تراثنا-العدد[156]

304
/

۱

محتـويات العـدد

* أحادیث الإمام الحسن بن علي المـجتبیٰ عليه‌السلام في (تحف العقول)

............................................... الشيخ أمین حسین پوري ٧

* الكتابة المنظّمة للقرآن والمبتنية علىٰ القواعد في إيران (ق ٥ إلىٰ ق١٠هـ).

................................................. د. مرتضىٰ كريمي نيا ٨٩

* موقف الشيخ عبد المحسن اللويمي الأحسائي من الاختلاف الأخباري والأصولي.

............................................... حسين هاني المعيوف ١٢٨

۲

* تاريخ الحوزات العلمية والمدارس الدينية عند الشيعة الإمامية (حوزة قزوين) (٣).

......................................... الشيخ عدنان فرحان القاسم ١٣٩

* من ذخائر التراث:

* رسالة في مقدّمة الواجب للشيخ محمد باقر السبزواري.

.............................. تحقيق: الشيخ حسين حلبيّان الإصفهاني ٢٢٩

* رسالة في موضوع العلم للشيخ محمّد حسن المظفر.

................................ تحقيق: الشيخ عبد الحليم عوض الحلّي ٢٧٧

* من أنباء التراث.

........................................................ هيئة التحرير ٣١٢

*صورة الغلاف: نموذج من رسالة في مقدّمة الواجب للشيخ محمد باقر السبزواري. والمنشورة في هذا العدد.

۳

۴

۵

۶

أحادیث الإمام الحسن بن علي المـجتبیٰ عليه‌السلام في (تحف العقول)

الشيخ أمين حسين پوري

بسم الله الرحمن الرحيم

المدخل:

الحمد لله ربّ العالمین وصلّیٰ الله علیٰ سیّدنا ونبیّنا أبي القاسم المصطفیٰ محمّد وآله المعصومین... وبعد:

لقد تضاعفت في الآونة الأخیرة اهتمامات الشارع الشیعي ودعاته بكتاب تحف العقول باعتباره مصدراً قدیماً یحوي كمّاً هائلاً من أحادیث الأئمّة عليهم‌السلام في مجال المواعظ والأخلاق والسلوكیّات الحمیدة منها والذمیمة وتهذیب النفس وما شابه ذلك، ولا شكّ أنّ الكتاب كذلك؛ حیث تكرّرت كثیر من روایاته في مصادرنا الشیعیة الأخریٰ بنصّها أو باختلاف یسیر أو ببعض الزیادة والنقصان بشكل لا یشكّك الباحث لأجلهما في صدور أصل الروایة.

وهناك إلیٰ جانب ذلك عدد ملحوظ من الروایات في هذا الكتاب لا نجدها في مصادرنا الأخریٰ؛ هذا أوّلاً.

وثانیاً: إنّ هناك دراسات برزت مؤخّراً إلیٰ الساحة العلمیة وقد ألقیٰ أصحابها الأضواء علیٰ حیاة ابن شعبة وشخصیّته التي كانت مجهولة لنا تماماً حتّیٰ وقت قریب، حیث تبيّن لنا من خلال ذلك أنّنا بحاجة ماسّة إلیٰ قراءة مرویّاته من جدید.

۷

ابن شعبة؛ حیاته وتراثه:

ویجدر بنا قبل أن نخوض في صمیم البحث أن نضع الباحث الكریم في صورة موجزة عن شخصیة ابن شعبة وحیاته فنقول:

عرّفته المصادر بأنّه: «أبو محمّد الحسن بن علي بن شعبة الحرّاني»(١)، وكانت الإمامیة لا تعرف شیئاً عن ابن شعبة إلیٰ ما قبل العصر الصفوي، وكان أوّل من أشار إلیٰ ابن شعبة من علمائنا هو الشیخ إبراهیم بن سلیمان القطیفي (ق ١٠ هـ) حیث قال في كتابه: الوافیة في تعیین الفرقة الناجیة في معرض نقل حدیث من كتاب التمحیص: «... ما رواه الشیخ العالم الفاضل العامل الفقیه النبیه أبو محمّد الحسن بن علي بن الحسین بن شعبة البحراني(٢) قدّس الله روحه الزكیة في كتاب التمحیص...»(٣)، ومن هنا یبدو أنّ فضل السبق في التعرّف علیٰ ابن شعبة وتراثه یعود إلیٰ علماء العصر الصفوي، وكانت قصاریٰ معلوماتهم عنه تتلخّص في ما استشفّوه من كتابه: (تحف العقول)، فراحوا یُطرونه لما ینطوي علیه من الروایات الكثیرة التي تحظیٰ بسموّ المعنیٰ وجزالة اللفظ وجمال السبك، علىٰ سبيل المثال؛ قال الشیخ الحرّ العاملي (ت ١١٠٤هـ): «الشيخ أبو محمّد الحسن بن علي بن شعبة، فاضل محدّث جليل، له كتاب تحف العقول عن آل الرسول، حسن كثير الفوائد مشهور، وكتاب التمحيص ذكره صاحب كتاب مجالس المؤمنين‏»(٤)، ونحوه ما ذكره غیره.

هذا وقد طبعت في الآونة الأخیرة سلسلة من تراث الفرقة النصیریة تحت عنوان:

__________

(١) راجع المصادر الآتیة: أمل الآمل؛ روضات الجنات؛ اعيان الشيعة؛ رياض العلماء؛ وغيرها من المصادر.

(٢) كذا في طبعتنا والصحیح: الحرّاني.

(٣) الفرقة الناجیة (رهپویان حقیقت): ٢٥٢.

(٤) أمل الآمل ٢/٧٤. وللمزید عن أقوال المتأخّرین بشأنه راجع: أعیان الشیعة ٥/١٨٥.

۸

(سلسلة التراث العلوي) تشتمل علیٰ أبرز مصادرهم وأهمّها، وقد نسبوا فیها كتباً إلیٰ أبي محمّد ابن شعبة، وهي: (تحف العقول وكتاب التمحیص وحقائق أسرار الدین ورسالة موضحة حقائق أسرار الدین ومسائل لأبي محمّد الحسن بن شعبة الحرّاني).

وبعد نشر هذا التراث النصیري أخضع بعض الإخوة الباحثین ثلاثة من كتب ابن شعبة للدراسة، مضافاً إلى البحث عن شخصيّته، بحیث كفانا مؤونة البحث(١)؛ فأثبت أنّه من أعیان النصیریة.

