
المؤمنون، ٢٧ |
مِنْ کُلِّ زَوْجَیْنِ |
حمزة، الکِسائي، خَلَف، شُعبة، أبوعمرو، یعقوب، ابن کثیر، نافع، أبوجعفر، ابن عامر |
مِنْ کُلٍّ زَوْجَیْنِ |
أحمر |
|
٣٢٩٨ |
٨ألف |
المؤمنون، ٣٥ |
مُتُّم |
ابنعامر، أبوعمرو، یعقوب، شُعبة، ابنکثیر، أبوجعفر |
مِتُّم |
أحمر |
|
٣٢٩٨ |
٩ألف |
المؤمنون، ٤٤ |
تتری (أسود) تترِی (أحمر) بالإمالة |
ابنکثیر، أبوعمرو، أبوجعفر، الحسن، ابنمحیصن، أبوعمرو (في روایة)، حمزة، الکِسائي، خَلَف |
تترَا |
أسود أحمر |
|
٣٢٩٨ |
١٠ألف |
المؤمنون، ٥١ |
رُبْوَة |
حمزة، الکِسائي، خَلَف، أبوعمرو، یعقوب، ابنکثیر، نافع، أبوجعفر |
رَبْوَة |
أحمر |
|
٣٢٩٨ |
١٥ألف |
المؤمنون، ٨٢ |
مُتنا |
ابنعامر، أبوعمرو، یعقوب، شُعبة، ابنکثیر، أبوجعفر |
مِتنا |
أسود |
|
٣٢٩٨ |
١٥ب |
المؤمنون، ٨٧ |
سیقولون الله |
أبوعمرو، یعقوب |
سیقولون لله |
أسود |
|
٣٢٩٨ |
١٦ألف |
المؤمنون، ٨٧ |
سیقولون الله |
أبوعمرو، یعقوب |
سیقولون لله |
أسود |
|
٣٢٩٨ |
١٧ألف |
المؤمنون، ٩٢ |
عَالِمُ |
حمزة، الکِسائي، خَلَف، شُعبة، نافع، أبوجعفر |
عَالِمِ |
أسود |
|
٣٢٩٨ |
١٩ب |
المؤمنون،١١٠ |
سُخریّاً |
نافع، حمزة، الکِسائي، أبوجعفر، خَلَف |
سِخریّاً |
أحمر |
|
٣٢٩٨ |
٢٢ب |
النور، ٦ |
أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ |
ابنکثیر، نافع، أبوعمرو، ابنعامر، |
أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ |
أحمر |
|
|
|
|
|
شُعبة، أبوجعفر، ویعقوب |
|
|
|
٣٢٩٨ |
٢٣ألف |
النور، ٩ |
والخامسةُ |
حمزة، الکِسائي، خَلَف، شُعبة، أبوعمرو، یعقوب، ابنکثیر، نافع، أبوجعفر، ابنعامر |
والخامسةَ |
أحمر |
|
٣٢٩٨ |
٢٣ألف |
النور، ٩ |
أن غَضِبَ اللهُ |
نافع، رویس عن یعقوب |
أنَّ غَضبَ اللهِ |
أسود |
|
٣٢٩٨ |
٢٣ب |
النور، ١١ |
لَا تَحْسِبُوهُ |
نافع، ابنکثیر، أبوعمرو، الکِسائي، شُعبة |
لَا تَحْسَبُوهُ |
أحمر |
|
٣٢٩٨ |
٢٥ألف |
النور، ١٥ |
وَ تَحْسِبُونَهُ |
نافع، ابنکثیر، أبوعمرو، الکِسائي، شُعبة |
وَ تَحْسَبُونَهُ |
أحمر |
|
٣٢٩٨ |
٣٢ألف |
النور، ٣٤ |
مُبَیَّناتٍ |
شُعبة، أبوعمرو، یعقوب، ابنکثیر، نافع، أبوجعفر |
مُبَیِّناتٍ |
أحمر |
|
٣٢٩٨ |
٣٢ب |
النور، ٣٥ |
تَوَقَّدَ |
ابنکثیر، أبوعمرو، أبوجعفر، الحسن، السلمي، مجاهد، یعقوب، الیزیدي |
یُوقَدُ |
أسود وأحمر |
|
٣٢٩٨ |
٣٨ألف |
النور، ٥٢ |
یَتَّقِهِ |
الکِسائي، خَلَف، یعقوب، ابنکثیر، نافع، ابن ذکوان |
یَتَّقْهِ |
أحمر |
|
٣٢٩٨ |
٤٠الف |
النور، ٥٧ |
لَا تَحْسِبَنَّ |
الکِسائي، خَلَف، أبوعمرو، یعقوب، ابنکثیر، نافع |
لَا تَحْسَبَنَّ |
أحمر |
|
٣٢٩٨ |
٤٧ألف |
الفرقان، ١٧ |
نَحْشُرُهُمْ |
حمزة، الکِسائي، خَلَف، شُعبة، أبوعمرو، نافع، ابنعامر |
يَحْشُرُهُمْ |
أسود |
|
٣٢٩٨ |
٤٧ب |
الفرقان، ١٩ |
فَمَا یَسْتَطِيعُونَ |
حمزة، الکِسائي، خَلَف، شُعبة، أبوعمرو، یعقوب، ابنکثیر، نافع، أبوجعفر، ابنعامر |
فَمَا تَسْتَطيِعُونَ |
أسود |
|
٣٢٩٩ |
٤ب |
الفرقان، ٣٨ |
وَثَموداً |
الکِسائي، أبوعمرو، ابن¬کثیر، نافع، أبوجعفر، ابنعامر، خَلَف، شُعبة |
وَثَمودَا |
أحمر |
|
٣٢٩٩ |
٦ب |
الفرقان، ٤٨ |
نُشُراً |
نافع، ابنکثیر، أبوجعفر، یعقوب |
بُشراً |
أسود |
|
|
|
|
|
|
|
وأحمر |
|
٣٢٩٩ |
١٠ألف |
الفرقان، ٦٧ |
وَلَم يقتِروا |
أبوعمرو، یعقوب، ابن کثیر، نافع، أبوجعفر، ابنعامر |
وَلَم يَقتُروا |
أحمر |
|
٣٢٩٩ |
١٧ألف |
الشعراء،٣٦ |
أرْجِهِ |
قالون، ابنذکوان، أبوجعفر |
أرْجِهْ |
أخضر |
|
٣٢٩٩ |
١٨ألف |
الشعراء،٤٥ |
تلَقَّفُ |
القرّاء السبعة، من غير حفص عن عاصم |
تلقَفُ |
أخضر |
|
٣٢٩٩ |
١٩ب |
الشعراء،٥٦ |
حَذِرونَ |
أبوعمرو، یعقوب، ابن کثیر، نافع، أبو جعفر، هشام |
حاذِرونَ |
أحمر |
|
٣٢٩٩ |
٢٧ألف |
الشعراء،١٣٧ |
خَلْقُ |
الکِسائي، أبوعمرو، یعقوب، ابن-کثیر، أبوجعفر |
خُلُقُ |
أحمر |
|
٣٢٩٩ |
٢٩ب |
الشعراء، ١٤٩ |
فَرِهينَ |
أبوعمرو، یعقوب، ابن کثیر، نافع، أبوجعفر |
فارِهينَ |
أحمر |
|
٣٢٩٩ |
٤٢ألف |
النمل، ٢٢ |
فَمَکُثَ |
حمزة، الکِسائي، خَلَف، ابن عامر، ابنکثیر، نافع، أبوجعفر، أبوعمرو، رویس عن یعقوب |
فَمَکَثَ |
أخضر |
|
٣٢٩٩ |
٤٢ب |
النمل، ٢٥ |
یخفون |
حمزة، خَلَف، شُعبة، أبوعمرو، یعقوب، ابن کثیر، نافع، أبوجعفر، ابن عامر |
تخفون |
أسود |
|
٣٢٩٩ |
٤٣ألف |
النمل، ٢٥ |
یعلنون |
حمزة، خَلَف، شُعبة، أبوعمرو، یعقوب، ابن کثیر، نافع، أبوجعفر، ابن عامر |
تعلنون |
أسود |
|
٣٢٩٩ |
٤٤ب |
النمل، ٣٦ |
ءاتانِ |
حمزة، الکِسائي، خَلَف، شُعبة، روح، ابن کثیر، ابنعامر |
ءاتانِیَ |
أحمر |
|
٣٢٩٩ |
٤٨ألف |
النمل، ٤٩ |
مُهلَكَ |
حمزة، الکِسائي، خَلَف، أبوعمرو، یعقوب، ابن کثیر، نافع، أبوجعفر، ابن عامر |
مَهلِكَ |
أسود وأحمر |
|
٤٨٧٨ |
٣ألف |
النمل، ٦٢ |
تَذَّکَّرُونَ |
شُعبة، ابنکثیر، نافع، أبوجعفر |
تَذَکَّرُونَ |
أخضر |
|
٤٨٧٨ |
٣ألف |
نمل، ٦٣ |
نُشُراً |
نافع، أبوعمرو، ابنکثیر، یعقوب، أبوجعفر ویزیدي |
بُشْراً |
أحمر |
|
٤٨٧٨ |
٤ألف |
النمل، ٦٦ |
أَدْرَكَ |
أبوعمرو، ابنکثیر، أبوجعفر، والحسن البصري |
ادّٰرَكَ |
أحمر |
|
٤٨٧٨ |
٧ب |
النمل، ٨٨ |
تَحْسِبُها |
الکِسائي، ابنکثیر، أبوعمرو، نافع |
تَحْسَبُها |
أحمر |
|
٤٨٧٨ |
٧ب |
النمل، ٨٨ |
یَفعَلُونَ |
أبوعمرو، یعقوب، ابنکثیر، هشام |
تَفعَلُونَ |
أحمر |
|
٤٨٧٨ |
٧ب |
النمل، ٨٩ |
فَزَعِ يَوْمِئِذٍ(١) |
أبوعمرو، یعقوب، ابنکثیر، ابنعامر |
فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ |
أحمر |
|
٤٨٧٨ |
٨ب |
النمل، ٩٣ |
یَعْلَمُونَ |
ابنکثیر، أبوعمرو، حمزة، الکِسائي وشُعبة |
تَعْلَمُونَ |
أحمر |
|
٤٨٧٨ |
١٦ألف |
القصص، ٢٩ |
جِذْوَةٍ |
الکِسائي، أبوعمرو، یعقوب، ابنکثیر، نافع، أبوجعفر، ابنعامر |
جَذْوَةٍ |
أحمر |
|
٤٨٧٨ |
١٧وجه |
القصص، ٣٢ |
الرَّهَبِ |
أبوعمرو، یعقوب، ابنکثیر، نافع، أبوجعفر |
الرَّهْبِ |
أحمر |
|
٤٨٧٨ |
٢٨ب |
القصص، ٨٢ |
لَخُسِفَ |
حمزة، الکِسائي، خَلَف، شُعبة، أبوعمرو، ابنکثیر، نافع، أبوجعفر، ابنعامر |
لَخَسَفَ |
أحمر |
|
٤٨٧٨ |
٣٥ب |
العنکبوت،٢٥ |
مَوَدَّةُ بَيْنِكُمْ |
الکِسائي، أبوعمرو، رویس، ابنکثیر |
مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ |
أحمر |
|
٤٨٧٨ |
٤٠ألف |
العنکبوت، ٤٢ |
تدعون |
حمزة، الکِسائي، خَلَف، ابن کثیر، نافع، أبوجعفر، ابن عامر |
یدعون |
أسود |
|
٣٢٧٧ |
٢ألف |
الأحزاب، ٣٣ |
وَ قِرنَ |
حمزة، الکِسائي، خَلَف، أبوعمرو، یعقوب، ابن کثیر، ابن عامر |
وَ قَرنَ |
أحمر |
__________
(١) تمّ وضع إعراب: (فزعِ یومَئذ) في النسخة.
|
٣٢٧٧ |
٦ألف |
الأحزاب، ٤٠ |
وَخاتِمَ |
حمزة، الکِسائي، خَلَف، أبوعمرو، یعقوب، ابن کثیر، نافع، أبوجعفر، ابن عامر |
وَخاتَمَ |
أحمر |
|
٣٢٧٧ |
١٦اب |
سبأ، ٣ |
عالِمُ |
رویس، نافع، أبوجعفر، ابن عامر |
عالِمِ |
أحمر |
|
٣٢٧٧ |
١٧ألف |
سبأ، ٥ |
اَليمٍ |
حمزة، الکِسائي، خَلَف، شُعبة، أبوعمرو، نافع، أبوجعفر، ابن عامر |
اَليمٌ |
أحمر |
|
٣٢٧٧ |
١٨ب |
سبأ، ٩ |
كِسْفاً |
حمزة، الکِسائي، خَلَف، شُعبة، أبوعمرو، یعقوب، ابن کثیر، نافع، أبوجعفر، ابن عامر |
كِسَفًا |
أحمر |
|
٣٢٧٧ |
٢١ألف |
سبأ، ١٧ |
یُجازَي إلّا الکفورُ |
شُعبة، أبوعمرو، ابن کثیر، نافع، أبوجعفر، ابن عامر |
نُجازي إلّا الکفورَ |
أحمر |
|
٣٢٧٧ |
٢٧ألف |
سبأ، ٤٠ |
نَحشُرُهُم |
حمزة، الکِسائي، خَلَف، شُعبة، أبوعمرو، ابن کثیر، نافع، أبوجعفر، ابن عامر |
يَحشُرُهُم |
أحمر |
|
٣٢٧٧ |
٢٧ألف |
سبأ، ٤٠ |
ثُمَّ نَقولُ |
حمزة، الکِسائي، خَلَف، شُعبة، أبوعمرو، ابن کثیر، نافع، أبوجعفر، ابن عامر |
ثُمَّ يَقولُ |
أحمر |
|
٣٢٧٧ |
٣٩ألف |
فاطر، ٣٣ |
وَلُؤلُؤٍ |
حمزة، الکِسائي، خَلَف، أبوعمرو، یعقوب، ابن کثیر، ابن عامر |
وَلُؤلُؤًا |
أسود |
|
٣٢٧٧ |
٤١ألف |
فاطر، ٤٠ |
بَيِّناتٍ |
الکِسائي، شُعبة، یعقوب، نافع، أبوجعفر، ابن عامر |
بَيِّنَتٍ |
أحمر |
|
٣٢٧٧ |
٤٣ب |
یس، ٥ |
تَنزيلُ |
شُعبة، أبوعمرو، یعقوب، ابن کثیر، نافع، أبوجعفر |
تَنزيلَ |
أحمر |
|
٣٢٧٧ |
٦ألف |
الأحزاب، ٤٠ |
وَخاتِمَ |
حمزة، الکِسائي، خَلَف، أبوعمرو، یعقوب، ابن کثیر، نافع، أبوجعفر، ابن عامر |
وَخاتَمَ |
أحمر |
|
٣٢٧٧ |
١٦اب |
سبأ، ٣ |
عالِمُ |
رویس، نافع، أبوجعفر، ابن عامر |
عالِمِ |
أحمر |
الصورة ١: وقفية أبي جعفر محمّد بن موسىٰ الموسوي في بداية النسخة رقم: ٣٢٩٧،
المؤرّخة شوّال ٤٠٢ هجرية
الصورة ٢: وقفية أبي جعفر محمّد بن موسىٰ الموسوي في بداية النسخة رقم: ٤٨٧٨،
المؤرّخة شوّال ٤٠٢هجرية
الصورة ٣: بداية النسخة رقم: ٣٢٩٧ (بداية الجزء الرابع عشر من القرآن)
الصورة ٤: الورقة الأخيرة من النسخة رقم: ٣٢٩٧ (نهاية الجزء الرابع عشر من القرآن)
الصورة ٥: القسم الملحق في نهاية النسخة رقم: ٣٢٩٧ ( الجزء السابع والعشرين من القرآن)
الصورة ٦: الورقة الأولىٰ من النسخة رقم: ٣٢٩٨
(الشاملة للآيات ٨٥ إلىٰ ٩٠ سورة المؤمنون) المطابقة لقراءة أبي عمرو ويعقوب
الصورة ٧: بداية الجزء التاسع عشر (مع البسملة) في النسخة رقم: ٣٢٩٩
الصورة ٨: بداية الجزء العشرين من القرآن (مع البسملة) في النسخة رقم: ٤٨٧٨
الصورة ٩: علامة السجدة في النسخة رقم: ٣٢٩٩
الصورة ١٠: بداية السبع السادس في النسخة رقم: ٣٢٧٧
المصادر
١-القرآن کریم: النسخة التي تمّ وقفها من قبل أبي جعفر محمّد بن موسىٰ الموسوي علىٰ حرم الإمام الرضا عليهالسلام ، في تاریخ شوّال ٤٠٢هـ، الموجودة في مكتبة آستان قدس رضوى، الأجزاء القرآنیة رقم: ٣٢٩٧ / ٣٢٩٨ / ٣٢٩٩ / ٤٨٧٨/ و٣٢٧٧.
٢-آداب الملوك: أبو منصور الثعالبي، إعداد وتقديم: عبد الحميد حمدان، عالم الكتب، القاهرة، الطبعة الأولىٰ، ٢٠٠٧م.
٣-الأذکیاء: ابنالجوزي، تحقیق: أسامة عبد الکریم الرفاعي، بیروت، مؤسّسة من أهل العرفان، ودمشق، مکتبة الغزال، ١٤٠٥هـ/ ١٩٨٥م.
٤-أربعون حدیثاً لأربعین شیخاً من أربعین بلدة: ابن عساکر، تحقیق: مصطفىٰ عاشور، القاهرة، مكتبة القرآن.
٥-أعیان الشیعة: محسن الأمین، تحقیق: حسن الأمین، بیروت: دارالتعارف للمطبوعات، ١٤٠٣هـ/ ١٩٨٣م.
٦-الاقتباس من القرآن الکریم: الثعالبي، أبو منصور عبد الملك بن محمّد، تحقیق: ابتسام مرهون صفّار ومجاهد مصطفىٰ بهجت، أربد (الأردن)، عالم الکتب الحدیث، ٢٠٠٨م.
٧-تاریخ نیشابور: الحاکم النیشابوري، أبو عبد الله. ترجمة: محمّد بن حسین خلیفة النیشابوري، تصحیح: د. محمّد رضا شفیعي کدکني، طهران، انتشارات آگه، ١٣٧٥ش.
٨-ترجمة تاریخ یمیني: جرفادقاني، أبو الشرف ناصح بن ظفر، تصحیح: د. جعفر شعار، الطبعة الثالثة، طهران، شرکت انتشارات علمى وفرهنگى، ١٣٧٤ش.
٩-تعلیقات النقض: المحدّث الأرموي، میر جلال الدین الحسیني، طهران، انجمن آثار
ملى، ١٣٥٨ش.
١٠-تهذیب الأنساب ونهایة الأعقاب: الشیخ شرف العبیدلي، محمّد بن محمّد، تصحیح: محمّد کاظم المحمودي، قم، مكتبة آیة الله العظمىٰ المرعشي النجفي، ١٤١٣هـ.
١١-ثمار القلوب للمضاف والمنسوب: الثعالبي، أبو منصور عبد الملك بن محمّد، تحقیق: محمّد أبو الفضل إبراهیم، القاهرة، دارالمعارف، ١٩٨٥م.
١٢-خاصّ الخاصّ: الثعالبي، أبو منصور عبد الملك بن محمّد، تحقیق: حسن الأمين، بیروت، دار مكتبة الحياة، ١٩٦٦م.
١٣-الذریعة إلىٰ تصانیف الشیعة: آقا بزرك الطهراني، بیروت، دارالأضواء، ١٤٠٣هـ/ ١٩٨٣م.
١٤-ربیع الأبرار ونصوص الأخبار: الزمخشري، أبو القاسم محمود بن عمر، تحقیق: عبد الأمیر مهنّا، بیروت، مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات، ١٤١٢هـ/ ١٩٩٢م .
١٥-رسائل الثعالبي، أو نثر النظم وحلّ العقد: الثعالبي، أبو منصور عبد الملك بن محمّد، مقدّمة: علي الخاقاني، بغداد، دار البیان.
١٦-الشجرة المباركة في الأنساب الطالبیة: التیمي البكري، محمّد بن عمر بن الحسن بن الحسین [فخر الدین الرازي]. تحقیق: السیّد مهدي الرجائي، قم، منشورات مكتبة آیة الله العظمىٰ المرعشي النجفي، ١٤٠٩هـ.
١٧-عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب: ابنعنبة، تصحیح: محمّد حسن آل الطالقاني، النجف، المطبعة الحیدریة، ١٣٨٠ هـ/ ١٩٦١م.
١٨-الغدیر في التراث الإسلامي: الطباطبائي، السیّد عبد العزیز. بیروت، دار المورّخ العربي، ١٤١٤هـ.
١٩-کشف الأسرار وعدّة الأبرار المعروف بتفسیر الخواجة عبد الله الأنصاري: المیبدي، أبو الفضل رشید الدین، بسعي واهتمام: علي أصغر حکمت، طهران، أمیر کبیر، ١٣٧١ش.
٢٠-لباب الأنساب والألقاب والأعقاب: ابن فندق، تحقیق: السیّد مهدي الرجائي، قم، منشورات مكتبة آیة الله العظمىٰ المرعشي النجفي، ١٣٨٥ش/ ٢٠٠٧م.
٢١-لطائف المعارف: الثعالبي، أبو منصور عبد الملك بن محمّد، تحقیق وتصحیح: P. de Jong، لایدن، انتشارات بریل، ١٨٦٧م.
٢٢-للطائف والظرائف: الثعالبي، أبو منصور عبد الملك بن محمّد، بیروت، دار المناهل.
٢٣-المجدي في أنساب الطالبيّین: العلوي العمري، نجم الدین أبو الحسن علي بن محمّد بن علي بن محمّد، تحقیق: أحمد مهدوي الدامغاني، قم، مكتبة آیة الله العظمىٰ المرعشي النجفي، ١٤٢٢هـ/ ۱۳۸۰ش.
٢٤-المحدّث الأرموي: میر جلال الدین الحسیني، مقدّمة النقض وتعلیقاته، طهران، مطبعة الحیدري، ١٣٣٣ش.
٢٥-معجم التراث الکلامي: السبحاني، جعفر، قم، مؤسّسة الإمام الصادق عليهالسلام ، ١٤٢٣هـ.
٢٦-معجم الشیوخ: ابن عساکر، مقدّمة: شاکر الفحّام، تحقیق: وفاء تقي الدین، دمشق، دار البشائر، ١٤٢١هـ/ ٢٠٠٠م.
٢٧-المناقب: أخطب خوارزم، قم، جامعة المدرّسین للحوزة العلمية، ١٤١١هـ.
٢٨-ناسخ التواریخ: سپهر کاشاني، محمّد تقي، باهتمام: جهانگیر قائم مقامي، انتشارات أمیر کبیر، ١٣٣٧ش.
٢٩-النقض، المعروف بمثالب النواصب: عبد الجلیل القزویني الرازي، تصحیح: میر جلال الدین المحدّث الأرموي، طهران، انجمن آثار ملى، ١٣٥٨ش.
٣٠-یتیمة الدهر: الثعالبي، أبو منصور عبد الملك بن محمّد، تحقیق: مفید محمّد قمحیة، بیروت، دار الکتب العملية، ١٤٠٣هـ/ ١٩٨٣م.
٣١-الیمیني في أخبار دولة الملك یمین الدولة: العتبي، أبو نصر محمّد بن عبد الجبّار، تحقیق: یوسف الهادي، طهران، مرکز پژوهشى میراث مکتوب، ١٣٨٧ش.
الراغب الإصفهاني
(متكلّم سلفي وفيلسوف صوفي)(١)
د.حميد عطائي نظري
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدّمة:
أبو القاسم الحسين بن محمّد بن المفضّل المعروف بـ: (الراغب الإصفهاني) هو: الأديب والمفسّر والحكيم البارز في العالم الإسلامي، الذي تحضىٰ شخصيّته العلمية والثقافية بأبعاد مختلفة ومتنوّعة، حتّىٰ أنّ بعض أبعاد شخصيّته بقيت غير واضحة المعالم إلىٰ يومنا هذا؛ فقد تناولت مجموعة من الدراسات بعض الأبعاد العلمية والتفسيرية والأدبية والأخلاقية التي تميّز بها هذا العالم الذي قلّ نظيره، كما ألّفت الكثير من الكتب والمقالات التي تناولت أهمّية مؤلّفاته التي ذاع صيتها مثل: مفردات ألفاظ القرآن ومحاظرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء والذريعة إلىٰ مكارم الشريعة وتفسير القرآن، إلّا أنّ شخصية الراغب من حيث نزعته الكلامية والاعتقادية لم تدرس إلىٰ الآن دراسة جادّة، وإنّ أبعاد فكره الكلامي لم يتمّ تناولها وتبيينها بالحدّ المطلوب؛ وقد أدّىٰ هذا الأمر إلىٰ وجود بعض الغموض في شأن
__________
(١) تمّت ترجمة المقالة إلىٰ العربية من قبل هيئة التحرير.
مذهبه ومدرسته الاعتقادية ـ مثله مثل مذهبه الفقهي ـ ممّا أدّىٰ إلىٰ عدم وضوح الصورة بالنسبة إلىٰ ميوله وتوجّهاته الكلامية. كما أنّ مختلف الادّعاءات ـ في شأن انتسابه ـ التي نسبها إليه المؤرّخون، وأغلب الاشتباهات التي ارتكبها أصحاب التراجم والمتكلّمون في شأن مذهبه أيضاً قد زادت الطين بِلَّة؛ بحيث ازداد الأمر غموضاً في هذا المجال؛ فإنّ كلّ ما نسب إليه ـ من الاعتزال والتشيّع وميوله إلىٰ الأشاعرة والماتريدية أو كونه من أتباع أصحاب الحديث وأهل الأثر ـ لا يعدو عن كونه مجرّد احتمالات وفرضيّات فيما يخصّ مذهبه الاعتقادي ليس إلّا. وإنّ موضوع بحثنا هنا هو تحقيق يتناول هذه الفرضيّات ودراستها، وتحديد النزعة الكلامية للراغب الإصفهاني استناداً إلىٰ مؤلّفاته الكلامية.
الراغب الإصفهاني وكتاب (الاعتقادات):
إنّ أفضل مصدر للبحث عن اعتقادات الراغب الإصفهاني واكتشاف ميوله الكلامية هو كتابه الذي تطرّق فيه إلىٰ بيان المسائل الاعتقادية ووضّح آراءه في شأن مختلف المواضيع والمسائل الاعتقادية؛ فإنّ كتابه المعروف باسم: (الاعتقاد) أو (الاعتقادات) يبدو أنّه الكتاب الاعتقادي الوحيد الذي تطرّق فيه الراغب الإصفهاني إلىٰ بيان جزئيّات آرائه ومعتقداته بصفته أحد المتكلّمين، وبالرغم من أنّ الراغب لم يصرّح في أيّ موضع من كتابه هذا بنزعته ومذهبه الاعتقادي، ولكن يمكننا من خلال مواقفه التي اتّخذها في كتابه أن نفهم معتقداته الكلامية. وسوف أتطرّق في نهاية هذا البحث إلىٰ نقد تصحيح النسخ المطبوعة من كتاب الاعتقادات للراغب الإصفهاني، ولكن قبل ذلك سوف أقدّم بحثاً يتناول مذهبه الكلامي بناء علىٰ المواضيع الموجودة في كتابه هذا.
من خلال دراسة كتاب الاعتقادات(١)، نصل إلىٰ نتيجة أنّ الراغب الإصفهاني كان يميل من حيث النزعة الكلامية إلىٰ عقيدة فرقة من السلفية باسم: (أهل الأثر)، وكلّ ما جاء من تخمين وحدس في شأن انتمائه المذهبي إلىٰ المعتزلة أو الشيعة أو الأشاعرة ما هو إلّا تخرّص وظنون باطلة بأسرها، وعلىٰ ما أعلم فإنّ السيّد (الكساندر كي) هو الشخص الوحيد من بين المحقّقين الذي صرّح بصورة دقيقة عن مذهب الراغب واتّباعه (أهل الأثر)؛ فقد تطرّق في أطروحته التي كتبها لنيل شهادة الدكتوراه ـ والتي لم تنشر بعد ـ في خصوص حياة الراغب الإصفهاني ومؤلّفاته وفي بعض الأبحاث اللغوية التي ذكرها في كتبه(٢)، في فصل كان قد خصّصه للبحث في مذهب الراغب واعتقاداته حيث أشار إلىٰ اتّباع الراغب مذهب (أهل الأثر)(٣). وبالرغم من أنّ السيّد علي مير لوحي كان قد أشار أيضاً قبل السيّد (الكساندر كي) في كتابه تحت عنوان: (الراغب الإصفهاني) إلىٰ نفس هذا الأمر، إلّا أنّه لم يفرّق بين (أهل الأثر) و(أهل السنّة) و(أهل الحديث)(٤)، في حين أنّ الراغب الإصفهاني نفسه قد ميّز بين عقيدتي (أهل الأثر) و(أهل السنّة) وفرّق بينهما، بل ودافع عن آراء (أهل الأثر). هذا وإنّ كلا المحقِّقَين المذكورَين لم يقوما بدراسة وتتبّع
__________
(١) الاعتقادات الراغب الإصفهاني، أبو القاسم الحسین بن محمّد بن المفضّل، تحقیق: شمران العجلي، مؤسَّسة الأشرف للطباعة والنشر والتوزیع، بیروت، ١٩٨٨م / ١٤٠٨هـ.
(٢) Key, Alexander, A Linguistic Frame of Mind: ar-Rāġib al-Iṣfahānī and What It Meant to be Ambiguous, Doctoral dissertation, Harvard University, ٢٠١٢, ٣٣١ + ix pp.
(٣) ibid, p. ٧٣.
(٤) «نستنتج من خلال دراسة مؤلّفاته أنّه كان مؤيّداً لعقائد السلف؛ أو حسب تعبيره: (أهل الحقّ، أهل السنّة، أهل الحديث أو أهل الأثر)». قد تمّت ترجمة النصّ من الفارسية من كتاب (راغب إصفهاني: ١١٨).
جميع الشواهد والقرائن الموجودة في كتاب الاعتقادات فيما يخصّ النزعة الكلامية للراغب الإصفهاني ومواقفه التي اتّخذها إزاء المعتزلة والأشاعرة والشيعة، ومن هنا يتبيّن أنّ الأرضية لا زالت ممهّدة للدراسة والتحقيق، ويبقىٰ الباب مفتوحاً في هذا المجال لعرض صورة أدقّ وأوضح عن توجّهاته الكلامية، وخاصّة بعدما جاء في بعض المؤلّفات الجديدة التي لا زالت تعرض آراء خاطئة في شأن المذهب الكلامي للراغب الإصفهاني، ويتبيّن من هذا الأمر أنّ التأكيد علىٰ معرفة المذهب الحقيقي للراغب الإصفهاني حاليّاً لا يخلو من فائدة أيضاً؛ علىٰ سبيل المثال فإنّ الكاتب في دانشنامه جهان إسلام (دائرة المعارف الإسلامية) عندما كتب تحت عنوان: (راغب إصفهاني) لم يميّز المذهب الكلامي للراغب الإصفهاني جيّداً، فنفىٰ عنه انتماءه لأهل الحديث والأشاعرة والمعتزلة، وحكم بتشيّعه أو اتّباعه لمقتضىٰ العقل والقرآن(١).
__________
(١) «يمكننا أن نستنتج ممّا قيل في مذهب الراغب حتّىٰ الآن، أوّلاً: إنّ الراغب لم يكن من علماء السنّة أهل الحديث؛ لأنّه لم يكن ملتزماً بأهمّ أصولهم، ومنها إثبات الصفات. ثانياً: لا يمكن أن يكون أشعريّاً؛ وذلك لمواقفه التي اتّخذها في المسائل الكلامية المهمّة مثل الجبر والاختيار والحسن والقبح العقليّين، وخصوصاً إذا التفتنا إلىٰ أنّ المذهب الأشعري في القرن الرابع لم يتبلور منطقه الكلامي بعد، ولم يكن هو المنطق الغالب في المحاورات الكلامية، بل كان لا يزال تحت ظلال مذهب المعتزلة. ثالثاً: بالرغم من أنّ المصادر التفسيرية التي اعتمدها الراغب غالباً ما كان لها صلة بمذهب المعتزلة؛ وذلك لخصوصية المرحلة التي أدركها، حيث كثرت فيها الآثار العلمية للمعتزلة ومؤلّفاتهم. إلّا أنّ موقفه الذي اتّخذه في ردّ (التفويض)، والانتقادات الكثيرة التي وجّهها لأعلام المعتزلة البارزين؛ فمن الصعب أن نعدّه منهم. رابعاً: بالرغم من أنّ الراغب أشار في مؤلّفاته إلىٰ مسائل ترفضها الشيعة ـ ويبدو أنّ أكثر هذه الاختلافات قد وردت تقريباً في الفروع وفي المجال الفقهي ـ إلّا أنّ ما أبداه الراغب من فرط محبّته لأهل البيت عليهمالسلام، وكذلك أيضاً موافقته للشيعة في جميع المباحث الكلامية المهمّة، كلّ ذلك أدّىٰ إلىٰ أن ينسب للمذهب الشيعي. بناء علىٰ هذا لابدّ لنا إمّا أن نعتبر الراغب متكلّماً
وسوف نتطرّق لاحقاً في بحثنا هذا إلىٰ مختلف الشواهد والوثائق المؤيّدة لما أدّعيه وأذهب إليه من اتّباع الراغب الإصفهاني لـ: (أهل الحديث) أو (أصحاب الأثر)، والتي أعددتها من نفس كتاب الاعتقادات وقد بوّبتها في عدّة أبواب؛ فإنّ قسماً من تلك الشواهد والقرائن ما هي إلّا إشارات وتنبيهات، بل وتصريحات مباشرة أطلقها الراغب الإصفهاني في كتابه دفاعاً عن آراء العلماء السلفيّين وخاصّة عن فرقة (أهل الأثر)، والقسم الآخر هي عبارة عن إشارات تكشف عن منابذة ومخالفة آرائه إزاء معتقدات الفرق الكلامية الأخرىٰ، أي: الأشاعرة والمعتزلة والشيعة، والتي تشير ـ بشكل أو بآخر ـ إلىٰ عدم انتمائه لهذه المذاهب الكلامية. فمن بين تلك الشواهد هو الاختلاف الكلّي بين مباني كتاب الاعتقادات للراغب الإصفهاني ومباني الكتب الكلامية المعروفة المعاصرة له من كتب المعتزلة والأشاعرة والشيعة؛ فإنّ مباني كتاب الراغب الإصفهاني وتبويبه يعتمد إلىٰ حدّ كبير علىٰ الحديث النبوي الذي ينقله عن النبي صلىاللهعليهوآله عن جبرئيل، والذي تمّ فيه تعريف جميع الاعتقادات علىٰ ستّة أقسام؛ الإيمان بـ: ١ـ الله، ٢ـ الملائكة، ٣ـ القرآن، ٤ـ الأنبياء، ٥ـ يوم القيامة، ٦ـ القدر والمشيئة الإلهية(١). حيث يرىٰ الراغب الإصفهاني أنّ أصول الإيمان الدينية هي هذه الأصول الستّة التي أشارت إليها هذه الرواية(٢)،
__________
وحكيماً لم يأخذ سوىٰ ما رآه معقولاً ومطابقاً للقرآن، وأنّ محبّته للإمام علي عليهالسلام ولأبنائه جاء منسجماً مع نزعته الصوفية ليس إلّا؛ أو نعتبره شيعيّاً بالمعنىٰ الأعمّ ـ أي: من دون أن ننسبه إلىٰ إحدىٰ المذاهب الشيعية ـ ولكنّه اتّخذ جانب التقيّة ولم يُظهر ذلك نتيجة للصراعات التي كانت تدور آنذاك بين الشيعة والسنّة في إصفهان خاصّة، حيث يحتمل أنّ الراغب كان يقطن فيها». دانشنامه جهان اسلام، مدخل (راغب إصفهانی) ١٩/٢٣٠.
(١) «إنّ جميع الاعتقادات النظرية هي ستّة أنواع قد نبّه النبي ـ صلّ الله عليه وسلّم ـ عليها في حديث جبرائیل علیه السلام لمّا أتاه في صورة أعرابي فسأله عن الإيمان فقال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشرّه». الاعتقادات: ٢٤.
(٢) «فالإیمان الشرعي الذي یطلق علىٰ سبیل المدح هو الاعتقاد الصادق الیقین بالأمور
ولذلك فإنّ تبويب الكتاب وأطره أيضاً جاءت مبتنية علىٰ هذه الأصول الدينية الستّة تقريباً؛ حيث جاءت أبوابه علىٰ النحو التالي:
أوّلاً: في أصول الأديان والاختلافات وما عليه كافّة أهل السنّة.
ثانياً: في معرفة الله وتوحيده وصفاته ورؤيته وما يتعلّق به.
ثالثاً: في النبوّة وذكر المعجزات وما يتعلّق بها.
رابعاً: في الملائكة والجنّ وأحوالهم.
خامساً: في ذكر كتاب الله ـ عزّ وجلّ ـ وتحقيق الكلام وأحواله.
سادساً: في اليوم الآخر ومتعلّقاته.
سابعاً: في القدر ومشيئة الله ـ عزّ وجلّ ـ وإرادته وما يتعلّق به.
ثامناً: في الإيمان والإسلام والوعد والوعيد(١).
بناء علىٰ هذا فإنّ مباني كتاب الاعتقادات للراغب ـ في حدّ ذاتها ـ تبيّن مدىٰ تباين أسلوبه مع أسلوب التأليف الكلامي المعتزلي والأشعري والشيعي، وعلىٰ العكس من ذلك هو انسجامها مع الأسلوب الكلامي للسلفية وأهل الحديث، مضافاً إلىٰ ذلك أنّ منهج الراغب في علم الكلام وتوجّهه إلىٰ المتكلّمين أيضاً يؤيّد دقيقاً هذا الرأي.
أ) الشواهد علىٰ عدم تشيّع الراغب الإصفهاني:
ذهب البعض إلىٰ أنّ الراغب الإصفهاني كان من أتباع المذهب الشيعي(٢)؛ وذلك استناداً
__________
الأخرویّة وأصوله ستّة أشیاء قد نبّه علیه النبي صلىاللهعليهوآله بقوله: الإیمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشرّه». نفس المصدر: ٢٩٣.
(١) نفس المصدر: ٢١.
(٢) علىٰ سبيل المثال فإنّ عماد الدین الطبري (الطبرِسي) ذكر الراغب الإصفهاني قائلاً: «الراغب من الشیعة الإمامیة». أسرار الإمامة: ٥١٤. وأشار أيضاً الملّا عبد الله الأفندي
منهم بشكل رئيسي علىٰ نقل الراغب في خصوص روايات أئمّة الشيعة عليهمالسلام في كتبه، واهتمامه ببيان الروايات التي جاءت في مدحهم عليهمالسلام ، وخاصّة ذكره الحثيث للإمام علي عليهالسلام بلقب: (أميرالمؤمنين) في العديد من المناسبات(١)، فبالرغم من أنّ هذه الشواهد تبيّن إخلاص الراغب لأهل البيت عليهمالسلام ومحبّته لهم وخاصّة للإمام علي عليهالسلام ، ولكن لا يمكن أن تكون بمفردها دليلاً معتمداً وسنداً معتبراً علىٰ تشيّعه؛ مضافاً إلىٰ ذلك فإنّ نظرة الراغب السلبية للتشيّع كمذهب تدلّ بما لايقبل الشكّ علىٰ عدم ارتباطه بهذا المذهب. وفيما يلي نشير إلىٰ بعض مواقف الراغب التي اتّخذها إزاء الشيعة وأصولهم المعروفة:
١ـ عدم اعتقاد الراغب الإصفهاني بإمامة أئمّة الشيعة:
إنّ وجهة نظر الراغب الإصفهاني في مسألة الإمامة يتبيّن منها بوضوح إعراضه ونأيه عن المذهب الشيعي بشكل كامل؛ فإنّه فسّرالإمامة بخلافة الخلفاء ممّن تولّوا أمور المسلمين بعد رسول الله صلىاللهعليهوآله ، تعويلاً منه علىٰ رواية نسبت إلىٰ النبي صلىاللهعليهوآله اعتبر خلافة الخلفاء الذين نالوا الخلافة بعد رحيل رسول الله صلىاللهعليهوآله إلىٰ مدىٰ ثلاثين
__________
الإصفهاني إلىٰ اختلاف وجهات النظر في شأن انتمائه المذهبي، وهل أنّ الراغب معتزلي أم شيعي؟ ويبدو أنّه في نهاية المطاف اعتمد كلام عماد الدین الطبري واتّخذه أساساً له واعتبره شيعيّاً. انظر: ریاض العلماء وحیاض الفضلاء ٢/١٧٢. وأمّا الخوانساري فبالرغم من أنّه أكّد علىٰ تشيّع الراغب وذلك تعويلاً علىٰ كثرة رواياته عن أهل البيت عليهمالسلام وإطلاقه لقب أمير المؤمنين علىٰ الإمام علي عليهالسلام وامتناعه النقل عن الخلفاء، إلّا أنّه أشار أيضاً إلىٰ كونه: (أشعري الأصول) استناداً إلىٰ کتاب: (الإیمان والکفر) للراغب الذي يحتمل أن يكون هو نفس كتاب: (الاعتقادات). انظر: روضات الجنّات ٣/١٩٧ـ١٩٨.