وفيما یلي نستعرض باختصار شدید أبرز ما توصّلت إلیه الدراسات الحدیثة بشأن ابن شعبة وحیاته وتراثه بوجه عامّ، وندخل بعد ذلك في صمیم البحث وهو دراسة مرویّات تحف العقول عن الإمام الحسن المجتبیٰ عليه‌السلام :

عدّ بعض النصیریة المعاصرین ـ ممّن عني بنشر تراثهم ـ أشخاصاً من أعضاء أسرة شعبة الحرّاني المنتمین إلیٰ المذهب النصیري الذین تخرّجوا علیٰ الحسین بن حمدان الخصیبي (ت ٣٤٦/ ٣٥٨هـ) ـ زعیم النصیریة في عصره ومجدّدها ـ مثل: (أبي محمّد الحسن بن علي بن شعبة) ـ وهو ما نحن بصدد التعریف به ـ و(أبي عبد الله محمّد بن شعبة الحرّاني) و(أبي القاسم بن شعبة الحرّاني) وغیرهم(٢). فإذا

__________

(١) للاستزادة عن ابن شعبة وشخصیّته والتراث المنسوب إلیه عند النصیریة راجع: مجلّة مقالات وبررسیها: (أدیان وعرفان)، السنة: ٤٨، العدد: ٢، ١٣٩٤ش؛ ص١٦٣ـ١٨٣، مقالة: (حقائق أسرار الدین) متني كهن از میراث نصیریّه: پژوهشی در تاریخ گذاری وشناسایی مؤلّف آن؛ للدكتور: حمید باقری؛ وانظر أیضاً له: فصلیّة (علوم حدیث) فارسیّة، العدد: ٧٤، شتاء ١٣٩٣ش، ص٥٥ـ٧٤، مقالة: (پژوهشی در انتساب چند اثر جدید الإنتشار به ابو محمّد حسن بن علي بن شعبة حرّانی، محدّث شناخته ‌شده شیعی) وقد استفدنا من هاتین المقالتین كثیراً، فأتقدّم هنا بجزیل شكري للأخ الدكتور الفاضل.

(٢) حقائق أسرار الدین: ٧ من مقدّمة المحقّق.

۹

صحّت هذه المعلومات، تكون عائلة (شعبة) من أبرز عوائل النصیریّین القدامیٰ التي كرّس أبناؤها جهودهم لنصرة هذا المذهب الزائف.

كان ابن شعبة من علماء الفرقة النصیریة ممّن عاش في القرن الرابع الهجري، حیث یروي كثیراً عن أبي علي محمّد بن همّام الإسكافي (ت ٣٣٦هـ) مباشرة(١)، وینقل عن تراث أصحابنا في القرن الرابع مثل: (الكافي) للشیخ الكلیني (ت ٣٢٩هـ)(٢)، كما تظهر دراسة المعطیات التاریخیة أنّه توفّي قبل سنة (٤٠٨ هـ)(٣).

علماً بأنّ تعالیم فرقة النصیریة المنحرفة حافلة بالغلوّ والقول بألوهیة الأئمّة عليهم‌السلام ، والحلول والتناسخ وغیرها من الآراء الفاسدة، كما یتّضح ذلك جلیّاً من تضاعیف كتاب حقائق أسرار الدین وغیره من تراثهم.

وأبرز من اختصّ بهم ابن شعبه ولزمهم وأخذ عنهم الحسین بن حمدان الخصیبي، وقد صرّح بأنّة قرأ علیٰ الخصیبي كتاب الرسالة الراستباشیة، الذي یعتبر الدستور الأساس لمعتقدات النصیریة(٤).

لقد أشاد النصیریة منذ القدم بمكانة أبناء شعبة الحرّانیّینَ فیهم، ودورهم في ترسیخ مذهبهم ونشر معالمه(٥).

وتأتي في نفس السیاق الجهود الطیّبة التي بذلها بعض آخر من الباحثین في مدوّنته علیٰ الإنترنت حیث تناول بعض مرویّات تحف العقول بالبحث والنقد لیدلّل في نهایة المطاف

__________

(١) راجع: حقائق أسرار الدین: ١٧، ٩١، ٩٤،١٠٧ و١٢٥.

(٢) راجع: حقائق أسرار الدین: ١٣١.

(٣) راجع: مقالة: «حقائق أسرار الدین»: ١٧٦ـ١٧٧.

(٤) راجع: حقائق أسرار الدین: ١١٤؛ مقالة: (حقائق أسرار الدین): ١٧٤.

(٥) انظر: الشواهد علیٰ ذلك في مقالة: (حقائق أسرار الدین): ١٧٩.

۱۰

علیٰ أنّها لیست من كلام الإمام الذي نسب إلیه، بل هي من أقوال رجال آخرین مثل بعض رواة العامّة في القرون الثلاثة الأخریٰ، كما أزاح الستار عن ظاهرة بالغة الخطورة في تحف العقول؛ وهي أنّ هناك العدید من روایات مصادرنا الإمامیة نجدها في كتب ابن شعبة بزیادات أو تغییرات قد تبدو بسیطة للوهلة الأولیٰ، ولكن إذا أمعنّا النظر فیها نُفاجَأ بأنّها لا تتناسب وعقائد الشیعة أبداً، وإنّما تنسجم مع المنظومة العقدیة للنصیریة(١).

كلّ هذا وذاك ممّا زرع بذور الشكوك والتساؤل الأولیٰ في نفسي حول مدیٰ مصداقیة بعض ما ینسبه ابن شعبة للأئمّة عليهم‌السلام ، ومن ثمّ ارتأیت أن أُخضع مرویّات ابن شعبة عن الإمام الحسن المجتبیٰ عليه‌السلام ـ كنموذج ـ للدراسة لنلاحظ مدیٰ صحّة ما ینسبه إلیٰ الإمام عليه‌السلام عبر مقارنته بما نقلته المصادر الأخریٰ قبله أو بعده سواء من الشیعة أم السنّة .

ویجب التنبیه علیٰ أنّنا لم نستمرّ في رصد النقولات تاریخیّاً إلیٰ ما بعد القرن السادس إلّا قلیلاً؛ حیث لم نجد في ذلك ضرورة علمیة ولا جدویٰ؛ فإنّ الكثیر من المصادر المتأخّرة لا شأن لها إلّا النقل عن المتقدّمین، فإذا توفّرت لدینا المصادر المتقدّمة فلا فائدة في المتأخّرة؛ لأنّه تطويل بلا طائل.

كما لا تفوتنا الإشارة إلیٰ أنّ ضابطنا هنا لتقدیم مؤلِّف علیٰ آخر هو تاریخ وفیات المصنّفین، ومن الممكن أن یكون بعض من أخّرناه قد ألّف كتابه قبل معاصره الذي تقدّمت وفاته علیه بقلیل.

وبعد هذه المقدّمة ندخل في صلب الموضوع لنتناول دراسة ما نسبه ابن شعبة للإمام الحسن المجتبیٰ عليه‌السلام (٢):

__________

(١) لاحظ جمیع ما كتبه أخونا الباحث لحدّ الآن علیٰ العنوان التالي:

(http://alasar.blog.ir/١٣٩٧/١١/٠٤/tohaf١)

(٢) لقد قمنا بترقیم الروایات تیسیراً لعملیّة البحث والإحالة.

۱۱

١ـ قوله: «في أجوبته عن مسائل سأله عنها أمير المؤمنين عليه‌السلام أو غيره في معانٍ مختلفة: قِيلَ لَهُ عليه‌السلام : مَا الزُّهْدُ قَالَ: الرَّغْبَةُ فِي التَّقْوَى‏...»(١).

رویٰ قلیلاً من هذه الأسئلة محمّد بن مرزبان المحولي (ت ٣٠٩هـ) في كتاب المروءة، بإسناده إلیٰ أَبي بَكْرٍ الرِّفَاعِي: «عَنْ جَدَّيْهِ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أبي طَالب سَأَلَ ابْنَهُ الحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ فَقَالَ يَا بُنَيَّ مَا السَّدَادُ؟...»(٢)، والتفاوت واضح بین روایته وروایة ابن شعبة.