(١) علىٰ سبيل المثال: فإنّ الراغب ذكر الإمام عليّاً عليهالسلام في مواضع عديدة من (رسالة الاعتقادات) بلقب أمير المؤمنين. انظر: الاعتقادات: ١٤، ٣٣، ٧٧، ٨٠، ٩٢، ٩٤، ٩٦، ١٠٥، ١٨٧، ١٩٣، ٢١٢.
عاماً هي الصحيحة(١) فقط، فمن المعلوم أنّ مثل هذا الاعتقاد لا يمكن له أن يتلاءم وينسجم مع المعتقد الشيعي الذي يؤكّد علىٰ إمامة الأئمّة الاثني عشر عليهمالسلام .
٢ـ ذمّه للشيعة واعتقاده بانحرافهم:
ذكر الراغب الإصفهاني في مقدّمة كتابه: (الاعتقادات) الفِرق المنحرفة وذكر من ضمنها فرقة قال فيها أنّها تظهر حبّها وولاءها للإمام علي عليهالسلام ، وتتّخذ مدحه وإظهار محبّته ذريعة لذمّ الصحابة ونساء النبي صلىاللهعليهوآله، وترىٰ أنّ أتباع أهل السنّة لا فائدة لأعمالهم الصالحة، ولا يجوز الاقتداء بهم في الصلاة(٢).
فيظهر من الصفات التي ذكرها الراغب أنّه يقصد أتباع المذهب الشيعي، حيث يكشف ذلك عن براءته وإعراضه عن المواقف الشيعية، ويفنّد احتمال تشيّعه.
٣ـ عدّه الشيعة من أهل البدع:
ذكر الراغب الإصفهاني (المتشيّعة) في عداد فرق أهل البدع التي كانت
__________
(١) «أن يعتقد في الإمامة؛ أنّ الله عزّ وجلّ وعد المؤمنين أن يجعل فيهم خلفاء مخصوصين بقوله تعالىٰ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ﴾، وذلك خلافة خاصّة، وعد الله عزّ وجلّ بها بعد خروج رسول الله (صلّىٰ الله عليه وسلم) من الدنيا، وظاهر ذلك يقتضي أن كلّ من تولّىٰ أمر المسلمين بعده كان خليفة، لولا ما ورد عن النبي (صلّىٰ الله عليه وسلّم) أنّه قال: «الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثمّ تصير ملكاً»، فيجب أن يقطع بصحّة خلافة من تولّاها في هذه المدّة بعد النبي (صلّىٰ الله عليه وسلّم) ثمّ يتوقّف عمّن كان بعدها فيفوّض أمورهم إلىٰ الله عزّ وجلّ». نفس المصدر: ٣٠.
(٢) «فرقة تدبّ في ضرّاء وتسرّ حسواً في ارتغاء، تظهر موالاة أمیر المؤمنین، وبها إضلال المؤمنین، یتوصّلون بمدحه وإظهار محبّته إلىٰ ذمّ الصحابة وأزواج النبي (صلّىٰ الله علیه وسلّم) الذین رضي الله عنهم، وشهد التنزیل بذلك لهم...». نفس المصدر: ١٤وما بعدها.
مصدراً لظهور اثنتين وسبعين فرقة، ثمّ قال فيهم أنّهم ضلّوا في الإمامة(١). فمن الواضح أنّ مراد الراغب من عبارة: (المتشيّعة) هم الشيعة ذاتهم، واعتباره أنّ الشيعة من أهل البدع لا يتلاءم بأيّ وجه من الوجوه مع اعتقاده بالتشيّع أبداً.
٤ـ ثناؤه علىٰ بعض الصحابة والخلفاء:
تطرّق الراغب الإصفهاني في مواضع من كتابه الاعتقادات للثناء علىٰ بعض الصحابة والإطراء عليهم، وخاصّة خلفاء أهل السنّة، ولا يجدر بهذا الأمر أن يجتمع مع القول بتشيّعه، ولا يمكن توجيه ذلك بأيّ وجه من الوجوه؛ علىٰ سبيل المثال: فإنّه بعد أن ذكر الصحابة ونساء النبي صلىاللهعليهوآلهفي مقدّمة كتابه أشار إلىٰ رضا الله تبارك وتعالىٰ عنهم، وإلىٰ شهادة القرآن بذلك الرضا: «الصحابة وأزواج النبي صلىاللهعليهوآلهالذين رضي الله عنهم، وشهد التنزيل بذلك لهم»(٢)؛ كما وقد ذكر عمرَ وأبا بكر في عدّة مواضع بلقب: (الصدّيق) وبدعاء (رضي الله عنه)(٣)، وهي الطريقة المتعارف عليها عند أهل السنّة لا عند مؤلّفي الشيعة؛ وقد تطرّق الراغب في موضع آخر من كتابه إلىٰ نقل رواية نسبت للنبي صلىاللهعليهوآلهفي مدح أبي بكر، وقد جاء الثناء فيها عليه من حيث إنّه الشخص الوحيد الذي آمن بنبوّة النبي صلىاللهعليهوآله من فوره وبدون تعلّل، وقد اتّخذ الراغب هذه الرواية شاهداً علىٰ أنّ
__________
(١) «والفرق المبتدعة الذین هم کالأصول للفرق الاثنتین والسبعین: سبعة: المشبّهة، ونفاة الصفات، والقدریة، والمرجئة، والخوارج، والمخلوقیة، والمتشیّعة؛ فالمشبّهة ضلّت في ذات الله، ونفاة الصفات ضلّت في صفات الله عز ّوجلّ، والقدرية في أفعاله، والخوارج في الوعيد، والمرجئة في الإيمان، والمخلوقية في القرآن، والمتشيّعة في الإمامة». نفس المصدر: ٢٦.
(٢) نفس المصدر: ١٤.
(٣) نفس المصدر: ٧٦،٩١،١٢٩،٢٦٧.
أبا بكر عندما رأىٰ في النبي صلىاللهعليهوآله كلّ خصال النبوّة، أخذ ينتظر النبي صلىاللهعليهوآله ليعلن نبوّته، لذلك آمن به وصدّقه بمجرّد أن أعلن النبي صلىاللهعليهوآله نبوّته(١). فإنّ مثل هذه الرواية وتبريرها لم تحضَ من قبل متكلّمي الشيعة بالقبول أبداً، وذلك ما نراه علىٰ سبيل المثال عند ابن ميثم حيث ردّ هذه الرواية وانتقد مضمونها بدليل تأخير إسلام الإمام علي عليهالسلام عن إسلام أبي بكر؛ في حين أنّ سبق إسلام الإمام علي عليهالسلام هو من المسلّمات(٢).
٥ـ استعماله العبارات غير الشيعية في التحية علىٰ رسول الله صلىاللهعليهوآله:
ومن القرائن الموجودة في كتاب الاعتقادات للراغب الإصفهاني التي تكشف عن كونه سنّياً وفي منأىٰ عن التشيّع هو اتّخاذه بعض عبارات الدعاء بالطريقة المتعارفة عند مؤلّفي أهل السنّة؛ وذلك مثل الصلاة علىٰ النبي صلىاللهعليهوآله من غير ذكر (الآل): «النبي صلّىٰ الله عليه وسلّم»(٣)؛ «عن رسول الله صلّىٰ الله عليه وسلّم»(٤). فإذا كانت تلك العبارات الدعائية الموجودة في كتابه جاءت من رشحات قلم الراغب الإصفهاني نفسه من غير أن يتدخّل بها فيما بعد تصرّف الكتّاب من إضافات وتغييرات؛ فإنّ طريقة أهل السنّة في الاستفادة من هذه العبارات تعدّ قرينة احتمالية علىٰ تسنّنه.
__________
(١) «ومن عرف المعجزات المعقولة لم یرکن إلىٰ المحسوسات، بل إذا رأىٰ صاحبها یدّعي النبوّة صدّقَه کما فعل أبو بکر الصدیق، فإنّه لمّا شاهد الخصال النبویة [مجتمعة في محمّد (علیه السلام) أخذ ینتظر منه الدعویٰ، فلمّا ادّعیٰ] صدّقه ولهذا قال (علیه السلام): ما عرضت الإسلام علىٰ أحد إلّا کانت له کبوة غیر أبي بکر فإنّه لم يتلعثم». نفس المصدر: ١٢٩.
(٢) انظر: النجاة في القیامة في تحقیق أمر الإمامة: ١١٧.
(٣) الاعتقادات: ١٤،٢٩٣،١٣١،١٣٨،١٤٢،١٤٣،١٦٠،١٨٧.
(٤) نفس المصدر: ٨٥.
خلاصة الكلام: نظراً إلىٰ الشواهد والقرائن المذكورة آنفاً فإنّ احتمال البعض تشيّع الراغب يبدو باطلاً ولا أساس له من الصحّة، وأنّ نقل الراغب الإصفهاني الروايات عن الإمام علي عليهالسلام ، وما يبديه من مودّته ومحبّته له عليهالسلام ، لابدّ أن نفسّرها في إطار محبّة الكثير من أهل السنّة والسلفيّين للإمام علي عليهالسلام ، وبطبيعة الحال فإنّه لا يستبعد من أعلام مثل الراغب الإصفهاني أن يبدي محبّته لأمير المؤمنين علي عليهالسلام .
ب) الشواهد علىٰ عدم اعتزال الراغب الإصفهاني:
إنّ بعض المؤلّفين من أهل الملل والنحل والمتكلّمين وأصحاب التراجم عرّفوا الراغب الإصفهاني كونه عالماً معتزليّاً؛ فقد ذكره السيّد مرتضىٰ بن داعي الرازي في تبصرة العلوم (تأليف سنة ٦٣٠هـ) مرّتين، وعدّه في موضع من رؤساء الشافعيّة(١)، وفي موضع آخر من أصحاب الشافعي(٢)؛ واعتبره الفاضل المقداد السيوري (ت ٨٢٦هـ) أيضاً من متكلّمي المعتزلة(٣)؛ وقد ذكر جلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ) ترجمة الراغب الإصفهاني قائلاً: «وقد كان في ظنّي أنّ الراغب معتزلي؛ حتّىٰ رأيت بخطّ الشيخ بدر الدين الزركشي علىٰ ظهر نسخة من القواعد الصغرىٰ لابن عبد السلام ما نصّه: (ذكر الإمام فخر الدين الرازي في
__________
(١) «الفرقة الرابعة من أصحاب الشافعي، هم المعتزلة، وكان رئیسهم الماوردي والراغب الإصفهاني وابن رسته الإصفهاني». تبصرة العوامّ في معرفة مقالات الأنام: ٢٦٥.
(٢) نفس المصدر: ٢٧٣.
(٣) «أن لا يكون جسماً ولا جسمانيّاً، بل جوهر مجرّد غير متحيّز ولا حال في المتحيّز، متعلّق بهذا البدن ليس تعلّق الحلول فيه، بل تعلّق التدبير له، كتعلّق العاشق بمعشوقه والملك بمدينته. وهو مذهب جمهور الفلاسفة، ومن المتكلّمين أبو القاسم الراغب ومعمر بن عبّاد السلمي من المعتزلة، والغزالي من الأشاعرة، وأبو سهل بن نوبخت والمفيد محمّد بن محمّد بن النعمان من الإمامية، والمحقّق الطوسي (رحمهم الله)». إرشاد الطالبین إلىٰ نهج المسترشدین: ٣٨٩.
تأسيس التقديس في الأصول أنّ أبا القاسم الراغب من أئمّة السنّة)، وقرنه بالغزالي، قال: (وهي فائدة حسنة، فإنّ كثيراً من الناس يظنّون أنّه معتزلي)»(١)؛ وقد نقل الملّا عبد الله الإصفهاني أيضاً قول العامّة وبعض الخاصّة مبنيّاً علىٰ كون الراغب معتزليّاً(٢)؛ وقد ذكر المدرّس التبريزي أيضاً في ترجمة الراغب الإصفهاني قائلاً: «شافعي أو معتزلي من أكابر علماء العامّة»(٣)؛ واعتبر بعض المحقّقين أيضاً أنّ اطلاق تسمية: (المعتزلي الشيعي) هو أفضل تعبير يطلق في شأن الراغب الإصفهاني(٤).
خلاصة الكلام: لابدّ أن نقول في تقييم هذا الرأي ما يلي: بالرغم من أنّ مناقشة آراء المعتزلة التي تمّت من قبل الراغب الإصفهاني تحكي عن معرفته بهذه المدرسة الفكرية(٥)، إلّا أنّ دراسة كتاب الاعتقادات تكشف لنا عن عدم موافقة الراغب الإصفهاني للمعتزلة وصراعه الصريح مع منهجهم الفكري وأرائهم العقائدية، فقد تطرّق الراغب الإصفهاني في موارد عديدة لنقد آراء المعتزلة؛ نذكر بعضها بالنحو التالي:
١ـ نقد رأي المعتزلة في شأن اعتبارهم معرفة الباري اكتسابية(٦).
__________
(١) «وقد كان في ظنّي أنّ الراغب معتزلي، حتّىٰ رأيت بخطّ الشيخ بدر الدين الزركشي علىٰ ظهر نسخة من القواعد الصغرىٰ لابن عبد السلام ما نصّه: «ذكر الإمام فخر الدين الرازي في تأسيس التقديس في الأصول أنّ أبا القاسم الراغب من أئمّة السنّة»، وقرنه بالغزالي، قال: وهي فائدة حسنة، فإن كثيراً من الناس يظنّون أنّه معتزلي». بُغيَةُ الوُعاة في طبقات اللغويّين والنحاة ٢/٢٩٧.
(٢) ریاض العلماء وحیاض الفضلاء ٢/١٧٢.
(٣) ریحانة الأدب ٢/٢٩٢.
(٤) «يبدو أنّ أفضل تعبير أطلق عليه هو اصطلاح (المعتزلي الشیعي)». مناسبات فرهنگى معتزله وشیعه: ٦٦.
(٥) علىٰ سبيل المثال: فإنّ الراغب ذكر في موضع (أبا القاسم الكعبي البلخي) ونقل عنه كلاماً. انظر: الاعتقادات: ٢٥٧.
(٦) «إنّه لیس معرفة ذلك باکتساب کما زعم جلّ المعتزلة». نفس المصدر: ٣٥.
٢ـ تقبيح رأي المعتزلة المبتني علىٰ عدم إمكان إثبات وجود الباري عزّ وجلّ إلّا بعد العلم بكونه مُحدِثاً للعالم وقادراً وعالماً وحيّاً(١).
٣ـ نقد رأي المعتزلة في شأن عدم إمكان رؤية الباري في الآخرة(٢).
والجدير بالذكر هنا أن نلفت النظر إلىٰ أنّ الراغب في هذه المسألة عرّف إمكان رؤية الباري يوم القيامة بأنّه اعتقاد الحكماء وأصحاب الحديث(٣).
٤ـ نفي رأي المعتزلة في تأويلهم العرش الإلهي بالعلم الإلهي(٤).
٥ـ نقد موقف المعتزلة في إنكارهم كرامات الأولياء(٥).
٦ـ القدح بالمعتزلة لإنكارهم إرادة الباري التكوينية في الوجود: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾(٦).
٧ـ نقد رأي المعتزلة في باب وصف الكلام للباري عزّ وجلّ(٧).
٨ـ نفي عقيدة المعتزلة في باب شيئيّة المعدوم وكون وجود الشيء طارئاً علىٰ ذاته زائداً(٨).
__________
(١) «فأمّا ما ذكره المعتزلة بأنّ الله لا يعلم کونه موجوداً إلّا بعد العلم بأنّه محدث للعالم وأنّه قادر وعالم وحي، وأنّه ما لم يعلم كلّ ذلك لا يمكن أن يعلم كونه موجوداً، فذلك شنيع جدّاً، وكيف يصحّ تصوّر موجد قادر عالم حيّ ليس بموجود حتّىٰ يدلّ أنّه موجود بعد العلم بكلّ هذا». نفس المصدر: ٣٩.
(٢) نفس المصدر: ٩٨.
(٣) نفس المصدر: ٩٧.
(٤) نفس المصدر: ١٠٥.
(٥) نفس المصدر: ١٣٠.
(٦) نفس المصدر: ١٦٦.
(٧) نفس المصدر: ١٦٨.
(٨) نفس المصدر: ١٩٧. يعتقد الراغب بعینیّة وجود الشيء مع ذاته: «وجود کلّ شيء ذاته، ولیس الذات شیئاً ووجوده شیئاً آخر». وفي موضع آخر حكم أيضاً بعینیّة الشيء
٩ـ نقد المعتزلة والحكم عليهم بقصور فهمهم بسبب تأويلهم آية الذرّ(١).
١٠ـ ردّ نظرية بعض المعتزلة في شأن جسمانية النفس(٢).
حيث اعتبر الراغب الإصفهاني الإنسان موجوداً مركّباً من الروح والجسم، وإنّ الروح تخرج من الجسم بعد الموت وتفارقه، وتبقىٰ حيّة وتتلقّىٰ الثواب والعقاب إلىٰ يوم القيامة، حيث تعود إليه مرّة أخرىٰ(٣).
١١ـ اعتباره رأي المعتزلة في شأن فناء الجواهر بسبب حلول عرض الفناء فيها خرافة(٤).
١٢ـ اعتباره نظرية الفناء علىٰ النحو الذي ذكرته المعتزلة أمراً وهميّاً ولا أساس له من الصحّة، وردّه ادّعاءهم الإجماع عليه(٥).
١٣ـ إنكاره نظرية المعتزلة في باب الشرور الموجودة في العالم.
وقد نقل هنا الراغب الإصفهاني نظريّتهم مستخفّاً ومستهزأ بها؛ حيث اعتقدوا أنّه لا يدخل الجنّة سوىٰ المعتزلة من أتباع أبي هاشم الجبّائي الذين لم يرتكبوا الكبائر دون سواهم(٦).
نظراً لهذا النقد من قبل الراغب الإصفهاني للمعتزلة ومخاصمته لهم
__________
وموجودیّته: «الشيء عبارة عن الموجود». نفس المصدر: ٢٧٠.
(١) نفس المصدر: ١٩٩.
(٢) نفس المصدر: ٢٠٣.
(٣) نفس المصدر: ٢٠٣،٢٢٠.
(٤) نفس المصدر: ٢١٦.
(٥) «إنّ الفناء الذي أبدعته المعتزلة هو شيء توهّموه فاخترعوه من غیر أنّ له في الشریعة أصلاً یعتمد علیه أو یفزع إلیه، والعجب أنّهم ادّعوا في ذلك الإجماع». نفس المصدر: ٢٤٣.
(٦) «لا یدخل الجنّة الّا المعتزلة، ولا من المعتزلة الّا من هو علىٰ مذهب أبي هاشم، ولا ممّن هو علىٰ مذهبه إلّا من لم یقدر [کذا: یقدّم] علىٰ کبیرة ولا خیانة عشرة دراهم». نفس المصدر: ٢٥٢.
ولمدرستهم؛ فإنّ احتمال انتمائه لهذه المدرسة أمر غير محتمل وغير معقول.
ج) الشواهد علىٰ عدم اتّباع الراغب الإصفهاني للأشاعرة:
وقد ذكرت بعض المصادر الكلامية الراغب الإصفهاني بصفته متكلّماً أشعريّاً؛ علىٰ سبيل المثال: ذكر المتكلّم الأشعري المعروف الفخر الرازي (ت ٦٠٦هـ) اسم الراغب الإصفهاني إلىٰ جانب الغزّالي قائلاً: «من أصحابنا»(١)، حيث يدلّ علىٰ أنّ الفخر الرازي اعتبر الراغب الإصفهاني أشعريّاً؛ وكذلك ذكره العلّامة الحلّي بصفته متكلّماً أشعريّاً(٢)؛ كما أنّ بعض التحقيقات المعاصرة أيضاً اعتبرت الراغب الإصفهاني متكلّماً أشعريّاً، علىٰ سبيل المثال: فقد اعتبر رواسُن (Rowson) آراء الراغب الإصفهاني الكلامية أقرب للأشعرية، وأكّد علىٰ اتّباعه للمذهب الفقهي الشافعي(٣)؛ كما ذكر رابرت ويسنوفسکي أيضاً الراغب الإصفهاني كونه متكلّماً أشعريّاً معاصراً لابن سينا(٤).
__________
(١) «مثل أبي القاسم الراغب وأبي حامد الغزالي من أصحابنا». تأسیس التقدیس: ٤٧.
(٢) «اختلف الناس في ماهية النفس، وأنّها هل هي جوهر أم لا؟ والقائلون بأنّها جوهر اختلفوا في أنّها هل هي مجرّد أم لا؟ والمشهور عند الأوائل وجماعة من المتكلّمين كبني نوبخت من الإمامية والمفيد منهم والغزالي والحليمي والراغب من الأشاعرة أنّها جوهر مجرّد ليس بجسم ولا جسماني». کشف المراد في شرح تجرید الاعتقاد: ٢٧٨. انظر: نفس المصدر: ٥٤٩.
(٣) “Al-Rāghib\'s actual theological stance seems in fact to have been close to that of the Ashʿarīs”. E. Rowson, ‘‘al-Rāghib al-Isfahānī’’, Encyclopaedia of Islam (New Edition), VIII, ٣٩٠.
(٤) Wisnovsky, Robert, “One Aspect of the Avicennian Turn in Sunni Theology”, in: Arabic Sciences and Philosophy, vol. ١٤ (٢٠٠٤), p. ٨٨.
تمّ نشر هذه المقالة بالترجمة الفارسية بالأوصاف التالية: ویسنوفسکی، رابرت: «سیمایي
ولكنّ فرضية انتمائه للأشاعرة غير صحيحة؛ لأنّ مواقفه في كتاب الاعتقادات لا تؤيّد ذلك، بالرغم من شهرة انتمائه للأشاعرة في المحافل الكلامية منذ القديم؛ فقد أشار الراغب الإصفهاني في مواضع من كتابه الاعتقادات إلىٰ الأشاعرة وذكرهم بنحو ليس فيه أمارة عن تأثّره فكريّاً بهذا المذهب، ولم يُبدِ موافقته صريحاً لآرائهم في أيّ مورد من الموارد التي ذكرهم فيها، وبطبيعة الحال لو كانت له بالأشاعرة علقة فكرية لتعاطف مع آرائهم من خلال لحن كلامه وإطرائه، وعلىٰ أقلّ تقدير لصرّح في بعض الموارد بموافقته لهم ولمذهبهم.
ويبدو أنّ الموضع الوحيد في كتاب الاعتقادات الذي قام فيه الراغب الإصفهاني بالدفاع عن تعاليم الأشاعرة إنّما يقتصر علىٰ تبريره وتوضيحه فيما يخصّ مقولة (الكسب)؛ ففي موضوع الجبر والتفويض وكيفية فعل الإنسان يعتقد الراغب الإصفهاني أنّ دور الإنسان في تحقّق أفعاله إنّما يقتصر علىٰ تصرّفه بالموجودات، ويشير إلىٰ أنّ هذا التصرّف قد ذكر بأسماء مختلفة مثل: (الكسب) و(العمل)، وعلىٰ حدّ تعبيره: لو تمّ الالتفات إلىٰ الأمر المذكور آنفاً لم تتبقَّ هناك أيّ شبهة مبنيّة علىٰ عدم قبول (الكسب)(١)؛ ويبدو أنّ الراغب بما أبداه من توضيحات هنا قد سعىٰ ضمنيّاً أن يبيّن أنّ رأي الأشاعرة فيما ادّعوه بشأن (الكسب) هو رأي مقبول ومعقول، مع ذلك لابدّ أن نرىٰ أنّ التعريف الذي عرضه الراغب الإصفهاني من
__________
از گرایش به ابنسینا در کلام اهل سنّت»، ترجمه: حمید عطائي نظري، مجلّه کتاب ماه دین، شماره ١٧٩، شهریور ١٣٩١: ص٨٤ـ١٠٣.
(١) «إنّما الذي یحصل بفعله هو تصرّف في الموجودات، ولأجله ینسب إلیه الفعل، وهو المشار إلیه بالکسب والعمل والصنع، وإذا تصوّر ذلك تزول الشبهة فیما یدّعیٰ أنّ الکسب معنىٰ غیر مقبول». الاعتقادات: ٢٨٤ـ٢٨٥.
الكسب هنا ـ حيث جاء بمعنىٰ: (التصرّف في الموجودات) ـ إلىٰ أيّ مدىٰ ينسجم ويتوافق مع تعاريف متكلّمي الأشاعرة لمصطلح: (الكسب).
ولو غضضنا الطرف عن دفاع الراغب الإصفهاني عن معنىٰ: (الكسب)، لا نرىٰ في كتابه الاعتقادات موضعاً آخر يذكر في تأييده لآراء مدرسة الأشاعرة. وفضلاً عن ذلك فإنّ بعض أفكاره ومواقفه تنفي كونه أشعريّاً، وسنشير إلىٰ أهمّها فيما يلي:
١ـ اجتنابه عن التعمّق في المواضيع الكلامية والدخول بتفصيلاتها بشكل عامّ:
يتبيّن بوضوح من خلال دراسة كتاب الاعتقادات للراغب الإصفهاني عدم رغبته بالتدخّل في المواضيع الكلامية، والدخول في تفصيلاتها، ومناقشة ونقد مختلف الآراء الكلامية، وكما نعلم فإنّ علماء ومتكلّمي السلفية وأصحاب الحديث لا يجوّزون الدخول والغور في المواضيع الكلامية والاعتقادية، وكانوا كثيراً ما يذمّون هذا الأمر ولا يرغبون فيه، وكانوا يؤكّدون فقط علىٰ اتّباع المأثور والمنقول من أئمّة السلف دون غيره من الأمور، وعلىٰ العكس منهم نرىٰ متكلّمي الأشاعرة ومتكلّمي المعتزلة يجوّزون الغور في الأمور الاعتقادية، وكانوا يرونه أمراً ممدوحاً، بل واجباً. إنّ العدد الكبير من الرسائل الضخمة التي ألّفها علماء السلفية في ذمّ علم الكلام والتعاطي معه مثل كتاب: (ذمّ الكلام وأهله) للخواجة عبد الله الأنصاري (ت ٤٨١هـ)، تكشف بشكل دقيق عن مواقفهم العدوانية تّجاه علم الكلام، واعتبار هذا العلم والتعاطي معه بدعة. وفي قبال السلفية نرىٰ الأشاعرة في الجانب الآخر علىٰ العكس منهم؛ فإنّ تأليف رسالة: (استحسان الخوض في علم الكلام) من قبل مؤسّس المذهب الأشعري ـ أي: أبو الحسن الأشعري (ت ٣٢٤هـ) ـ وتعامل أتباعه مع علم الكلام يكشف عن مدحهم للتعاطي مع علم الكلام بكلّ جزئيّاته والغور في كلّ تفصيلاته، فإنّ هذا الفرق في طريقة التعامل والتعاطي مع علم الكلام
بين كلا المذهبين ـ في الواقع ـ يعتبر الفارق الأساسي بين السلفية والأشاعرة؛ بحيث يمكن من خلال ذلك التمييز ـ إلىٰ حدّ ما ـ بين العالم السلفي والعالم الأشعري وتشخيص كلّ واحد منهما، عندها إذا أخذنا هذا المِلاك والمعيار بعين الاعتبار، فإنّ دراسة كتاب الاعتقادات للراغب يرشدنا إلىٰ نتيجة حاصلها: أنّ الراغب الإصفهاني يدخل في زمرة علماء السلفية الذين لا يجوّزون الدخول في المواضيع الاعتقادية المختلفة والغور في فروع تلك المواضيع، ويجتنبون التعامل والتعاطي معها. إنّ تقييم فصول وأبواب ومواضيع كتاب الاعتقادات للراغب ومقارنته مع الكتب الكلامية المعروفة لمتكلّمي الأشعرية ـ المعاصرة له أو حتّىٰ المتقدّمة عليه ـ مثل كتب الأشعري والباقلّاني وابن فورك وعبد القاهر البغدادي خير معيار للتمييز المذكور آنفاً، ومؤيّد للمدّعىٰ الذي سبق وأن بيّنّاه.
إنّ تجنّب الراغب من الغور في المواضيع الكلامية واضح من طريقة تعامله معها في كتابه الاعتقادات، وكذلك من تصريحاته بهذا الأمر؛ علىٰ سبيل المثال فإنّه قد أشار في موضوع صفات الباري عزّ وجلّ إلىٰ أنّ كلّ مسلم عليه أن يعتقد أنّ الله حيّ وعالم وقادر وسميع وبصير، ولكنّها ليست حواسّ مادّية عن طريق جوارح جسمية. ويعتقد الراغب أنّه لابدّ من تجنّب البحث في باب معاني صفات الباري ـ سوىٰ ما وصلنا عن السلف ـ كما يعتقد أيضاً أنّه لابدّ من تجنّب الحديث في مسائل مثل: هل أنّ صفات الباري قديمة أو محدثة؟ وهل أنّ صفات الباري عزّ وجلّ عين ذاته أو زائدة عليه؟ وذلك لأنّ هذه المسائل والمواضيع بأسرها بدعة، والدخول فيها بمنزلة الغور في أبحاث كان الصحابة والتابعون يتجنّبون التطرّق إليها(١).
__________
(١) «أن يعتقد في صفاته أنّه حي عالم قادر سميع بصير، إلىٰ غير ذلك من الصفات التي ورد به الشرع وأجمعت عليه الأمّة، وأنّ له علماً وقدرة وبصراً لا علىٰ الوجه المحسوس، ويترك
وعلىٰ هذا المنوال نرىٰ الراغب الإصفهاني في البحث عن حقيقة الإرادة الإلهية ـ بعد أن اعتبر استعمال لفظ: (الإرادة) في خصوص الباري عزّ وجلّ بمعنىٰ: (القصد) خلافاً لمتكلّمي الأشاعرة والمعتزلة ـ قد أشار إلىٰ أنّ البحث بأنّ الله هل هو مريد لنفسه؟ أو أنّه مريد بالإرادة القديمة أو المحدثة؟ وإذا كان مريداً بالإرادة الحادثة؛ هل هو حادث في المحلّ أو في غير المحلّ؟ هو بحث في أمور أغنانا الله تبارك وتعالىٰ من الخوض والغور فيها، فلا داعي للبحث عنها(١).
فإنّ مثل هذه المواقف التي اتّخذها الراغب في الاجتناب عن الدخول في مباحث معاني صفات الباري عزّ وجلّ، وأبحاث معرفة الوجود المرتبطة بصفاته تبارك وتعالىٰ؛ من قبيل كونها قديمة أو محدثة، ونسبتها إلىٰ الذات الإلهية ـ وهي من المواضيع التي كثيراً ما اهتمّ بها متكلّمو الأشعرية ـ يتبيّن لنا بوضوح مدىٰ ابتعاد الراغب عن طريقة تعامل متكلّمي الأشعرية مع علم الكلام، وبذلك فإنّ فرضية ارتباطه واتّباعه مدرسة الأشاعرة فرضية بعيدة.
وكذلك أيضاً في بحث كون القرآن مخلوقاً أم غير مخلوق فقد اعتبره الراغب بحثاً مضلّا ومدعاة للفتنة التي تؤدّي إلىٰ تكفير جماعات صالحة من المسلمين واعتبارهم من أهل البدع؛ إذن من الأفضل أن يجتنب المؤمنون الدخول في مثل هذه
__________
البحث عن معنىٰ صفاته سوىٰ ما ورد عن السلف، ويترك الكلام في وصفها أنّها قديمة أو محدثة، وهل هي هو أو غيره أو لا هي ولا غيره، فإنّ ذلك كلّه بدعة وخوض فيما أمسك عنه الصحابة والتابعون». نفس المصدر: ٢٨.
(١) «والكلام في أنّ الله تعالىٰ، هو مريد لنفسه أو بإرادة قديمة أو محدثة؟ وأنّه وإن كان مريداً بإرادة محدثة فهل هي في محلّ أو لا في محلّ؟ فما [کذا: فممّا] كفانا الله أمرها». نفس المصدر: ٢٧٠.
المباحث(١). ثمّ ذكر قضية فتنة خلق القرآن بالتفصيل من أوّل بدايتها في الكوفة بواسطة بنان (بيان) بن سَمعان إلىٰ أن هدأت في فترة من الزمن ثمّ أثيرت بقوّة من جديد من قبل هشام بن الحکم وعبد الله بن کُلّاب؛ حيث أكّد الراغب أنّ تبعات هذه المسألة وتفرّعاتها لا زالت مدعاة للفتنة بين المسلمين، وقد تطرّق لذكر هذه القضية؛ لأنّ هذا الموضوع قد أدّىٰ في عصره أيضاً إلىٰ إثارة الفتن. ثمّ ذكر الراغب رأيه في هذا الموضوع موضّحاً بأنّه ليس لدينا دليل شرعي علىٰ صحّة إطلاق لفظ: (مخلوق) علىٰ كلام الباري، فيجب أن نتحرّز إذن من نعت كلام الباري عزّ وجلّ بهذه الصفة، وإنّ إطلاق مثل هذه الصفة علىٰ كلام الباري عزّ وجلّ ما هو إلّا بدعة مرفوضة؛ لأنّ النبي صلىاللهعليهوآلهوالسلف الصالح لم يذكروا مثل هذا الوصف للقرآن(٢).
وإلىٰ جانب اجتناب الراغب مناقشة الكثير من تفرّعات المسائل الكلامية، واجتنابه عن الانشغال بضجيج وعجيج المناقشات والجدالات المرتبطة بها والتي تداولتها الكتب الكلامية الأشعرية، نظرته الانتقادية للمتكلّمين وآرائهم ـ من أوّل كتابه الاعتقادات إلىٰ آخره ـ هو مثال آخر علىٰ قلّة اهتمام الراغب وعدم رغبته بعلم الكلام المتعارف، ففي الواقع ـ وكما أشار أيضاً بعض المحقّقين(٣)ـ فإنّ الراغب دائماً ما ذكر المتكلّمين في كتابه الاعتقادات مصحوباً بالنقد والردّ لآرائهم(٤)، ومن الواضح جدّاً أنّ الأمر لا يقتصر علىٰ أنّ الراغب لم يعدّ نفسه في
__________
(١) نفس المصدر: ١٧٤.
(٢) «أنّا لا نصف الله تعالىٰ ولا نصف الأمور الإلهیّة إلّا بما ورد به السمع، ولمّا لم یرد السمع بشيء من ذلك لم نصف به». نفس المصدر: ١٧٣.
(٣) Key, Alexander, A Linguistic Frame of Mind: ar-Rāġib al-Iṣfahānī and What It Meant to be Ambiguous, p. ٨١.
(٤) أنموذجاً انظر: الاعتقادات: ١٥٧ـ١٥٨، ٢٦٣، ٢٧١، ٢٨٥، ٣٠٠، ٣٠١.
زمرة المتكلّمين، بل كان مخالفاً لهم ولآرائهم أيضاً. ولكن من خلال الدور الذي لعبه في تناوله للمسائل الكلامية والاعتقادية فلا شكّ بأنّ الراغب ـ هو في حدّ ذاته ـ أيضاً قد لعب دوراً في علم الكلام بصفته أحد المتكلّمين.
٢ـ عدم اعتقاده ببعض المعتقدات الأساسية للأشاعرة:
من أهمّ الأمارات علىٰ عدم ارتباط الراغب الإصفهاني بالمدرسة الأشعرية هو عدم اعتقاده بقسم من الأصول الاعتقادية المسلّمة لهذا المذهب؛ وهذه نماذج من عدم اعتقاده بأصول المدرسة الأشعرية نذكرها كالتالي:
أوّلاً: عدم اعتقاده بقديم صفات الباري، وعدم اعتقاده بكونها زائدة علىٰ الذات الإلهية:
فقد رجّح الراغب في بحث صفات الباري عزّ وجلّ أن لا يلج في مناقشتها ومناقشة الاعتقاد بقدمها، ومناقشة كونها زائدة علىٰ الذات الإلهية التي هي من معتقدات الأشاعرة في هذا الباب(١)؛ ولذلك نراه ـ علىٰ خلاف الأشاعرة ـ لم يتطرّق أبداً لإثبات قدم صفات الباري، وإثبات القدماء الثمانية(٢)، وكون صفاته
__________
(١) «أصحابنا مجمعون علىٰ أنّ الله تعالىٰ حي بحياة، وقادر بقدرة، وعالم بعلم، ومريد بإرادة، وسامع بسمع لا بأذن، وباصر ببصر هو رؤية لا عين، ومتكلّم بكلام لا من جنس الأصوات والحروف، وأجمعوا علىٰ أنّ هذه الصفات السبع أزلية، وسمّوها قديمة». أصول الدین :٩٠. «مذهب أهل الحقّ من الأشاعرة: أنّ الواجب بذاته قادر بقدرة، مريد بإرادة، عالم بعلم، متكلّم بكلام، سميع بسمع، بصير ببصر، حيّ بحياة، وهذه كلّها صفات وجودية، أزلية، زائدة علىٰ ذات واجب الوجود». أبکار الأفکار في أصول الدین ١/٢٦٥.
(٢) لأنّ صفات الباري سبعة، والذات الألهية واحدة، فيصبحن ثمانية؛ هذه نظرية الأشاعرة، وهي: إنّ صفات الباري عزّ وجلّ زائدة علىٰ الذات، ولكن قديمة بقدم الذات، فيصير القدماء ثمانية، أي: الذات الإلهية وصفات الباري السبعة.
عزّ وجلّ زائدة علىٰ الذات الإلهية(١).
وفي موضع آخر من كتابه الاعتقادات الذي أشار فيه الراغب إلىٰ مذهب الأشاعرة في باب صفات الباري عزّ وجلّ المبني علىٰ قدم الصفات وزيادتها علىٰ الذات، كذلك أيضاً ذكر النقد الوارد علىٰ رأيهم مباشرة(٢)، ثمّ أخذ يقوّي رأي (أهل الأثر) في هذا الباب، فإنّ مواجهته لهم هو خير دليل علىٰ عدم تصديق وتأييد الراغب للأشاعرة وعدم ميله لهم.
ثانياً: اعتقاد الراغب فقط بالاشتراك اللفظي بين صفات الباري وصفات الإنسان:
في الوقت الذي يقول فيه متكلّمو الأشعرية بالاشتراك المعنوي لصفات الباري وسائر المخلوقات، ويعتبرون معاني الصفات ـ مثل العلم والقدرة ـ في الباري والمخلوقات علىٰ حدّ سواء(٣)، فإنّ الراغب يعتقد أنّ صفات الله إنّما تشترك مع الصفات المشابهة لها في الإنسان والحيوان وسائر المخلوقات من حيث الاسم واللفظ فقط، وإنّ معاني هذه الصفات في الباري هي غير معانيها في المخلوقات، وقد صرّح بموقفه هذا وأكّد عليه في عدّة مواضع من كتاب الاعتقادات، كالتالي:
__________
(١) «ويترك البحث عن معنىٰ صفاته سوىٰ ما ورد عن السلف، ويترك الكلام في وصفها أنّها قديمة أو محدثة، وهل هي هو أو غيره؟ أو لا هي ولا غيره؟ فإنّ ذلك كلّه بدعة وخوض فيما أمسك عنه الصحابة والتابعون». الاعتقادات: ٢٨.
(٢) «مذهب من يقول أنّ الله تعالىٰ حي قادر عالم بعلم وقدرة وحياة قديمة، وأنّ هذه المعاني قائمة بذاته موجودة له وبها صار حيّاً عالماً وقادراً، وقد اعترض علىٰ ذلك بأنّ من جعل هذه المعاني قائمة بذاته فقوله يوجب كونه سبحانه مرکّباً من أشياء كسائر المركّبات ـ تعالىٰ الله عن ذلك ـ فإنّ ذلك يبطل التوحيد، بل يبطل الإلهية». نفس المصدر: ٨٦.
(٣) «علم الباري تعالىٰ لا یخالف العلوم في خاصیّة کونه علماً ولا في معناه ولا في حدّه، وأنّه معرفة المعلوم علىٰ ما هو به». البیان عن أصول الإیمان: ١١٩.
١ـ «إنّ الله عزّ وجلّ واحد لا يشبه شيأً من الموجودات ولا يشاركه بوجه إلّا في بعض أسمائه لفظاً لا معنی، نحو عالم وقادر كما قال تعالىٰ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾»(١).
٢ـ «إنّ کلامه کسائر صفاته في أنّه لا تشبه واحدة منها صفات المخلوقين ولا تشارکها إلّا في الاسم»(٢).
ثالثاً: تعاريفه المختلفة لاصطلاحات مثل: (الاستطاعة، والجوهر، والعرض):
إنّ مسألة: (استطاعة) الإنسان وقدرته علىٰ القيام بالأفعال هي أحد المسائل الكلامية القديمة التي كانت محلّا للاختلاف في الكلام الإسلامي. فإنّ التعريف الذي ذكره الراغب الإصفهاني لاصطلاح: (الاستطاعة) في كتاب الاعتقادات وموقفه الذي اتّخذه في هذا الباب لا يتلاءم مع تعريف الأشاعرة ورأيهم في هذا المجال. ويرىٰ الراغب: (الاستطاعة) اصطلاحاً غير: (القدرة)، واعتبره اسماً يطلق علىٰ مجموع ما يحتاجه الإنسان للقيام بالفعل؛ أعمّ من القدرة والمادّة والآليّات(٣)، في حين أنّ في مدرسة الأشاعرة غالباً ما يطلق مصطلح: (الاستطاعة) ويراد به القدرة علىٰ الفعل، ويعتبرون الاستطاعة مرادفة للقدرة والقوّة. كما أنّ متكلّمي الأشاعرة كانوا دائماً ما يصرّون في بحث: (الاستطاعة) علىٰ أنّ الاستطاعة تكون مقارنة للفعل وليست قبل الفعل أو بعده(٤). ولكنّ الراغب أساساً لم يفتح باباً لمناقشة هذا الموضوع
__________
(١) الاعتقادات: ٢٨.
(٢) نفس المصدر: ٣٠.
(٣) نفس المصدر: ٢٧٩ـ٢٨١.
(٤) علىٰ سبيل المثال: فقد صرّح أبو جعفر السمناني المتكلّم الأشعري المعاصر للراغب الإصفهاني، بهذا الأمر قائلاً: «باب ذکر الدلالة علىٰ أنّ الاستطاعة مع الفعل. قد بیّنا أنّ
ولم يشِر إليه أبداً.
الأنموذج الآخر من استفادة الراغب واستخدامه الاصطلاحات في غير معانيها المتعارف عليها في مدرسة الأشاعرة هو استخدامه اصطلاحات مثل: (الجوهر) و(العرض) في مفهومها الفلسفي: «فالعرض لا قوام له بذاته... فالجوهر هو القائم بنفسه»(١)؛ إذن تعريف (الجوهر): هو الشيء القائم بذاته، وتعريف (العرض): هو الشيء المتقوّم بغيره، ووجوده مفتقر إلىٰ أمر وموضوع آخر(٢)، حيث يبدو جليّاً أنّه تعريف فلسفي. فإنّ هذه التعاريف لا تتلاءم مع تعاريف متكلّمي الأشاعرة والمعتزلة لـ: (الجوهر) الذي هو عندهم بمعنىٰ جوهر الفرد، أو الجزء الذي لا يتجزّأ، وبمعنىٰ الشيء الذي يشغل حيّزاً ومكاناً في العالم الخارجي. و(العرض) عندهم بمعنىٰ الشيء الذي لا يشغل حيّزاً ومكاناً في العالم الخارجي، وهذه التعاريف شاهد آخر علىٰ عدم اتّباع الراغب للمدرسة الكلامية للأشاعرة والمعتزلة.
يتّضح ممّا مرّ آنفاً أنّ توجّه الراغب لعلم الكلام ومواضيعه وطريقة تعامله معه تختلف مع توجّه متكلّمي الأشاعرة، كما أنّ اعتقاداته أيضاً لا تتلاءم مع بعض أهمّ أصولهم الفكرية. فنستنتج إذن أنّ فرضية كون الراغب أشعريّاً هو رأي غير مدعوم بالشواهد والأدلّة، فلا يمكن قبوله أبداً رغم شهرته في المحافل الكلامية وتناقلته بأفواه بعض المتكلّمين.
__________
الذي نذهب إلیه: أنّ قدرة العبد مع الفعل لا قبله ولا بعده، والقدرة والقوّة والاستطاعة معنىٰ واحد». البیان عن أصول الإیمان: ٣٢١. وانظر: التمهید: ٢٨٦ـ٢٨٩.
(١) الاعتقادات: ٧٢.
(٢) «جعل تعالىٰ بإزاء الشيء القائم بذاته وهو الجوهر، الشيء الذي قوامه بغیره وهو العرض». نفس المصدر: ١٤٥.
د) الشواهد علىٰ ميول الراغب إلىٰ السلفية وأهل الأثر:
بعد استعراضنا مجموعة من الشواهد والأدلّة التي استفدناها من كتاب الاعتقادات والتي تُبيّن مباني آرائه التي تمّ مناقتشها في كتابه، نرىٰ أنّ فرض تشيّع الراغب الإصفهاني أو اعتزاله أو ميوله نحو الأشاعرة غير صحيح، وأنّ آراءه لا تتلاءم مع الأصول الأساسية لهذه المدارس. وسنشير في هذا القسم إلىٰ شواهد من كتاب الاعتقادات التي تثبت أنّ الراغب كان متّبعاً لآراء (السلفية) ولفرقة خاصّة منها باسم (أهل الأثر). والمراد من (السلفية) هنا: هي النزعة العامّية عند أهل السنّة في اتّباع ظواهر الآيات والروايات (الكتاب والسنّة)، والتي تؤكّد علىٰ اعتبار وأصالة آراء الصحابة والتابعين وعلماء السلف في مضمار الاعتقادات والأعمال، وتشمل طائفة واسعة من السلفيّين أعمّ من أصحاب الحديث وأهل الظاهر وأهل الأثر. تُثبت دراسة كتاب الاعتقادات للراغب أنّه عالم سلفي بالمعنىٰ الذي ذكرناه آنفاً، ولديه علاقة فكرية بفرقة (أهل الأثر) دون سائر الفرق السلفية الأخرىٰ، وفيما يلي سنذكر الشواهد علىٰ ذلك:
١ـ عندما يبيّن الراغب في مقدّمة كتابه الاعتقادات هدفه من تأليف هذا الكتاب، يشير إلىٰ ما يتمنّاه من تأليف رسالة شاملة لمختلف الاعتقادات التي يحكم علىٰ أساسها بإيمان الإنسان وكفره وهدايته وضلاله، ويتمّ بها تبيين الاعتقادات الأصيلة لـ: (كبار السلف والصحابة والتابعين) التي كانوا يعتقدون بها قبل ظهور البدع(١). إنّ إشارة الراغب إلىٰ اتّباع الاعتقادات الحقّة للصحابة والتابعين (السلف) يمكن لها أن تكون شاهداً علىٰ علاقتة بالسلفية أو علىٰ أقلّ تقدير تكون شاهداً علىٰ ابتعاده من فرق مثل المعتزلة والشيعة.
__________
(١) «ورغبت رغبة صادقة أن أعمل رسالة أبیّن فیها أنواع الاعتقادات التي یحکم بها علىٰ الإنسان بالإیمان والکفر، والهدایة والضلال، وأذکر الحقّ الذي کان علیه أعیان السلف من الصحابة والتابعین، قبل أن حدثت البدع من قوم یخذلون الدین ویزعمون أنّهم أنصاره». نفس المصدر: ١٤.
٢ـ وعلىٰ رأي الراغب الذي صرّح به في كتابه فإنّ: «الفرقة الناجية هم أهل السنّة والجماعة الذين اقتدوا بالصحابة»(١)؛ وبناء علىٰ ما قاله الراغب فإنّ رضا الله عن الصحابة دليل علىٰ صحّة موقفهم وصدق حديثهم وصلاح أعمالهم؛ ونتيجة قوله بصحّة اعتقاداتهم وطريقتهم هي حجّيّة اتّباعهم. فإنّ الحديث المنسوب للنبي صلىاللهعليهوآلهالذي قال فيه: «أصحابي کالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم» يحكي عن أنّ اتّباع الصحابة في واقع الأمر هو اتّباع النبي صلىاللهعليهوآله. فعلىٰ عقيدة الراغب أنّه من واجب المؤمن أن يعمل بما كان محلّ إجماع الصحابة وأن لا يتجاوزها(٢).
هنا أيضاً يمكن أن يكون تأكيد الراغب ـ علىٰ الاقتداء بالصحابة واعتباره أنّ الفرقة الناجية إنّما تنحصر في أهل السنّة فقط ـ شاهد علىٰ انتمائه السلفي أو علىٰ أقلّ تقدير يكون شاهداً علىٰ ابتعاده من فرق مثل ا لمعتزلة والشيعة، والسبب علىٰ أنّنا لا نستطيع أن نعدّ اتّباع الصحابة لوحده دليلاً قاطعاً علىٰ كون الراغب سلفيّاً هو أنّ الأشاعرة أيضاً هم الآخرون قد عرّفوا أنفسهم من أتباع الصحابة والفرقة الناجية(٣)، وبناء علىٰ هذا فإنّ مجرّد التصريح باتّباع الصحابة (السلف) لا يمكن
__________
(١) نفس المصدر: ٢٦.
(٢) نفس المصدر: ٢٧.
(٣) من باب المثال نذكر فقط مقولة سیف الدین الآمِدي الأشعري الذي اعتبر فیها الأشاعرة والسلفية هم الفرقة الناجية ممّن اتّبع الصحابة السلف: «وأمّا الفرقة الناجية: وهي الثالثة والسبعون، فهي ما كانت علىٰ ما كان النبي (صلىٰ اللّه عليه وسلم) وسلف الصحابة علىٰ ما سبق من قوله (عليه السلام) حين قيل له من الفرقة الناجية قال: (هم الذين علىٰ ما أنا عليه وأصحابي) وهذه الفرقة هي: الأشاعرة، والسلفية من المحدّثين وأهل السنّة والجماعة؛ وذلك لأنّهم لم يخلطوا أصولهم بشيء من بدع القدرية، والشيعة، والخوارج، والمرجئة، والنجّارية، والجبرية، والمشبّهة، ممّا سبق تحقيقه من بدعهم وأقوالهم». أبکار الأفکار ٥/٩٦.
أن نعدّه دليلاً قطعيّاً علىٰ السلفية بالمعنىٰ الذي ذكرناه. ولكن نظراً إلىٰ الشواهد التي عرضناها التي تنفي علاقة الراغب بالفكر الأشعري فلا شكّ إذن في ارتباطه الفكري بالسلفية.
٣ـ صرّح الراغب الإصفهاني في الفصل الأوّل من كتابه الاعتقادات بأمرٍ وهو أنّ كلّ مسلم عليه أن يعتقد بالأصول الاعتقادية السبعة التالية:
أ: أنّ الله واحد وليس له شبه بأيّ من الموجودات، وإنّما يشترك معهم فقط في بعض الصفات اشتراكاً لفظيّاً.
ب: هو الله الحيّ والعالم والقادر والسميع والبصير والمتّصف بسائر الصفات التي ذكرتها له الشريعة وأجمعت عليها الأمّة الإسلامية؛ ولكنّ صفاته هذه غير محسوسة ولا جسمانية؛ وإنّما معاني هذه الصفات هي التي بلغتنا من السلف وليس لنا أن نتجاوزها في بابها بحثاً ونقاشاً.
ج: إنّ الله عزّ وجلّ هو الخالق لجميع الأفعال وإن نسبت للعباد.
د: إنّ سائر الناس لله عزّ وجلّ أن يرحمهم ويغفر لهم أو يعذّبهم، سوىٰ من أجمعت الأمّة علىٰ كفرهم.
هـ: الإيمان هو ما انعقد عليه الجنان وأقرّ به اللسان والعمل بمقتضاهما، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
و: القرآن كلام الله عزّ وجلّ، ولا يصحّ القول بوصفه مخلوقاً، وكلام الله لا يشترك مع كلام سائر المخلوقات إلّا من حيث اللفظ والاسم فقط.
ز: يقول بقبول خلافة خلفاء النبي صلىاللهعليهوآلهإلىٰ ثلاثين سنة من بعد وفاته صلىاللهعليهوآلهه ، ولابدّ من التوقّف بعد ذلك في خلافة الولاة.
ثمّ أكّد الراغب الإصفهاني بعد ذلك أنّ من اعتقد بهذه الأصول الاعتقادية
يرجىٰ أن يكون في سلامة من دينه. وعلىٰ حدّ تعبيره: أنّ هذه الأصول هي التعاليم التي بلغتنا عن أئمّة الإسلام مثل: مالك بن أنس وليث بن سعد والأوزاعي وسُفيان الثوري وابن عُیَینه والشافعي وأحمد بن حنبل(١).
ويمكننا من خلال بعض المعتقدات التي ذكرها الراغب، وكذلك من خلال إسنادها إلىٰ أئمّة السلف وأصحاب الحديث سوف تتوضّح لنا نزعته السلفية وعلاقته بهم. والملفت للنظر أنّ الراغب لم يذكر أبا حنيفة من بين الأئمّة الأربعة من أهل السنّة، ولم يذكره في ضمنهم؛ وهذا الأمر يكفي في أنّ فرضيّة كون الراغب ماتريدي المذهب لا أساس لها من الصحة. وكذلك فإنّ عدم ذكره أبا الحسن الأشعري في ضمن أئمّة المسلمين أمارة علىٰ عدم اعتنائه بالأشعري ومدرسته.
وبالرغم من أنّ أغلب الأشاعرة أيضاً سعوا للاجتناب عن أن يتّهموا بتهمة البدعة ـ كما اتُّهم بها المعتزلة ـ فعرّفوا مذهبهم علىٰ أنّه هو نفس مذهب السلف، وأنّه يستند إلىٰ التعاليم التي وصلت منهم، ولكنّهم صرّحوا في مواطن عديدة وأكّدوا أنّ أصولهم الفكرية إنّما هي مستقاة من آراء أبي الحسن الأشعري، وأنّ الرأي الحقّ في باب الاعتقادات هي آراء أبي الحسن الأشعري لا غير؛ علىٰ سبيل المثال: فإنّ أبا إسحاق الشيرازي (ت ٤٧٦هـ) ـ المتكلّم الأشعري المعروف ـ صرّح في عدّة مواضع من كتابه: (الإشارة إلىٰ مذهب أهل الحقّ) أنّ الطريق الحقّ ومذهب أهل الحقّ هو طريقة أبي الحسن الأشعري ومذهبه، حيث قال: «فمن اعتقد غير ما أشرنا إليه من اعتقاد أهل الحقّ المنتمين إلىٰ الإمام أبي الحسن الأشعري رضي الله عنه فهو كافر»(٢).
__________
(١) الاعتقادات: ٢٨ـ٣١.
(٢) الإشارة إلىٰ مذهب أهل الحقّ: ٢٧٥.
وذكر أيضاً في نهاية الكتاب قائلاً: «فمن كان في الفروع علىٰ مذهب الشافعي، وفي الأصول علىٰ اعتقاد الأشعري، فهو معلّم الطريق وهو علىٰ الحقّ المبين»(١).
في حين أنّ خير شاهد علىٰ قلّة اهتمام الراغب بالمذهب الأشعري هو عدم ذكره أبا الحسن الأشعري في كتابه الاعتقادات لا في زمرة أئمّة الإسلام ولا في عبارات هذا الكتاب أشارة إلىٰ اسمه ورأيه في المسائل الكلامية حتّىٰ ولا لمرّة واحدة، فلو كان من أتباع المذهب الأشعري لذكره وذكر آراءه ودافع عنها في موضع من كتابه ـ علىٰ أقلّ تقدير ـ مثله مثل سائر متكلّمي الأشاعرة؛ مضافاً إلىٰ ذلك فإنّ الراغب لم يذكر أيّ واحد من متكلّمي الأشاعرة سواء أكانوا من معاصريه أم ممّن سبقوه مثل: أبو الحسن الباهلي وأبو عبد الله بن مجاهد وأبو بکر الباقِلّاني وأبو بكر محمّد بن الحسين بن فورك وأبو إسحاق إبراهيم بن محمّد المهراني وأبو الحسن علي بن مهدي الطبري وأبو العبّاس القلانسي، وذلك خلافاً للطريقة المعهودة عند متكلّمي الأشاعرة الذين اعتادوا ذكر أسماء أسلافهم من المتكلّمين حين تناولهم مختلف المسائل الكلامية ونقل آرائهم، ويمكن أن يكون هذا الأمر قرينة أخرىٰ علىٰ عدم انتماء الراغب لمدرسة الأشاعرة.
٤ـ لقد أشار الراغب في بحث صفات الباري عزّ وجلّ ـ هل هي توقيفية أم عقلية؟ ـ إلىٰ رأي (أهل الأثر) الذين يعتقدون أنّ صفات الباري عزّ وجلّ توقيفية، ولا يمكن إطلاق أيّ من الصفات عليه إلّا التي جاءت فيها رواية أو أجمعت عليها الأمّة. ثمّ أكّد علىٰ صحّة هذا الرأي وأيّده بآيات من القرآن(٢).
__________
(١) نفس المصدر: ٢٨٣.
(٢) «ذكر أهل الأثر أنّ الله عزّ وجلّ لا يصحّ أن يوصف إلّا بما ورد السمع به من حيث يقطع علىٰ صحّته أو ما أجمعت الأمّة عليه، وما عدا ذلك فمردود، وهذا هو الصحيح وإليه أشار بقوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾». الاعتقادات: ٧٩.
٥ـ وفي موضوع تفسير الصفات الذاتية للباري عزّ وجلّ، وتبيين نسبة هذه الصفات للذّات الإلهية، نجد أنّ الراغب بعد أن ناقش آراء المعتزلة والأشاعرة في هذا الباب أشار إلىٰ رأي (أهل الأثر) ومذهبهم في هذا الشأن؛ وبناء علىٰ ما ذكره فإنّ أهل الأثر يعتقدون أنّ الله حيّ وعالم وقادر، ولكنّ معاني هذه الصفات في الله لا تساوي معانيها في الإنسان ولا تكافؤها، فكون الإنسان عالماً، أي: بمعنىٰ وجود هيئة فيه تؤدّي إلىٰ تصوّر معلوم فيه، وكون الإنسان قادراً، أي: بمعنىٰ وجود هيئة فيه تصدر منها أفعاله، فالعلم والقدرة عند الإنسان ـ في واقع الأمر ـ هي أسامي تلك الهيئات، وبناء علىٰ هذا فإنّ وجود هذه الهيئات في الإنسان تؤدّي إلىٰ تركيب الذات الإنسانية. وأمّا كون الباري عزّ وجلّ عالماً، أي: بمعنىٰ أنّه لا يخفىٰ عليه شيء، وإطلاق: (العلم) للباري سبحانه وتعالىٰ، أي: بمعنىٰ: (عدم الجهل)، وعلىٰ هذا المنوال فكون الباري قادراً، أي: بمعنىٰ عدم العجز، وكونه حيّاً، أي: بمعنىٰ أنّه لا فناء له. وبناء علىٰ ذلك فإنّ تفسير صفاته عزّ وجلّ بهذا النحو لا يؤدّي إلىٰ باطل التركيب والكثرة فيه. هذا وإنّ الفرق المذكور في معنىٰ هذه الصفات إنّما هو في إطلاقها مرّة علىٰ الإنسان ومرّة علىٰ الباري عزّ وجلّ، وبناء علىٰ ذلك يمكن أن نفهم أيضاً أنّ هذه الصفات حين إطلاقها علىٰ الإنسان تكون قابلة للاستثناء، وكذلك أيضاً يمكن أن يصدق عليها النقيض من وجه آخر؛ مثال ذلك عندما يقال الإنسان عالم بـ: (الألف) وجاهل بـ: (الباء)؛ أو يقال الإنسان عالم سوىٰ بالأمر الفلاني، ولكن لا يمكن لهذه الصفات أن تكون مقرونة بالاستثناء حينما تطلق علىٰ الباري جلّ وعلا، كما لا يصدق عليه نقيضها(١)، فمن وجهة نظر الراغب الإصفهاني أنّ
__________
(١) «مذهب أهل الأثر، هو أنّ الله تعالىٰ حي عالم قادر، وأنّ له قدرة وحياة وعلماً، وأن ليس معنىٰ شيء من ذلك إذا استعمل في الله عزّ وجلّ معناه إذا استعمل فينا، وذلك أنّ العالم إذا استعمل في
صفات الباري عزّ وجلّ لا تشبه صفات المخلوقات بأيّ وجه من الوجوه، والوجه المشترك بينهما إنّما في الشبه الموجود في اللفظ والاسم فقط(١)، ويرىٰ الراغب أنّ الاعتقاد بالاشتراك المعنوي في الصفات بأن تكون معاني الصفات مثل: (العالم والقادر) مشتركة بين الإنسان والباري عزّ شأنه ومتساوية مردود؛ لأنّه يلزم التشبيه(٢). وهنا أيضاً رجّح الراغب الإصفهاني رأي (أهل الأثر) فيما يخصّ تفسير صفات الباري تبارك وتعالىٰ وتبيين نسبتها للذات الإلهية، ولكنّه خلافاً لرأي بعض (أهل الأثر) فإنّه يعتقد بعدم وصف بعض صفات الباري مثل علمه وقدرته بـ: (القِدَم) بنحو قطعي؛ وذلك لأنّ صفة الإحسان هي الوحيدة التي وصفت في الشريعة بالقدم: (يا قديم الإحسان)، ولم يُذكر في مكان ما أنّ علم الله قديم، كما أنّه لم يرد الإجماع من جانب أئمّة السلف علىٰ أنّ صفات الباري تتّصف بالقدم؛ وبناء علىٰ عدم وجود دليل شرعي علىٰ ذلك ولا إجماع عليه إذن علينا أن نلتزم السكوت في باب اتّصاف صفات الباري جلّ شأنه بـ: (القِدَم)، ولا شكّ إذا ثَبُت لدينا إجماع السلف علىٰ اتّصاف صفات الباري عزّ وجلّ بـ: (القِدَم) فحينها علينا أن نتّبع
__________
غير الله فمعناه أنّه اختصّ بهيئة اقتضت تلك الهيئة أن يتصوّر بمعلوم ما، والقادر اذا استعمل فينا يراد أنّ له هيئة يصدر عنها فعله، والعلم والقدرة اسم الهيئتين اللتين يصحّ بهما منه ذلك الفعل، وهذا يقتضي ترکيباً فينا؛ فأمّا إذا استعمل في الله عزّ وجلّ فمعنىٰ العالم فيه أنّه لا يخفىٰ عليه شيء، ومعنىٰ القادر فيه تعالىٰ أنّه لا يعجزه شيء، ومعنىٰ الحي فيه أنّه لا يجوز عليه الفناء، فمعنىٰ العلم والقدرة والحياة إذاً في الله تعالىٰ إشارة إلىٰ ارتفاع الجهل والعجز والفناء». نفس المصدر: ٨٧ـ٨٨.
(١) نفس المصدر: ٣٠.
(٢) «فقد أثبت التشبیه من حیث جعل معاني هذه الألفاظ فینا وفیه واحداً مشترکاً». نفس المصدر: ٤٩.
ذلك(١). وقد تكرّر منه أيضاً نفس هذا الموقف في كتابه: (مفردات ألفاظ القرآن)، حيث صرّح هناك أنّ وصف: (القديم) لم يطلق علىٰ الله تبارك وتعالىٰ لا في القرآن ولا في أيّ خبر صحيح، بالرغم من أنّ المتكلّمين استعملوا هذا اللفظ ووصفوا به الباري جلّ شأنه(٢). وفي مكان آخر في كتابه: (الاعتقادات) ـ فيما يخصّ وصف الباري بـ: (الإرادة) بأنّه: (قديم) أو (محدث)؟ ـ فقد أدلىٰ الراغب بنفس هذا الرأي؛ وعلّل ذلك بأنّ العقل يحكم بتنزيه الباري عزّ وجلّ عن وصفه بألفاظ يكون لها وجه مشترك بينه وبين مخلوقاته، ولابدّ أن نصفه بأوصاف يقوم عليها دليل شرعي فحسب(٣).
إنّ اعتقاد الراغب بالاشتراك اللفظي للصفات بين الباري تعالىٰ والمخلوقات، وفي نفس الوقت اتّخاذه موقفاً سلبيّاً وتنزيهيّاً في باب تفسير المعاني ومفهومها، وكذلك احترازه عن اتّصاف هذه الصفات بوصف: (القِدَم) هو منهج خاصّ في تفسير معاني الصفات الإلهية لا يتلاءم لا مع آراء الأشاعرة ولا حتّىٰ مع الكثير من السلفية أيضاً.
__________
(١) «فإن قيل: فهل نَصِفُ قدرة الله وعلمه بالقِدَم كما ذكره بعض أهل الأثر؟ قيل: لا نَصِفه بذلك، وذلك أنّه تقدّم القول أنّا لو تركنا وعقولنا لأحجمنا عن وصفه تعالىٰ بكلّ لفظ يقتضي موضوعه کيفية أو زماناً أو مكاناً أو انفعالاً، وإنّما جوّزنا ذلك اتّباعاً للشرع، ولم يرد الشرع بوصف علمه وقدرته بالقِدَم، وإنّما ورد عنه: (یا قدیم الإحسان) فجوّزنا ذلك وتوقّفنا عمّا لم يرد به الشرع، ولم يرد السمع بأنّ علمه قدیم فسكتنا عن ذلك. فإن قيل: فقد أجمع الذين قالوا له علم وقدرة أنّه يوصف بالقِدَم. قيل: هذا دعوىٰ إجماع ما أرىٰ ثبته وتصحيحه عن الأئمّة من الأسلاف، فإن ثبت ذلك عنهم حينئذٍ تبعناهم في الاستعمال، ونزّلناه علىٰ حسب ما يقتضي». نفس المصدر: ٨٩.
(٢) مفردات ألفاظ القرآن: ٦٦١.
(٣) «أنّا لو تُركنا ومجرّد العقل لنزّهناه تعالىٰ عن الوصف بلفظ مشترك، وأنّ الذي أطلقنا عليه من ذلك هو ما ورد به السمع». الاعتقادات: ٢٧٠.
إنّ المنهج التنزيهي للراغب في باب صفات الباري تعالىٰ لا يقتصر علىٰ تفسير الصفات الذاتية له سبحانه، فقد اتّخذ الراغب نفس الأسلوب حتّىٰ في باب مفاهيم مثل: (العرش) و(الكرسي) أيضاً، وحذّر المؤمنين عن اتّخاذ أيّ معنىٰ محسوس لها(١)، فإنّه يرىٰ أنّ الناس لا يستطيعون فهم حقيقة: (العرش والكرسي) ولا يستطيعون تصوّرها، وإنّما يدركون منها ألفاظها فقط، ولا ينبغي حمل هذه الألفاظ علىٰ معانيها المحسوسة(٢). ويرىٰ الراغب أنّ وصف الباري تعالىٰ بكونه موجوداً في السماء أو نزوله منها أو باستوائه علىٰ العرش ليس بمعنىٰ كونه موجوداً في مكان، فإنّ الله عزّ وجلّ لا مكان له(٣).
٦ـ إنّ الراغب عندما تناول موضوع التعاليم الدينية هل هي عقلية محضة؟ أم نبويّة (شرعيّة) محضة؟ أم أنّها خليط من الأمرين؟ أشار إلىٰ ثلاث نظريّات أصلية؛ رأي (البراهمة) المنكرين للنبوّة، ثمّ بعد ذلك بيّن مذهب (أهل الحديث) المعتقدين بأنّ الواجبات الدينية كلّها نبويّة (شرعيّة)، ثمّ ذكر رأي أغلب (أهل الأثر) الذين يعتبرون بعض الواجبات الدينية عقلية وبعضها الآخر شرعية، ثمّ
__________
(١) «وإیّاك أن تتصوّر بهذه الألفاظ شیئاً من المحسوسات». نفس المصدر: ١٠٥.
(٢) «عرش الله وكرسيّه ممّا لا يعلم البشر منها إلّا مقدار ما اطّلع الله عليه، وهما من الأشياء التي ليس عند البشر في الحقيقة منهما إلّا اسمه، ولا يصحّ له تصوّره، وذلك أنّه لا يصحّ أن يتصوّر الإنسان إلّا ما أحسّه أو أحسّ له مثلاً، ومعلوم أنّ المحسوس لنا من العرش أنّه هو الغرفة أو السرير الذي يقعد عليه الملك، أو عرش الكرم أو عربته، ولیس عرش الله بشيء من ذلك». نفس المصدر: ١٠٣. وقد أكّد الراغب أيضاً علىٰ هذا الرأي في كتابه مفردات ألفاظ القرآن: «وعرش الله ما لا یعلمه البشرُ علىٰ الحقیقة إلّا بالإسم، ولیس کما تذهب إلیه أوهام العامّة؛ فإنّه لو کان کذلك لکان حاملاً له تعالىٰ عن ذلك لا محمولاً». مفردات ألفاظ القرآن: ٥٥٨.
(٣) الاعتقادات: ١٠٦.
تطرّق بعد ذلك إلىٰ نقد رأي (البراهمة) و(أهل الحديث)، ولكنّه سكت في باب رأي (أهل الأثر)، حيث يتبيّن من ذلك رضاه برأيهم وموافقته لهم(١)، بناء علىٰ هذا فإنّ الراغب قد وافق (أهل الأثر) في عقيدتهم في المسألة المذكورة آنفاً، ولم يقبل رأي مذهب (أهل الحديث). وقد أشار الراغب في نقد (أهل الحديث) بأنّ هؤلاء لم تكن لهم دقّة وإمعان نظر، فإنّ بعض الأحكام الدينية مثل: معرفة الباري تعالىٰ، وجوب شكر النعم، القبح والظلم والخيانة والكذب، هي من مرتكزات عقل الإنسان، حيث يدرك حسنها وقبحها فطريّاً، وإنّما يفتقر للعمل بها إلىٰ التنبيه، والبعض الآخر من الأحكام هي لابدّ أن تبيّن له من الخارج فحسب، وقد أشار الراغب ـ تأييداً لكلامه ـ إلىٰ أنّ الأطفال يستقبحون القبائح ويستحسنون المحاسن من دون أيّ معرفة لهم بالشريعة(٢). بناء علىٰ هذا فمن وجهة نظر الراغب أنّ الأمر ليس كذلك؛ أي: أن تكون جميع الأحكام دينية نبوية (شرعية)، فإنّ ذكر هذا الأمر من قبل الراغب يبيّن اعتقاده بالحسن والقبح العقلي في بعض المسائل، بحيث لا يتلائم مع آراء أغلب الأشاعرة.
ومن خلال الفرق الذي وضعه الراغب هنا بين مذهبي (أهل الحديث)
__________
(١) نفس المصدر: ١١٥ـ١١٧.
(٢) «ولم يمعنوا النظر حتّىٰ يعرفوا بین ما هو مركوز في العقل يحتاج إلىٰ تنبيه الإنسان له وبين ما يستفاد من خارج، وإذا اعتبر حال الصبيان المتعرّين من العادات القبيحة، عَلِم ذلك أنّهم يستقبحون مقابح ويستحسنون محاسن من غير معرفتهم بالشرع وإلىٰ هذه المعارف التي هي معرفة الله علىٰ طريق الإجمال ووجوب شكر النعم وقبح الظلم والغدر والخيانة والكذب والمتعرّية من النفع ودفع المضرّة؛ أشار تعالىٰ بقوله: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾». نفس المصدر: ١١٧.
و(أهل الأثر) يتبيّن أنّ عنوانَي: (أهل الحديث) و(أهل الأثر) في عصره كانا عبارة عن مذهبين مستقلّين ومتمايزين بعضهما عن البعض الآخر، ويحتمل أن يكون لكلّ واحد منهما هويّته المستقلّة وكونه فرقة علىٰ حدة، بناء علىٰ هذا لا ينبغي أن نعتبر (أهل الحديث) أو (أصحاب الحديث) مع (أهل الأثر) أو (أصحاب الأثر) بأنّهم كانوا علىٰ حدّ سواء ـ علىٰ أقلّ تقدير ـ في عصر الراغب الإصفهاني.
٧ـ وفي مسألة نشأة الموجودات وصيرورتها؛ فبعد أن نقل الراغب آراء أصحاب التناسخ والثنوية والمجوسية وقدماء الفلاسفة والمعتزلة تطرّق إلىٰ توضيح أراء (أهل الحقّ) و(أصحاب الأثر) و(حكماء المسلمين) في هذا الباب، حيث يعتبرون ظهور جميع الموجودات وبقاءها هي من فعل الباري تعالىٰ ومرتبطة به، ثمّ يدعم رأيهم بآية من القرآن الكريم، حيث يبدو من خلال ذلك ـ ظاهراً ـ قبول الراغب للرأي المذكور آنفاً(١).
٨ـ نقل الراغب رأي (أهل الأثر) فيما يخصّ خلق الأرواح قبل الأبدان، واعتبر أنّ الآيات القرآنية والروايات تؤيّد ذلك، وقد أكّد ـ بعد أن استند بآية الذرّ تأييداً لهذا الرأي ـ علىٰ أنّ من لم يستفِد من مثل هذه الآيات استفادة عقلية، ويأخذها ويفسّرها تفسيراً حسّياً فإنّه سوف يعتبر هذا النوع من الآيات خرافة(٢). وهنا كذلك
__________
(١) «وأمّا أهل الحقّ وأصحاب الأثر وحكماء المسلكين [کذا: المسلمین] فقالوا: إنّ الذوات وجواهرها وأعراضها لم تصِر ذواتاً وأعراضاً إلّا بالله تعالىٰ، وإنّ ما حدث إنّما حدث لأنّ الله تعالىٰ فعل حدوثه، وما بقي إنّما بقي لأنّ الله تعالىٰ فعل بقاءه ولم يبقَ ما لم يبقَ لأنّ الله تعالىٰ لم يفعل له البقاء، وكلّ شيء عري من حفظ الله تعالىٰ لم يبقَ ولا طرفة عين؛ كما قال تعالىٰ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ﴾ ». نفس المصدر: ١٩٧.
(٢) «وعند أهل الأثر إنّ الله تعالىٰ خلق الأرواح قبل الأجساد علىٰ ما ورد به الخبر: (ولم یکن
نرىٰ الراغب يميل إلىٰ رأي (أهل الأثر) فيما يخصّ هذا الموضوع ويؤيّدهم في ذلك.
٩ـ وقد تطرّق الراغب في مسألة شرور العالم إلىٰ بيان آراء المذاهب السبعة في هذا الموضوع؛ وذكر المذهب السادس من بين هذه المذاهب ـ مذهب الأشاعرة ـ حيث كانوا يعتقدون أنّ كلّ فعل يفعله الباري في شأن العباد هو فعل حسن؛ لأنّه خالقهم ومالكهم، ولا يلزم أن تكون في تلك الأفعال حكمة حتّىٰ تصدر منه علىٰ أساسها تلك الأفعال. ولم يعترض الراغب علىٰ هذه النظرية ولكنّه أشار بعد ذلك إلىٰ مذهب (أهل الأثر) والمحقّقين من الصوفية والحكماء القائلين بوجود الحكمة في أفعال الباري عزّ وجلّ وإن خفيت عن العباد(١).
وبما أنّ الراغب نقل هذه النظرية بصفتها الرأي الأخير واعتبرها الرأي المختار لمحصّلي الصوفية والحكماء أيضاً؛ وليس فقط أنّه لم يعترض عليها فحسب، بل
__________
شیئاً ثمّ خلق الأبدان فنفخ فيها الروح)، كما قال تعالیٰ: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾، ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾، وإنّه تعالىٰ لمّا خلق آدم عليهالسلام أخرج نسمة منه فنثرها بين يديه كالذرّ ثمّ كلّمهم فقال تعالی: ﴿أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ﴾، ومن لم يعتبر بما ورد به القرآن ودلّ عليه الآثار اعتباراً روحانیّاً عقليّاً، بل اعتباراً حسّياً عدّ ذلك خرافة وسخفاً». نفس المصدر: ١٩٧.
(١) «والسادس: مذهب الأشعرية: أنّ الله تعالىٰ يفعل بعباده ما يشاء لا لحكمة تقتضي ذلك سوىٰ أنّه حسن منه كلّ ما يفعله؛ لأنّه خالقهم ومالكهم وللخالق المالك أن يفعل بخلقه وملکه ما يشاء، ولا اعتراض عليه. السابع: مذهب أهل الأثر ومحصّلي الصوفية والحكماء: أنّ لله تعالىٰ في فعله حكمة، ولكن بعضها يخفىٰ علىٰ جلّ الناس أو كلّهم لقصور أفهامهم، وليس جهل الجاهل بحكمته قدحاً فيها، وما عجزوا عنه فحكمهم الاستسلام، وذلك يذكر من بعد فإنّ هذا من القدر الذي أمرنا أن لا نبحث عنه ولا يظهره من اطّلع عليه، حيث قال عليه السلام: (القدر سرّ من أسرار الله فلا تفشوا سرّه)». نفس المصدر: ٢٥٢ـ٢٥٣.
تطرّق لنقل رواية تؤيّدها ضمنيّاً أيضاً، يفهم من كلّ ذلك ميل الراغب إلىٰ هذه النظرية وتأثّره بها وهي النظرية التي ذهب إليها (أهل الأثر) أيضاً.
١٠ـ وقد أشار الراغب ـ في مسألة كيفية خلق الأفعال ـ إلىٰ آراء فرقتين فقط: الأولىٰ: قول المعتزلة القائلين بأنّ أفعال الإنسان مخلوقة، وهي من خلقهم وليست من خلق الله عزّ وجلّ؛ والنظرية الأخرىٰ: هي نظرية (أهل الأثر) القائلين بأنّ الباري هو الخالق لأفعال الإنسان، وذلك بناء علىٰ ظواهر الآيات والروايات(١). ويخلص الراغب في خصوص هذا البحث إلىٰ اختيار نفس رأي (أهل الأثر)، ويوضّح أنّ الأشياء الموجودة في العالم ـ والتي وجد كلّ واحد منها بنحو خاصّ ليصدر منه فعلاً خاصّاً ـ كلّها مخلوقة من قبل الباري عزّ وجلّ إمّا من الناحية التكوينية أو من حيث الإبداع أو من حيث التقدير. فإنّ أفعال الإنسان أيضاً مخلوقة من قبل الباري جلّ شأنه، وقد نسبت إليه؛ لأنّه هو خالقها بالرغم من أنّها تنسب للإنسان بألفاظ مثل: (الفعل) و(العمل) و(الكسب)(٢).
إنّ ترجيح مذهب (أهل الأثر) من قبل الراغب واختياره لهم يمكن أن نفهمه من خلال وصفه لهم بـ: (أهل الحقّ) في كتابه الاعتقادات؛ حيث نراه ـ أحياناً ـ يذكر إلىٰ جانب اسم: (أهل الأثر) أو (أصحاب الأثر) عنوان: (أهل الحقّ)، وهو العنوان الذي يشير إلىٰ أصحاب الرأي الحقّ والصحيح(٣)، ويعتبر هذا الأمر بحدّ ذاته تأييداً لرأي (أهل الأثر).