كما رواها الطبراني (م٣٦٠هـ) بإسناده إلیٰ: «أَبِي إِسْحَاقَ السبیعي، عَنِ الحَارِثِ أَنَّ عَلِيّاً سَأَلَ ابْنَهُ الحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ أَمْرِ المُرُوءَةِ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ، مَا السَّدَادُ؟...»(٣). ورواها أبو الفرج المعافیٰ بن زكریّا (م٣٩٠هـ) في كتاب الجلیس الصالح الكافي، بإسناده إلیٰ أبي إسحاق عن الحارث بنحو هذا المتن(٤).

ورویٰ هذه الأجوبة الصدوق (م٣٨١هـ) في معاني الأخبار(٥)، بإسناده عَنِ المِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ عَنِ أَبِيهِ شُرَيْحٍ قَالَ: سَأَلَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ عليه‌السلام ابْنَهُ الحَسَنَ ابْنَ عَلِيٍّ فَقَالَ يَا بُنَيَّ مَا العَقْلُ قَالَ: حِفْظُ قَلْبِكَ مَا اسْتَوْدَعْتَه‏...». وتجد بین روایته وروایة ابن شعبة تفاوتاً ملحوظاً ـ لا نخوض غماره ـ فعلیٰ سبیل المثال: في روایة الصدوق بعد ذكر أسئلة الإمام علي عليه‌السلام للإمام الحسن عليه‌السلام : «ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَىٰ الحُسَيْنِ ابْنِهِ فَقَالَ لَهُ يَا بُنَيَّ! مَا السُّؤْدَدُ؟ قَالَ اصْطِنَاعُ العَشِيرَةِ وَاحْتِمَالُ الجَرِيرَة...» وقوله «اصْطِنَاعُ العَشِيرَةِ وَاحْتِمَالُ الجَرِيرَة» قد ذكره ابن شعبة في جواب الإمام

__________

(١) تحف العقول: ٢٢٥.

(٢) كتاب المروءة: ٥٧.

(٣) المعجم الكبیر ٣/٦٨. ورواه عنه تلمیذه أبو نعیم في: حلیة الأولیاء ٢/٣٥ـ٣٦.

(٤) الجلیس الصالح الكافي: ٥٧٨.

(٥) معاني الأخبار: ٤٠١.

۱۲

الحسن عليه‌السلام عن السؤال عن الشرف كما لم نجد في المصادر التي روت هذه الأسئلة سؤال الإمام علي للإمام الحسین عليه‌السلام بعد أخیه الإمام الحسن عليه‌السلام . ولم یذكر السائل في روایة ابن شعبة كما أنّ بدایة الأسئلة أیضاً مختلفة بین الروایتین.

ورویٰ هذه الأسئلة أبو الحسن الماوردي (م٤٥٠هـ) في الأمثال والحكم قائلاً: «روىٰ ابن عائشة(١): أنَّ عليَّ بن أبي طالب قال لابنه الحسن ـ رضي الله عنهما ـ يا بنيَّ، ما السداد؟...»(٢).

هذا وقد عزت بعض المصادر حواراً في نفس السیاق إلیٰ عمرو بن العاص حیث نسبوا إلیه أسئلة لابنه عبد الله عن مكارم الأخلاق ورذائلها(٣)، ولنا أن نتساءل عمّا إذا كان لهذه الأسئلة نصیب من الواقع أم أنّها رقصة المذبوح لتلمیع صورة ابن النابغة وإظهاره في صورة حكیم یُعنیٰ بالأخلاق ویهتمّ بتأدیب ابنه؟

ومهما یكن من أمر فلا شكّ في ثبوت نسبة هذه الأسئلة وجواباتها إجمالاً إلیٰ الإمام علي وابنه الإمام الحسن عليه‌السلام . أمّا دراسة تفاصیل الأسئلة وأجوبتها والفروق بین روایاتها المختلفة فهي بعدُ بحاجة إلیٰ مزید من البحث تضیق عنه هذه العجالة.

ولكن ینبغي هنا الإشارة إلیٰ مناقشة ابن كثیر (م٧٧٤هـ) في هذه الأسئلة وتقییمه لها فإنّه بعد ما رواها عن أبي الفرج المعافیٰ قال: «ولكنّ إسناد هذا الأثر وما فيه من الحديث المرفوع(٤)

__________

(١) أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ عُبَيْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ حَفْصٍ العَيْشِيُّ البَصْرِيُّ، الأَخْبَارِيُّ (بعد ١٤٠ـ ٢٢٨هـ)؛ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ، وَغَيْرُهُ: صَدُوْقٌ فِي الحَدِيْثِ.راجع ترجمته في سیر أعلام النبلاء ١٠/ ٥٦٤ـ٥٦٧.

(٢) الأمثال والحكم: ٢٤٣.

(٣) راجع: نثر الدرّ ٢/٧٠ـ٧١؛ الأمثال والحكم: ١٠٩ـ١١٠؛ فوائد أبي بكر الشاشي: ١٠٦.

(٤) یشیر بقوله: «الحديث المرفوع» إلیٰ القسم الثاني للحدیث وهو: «ثُمَّ قَالَ عَلِيٌّ عليه‌السلام : يَا بُنَيَّ سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلّىٰ الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ... » (الجلیس الصالح: ٥٧٨).

۱۳

ضعيف، ومثل هذه الألفاظ في عبارتها ما يدلّ ما في بعضها من النكارة علىٰ أنّه ليس بمحفوظ والله أعلم. وقد ذكر الأصمعي والعتبي والمدائني وغيرهم: أنّ معاوية سأل الحسن عن أشياء تشبه هذا فأجابه بنحو ما تقدّم، لكنّ هذا السياق أطول بكثير ممّا تقدّم فالله أعلم‏»(١).

نقول: أمّا المناقشة في سند الروایة فهي إنّما تتناسب والمبادئ الرجالیة للعامّة، وإلّا فإنّ الحدیث معتبر عندنا؛ لأنّه روي بما لا یقلّ عن ثلاثة طرق مختلفة وهي تكفي لاستفاضته حتّیٰ لو قلنا بضعف كلّ واحد من أسانید الحدیث بمفرده.

وأمّا النكارة التي زعمها في ألفاظ الحدیث فما ندري ماذا یرید بها وفي أیّة لفظة وجدها، فإنّ ألفاظ الحدیث كلّها ممّا نجده في الكثیر من الروایات الأخریٰ وفصاحتها تتلاءم مع كلمات أهل البیت الذین هم: «أُمَرَاءُ الكَلَامِ وَفِيهم تَنَشَّبَتْ عُرُوقُهُ وَعَلَيْهم تَهَدَّلَتْ غُصُونُه‏». ولا أدلّ علیٰ هذا المدّعیٰ من قول أبي الفرج المعافیٰ ـ وهو أطول باعاً وأعلیٰ كعباً في الأدب والتمییز بین الذهب والرغام من الكلمات(٢) من ابن كثیر بكثیر ـ بعد نقل الحدیث حیث قال: «فِي هَذَا الخَبَر من جوابات الحسن أَبَاهُ عَمَّا ساءله عَنْهُ من الحِكْمَة وجزيل الفَائِدَة مَا ينْتَفع بِهِ من راعاه وَحفظه، ووعاه وَعمل بِهِ، وأدّب نَفسه بِالعَمَلِ عَلَيْهِ، وهذّبها بِالرُّجُوعِ إِلَيْهِ، وتتوفّر فَائِدَته بِالوُقُوفِ عِنْده. وَفِيمَا رَوَاهُ فِي أضعافه أَمِير المُؤمنِينَ عَن النَّبِي صلّىٰ الله عَلَيْهِ وَسلم مَا لا غنىٰ بِكُلّ لَبِيب عليم ومدرهٍ حَكِيم عَن حفظه وتأمّله، والمسعود

__________

(١) البدایة والنّهایة ٨/٤٠.