__________
(١) «اختلف الناس في أفعال البشر، فقالت المعتزلة: هو خلقهم دون خلق الله، وذهب أهل الأثر إلىٰ أنّ الله تعالىٰ خالقها اعتماداً علىٰ الظواهر». نفس المصدر: ٢٧٧.
(٢) «أنّه یصحّ نسبة أفعال الإنسان إلىٰ الله تعالىٰ علىٰ سبیل الخلق، وإن کان منسوباً إلىٰ متعاطیه بلفظ الفعل والعمل والکسب». نفس المصدر: ٢٧٩.
(٣) كنموذج انظر: نفس المصدر: ٦٣، ١٩٧، ١٩٨.
لكن ما هو المذهب المقصود من (أهل الأثر) أو (أصحاب الأثر) الذين ذكرهم الراغب وأخذ بآرائهم؟ وإلىٰ أيّ اتّجاه وأشخاص تشير هذه العناوين؟ هذه مسألة جديرة بالتأمّل وتحتاج إلىٰ البحث الدقيق بالتأكيد؛ فإنّ مفهوم اصطلاح (الأثر) في القرون الأولىٰ كان أعمّ من (الحديث)، وفضلاً عن الأحاديث المروية عن النبي صلىاللهعليهوآلهه فكذلك أيضاً يشمل الروايات والأخبار التي تحكي أقوال وأفعال الصحابة والتابعين(١). وقد عرّف بعض المحقّقين عنوان: (أصحاب الآثار) بصفته العنوان القديم لـ: (أصحاب الحديث) الذي كان سائداً في القرن الثاني الهجري، ففي واقع الأمر أنّهم لا يعتبرون هناك فرقاً بين هذين المذهبين(٢)، في حين أنّ الراغب في القرن الرابع الهجري قد ميّز بين مذهبي (أصحاب الحديث) و(أصحاب الأثر) ـ كما رأينا آنفاً ـ وقد أطلق هذين العنوانين علىٰ جهتين ومذهبين متمايزين ومختلفين كانا موجودين في زمان حياته وكان لهما نشاطهما. ويتبيّن ـ علىٰ أقلّ التقديرات ـ من خلال الأوصاف والبحوث التي نقلها الراغب عن (أهل الأثر) أو (أصحاب الأثر) وما عرضه من آرائهم أنّهم من حيث الاتّجاه الفكري من أتباع علماء السلف الذين كانوا يؤكّدون علىٰ اتّباع ظواهر الآيات والروايات. كما وقد عرّف الراغب (أهل الأثر) في كتابه الاعتقادات أنّهم أشخاص مطّلعون علىٰ قصص القرآن ومختصّون بمعرفة قصصه(٣). وقد أشار بعض المحقّقين أيضاً
__________
(١) دائرة المعارف بزرگ إسلامي ٩/١١٤ (مدخل: أصحاب حدیث).
(٢) «ثلّة من علماء السنّة في القرن الثاني الهجري أتخذوا موقفاً في مواجهة أصحاب الرأي، وقد ذكرتهم المصادر المتأخّرة بصفة عامّة تحت عنوان: (أصحاب الحدیث)، حيث أُطلق عليهم في عصرهم اسم: (أصحاب الأثر) أو (أصحاب الآثار) وبه كانوا يدعون». تمّ ترجمة النصّ من دائرة المعارف بزرگ إسلامي ٩/١١٤ (مدخل: أصحاب حدیث).
(٣) «فالبلیغ یختصّ بمعرفة بلاغته وفصاحته، والفقیه یختصّ بمعرفة أحکامه، وأهل الأثر
بأنّ عنوان: (أهل الأثر) في واقع الأمر هو إشارة إلىٰ فرقة من الجانب الفكري لها ميول قريبة من الحنابلة، ولكن في نفس الوقت أنّ (أهل الأثر) يختلفون عن الحنابلة في بعض الجهات المهمّة الأخرىٰ(١)؛ لكنّ قبول هذه النظرية ـ وهي: أنّ (أهل الأثر) تعتبر فرقة قريبة من المذهب الحنبلي ـ يواجه شيئاً من التعارض مع الرأي الذي صرّحت به بعض المصادر والقائلة باتّباع الراغب للمذهب الشافعي(٢).
وبالرغم من استنتاجنا أنّ الراغب الإصفهاني كانت نزعته ـ من الجانب العقائدي ـ لفرقة من السلفية باسم: (أهل الأثر)، وأنّه بشكل عامّ كان أقرب إليهم في الجانب الفكري من غيرهم من الفرق، لكن علينا أن نسلّم بأنّ بعض ما يمتاز به الراغب من أفكار وآراء تختلف مع ما نعرفه من آراء وأفكار أكثر السلفية، ولا يمكن تصوّرها في إطار الفكر السلفي. ويمكن أن نشير هنا إلىٰ بعض الخصائص الفكرية للراغب الإصفهاني التي يبدو منها أنّها نوعاً ما لا تتلاءم مع الفكر السلفي وهي عبارة عن:
أوّلاً: الميول الفلسفية للراغب:
إنّ الجانب الفلسفي هو أحد الوجوه البارزة لشخصية الراغب العلمية، حيث
__________
یختصّون بمعرفة قصصه». الاعتقادات: ١٧٧.
(١) Key, Alexander, A Linguistic Frame of Mind: ar-Rāġib al-Iṣfahānī and What It Meant to be Ambiguous, p. ٨٥.
(٢) «المعتزلة هم الفرقة الرابعة من أصحاب الشافعي وكان رئيسهم الماوردي والراغب الإصفهاني وابن رسته الإصفهاني». تبصرة العوامّ في معرفة مقالات الأنام: ٢٦٥. وانظر: نفس المصدر: ٢٧٣. وقد ذكر الخوانساري في كتاب مُحاضَرَات الأدباء أيضاً الراغب الإصفهاني كونه من الشافعية، وذلك بناء علىٰ آرائه الفقهية: «وکان من الشافعیة کما استفید لنا من فقه محاضراته». روضات الجنّات ٣/١٩٧.
كانت النزعة الفلسفية للراغب الإصفهاني بارزة إلىٰ حدّ بحيث أورد اسمه ابن فندق البيهقي (ت ٥٦٥هـ) في كتابه: (صوان الحكمة أو تاريخ حكماء الإسلام) في زمرة حكماء الإسلام وأضاف قائلاً: «وهو الذي جمع بين الشريعة والحكمة في تصانيفه»(١). فالرغبة التي أبداها الراغب الإصفهاني لمناقشة بعض البحوث الفلسفية ونقل أقوال (الحكماء) في كتبه ـ ومن بينها الذريعة إلىٰ مکارم الشريعة وتفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين والاعتقادات ـ يتبيّن منها ميوله لعلم الفلسفة، علماً بأنّ هذا التوجّه نادر بين متقدّمي السلفية، حيث إنّ أغلبهم لا ينسجمون مع العلوم العقلية ولا يميلون إليها، في حين نرىٰ تعاطف الراغب في جميع الموارد التي بيّن فيها أقوال الحكماء وآراءهم في كتابه: (الاعتقادات) ونظر إلىٰ تلك الآراء نظرة موافقة ولم ينتقِدها، وهناك نماذج عديدة في كتاب الاعتقادات نرىٰ اهتمام الراغب بأقوال الحكماء وآرائهم والتعويل عليها(٢)، ويجدر الالتفات إلىٰ أنّ الراغب ـ في جميع هذه الموارد ـ إنّما ينقل آراء وأقوال الحكماء ويعوّل عليها من باب موافقته لهم؛ فعلىٰ سبيل المثال: أشار الراغب في إحد الموارد إلىٰ كلام بعض الحكماء في استدلاله بالأجرام السماوية لإثبات وجود الباري، وبعد أن ناقش (برهان الحركة) وإثباته وجود محرّك غير متحرّك في العالم، أشاد بكونه أقوىٰ استدلال علىٰ وجود الباري عزّ اسمه(٣). هذا
__________
(١) «الحكيم أبو القاسم الحسين بن محمّد بن المفضّل الراغب (الإصفهاني) كان من حكماء الإسلام، وهو الذي جمع بين الشريعة والحكمة في تصانيفه، وله تصانيف كثيرة منها: غرّة التنزيل ودرّة التأويل، وكتاب الذريعة، وكتاب كلمات الصحابة. وكان حظّه من المعقولات أكثر». تاریخ حکماء الإسلام: ١١٢.
(٢) علىٰ سبيل المثال انظر: الاعتقادات: ٩١، ٩٤،٩٧،١٢٢، ١٣٣، ١٤١، ١٤٨، ١٥٧، ١٦٥، ٢٢٩، ٢٣١، ٢٤٢، ٢٥٢، ٢٥٣، ٢٥٤، ٢٥٥، ٢٥٨، ٢٦٣، ٢٦٧، ٢٨٣، ٢٨٤، ٢٨٩.
(٣) «وقال بعض الحکماء: الموجودات کلّها وإن صحّ الاستدلال بها علىٰ وحدانیة الله تعالىٰ
وإنّ تقسيمه للمخلوقات إلىٰ جسماني وغير جسماني أو إلىٰ مجرّد، يمكن أن يكون ناشئاً من تأثّر الراغب بالتعاليم الفلسفية؛ لأنّنا كما نعلم أنّ أغلب متكلّمي عصر الراغب لا يعتقدون بموجود غير جسماني آخر سوىٰ الباري عزّ وجلّ. وقد قسّم الراغب في موضع من كتابه موجودات العالم إلىٰ ثلاث مجموعات:
أ) جسماني محض.
ب) جسماني وروحاني كالإنسان.
ج) روحاني محض كالملائكة والجنّ(١).
وأكّد في موضع آخر أيضاً علىٰ أنّ الله عزّ وجلّ خلق موجودات العالم علىٰ قسمين: جسماني محسوس يشمل: (الجمادات، النباتات، الحيوانات، والإنسان)، وغير جسماني غير محسوس(٢)، حيث يبدو من الراغب أنّ ما يقصده من الموجودات الروحانية وغير الجسمانية
__________
فلا شيء أدلّ علیه وأبعد من الظنّ والشبهة من الأجرام العلویة وإن کان الاستدلال بها أصعب وأغمض... ذلك أنّ الموجودات ثلاثة: متحرّك وغير متحرّك کالجمادات؛ ومتحرّك ومحرّك كالإنسان؛ ومحرّك وغير متحرّك وهو الباري جلّ جلاله. وكلّ متحرّك يحتاج إلىٰ محرّك، فلمّا رأىٰ هذه الأجرام متحرّكة نبّأهم [کذا: نبّههم] علىٰ كونها محدثة، ولمّا لم يكن فوق حركتها حركة وكانت سببها [کذا: سبباً] في تحريك الأشياء التي دونها علم أنّ محرّكها لا يصحّ إلّا أن يكون محرّكاً غير متحرّك، لأنّه لو كان متحرّكاً لاحتاج إلىٰ محرّك أقوىٰ منه، ولا يوجد متحرّك أقوىٰ من الفلك الأعلىٰ، فإذاً يجب أن يكون محرّکه الذي فوقه غير متحرّك، [و] هذا أقوىٰ دلالة علىٰ وجود الباري عزّ اسمه». نفس المصدر: ٥٣ـ٥٤.
(١) «جُلّ العقلاء علىٰ أنّ الأعیان الموجودة ثلاثة: جسماني مجرّد، وجسماني روحاني کالإنسان، وروحاني مجرّد وهم الملائکة والجنّ». نفس المصدر: ١٤٥.
(٢) «إنّ الله تعالىٰ جعل الموجودات قسمین: جسماني وغیر جسماني وجعل الجسماني أربعة أنواع: الجمادات والنبات والبهائم، والإنسان». نفس المصدر: ١٢٠؛ «جعل بإزاء الخلق الذین یحسّون وهم الأجسام الکثیفة خلقاً، ولا یحسّون وهم الروحانیّات اللطیفة». نفس المصدر: ١٤٦.
وغير المحسوسة هو نفس الموجودات المجرّدة كالملائكة؛ وذلك لأنّه وضع الأشياء المحسوسة إزاء الأشياء المعقولة البسيطة(١)، وهو تعبير آخر عن المجرّدات.
وكذلك نرىٰ في كتاب الاعتقادات جوانب أخرىٰ من التوجّه العلمي الفلسفي للراغب وميوله للفلسفة وتعاليمها؛ فإنّ الاصطلاحات الفلسفية التي استفاد منها الراغب مثل: (ممكن الوجود) و(واجب الوجود) و(إثبات واجب الوجود بالذات) أي: إثبات وجود الباري، كلّ هذه هي من الجوانب البارزة لتوجّهه الفلسفي. علماً بأنّ الراغب الإصفهاني يعتبر من متكلّمي الرعيل الأوّل من بين متكلّمي المسلمين الذي صرّح بتقسيم الذوات إلىٰ ثلاثة أقسام (واجب الوجود) و(ممكن الوجود) و(ممتنع الوجود)؛ وكذلك صرّح بانقسام (واجب الوجود) إلىٰ (واجب الوجود لذاته) و(واجب الوجود لغيره)، وقد أكّد علىٰ وصف (واجب الوجود) هو لله عزّ وجلّ، وأنّه لا يفتقر لوجوده إلىٰ موجود آخر(٢). وتتّضح لنا أهمّية هذا الأمر حينما نعلم أنّ استعمال هذه الألفاظ من قبل
__________
(١) «جعل بإزاء المحسوسة المرکّبة الأشیاء المعقولة البسیطة». نفس المصدر: ١٤٦.
(٢) «والدلالة علىٰ أنّه تعالىٰ موجود واجب الوجود: أنّه كلّما فرضته أو توهّمته موجوداً إلّا [کذا: لا] يخلو من ثلاثة أوجه: أمّا واجب الوجود، أو ممتنع الوجود، أو ممکن الوجود. فالواجب الوجود: هو الذي إذا فرض غير موجود لزم منه محال؛ كحصول أربعة من وجود اثنين واثنين. والممتنع الموجود [کذا: الوجود]: هو الذي إذا فرض موجوداً لزم منه محال؛ کحصول أربعة من وجود اثنين وثلاثة. والممكن الوجود: هو الذي إذا فرض موجوداً أو غير موجود لم يلزم منه محال؛ کمجيء المطر في الشتاء. والواجب الوجود ضربان: واجب الوجود لا لذاته بل لأمر آخر؛ کوجود أربعة الذي يجب عن حصول اثنين واثنين. وواجب الوجود لذاته لا لشيء آخر: وهو الباري تعالیٰ، والواجب الوجود: هو الذي إذا فرض غير موجود حصل منه محال، ولا محتاج في وجوده إلىٰ شيء يوجده، ويكون أزليّاً، وذلك هو الله تعالیٰ». نفس المصدر: ٥٦ـ٥٧.
الراغب كانت في الفترة التي لم تنتشر فيها مؤلّفات ابن سينا الفلسفية ولم تُعرف بعد مدرسته الفلسفية في العالم الإسلامي.
والأمرالآخر الذي يجدر بنا أن نلتفت إليه هو تأويلات الراغب الفلسفية لآيات القرآن التي لا تتلاءم مع التزام السلفية المعروف بظواهر الآيات والروايات، وقد بيّن الراغب بعض هذه التأويلات في كتاب الاعتقادات بشكل واضح؛ منها ما أكّد عليه الراغب من تفسير قوله تبارك وتعالىٰ في الآية: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون﴾، أنّ المراد من: (زوجين) هنا: (الجوهر) و(الصورة)(١). ويمكن أن نفهم من توضيحاته في مكان آخر أنّ مراده من: (الجوهر) هو نفس (المادّة) بمعناها الفلسفي، أي: (الهيولىٰ) في قبال (الصورة)(٢). وعلىٰ هذا المنوال ذكر الراغب في تفسير قوله عزّ وجلّ: ﴿وَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّىٰ﴾ أنّ هذ الآية تشير إلىٰ مختلف التراكيب والأعراض المجتمعة فيما بين الجوهر والصورة، مثل اللون والرائحة والطعم في الذات الواحدة(٣).
وبالرغم من النزعات الفلسفية للراغب فإنّه بسط باعه في بعض الموارد أيضاً لنقد الآراء الفلسفية؛ فعلىٰ سبيل المثال: أشار في موضع إلىٰ رأي بعض الفلاسفة المبتني علىٰ اتّصاف الباري
__________
(١) «وعنىٰ بالزوجین هاهنا الجوهر والصورة... وذلك أنّه لا یصحّ وجود الجوهر من دون الصورة ولا تقوم الصورة من دون الجوهر... فالجسم جوهر طویل عریض عمیق، ولولا الجوهر لم یوجد طوله وعرضه وعمقه». نفس المصدر: ٤٩.
(٢) «وممّا يدلّ علىٰ حدوث العالم ما نبّه الله تعالىٰ عليه بقوله: ﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ وبيان ذلك: أنّ الشيئين إذا تعلّق قوام كلّ واحد منهما بقوام صاحبه، فإذا اختلّ أحدهما اختلّ الآخر، كالكوزين المتعلّقين من وتد بخيط واحد متىٰ سقط أحدهما سقط الآخر، وقد أوجد الله تعالىٰ كلّ ما في العالم مزدوجاً مركّباً من مادّة وصورة، لا یصحّ وجود المادّة من دون الصورة، ولا تقوم الصورة من دون المادّة». نفس المصدر: ٦٧ـ٦٨.
(٣) نفس المصدر: ٥٠.
عزّ وجلّ بالصفات السلبية واجتنابه عن إثبات الصفات الإيجابية له سبحانه واعتبره موقفاً مخالفاً للشريعة(١). كما اعتبر معاد الإنسان معاداً جسمانيّاً وروحانيّاً تعويلاً علىٰ آيات القرآن، واعتبر رأي الفلاسفة والإسماعيلية نادراً وغير صحيح؛ حيث اعتقدوا بالمعاد الروحاني فقط(٢).
ويجدر بنا ـ إلىٰ جانب نزعات الراغب الإصفهاني الفلسفية ـ الالتفات إلىٰ ميوله للصوفية والتصوّف؛ فمن دراسة مؤلّفات الراغب الإصفهاني ـ وبالأخصّ الذريعة إلىٰ مکارم الشريعة وكذلك رسالة الاعتقادات ـ يتبيّن بشكل جلي علاقة الراغب وميوله لتعاليم الصوفية، فمن خلال الأقوال التي نقلها عن الصوفية وأيّد أغلبها بعبارات مثل: «وما أحسن ما قال بعض الصوفية»(٣)، و«قال بعض حکماء الصوفية»(٤)، و«قال بعض العلماء من الصوفية»(٥)، و«قال بعض الصوفية»(٦)، و«أشار إليه بعض الصوفية»(٧)؛ يتبيّن جليّاً معرفته بآرائهم وتعاطفه في بعض المواضيع مع الصوفية وآرائهم، وكذلك أيضاً ـ وكما أكّد بعض المحقّقين(٨) ـ فإنّ الراغب قد أشار في تفسيره إلىٰ تأليف كتاب تحت عنوان: (كتاب شرف التصوّف)(٩)، حيث
__________
(١) نفس المصدر: ٧٩.
(٢) «الإنسان مبعوث وینشر بروحه وبدنه جمیعاً علىٰ الاطلاق، خلاف ما قالت الفلاسفة والباطنیة جمیعاً بأنّه ینشر بروحه دون بدنه». نفس المصدر: ٢٢٤.
(٣) نفس المصدر: ١٨٥، ٢٥٥.
(٤) نفس المصدر: ٧٧.
(٥) نفس المصدر.
(٦) نفس المصدر: ٨٥، ٩٥.
(٧) نفس المصدر: ٩١.
(٨) انظر: مقدّمة صفوان عدنان داوودي علىٰ مفردات ألفاظ القرآن: ١٢. وانظر:
Key, Alexander, A Linguistic Frame of Mind: ar-Rāġib al-Iṣfahānī and What It Meant to be Ambiguous, Doctoral dissertation, p. ٥٧.
(٩) تطرّق الراغب فيما يلي تفسير الآية: ٣٧ من سورة البقرة في كتابه: (شرف التصوّف) إلىٰ
يتبيّن بوضوح من عنوان هذا الكتاب أيضاً تجليله وتقديره للتصوّف.
ثانياً: نفي الراغب للتوجّه الجبري:
بناء علىٰ دراسة بعض المصادر؛ فإنّ التوجّه الجبري كان أحد التعاليم الأصلية والاعتقادية المشتركة في أوساط أكثر السلفية وأصحاب الحديث(١). وقد ردّ الراغب الإصفهاني عقيدة الجبر ـ في قسم من كتاب الاعتقادات الذي اختار له عنوان: (بيان أن لا جبر ولا تفويض)، وذلك بعد أن درس آراء المجبّرة والقدرية والمفوّضة ـ مستنداً في ردّها بأنّها تنفي فائدة خلق العقل في الإنسان ويعتبرها مضادّة له.
ثمّ تطرّق الراغب بعد ذلك إلىٰ نفي فكرة: (التفويض) وسعىٰ أن يبيّن بما عرضه من التوضيحات صحّة ووجه انتساب أفعال الإنسان لفاعلين اثنين؛ أي: الباري والإنسان، ويثبت علىٰ إثره صحّة نظرية: (لا جبر ولا تفويض)(٢)، فإنّ البحث الذي عرضه الراغب في نظرية: (لا جبر ولا تفويض) من كيفية انتساب أفعال الإنسان للباري ودور الباري والإنسان في تحقّق أفعال الإنسان هي دراسة جديرة بالاهتمام، ولكن لا يسعنا في هذا البحث الإشارة إليها.
والأمر الذي نرمي الإشارة إليه هنا هو إنكار معتقدات الجبرية من قبل الراغب، وهو أمر لا يتوافق ولا يتلاءم مع معتقد الكثير من السلفية وأصحاب الحديث في توجّههم الجبري، حيث يعرض الراغب في مقولته هذه رأياً نادراً بين السلفية.
__________
ذکر مقامات العلماء والحکماء والکبراء قائلاً: «هذه مسألة کثیرة قد أحکمتها في کتاب شرف التصوّف». انظر: تفسیر الراغب، النسخة رقم: ٨٤ في مكتبة جار الله، الورقة: ٤٢آ.
(١) دائرة المعارف بزرگ اسلامي ٩/١٢١ (مدخل: أصحاب حدیث).
(٢) انظر: الاعتقادات: ٢٨١ـ٢٩١.
ثالثاً: التوجّه التأويلي عند الراغب:
من المميّزات الأخرىٰ للسلفية وأصحاب الحديث ومن أصولهم الفكرية هو توجّههم إلىٰ ظاهر النصوص وتأكيدهم علىٰ اتّباع ظاهر الآيات والروايات واجتناب تأويلها. في حين يتبيّن من خلال دراسة كتاب الاعتقادات للراغب أنّه عدل في العديد من الموارد عن هذا الأصل الأساسي للسلفية وحكم بجواز أو بوجوب تأويل الآيات والأخبار، وتطرّق الراغب في فصل من فصول الكتاب إلىٰ بيان مفهوم: (التأويل) والنسبة بينه وبين: (التفسير)؛ وعلىٰ ما ذكره فإنّ (التأويل): هو ما يعود إليه حقيقة الكلام والعمل به، وهو ليس مؤدّاهما الظاهري، ففي الواقع أنّ الاستفادة من: (التأويل) هو تعيين المعنىٰ المراد من الكلام من بين المعاني المحتملة(١). ويرىٰ الراغب أنّ النسبة بين: (التفسير) و(التأويل) هي النسبة بين العامّ والخاصّ المطلق؛ أي: إنّ كلّ تأويل تفسير، وليس كلّ تفسير تأويلاً؛ لأنّ تبيين كلّ لفظ صعب بالاستفادة من ألفاظ أبسط منه يسمّىٰ: (تفسيراً) ولكنّه ليس بتأويل، والتأويل أيضاً إنّما يمكن في شأن العبارات المركّبة لا الألفاظ المفردة، في حين أنّ التفسير جارٍ في كلا الموردين الألفاظ المفردة والمركّبة(٢). إذن فإنّ حاصل: (التفسير) أعمّ من (التأويل). وعلىٰ ما ذكره الراغب فإنّ تأويل بعض الآيات واضح لدينا، ولكن هناك بعض الموارد لا يعلم تأويلها إلّا الله، وأمّا العلماء لا يعلمونها(٣).
__________
(١) «التأويل: مايؤوّل إليه حقيقة الكلام والفعل ولا يقتضيه ظاهرهما، وهو تفعيل من آل يؤول إذا رجع، وذلك ردّ الكلام من بين المحتملات الىٰ المراد» نفس المصدر: ١٧٨.
(٢) نفس المصدر: ١٧٩.
(٣) نفس المصدر: ١٨٨ـ١٩٠.
ويمكن مشاهدة نماذج من تأويلات الراغب فيما يخصّ النصوص الدينية في البحث عن معاني الآيات الدالّة علىٰ نطق أعضاء الإنسان وجوارحه وشهادتها عليه يوم القيامة؛ فقد أشار في هذا المضمار إلىٰ قولين؛ الأوّل: هو أنّ نطق الجوارح يوم القيامة من نوع الكلام المسموع والمحسوس في الخارج. والثاني: هو أنّ المراد من النطق هو كونه اعتباريّاً عقلانيّاً، أي: صدور الحالات والأفعال من الجوارح كما في هذه الدنيا، أي: أنّ المراد من النطق والشهادة هو مجرّد الإفهام والتفهيم والحصول علىٰ العلم من خلال حركات وانفعالات تلك الجوارح، ويرىٰ الراغب أنّ كلا الاحتمالين جائز ومقبول. وعلىٰ هذا المنوال ففي شأن معاني الآيات الدالّة علىٰ بياض وجه المؤمن وسواد وجه الكافر يوم القيامة، فإنّ الراغب اختار كلا التفسيرين: (الظاهري المحسوس) أو تأويلهما للدلالة علىٰ: (السرور والحزن) وأجازهما. وبناء علىٰ هذا فإنّ الراغب خلافاً لتلك الفرقة من السلفيّين القائلين في تفسير الآيات بالأخذ بظاهرها المحسوس فقط فإنّه قد أجاز تأويلها أيضاً.
وكذلك في تفسير آية: ﴿وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَة﴾ فقد اعتبر الراغب حقيقة الميزان عبارة عن الاختبار والابتلاء والامتحان، واعتبر تقييم الأعمال ـ الذي هو مقتضىٰ المعنىٰ الظاهري للآيات ـ أمراً غير معقول(١)؛ فبناء علىٰ ما ذكره فإنّ معنىٰ الحساب يوم القيامة ليس إلّا إخبار الناس بأعمالهم الحسنة منها والسيّئة(٢).
فإنّ التأويلات المذكورة فيها تعارض صريح مع توجّه السلفية لظاهر الآيات، وهي تبيّن التوجّه العقلي للراغب الإصفهاني في تفسير الآيات والروايات.
__________
(١) نفس المصدر: ٢٣٦.
(٢) نفس المصدر: ٢٣٧.
وبناء علىٰ ما قلنا يتبيّن: أنّ الراغب بالرغم من تأييده الواضح لآراء المدرسة السلفية المسمّاة: (أهل الأثر) أو (أصحاب الأثر) واتّباعه لها، وما كان له من ميول كلامية إلىٰ هذه المدرسة القليلة الشهرة، لكنّ اتّباعه هذا وميوله وتأثّره بمدرستهم لم يكن بنحو كامل، أي: إنّه لم يتأثّر بجميع الجوانب الفكرية للسلفية.
وفي الواقع إذا أردنا أن نصف بإيجاز شخصية الراغب الإصفهاني العلمية في عبارة مختصرة فلابدّ أن نقول: إنّه كان (متكلّماً سلفيّاً وفيلسوفاً صوفيّاً). وأنّه خير أنموذج من الشخصيّات النادرة ممّن له توجّهات متعدّدة ـ تبدو في الظاهر غير منسجمة ومتضادّة ـ مجتمعة إلىٰ بعضها البعض ومنصهرة في مثل هذه الشخصية، ولهذا السبب لا يمكن تعريف مثل هذه الشخصيّات ضمن إطار التعاريف المعروفة من قبل، ولا يمكن تصنيفها ضمن الفرق المعهودة.
وخلاصة القول من خلال ما تقدّم يمكننا أن نستنتج النتائج التالية:
١ـ نظراً إلىٰ الأدلّة والقرائن التي ذكرناها في مقالنا هذا في نفي احتمال تشيّع الراغب والتي نختصرها هنا كالتالي:
(أ) عدم اعتقاد الراغب الإصفهاني بإمامة أئمّة الشيعة.
(ب) اعتقاده بانحراف الشيعة ومذمّتهم.
(ج) اعتباره الشيعة من أهل البدع.
(د) مدحه لبعض الصحابة والخلفاء.
(هـ) استفادته من عبارات الأدعية السنّية في التحيّات علىٰ النبي والأئمّة.
كلّ ذلك ينفي أساساً احتمال تشيّع الراغب. وأمّا رغبته بنقل الروايات عن أمير المؤمنين عليهالسلام ، وإظهار محبّته ومودّته له عليهالسلام ، لابدّ لنا من تفسير ذلك بأنّه مثله مثل غيره من الكثير من أهل السنّة والسلفية ممّن يكنّ مودّة خاصّة للإمام علي عليهالسلام .
٢ـ نظراً للانتقادات الكثيرة التي أبداها الراغب الإصفهاني لمدرسة المعتزلة وتعاليمهم وأصولهم الاعتقادية، فإنّه لم يكن معتزليّاً قطّ وليس له أيّ ارتباط بمدرستهم.
٣ـ إنّ عدم ذكر الراغب لأبي الحسن الأشعري في قائمة أئمّة الإسلام، وعدم إشارته لمتكلّمي الأشاعرة في كتابه الاعتقادات، واجتنابه من التعمّق في المسائل الكلامية ومن التطرّق التفصيلي لها، ونظرته الانتقادية للمتكلّمين وآرائهم، والفرق الأساسي لمنهجية ومباني كتاب الاعتقادات للراغب مع منهجية ومباني الكتب الكلامية المتعارفة للأشاعرة، وعدم اعتقاده بقسم من الأصول الاعتقادية لمدرسة الأشاعرة مثل: «عدم اعتقاده بالقديم والزائد علىٰ ما ثبت كونه من الصفات الذاتية للباري عزّ وجلّ، اعتقاده بالاشتراك اللفظي لصفات الباري عزّ اسمه مع صفات موجوداته، وعرضه مختلف التعاريف لاصطلاحات مثل: (الاستطاعة) و(الجوهر) و(العرض)»، كلّ هذه الأمور تنفي فرضية كون الراغب الإصفهاني أشعريّاً بالرغم من اشتهارها في المجامع الكلامية وجريانها علىٰ أفواه بعض المتكلّمين، ويتبيّن من هذا الأمر أنّ بعض الادّعاءات المشهورة في الكتب الكلامية في هذا الخصوص يمكن أن تكون غير صحيحة ولا أساس لها.
٤ـ نظراً إلىٰ ما ذكره الراغب في شأن متقدّمي أعلام السلف وعدّهم في زمرة أئمّة الإسلام، واعتباره بأنّ الفرقة الناجية منحصرة في أهل السنّة والجماعة، وطريقة تناوله لعلم الكلام، وتعويله مكرّراً علىٰ آراء الصحابة وعلماء السلف، وتصريحه بضرورة اتّباع ظواهر الآيات والروايات وآراء السلف في المسائل الاعتقادية، يتبيّن من كلّ ذلك أنّ الراغب بالتأكيد كان من أتباع الصحابة وعلماء السلف وكان يعدّ في زمرتهم.
٥ـ نظراً إلىٰ التمايز والافتراق الذي يقول به الراغب بين فرقتين من السلفية
من جانب ـ أي: بين (أصحاب الحديث أو أهل الحديث) وبين (أهل الأثر أو أصحاب الأثر) ـ ومن جانب آخر المواقف المنسجمة والمؤيّدة التي غالباً ما أبداها لأهل الأثر، فإنّ الراغب الإصفهاني كان يميل ـ فكريّاً ـ إلىٰ فرقة: (أهل الأثر) أو (أصحاب الأثر) ومتّبعاً لمذهبهم.
٦ـ يتبيّن من خلال التمايز الذي جعله الراغب بين مذهبي: (أهل الحديث) و(أهل الأثر) أنّ كلا العنوانين كانا في زمانه عبارة عن مذهبين مستقلّين ومتمايز أحدهما عن الآخر، ويحتمل أنّهما كانا يحملان هويّتين مستقلّتين.
٧ـ بالرغم من النزعة السلفية للراغب فإنّ بعض خصوصيّاته وتوجّهاته الفكرية مثل: (جنوحه للتعاليم الفلسفية وتوجّهه للتأويل ونفيه عقيدة الجبر) تختلف مع الخصوصيّات التي نعهدها من أغلب علماء السلف، وتبيّن تمايزه الفكري في هذا المجال مع المذهب الغالب للسلفية.
٨ـ من خلال نطاق معرفته الواسعة بتعاليم الصوفية، وتجليله للتصوّف، فقد كان له ميول قوية لتعاليم الصوفية.
٩ـ بما أنّ شخصية الراغب كانت ذات ميول مختلفة: (سلفية وفلسفية وصوفية) لا يمكن تأطيرها بشكل كامل ودقيق في إطار مذهب خاصّ، وفي نهاية المطاف لابدّ من تقييم شخصيّته واعتبارها أعلىٰ أفقاً وأبعد مدىٰ من حدود التعريف المتعارف للفرق.
تصحيح وتحقيق كتاب الاعتقادات للراغب الإصفهاني:
إنّ كتاب الراغب الإصفهاني: (الاعتقادات) أو (الاعتقاد) قد تمّ تصحيحه
وتحقيقه مرّتين تحت هذين العنوانين، وقد اُختير هذان العنوانان من قبل المصحّحَيْن نظراً لموضوع الكتاب(١)؛ في حين لم يحتوِ الكتاب نفسه علىٰ عنوان له، وقد اقتصرت كتب التراجم عند ذكرها مؤلّفات الراغب علىٰ عنوانين له: (كتاب في الاعتقاد) أو (كتاب في الإيمان والكفر) حيث يحتمل أن يكون هذان العنوانان إشارة إلىٰ هذا الكتاب الذي نقصده في بحثنا هذا. ومن خلال الاستقصاء والبحث لم نعثر في كتب المتكلّمين بعد الراغب علىٰ ذكر لهذا الكتاب، كما لم نعثر لهم حتّىٰ علىٰ إشارات تشير إليه، بل ولم تعكس لنا تلك الكتب بعض الآراء الموجودة فيه. بناء علىٰ هذا ـ وكما ذكرنا سابقاً ـ يمكننا أن نقول أنّ كتاب الاعتقادات للراغب لم يكن ـ نوعاً ما ـ معروفاً لمن تأخّر عنه من العلماء، ولم يحظَ بذكر بين المتكلّمين، وغاية ما ذكرته الكتب الكلامية عن الراغب غالباً ما كان مقتصراً علىٰ آرائه في باب تجرّد النفس(٢)، واعتقاده بالمعاد الجسماني والروحاني(٣)، ولم تهتمّ بسائر آرائه الكلامية الأخرىٰ.
وفيما يخصّ نسبة كتاب الاعتقادات للراغب الإصفهاني وإسناده إليه فبالإضافة إلىٰ أنّ بعض النسخ من كتابه هذا قد جاء في بدايتها تصريح بنسبة الكتاب إليه؛ هناك
__________
(١) انظر: مقدّمة شمران العجلي علىٰ كتاب الاعتقادات: ١٠، ومقدّمة أختر جمال محمّد لقمان علىٰ کتاب الاعتقاد: ٣٧.
(٢) كأنموذج: العلّامة الحلّي قد عدّ الراغب في زمرة متکلّمي الأشعرية ممّن يقول بـ: (تجرّد النفس)، حيث قال: «اختلف الناس في ماهية النفس، وأنّها هل هي جوهر أم لا؟ والقائلون بأنّها جوهر اختلفوا في أنّها هل هي مجرّد أم لا؟ والمشهور عند الأوائل وجماعة من المتكلّمين كبني نوبخت من الإمامية والمفيد منهم والغزالي والحليمي والراغب من الأشاعرة أنّها جوهر مجرّد ليس بجسم ولا جسماني». کشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد: ٢٧٨.
(٣) انظر أنموذجاً: شرح المقاصد ٥/٨٨.
أيضاً إشارة من قِبَل المؤلّف في موضع من كتابه هذا إلىٰ كتاب آخر من كتبه أي: الذريعة إلىٰ مكارم الشريعة(١) ـ وهو من الكتب المعروفة للراغب ـ وهو خير دليل وشاهد قوي علىٰ وثاقة نسبة كتاب الاعتقادات إلىٰ الراغب الإصفهاني. ويتبيّن من خلال هذه الإشارة أنّ الراغب ألّف كتاب الاعتقادات بعد كتاب الذريعة.
إنّ كتاب الاعتقادات للراغب هو من المصنّفات المفيدة جدّاً والغزيرة بالمعلومات، وهذا الكتاب الوجيز والقيّم يشتمل علىٰ الكثير من الأمور البديعة التي قلّ نظيرها في سائر الكتب، وفي واقع الأمر فإنّ كتاب الراغب من ناحية المباني والمحتويات كتاب فيه إبداع، وهو من نوادر الكتب؛ فإنّ إحاطة الراغب وتبحّره في الاستفادة من آيات القرآن الكريم في مختلف الأبحاث الكلامية وتعويله علىٰ الآيات والروايات في تبيين المسائل الاعتقادية جعل من كتاب الاعتقادات كتاباً متميّزاً وذا أهمّية فائقة، فإنّ معرفته بجذور مفردات اللغة العربية وبمصطلحاتها وألفاظها مهّد له في كتاب الاعتقادات مناقشة أبحاث ذات فوائد كثيرة في مجال جذور الاصطلاحات الكلامية ومعانيها، علىٰ سبيل المثال: فإنّ بعض الأمور التي بيّنها الراغب في باب معاني الاصطلاحات الكلامية من هذا الكتاب هي الأمور التي طرحها فيما يخصّ معنىٰ اصطلاحَي: (الإرادة) و(المشيئة) والنسبة بينهما، وأنّ (المشيئة) أخصّ من (الإرادة)، في حين لم يذكرها في سائر كتبه مثل كتاب مفردات ألفاظ القرآن الكريم(٢).
إنّ تبيين سائر مواضيع كتاب الاعتقادات القيّمة، وتعريف مختلف وجوهه
__________
(١) «وأمّا کيفية تزکية النفس فقد بيّنتها في کتاب الذريعة الىٰ مکارم الشريعة». الاعتقادات: ٦٢.
(٢) قارن بين المباحث في: الاعتقادات: ٢٦٩ـ٢٧٢، مع المباحث المذکورة في مفردات ألفاظ القرآن: ٤٧١ـ٤٧٢.
المهمّة، يقتضي بياناً آخر آمل أن أتطرّق إليه وأتداركه في بحث مستقلّ علىٰ حدة.
النسخ الخطّية من كتاب الاعتقادات:
تمّ التعرّف حتّىٰ الآن علىٰ أربع نسخ من كتاب الاعتقادات للراغب:
١ـ النسخة رقم: (٥٦) في مكتبة آستان قدس رضوي في مشهد والمؤرّخة: (٦٧٩هـ)، وهي أقدم نسخة خطّية عرفت حتّىٰ الآن من رسالة الاعتقادات، وهي من موقوفات ابن خاتون(١). وقد ذكر المفهرس هذه النسخة وعرّفها خطأً تحت عنوان: (تحقيق البيان)، وقد شقّ هذا الخطأ طريقه إلىٰ مصادر أخرىٰ ومنها فهرست (فنخا)(٢)، ومن خلال مقارنة هذه النسخة مع سائر النسخ المتبقّية من رسالة الاعتقادات يتبيّن أنّ هذه النسخة ـ التي نحن بصددها ـ هي نسخة خطّية من رسالة الاعتقادات ولا علاقة لها بكتاب الراغب المفقود: (تحقيق البيان). وبناء علىٰ ما قاله الراغب يتبيّن أنّه قد ألّف كتاب تحقيق البيان في تأويل القرآن قبل كتاب الاعتقادات؛ لأنّه صرّح في مقدّمة كتاب الذريعة إلىٰ مكارم الشريعة بتأليف كتاب تحقيق البيان سابقاً(٣)، وكتاب الذريعة قد أشار إليه الراغب في كتابه الاعتقادات ـ كما جاء في النسخ الخطّية الموجودة من كتاب الاعتقادات بما فيها نسخة مكتبة آستان قدس رضوي ـ بناء علىٰ هذا؛ فإنّه لا يمكن للنسخة رقم: (٥٦) من مكتبة آستان قدس رضوي أن تكون كما يظنّ المفهرس بأنّها نسخة
__________
(١) وأتقدّم بالشكر الجزيل إلىٰ صديقي العزيز السيّد أُميد حسيني نژاد الذي ساعدني في تهيئة هذه النسخة.
(٢) انظر: فهرستگان نسخههاي خطّي إيران (فنخا) ٧ /٦٧٨.
(٣) «کنت قد أشرت فيما أمليته من کتاب تحقيق البيان في تأويل القرآن إلىٰ الفَرق بين أحکام الشريعة ومکارمها». الذريعة إلىٰ مکارم الشريعة: ١.
خطّية من تحقيق البيان، وقد أشار بعض المؤلّفين إلىٰ عدم إمكان ذلك أيضاً(١).
بناء علىٰ ما ذكره الكاتب في الترقيمة آخر النسخة فإنّ استنساخها قد تمّ في (ذي الحجّة سنة ٧٧٩هـ) (انظر الصورة رقم: ١). وللأسف الشديد فقد تعرّضت هذه النسخة لسقط ملفت للنظر، حيث فُقِدَ علىٰ إثره نصف الكتاب تقريباً، ولذلك لا نعلم هل أنّ صفحة العنوان من النسخة كانت تحتوي علىٰ عنوان الكتاب أم لا؟ وبالإضافة إلىٰ ذلك نرىٰ في موضع من الفصل السابع من الكتاب أنّ كلام الراغب ينقطع فجأة؛ وبناء علىٰ ما ذكره كاتب النسخة ـ التي نحن في صددها ـ أنّ نسخة الأصل التي كان يستنسخ منها الكاتب كانت في هذا الموضع علىٰ حدّ تعبيره: «بياض في نسخة الأصل»، وبطبيعة الحال يستبعد أن تكون الكلمات التي لم تكتب في هذا المكان أكثرمن بضع كلمات.
وبالرغم من أنّ هذه النسخة هي نسخة نفيسة ومن النسخ القديمة، ولكنّها وللأسف تشتمل علىٰ ضبط سقيم للكلمات، وفيها بعض السقوط التي قد تبلغ في بعض الأحيان إلىٰ بضع سطور.
٢ـ النسخة رقم: (٣٨٢) من مجموعة الشهيد علي باشا في المكتبة السليمانية في اسطنبول، وهي ضمن مجموعة خطّية تحتوي علىٰ:
أ: رسالة من صدر الدين أبي عبد الله محمّد السلمي الشافعي المناوي (ت ٨٠٣هـ) تحت عنوان: (هداية الإنسان لفضل طاعة الإمام والعدل والإحسان) في تخريج وشرح وتكميل رسالة: (أربعون حديثاً في اصطناع المعروف)، تأليف:
__________
(١) انظر: مقدّمة شمران العجلي علىٰ كتاب الاعتقادات: ص٨؛ وكتاب السيّد علي ميرلوحي تحت عنوان: راغب إصفهاني: ٢٣٧؛ ومقدّمة صفوان عدنان الداوودي علىٰ كتاب مفردات ألفاظ القرآن: ص ١٢.
زكي الدين عبد العظيم بن عبد القوي المنذري (ت ٦٥٦هـ).
ب: رسالة كلامية لعلاء الدين البخاري الحنفي تحت عنوان: (رسالة في الاعتقاد)، تاريخ الفراغ من كتابتها: (١٤صفر سنة ٩٦١هـ).
ج: نصّ كتاب الاعتقادات للراغب الإصفهاني تحت عنوان: (رسالة في الاعتقادات) تمّت كتابتها وفقاً لما جاء في ترقيمة الكاتب في: (١٥ربيع الأوّل سنة ٩٦١هـ) (انظر: الصورة رقم: ٢). وقد سقط من هذه النسخة قسم من نهاية الفصل السابع وكذلك سقط الفصل الثامن بأسره.
احتوت هذه النسخة علىٰ الكثير من الأخطاء الملفتة للنظر، ويفتقر نصّ النسخة إلىٰ الإتقان.
٣ـ النسخة رقم: (٢١٤١) من مكتبة فيض الله الأفندي في مكتبة السليمانية في اسطنبول والتي تمّ استنساخها (سنة ١٠٩١هـ). هذه النسخة هي جزء من المجموعة الخطّية المشتملة علىٰ أربعة كتب للراغب الإصفهاني؛ وهي تشتمل ـ بالترتيب ـ علىٰ الكتب التالية: تفسير سورة الفاتحة، تفصيل النشأتين، رسالة الاعتقادات، ومفردات ألفاظ القرآن. ولم يُذكَر في بداية رسالة الاعتقادات عنوان لها، وإنّما ذكرت هذه الرسالة علىٰ صفحة العنوان من النسخة بخطّ دقيق وفاتح تحت عنوان كلّي: (في الكلام). وكذلك جاءت في صفحة العنوان ملاحظة كتب فيها تاريخ وفاة الراغب في بداية القرن الخامس الهجري (سنة ٥٠٠هـ) (انظر: الصورة رقم: ٣). هذا وأنّ الضبط الموجود في هذه المخطوطة يعتبر بالمقارنة مع النسخة رقم: (٣٨٢) من مجموعة الشهيد علي باشا أكثر إتقاناً، وأنّ النصّ فيها أكثر صحّة من نصّ نسخة علي باشا بالرغم من أنّه يحتوي أيضاً علىٰ أخطاء. ولم يُستفَد حتّىٰ الآن من هذه النسخة في تصحيح نصّ كتاب الاعتقادات.
٤ـ النسخة رقم: (٥٢٧٧) في مكتبة تشستربيتي في دبلن في إيرلندا، علماً بأنّ تاريخ
كتابتها غير معلوم(١). وبناء علىٰ ما ذكره الكساندر كي(٢) أنّ اسم الكتاب قد ذُكر علىٰ صفحة عنوانها كما يلي: «كتاب الشيخ أبو القاسم الحسين بن محمّد بن المفضّل الراغب في العقائد». هذا وإنّ أختر جمال محمّد لقمان ـ الذي صحّح كتاب الاعتقادات بناء علىٰ نسخة تشستربيتي ـ ظنّ بأنّها كتبت في القرن الثاني عشر؛ وذلك بناء علىٰ كتابة تشير إلىٰ تملّكها كُتبت في ظهر النسخة تُخبر عن شرائها في سنة (١١٠٩هـ)(٣)، ولكن آرتور آربري الذي رأىٰ هذه النسخة عن قرب يرىٰ أنّ تاريخ كتابتها يعود إلىٰ القرن السابع الهجري(٤)، ونظراً إلىٰ الخطّ وطريقة كتابة النسخة يبدو أنّ ما يراه آربري أقرب للواقع، وما قاله أختر جمال محمّد لقمان ظنٌّ لا أساس له، علماً بأنّ تاريخ شراء النسخة لا يمكن أن تكون له دلالة علىٰ تاريخ كتابتها.
النسخ المصحّحة من كتاب الاعتقادات:
لقد عُرض حتّىٰ الآن من رسالة الراغب الإصفهاني تصحيحان:
التصحيح الأوّل: تصحيح وتحقيق أختر جمال محمّد لقمان في سنة (١٤٠١هـ)، حيث قام بتصحيح هذا الكتاب بناء علىٰ نسخة تشستربيتي علىٰ شكل أطروحة جامعية في (٤٩٧ صفحة)، صحّحه وحقّقه تحت عنوان: (كتاب الاعتقاد)، ودافع عنه في جامعة أمّ القرىٰ في مكّة المكرّمة (انظر: الصورة رقم:
__________
(١) Arthur J. Arberry, The Chester Beatty library; a handlist of the Arabic manuscripts, vol. ٧, Dublin, HODGES, FIGGIS & CO., LTD. ١٩٦٤, P. ٨٨.
(٢) Key, Alexander, A Linguistic Frame of Mind: ar-Rāġib al-Iṣfahānī and What It Meant to be Ambiguous, Doctoral dissertation, p. ٢٦١.
(٣) انظر: مقدّمة أختر جمال محمّد لقمان علىٰ كتاب الاعتقاد: ٣٩.
(٤) Arthur J. Arberry, The Chester Beatty library; a handlist of the Arabic manuscripts, vol. ٧, Dublin, HODGES, FIGGIS & CO., LTD. ١٩٦٤, P. ٨٨.
٤)، علماً أنّ هذا الكتاب لم ينشر بعد.
التصحيح الثاني: تصحيح شمران العجلي في سنة (١٤٠٨هـ)، حيث صحّح رسالة الاعتقادات بناء علىٰ ثلاث نسخ، أي: النسخة رقم: (٥٦) في مكتبة آستان قدس رضوي في مشهد؛ والنسخة رقم: (٣٨٢) من مجموعة الشهيد علي باشا في مكتبة السليمانية في اسطنبول؛ والنسخة رقم: (٥٢٧٧) في مكتبة تشستربيتي في دبلن في إيرنلدا؛ كما استفاد في تصحيحه من تصحيح أختر جمال محمّد لقمان، وقد نشر العجلي تحقيقه للكتاب تحت عنوان: (الاعتقادات) في بيروت في (٣٨٦ صفحة) في قطع رقعي(١)، (انظر: الصورة رقم: ٥).
نظرة نقدية في تحقيق وتصحيح كتاب الاعتقادات:
سوف نتطرّق هنا إلىٰ تقييم تحقيق وتصحيح العجلي من كتاب الاعتقادات، ومدىٰ قوّة عمله في تصحيح هذا النصّ القيّم. إنّ دراسة تصحيح العجلي لكتاب الاعتقادات ومقابلة نصّه مع النسخ الخطّية يميط الستار عن وجود عثرات ونواقص كثيرة فيه؛ الضبط الخاطئ أو الاستفادة من الضبط المرجوح دون الراجح، السقوطات الجزئية والسقوطات الكبيرة، درج الكلمات والعبارات الزائدة، النقص في ذكر الملاحظات حول نسخ البدل، التقطيع الخاطئ للفقرات، الاستخدام غير الصحيح للعلائم ووضعها في غير محلّها، ما هي إلّا نماذج من بعض الإخفاقات الموجودة في هذا التصحيح. وسوف نستعرض هنا بعض النماذج القليلة من العثرات الكثيرة الموجودة في عدّة فصول في تصحيح العجلي، ليتبيّن جليّاً إخفاق هذا
__________
(١) الاعتقادات: للراغب الإصفهاني، أبي القاسم الحسين بن محمّد بن المفضّل، تحقيق: شمران العجلي، مؤسّسة الأشرف للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، ١٩٨٨م/١٤٠٨هـ.
التصحيح والحاجة الملحّة لعرض تصحيح جديد مُتقن من كتاب الاعتقادات.
أ: الضبط الخاطئ، أو الاستفادة من الضبط المرجوح دون الراجح:
إنّ أحد المشكلات الأساسية في تصحيح العجلي هي الأخطاء المتكرّرة في ضبط الكلمات والعبارات، ممّا أدّىٰ إلىٰ الغموض في فهم العبارات في الكثير من الموارد، أو إلىٰ ركاكة المعنىٰ وصعوبة التوصّل إلىٰ ما يرمي إليه الراغب من معنىٰ. وقد أدرجنا في القائمة أدناه عدداً من الأخطاء في الضبط، أو الاستفادة من الضبط المرجوح دون الراجح من قبل المصحّح؛ حيث ذكرنا أوّلاً الضبط الموجود في طبعة العجلي، وقد جعلنا خطّاً تحت الضبط الخاطئ لكي نميّزه، ثمّ بيّنّا الوجه الصحيح له.
ص ٣٢، س ٨: فأربعة أوجه - فأربعة أضرب.
ص ٣٣، س ٢: وايجاد - وايجاده.
ص ٣٥، س ١٢: فرع عن الاقرار - فرع علىٰ الاقرار.
ص ٣٦، س ٥: نبه قوله - نبّه بقوله.
ص ٣٦، س ٩: تغيير ما قال - تغييره وقال.
ص ٣٨، س ١٣: ثم قال - كما قال.
ص ٣٩، س ١: فهذا معرفة وجود - فهذا معرفة وجوده.
ص ٤٢، س ١٥: الموجود بموجوده - الموجَد بموجِده.
ص ٤٣، س ١٦: يعتربه الفساد - يعتريه الفساد.
ص ٤٥، س ٣: وأفعال الله - فأفعال الله.
نفس الصفحة، س ٧: في مادة - من مادة.
ص ٤٧، س ٢: جهة العبادة - جهة العباد.
نفس الصفحة، س ٦: معرفة موجود - معرفة موجِد.
ص ٤٧، س ٧: غير موجود - غير موجَد.
ص ٤٧، س ١٤: وجود النقط - وجود النقطة.
ص ٤٧، س ١٦: في الأول - والأول.
ص ٤٨، س ٢: يصبح وصفه - يصح وصفه.
ص ٤٩، س ٤: لا ينفعك من جوهر - لا ينفك من جوهر.
ص ٤٩، س ١٣: علىٰ هذا المعنىٰ ذكر بقوله - علىٰ هذا المعنىٰ دل بقوله.
ص ٥٢، س ٣: التغيرات والتغيرات - التغييرات والتغيرات.
ص ٥٢، س ٧: كالنقطة - كالنطفة.
ص ٥٣، س ٧: بالتنقل - في التنقل.
ص ٥٣، س ١٥: متعدية من الكون - متعرية عن الكون.
ص ٥٣، س ١٧: ممن تأكلها وعرف كونها مسخرة - فمن تأملها وعرف كونها مسخرة.
ص ٥٤، س ٧: فما قيل - فيما قيل.
ص ٥٤، س ١١: متحرّك وغير متحرّك - متحرّك غير محرِّك.
ص ٥٤، س ١٥: نبأهم علىٰ كونها محدثة - نبّههم علىٰ كونها محدثة.
ص ٥٤، س ١٦: سببها في تحريك الأشياء - سبباً في تحريك الأشياء.
ص ٥٥، س ١١: مقالا محسوسا - مثالاً محسوساً.
ص ٥٧، س ١٤: لكانت المفردات التي منها مركب متقدمة عليه - لكانت المفردات التي منها تركب متقدمة عليه.
ص ٥٨، س ٨: جعله من وجه واحد - جعله من وجه واحداً.
ص ٥٨، س ١٣: المراد بالدلالة هو الموجد الذي لا يتقدمه موجود - المراد بالإله هو الموجد الذي لا يتقدمه موجود.
ص ٥٨، س ١٦: لوجود الاختلاف في السموات والارض - لوجد الاختلاف في السموات والارض.
ص ٥٩، س ١١: يجيء من ذلك أحد الاخرين - يجيء من ذلك أحد الأمرين.
ص ٦٠، س ١٢: التركيب المختلف - للتركيب المختلف.
ص ٦١، س ٣: كان هذا القول صدقاً منه من كل وجه - كان هذا القول صدقاً فيه من كل وجه.
ص ٦١، س ٩: ما يجب ان تجري في تحصيلها - ما يجب أن يتحرّىٰ في تحصيلها.
ص ٦١، س ١٤: وكذلك قال - ولذلك قال.
ص ٦٥، س ١: المصنوع لا يكون الا هي صانع - المصنوع لا يكون الا من صانع.
ص ٧٢، س ٤: ان كان عرضه فالعرض لا قوام له بذاته - ان كان عرضاً فالعرض لا قوام له بذاته.
ص ٧٣، س ١٢: لا يعلم الا ما اعلم ولا يعرف الا ما اعرف - لا يعلم الا بما اعلم ولا يعرف الا ما عُرّف.
ص ٧٨، س ١٤: عقلي أم توفيقي - عقلي أم توقيفي.
ص ٧٩، س ٩: الانية المحصنة - الإنّية المحضة.
نفس الصفحة والسطر: الهوية بالحق - الهوية الحق.
ص ٨١، س ١٢: ذلك أوعىٰ لهم - ذلك أدعىٰ لهم.
ص ١١٠، س ٢: فالأول ترك جميعها - فالأولىٰ ترك جميعها.
ص ١١٣، س ٣: والله يتعالىٰ علىٰ ذلك - والله يتعالىٰ عن ذلك.
ص ١٣٦، س ٣: كون الاسلام مؤيداً - كون الاسلام مؤبّداً.
ص ١٣٧، س ٥: اما معالجة إفراط أو كمعالجة تفريط - اما لمعالجة إفراط أو لمعالجة تفريط.
ص ١٣٨، س ٥: وجب تنقية هذا الدين - وجب تبقية هذا الدين.
ص ١٥١، س آخر: يجعل بينه وبين الارواح العلية والسكينات ملاقاة - يحصل بينه وبين الارواح العلية والسكينات ملاقاة.
ص ١٥٣، س ٢: فيقوم الامثل بالامثل - فيقدّم الامثل بالامثل.
ص ١٨٤، س ٣: ويتشارك في معرفة كل من اختص - ويتشارك في معرفته كل من اختص.
ص ١٩٢، س ٩: طريقة السمع - طريقه السمع.
ص ١٩٧، س ١٠: جميع الجوار - جميع الجواهر.
ص ١٩٧، س ١١: حكماء المسلكين - حكماء المسلمين.
ص ١٩٩، س ١١: لفقدها بالموت - تفقدها الموت.
ص ٢٠٠، س ٥: في التغيير - في التغير.
نفس الصفحة ونفس السطر: في ترحال - في كل حال.
ص ٢٠٧، س ١٦: المحتضر ثلاث أحوال - للمحتضر ثلاث أحوال.
ص ٢٤٣، س ٨: يغنىٰ الله - يفنىٰ الله.
ص ٢٦١، س ١١: طرفه عين - طرفة عين.
ص ٢٦٧، س ١٤: امر من - أفرّ من.
ص ٢٦٨، س ١٢: بسرأ النسمة - برأ النسمة.
ص ٢٦٩، س ١١: مضىٰ التردد - معنىٰ التردد.
ص ٢٦٩، س ١٢: طلبت معرفة عنه - طلبت صرفه عنه.
ص ٢٩٦، س ٥: لم دخل - لمن دخل.
ب: السقوطات:
السقوطات الجزئية أو الكثيرة الموجودة في النصّ الذي صحّحه العجلي هي أحد الإشكالات الأساسية الموجودة فيه؛ ويشتمل الجدول التالي علىٰ عدد من هذه السقوطات التي عثرنا عليها من خلال مقابلة النصّ المصحّح مع النسخ الخطّية للكتاب.
|
التسلسل |
الصفحة والسطر |
ضبط النصّ في تصحيح العجلي |
الضبط الصحيح |
الكلمة أو العبارة الساقطة |
|
١ |
ص ٣٢ س ١١ |
الثاني |
و الثاني |
و |
|
٢ |
ص ٣٣ س ما قبل الأخير |
قال |
حيث قال |
حيث |
|
٣ |
ص ٣٤ س ٣ |
و هي المشار إليها |
و هي المعرفة المشار إليها |
المعرفة |
|
٤ |
ص ٣٤ ش ١٢ |
ان كان في الدنيا |
ان كان هي في الدنيا |
هي |
|
٥ |
ص ٣٧ س ٧ |
و هذا للمؤمنين والكافرين |
وهذا خطاب للمؤمنين والكافرين |
خطاب |
|
٦ |
ص ٣٧ س ١٢ |
ان نور الله تعالىٰ يبهر بظهوره بصائرنا بالاضافة اليه جارية مجرىٰ عين الخفافيش بالاضافة إلىٰ ضوء الشمس |
ان نور الله تعالىٰ لمّا بهر بظهوره بصائرنا صارت بصائرنا بالاضافة اليه جارية مجرىٰ عين الخفافيش بالاضافة إلىٰ ضوء الشمس |
لمّا / صارت بصائرنا |
|
٧ |
ص ٣٩ س ٥ |
يدل أنه |
يدل علىٰ أنه |
علىٰ |
|
٨ |
ص ٤١ س آخر |
معرفة الشبيه |
معرفة الشبيه بالشبيه |
بالشبيه |
|
٩ |
ص ٤٢ س ١٥ |
فيعرف المفعول بفاعله |
فيعرف بفاعله معرفة المفعول بفاعله |
بفاعله معرفة |
|
٩ |
ص ٤٢ س ١٥ |
فيعرف المفعول بفاعله |
فيعرف بفاعله معرفة المفعول بفاعله |
بفاعله معرفة |
|
١٠ |
ص ٤٢ س ١٩ |
للانسان احساسه |
للانسان سبيل إلىٰ احساسه |
سبيل إلىٰ |
|
١١ |
ص ٤٦ س ٦ |
استخلف في افلال |
استخلف في توليها افلاك |
توليها |
|
١٢ |
ص ٤٧ س ٧ |
و فاعل |
و موجِد وفاعل |
و موجِد |
|
١٣ |
ص ٤٧ س ١٢ |
وجود العناصر قبل وجود الغزل |
وجود العناصر قبل وجود النبات ووجود النبات قبل وجود القطن ووجود القطن قبل وجود الغزل |
النبات ووجود النبات قبل وجود القطن ووجود القطن قبل وجود |
|
١٤ |
نفس الصفحة، س ١٣ |
والثوب قبل القميص |
و وجود الثوب قبل وجود القميص |
وجود / وجود |
|
١٥ |
ص ٤٨ س ١ |
ولو توهم مستغن عنها |
ولو توهم ارتفاعه ارتفع الأعداد ولو توهم ارتفاع الأعداد لم يرتفع الواحد وكل عدد مفتقر إلىٰ الواحد والواحد مستغن عنها |
ارتفاعه ارتفع الأعداد ولو توهم ارتفاع الأعداد لم يرتفع الواحد وكل عدد مفتقر إلىٰ الواحد والواحد |
|
١٦ |
ص ٤٨ س ١٨ |
واجب الوجود لذاته |
واجب الوجود لذاته لا بموجب أوجده |
لا بموجب أوجده |
|
١٧ |
ص ٥٢ س ٣ |
الموجودات في العالم من انواع التغيرات |
الموجودات في العالم لا ينفك من انواع التغيرات |
لا ينفك |
|
١٨ |
ص ٥٤ س ٨ |
عدل إليها |
عدل إليها فقال هذا ربّي هذا أكبر |
فقال هذا ربّي هذا أكبر |
|
١٩ |
ص ٥٥ س ١٩ |
الفاعل الذي لا يتقدمه فاعل |
الفاعل الأول الذي لا يتقدمه فاعل |
الأول |
|
٢٠ |
ص ٦٠ س ٣ |
من ثلاثة أوجه |
من أحد ثلاثة أوجه |
أحد |
|
٢١ |
ص ٦٢ س ١٠ |
الطريق المتوصل إلىٰ معرفة الله |
الطريق المتوصل بها إلىٰ معرفة الله |
بها |
|
٢٢ |
ص ٦٤ س ٧ |
لم يكن في بداية العقول |
لم يكن معرفته في بداية العقول |
معرفته |
|
٢٣ |
ص ٧٩ س ٢ |
ذهب صنف من الفلاسفة ان الله تعالىٰ |
ذهب صنف من الفلاسفة إلىٰ ان الله تعالىٰ |
إلىٰ |
|
٢٤ |
ص ٨١ س ١٣ |
ثم كان من نحو يحيي ويميت ففيه تنبيه |
ثم ما كان من نحو هو يحيي ويميت ففيه تنبيه |
ما / هو |
|
٢٥ |
ص ٢٦٩ س ٩ |
الارادة والمشيئة |
تحقيق الارادة والمشيئة |
تحقيق |
ج: إدراج بعض الكلمات والعبارات الزائدة في المتن:
ومن العثرات والنواقص الأخرىٰ في تصحيح شِمران العَجَلي هي إدراج الكلمات والعبارات الزائدة في النصّ، ومن المعلوم أنّ إدراج الكلمات الزائدة في النصّ يزيد من صعوبة قراءته وفهمه، كما يكشف إدراجها أيضاً عن عدم مبالاة المصحّح وتهاونه وإهماله في المقابلة الصحيحة والدقيقة لنسخ الكتاب مع بعضها البعض، وتهاونه في معالجة النصّ وقراءته وتصحيحه. وفيما يلي نذكر عدداً من هذه العبارات الزائدة في القائمة أدناه، كما وضعنا خطّاً تحت العبارات الزائدة منها:
١)ص ٣٤، س ٥ ـ ٦: فأشار تعالىٰ بعلم الىقىن لترون الجحىم إلىٰ ما ىحصل للانسان في الدنىا.
٢)ص ٤٧، س ٧: وفاعل كلّ مفعول، فىعلم أنّه موجود وفاعل غىر موجود [كذا: موجَد] ولا مفعول.
٣)ص ٤٨، س ١١: لكنّ العدد الواحد في العدد.
٤)ص ٥٥، س ١٠: مفعول و غير فاعل.
٥)ص ٥٧، س ١٥: المركّب لابدّ أن ينتهي إلىٰ مركّب و غير مركّب.
٦)ص ٦٤، س ٨ ـ١٠: كعقل الإنسان فإنّه يظهر العلم بوجوده لنا بما يصدر عنه من أفعاله والباري تعالىٰ لمّا لم تكن معرفة ذاته كعقل الانسان فإنّه يظهر العلم بوجوده لنا بما يصدر عنه من أفعاله من بديهة العقل ولا مدركاً بمصادمة
الحسّ لم يكن السبيل إليها إلّا بظهور آثاره.
٧)ص ٩٤، س ١١ وص١٠١، س ١٣ وص ١٩٣، س ٦: لو كشف الغطاء ما ازددت إلّا يقينا.
٨)ص ١١٧، س ١٣: الكذب و المتعرية.
د: الأغلاط المطبعية في هذا التصحيح:
بالإضافة إلىٰ سائر الاشتباهات التي ارتكبها المصحّح في هذا التصحيح، نرىٰ فيه أيضاً العديد من الأغلاط المطبعية، والتي قد زادت في الطين بلّة، حيث جعلت في قراءة النصّ نوعاً من التشويش. ونتناول في القائمة أدناه بعضاً من هذه الأغلاط:
ص ٤٥، س ١١: االمذكورين - المذكورين.
ص ٤٦، س ٦: افلال - افلاك.
ص ٥٠، س ما قبل الأخير: كالمطوق به - كالمنطوق به.
ص ٦١، س ٤: ان يتسثني - ان يستثني.
ص ٨١، س ١٣: يحي - يحيي.
ص ١٠٠، س ١: لا يبثرون - لا يبصرون.
ص ١٠٥، س ٤: قدر - قدير.
ص ١١٧، س ٢: اخد - أخذ.
ص ١١٨، س ٥: أخباراً - إخباراً.
ص ١١٩، س ٧: اصلة - أصله.
ص ١٢٠، س ١٣: للمشهابة - للمشابهة.
ص ١٢٢، س ٢: كا نبي - كل نبي.
ص ١٤٠، س آخر: لتزيل - لتنزيل.
ص ١٤١، س ١: بأذن الله - بإذن الله.
ص ١٩٢، س آخر: دارلا القرار - دار القرار.
ص ١٩٤، س آخر: يوافقوةنهم - يوافقونهم.
ص ١٩٧، س ما قبل الأخير: هل الأثر - أهل الأثر.
ص ٢٠٤، س ١٢: عيه وسلم - عليه وسلم.
ص ٢٠٥، س ٥: فرعوةن - فرعون.
ص ٢٠٦، س ٣: الصير - الصبر.
ص ٢٠٨، س ١٦: وجوهم - وجوههم.
ص ٢٤٠، س ١٥: الحجيم - الجحيم.
ص ٢٧٦، ١٢: بد - بعد.
وفضلاً عن العثرات التي إنّما ذكرناها كأنموذج فقط، فإنّ هناك أيضاً أنواعاً أخرىٰ من الأخطاء قد تسلّلت إلىٰ تصحيح شمران العجلي؛ ومن بين هذه الأخطاء نرىٰ في بعض المواضع أنّ المصحّح العجلي عندما يصعب عليه تمييز العبارة الكاملة لبعض عناوين الفصول ـ لأنّ العناوين في النسخة الخطّية مكتوبة في ضمن النصّ ـ يقوم بإدراج قسم من العنوان في داخل النصّ أو بالعكس من ذلك، وفي النتيجة يصبح أمام ناظر القارئ عبارات مبهمة وغامضة! علىٰ سبيل المثال: فقد جاء عنوان: (شرف معرفة الله المكتسبة) في وسط الصفحة: (٦١) من تصحيح العجلي، ثمّ بدأ النصّ بالعبارة التالية: «من بين المعارف وما يجب أن تجري في تحصيلها العلوم، وإن كانت كلّها شريفة فأشرفها ما كان أشرف معلوماً»، فالمصحّح لم يتمكّن من تمييز العنوان الكامل والصحيح، لذلك عوضاً من أن يدرج قسماً من النصّ وهي عبارة: «من بين المعارف وما يجب أن تجري في تحصيلها» في عنوان الفصل، قام بإدخالها في النصّ، وعلىٰ إثره تعثّر أيضاً فهم العبارات الأولىٰ التي جاءت في بداية النصّ؛ وفي الواقع فإنّ العبارة الكاملة والصحيحة للعنوان يجب أن تكون علىٰ النحو التالي: «شرف معرفة الله المكتسبة من بين المعارف وما يجب أن يتحرّىٰ
في تحصيلها»، وكذلك فإنّ الوجه الصحيح للعبارة الأولىٰ في بداية النصّ هي عبارة عن: «العلوم وإن كانت كلّها شريفة، فأشرفها ما كان أشرف معلوماً».
والأنموذج الآخر: هو ما ورد في الصفحة: (٢٨٤) وهو عنوان بالعبارة التالية: (بيان قلّة تأثير الإنسان فيما يظهر من فعله ما يظهر من فعل البشر) ثمّ تحت هذا العنوان افتتح النصّ بالجملة التالية: «هو ضربان: ضروري وهو غير منسوب إليه حقيقة... وإرادي وذلك يكون باختياره»، وقد جاءت عبارة: «ما يظهر من فعل البشر» داخل العنوان بالخطأ، حيث جعلت العنوان والنصّ مشوّشاً يصعب فهمه، في حين كان لابدّ لهذه العبارة أن تكون في أوّل النصّ وقبل جملة: «هو ضربان: ضروري وهو...».
ومع غضّ النظر عن هذه العثرات فإنّ الفهارس التي تمّ تنظيمها للكتاب أيضاً فيها العديد من الأخطاء وغير مطابقة للصفحات التي يتمّ الإرجاع لها، علىٰ سبيل المثال: في فهرست الأعلام تمّ تسجيل أرقام الصفحتين: (١٠٠و١٠٢) أمام اسم: (برزوية)، في حين أنّ هذا الاسم لم يذكر في تلك الصفحات، بل جاء في صفحتي: (١١٠و١١٢). وكذلك الكثير من الفهارس لم تكن كاملة ودقيقة، وكأنموذج: فإنّ اسم مذهب: (أهل الحديث) و(أهل الأثر) قد جاء في عدّة مواضع من الكتاب منها في الصفحة: (١١٥) ولم تذكر في فهرسة الفرق والمذاهب والأديان قطّ.
وكلّ ما ذكرناه في مقالتنا هذه إنّما هو عبارة عن نماذج قليلة من العثرات والأخطاء الموجودة في تصحيح وتحقيق شمران العجلي لكتاب الاعتقادات، وبالنظر إلىٰ الأخطاء التي ذكرناها فمن الواضح ومن المسلّم به أنّ هذه الطبعة لا يمكن الاعتماد عليها وغير متقنة، ولا حاجة أيضاً إلىٰ عرض سائر الأخطاء والعثرات الأخرىٰ الموجودة في هذا التصحيح. فإنّ كثرة الأخطاء والعثرات الموجودة في تصحيح كتاب الاعتقادات يكشف عن قلّة علمية المصحّح وعدم قدرته علىٰ إنجاز هذا العمل وبضاعته المزجاة هذا من جانب، ومن جانب آخر يبيّن إهماله وقصوره في مقابلة النسخ وضبط النصّ ومراجعته؛ فإنّ وجود بعض العبارات الغامضة
والمبهمة مثل: «المراد بالدلالة هو الموجِد الذي لا يتقدّمه موجود» (ص٥٨، س١٣) حيث جاءت فيها كلمة: (الدلالة) عوضاً عن: (الإله) إنّما يعكس غاية إهمال المصحّح، بحيث إنّه لم يراجع تصحيحه بنحو دقيق ولا حتّىٰ مرّة واحدة.
ويمكننا أن نلاحظ أنموذجاً آخر من هذا الإهمال في الثلاثة أسطر من آخر صفحة: (٩٨)، وهي عبارات زائدة ولا صلة لها بما قبلها وبعدها، ولا يجب أدراجها في النصّ أبداً؛ فإنّ عدم التفات المصحّح إلىٰ معنىٰ العبارات أدّىٰ به أن يأتي بهذه الأسطر الثلاثة في النصّ بناء علىٰ ما جاء في إحدىٰ النسخ:
قوله لموسىٰ: «لن تراني»، وذلك نفي [يتناول الدنيا والآخرة وليس ذلك كما قالوا، فإنّ (لن) إنّما هو لنفي المستقبل من الزمان، وكلامنا إنّما هو [بجرم] الفلك الذي عن حركته يكون الزمان] [علىٰ أنّ هؤلاء اضطرّوا إلىٰ استكمال أسماء مقرونة بصفات فقالوا هو الانية المحصّنة والهوية الحقّة، وهذا إثبات انية وهويّة].
ونظراً إلىٰ الأخطاء الكثيرة في هذا التصحيح فهناك سؤال يطرح نفسه: تُرىٰ هل يمكننا علىٰ أساس هذه الطبعة أن نقوم بتحليل أفكار الراغب بدقّة وننقل آراءه الاعتقادية؟ تُرىٰ هل في الواقع يمكن أن تكون مثل هذه الطبعات معوّلاً للمحقّقين ومعتمداً للباحثين في التحقيقات الكلامية؟! فمن المعلوم أنّ وجود الكمّ الهائل من الأخطاء الملفتة للنظر في هذا النصّ تؤثّر أثراً سلبيّاً علىٰ فهم القارئ وتؤدّي به إلىٰ أن ينتزع منها مفاهيم غير صحيحة وخاطئة في استنتاجاته، فإنّ مجرّد وجود أخطاء وتصحيفات بسيطة في التحقيق قد تؤدّي إلىٰ تشويش ذهن القارئ.
ونأمل أن نرىٰ في المستقبل القريب إعادة لتحقيق وتصحيح كتاب الاعتقادات القيّم للراغب الإصفهاني، ونتمنّىٰ أن يكون هذه المرّة بمنهج علمي متقن، وبالاستفادة من النسخة رقم: (٢١٤١) الموجودة في مكتبة فيض الله أفندي والتي لم يُستفَد منها حتّىٰ الآن في تصحيح هذا الكتاب، وأن يكون تصحيحاً انتقاديّاً ونصّاً محكماً وقويماً له. وبالله التوفيق.
الصورة رقم: ١
الصورة رقم: ٢
الصورة رقم: ٣
الصورة رقم: ٤
الصورة رقم: ٥
المصادر
١-أبکار الأفکار في أصول الدين: الآمدي، سيف الدين، تحقيق: أحمد محمّد المهدي، الطبعة الثالثة، مطبعة دار الکتب والوثائق القومية، القاهرة، ١٤٢٨ هـ.
٢-إرشاد الطالبين إلىٰ نهج المسترشدين: السيوري الحلّي، مقداد بن عبد الله، تحقيق: السيّد مهدي الرجائي، مكتبة آية الله المرعشي النجفي، قم،١٤٠٥ هـ.
٣-أسرار الإمامة: الطبرسي، عماد الدين، دار المرتضىٰ، بيروت، ١٤٢٦ هـ.
٤-الإشارة إلىٰ مذهب أهل الحقّ: الشيرازي، أبو إسحاق، دراسة وتحقيق: محمّد الزبيدي، دار الکتاب العربي، بيروت، ١٤١٩ هـ.
٥-أصولالدين: البغدادي، عبد القاهر، مطبعة الدولة، اسطنبول، ١٣٤٦ هـ.
٦-الاعتقادات: الراغب الإصفهاني، أبو القاسم الحسين بن محمّد بن المفضّل، تحقيق: شمران العجلي، مؤسّسة الأشرف للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، ١٩٨٨م/١٤٠٨هـ.
٧-بُغيَةُ الوُعاة في طبقات اللغويين والنُّحاة: السيوطي، جلال الدين، تحقيق: محمّد أبو الفضل إبراهيم، مطبعة عيسىٰ البابي الحلبي وشرکاه، ١٣٨٤هـ.
٨-البيان عن أصول الإيمان: السمناني، محمّد بن أحمد، تحقيق: عبد العزيز بن رشيد الأيّوب، الکويت، دار الضياء. ١٤٣٥ هـ.
٩-تاريخ حکماء الإسلام: البيهقي، ظهير الدين، عنىٰ بنشره وتحقيقه: محمّد کرد علي، مطبعة الترقّي، دِمشق، ١٣٦٥هـ.
١٠-تأسيس التقديس: الرازي، فخر الدين، تحقيق: أنس محمّد عدنان الشرفاوي، أحمد محمّد خير الخطيب، دار النور الصباح، دمشق، .
١١-تفسير الراغب: الراغب الإصفهاني، أبو القاسم الحسين بن محمّد بن المفضّل، النسخة رقم: (٨٤) مكتبة جار الله.
١٢-التمهيد: الباقلّاني، أبو بکر، عنىٰ بتصحيحه ونشره: الأب رتشرد يوسف مکارثي
اليسوعي، المکتبة الشرقية، بيروت، ١٩٥٧م.
١٣-دائرة المعارف بزرگ إسلامي: ج٩، مدخل: (اصحاب حديث): پاکتچي، أحمد، مرکز دائرة المعارف بزرگ اسلامي، الطبعة الثانية، طهران، ١٣٨٥ش.
١٤-دانشنامه جهان اسلام: ج١٩، مدخل: (راغب إصفهاني): أحمد نژاد، أمير، بنياد دائرة المعارف اسلامي، طهران، ١٣٩٣ش.
١٥-راغب إصفهاني: ميرلوحي، سیّد علي، سازمان فرهنگي تفريحي شهرداري إصفهان، إصفهان، ١٣٨٦ش.
١٦-روضات الجنّات في أحوال العلماء والسادات: الخوانساري، ميرزا محمّد باقر، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ١٤٣١ه.
١٧-رياض العلماء وحياض الفضلاء: الأفندي الإصفهاني، ملّا عبد الله، تحقيق: السيّد أحمد الحسيني، منشورات مکتبة آية الله العظمىٰ المرعشي النجفي، قم، ١٤٠٣.
١٨-ريحانة الأدب: المدرّس التبريزي، محمّد علي، انتشارات خیّام، الطبعة الرابعة، طهران، ١٣٧٤ش.
١٩-کشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد: الحسن بن يوسف، الحلّي، تحقيق: آية الله حسن زاده آملي، الطبعة التاسعة، مؤسّسة النشر الإسلامي، قم، ١٤٢٢ هـ.
٢٠-مفردات ألفاظ القرآن: الراغب الإصفهاني، أبو القاسم الحسين بن محمّد بن المفضّل، تحقيق: صفوان عدنان داوودي، الطبعة الثانية، ذوي القربىٰ، ١٤٢٣.
٢١-مناسبات فرهنگي معتزله وشيعه تا آغاز دوره انحلال معتزله در شيعه: جعفريّان، رسول، مرکز نشر سازمان تبليغات اسلامي، ١٣٧٢ش.
٢٢-النجاة في القيامة في تحقيق أمر الإمامة: البحراني، ميثم بن علي، مؤسّسة البعثة، قم، ١٤٢٩هـ.
٢٣-Key, Alexander, A Linguistic Frame of Mind: ar-Rāġib al-Iṣfahānī and What It Meant to be Ambiguous, Doctoral dissertation, Harvard University, ٢٠١٢.
٢٤-Rowson, E. ‘‘al-Rāghib al-Isfahānī’’, Encyclopaedia of Islam (New Edition), VIII, ٣٩٠.