(٢) قال الخطیب عنه: «كان من أعلم الناس في وقته بالفقه، والنحو، واللغة، وأصناف الأدب» ونقل عن بعض علمائهم أنّه قال: «لَوْ أَوْصَىٰ رَجُلٌ بِثُلُثِ مَالِه أَنْ يُدفعَ إِلَىٰ أَعلمِ النَّاسِ، لَوَجَبَ أَنْ يُدفعَ إِلَىٰ المُعَافَىٰ بنِ زَكَرِيَّا» (تاریخ بغداد ١٣/٢٣٠ـ٢٣١).

۱۴

من هدي لتقبّله، والمجدود من وفّق لامتثاله وتقبّله»(١).

وأمّا قوله: «وقد ذكر الأصمعي والعتبي والمدائني وغيرهم: أنّ معاوية سأل الحسن...» فلم یذكر لنا طرقهم لنلاحظ هل بإمكانها أن تتعارض وما روي لنا عن طرق غیرهم التي اعتبرت أمیر المؤمنین عليه‌السلام هو السائل وهل تبلغ عدداً وشهرة ما رویناه هنا أم لا؟

وحتّیٰ لو افترضنا جدلاً أنّ السائل هو معاویة، فإنّ هذا لا یمسّ أجوبة الإمام الحسن عليه‌السلام التي هي المحور الأساس في هذا الحدیث وهي التي تهمّ الحكماء في مثل هذه المواضیع.

وأمّا قوله: «لكنّ هذا السياق أطول بكثير...» فغایته أنّ هناك مصادراً روت هذه الإجابة بشكل أوجز وهذا لا یدلّ علیٰ ضعف الروایات الأكثر تفصیلاً فلدینا الكثير من الوقائع التاریخیة التي أوجز بعض الإشارة إلیها في بضعة أسطر فیما رواه آخرون في صفحات، وهو واضح لمن ألمّ بمناهج المؤرّخین والمحدّثین عن كثب فیا تریٰ هل یمكن لأحد أن یجعل من ذلك شاهداً علیٰ اختلاق الواقعة من الأساس؟!

فموجز القول أنّ لا قیمة علمیة لمناقشة ابن كثیر في هذا الحدیث.

٢ـ ومن حِكَمِه: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ مَنْ نَصَحَ لله...»(٢):

هذه الحكمة رواها الكلیني (م٣٢٩هـ) بإسناده في ضمن خطبة طویلة خطبها أمیر المؤمنین عليه‌السلام بذي قار(٣)، كما نجد السیّد الرضي (م٤٠٦هـ) أورد قِطَعاً منها

__________

(١) الجلیس الصالح: ٥٧٩.

(٢) تحف العقول: ٢٢٧.

(٣) الكافي ٨/٣٨٦ـ٣٩١.

۱۵

في نهج البلاغة، الخطبة المرقّمة: (١٤٧)(١)، ولا نستبعد أن تكون نسبة الحكمة قد التبست علیٰ ابن شعبة ـ أو مصدره ـ فعزاها إلیٰ الإمام الحسن عليه‌السلام ، وعلیٰ أیّة حال فهذه الحكمة قد صدرت عن أهل بیت واحد وهو البیت العلوي المنیف.

٣ـ قوله: «جوابه عن مسائل سئل عنها في خبر طويل كتبنا منه موضع الحاجة: بَعَثَ مُعَاوِيَةُ رَجُلاً مُتَنَكِّراً يَسْأَلُ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ عليه‌السلام ...»(٢).

رویٰ هذه الأسئلة الشیخ الصدوق (م٣٨١هـ) في كتاب الخصال بإسناده عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه‌السلام قَالَ: بَيْنَمَا أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ فِي الرَّحْبَة إذْ قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ... قَالَ أَنَا رَجُلٌ بَعَثَنِي إِلَيْكَ مُعَاوِيَةُ مُتَغَفِّلاً لَك‏... فَقَالَ لَهُ الحَسَنُ سَلْنِي عَمَّا بَدَا لَكَ! فَقَالَ الشَّامِي‏:...(٣). ورواه بعده الفتّال النیسابوري في روضة الواعظین(٤) والطبرسي في الاحتجاج(٥).

ویشار إلیٰ أنّ بعض هذه المسائل قد سأل أمیرَ المؤمنین عليه‌السلام عنها ابنُ الكوّاء أیضاً فراجع(٦).

ومهما یكن فإنّ نسبة هذه الأجوبة إلیٰ الإمام الحسن عليه‌السلام صحیحة.

٤ـ قوله: «كلامه عليه‌السلام في الاستطاعة: كَتَبَ الحَسَنُ بْنُ أَبِي الحَسَنِ البَصْرِيُّ إِلَىٰ أَبِي مُحَمَّدٍ

__________

(١) نهج البلاغة (طبع مؤسّسة نهج البلاغة بتصحیح الشیخ عزیز الله العطاردي): ١٦٥ـ ١٦٧. وسنحیل في الهوامش التالیة إلیٰ هذه الطبعة فحسب. ونجد بدایة المقطع الذي ذكره ابن شعبة في الصفحة: ١٦٦.

(٢) تحف العقول: ٢٢٨.

(٣) الخصال ٢/٤٤٠.

(٤) روضة الواعظین ١/٤٥ـ٤٦.

(٥) الاحتجاج ١/٢٦٧ـ٢٦٩.

(٦) عیون الأخبار لابن قتیبة ٢/٢٢٧؛ أمالي المرتضیٰ ١/٢٧٤؛ تاریخ مدینة دمشق ٢٧/٩٩ـ١٠٠.

۱۶

الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّكُمْ مَعْشَرَ بَنِي هَاشِمٍ الفُلْكُ الجَارِيَةُ فِي اللُّجَجِ الغَامِرَةِ...»(١).

نقل هذه الرسالة باختلاف في ألفاظها الكراجكي (م٤٤٩هـ) في كنز الفوائد قائلاً: «وَجَاءَ فِي الحَدِيثِ أَنَّ الحَسَنَ بْنَ أَبِي الحَسَنِ البَصْرِيَّ كَتَبَ إِلَىٰ الحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: مِنَ الحَسَنِ البَصْرِيِّ إِلَىٰ الحَسَنِ بْنِ رَسُولِ الله أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّكُمْ مَعَاشِرَ بَنِي هَاشِمٍ الفُلْكُ الجَارِيَة...»(٢).