٢٥-Wisnovsky, Robert, “One Aspect of the Avicennian Turn in Sunni Theology”, in: Arabic Sciences and Philosophy, Cambridge University Press, vol. ١٤ (٢٠٠٤).
مقدّمة التحقيق
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدّمة:
الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام علىٰ محمّد وآله الطاهرين.
الرسالة التي بين أيدينا هي ثمرة يانعة من ثمرات الفقيه الكبير السيّد علي بن السيّد محمّد علي الطباطبائي (١١٦١ـ١٢٣١ﻫ)، المعروف بصاحب الرياض ـ أي كتاب: (رياض المسائل في تحقيق الأحكام بالدلائل) ـ وهو شرح لكتاب المختصر النافع للمحقّق الحلّي (٦٠٢ـ٦٧٦ﻫ).
مؤلّف الرسالة:
هو السيّد علي بن السيّد محمّد علي بن السيّد أبي المعالي الحسني الحسيني الحائري. كان ميلاده في الكاظمية في (الثاني عشر من ربيع الأوّل ١١٦١ﻫ).
اشتغل أوّلاً علىٰ ابن خاله (أي: ابن الوحيد البهبهاني)، ثمّ حضر عند علماء وأساطين عصره ومن بينهم خاله الوحيد قدسسره ، وبعد مدّة قليلة اشتغل بالتصنيف والتدريس(١). ونقل عنه أنّه كان يحضر درس الشيخ يوسف صاحب الحدائق، وأنّه كتب جميع مجلّدات الحدائق بخطّه الشريف.
__________
(١) روضات الجنّات ٤ / ٣٨٤.
من أقوال العلماء فيه:
ـ قال الشيخ الوحيد البهبهاني قدسسره خاله وأبو زوجته، عندما أجازه بالرواية عنه: «استجازني السيّد السند، الماجد الأمجد، الموفّق المسدّد، الرشيد الأرشد، المحقّق المدقّق، العالم الكامل، الفاضل الباذل، صاحب الذهن الدقيق والفهم الملي، الطاهر المطهّر، النابغة النورانية، صاحب النسب الجليل الرفيع والحسب الجميل، والطبع الوقّاد والذهن النقّاد، ولدي الروحي».
ـ قال الشيخ أبو علي الحائري قدسسره في منتهىٰ المقال: «ثقة عالم عرّيف، وفقيه فاضل غطريف، جليل القدر، وحيد العصر، حسن الخُلق، عظيم الحلم»(١).
ـ قال السيّد محسن الأمين قدسسره في أعيان الشيعة: «المحقّق المؤسّس، الذي ملأ الدنيا ذكره، وعمّ العالم فضله، تخرّج عليه علماء أعلام وفقهاء عظام، صاروا من أكابر المراجع في الإسلام»(٢).
ـ قال عنه المحدّث النيسابوري في رجاله: «مجتهد صرف يراعي الاحتياط بما يرىٰ»(٣).
مؤلّفاته:
أكثرها في الفقه، ومنها: شرح المفاتيح، شرح النافع المعروف برياض المسائل في بيان أحكام الدلائل، ورسالة في تثليث التسبيحات الأربع في الأخيرتين، وكيفية ترتيب الصلاة المقضية عن الأموات، ورسالة في الأصول الخمسة، ورسالة في الإجماع والاستصحاب، وشرح ثانٍ علىٰ المختصر النافع اختصره من الشرح الأوّل، ورسالة في جواز الاكتفاء بضربة واحدة في التيمم مطلقاً، ورسالة في اختصاص الخطاب الشفاهي الحاضر في مجلس الخطاب، ورسالة في
__________
(١) منتهىٰ المقال ٥ / ٦٤.
(٢) أعيان الشيعة ٨ / ٣١٤.
(٣) روضات الجنّات ٤ / ٣٨٥.
تحقيق أنّ منجزات المريض تحسب من الثلث أم من أصل التركة، ورسالة في تحقيق حكم الاستظهار للحائض إذا تجاوز دمها عن العشرة، ورسالة في ترجمة الأصول الخمسة لخاله، ورسالة في بيان أنّ الكفّار مكلّفون بالفروع عند الشيعة، ومنها: رسالة في تحقيق حجّية مفهوم الموافقة(١) ـ وهي هذه الرسالة ـ وغير ذلك.
تلامذته:
وهم كثيرون، ومنهم: السيّد جواد الحسيني العاملي صاحب مفتاح الكرامة، والملّا جعفر الأسترآبادي، والشيخ محمّد صالح القزويني وأخوه الشيخ محمّد تقي، والمولىٰ محمّد شريف الآملي المعروف بشريف العلماء، والشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي، والشيخ خلف بن عسكر الكربلائي، والسيّد أبو القاسم الخونساري، وولدا المصنّف: السيّد محمّد المجاهد والسيّد مهدي وغيرهم(٢).
وفاته:
تُوفّي قدسسره عام (١٢٣١ﻫ)، بمدينة كربلاء المقدّسة، ودُفن في رواق حرم الإمام الحسين عليهالسلام ، ممّا يلي أرجل الشهداء، وقبره مُشيّد عليه صندوق جليل بارز، مكتوب عليه اسمه، واسم أُستاذه وخاله الوحيد البهبهاني المدفون بجنبه.
مواصفات النسخ:
استطعنا الحصول علىٰ نسختين لهذه الرسالة:
الأولىٰ: توجد ضمن موسوعة الذخائر الكمبيوترية (مؤسّسة كاشف الغطاء) في النجف
__________
(١) روضات الجنّات ٤ / ٣٨٤.
(٢) روضات الجنّات ٤ / ٣٨٧.
الأشرف. رقم المخطوط: (١٦٤٧)، عدد أوراقها: (١٠)، طول الورقة: (١٩ سم) والعرض: (١٣ سم)، عدد الأسطر: (٢٥)، طول السطر: (١٠سم) وهي ناقصة في أوّلها.
والثانية: مصدرها مكتبة مجلس الشورىٰ بطهران ضمن مجموع برقم: (٤٦٣٢) عبارة عن تسع صفحات بطول: (٣٠سم ) وعرض: (٢١سم).
وناسخها: محمد مهدي بن الأمير سيّد علي الحسيني.
وقد تفضّل علينا بصورتها جناب الشيخ نصير الدين كاشف الغطاء أعزّه الله.
بين يدي الرسالة:
عنوان الرسالة كما جاء في موسوعة الذخائر(١): رسالة في (حجّية مفهوم الأولوية)، وجاءت بعنوان: (حجّية مفهوم الموافقة) في روضات الجنّات وفي مقدّمة كتاب رياض المسائل بتحقيق مؤسّسة آل البيت عليهمالسلام لإحياء التراث. والمظنون أنّهما رسالة واحدة، فقد تقلَّبَ هذا المفهوم في عدّة قوالب لفظية، ومن أوائل تلك القوالب ما ورد في مختصر التذكرة بأصول الفقه الذي استخرجه أبو الفتح الكراجكي من كتاب الشيخ المفيد، فقد عبّر عنه بـ: (فحوىٰ الخطاب)، قال: «وفحوىٰ الخطاب هو ما فُهم منه المعنىٰ وإن لم يكن نصّاً صريحاً فيه بمعقول عادة أهل اللسان في ذلك، كقول الله عزّ وجلّ: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾(٢). فقد فهم من هذه الجملة ما تضمّنته نصّاً صريحاً، وما دلّ عليه بعرف أهل اللسان من الزجر عن الاستخفاف بالوالدين، الزائد علىٰ قول القائل لهما (أُفٍّ) وما تعاظم عن انتهارهما من القول وما أشبه ذلك من الفعل، وإن لم يكن من النصّ تضمين ذلك علىٰ التفصيل والتصريح.
__________
(١) موسوعة الذخائر التابعة لمؤسّسة كاشف الغطاء بالنجف الأشرف، القرص: ٦٤.
(٢) سورة الإسراء: ٢٣.
وكقولهم لأمر يخصّ: لا تبخس فلاناً حقّه من حبّة واحدة، وما يدلّ ذلك عليه بحسب العرف بينهم والعادة من النهي عن جميع البخس الزائد علىٰ الحبّة، والأمثلة في ذلك كثيرة»(١).
ومن هذه القوالب أيضاً:
ـ القياس بطريق أولىٰ(٢).
ـ قياس الأولوية(٣). أو الأولوية القطعية.
ـ وأدخله بعضهم ضمن القياس المنصوص العلّة(٤).
ـ مفهوم الموافقة(٥).
لكنّ من الواضح أنّ هذا المفهوم تأصّل وأخذ قيمته الكبرىٰ علىٰ يد الشيخ محمّد باقر بن محمّد أكمل المشتهر بالوحيد البهبهاني (١١١٦ـ١٢٠٦هـ)، ويظهر هذا من مراجعة كتب أصول الفقه من زمن المفيد إلىٰ زمن الوحيد ـ أي: حوالي سبعة قرون ـ حيث نرىٰ في آثاره اهتماماً كبيراً بهذا المفهوم، فمثلاً نراه في كتاب الفوائد الحائرية عقد عدّة بحوث تتناول هذا الموضوع، منها:
ـ الفائدة الحادية عشرة: تنقيح المناط وحجّية القياس المنصوص العلّة.
ـ الفائدة التاسعة والعشرون: في التعدّي عن مورد النصّ في الفقه.
ـ الفائدة الثالثة والعشرون من الفوائد الجديدة: حجّية القياس المنصوص
__________
(١) أصول الفقه للشيخ المفيد: ٣١ـ٣١.
(٢) الفوائد الحائرية: ١٤٩، الفائدة ١١.
(٣) قواعد أصول الفقه: ٣٨٣.
(٤) أصول الاستنباط: ٢٢، ٢٨٨، ٣٠٢.
(٥) أصول الفقه للشيخ محمّد رضا المظفّر ١/ ٩٨.
العلّة وما هو بمنزلته.
وتجد في رسائله الأخرىٰ:
ـ إبطال القياس.
ـ حجّية المفهوم بالأولوية(١).
ومن الواضح أيضاً أنّ مؤلّف الرسالة ـ صاحب الرياض ـ تأثّر بالوحيد البهبهاني كثيراً في الأخذ بقياس الأولوية، فهو أستاذه وخاله، ويظهر من كتب الرجال أنّه لم يتتلمذ إلّا علىٰ ابن خاله وخاله(٢) ـ وحضوره عند صاحب الحدائق غير مؤكّد ـ حتّىٰ أنّك تجد تشابهاً كثيراً بين رسائل الاثنين مسمّىٰ ومحتوىٰ.
ويظهر أنّ هذه الرسالة ـ التي بين أيدينا ـ كانت ردّاً علىٰ اعتراض موجّه إليه حول هذا الموضوع.
منهجية التحقيق:
اعتمدنا علىٰ المخطوطتين المذكور وصفهما آنفاً، وكان منهج العمل كالآتي:
١-تقطيع نصّ الرسالة وتنقيطه.
٢-تخريج الروايات وكذلك أقوال الفقهاء في المسألة.
٣-صفّ الرسالة بالآلة الكاتبة ومقابلتها مع المخطوط.
٤-قراءة النصّ وتقويمه وضبطه.
٥-بعد مقابلة النسختين لفّقنا بينهما في المواضع التي كانت ناقصة أو غير واضحة، وكانت الاختلافات بينها قليلة.
__________
(١) مقدّمة الفوائد الحائرية: ٢٣.
(٢) مقدّمة رياض المسائل: ٢٥.
صورة الصفحة الأولىٰ من نسخة الذخائر (مؤسّسة كاشف الغطاء)
صورة الصفحة الأخيرة من نسخة الذخائر (مؤسّسة كاشف الغطاء)
صورة الصفحة الأولىٰ من نسخة مجلس الشورىٰ
صورة الصفحة الأخيرة من نسخة مجلس الشورىٰ
[رسالة في حجّية مفهوم الأولوية]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين والصلاة علىٰ سيّدنا محمّد وآله الطاهرين. أمّا بعد، الحمد لله تعالىٰ علىٰ نعمه وأفضاله، والصلاة علىٰ رسوله والأئمّة الهادين من آله. فيقول الفقير إلىٰ الله الغني علي بن محمّد علي: أنّه بلغني رسالتك في ليلة الجمعة الليلة الحادية عشر من شهر شوّال المكرّم، واطّلعت علىٰ ما فيه من سلامتك واشتغالك بما فرحتُ به(١)، وإن ضاق صدري بما رسمتَ فيه من بعض الشبهات والمزخرفات الباردة الشاردة التي منها الشبهة في حجّية المفهوم بطريق الأولوية وإن أحسنت ـ وفّقك الله سبحانه لمراضيه، وجعل كلّ يوم منك خيراً من ماضيك ـ لصرف النظر إلىٰ استشكالها والاستطلاع عن وجه رفعها ببعث الرسالة. فأقول ـ وبالله التوفيق ومنه الهداية إلىٰ سواء الطريق ـ: إنّه لا خلاف بين علمائنا الماضين والمتأخّرين في حجّيتها، وهو إجماع قطعي، بل ربّما يمكن عدّه من أقسام الضروري، فناهيك هذه الحجّة الجلية التي من أقوىٰ الحجج الشرعية السليمة عمّا يرد عليها من الشبهات بحسب السند والدلالة كما فرّقته غير مرّة، ثمّ بعدها الكتاب والسنّة الناطقَين بحجّية المعاني العرفية والمدلولات اللغوية، وهي تعمّ المعاني المطابقية والتضمّنية والالتزامية. والمفهوم بطريق الأولوية لا يخرج عن الأولىٰ والثالثة، بناء علىٰ ما هو المشهور من أنّ
__________
(١) وردت هنا كلمة في الهامش في نسخة مجلس الشورىٰ غير واضحة: (وبالاولى) وأمّا نسخة كاشف الغطاء فهي ناقصة من أوّلها.
الوجه في التعدية بها إمّا من باب كون اللفظ الدالّ عليها منقولاً عرفيّاً، أو أنّ دلالته عليها دلالة التزامية ـ كما هو الأقوىٰ ـ.
وكيف كان فهي من أقسام الدلالة اللفظية يشملها جميع ما قدّمناه من الأدلّة علىٰ حجّية العرف واللغة.
فقولك: فإن قلتم: [ما] وجهة حصول القطع لفهم العرف؟ قلنا: نظير هذا القطع، في قطع الأصابع(١)، وقضاء الحائض صومها لا صلواتها حاصل(٢) ـ مع
__________
(١) الروايات الواردة في قطع الأصابع التي هي محلّ الشاهد كثيرة، والتي هي خلاف القياس، وحكم الشارع فيها بخلاف الأولوية، ومنها: صحيحة أبان بن تغلب الواردة في الكافي عن علي بن إبراهيم عن أبيه وعن محمّد بن إسماعيل عن الفضل بن شاذان جميعاً عن ابن أبي عمير عن عبد الرحمن بن الحجّاج عن أبان بن تغلب: «قلت لأبي عبد الله عليهالسلام : ما تقول في رجل قطع إصبعاً من أصابع المرأة كم فيها؟ قال عليهالسلام : عشرة من الإبل. قلت: قطع اثنين؟ قال: عشرون. قلت: قطع ثلاثاً؟ قال: ثلاثون. قلت: قطع أربعاً؟ قال: عشرون، قلت: سبحان الله يقطع ثلاثاً فيكون عليه ثلاثون ويقطع أربعاً فيكون عليه عشرون!! إنّ هذا كان يبلغنا ونحن بالعراق، فنبرأ ممّن قاله ونقول: الذي جاء به شيطان، فقال: مهلاً يا أبان هذا حكم رسول الله صلىاللهعليهوآله أنّ المرأة تعاقل الرجل إلىٰ ثلث الدية، فإذا بلغت الثلث رجعت إلىٰ النصف، يا أبان إنّك أخذتني بالقياس، والسنّة إذا قيست محق الدين». الوسائل ٢٩ / ٣٥٢، باب ٤٤ من أبواب ديات الأعضاء ح١.
ومنها معتبر سماعة: سألته عن جراحة النساء؟ فقال: «الرجال والنساء في الدية سواء حتّىٰ تبلغ الثلث فإذا جازت الثلث فإنّها مثل نصف دية الرجل». الوسائل ٢٩ / ٣٥٣، باب ٤٤ من أبواب ديات الأعضاء ح٢.ومنها صحيح الحلبي عن الإمام الصادق عليهالسلام في حديث: «جراحات الرجال والنساء سواء، سنّ المرأة بسنّ الرجل، وموضحة المرأة بموضحة الرجل وإصبع المرأة بإصبع الرجل حتّىٰ تبلغ الجراحات ثلث الدية، فإذا بلغت ثلث الدية ضعفت دية الرجل علىٰ دية المرأة». الوسائل ٢٩ / ١٦٣، باب ١ من أبواب قصاص الطرف ح١.
(٢) أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي في (الاحتجاج) عن أبي عبد الله عليهالسلام أنّه قال لأبي
أنّ الشارع حكم فيهما بخلاف ما تقتضيه الأولوية ـ إن كان المنظور فيه القدح في حجّية المفهومات العرفية واللغوية فواسوأتاه ووافضيحتاه!! فإنّ إنكار مثل ذلك مع كونه مخالفاً لما قدّمنا لك من الأدلّة القاطعة والبراهين الساطعة ـ فإنّي ذكرت مجمله لضيق الوقت علىٰ العجالة ـ يوجب انسداد باب إثبات الأحكام الشرعية،
__________
حنيفة في احتجاجه عليه في إبطال القياس: أيّما أعظم عند الله القتل أو الزنا؟ قال: بل القتل، فقال عليهالسلام : فكيف رضي في القتل بشاهدين ولم يرضَ في الزنا إلّا بأربعة؟! ثمّ قال له: الصلاة أفضل أم الصيام؟ قال: بل الصلاة أفضل، قال عليهالسلام : فيجب ـ علىٰ قياس قولك ـ علىٰ الحائض قضاء ما فاتها من الصلاة في حال حيضها دون الصيام، وقد أوجب الله عليها قضاء الصوم دون الصلاة، ثمّ قال له: البول أقذر أم المني؟ فقال: البول أقذر، فقال: يجب علىٰ قياسك أن يجب الغسل من البول دون المني، وقد أوجب الله تعالىٰ الغسل من المني دون البول ـ إلىٰ أن قال عليهالسلام ـ: تزعم أنّك تفتي بكتاب الله ولست ممّن ورثه، وتزعم أنّك صاحب قياس وأوّل من قاس إبليس، ولم يبنَ دين الله علىٰ القياس، وزعمت أنّك صاحب رأي وكان الرأي من الرسول صلىاللهعليهوآله صواباً ومن غيره خطأ، لأنّ الله تعالىٰ قال: ﴿فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ﴾، ولم يقُل ذلك لغيره. وسائل الشيعة ٢٧ / ٤٨.
وروىٰ الكليني عن محمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن صفوان بن يحيىٰ، عن عبد الرحمن بن الحجّاج، عن أبان بن تغلب، عن أبي عبد الله عليهالسلام قال: إنّ السنّة لا تقاس، ألا ترىٰ أنّ المرأة تقضي صومها ولا تقضي صلاتها؟ وسائل الشيعة ٢ / ٣٤٧.
ورواه البرقي في المحاسن عن أبيه، عن صفوان مثله وعن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن أذينة، عن زرارة قال: سألت أبا جعفر عليهالسلام عن قضاء الحائض الصلاة، ثمّ تقضي الصيام؟ قال: ليس عليها أن تقضي الصلاة، وعليها أن تقضي صوم شهر رمضان، ثمّ أقبل عليّ فقال: إنّ رسول الله صلىاللهعليهوآله كان يأمر بذلك فاطمة عليهاالسلام، وكان يأمر بذلك المؤمنات. وعنه، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن الحسن (الحسين) بن راشد، قال: قلت لأبي عبد الله عليهالسلام الحائض تقضي الصلاة؟ قال: لا، قلت: تقضي الصوم؟ قال: نعم، قلت: من أين جاء هذا؟ قال: إن أوّل من قاس إبليس الحديث. وسائل الشيعة ٢/ ٣٤٧.
حيث إنّها لا تستفاد غالباً إلّا من الكتاب والسنّة، وليست دلالتهما إلّا بالأدلّة اللفظية، وليس معانيها للإنسان جبلّيّاً حتّىٰ يمكن بوسيلته الفرار عن حجّية العرف واللغة، بل إنّما هو بوسيلتهما، فكيف يمكن إنكار حجّيتهما؟! وإنْ هذا إلّا مباهتة ظاهرة وغفلة عظيمة وواضحة.
[حجّية الأولوية]
وأمّا تخلّف الدلالة بطريق الأولوية في بعض المواضع، والخروج عن الحجّية فيها بالأدلّة الخارجية من كتاب أو إجماع أو سنّة، فغير قادح في الحجّية، فإنّا لم نقُل إنّ كلّا ً من العرف واللغة دلالة قطعية لا يمكن تخلّفها كالأدلّة العقلية، بل هي دلالة ظنّية قابلة للتخلّف بالبديهة، كسائر الألفاظ الدالّة علىٰ المعاني الثلاث بالدلالة التضمّنية أو الالتزامية، فإنّ لكلّ حقيقة عرفية أو لغوية مَجازات كثيرة، مضافاً إلىٰ احتمالات كثيرة منافية لإرادة الحقيقة، كاحتمال الاشتراك والنقل والإضمار وغيرها من احتمالات تبلغ هي مع السابق عشرة، [و] هي في كتب الأصول مذكورة(١)، مضافاً إلىٰ الاحتمالات الكثيرة الأخرىٰ التي هي عليها زائدة
__________
(١) هذه المواضع والاحتمالات العشرة تحصل من المشترك اللفظي واللفظ المنقول والمجاز والإضمار والتخصيص. قال الشيخ حسين الكركي (ت١٠٧٦هـ) في كتابه هداية الأبرار بتحقيق رؤوف جمال الدين: ٢٤٦ «اعلم: أنّ الاختلاف في فهم معنىٰ اللفظ إنّما يكون لأمور خمسة: الاشتراك والنقل ـ شرعيّاً كان أو عرفيّاً ـ والمجاز والإضمار والتخصيص وغير ذلك؛ لأنّ مع انتفاء الاشتراك والنقل يكون اللفظ موضوعاً لمعنىٰ واحد، ومع انتفاء المجاز والإضمار يكون المراد ما وضع له، ومع انتفاء التخصيص يكون المراد جميع ما وضع له، فلا اشتباه. وأنواع التعارض عشرة». وهذه العشرة أربعة تحصل من المشترك
واردة نحو السنّة بحسب الدلالة مطلقاً، بل والسند أيضاً إن كان آحاداً، كاحتمال التصحيف والتحريف والتغيير والتبديل والخطأ والسهو والنسيان في الرواة والكتّاب والنسّاخ، وغير ذلك من الاحتمالات التي تليت عليك مراراً كثيرة، وصارت لك كالشمس المشرقة، فلو قدح التخلّف عن الحقيقة ـ بإرادة المجاز أو غيره من الاحتمالات المخالفة لها بأدلّة خارجة ـ في الحجّية؛ لخرجت جميع الأدلّة اللفظية عنها، إذ لا لفظ إلّا وقد استعمل كثيراً في غير المعاني الحقيقية بمعونة القرينة، سيّما في الأحكام الشرعية. وتخصيص القدح بالمخالفة بخصوص الأولوية دون الدلالات الأخر ـ مع اشتراكها في وجه القدح ـ مجازفة واضحة، ومكابرة لائحة، لا يرتكبها ذو فهم ودريّة، بل ذو خبّ وجهالة.
[الأولوية والقياس]
هـذا مـع أنّ القـطع فـي نـحـو قـطـع الأصـابـع غيـر ظـاهـر، فإنّـه مـحلّ مـناقـشة بيـن الطائفـة(١)، والـرواية بإثـباتـها بـحسـب السـند
__________
وثلاثة من المنقول واثنان من المجاز و واحد من الباقي.
(١) ناقش المقدّس الأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان ١٤/ ٤٧١، في هذه المسألة حيث قال: «وبالجملة: الحكم مخالف للقواعد كما عرفته، وفي دليله أيضاً بعض المناقشات مع المخالفة في الجملة، وهو مشكل» كما ذكر المصنّف في الرياض ١٦/٢١٠، نقاشاً آخر بين من ذهب إلىٰ بلوغ ثلث الدية أو تجاوز الثلث، ويظهر من كلامه الآتي ضعف أو قصور بعض مرويّات قطع الأصابع هذه، فقال: «واعتبار البلوغ إلىٰ الثلث مذهب المشهور علىٰ الظاهر، المصرّح به في جملة من العبائر، بل وعن الخلاف الإجماع عليه، وهو الحجّة... خلافاً للنهاية والسرائر والإرشاد فاعتبروا التجاوز للنصوص، منها الصحيح: الرجال والنساء في القصاص السنّ بالسنّ، والشجّة بالشجّة والإصبع بالإصبع سواء حتّىٰ تبلغ الجراحات ثلث الدية فإذا جازت الثلث
قاصرة(١). وأمّا ثبوتها في نحو الصلاة فكذلك، لا من حيث الحكم بوجوب قضائها علىٰ الحائض؛ بل لأنّ الأولوية وإن كانت في بادئ الرأي ظاهرة إلّا أنّها بعد تعمّق النظر وتدقيقه غير واضحة، فإنّ الصلاة وإن كانت أشرف العبادات وأهمّها وأتمّها بعد المعرفة إلّا أنّ الحكم بوجوب قضائها علىٰ الحائض لكثرتها، وضعف قوّة النساء ـ في الأغلب ـ عن أدائها فضلاً عنه يوجب العسر والـحرج عليهنّ بالبداهة، وهما منفيّان فـي الشريعة، ولا كذلك قضاء الصوم فإنّه ليس عليها في كلّ سنة إلّا عشرة أيّام غايتها، وإلّا
__________
صيّرت دية الرجل في الجراحات ثلثي الدية ودية النساء ثلث الدية... وهي مع قصور جملة منها وعدم مكافأتها لما مضىٰ من وجوه شتّىٰ غير واضحة الدلالة إلّا من حيث مفهوم اشتراط الجواز في الذيل، وهو معارض بمفهوم الغاية في الصدر...». وخلاصة الكلام: إنّ الشيخ في الخلاف قال إنّ اعتبار الثلث هو المجمع عليه بينما ذهب في النهاية إلىٰ تجاوز الثلث وكذلك قال صاحب السرائر والإرشاد، ويرىٰ المصنّف أنّ روايات تجاوز الثلث قاصرة سنداً وفي صدر بعضها ما يعارض ذيلها ففي الصدر مفهوم الغاية (حتّىٰ تبلغ) وفي الذيل مفهوم الشرط (فإذا جازت) والجمع بين مفهوم الغاية والشرط بصرف مفهوم الغاية إلىٰ الشرط والعكس ممكن، فلا يرجّح الشرط علىٰ الغاية ولا الغاية علىٰ الشرط، فلا يمكن الاستدلال بهذه الرواية إلّا مع المرجّح المفقود في المقام، بل الشهرة والصحاح المستفيضة والإجماع تقف مع بلوغ الثلث فقط.
ثمّ قال: «ولولا شهرة نسبة الخلاف إلىٰ النهاية لكدت أن أقول: لا خلاف في المسألة، وإنّ التعبير بالتجاوز عن الثلث إنما وقع مسامحة».
وقال صاحب الجواهر بعدم وضوح الدلالة في أخبار التجاوز لأنّ الدلالة ليست إلّا من حيث مفهوم اشتراط الجواز في الذيل وهو معارض بمفهوم الغاية في الصدر والجمع بينهما كما يمكن بصرف مفهوم الغاية إلىٰ الشرط كذلك يمكن بالعكس (جواهر الكلام ٤٢/٨٧) وهي نفس عبارات صاحب الرياض.
وذهب بعضهم إلىٰ أنّ مفهوم الشرط مقدّم علىٰ الغاية فالترجيح معه.
(١) نوقش في سند رواية سماعة السالفة الذكر بالإضمار وبكون سماعة واقفيّاً.
فيمكن ثلاثة، فأين الأولوية؟ وما قياسك إلّا نحو قياس إبليس لعنه الله، حيث توهّم وغفل عن مزية الأصل علىٰ الفرع من وجه آخر؛ [كما] نطق به الكتاب الكريم: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾(١)، وقد ردّ قياسه الأئمّة (ع) بذلك.
فأمثال هذه القياسات وإن كانت بحسب الظاهر المترائىٰ بالنظر في بادئ الرأي قياسات جليّة، إلّا أنّها قياسات مع الفارق، فاسدة عند جميع الإمامية. فأين القطع بالأولوية الذي ادّعيته ردّاً لما استدركته علىٰ نفسك، من قولك: «فإن قلتَ: لا نسلّم حصول القطع في المثالين، والحجّة ما يحصل فيه القطع بذلك». قلنا: يحصل القطعُ فيهما ـ سيّما الثاني ـ فإنّ شدّة الاهتمام بالصلاة بما ليس في الصوم ممّا لا يجوز لأحد إنكاره، كيف!! وهي من الأعمال التي إن قبلت قبل ما سواها وإن ردّت ردّ ما سواها، وهي عمود الدين، كما صرّح به أخبار الأئمّة الطاهرين، والشاهد لذلك لزوم الصلاة علىٰ المريض المستلقي، وعدم لزوم الصوم علىٰ من يحصل له المشقّة، بل يحرم عليه.
ومع العلم باهتمامهم (ع) بالصلاة بما لم يهتمّوا بمثله في الصوم، فلو قيل إنّ الصوم يجب قضاؤه مع قطع النظر عن ورود المنع من قضاء الصلاة عليها، حصل لنا القطع بأنّ الصلاة كذلك أيضاً بطريق أولىٰ؛ فإنّ ما ذكرته ـ مع أنّه تطويل بلا طائل، ورق ليس في ضمنه حاصل ـ فإنّه لا شبهة في أولوية الصلاة من الصوم وغيرها، وكفاها شرفاً وفضلاً: عدّها بعد المعرفة ممّا لا يسمن ولا يغني من جوع، بعدما عرفت من أنّ الوجه في عدم وجوب قضائها: العسر والحرج، ولا كذلك الصوم، فيكون حينئذٍ قياس الصلاة علىٰ الصوم في وجوب
__________
(١) سورة الحجر: ٢٩.
القضاء قياس مع الفارق، يعرفه كلّ عاقل وجاهل، ويأبىٰ عن وجوب القضاء بذلك ويقطع بعدم الأولوية، فكيف يقطع بها، بل هو فاسد بالضرورة.
هذا مع ما عرفت من الجواب ـ بعد تسليم الأولوية ـ بأنّها دلالة ظاهرة ظنّية لا قطعية عقلية، لا يمكن تخلّفها ممّا هو حقيقة فيه في شيء من المواضع بالكلّية، بل ليست إلّا كالدلالات اللفظية التي لا تخرج ـ بإرادة المجاز أو غيره منها في بعض المواضع بمعونة القرينة ـ عن الحجّية في المواضع الأخر التي لم تقُم فيه تلك القرينة. أفلا سمعت المثل السائر: من أنّ الظاهر يدفع بالقاطع.
[الفرق بين القياس والأولوية]
وأمّا توجيهك الشبهة بقولك: «مع أنّ قول الرواة في الأخبار: (نقيس بأحسنه)(١) صريح في ذلك، بل هو بعينه بطريق أولىٰ»، فأوضح فساداً من أن
__________
(١) الرواية التي هي محلّ نقاش في هذه الرسالة: عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسىٰ بن عبيد، عن يونس بن عبد الرحمن، عن سماعة بن مهران، عن أبي الحسن موسىٰ عليهالسلام قال: قلت: أصلحك الله إنّا نجتمع فنتذاكر ما عندنا فلا يرد علينا شيء إلّا وعندنا فيه شيء مسطّر وذلك ممّا أنعم الله به علينا بكم، ثمّ يرد علينا الشيء الصغير ليس عندنا فيه شيء فينظر بعضنا إلىٰ بعض وعندنا ما يشبهه فنقيس علىٰ أحسنه؟ فقال: وما لكم وللقياس، إنّما هلك من هلك من قبلكم بالقياس، ثمّ قال: إذا جاءكم ما تعلمون فقولوا به وإن جاءكم ما لا تعلمون فها ـ وأهوىٰ بيده إلىٰ فيه ـ ثمّ قال: لعن الله أبا حنيفة كان يقول: قال علي وقلت أنا وقالت الصحابة وقلتُ، ثمّ قال: أكنتَ تجلس إليه؟ فقلت: لا ولكن هذا كلامه، فقلتُ: أصلحك الله، أتىٰ رسول الله صلىاللهعليهوآله الناس بما يكتفون به في عهده؟ قال: نعم، وما يحتاجون إليه إلىٰ يوم القيامة، فقلت: فضاع من ذلك شيء؟ فقال: لا، هو عند أهله». الكافي ١ / ٧٨، باب البدع والرأي والمقاييس، الحديث ١٣.
يبيّن؛ إذ بعد قطع النظر عن السند والمخالفة للأصل القاطع علىٰ تقدير صحّة ما فهمت من الرواية.
نقول: إنّ العمل بالأولوية ليس من باب القياس، كما أوضحته لك، فإنّ الحكم بالشيء من بابه لا يكون إلّا بعد ملاحظة أصوله الأربعة المشهورة: المقيس، والمقيس عليه، والحكم، والعلّة المستنبطة المشتركة، ولابدّ للحكم علىٰ الفرع بما للأصل بذلك، من إمعان نظر وملاحظة يتوقّفان علىٰ مدّة ولو يسيرة، وليس كذلك إثبات الحكم فيما عدا المنطوق بمفهوم الأولوية، لانسباق الذهن إليه بمجرّد سماع اللفظ الدالّ علىٰ الحكم في الأصل، من دون توقّف ملاحظته أصلاً، ولو كانت يسيرة، وليس ذلك إلّا من جهة الدلالة العرفية. وتسمية مثلها بالقياس ليس إلّا مجرّد شهرة، وإلّا فهي في الحقيقة إلزامية. وإنْ شئت سمّها بها وأبَ عن تسميتها بالقياس بالكلّية، مع أنّ الإباء عنها ليس إلّا مجرّد مناقشة لفظية، ليس في ضمنها حاصل ولا ثمرة، بعد وضوح ما هو الأصل فيها والحجّة.
[النهي عن القياس]
إذا عرفت ذلك، فاعلم أنّ المستفاد من الرواية ليس إلّا النهي عن القياس، وهو كما عرفت: ما ليس مستنداً إلىٰ اللفظ، بل مجرّد تشبيه الفرع بالأصل بالنظر إلىٰ الاشتراك في العلّة المستنبطة، ولمّا كان طريق الاستنباط يختلف بالوضوح والخفاء، وكان الأوّل أحسن من الثاني وأولىٰ ـ حسب الراوي ـ وظنّ انحصار المنع عن العمل بالقياس بالثاني، وهو ما كان وجه الاستنباط فيه خفيّاً، أو واضحاً ظنّياً، لا يكون أحسن بوهم احتمال الرخصة في العمل به، حيث يكون وجه الاستنباط قويّاً أقوىٰ من الظنّ في الشقّ الأوّل؛ ولذا سمّاه: حسناً أو أحسن، فسئل الإمام (ع) عن ذلك، فقال (ع): ذلك عليه، مبيّناً له أنّ القياس من حيث أنّه قياس ـ كما هو ظاهر سؤاله ـ ممنوع منه مطلقاً، وهو ممّا لا ريب فيه، ولا شبهة
تعتريه(١) عند الإمامية قطعاً، وأخبارهم متضافرة بذلك جدّاً، إلّا أنّ المنع عنه كذلك لا يلازم نفي حجّيته حيث يعتضد باللفظ ويستند إليه، فإنّ الحيثية تختلف، وأيّ مانع من أن يكون القياس من حيث إنّه قياس ـ يكون المستند في إثبات الحكم فيه مجرّد استنباط العلّة المشتركة، كما هو معناه، ولو كان الاستنباط في أعلىٰ درجات القوّة ـ ليس بحجّة من حيث هو هو، وأن يكون حجّة بعد الاستناد إلىٰ اللفظ، والاعتضاد بالدلالة العرفية. ومجرّد كونه قياساً ـ إن قُطعَ النظرُ عن الاستناد إلىٰ الدلالة اللفظية ـ لا يوجبُ الخروج عن الحجّية لو كانت إليها مستندة، ومع ذلك هذا القياس ليس بنفسه حجّة، بل بتلك الدلالة اللفظية، كيف لا؟! ولو تمّ ذلك لاقتضىٰ عدم حجّيته وإن صرّحت بما يستفاد من حكم الأدلّة القاطعة: من كتابٍ أو إجماع أو سنّة أو نحوها من الأدلّة، وتجشّم ارتكاب مثل ذلك مجازفة ظاهرة، بل خرافة واضحة.
[أدلّة النهي عن القياس هل تشمل الأولوية؟]
وبالجملة: إنّ المستفاد من الرواية ليس إلّا المنع عن القياس مطلقاً ولو بأحسنهِ، وهو غير الدلالة بالأولوية، فإنّها ليست قياساً، بل دلالة لفظية، ومجرّد الشركة في مسمّىٰ الأولوية والأحسنية لا توجب الشركة في عدم الحجّية؛ إذ ليست نفس الأولوية ممنوعة خاصّة، بل مع ضميمة أمر آخر هو كونها بعنوان القياس ومجرّد الشباهة، وهذه الضميمة في المفهوم من اللفظ عرفاً بطريق الأولوية مغفورة بلا شبهة؛ إذ ليس الاستناد فيها إلّا علىٰ الدلالة العرفية، ففي الحقيقة يكون الحجّة هو الدلالة اللفظية لا القياس بالمرّة.
ثمّ إنّه بعد تسليم دلالة الرواية علىٰ عدم حجّية القياس بطريق الأولوية اللفظية، كيف
__________
(١) الموجود في نسخة الذخائر: (تقصيرية)، والذي أثبتناه هو من نسخة مجلس الشورىٰ.
يمكن لجاهلٍ فضلاً عن عاقلٍ فضلاً عن عالمٍ أن يتمسّك بها لعدم حجّيته؟ وإن هو إلّا تمسّك بها لإفساد الدلالة العرفية التي نطقت بحجّيتها الأدلّة القاطعة المتقدّم إلىٰ ذكرها الإشارة من الكتاب والسنّة والاعتبارات العقلية القطعية، كما نبّهت عليه وسمعته منّي غير مرّة، وذلك واضح بالضرورة(١) فإنّه إفساد قطعي بمثل هذا الخبر الواحد الظنّي، وهو فاسد البتة علىٰ كلّ من الطريقة الاجتهادية والأخبارية.
وإن حصل لك عروضُ اشتباه فاستوضحه بالتدبّر، في أنّه لو ورد حديث مثلاً أو أحاديث دالّة علىٰ أنّ العرف واللغة ليس بحجّة، هل كنت تقبله وتصحّحه أو تردّه؟
وقوله: أخرجتني(٢) أن يقول سبحانه بعد قوله: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾: اضربهما أو اقتلهما أو اشتمهما، وافعل أنواع الأذىٰ بالإضافة إليهما، وحاشا عن عاقل أن يرضىٰ به فضلاً عن عالم. والرواية المزبورة ـ علىٰ تقدير دلالتها علىٰ عدم حجّية الأولوية اللفظية كما أعربت عن الخرافة المتقدّم إليها الإشارة ـ من قبيل الرواية المجوّزة لتلك الأنواع من الأذىٰ بعد الآية السابقة بتحريم التأفيف البتّة، وهل كنت تقبلها أم تردّها؟ أو تؤوّلها؟ ولا أراك أن تعترف بالقبول(٣)، ولو اعترفت به لدخلتَ في أنواع البهائم، وخرجت من عداد أرباب العقول وصرت كالمجهول، وكنت أولىٰ بالجنون، وكفاك ذلك خزياً، بل كنت بعد ذلك عن الآدمية مطروداً. فإيّاك ثمّ إيّاك أن تحوم حول هذه الشبهات والخرافات الباردات، فإنّها مهلكات رديّات: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾(٤).
__________
(١) الموجود في نسخة الذخائر: (بالظاهر)، والذي أثبتناه هو من نسخة مجلس الشورىٰ.
(٢) الكلمة في كلا النسختين غير واضحة وما أثبتناه يحتمل غيره.
(٣) نسخة مجلس الشورىٰ: القيود.
(٤) سورة يوسف: ٥٣.
[عمومات المنع عن العمل بالقياس هل تشمل الأولوية]
وأمّا قولك: «علىٰ أنّ عمومات المنع عن العمل بالمقاييس تشمله؛ لصدق اسم القياس علىٰ ما نحن فيه، مثل ما ورد في الخبر: أنّ أصحاب المقاييس طلبوا العلم بالمقاييس، فلم يزِدهم المقاييس عن الحقّ إلّا بُعداً، وأنّ دين الله لا يُصاب بالمقاييس(١)، وغيره من الأخبار التي تعرفونها» ـ فلا وجه للإطالة بذكرها ـ فقد ظهر الجواب بما حقّقناه في الجواب عن تلك الرواية، فإنّ القياس بطريق الأولوية الذي اتّخذه علماؤنا الأصوليّون حجّة ليس قياساً حقيقة، بل دلالته لفظية عرفية التزامية، أو حقيقية منقولة، فأيّ دخل ومناسبة للاستدلال علىٰ عدم حجّيتها بمثل هذه الإطلاقات التي لا دلالة فيها إلّا علىٰ فساد القياس الذي هو عبارة عن إثبات حكم الأصل للفرع بمجرّد المشابهة، والاشتراك في العلّة المستنبطة بطريق المظنّة ولو كانت في أعلىٰ درجات القوّة فإنّها ممنوعة للفرع بمجرّد الشباهة والاشتراك فيها في نحو المسألة، حيث لم تستند إلىٰ لفظة ظاهرة في التعدية بحسب العرف واللغة، وأمّا مع الاستناد فليس قياساً بل دلالة لفظية، وإن كان لولاها لكان قياساً محضاً فاسداً في الشريعة إلّا أن فساده كذلك لايستلزم فساده مع الاستناد ـ كما لا يخفىٰ علىٰ ذوي الفهم والسداد ـ وكفاك هذا جواباً عن قولك.
فإن قلتم: إنّ لفظ القياس الوارد في الأخبار مفرد محلّىٰ باللام يفيد العموم الإطلاقي لا الأفرادي؛ فينصرف إلىٰ الأفراد الغالبة في ذلك الزمان وهي: المستنبطة العلّة.
قلنا: هذا صحيح فيما ورد مفرداً، وأمّا مثل الخبر المتقدّم وأمثاله ممّا ورد بلفظ
__________
(١) الكافي: باب البدع والرأي والمقاييس، الحديث ٧.
الجمع المعرّف المفيد للاستغراق فلا؛ فإنّا نقول: إنّ مثل هذا المفرد المحلّىٰ باللام للعموم الاستغراقي بلا كلام، إلّا أنّ الكلام في موضع القياس ومفهومه اللغوي والعرفي والاصطلاحي، وقد عرفتَ أنّه نفس التشبيه المثبّت بمجرّده الحكم، وأين هذا من اللفظ الدالّ عليه بالطريق العرفي، فإنّه حجّة لما تقدّم من الأدلّة. ومشابهة القياس في محض الأولوية بعد وضوح الفرق بينهما بالدلالة العرفية اللفظية هنا وعدمها ثَمَّةَ، غير قادح ـ كما مضىٰ إليه الإشارة ـ.
وبالجملة: لا فرق بين مثل هذا المفرد المحلّىٰ باللام وقوله (ع): «كلّ قياس حرام» والجمع المعرّف باللام.
فإن قلتَ: لا ريب في تسمية الأصوليّين القياس بطريق الأولوية قياساً فيدخل في عموم الرواية.
قلنا: لا ريب ولا شبهة، إلّا أنّ الاستعمال أعمّ من الحقيقة والمجاز، وعلىٰ تقدير دخوله فيها وكونه قياساً حقيقة كان خارجاً عن العموم بما قدّمناه من الأدلّة القاطعة، وما من عام إلّا وقد خُصّ. هذا مضافاً إلىٰ أنّ إفادة الجمع المحلّىٰ باللام العموم مشروط بعدم ظهور معهود في الذهن أو الخارج كاشتراطه في إضافة المصدر إيّاه، حيث إنّ إفادتها إيّاه مشروط بعدم معهود، فأيّ مانع من أن يكون الجمع المحلّىٰ باللام في الرواية هنا إشارة إلىٰ القياسات العامّية، ومجرّد الاحتمال كافٍ في دفع الاستدلال، سيّما مع قوّة هذا الاحتمال بملاحظة إضافة الأصحاب إلىٰ المقاييس، فإنّها قرينة واضحة علىٰ أنّ المراد بالمقاييس هو القياسات العامّية، فإنّ أصحابها ـ حيث تطلق كما يستفاد من الاستقراء وقرائن الأحوال وغيرها ـ إنّما هم العامّة العمياء ـ خذلهم الله تعالىٰ ـ.
ثمّ علىٰ تقدير التنزّل والتسليم بإرادة العموم وعدم سبق معهود، نقول: إنّ الممنوع منه في الرواية ليس إلّا العمل بكلّ قياس، إذ معه يصحّ أن يقال: أصحاب المقاييس، وإلّا فالعاملون بقياس دون قياس لا يصحّ إطلاق أصحاب المقاييس عليهم، فتأمّل.
فلعلّ ذمّهم من حيث أنّ عملهم بكلّ قياسٍ كان، وهو يستلزم العمل بالقياس المحرّم، لا من حيث العمل بل من حيث صحّ أنّه قياس يكون مذموماً(١) حيث حصل ولو كان متعلّقه القياس الحلال، وإثبات المذمّة من هذه الحيثية أيضاً خرط القتاد. ثمّ بالعاقل كيف يمكن الاستناد إلىٰ مثل هذه الرواية لدفع القول بحجّية الأولوية العرفية بضميمة ما مرّ من القاعدة الأصولية المستفادة من العرف واللغة، فإن كانا حجّة معتبرة يمكن أن يثبت بها الأحكام الشرعية واللغوية، كانا حجّة في إثبات حجّية المفهوم بطريق أولىٰ، وإلّا فلا وجه للاستناد إلىٰ الرواية ـ بناء علىٰ أنّه لا مستند للقاعدة المتمّم بها الاستدلال ـ سوىٰ العرف، وقد فُرض أنّهما لا يصلحان للحجّية، والقول بحجّيتهما في الرواية دون الأولوية مجازفة فاحشة وخرافة ظاهرة وترجيح من غير مرجّح في الظاهر، وأفحش من هذه وأقبحها الذي لا ينبغي النظر إليه ولا العروج في مقام التحقيق عليه ـ فإنّه قبيح وأيّ قبيح ـ قولك الفاسد وسؤالك الشارد البارد القاصر، هذا مع أنّه ربّما كان في الحكم غير الأولىٰ خصوصية ومدخلية لا يكون في الأولىٰ، والقول بأصالة عدم المدخلية معارض بأصالة عدم ثبوت التكليف بالقياس فيما يثبت به، وذلك فإنّا بعد أن فرضنا قيام الحجّة من العرف والعادة باعتبار المفهوم بطريق الأولوية حصل لنا المظنّة، ولا يضرّنا بَعْدُ الاحتمالات النادرة الغير الظاهرة، كيف لا!! ولو ضرَّ لانسدَّ باب إثبات الأحكام الشرعية بالأدلّة الظنّية، ولانسدَّ باب الاجتهاد والتقليد بالمرّة، إذ ليسا إلّا في الأمور الظنّية لا الأمور القطعية، وليس معنىٰ الظنّ إلّا ما يحتمل الخلاف، ففتح باب القدح في الاستدلال بقيام مثل هذا الاحتمال عبارة أخرىٰ عن أنّه لا يجوز العمل بالمظنّة، وأنت لا تقولها بلا شبهة، وكذا كلّ من له فهم ودريّة، والنافع لهذا الاحتمال ليس إلّا الأصل الذي ذكرتموه في العبارة، ونقضه بالأصالة الأخرىٰ النافية للتكليف بالمرّة قباحة فاحشة، لا يخفىٰ علىٰ غير ذي
__________
(١)في نسخة مجلس الشورىٰ: «لا من حيث العمل بل من حيث إنّه قياس يكون مذموماً».
لبّ وبهيمة، وذلك فإنّه لو صحّ النقض المذكور والمغايرة المزبورة، لسرت في جميع الدلالات اللفظية والحجج الظنّية؛ إذ ليس منها رواية إلّا ودلالتها علىٰ إثبات التكاليف والأحكام المخالفة للأصول ظنّية محتملة، للاحتمالات الكثيرة التي لا يقوم معها الاحتجاج بشيء منها بالمرّة. وديدن العلماء كافّة ـ جيل بعد جيل وحديث بعد حديث ـ أنّهم لا يزالون يدفعون تلك الاحتمالات في سند كانت أو متن أو دلالة أو عرف أو لغة أو غير ذلك من الأمور المستدلّ بها في الأحكام الشرعية من الأدلّة الظنّية بأصالة العدم. وهل رأيت أحداً منهم عارض شيئاً من الأمور المزبورة بما ذكرتَه من الخرافة الفاحشة، وهي أصالة البراءة وعدم ثبوت شيء من الأحكام الإلهية بالمرّة، وهل تتكلّم أنت بمثل هذه الخرافات في غير المسألة؟ ولو تكلّمتَ؛ فما جوابك عمّن يطالبك بإثبات الأحكام الشرعية بالأدلّة الظنّية؟ وهل يمكنك الجواب عن ذلك بشيء غير دعوىٰ الإجماع، وقضاء الظاهر ورجحان تلك الأصول علىٰ أصالة البراءة؟ وأنّ ذلك من أوضح الواضحات وأبده البديهيّات، عند كلّ أحد حتىٰ اللواتي من في البيوت مخدّرات، ومع أرباب العلوم والعقول غير مستأنسات.
وإذا ثبتت تلك الدعوىٰ ورجعت إلىٰ تلك المعارضة القبيحة الشنيعة لم يبقَ لك دلالة ظنّية بالكلّية، ولازم هذا الارتداد عن الدين والدخول في طوائف الدهرية؛ إذ ليس لنا لو اقتصرنا في الأحكام علىٰ ما يثبت بالأدلّة القاطعة إلّا أحكام قليلة، كاد أن يُعدَّ المقتصر عليها والذابّ عمّا عداها من فرق الدهرية، وهو ليس له من الإسلام نصيب، ويقول الفارسي: لا بهره(١).
وممّا ذكرنا ظهر الفساد في قولك: «ونظير ما ذكرنا جارٍ في منصوص العلّة»، فإنّ ذلك أيضاً خرافة واضحة، بناء علىٰ أنّ المستند في حجّيته هو العرف والعادة
__________
(١) بهره: كلمة فارسية تعني حصّة وقسمة. المعجم الذهبي (فرهنك طلائي) للتونجي.
والدلالة الالتزامية، لا أنّه قياس، وإنّما سمّي بقياس منصوص العلّة، فإنّ الاستعمال أعمّ من الحقيقة والمجاز، واحتمال الخصوصية بعد ظهور الدلالة العرفية غير قادح بعين ما مرّ إليه الإشارة.
وبالجملة: حيفاً عليك، ثمّ حيفاً عليك(١) أن يُجعل مثل هذه الخرافات شبهة، وتتأمّل بها في حجّية القياس بطريق الأولىٰ، والمنصوص العلّة، بل أوصيك بوصية أكيدة(٢)، أن لا تظهر أمثال هذه الشبهات عند علماء تلك الناحية؛ فإنّي أخاف أن يتّخذوك مجهولاً أو يرموا بك رئيّاً.
[الأدلة الشرعية وعددها]
وأمّا ما سألت من الوجه في تنويع العلماء الأدلّة علىٰ خمسة بقولك: «ثمّ نقول: تنويعكم الأدلّة علىٰ خمسة يدلّ علىٰ أنّ كلّا ً من الخمسة دليل مستقلّ غير الآخر، والحال أنّه ليس كذلك، فإنّ معنىٰ أصل البراءة: أنّ كلّ شيء مطلق حتّىٰ يرد فيه نهي؛ ومعنىٰ الاستصحاب: هو بعينه لا تنقض اليقين إلّا بيقين مثله، فإن عنيتم بهما ذلك، فلا وجه لجعلهما قسمين للأخبار؛ إذ هما بينهما عمومات الأخبار، وإن عنيتم غيره فبيّنوه».
أقول ـ وبالله التوفيق ـ: إنّ الأدلّة أربعة لا خمسة، بإخراج الاستصحاب وإدخاله في الأدلّة اللفظية عند جمع، أو السنّة عند آخرين ـ وهو الحقّ ـ.
وحينئذٍ نقول: وجه مغايرة الكتاب والسنّة وصحّة جعل أحدهما قسيماً للآخر واضحة، وكذلك الإجماع، لمغايرة كلّ منهما للآخر، والدليل الرابع هو العقل؛ وجعله
__________
(١) نسخة مجلس الشورىٰ: (حيفًا عليك ثمّ حيفًا لك). وما أثبتناه أنسب.
(٢) نسخة مجلس الشورىٰ: وكيدة زاكية.
دليلاً للحكم الشرعي بناء علىٰ التلازم الثابت بين حكميهما عند الإمامية، وليس الرابع هو أصالة البراءة خاصّة، بل هو العقل، وله أقسام، منها البراءة الأصلية، وعلىٰ تقدير أن تكون هي خاصّة الدليل الرابع، لا قدح في جعله قسيماً بمجرّد دلالة بعضها عليه، إذ المنشأ بجعلها دليلاً حقيقة هو الدلالة القطعية الاعتبارية التي ليست السنّة بلا شبهة، غاية الأمر أنّه اتّفق اعتضاد تلك الدلالات بالأدلّة الأخرىٰ الثلاثة من الكتاب والسنّة والإجماع، وهو لا ينافي التنويع والتقسيم من الحيثية التي لولا الأدلّة الثلاثة لكانت بإثبات حجّية البراءة الأصلية مستقلّة، كيف لا ولإن قدح ذلك في التنويع لما أمكن التقسيم بشيء ولو بالكتاب والسنّة خاصّة، فإنّ في كلّ منهما ما يدلّ علىٰ حجّية الآخر بالبديهة، ومع ذلك جعلهما العلماء ـ أخباريّهم ومجتهدهم ـ نوعين وقسمين، وما ذلك إلّا لاختلاف الحيثيّتين، مع أنّ ذلك مجرّد اصطلاح وليس فيه مشاحّة، فأنت إن شئت قلت: الدليل اثنان: الكتاب والسنّة، بل وإن شئت قلت: هو واحد، فإنّ مرجعهما إلىٰ قول الشارع، وهو الله سبحانه.
وأمّا ما ذكرت في تتمّة الرسالة فما فهمته وما تيسّر الملاحظة لضيق الوقت والاستعجال غاية الاستعجال، فإن القافلة بالمسافرة فكتبته في الليلة المذكورة مع البال بالبال واختلاف الحال، وكثرة الاشتغال. وأمّا الرسالة علىٰ حجّية الأدلّة الأربعة أو الخمسة فسأكتبها(١)ـ إن شاء الله تعالىٰ ـ.
تمّت الرسالة(٢) بعون الملك ورسوله وآله الكرام.
__________
(١) لا يبدو أنّه كتبها. والمذكور في مؤلّفاته: رسالة في الإجماع والاستصحاب، ورسالة أخرىٰ في حجّية الشهرة. انظر: روضات الجنّات ٤ / ٣٨٤.
(٢) جاء في نسخة مجلس الشورىٰ: تمّت الرسالة بيد الحقير محمّد مهدي بن الأمير سيّد علي الحسيني عفىٰ الله عنهما.
المصادر
١-أصول الاستنباط: للسيّد علي نقي الحيدري، انتشارات نعيم، قم ١٤١٨هـ.
٢-أصول الفقه: للشيخ المفيد، مركز الدراسات والبحوث العلمية، بيروت، ١٤٠٨هـ.
٣-أصول الفقه: للمظفّر، مجمع أهل البيت، إيران.
٤-أعيان الشيعة: للسيّد محسن الأمين، تحقيق: حسن الأمين، دار التعارف للمطبوعات بيروت.
٥-جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام: لمحمّد حسن النجفي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
٦-روضات الجنّات: للخونساري، الدار الإسلامية، بيروت، ١٤١١هـ.
٧-رياض المسائل: للسيّد علي الطباطبائي، تحقيق: مؤسّسة آل البيت عليهمالسلام لإحياء التراث، قم، ١٤١٨هـ.
٨-فقه الثقلين في شرح تحرير الوسيلة: للشيخ يوسف الصانعي، مؤسّسة عروج، ١٤٢٤هـ.
٩-الفوائد الحائرية: للوحيد البهبهاني، مجمع الفكر الإسلامي، قم، ١٤٢٤هـ.
١٠-قواعد أصول الفقه علىٰ مذهب الإمامية: إعداد مجمع فقه أهل البيت عليهمالسلام ، انتشارات تفسير، قم ١٤٢٣هـ.
١١-الكافي: للكليني، دار أسوة للطباعة والنشر، قم، ١٤٢٤هـ.
١٢-مجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد الأذهان: للشيخ أحمد بن محمّد الأردبيلي (المقدّس الأردبيلي)، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين، قم.
١٣-المعجم الذهبي (فرهنگ طلائي): للتونجي، دار العلم للملايين، بيروت، ١٩٨٠هـ.
١٤-منتهىٰ المقال في احوال الرجال: للشيخ محمد بن إسماعيل المازندراني (أبو علي الحائري)، تحقيق: مؤسّسة آل البيت عليهمالسلام لإحياء التراث، قم.
١٥-هداية الأبرار: للشيخ حسين الكركي، تحقيق: رؤوف جمال الدين، مطبعة النعمان، النجف، ١٣٨٦هـ.
١٦-وسائل الشيعة: للحرّ العاملي، تحقيق: مؤسّسة آل البيت عليهمالسلام لإحياء التراث، قم.
مقدّمة التحقيق
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين وصلّىٰ الله علىٰ محمّد وآله الطاهرين وبعد فقد قمنا بتحقيق هذه المخطوطة للعالم الجليل الشيخ عبد السميع اليزدي.
كانت الحوزة العلمية في كربلاء وما زالت صرحاً علميّاً ومركز إشعاع فكري، إذ ساهمت في خلق كوكبة من جهابذة العلماء علىٰ مرّ التأريخ وعلىٰ وجه الخصوص في القرن الثالث عشر الهجري، ولعلّ من الأمور المؤثّرة في تشكيل الحركة العلمية في كربلاء واستيطان بعض رجال العلم واتّخاذهم إيّاها مقرّاً لمسيرتهم العلمية هو قبر المولىٰ أبي عبد الله الحسين عليهالسلام ، وكان لهذه الحوزة المقدّسة أثر بارز في حفظ التراث الإسلامي علىٰ وجه العموم، والتراث الشيعي علىٰ وجه الخصوص، وكان لها فضل في نشر العلوم وترويجها، وصارت مأوىٰ ومركز إشعاع علمي يقصده طلّاب العلم ومبتغوه من مختلف أنحاء العالم، والشيخ عبد السميع اليزدي هو من نتاج هذه الحوزة العلمية المباركة.
وعندما أردنا أن نكتب عن حياته تصفّحنا كتب التراجم وغيرها من المصادر لعلّنا نحصل علىٰ ترجمة وافية لحياة الشيخ عبد السميع اليزدي فلم نجد إلّا نزراً من ذكره، وهذا ممّا يؤسف له فإنّ التاريخ لم يحفظ لنا تفاصيل حياة هذا العالم الجليل الذي وصف بالمحقّق المدقّق(١).
__________
(١) ينظر: شرح العروة الوثقى: ٢٤.
ومن اطّلاعنا علىٰ مؤلّفاته اتّضح أنّه عالم فقيه أصولي نحوي، متضلّع في بعض العلوم ولاسيّما النحو والشعر فهو نحوي نحرير، ومن يطالع ما كتبه في النحو يعرف قدرته النحوية وثراء ذاكرته في عرض الآراء وربطها وتحليلها والخروج برأي منها، إلّا أنّ التاريخ والمؤرّخين لم ينقلوا لنا تفاصيل حياته فهو لم يحظَ بشهرة، ولم نجد شهرة لمؤلّفاته علىٰ كثرتها وتنوّعها، مع أنّه عاش في كربلاء وألّف كتبه فيها كما ينصّ علىٰ ذلك في كتبه إلّا أنّنا لم نجد عناية بها ممّن اهتمّ بتراث كربلاء، وكذلك لم نجد من تحدّث عن وفاته ولا تأريخها، وهذا من الأمور العجيبة الغريبة في تأريخ علمائنا فبعضهم لا نعلم عنه شيئاً. ولعلّ السبب في عدم شيوع صيت الشيخ عبد السميع اليزدي تواضعه وزهده وبُعده عن الدنيا، وكذلك ربّما يكون فقره وقلّة ذات يده دفعه إلىٰ الانعزال وعدم الظهور.
أمّا ما وصلنا من معلومات عنه فقد جمعناها وقرأناها فنقول:
هو عبد السميع بن محمّد علي بن أحمد بن محمّد بن سميع اليزدي الرازي الحائري، لقّب نفسه بـ: (نظام الدين)(١)، من أعلام القرن الثالث عشر كان حيّاً سنة (١٢٦٠هـ)، ولد في إيران ولا نعرف في أيّ مدينة ولكن يمكن القول إنّه ولد في يزد؛ لأنّه ينسب إليها، تلقّىٰ علومه في مدينته وبعد ذلك قصد العراق، واستقرّ به المقام في مدينة كربلاء المقدّسة في وقت كانت كربلاء محطّ رحال العلماء وكانت حاضرة علمية وحوزة كبيرة، ومن العلماء الذين عاصرهم الشيخ اليزدي السيّد حسين دلدار النقوي الهندي(٢)، وطول باعه في العلوم والتأليف يدلّ علىٰ كثرة
__________
(١) ينظر: الكرام البررة ٢/٧٣٢.
(٢) ينظر: المصدر نفسه.
أساتذته من علماء كربلاء ومن أبرز أساتذته السيّد إبراهيم القزويني الحائري(١).
كان الشيخ عبد السميع عالماً بارعاً في الفقه والأصول، وهو أديب وشاعر صاحب ملكة في التأليف فهو يتمتّع بحافظة قوية وسرعة في التأليف، فقد ذكر في آخر بعض مؤلّفاته أنّه كان يكتب منه كلّ يوم كرّاسين من دون مراجعة إلىٰ الكتاب، كان حيّاً عام (١٢٦٠هـ/١٨٤٤م).
مؤلّفاته (٢):
له مؤلّفات عدّة منها:
١ـ غاية المسؤول ونهاية المأمول في النحو.
٢ـ نيل المرام: وهو شرح علىٰ منظومته النحوية العروة الوثقىٰ.
٣ـ سفينة الأحكام: في الفقه.
٤ـ أرجوزة في أصول الفقه.
٥ـ أرجوزة في النحو بعنوان: (العروة الوثقىٰ) وهي تقع في أكثر من مائة بيت.
٦ـ مناهج الأسرار في شرح نتائج الأفكار: في الأصول، ويقع في (٢٠) ألف بيت، وهو شرح لكتاب شيخه إبراهيم القزويني، كتبه في كربلاء في مدّة سبع سنين إلّا يسيراً وفرغ منه في ثاني ربيع الأوّل سنة ستّين ومائتين وألف (١٢٦٠)(٣)
٧ـ الرسالة النظامية في علم الأصول(٤).
__________
(١) ينظر: ضوابط الأصول: ١٠.
(٢) ينظر: الكرام البررة ٢/٧٣٥.
(٣) ينظر: الذريعة إلىٰ تصانيف الشيعة ٢٢/٣٤٢.
(٤) ينظر: تراجم الرجال ٢ / ٥٤؛ الذريعة ١ / ٤٥٩؛ الكرام البررة في القرن الثالث بعد
وفاته:
أغفل المؤرّخون ممّن ترجموا للشيخ عبد السميع بن محمّد علي اليزدي سنة وفاته، ولعلّ سبب ذلك يعود لاحتمالين كما نرىٰ؛ الأوّل: خروجه من كربلاء إلىٰ يزد مسقط رأسه، والآخر: ربّما كان عنده خلاف عقائدي مع علماء عصره، أو انتماؤه لتيّار فكري معيّن لذا أهملوا ذكره، وهذا ما لا نميل إليه، والأوّل هو المرجّح، وما ذكر عنه سوىٰ أنّه من أعلام القرن الثالث الهجري كان حيّاً سنة (١٢٦٠هـ ـ ١٨٨٤م)، وُلد في إيران وتوفّي فيها، وذكر صاحب الطبقات في ترجمته للشيخ عبد السميع اليزدي أنّ من تصانيفه: (مناهج الأسرار في شرح نتائج الأفكار) لأستاذه القزويني، فرغ منه في سنة (١٢٦٠هـ)، وقد رأيته بخطّه، وهو آخر تأريخ عرفته له، فوفاته بعده(١)، وما ذكرته التراجم في ترجمته لا يتناسب مع حجم ما تركه من موروث علمي ضخم وهذا هو موضع استغرابنا، ندعو الله أنْ يفتح لنا من أبواب علمه؛ لنكشف حلقة من حلقات حياة هذا العالم الجليل المفقودة.
رسالة اسم الفاعل:
المخطوطة موضوع البحث هي رسالة صغيرة في بيان أحكام اشتقاق اسم الفاعل من العدد مثل: حادي وثاني وثالث... كتبها مؤلّفها جواباً علىٰ سؤال سائل ولعلّه من تلامذته، فأجابه بتأليف هذه الرسالة، وقد جمعت أحكام هذا الباب بأسلوب جميل سلس بدا فيها مؤلّفه متمكّناً من النحو، عارفاً بمسائله.
__________
العشرة ٢ / ٧٣٣ـ٧٣٤.
(١) ينظر: طبقات أعلام الشيعة ١١/ ٦١٣.
وفي حدود اطّلاعنا لم نرَ من أفرد رسالة أو كتاباً في هذا الموضوع، فهذه الرسالة التي ألّفها الشيخ عبد السميع تعدّ الأولىٰ في بابها، وقد تأثّر المؤلّف بكتاب العدد لابن سيّده واعتمد عليه في بيان أحكام هذا الباب.
وكان يميل للتقسيم المنطقي، فكثيراً ما كان يقسّم المسائل علىٰ أقسام وأوجه وأضرب غايته من ذلك إيضاح المطالب بأسلوب سهل.
النسخة المعتمدة:
اعتمدنا في تحقيق هذه المخطوطة علىٰ نسخة فريدة لا نعلم لها أختاً بحدود اطّلاعنا، نسخت بخطّ المؤلّف علىٰ هامش كتاب نيل المرام للمؤلّف نفسه، وهو كتاب مخطوط تحتفظ به مكتبة الحكيم العامّة في النّجف الأشرف برقم: (٢٧١٦٩)، وتتكوّن مخطوطتنا هذه من ثلاث صحفات بهامش الصفحات (١٤٠ـ١٤٢)، بشكل معكوس؛ إذ بدأ بها في الصفحة: (١٤٢)، وانتهىٰ في الصفحة: (١٤٠)، وخطّها صغير تصعب قراءته قد بذلنا جهداً كبيراً في قراءته، وكتابته كتبت بالخطّ الفارسي.
منهج التحقيق:
قمنا بنسخ المخطوط حسب القواعد الإملائية الحديثة، وأشرنا إلىٰ نهاية الصفحات بالرمز [١و] للدلالة علىٰ نهاية وجه الورقة، [١ظ] للدلالة علىٰ نهاية ظهر الورقة، وخرّجنا ما احتاج إلىٰ تخريج كلّ حسب مصدره، وقدّمنا بين يدي التحقيق ترجمة مختصرة عن المؤلّف ومخطوطته.
صور المخطوطة
رسالة في اشتقاق اسم الفاعل من الأعداد
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله لِمَن كفىٰ، والصلاةُ والسلامُ علىٰ من اصطفى، وآله آلِ العصمة والوفا، وبعدُ:
فهذه عُجالةٌ نافعةٌ كتبتُها في مسألةِ اشتقاق العددِ علىٰ وزنِ الفاعلِ إجابةً لمسؤولٍ حرٍّ سائلٍ، واللهِ سبحانه خير معين.
فأقولُ: اعلم أنّ اسمَ الفاعلِ المشتقّ من الأعدادِ التي دونَ العشرةِ مُنصَرِفٌ علىٰ ثلاثةِ أوجهٍ:
أحدُها: أن تُجرّدَه عن الإضافةِ، فتقول: (واحد)(١)، و(ثاني)، و(ثالث)، و(رابع)، و(خامس)، ويستمرُّ كذلك إلىٰ العاشرِ.
والوجهُ الثاني: أن تضيفَه إلىٰ عددِهِ الذي اشتُقَّ منه، ويكونُ لفظُهُ موافِقاً لِلَفظِهِ، فتقولُ: (ثاني اثنينِ)، و(ثالث ثلاثةٍ)، و(رابع أربعةٍ)، و(خامس خمسةٍ)، ويستمرّ كذلك إلىٰ (عاشر عشرة)(٢)، والواحدُ خارجٌ من هذا البابِ لعلّةٍ ليس
__________
(١) بعض النحويّين عدّ (واحد) خارجاً عن هذا الوجه؛ لأنّه اسم العدد، ومن ثمّ لم يأتِ فيه الاستعمالان: الإفراد ـ لما ذكرنا ـ والإضافة إلىٰ أصله؛ لأنّ واحداً ليس له أصل يضاف إليه بخلاف باقي الأعداد، وإن كان الجميع علىٰ زنة فاعل. وبعضهم عدّ (واحداً) مع (ثانٍ) وغيره ضمن الباب المترجم له بباب اسم الفاعل المشتقّ من العدد؛ لأنّه داخل تحت هذه الترجمة. ينظر: المساعد علىٰ تسهيل الفوائد ٢/٩٥. وذكر أبو علي الفارسي أنّ (واحداً) اسم جرىٰ في كلامهم علىٰ ضربين أحدهما: أن يكون اسما لا صفة وهو قولهم: والمستعمل في العدد نحو واحد اثنان، وهذا لا يجري علىٰ موصوف علىٰ حدّ جري الصفة عليه، والآخر: أن يكون صفة كقوله تعالى: ﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾. التكملة: ٢٥٧ـ٢٥٨.
(٢) يبنىٰ اسم الفاعل هنا من اسم العدد نفسه، فتقول: ثالث ثلاثة، ورابع أربعة، وخامس
هذا موضع ذكرها.
والوجهُ الثالثُ: أن تُضيفَه، وتزيدَ علىٰ ما تضيفُه واحداً أكبرَ، بعبارةٍ أخرىٰ نقولُ: تضيفُه إلىٰ ما انتقصَ عنه بمرتبةٍ واحدةٍ، فتقولُ: (ثالث اثنين)، و(رابع ثلاثة)، و(خامس أربعة)، ويستمرُّ كذلك إلىٰ أنْ تقولَ: (عاشر تسعة)(١)، وفي (ثاني واحد) خلافٌ بين النحويّين(٢).
فالضربُ الأوّلُ لا يعملُ شيئاً، ولا يُضافُ اتّفاقاً، والمختلِفُ الألفاظِ يجري مجرىٰ اسمِ الفاعلِ، فما أُريدَ به الماضي لم يعملْ شيئاً، وما أُريدَ به الحالُ، أو
__________
خمسة، فهذا لم يقع بناؤه من مصدر استعمالي أصلاً؛ إذ لا يقال: ثلّثت الثلاثة ثلثاً، ولا ربّعت الأربعة ربعاً، ولا خمّست الخمسة، ولا ما أشبه ذلك، فلم يكن له مصدر تشتقّ منه هذه الصيغة، فثالث مشتقّ من لفظ: (الثلاثة) ورابع من: (أربعة) وهكذا ما عداها. وهو داخل في الاشتقاق السماعي، وهو الاشتقاق من أسماء الأجناس. ينظر: المقاصد الشافية ٦/٢٧٨.
(١) يبنىٰ اسم الفاعل من المصدر حقيقة، فتقول: ثالث اثنين، ورابع ثلاثة، وخامس أربعة، ونحو ذلك، فهذا النوع لم يقع بناؤه من اسم العدد نفسه، لأنّك تقول: ثلّثت الاثنين، وربّعت الثلاثة، وخمّست الأربعة، ونحو ذلك. هذا وإن كان المصدر مشتقّاً من اسم العدد، فإنّ المصدر الاستعمالي هو الأصيل في الاشتقاق، بخلاف أسماء الأجناس. ينظر: المقاصد الشافية ٦/٢٧٨.
(٢) لا يقال: ثاني واحد، لا بجرِّ واحد ولا بنصبه، بل لا يضاف إلّا إلىٰ اثنين نحو: (ثاني اثنين) أي: أحدهما، هذا مذهب سيبويه. ينظر: كتاب سيبويه ٣/٥٥٩، وفيه: «ألا ترىٰ أنّك لا تسمع أحداً يقول ثنّيت الواحد ولا ثاني واحد». وأجاز الأخفش في معانيه ١/٢٨٧، ٣٥٨: ثاني واحد، وقال الكسائي: من العرب من يقول: ثاني واحد، وقال السيرافي في شرح كتاب سيبويه ١/١١٠: «وقد ثاني واحد؛ لأنّه مأخوذ من ثنّىٰ الواحد. وحكاه الجوهري أيضاً: ينظر: الصحاح ١٤/١١٦(ثنّىٰ)؛ شرح الألفية للمرادي ٢/٢١٩؛ المساعد علىٰ تسهيل الفوائد ٢/٩٨.
الاستقبالُ جازَ أنْ يعملَ، وأنْ لا يعملَ، وأمّا المضافُ المتّفِقُّ الألفاظِ، فجمهورُ البصريّينَ والكوفيّينَ لا يُجيزونَ أنْ يعملَ شيئاً إلّا أبا العبّاسِ ثعلباً(١) فإنّ أبا الحسنِ بنَ كيسانَ(٢) ذُكر عنه أنّه أجازَ أنْ يعملَ(٣).
فإنْ قالَ قائلٌ: فلِمَ جازَ للمختلِفِ الألفاظِ أنْ يعملَ ولم يجُزْ ذلك في المتّفِقِّ الألفاظِ؟ فالجوابُ أنّ المتّفِق الألفاظِ له فعلٌ مستعملٌ يُقالُ: (ثلّثتُ الاثنين)، و(ربّعتُ الثلاثة)، و(خمّستُ الأربعة)، ونحو ذلك، فجرىٰ اسمُ فاعلِه مجرىٰ فعلِه
__________
(١) ينظر: شرح كتاب سيبويه للسيرافي ٤/٢٩١؛ العدد في اللغة: ٤٠، اختلف النحويّون في نسبة هذا الرأي فنسبه ابن مالك إلىٰ ثعلب في الكافية وشرحها ٣/١٦٨٤، وإلىٰ الأخفش في: شرح التسهيل ٢/٤١٢، وقال ناظر الجيش في ذلك: نسبه ابن مالك إلىٰ الأخفش، والمغاربة ينسبونه إلىٰ ثعلب، ونسبه قوم إلىٰ الكسائي، وقوم إلىٰ قطرب، ويجوز أنّ كلّا ً من الجماعة المذكورين قال به، فتوافقت أقوالهم، وهذا هو الظاهر؛ إذ النقول لا تدفع. ينظر: تمهيد القواعد ٥/ ٢٤٥٩.
وهو أبو العبّاس أحمد بن يحيىٰ بن سيّار الشيباني، إمام الكوفيّين في اللغة والنحو له: الفصيح. توفّي سنة (٢٩١هـ). ينظر: مراتب النحويّين: ١٥١ـ١٥٣؛ طبقات النحويّين واللغويّين: ١٥٤ـ١٦٧؛ نزهة الألبّاء: ١٥٧.
(٢) ينظر: المصدران أنفسهما. وابن كيسان هو أبو الحسن محمّد بن أحمد بن إبراهيم بن كيسان توفّي سنة (٢٢٩هـ) ينظر: طبقات النحويّين واللغويّين: ١٧٠؛ نزهة الألبّاء: ١٦٢.
(٣) في هذا النوع (المتّفق الألفاظ) مذهب ثالث يزاد علىٰ المذهبين المذكورين (وجوب الإضافة عند الجمهور، وجواز الإعمال عند ثعلب) هو التفصيل: فإن كان اسم الفاعل (ثانياً) جاز إعماله ونصب ما بعده بشرطه؛ لأنّ العرب قالت: ثنّيتُ الرجلين، أي: كنت ثانيهما. وإن كان غيره (ثلاثة فما فوق) وجبت الإضافة إلىٰ ما يليه؛ لأنّ العرب لم تستعمل منه فعلاً بهذا المعنىٰ. ينظر: شرح التسهيل لابن مالك ٢/٤١٢؛ شرح المرادي علىٰ الألفية ٢/٢١٨؛ تمهيد القواعد ٥/٢٤٦٠.
المضارعِ كما جرىٰ (ضارب) مجرىٰ (يضرب).
والمُتّفِق الألفاظِ لم يُستعملْ منه فعلٌ؛ لأنّه لا يُقالُ: (ثلّثتُ الثلاثة) بمعنىٰ كنتُ واحداً منهم، ولا (ربّعت الأربعة)، فلمّا لم يُستعملْ منه فعلٌ جرىٰ مجرىٰ الأسماءِ الجامدةِ التي حكمُها أنْ لا تُضافَ ولا تعملَ، وصارَ قولُك: (ثالث ثلاثة)، و(رابع أربعة) بمعنىٰ قولِك: (أحد ثلاثة)، و(أحد أربعة)، وبمنزلةِ قولِك: (بعض ثلاثة)، و(بعض أربعة)، ونحوُ ذلك ممّا لا يعملُ شيئاً(١)، ولهذا كان ما أجازَه أبو العبّاسِ ثعلبُ من إعمالِه خطأً عند النّحويّينَ.
وقد حكىٰ أبو الحسنِ ابنُ كيسانَ قال: قلتُ لثعلبَ: إذا كنتَ تُجيزُ (هذا ثالث ثلاثة) بالنّصبِ، فهل تُجيزُ (ثلّثتُ الثلاثةَ) بمعنىٰ كنتَ واحداً منهم؟ فقال: نعم ذلك جائزٌ علىٰ معنىٰ أتممتُهم ثلاثةً(٢)، وهذا شاذٌّ لم يعملْ عليه الجمهورُ، فإنْ قال قائلٌ: فإنْ زعمتُم أنّ المتّفِقَ الألفاظِ ليس له فعلٌ مُستعملٌ فمن أينَ قلتُم: (ثاني)، و(ثالث)، و(رابع)، وهذه أسماءُ فاعلينَ كـ: (ضارب)، و(قاتل) ويقتضي
__________
(١) هذا النوع ينصب ما بعده فيقال: ثَالِث ثَلَاثَةً لِأَنّ (ثَالِثاً) فِي هَذَا لَيْسَ يجْرِي مجْرىٰ الْفِعْل فَيصير بِمَنْزِلَة قَوْلك: ضَارب زيداً. وَإِنَّمَا هُوَ بعض ثَلَاثَة. العدد في اللغة: ٣٩. أي: تجب الإضافة في هذا القصد، لأنّ معنىٰ اسم الفاعل هذا معنىٰ البعض، فكما أنّ البعض يلزم الإضافة فكذلك ما كان في معناه؛ وسبب ذلك أنّه مشتقّ من اسم العدد نفسه، فلا إشعار له بالاشتقاق الذي يؤدّي معنىٰ الفعل، وهو سبب العمل. ومن هنا لم تنطق العرب بالفعل، فلا يجوز أن يقال: هذا ثالث ثلاثةً، كما لا يقال: هذا بعض ثلاثةً، إذ لا ناصب له فهو غير مأخوذ من فعل عامل، وهذا مذهب الجمهور. ينظر: العدد في اللغة: ٣٩؛ شرح المفصّل لابن يعيش ٤/٣١؛ المقاصد الشافية ٦/٢٨٠ـ٢٨١.
(٢) ينظر: شرح كتاب سيبويه للسيرفي ٤/٢٩١؛ العدد في اللغة:٤٠.