ثمّ نجدها مرسلة عن الإمام الحسن عليه‌السلام عند علي بن عثمان الهجویري من أبرز مشایخ الصوفیة في عصره (ت بعد ٤٦٥هـ) في كشف المحجوب(٣)، ثمّ نقلها مختصرة ابن شهرآشوب (م٥٨٨هـ) في متشابه القرآن(٤)، ورواها بعده الشیخ جمال الدین یوسف بن حاتم الشامي (ت بعد ٦٨٠هـ) في الدرّ النظیم قائلاً: «كتب الحسن البصري إلىٰ الحسن بن علي ‘: أمّا بعد فأنتم أهل بيت النبوّة، ومعدن الحكمة...»(٥)، ورواها الشیخ علي بن یوسف الحلّي (كان حیّاً سنة ٧٠٣هـ) في العدد القویة(٦)، بنحو روایة الدرّ النظیم ثمّ رواها الدیلمي (ق٩هـ) في أعلام الدین(٧) علماً بأنّ روایة هذه المصادر الثلاثة الأخیرة قریبة بشكل ملحوظ من روایة الكراجكي، وإن كان هناك بعض الفوارق بینهما.

كما لا یفوتنا الإشارة إلیٰ أنّ علي بن الولید الإسماعیلي (ق٧ هـ) نسب

__________

(١) تحف العقول: ٢٣١.

(٢) كنز الفوائد ١/٣٦٥ـ٣٦٦.

(٣) كشف المحجوب (تصحیح الدكتور: محمود عابدی: ١٠٦ـ١٠٧.

(٤) متشابه القرآن ١/٢٠٠.

(٥) الدرّ النظیم في مناقب الأئمّة اللهامیم: ٥٠٨ ـ٥٠٩.

(٦) العدد القویّة لدفع المخاوف الیومیة: ٣٣ـ٣٤.

(٧) أعلام الدین: ٣١٦.

۱۷

جواب رسالة الحسن البصري إلیٰ الإمام الحسین عليه‌السلام (١).

ثمّ إنّ هناك مخطوطة من هذه الرسالة بخطّ السیّد حیدر الآملي (ق٨هـ) وقد عرّف بها بعض المحقّقین(٢).

والغریب أنّ السیّد أحمد بن زین العابدین العلوي (حیّاً سنة ١٠٥٠هـ) أشار إلیٰ هذه المراسلة قائلاً: «ثمّ لا يخفىٰ أنّ صاحب كتاب الجواهر من المعتزلة قال: قيل: إنّ الحسن البصري كتب إلىٰ الإمام الحسن بن علي عليهما‌السلام: من الحسن البصري إلىٰ ابن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، أمّا بعد فإنّكم معاشر بني هاشم الفلك الجارية...»(٣).

ولم نفهم مَن هو المراد مِن: «صاحب كتاب الجواهر من المعتزلة»، ولعلّ الأمر قد التبس علیٰ السیّد العاملي، حیث أنّ للكراجكي كتاباً باسم: (معدن الجواهر وریاضة الخواطر) ـ وهو مطبوع ـ فظنّ السیّد أنّ هذه الروایة من ذلك الكتاب؛ ولیس كذلك كما رأیت. أمّا لو تصوّر السیّد أنّ صاحب كتاب معدن الجواهر من علماء المعتزلة فهذا أيضاً لیس بصحیح؛ كیف، والشیخ الكراجكي من فطاحل علماء الإمامیة؟

فتلخّص ممّا تقدّم أنّ ابن شعبة هو أوّل من أشار إلیٰ هذه الرسالة ونقلها في حدود ما بأیدینا من المصادر.

وعلیٰ أیّة حال فباب البحث مفتوح علیٰ مصراعیه عن مدیٰ صحّة نسبة هذه الرسالة إلیٰ الحسن البصري، فإنّ الحسن البصري ولد سنة (٢١هـ) وتوفّي سنة (١١٠هـ) فكان له

__________

(١) تاج العقائد ومعدن الفوائد: ١٧٩.

(٢) مجلّة: (میراث شهاب)، الربیع والصیف ١٣٨٥ش، العدد: ٤٣، مقال: «نسخه های عكسی» للأستاذ أبي الفضل حافظیان البابلي: ٢٥٥ـ٢٥٧.

(٣) الحاشية علىٰ أصول الكافي: ٣٩٦ـ٣٩٧.

۱۸

من العمر عند استشهاد الإمام الحسن عليه‌السلام في سنة (٤٩ أو ٥٠هـ) نحو (٣٠) سنة، ومن المستغرب إلیٰ حدّ ما أن یكون الحسن یومذاك قد خاض غمار هذه الأبحاث الكلامیة الشائكة مثل القضاء والقدر والاستطاعة حتّیٰ یكون بحاجة إلیٰ استطلاع رأي الإمام عليه‌السلام وهو علیٰ العكس ممّا نستشفّه من مساق الرسالة؛ حیث یبدو أنّ مرسلها كان من ذوي الاهتمام بهذه القضایا حین كتابتها وهو یتطلّب أن یكون صاحب الرسالة قد أنفق قسطاً لا یستهان به من عمره في هذه الأبحاث.

كما أنّ النزعات العقدیة للحسن البصري أیضاً لا تؤیّد أن یكون هو الذي یخاطب الإمام الحسن عليه‌السلام بالقول: «... فإِنَّكُمْ مَعْشَرَ بَنِي هَاشِمٍ الفُلْكُ الجَارِيَةُ فِي اللُّجَجِ الغَامِرَةِ وَالأَعْلَامُ النَّيِّرةُ الشَّاهِرَةُ أَوْ كَسَفِينَةِ نُوحٍ الَّتِي نَزَلَهَا المُؤْمِنُونَ وَنَجَا فِيهَا المُسْلِمُون‏»(١)، كیف وكان الحسن من المخذّلین عن نصرة أمیر المؤمنین عليه‌السلام (٢).

أمّا الجواب المنسوب إلیٰ الإمام الحسن عليه‌السلام ، وهو الذي یهمّنا بالتحدید فلا

__________

(١) تحف العقول: ٢٣١.

(٢) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحدید ٤/٩٥. وفي المقابل قد حاول بعض الباحثین (راجع: دائرة المعارف بزرك اسلامى٢٠ /٥٧٦ـ٥٧٧ (مدخل: حسن بصری) بقلم: (فرامرز حاج منوچهری ومحمد جواد شمس) التدلیل علیٰ الاقتراب الفكري بین الحسن البصري وأهل البیت عليهم‌السلام في مسألة الجبر والاختیار عبر تسلیط الأضواء علیٰ محتویٰ هذه الرسالة ومقارنتها برسالة أخریٰ نسبت للحسن البصري في جواب سؤال عبد الملك عن القضاء والقدر نقلها بنصّها القاضي عبد الجبّار في فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة: ٢١٥ـ٢١٧، وخلصا أخیراً إلیٰ أنّ الحسن كان یتأثّر بشكل واضح بمذهب أهل البیت عليهم‌السلام وهو أنّه لا جبر ولا تفویض بل أمر بین الأمرین، ولا یعنینا هنا تقبّل هذا الاتّجاه ولا رفضه بقدر ما نرید القول: إنّه لم یتیسّر لنا الوثوق بصدور مثل هذه الرسالة المتضمّنة لكلّ هذا الإجلال والتّكریم عن مثل الحسن البصري حتّیٰ لو كان الحسن متأثّراً بعض الشيء بموقف الأئمّة عليهم‌السلام في هذا الموضوع.