أن تكون مشتقّةً من أفعالٍ كاشتقاقِ (ضارب) من (يضرب)، و(قاتل) من (يقتل)(١)، فالجوابُ: أنّ في الأسماءِ التي لا تجري علىٰ فعلٍ ما صورتُه صورةُ اسمِ الفاعلِ المُشتقّ، وليس بمشتقٍّ من فعلٍ أَلا تراهم قد قالوا: رجلٌ رامحٌ، ودارعٌ أي: ذو رمحٍ، وذو درعٍ، وقالوا: كاهلٌ لأعلىٰ الكتفينِ(٢)، وغاربٌ لأعلىٰ السنامِ(٣)، وجاملٌ لجماعةِ الجمالِ(٤)، وباقرٌ لجماعةِ البقرِ(٥)، وليس لشيء من هذا فعلٌ مُستعملٌ، فكما أنّ هذه الأسماءَ مشتقّةٌ من لفظِ الرُّمحِ، والدِّرعِ، والجملِ، والبقرِ(٦)، فكذلك (ثالث) مُشتقٌّ من لفظِ الثلاثةِ، و(رابع) مُشتقٌّ من لفظِ الأربعةِ لا من فعلٍ مُستعملٍ، وأنا أحسبُ أنّ هذا المعنىٰ هو الذي غلّطَ ثعلباً وأوهمه أنّ لها أفعالاً مستعملةً فقاسَ ذلك وغلطَ، ولو كانت لها أفعالٌ مسموعةٌ من العربِ لم يخفَ ذلك علىٰ النحويّينَ.
__________
(١) هذا رأي الكوفيّين الذين يرون أنّ الأفعال أصل المشتقّات، بخلاف البصريّين الذين ذهبوا إلىٰ أنّ المصدر هو الأصل.
(٢) الكاهل مقدّم أعلىٰ الظهر ممّا يلي العنق. ينظر: لسان العرب ١١/٦٠١ـ٦٠٢ (كهل).
(٣) الغارب أعلىٰ مقدّم السنام، ومنه قولهم: حبلك علىٰ غاربك. ينظر: لسان العرب ١/٦٤٤(غرب).
(٤) الجامل جماعة من الإبل تقع علىٰ الذكور والإناث، فإذا قلت: الجمال والجمالة بالتاء ففي الذكور خاصّة. ينظر: لسان العرب ١١/١٢٤ (جمل)، وفي ٤/٧٣ منه: الجامل لجماعة الجمال مع راعيها.
(٥) الباقر جماعة البقر مع رعاتها، ينظر: لسان العرب ٤/ ٧٣ (بقر).
(٦) يريد أنّها ليست مشتقّة من فعل أو مصدر، بل مشتقّة من اسم جنس محسوس، وهذا الاشتقاق نادر؛ إذ الأصل فيه أن يكون من أسماء الأجناس المصدرية، وقد أشرنا إلىٰ ذلك سابقاً.
فإذا جاوزتَ العشرةَ [١و] جازَ وجهانِ وسقطَ الثالثُ:
فأمّا الوجهانِ الجائزانِ، فإنّكَ تقولُ علىٰ لغةِ من يقول: (ثاني)، و(ثالث)، و(رابع)، ولا تُضيفُه (هذا حادي عشر)، و(ثاني عشر) إلىٰ (تاسع عشر)، فتبني كلَّ اسمٍ منها علىٰ الفتحِ، وتجعلُهما بمنزلةِ اسمٍ واحدٍ، وكان يجبُ أن يُشتقّ اسمُ الفاعلِ منهما معاً إلّا أنّ اسمَ الفاعلِ لا يُشتقُّ إلّا من لفظٍ واحدٍ، ولا يُشتقّ من شيئينِ، فلمّا لم يجُزْ ذلك اشتققتَ اسمَ الفاعلِ من النيّفِ، وضممتَ إليه الثاني مُتمِّماً له؛ لأنّك لو أفردتَهُ منه لم يبِنْ أنّه مشتقٌّ من العددِ المُركَّبِ، ولَكنتَ بمنزلةِ من اشتقَّ اسمَ الفاعلِ من بعضِ كلمةٍ، ومَن كانَ من لغتِه أنْ يقولَ: (ثاني اثنين)، و(ثالث ثلاثة)، و(رابع أربعة)، فيضيفُ، ويجعلُ الكلمتينِ بلفظٍ واحدٍ، ففيه ثلاثةُ أوجهٍ:
أقيسُها أن تقولَ: (هذا حادي عشر أحد عشر)، و(ثالث عشر ثلاثة عشر)، فتجعلُ (حادي عشر) بمنزلةِ اسمٍ واحدٍ، وتبنيهِ علىٰ الفتحِ، وتضيفه إلىٰ (أحد عشر).
ومن العربِ من يستطيلُ الكلمةَ، فيحذفُ (عشر) من الأوّل، ويقتصرُ علىٰ اسمِ الفاعلِ المشتقّ من النيّفِ، ويضيفُه إلىٰ (أحد عشر) وأخواته(١)، فيقولُ: (هذا حادي أحد عشر)، و(ثاني اثنا عشر)، و(ثالث ثلاثة عشر) إلىٰ (تاسع تسعة
__________
(١) إنّما جاز الحذف؛ لأنّ فيما أبقوا دليلاً علىٰ ما ألقوا، فهو موفٍ بالغرض المراد؛ إذ كان المحذوف في حكم المنطوق به، وهو العجز من المركّب الأوّل، فهو يعطي من المعنىٰ ما يعطيه الأصل من غير إخلال؛ لأنّه حذف لدليل. ينظر: كتاب سيبويه ٣/٥٦٠؛ المقاصد الشافية ٦/٢٨٩.
عشرة)، ويُعربُ الاسمُ الأوّلُ لذهاب الاسم الثاني الموجب لبنائه(١)، وهذا أكثر استعمالاً من الأوّلِ، والأوّلُ أقلّ استعمالاً، وإن كان هو الأقيسُ(٢).
ومن العربِ من يحذفُ الاسمَ الآخِر من الأوّلِ، والأوّلِ من الآخِر(٣)، ويبني ما بقي علىٰ الفتحِ، فتقولُ: (هذا حادي عشر)، و(ثاني عشر)، و(ثالث عشر)، فيكونُ لفظُهُ كلفظِ الوجهِ الأوّلِ الذي لا إضافةَ فيه وذكر الكوفيّون(٤) أنّه يجوزُ إعرابُ الأوّلِ في هذه اللغةِ، قال الكسائيُّ(٥): سمعتُ العربَ تقولُ: هذا ثالث عشر وثالث عشر) فيرفعونَ الثالثَ وينصبونَهُ، قال فمَن فتحَ علىٰ كلِّ حالٍ لم يعتدَّ بالسّاقطِ، ومَن أعربَ الأوّلَ أراد: (ثالث ثلاثة عشر)، واعتدّ بالسّاقطِ وإن كان لم يذكرْه(٦).
__________
(١) حكم اسم الفاعل إذا حذف ما بعده أن يرجع إلىٰ الإعراب ولا يبقىٰ علىٰ تركيبه؛ إذ لا يمكن أن يبنىٰ مع التركيب الثاني المبني (أحد عشر ونحوه)؛ لأنّ ثلاثة أشياء لا تصير شيئاً واحداً. ينظر: كتاب سيبويه ٣/٥٦٠؛ المقتضب ٢/١٨٠؛ المقاصد الشافية ٦/٢٨٩، وفيه: ولا يقال: يبقىٰ علىٰ بنائه الأوّل؛ لأنّ المحذوف مقدّر ـ لأنّا نقول: البناء للتركيب اللفظي وقد زال، وأيضاً فالرجوع إلىٰ الأصل يكون بأدنىٰ سبب، ولا يخرج عن أصله إلّا بسبب قوي).
(٢) ينظر: المقاصد الشافية ٦/٢٩١، وفيه: إنّ الوجه الثالث الذي سيُذكر بعد هذين الوجهين هو الأكثر استعمالاً منهما.
(٣) جاز الحذف استغناء بما ثبت عمّا حذف من الأوّل لما أثبت نظيره في الثاني، ومن الثاني لما أثبت نظيره في الأوّل. المقاصد الشافية ٦/٢٦٨، وهذا الوجه أنكره المغاربة لما فيه من كثرة الحذف إذ قالوا: هذا إجحاف يحتاج إلىٰ سماع. المساعد علىٰ تسهيل الفوائد ٢/٩٦.
(٤) ينظر: العدد في اللغة: ٤٢.
(٥) ينظر: العدد في اللغة: ٤٢.
(٦) وَذكر الْكُوفِيُّونَ أَنّه يجوز أَن يجرىٰ ثَالِث بِوُجُوه الْإِعْرَاب، وَيجوز أَن يفتح فَمن أجراه
وأنكر أبو العبّاس ثعلب(١) (ثالث عشر ثلاثة عشر) ونحوه، وقال إنّما الوجهُ (ثالث ثلاثة عشر) لا غير يريد أنّه لمّا لم يجُز أن يشتقّ اسمُ الفاعلِ من الاسمين معاً صارَ ذكرُهُ الاسمَ الثانيَ مع الاسمِ المشتقّ من النّيّفِ لا وجهَ لذكرِهِ، فهذانِ الوجهانِ المذكورانِ هما المستعملانِ فيما فوقَ العشرةِ إلىٰ العشرينَ.
وأمّا الوجهُ السّاقطُ فهو المضافُ المختلِفُ الألفاظِ، كقولِك: (ثالث اثنين)، و(رابع ثلاثة)، فأكثرُ النحويّينَ(٢) علىٰ أنّه لا يجوزُ فيما فوقَ العشرةِ؛ لأنّ هذا النوعَ المُختلِفَ الألفاظِ إنّما أُتِيَ به فيما له فعلٌ مستعملٌ، وما فوقَ العشرةِ إلىٰ العشرينَ لم يُستعملْ منه فعلٌ لا من الاسمينِ معاً، ولا من أحدِهِما لا يقالُ: (ثنّيتُ الأحدَ عشرَ)، ولا (ربّعت الثلاثة عشر)، وأجازَه بعضُ النحويّينَ قياساً(٣) لا سماعاً،
__________
بِوُجُوه الْإِعْرَاب أَرَادَ: هَذَا ثَالِث ثَلَاثَة عشر، ومررت بثالث ثَلَاثَة عشر، ثمَّ حذف (ثَلَاثَة) تَخْفِيفاً، وبقي (ثَالِثاً) علىٰ حكمه. وَمن بنىٰ (ثَالِثاً) مَعَ (عشر) أَقَامَهُ مقَام (ثَلَاثَة) حِين حذفهَا، وَهَذَا قَول قريب، وَلم يُنكره أَصْحَابنَا. ينظر: العدد في اللغة: ٤٢؛ شرح المفصّل لابن يعيش ٤/٣٠.
(١) ينظر: شرح كتاب سيبويه للسيرافي ٤/٢٩١؛ العدد في اللغة: ٤٠.
(٢) وهو رأي الأخفش والمازني والمبرّد. ينظر: المقتضب ٢/١٨٣، وفيه: «كَانَ أَبُو الْحسن الْأَخْفَش لَا يرَاهُ صَوَاباً وَذَلِكَ لِأَنَّك إِذا قلت: رابعُ ثَلَاثَة فَإِنَّمَا تجريه مجْرىٰ ضَارب وَنَحْوه؛ لِأَنَّك كنت تَقول: كَانُوا ثَلَاثَة فربّعهم وَكَانُوا خَمْسَة فسدّسهم، وَلَا يجوز أَن تبني فَاعِلاً من خَمْسَة وَعشرَة جَمِيعاً؛ لِأَنّ الأَصْل خَامِس عشر أَرْبَعَة عشر وَالْقِيَاس عِنْدِي مَا قَالَ وَهُوَ قَول الْمَازِني»، واختاره الزمخشري وابن يعيش. ينظر: شرح المفصّل ٤/٣٢.
(٣) هذا الوجه أجازه سيبويه قياساً؛ إذ قال في كتابه ٣/٥٦١: «وتقول: هو خامس أربعٍ إذا أردت أنّه صيّر أربع نسوةٍ خمسةً. ولا تكاد العرب تكلَّم به كما ذكرت لك.
وعلىٰ هذا تقول: رابع ثلاثة عشر، كما قلت: خامس أربعة عشر»، ونسبه المبرّد في المقتضب ٢ /١٨٣ إلىٰ النحويّين المتقدّمين، وقال السيرافي في شرح كتاب سيبويه ٤/٢٩٢: «نحن لا نقول:
وقالوا: يُشتقّ اسمُ الفاعلِ من النيّفِ، وتُعملُه فيما بعدَه، أو تُضيفُه إليه، فتقولُ: (هذا ثاني أحد عشر)، و(ثالث اثني عشر)، فإذا بلغتَ العشرينَ سقطَ الوجهانِ المُضافانِ المُتّفقانِ في اللفظ والمختلفانِ، ولم يجُز إلّا الوجهُ الذي لا إضافةَ فيه، وهو من يقول: (ثاني)، و(ثالث) من غير إضافة [١ظ].
ولم يجُز أن تشتقّ اسمَ فاعلٍ من العقود، وإنّما تشتقُّه من النيّفِ، ولتنطقْ بالعقدِ علىٰ لفظِهِ، فتقول: (هذا العشرون)، و(الحادي والعشرون)، و(الثاني والعشرون)، فإذا بلغتَ الثلاثينَ قلتَ: (هذا الثلاثون) فأدّيت لفظ العقد بعينه ثمّ تقولُ: (هذا الحادي والثلاثون)، ويستمرّ القياسُ علىٰ هذا إلىٰ المائة، وإن شئتَ قلتَ الموفّي عشرين والموفّي ثلاثين إلىٰ المائة(١)، وإنّما لم يجُز أن يُشتقّ اسمُ فاعلٍ من العشرينَ، وما بعدها من العقودِ؛ لئلّا يلتبسُ بالفاعلِ المُشتقّ من الثّلاثةِ، والأربعةِ، والعشرةِ، وأخواتها(٢)، ثمّ تقيس المائةَ والألفَ، وما بعدهما علىٰ ما تقدّم، فتقولُ الموفّي مائة
__________
ربّعت ثلاثة عشر، ولا أعلم أحداً حكاه، فإن صحّ أنّ العرب قالته فقياسه ما قاله سيبويه».
(١) قال أبو سعيد في العقود كلّها: هو الموفّىٰ كذا وهي الموفّية كذا كقولك: «الموفّىٰ عشرين» و«الموفّية عشرين»، ينظر: شرح كتاب سيبويه للسيرافي ٤/٢٩٥؛ العدد في اللغة:٤٤؛ التذييل والتكميل ٩/٣٧٩.
(٢) ذكر أبو حيّان في التذييل ٩/٣٧٩: أنّه لم يسمع من العرب بناء اسم فاعل من العقود، فلم يقولوا عاشر عشرين، ونحوها، وعلّل ذلك بقوله: «القياس يقتضي ألّا يقال من ذلك إلّا ما سمع؛ لأنّ الاشتقاق من الأسماء الجامدة لا يقاس لقلّته». واعترض ناظر الجيش علىٰ هذا الرأي فقال: «وأعطىٰ هذا الكلام منه أنّ المانع من ذلك إنّما هو عدم الاشتقاق من الأسماء الجامدة، ومقتضاه أنّ الاشتقاق لو جاز لجاز أن يقال: ثالث ثلاثين، ورابع أربعين وهذا لا يتحقّق؛ وذلك أنّ مدلول ثالث هو العدد الزائد علىٰ اثنين بواحد، وكذا مدلول رابع: وهو العدد الزائد علىٰ الثلاثة بواحد، ولا شكّ أنّ مدلول الثلاثة، ومدلول
والموفّي ألف أو تذكرُ المائةَ والألفَ بلفظِهما، وتقيسُ ما زاد علىٰ المائةِ والألفِ علىٰ ما مضىٰ، فتقولُ: (الحادي عشر والمائة)، و(الثاني والثلاثون والألف)، وليس في ذلك إضافةٌ مُتّفقةٌ، ولا مُختلفةٌ، ولا اشتقاق من عقدٍ.
وقد حكىٰ بعضُ اللغويّينَ أنّ العربَ اشتقّت من المائةِ فقالت: أمأيت الدراهم، أي: جعلتَها مائةً(١)، وأنّهم اشتقّوا من الألف، فقالوا: ما كانت الدراهم ألفاً ولقد آلفتها، وألّفتها(٢)، وحكوا: (ربّعت التسعة والثلاثين)(٣)، أي: تمّمتها أربعين، وهذا كلّه شاذٌّ لا يقاس عليه، فهذا تمام ما أردنا بيانه في هذه العجالة، والحمد لله أوّلاً وآخراً. نمّقه مؤلّفه الحقير عبد السميع بن محمّد علي بن أحمد اليزدي عفي عنه وعن والديه.
__________
الأربعة كذلك، فمن هذه الجهة صحّت إضافة ثالث إلىٰ ثلاثة، ورابع إلىٰ أربعة، وكذا إلىٰ عاشر عشرة، وأمّا نحو: ثالث ثلاثين، فلا يصحّ لاختلاف المدلول، وإن حصل اشتراك الكلمتين في اللفظ، وذلك أنّ مدلول ثالث قد عرفته، ومدلول ثلاثين إنّما هو العدد الزائد علىٰ تسعة وعشرين بواحد، فأين أحدهما من الآخر؟ ثمّ لا يقول أحد: إنّ المراد بثالث الثلاثين واحد الثلاثين، كما قلنا: إنّ المراد بثالث الثلاثة واحد الثلاثة؛ لأنّ (ثالثاً) ليس بواحد من الثلاثين، وكذا (رابع) ليس بواحد من الأربعين، وإذا كان كذلك فكيف يتصوّر صحّة قولنا: ثالث الثلاثين، ورابع أربعين؟». تمهيد القواعد ٥/٢٤٧٣.
(١) جاء في جمهرة اللغة ٣/١٣١١: قال أبو بكر يقال: أمأيت الشيء إذا جعلته مائة، وفي المقتضب ٢/١٨٤. وفي كتاب الفصيح: ٢٨٧: وقد أمأيت الدراهم وآلفتها.
(٢) ينظر: الفصيح:٢٨٧؛ إسفار الفصيح ١/٥٥٣، وفيه: أنّ وزن أمأيت وآلفت: أفعلت.
(٣) كانوا تسعة وثلاثين فربّعتهم وكذلك سائر العقود. ينظر: كتاب الأفعال: ١٠١، وورد في صحاح اللغة ١/٢٧٦ (ثلث): كانوا تسعة وثلاثين فربّعتهم، وكذلك إلىٰ المائة، قاله أبو عبيد. ينظر: المخصّص ٥/٢١٣؛ لسان العرب ٢/ ١٢١ (ثلث).
المصادر
القرآن الكريم
١-إسفار الفصيح: محمّد بن علي بن محمّد، أبو سهل الهروي (ت ٤٣٣هـ) تحقيق: أحمد بن سعيد بن محمّد قشاش، عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنوّرة، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولىٰ، ١٤٢٠هـ.
٢-التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل: أبو حيان الأندلسي (ت ٧٤٥ هـ)، تحقيق: د. حسن هنداوي، دار القلم ـ دمشق (من ١ـ٥)، وباقي الأجزاء: دار كنوز إشبيليا، الطبعة الأولىٰ.
٣-تراجم الرجال: السيّد أحمد الحسيني، مجمع الذخائر الإسلامية، قم إيران، مطبعة خيّام ١٤٠٤م.
٤-التكملة: أبو علي الفارسي (ت ٣٧٧ هـ)، تحقيق: د. كاظم بحر المرجان، دار الكتب، جامعة الموصل، ط١، ١٩٨١م.
٥-تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد: محمّد بن يوسف بن أحمد، محبّ الدين الحلبي ثمّ المصري، المعروف بناظر الجيش (ت ٧٧٨ هـ) دراسة وتحقيق: أ. د. علي محمّد فاخر وآخرون، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، القاهرة ـ جمهورية مصر العربية، الطبعة: الأولىٰ، ١٤٢٨ هـ.
٦-جمهرة اللغة: أبو بكر محمّد بن الحسن بن دريد الأزدي (ت ٣٢١ هـ)، تحقيق: رمزي منير بعلبكي، دار العلم للملايين ـ بيروت، الطبعة الأولىٰ، ١٩٨٧م.
٧-الذريعة إلىٰ تصانيف الشيعة: الشيخ محمّد حسن الطهراني (آقا بزرك )، دار الأضواء، بيروت.
٨-شرح الألفية لابن مالك: الحسن بن قاسم المرادي (ت ٧٤٥ هـ)، تحقيق: د. فخر الدين قباوة، دار مكتبة المعارف للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة الأولىٰ، ٢٠٠٧م.
٩-شرح التسهيل: جمال الدين محمّد بن عبد الله ابن مالك الطائي (٦٧٢ هـ)، تحقيق: محمّد
عبد القادر عطا وطارق فتحي السيّد، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولىٰ، ٢٠٠١م.
١٠-شرح الرضي علىٰ الكافية: محمّد بن الحسن الرضي الاسترابادي (ت ٦٨٦ هـ)، تصحيح وتعليق: يوسف حسن عمر، منشورات مؤسّسة الصادق للطباعة والنشر.
١١-شرح العروة الوثقىٰ في النحو: علي بن عطيفة الكاظمي(ت ١٣٠٦ هـ)، تحقيق: تحرير عبد الحسين بكر، رسالة ماجستير، جامعة الكوفة، ٢٠١٩م.
١٢-شرح المفصّل: الزمخشري، يعيش بن علي بن يعيش، أبو البقاء، المعروف بابن يعيش (ت ٦٤٣ هـ) قدّم له: د. إميل بديع يعقوب، دار الكتب العلمية، بيروت ـ لبنان الطبعة الأولىٰ، ١٤٢٢ هـ ـ ٢٠٠١ م.
١٣-شرح كتاب سيبويه: أبو سعيد السيرافي الحسن بن عبد الله بن المرزبان (ت ٣٦٨ هـ) تحقيق: أحمد حسن مهدلي، علي سيّد علي، دار الكتب العلمية، بيروت ـ لبنان، الطبعة الأولىٰ، ٢٠٠٨ م.
١٤-الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية: أبو نصر إسماعيل بن حمّاد الجوهري الفارابي (ت ٣٩٣ هـ) تحقيق: أحمد عبد الغفور عطّار، الناشر: دار العلم للملايين ـ بيروت الطبعة الرابعة، ١٤٠٧ هـ ـ ١٩٨٧ م.
١٥-ضوابط الأصول: السيّد إبراهيم القزويني الحائري، تحقيق: السيّد مهدي الرجائي، نشر: العتبة الحسينية، كربلاء ـ العراق، ٢٠١٩م.
١٦-طبقات النحويّين واللغويّين: أبو بكر الزبيدي (٣٧٩ هـ)، تحقيق: محمّد أبو الفضل إبراهيم،ط١، ١٩٥٤م.
١٧-العدد في اللغة: أبو الحسن علي بن إسماعيل بن سيّده المرسي (ت ٤٥٨ هـ) تحقيق: عبد الله بن الحسين الناصر/ عدنان بن محمّد الظاهر الطبعة الأولىٰ، ١٤١٣هـ ،١٩٩٣م.
١٨-الفصيح: أحمد بن يحيىٰ بن زيد بن سيّار الشيباني بالولاء، أبو العبّاس، المعروف بثعلب (ت ٢٩١ هـ) تحقيق: د. عاطف مدكور، دار المعارف.
١٩-الكافية في النحو: ابن الحاجب جمال الدين بن عثمان بن عمر بن أبي بكر المصري الإسنوي المالكي (ت ٦٤٦ هـ)، تحقيق: د. صالح عبد العظيم الشاعر، مكتبة الآداب ـ
القاهرة الطبعة الأولىٰ، ٢٠١٠ م.
٢٠-كتاب سيبويه: عمرو بن عثمان بن قنبر الحارثي بالولاء، أبو بشر، الملقّب سيبويه (ت ١٨٠ هـ) تحقيق: عبد السلام محمّد هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة الطبعة الثالثة، ١٤٠٨ هـ ـ ١٩٨٨ م.
٢١-الكرام البررة في القرن الثالث بعد العشرة: محمّد حسن الطهراني (آقا بزرك الطهراني) (ت ١٩٥٥ هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الأولىٰ، ٢٠٠٩م.
٢٢-لسان العرب: محمّد بن مكرم بن على، أبو الفضل، جمال الدين ابن منظور الأنصاري الإفريقي (المتوفّىٰ ٧١١ هـ) دار صادر ـ بيروت الطبعة الثالثة، ١٤١٤ هـ.
٢٣-المخصّص: أبو الحسن علي بن إسماعيل بن سيّده المرسي (ت ٤٥٨هـ)، تحقيق: خليل إبراهم جفال، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت الطبعة الأولىٰ، ١٤١٧هـ ١٩٩٦م.
٢٤-مراتب النحويّين: أبو الطيّب اللغوي (٣٥٠هـ)، تحقيق: محمّد أبو الفضل إبراهيم، دار الفكر العربي.
٢٥-المساعد علىٰ تسهيل الفوائد: بهاء الدين بن عقيل، تحقيق: د. محمّد كامل بركات جامعة أمّ القرىٰ (دار الفكر، دمشق ـ دار المدني، جدّة) الطبعة الأولىٰ، ١٤٠٠ ـ ١٤٠٥ هـ.
٢٦-المقاصد الشافية في شرح الخلاصة الكافية: أبو إسحاق إبراهيم بن موسىٰ الشاطبي (ت ٧٩٠ هـ) تحقيق: مجموعة محقّقين،معهد البحوث العلمية وإحياء التراث الإسلامي بجامعة أمّ القرىٰ ـ مكّة المكرّمة، الطبعة الأولىٰ، ١٤٢٨ هـ ـ ٢٠٠٧ م.
٢٧-المقتضب: محمّد بن يزيد بن عبد الأكبر الأزدي، أبو العبّاس، المعروف بالمبرّد (ت ٢٨٥هـ)، تحقيق: محمّد عبد الخالق عظيمة، الناشر: عالم الكتب ـ بيروت.
٢٨-نزهة الألباء في طبقات الأدباء: أبو البركات الأنباري (٥٧٧هـ)، تحقيق: إبراهيم السامرّائي، مطبعة دار المعارف، بغداد ١٩٥٩.
من أنباء التراث
هيئة التحرير
|
كتب صدرت محقّقة * تحفة الطالب وبُغية الراغب. تأليف: صفّي الدين بن فخر الدين الطريحي (ق ١٢هـ). هو رسالة عقائديّة يتكلّم فيها المصنّف رحمهالله عن أصول الدين، والتي يجب علىٰ كلّ مكلّف الاعتقاد بها، بدءاً من التوحيد وختماً بالمعاد يوم القيامة، وقد ذكر رحمهالله أدلّة مختصرة في التوحيد وصفات الله تعالىٰ، مع ذكر معاجز النبي محمّد صلىاللهعليهوآله بشكل مختصر، مشتملة علىٰ عدّة مطالب. تحقيق: عليّ عبد الكاظم عوفي. الحجم: وزيري. |
|
نشر: مجمع الإمام الحسين عليهالسلام التابع للعتبة الحسينية ـ كربلاء ـ العراق. * رسالتان في إعراب (صلّىٰ الله عليه وآله). تأليف: الشيخ أحمد بن صالح آل طوق القطيفي (ت بعد ١٢٤٥هـ). تحتوي الرسالتان علىٰ بحث نحوي في إثبات أنّ الصحيح من هذه العبارة هو (وآلِهِ) بالجرّ، وهو المتّبع عند الشيعة لا (علىٰ آله) كما ذهب إليه جماعة من النحاة، اختصاصاً بالجرّ دون النصب والرفع وقد استدلّ المصنّف علىٰ ما ذهب إليه بمختلف الشواهد والأدلّة وهو بحث نحوي |
|
متنوّع ذو فائدة يعدّ باكورة عمل المؤلّف العلمي كما صرّح في آخر الطريق الثاني من الرسالة الثانية قائلاً: «ومن أراد استقصاء البحث في العطف والمعية هنا فليرجع إلىٰ رسالتنا... وهي أوّل ما نطق به لسان قلمي في عرصة الطرس بلغة البيان». وقد زوّدهما المحقّق بمقدّمة ونبذة من حياة المصنّف ومؤلّفاته وتعريفه للرسالتين ووصف النسختين المعتمدتين عنده في التحقيق، وذكر عمله عليهما من تعاليقه علىٰ كلام المؤلّف وذكره تراجم الأعلام التي وردت أسماؤهم في المتن ووضعه الفهارس الفنّية وفهرسة الموضوعات. تحقيق: السيّد صادق الحسيني الأشكوري. الحجم: وزيري. نشر: شركة دار المصطفىٰ صلىاللهعليهوآله لإحياء التراث، بيروت ـ لبنان. * عدّة السفر وعمدة الحضر. |
|
تأليف: أمين الإسلام أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي (ق ٦هـ). يحتوي هذا الكتاب علىٰ أدعية كثيرة تخصّ السفر والحضر، وقسّمها إلىٰ: أدعية الأيّام والشهور، وأدعية لقضاء الحوائج، وعند الاستخارة وغيرها من الأدعية، مع ذكر بعض الصلوات التي رغّبت الشريعة عليها. تحقيق: سامر ثامر عوض الحلّي. الحجم: وزيري. نشر: مجمع الإمام الحسين عليهالسلام التابع للعتبة الحسينية ـ كربلاء ـ العراق. * خلاصة البيان في حلّ مشكلات القرآن ج(١ـ٣). تأليف: الشيخ محمّد تقي بن حسين علي الهروي الحائري (١٢٩٩هـ). تفسير للقرآن المجيد وبيان ما أشكل علىٰ الغالب عن ظاهر آیاته، وحلّ هذه المشكلات بالإيجاز والاختصار، موضّحاً فيه دقائق معانيه ومفصحاً عن مقاصد مبانية، |
|
مشتملاً علىٰ ثلاثة أجزاء. تحقيق: حيدر عبد الرسول عوض. الحجم: وزيري. نشر: مجمع الإمام الحسين عليهالسلام التابع للعتبة الحسينية ـ كربلاء ـ العراق. * البيع (تقريرات بحث السيّد المجدّد الشيرازي) (ت ١٣١٢هـ). تأليف: السيّد إبراهيم الدامغاني قدسسره (ت ١٢٩١هـ). الكتاب تقرير لبحث السيّد المجدّد قدسسره ، قرّره تلميذه السيّد إبراهيم الدامغاني، وتناول فيه إضافة لكتاب البيع بعض ما جرىٰ إلحاقه به من المسائل المتعلّقة بالربا وبيع الصرف، ومسائل خيار العيب، وخيار الحيوان وبيع الوقف، والولاية علىٰ اليتيم، وغيرها. وكُتبت أبحاثه في النجف الأشرف قبل هجرة السيّد المجدّد إلىٰ سامرّاء؛ لأنّ المقرّر (طاب ثراه) قد توفّي في سنة (١٢٩١هـ). ويبدو أنّ هذه المباحث آخر ما صدر من منبر السيّد في النجف |
|
الأشرف؛ لأنّ الشيخ هادي الطهراني يقول: «حضرت في سفري الأوّل إلىٰ النجف بحث العلّامة الأنصاري، وحضرت بحث العلّامة ملّا محمّد الفاضل الإيرواني مدّة ثمان سنين. والسفر الثاني كان بعد فوت الشيخ فتتلمذت علىٰ العلّامة الشيخ عبد الحسين شيخ العراقَين، وكنت معه بسامرّاء أيّام تعميره للمشهد الشريف. وفي السفر الثالث اشتغلت في الحائر بالبحث، فكتب إليّ السيّد ميرزا محمّد حسن الشيرازي بكفايته لأمري؛ فحضرت في النجف بحثه في الخيارات والاستصحاب إلىٰ أن هاجر إلىٰ سامرّاء». وقد عمل المركز علىٰ نشر تراث السيّد المجدّد سواء منه العسكري أم النجفي، مع مراعاة جودة الاختيار وندرة النسخ الخطّية. وجميع هذه الأبحاث تنشر لأوّل مرّة، وذلك حرصاً من المركز علىٰ لفت عناية الفضلاء وأهل العلم إلىٰ تراث حوزة سامرّاء وأعلامها، ولا سيّما |
|
مؤسّس حوزة سامرّاء السيّد محمّد حسن الشيرازي قدسسره ؛ ليكون هذا النشر مقدّمة للاهتمام بتلك الحوزة المبدعة وبنتاج أعلامها الأفذاذ. اشتمل الكتاب مضافاً لكتاب البيع علىٰ: بعض ما جرىٰ إلحاقه به من المسائل المتعلّقة بالربا وبيع الصرف، ومسائل من خيار العيب، وخيار الحيوان وبيع الوقف، والولاية علىٰ اليتيم، وغيرها ممّا جرت العادة علىٰ تناوله ملحقاً بكتاب البيع. تحقيق: الشيخ سلام محمّد الناصري. الحجم: وزيري. نشر: مركز تراث سامرّاء، العتبة العسكرية المقدّسة، سامرّاء ـ العراق. * مجدّد رزايا النبي والآل عليهمالسلام. تألیف: الشيخ سلمان بن عبد الله آل عصفورالبحراني (١٢٦٧ هـ). يحتوي هذا الكتاب جملة من المقاتل والرزايا التي مرّت علىٰ أهل البيت عليهمالسلام، وما أصابهم من مآسٍ |
|
أقرحت جفون الجنّ الإنس، رتّبه المصنّف رحمهالله علىٰ خمسٍ وثلاثين رزيّة. تحقيق: حامد رحمان الطائي. الحجم: وزيري. نشر: مجمع الإمام الحسين عليهالسلام التابع للعتبة الحسينية ـ كربلاء ـ العراق. كتب صدرت حديثاً * بداية الأفكار (١ـ ٩). تأليف: الشيخ علي الساعدي. وهو شرح لكتاب أصول الفقه وتوضيح متنه للشيخ محمّد رضا المظفّر قدسسره ، يمنح الطالب فرصة الاطّلاع الجزئي علىٰ آراء مجموعة من العلماء القدماء، وهم السيّد المرتضىٰ في كتابه: (الذريعة إلىٰ أصول الشريعة)، والشيخ الطوسي في كتابه: (العدّة في أصول الفقه)، والمحقّق الحلّي في كتابه: (معارج الأصول)، مضافاً إلىٰ العلّامة الحلّي في كتبه الثلاثة: (مبادئ الوصول إلىٰ علم الأصول) و(تهذيب الوصول إلىٰ علم |
|
الأصول) و(نهاية الوصول إلىٰ علم الأصول). وقد اعتمد المؤلّف علىٰ الطبعة الأولىٰ لكتاب: (أصول الفقه) التي طُبِعت في أواخر حياة الشيخ المظفّر، والتي تبتدئ بكلمةٍ لزعيم الطائفة الإمام الخوئي قدسسره ، والتي حصل عليها عارية من أستاذه السيّد محمد رضا السيستاني. ونظراً إلىٰ أهمّية كتاب (أصول الفقه) ودوره في إعداد الطالب في مرحلته التي يمثّلها، فقد أخذت مجلّة (دراسات علمية) علىٰ عاتقها طباعة هذا الشرح وتيسيره؛ لما يتمتّع به من خصوصيّات سيقف عليها الدارسون، فهو يبتدئ كلّ موضوع ببيان المطلب الأصولي والتطرّق لأهمّ الأقوال فيه، ويختمه بتوضيح عبارة المتن بنحو يربط فقراتها بما سبق بيانه في الشرح. وقد حرص المؤلّف علىٰ تخريج الآيات القرآنية والأحاديث التي أوردها المصنّف في المتن، مع ضبطها بالشكل، ووضع الحركات الإعرابية في المواضع |
|
المطلوبة، مضافاً إلىٰ توظيف قواعد (علم الترقيم) للمساعدة في معرفة المعنىٰ المقصود من خلال وضع الأقواس والعلامات الشارحة والفوارز وغيرها. الحجم: وزيري. نشر: مجلّة دراسات علميّة ـ النجف الأشرف. * الكتاب الحكيم هو القرآن الکریم. تأليف: السيّد هاشم الناجي. سرد المؤلّف فيه الآیات القرآنية، وروايات أهل البيت عليهمالسلام مع أقوال العلماء وما جاء في التفاسير من معنىٰ أنّ الكتاب الحكيم المذكور في آيات القرآن هو نفس القرآن الكريم، وكان ذلك في تسع سور من القرآن الكريم. وكان الكتاب بالتسلسل: (٦٥) من موسوعة آثار الأعمال. اشتمل الكتاب علىٰ تمهيدين الأوّل في أنّ القرآن حكمة، والثاني أورد فيه السور ابتداء من سورة آل عمران، ثمّ |
|
سورة يونس، سورة هود، سورة الرعد، سورة النحل، سورة لقمان، سورة يس، سورة الزخرف، سورة القمر. الحجم: وزيري. نشر: انتشارات ناجي الجزائري، قم ـ إيران. * أصول التسامح في الإسلام. تأليف: الشيخ عبد الله أحمد اليوسف. بيّن المؤلّف أهمّية دراسة التسامح من عدّة أبعاد وجوانب مهمّة، ومنها: إعلاء قيمة وثقافة التسامح من خلال الارتكاز علىٰ النصوص الدينية، وسيرة العظماء الأخلاقية والإنسانية؛ والتأكيد علىٰ إنسانية الإسلام، وأنّه دين يدعو إلىٰ التسامح والانفتاح والاعتدال والتعقّل والسلام؛ وحاجة المجتمعات الإنسانية إلىٰ ثقافة التسامح الفعّال والتعايش الإيجابي، ومواجهة ثقافة الكراهية والتطرّف والعنف، هذه الدراسة عن أصول التسامح تهدف إلىٰ تحقيق عدّة |
|
أهداف رئيسة، منها: بيان أنّ الإسلام يدعو ويشجّع ويحثّ علىٰ التسامح والعفو والصفح والإحسان والحلم والرفق والرحمة... وغيرها من الصفات الأخلاقية الدالّة علىٰ ثقافة التسامح مع الذات والآخر؛ وتوضيح أنّ التسامح لا يقتصر علىٰ جانب معيّن من جوانب شؤون الحياة، بل يشمل كلّ الجوانب والأبعاد، كما أنّه حاجة إنسانية مستمرّة، لا تختصّ بزمان دون زمان، أو مكان دون مكان، أو جماعة دون أخرىٰ، أو طائفة دون الطوائف الأخرىٰ؛ ونشر ثقافة التسامح في واقعنا المعاصر، سواء علىٰ الصعيد الفردي أم علىٰ الصعيد الاجتماعي، أم علىٰ المستوىٰ الجماعي كمجتمعات إنسانية متعدّدة الأديان والمذاهب والمدارس الفكرية، ومتنوّعة الأعراق والأجناس والثقافات، حيث بات من الضروري للغاية الاهتمام بنشر ثقافة التسامح والتعايش بين الناس، ونبذ خطاب الكراهية والتعصّب والتطرّف. اشتمل الكتاب علىٰ: مقدّمة |
|
وخمسة فصول وخاتمة. الفصل الأوّل: في تحرير مفهوم التسامح لغة واصطلاحاً مروراً بالحديث عن التسامح في القرآن الكريم والسنّة الشريفة، وختم هذا الفصل بتوضيح معنىٰ التسامح، والفصل الثاني: في البحث عن أصول وقواعد وجذور التسامح في الإسلام، أمّا الفصل الثالث تطرّق فيه إلىٰ الأخلاقيّات المرتبطة بالتسامح وهي: التواضع، والصبر، والحلم، والعفو والصفح، والرأفة، والرحمة، والإحسان والكرم، أمّا الفصل الرابع فقد سلّط فيه الباحث الأضواء علىٰ أقسام التسامح، والاستدلال علىٰ كلّ قسم بما ورد من |
|
نصوص دينية ومنهجية في التسامح في كلّ أقسامه وأبعاده، أمّا الفصل الخامس والأخير فقد عنونه المؤلّف بـ: (ثقافة التسامح وبناء المجتمع) وبيان الحاجة الماسّة في عصرنا للتسامح المذهبي والديني والفكري والاجتماعي حتّىٰ تنعم مجتمعاتنا الإسلامية بالأمن والأمان والاستقرار والسلام والتعايش، وأنهىٰ الباحث هذه الدراسة بخاتمة عبارة عن نتائج وتوصيات الدراسة التي توصّل إليها من خلال تناوله لقيمة وفضيلة التسامح. الحجم: رحلي. نشر: دار أطياف للنشر والتوزيع ـ القطيف ـ المملكة العربية السعودية. |