۱۹

ریب أنّ التعالیم الواردة فیه حول موضوع الجبر والاختیار تتوافق بالكامل مع بقیة الروایات الصادرة عن الأئمّة عليهم‌السلام في هذا المجال وتتمحور حول إیضاح الموقف الصحیح هنا، وهو الأمر بین الأمرین.

وأخیراً بإمكاننا الاقتناع بصدور هذا الجواب عن الإمام الحسن عليه‌السلام استناداً إلیٰ نقولات هذه المصادر العدیدة التي لم نجد لها معارضاً. أمّا المخاطب به فالظاهر أنّه رجل آخر غیر الحسن البصري.

٥ـ قوله: «موعظة: اعْلَمُوا أَنَّ الله لَمْ يَخْلُقْكُمْ عَبَثاً...»:

لم نعثر علیٰ هذه الموعظة بكاملها في أيّ مصدر من آلاف المصادر الموجودة بأیدینا، ولا نستبعد أنّها ممّا لفّقها ابن شعبة واقتطف كلّ مقطع منها من روایة أخریٰ فألّف بین هذه المقاطع؛ فأصبحت موعظة مفردة برأسها، وهذا وإن كنّا نستغربه للوهلة الأولیٰ، بید أنّ ابن شعبة قد انتهج نفس المنهج في بعض ما نسبه إلیٰ الأئمّة من الروایات، بل هناك مؤشّرات إلیٰ أنّه كثیراً ما نسب ما كان یجده من كلمات بعض الحكماء أو الصوفیة أو غیرهم ـ ممّا كان یستحسنه أو ما كان یحقّق نوایاه المبیّتة ـ إلیٰ الأئمّة عليهم‌السلام ، وقد رصد ذلك بعض الباحثین وألقیٰ الضوء علیٰ شواهد صنیعه هذا(١).

__________

(١) راجع ما كتبه أحد الإخوة الباحثین في مدوّنته علیٰ الإنترنت (باللغة الفارسیة) حول منهج ابن شعبة هذا في تحف العقول: علیٰ العنوان التالي:

http://alasar.blog.ir

فلاحظ المقالات: «سخن امام صادق عليه‌السلام یا خالد بن صفوان؟! (بررسی تحف العقول)»؛ «بررسی وصیّت امام كاظم عليه‌السلام به هشام بن حكم در تحف‌العقول »؛ «بررسی سه روایت دیگر از تحف العقول ومقایسه آن با حكایات منسوب به دیگران» و...

۲۰

وعلیٰ كلّ فمن الشواهد علیٰ ما قلنا بشأن هذه الموعظة بالضبط أنّ عدداً من مقاطعها نجده ضمن روایات أخریٰ مرویة عن الإمام علي عليه‌السلام ، فعلیٰ سبیل المثال تجد قریباً من الفقرة: «اعْلَمُوا أَنَّ الله لَمْ يَخْلُقْكُمْ عَبَثاً وَلَيْسَ بِتَارِكِكُمْ سُدًى؛ كَتَبَ آجَالَكُمْ وَقَسَمَ بَيْنَكُمْ مَعَايِشَكُم‏»(١) في ضمن خطبة لأمیر المؤمنین عليه‌السلام في الكوفة والتي رواها كلّ من المنقري في وقعة صفّین والثقفي في الغارات وغیرهما باختلاف یسیر، أمّا نصّ المنقري فكالتالي: «... وَأَشْفِقُوا مِنْ عَذَابِ الله فَإِنَّهُ لَمْ يَخْلُقْكُمْ عَبَثاً وَلَمْ يَتْرُكْ شَيْئاً مِنْ أَمْرِكُمْ سُدًى؛‏ قَدْ سَمَّىٰ آثَارَكُمْ وَعَلِمَ أَعْمَالَكُمْ وَكَتَبَ آجَالَكُم‏»(٢)، وأمّا نصّ الثقفي فهو: «... فَاخْشَوُا الله خَشْيَةً لَيْسَتْ بِسُمْعَةٍ وَلَا تَعْذِيرٍ فَإِنَّهُ لَمْ يَخْلُقْكُمْ عَبَثاً وَلَيْسَ بِتَارِكِكُمْ سُدىٰ قَدْ أَحْصَىٰ أَعْمَالَكُمْ وَسَمَّىٰ آجَالَكُمْ وَكَتَبَ آثَارَكُم‏»(٣).

كما أنّ الفقرة: «قَدْ كَفَاكُمْ مَئُونَةَ الدُّنْيَا وَفَرَغَكُمْ لِعِبَادَتِهِ وَحَثَّكُمْ عَلَىٰ الشُّكْرِ وَافْتَرَضَ عَلَيْكُمُ الذِّكْرَ وَأَوْصَاكُمْ بِالتَّقْوَىٰ وَجَعَلَ التَّقْوَىٰ مُنْتَهَىٰ رِضَاه‏»(٤)، قد رویٰ نحوها السیّد الرضي رحمه‌الله في الخطبة: (١٨٢) من نهج البلاغة ـ باعتبارها جزءاً من كلمات الإمام علي عليه‌السلام ـ كالتالي: «قَدْ كَفَاكُمْ مَئُونَةَ دُنْيَاكُمْ وَحَثَّكُمْ عَلَىٰ الشُّكْرِ وَافْتَرَضَ مِنْ أَلْسِنَتِكُمُ الذِّكْرَ وَأَوْصَاكُمْ‏ بِالتَّقْوَىٰ وَجَعَلَهَا مُنْتَهَىٰ رِضَاهُ»(٥).

وكنموذج آخر فإنّ الفقرة: «وَالتَّقْوَىٰ بَابُ كُلِّ تَوْبَةٍ وَرَأْسُ كُلِّ حِكْمَةٍ»(٦)، قد رویٰ قریباً

__________

(١) تحف العقول: ٢٣٢.

(٢) وقعة صفّین: ١٠.

(٣) الغارات للثقفي (بتحقیق: السیّد عبدالزهراء الحسیني الخطیب) ١/٩٢.

(٤) تحف العقول: ٢٣٢.

(٥) نهج البلاغة: ٢٢١ـ٢٢٢.

(٦) تحف العقول: ٢٣٢.

۲۱

منها ابن شعبة نفسه ضمن مواعظ نبي الله المسیح عليه‌السلام كالتالي: «وَالتَّقْوَىٰ رَأْسُ كُلِّ حِكْمَة»(١).

وعلیٰ أیّة حال فمن الصعب بعد الإلمام بمنهج ابن شعبة هذا التأكّد من صحّة نسبة هذه الموعظة ـ بوصفها كلمة مستقلّة موحّدة ـ إلیٰ الإمام الحسن عليه‌السلام .

٦ـ قوله: «خطبته حين قال له معاوية بعد الصلح اذكر فضلنا...»(٢):

أشیر إلیٰ هذه الواقعة في كتاب المحاسن والأضداد المنحول للجاحظ كالتالي: «وذكروا أنّ عمرو بن العاص قال لمعاوية: ابعث إلىٰ الحسن بن عليّ فأمُره أن يخطب علىٰ المنبر، فلعلّه يحصر، فيكون في ذلك ما نعيّره به...»(٣). ورویٰ نفس روایة الجاحظ إبراهیم بن محمّد البیهقي (ت بعد٣٢٠ هـ) في المحاسن والأضداد(٤). كما رواها موجزة ابن عبد ربّه (ت ٣٢٨ هـ) في العقد الفرید(٥).

ثمّ نجد هذه الخطبة عند الشیخ الصدوق في الأمالي حیث رویٰ بإسناده ٍ عَنِ المُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ الصادِقُ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ الحَسَنَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عليه‌السلام كَانَ أَعْبَدَ النَّاسِ فِي زَمَانِه‏...»، ثمّ یذكر الإمام الصادق عليه‌السلام كثیراً من مكارم أخلاق الإمام الحسن عليه‌السلام ثمّ نقرأ: «وَلَقَدْ قِيلَ لِمُعَاوِيَةَ ذَاتَ يَوْمٍ لَوْ أَمَرْتَ الحَسَنَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَصَعِدَ المِنْبَرَ فَخَطَبَ لِيَبِينَ لِلنَّاسِ نَقْصُهُ فَدَعَاهُ فَقَالَ لَهُ اصْعَدِ المِنْبَرَ وَتَكَلَّمْ بِكَلِمَاتٍ تَعِظُنَا بِهَا فَقَامَ فَصَعِدَ المِنْبَرَ فَحَمِدَ الله وَأَثْنَىٰ

__________

(١) تحف العقول: ٥١٢.

(٢) المصدر نفسه: ٢٣٢.

(٣) المحاسن والأضداد المنسوب للجاحظ: ١٣٨ـ١٣٩.

(٤) المحاسن والأضداد، للبیهقي: ٦٨.

(٥) العقد الفرید ٤/١٠٣ـ١٠٤.

۲۲

عَلَيْه‏...»(١)، والظاهر أنّ هذه الفقرة من تتمّة الحدیث.

ورواها الخركوشي (ت ٤٠٦ هـ) في شرف النبي قائلاً: «يقال: إنّ عمرو بن العاص قال لمعاوية: إنّ الحسن بن علي قد شمخ أنفاً ورفع رأساً واشرأبّت إليه قلوب الناس بالثقة والمقة، فلو سألته أن يخطب الناس، فإنّه امرؤ حديث السنّ لم يتعوّد الخطب‏...»(٢)، كما نلتقي بعده بالقطب الراوندي (ت ٥٧٣ هـ) في الخرائج قائلاً: «رُوِيَ أَنَّ عَمْرَو بْنَ العَاصِ قَالَ لِمُعَاوِيَةَ: إِنَّ الحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ رَجُلٌ حَيِيٌّ وَإِنَّهُ إِذَا صَعِدَ المِنْبَرَ وَرَمَقُوهُ النَّاسُ بِأَبْصَارِهِمْ خَجِلَ وَانْقَطَعَ؛ لَوْ أَذِنْتَ لَهُ فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ لَوْ صَعِدْتَ المِنْبَرَ وَوَعَظْتَنَا...»(٣)، وبین الروایتین اختلاف في بعض الألفاظ كما أنّ روایة القطب أطول وفیها زیادات علیٰ روایة تحف العقول.

ورواها الطبرسي (ق ٦ هـ) في الاحتجاج قائلاً: «وَرُوِيَ أَنَّ عَمْرَو بْنَ العَاصِ قَالَ لِمُعَاوِيَةَ ابْعَثْ إِلَىٰ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ فَمُرْهُ أَنْ يَصْعَدَ المِنْبَرَ وَيَخْطُبَ النَّاسَ فَلَعَلَّهُ أَنْ يَحْصَرَ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِمَّا نُعَيِّرُهُ بِهِ فِي كُلِّ مَحْفِلٍ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ فَأَصْعَدَهُ المِنْبَرَ وَقَدْ جَمَعَ لَهُ النَّاسَ وَرُؤَسَاءَ أَهْلِ الشَّامِ، فَحَمِدَ الله الحَسَنُ وَأَثْنَىٰ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ...»(٤).

ورواها ابن شهرآشوب (ت ٥٨٨ هـ) في المناقب عن العقد الفرید(٥)، ثمّ رویٰ ما یقرب محتواه من مضمون هذه الخطبة بروایة أخریٰ دون ذكر المصدر قائلاً: «المِنْهَالُ بْنُ عَمْرٍو إِنَّ

__________

(١) الأمالي للصدوق: ١٧٨ـ١٧٩.

(٢) شرف النبي ٥/٣٠٤.

(٣) الخرائج والجرائح ١/٢٣٦ـ٢٣٨.

(٤) الاحتجاج ١/٢٨١.

(٥) مناقب آل أبي طالب عليهم‌السلام ٤/١١ـ١٢.

۲۳

مُعَاوِيَةَ سَأَلَ الحَسَنَ عليه‌السلام أَنْ يَصْعَدَ المِنْبَرَ وَيَنْتَسِبَ فَصَعِدَ فَحَمِدَ الله وَأَثْنَىٰ عَلَيْهِ ثُمَّ قَال: ...».

وبین هذه الروایات اختلافات ـ بزیادة أو نقصان وغیرهما ـ لم نتعرّض لها. وعلیٰ أیّة حال فإنّ هذه الروایات بالمجمل تجعلنا نتأكّد من صحّة نسبة هذه المفاخرة إلیٰ الإمام الحسن عليه‌السلام حتّیٰ لو لم یمكننا البرهنة علیٰ صدور بعض ألفاظها أو تفاصیلها ممّا یختلف بین مصدر وآخر.

ولا تفوتنا الإشارة هنا إلیٰ أنّ ابن شهر آشوب قد رویٰ هذه المفاخرة عن أبي الحسن المدائني (ت ٢٢٤ هـ)(١) أیضاً(٢)، وهذا یؤشّر بوضوح إلیٰ أنّ هذه الخطبة تضرب بجذورها عند المؤرّخین إلیٰ ما قبل زمن الجاحظ، أي: إلیٰ القرن الثاني للهجرة.

٧ـ قوله: «قَالَ: مَا تَشَاوَرَ قَوْمٌ إِلَّا هُدُوا إِلَىٰ رُشْدِهِم‏»(٣).

روىٰ هذه العبارة بهذه الألفاظ أو ما یقرب منها جمّ غفیر من المصادر الأدبیة والحدیثیة وغیرهما منذ القرن الثاني؛ فقد رواها أبو محمّد عبد الله بن وهب المصري (ت ١٩٧ هـ) قائلاً: «أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ رَجُلٍ، قَالَ: مَا تَشَاوَرَ قَوْمٌ إِلَّا هُدُوا لِأَرْشَدِ أَمْرِهِمْ»(٤). ثمّ رویٰ مثل هذا المتن ابن أبي شیبة (ت ٢٣٥

__________

(١) من أبرز المؤرّخین في القرنین الثاني والثالث، كان كثیر التصانیف، وقال عنه الذهبي: «كَانَ عَجَباً فِي مَعْرِفَةِ السِّيَرِ وَالمَغَازِي وَالأَنسَابِ وَأَيَّامِ العَرَبِ، مُصَدَّقاً فِيْمَا يَنْقُلُهُ، عَالِيَ الإِسْنَادِ». راجع ترجمته في الفهرست لابن الندیم: ١٤٧ـ١٥٢؛ تاریخ بغداد ١٢/٥٤ـ٥٥؛ سیر أعلام النبلاء ١٠/٤٠٠ـ٤٠١.

(٢) مناقب آل أبي طالب عليهم‌السلام ٤/١١ـ١٢.

(٣) تحف العقول: ٢٣٣.

(٤) الجامع في الحدیث: ٣٩٨.

۲۴

هـ) في كتابیه: كتاب الأدب(١)، والمصنّف في الأحادیث والآثار(٢)، قائلاً «حَدَّثَنَا الفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، حَدَّثَنَا إِيَاسُ بْنُ دَغْفَلٍ، حَدَّثَنَا الحَسَنُ، قَالَ: ...».

ثمّ نقلها البخاري (ت ٢٥٦ هـ) في الأدب المفرد(٣) عَنِ السَّرِيِّ، عَنِ الحَسَنِ قَالَ: وَالله مَا اسْتَشَارَ قَوْمٌ قَطُّ إِلَّا هُدُوا لِأَفْضَلِ مَا بِحَضْرَتِهِمْ، ثُمَّ تَلَا: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُم(٤).

كما رواها الطبري (ت ٣١٠ هـ) بإسناده إلیٰ إِيَاسُ بْنُ دَغْفَلٍ، عن الحَسَن البصري أیضاً(٥).

أمّا أبو إسحاق الزجّاج (م٣١١هـ) أورد في معاني القرآن: «وقيل إنّه ما تشاور قوم قَطّ إلّا هُدُوا لأحسن ما يحضرهم»(٦).

أمّا أبو بكر ابن المنذر النيسابوري (ت ٣١٩ هـ) في كتابه: تفسیر القرآن(٧)، فقد رویٰ بإسناده إلیٰ عمران: «قَالَ: سمعت الحسن، يَقُول فِي قول الله تبارك وتعالیٰ: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ(٨)، قَالَ: مَا تشاور قوم قطُّ إِلّا هدوا لأرشد أمورهم»، ورواه هو في كتابه الآخر: كتاب الأوسط مصرّحاً بلقب الحسن قائلاً: «وَقَالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: مَا شَاوَرَ قَوْمٌ إِلَّا هُدُوا لِأَرْشَدِ أَمْرِهِمْ»(٩).

__________

(١) كتاب الأدب: ١٤٩.

(٢) المصنف في الأحاديث والآثار (تحقیق: كمال يوسف الحوت) ٥/٢٩٨ وفیه: «ما شاور قومٌ...».

(٣) الأدب المفرد (تحقیق: محمد فؤاد عبد الباقي): ١٠٠، ح٢٥٨.

(٤) الشورى: ٣٨.

(٥) جامع البیان ٤/١١٠.

(٦) معاني القرآن للزجّاج ٤/٤٠١.

(٧) تفسیر القرآن لابن المنذر ٢/٤٦٧.

(٨) آل عمران: ١٥٩.

(٩) الأوسط في السننّ والإجماع والاختلاف ١١/٣٠٧.

۲۵

وهنا یأتي ابن حبّان في كتابه: روضة العقلاء لیروي ـ ولأوّل مرّة في حدود ما اطّلعنا علیه من المصادر ـ بإسناده عن إياس بن دغفل، عن الحسن: أنّ رسول الله صلىٰ الله عليه وسلّم قال: «ما شاور قوم قطّ إلّا هدوا إلىٰ رشدهم»(١)، وهو غریب ولم یشاركه في رفع الحديث إلیٰ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآلهأحدٌ قبله، بل لاحظنا أنّ كلّ المصادر متّفقة علیٰ أنّه موقوف علیٰ الحسن البصري فينضوي إذن تحت إطار مصطلح: (المقطوع) الدارج عند أهل السنّة(٢)، وعلیٰ كلّ؛ یبدو أنّ رفع هذا الأثر إلیٰ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآلهمن أوهام ابن حبّان.

ثمّ نتابع المشوار لنقف عند أوّل عالم شیعي ذكر هذه العبارة وهو الشیخ الطوسي (ت ٤٦٠ هـ) في التبیان حیث قال: «قيل: ما تشاور قوم إلّا وفّقوا لأحسن ما يحضرهم»(٣).

ویستوقفنا قول ابن عبدالبرّ (ت ٤٦٣ هـ) الذي هو الآخر اعتبر هذه العبارة من كلام الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله (٤).

ورواه أبو المظفّر السمعاني (ت ٤٨٩ هـ) في تفسیر القرآن قائلاً: «عَن الحسن البَصْرِي قَالَ: مَا تشَاور قوم إِلَّا هُدُوا إِلَىٰ أرشد أُمُورهم»(٥).

ومن الغریب صنیع الزمخشري (ت ٥٣٨ هـ) بشأن هذه العبارة حیث قال في الكشّاف عند تفسیر الآیة: (١٥٩) من سورة آل عمران: وعن النبي صلّىٰ الله عليه وعلىٰ آله وسلّم: «ما تشاور قوم قطّ إلّا هدوا لأرشد أمرهم»(٦)، ولكن عندما بلغ تفسیر الآیة: (٣٨) من سورة الشوریٰ:

__________

(١) روضة العقلاء ٢/٧٣٤.

(٢) راجع: مقدّمة ابن الصلاح: ٤٧: «هُوَ مَا جَاءَ عَنِ التَّابِعِينَ مَوْقُوفًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْوَالِهِمْ أَوْ أَفْعَالِهِمْ».

(٣) التبیان في تفسیر القرآن ٩/١٦٨.

(٤) بهجة المجالس وأنس المجالس ‏٢ / ٤٥١.

(٥) تفسیر القرآن للسمعاني ٥/٨١.

(٦) الكشّاف ١/٤٣٢.

۲۶

﴿وَأَمْرُهُمْ شُورىٰ بَيْنَهُم، عزاها إلیٰ الحسن(١) ـ والظاهر أنّه یرید الحسن البصري ـ ثمّ نسب العبارة في كتابه الآخر: ربیع الأبرار إلیٰ عمر بهذا اللفظ: «ما تشاور قوم قطّ إلّا هدوا إلىٰ رشد أمرهم»(٢).

ثمّ نجد عدداً من العلماء ـ بعد الزمخشري ـ اعتبروا هذه العبارة حدیثاً؛ منهم: أمین الإسلام الطبرسي (ت ٥٤٨ هـ)(٣)، ونظام الدین الأعرج النیسابوري (ق ٨ هـ)(٤)، والملّا فتح الله الكاشاني (ق١٠هـ)(٥)، وأخیراً السیّد عبد الأعلیٰ السبزواري (ت ١٤١٤ هـ)(٦)، الذي اعتبرها روایة نبویة.

وأجدني ـ بعد هذا العرض المفصّل لألفاظ هذه العبارة في الكتب علیٰ مرّ التاریخ ـ في غنیٰ عن البيان علیٰ أنّها ممّا لم تثبت نسبته إلیٰ الإمام الحسن عليه‌السلام وهي ممّا تفرّد ابن شعبه بنسبته إلیٰ الإمام ولم یشاركه فیها أحدٌ، بل ثبت علیٰ ضوء ما قدّمنا أنّها من أقوال الحسن البصري، ولا نستغرب أن یكون ابن شعبة قد وجد العبارة منسوبة إلیٰ الحسن ـ دون ذكر لقبه: (البصري) كما مرّ معنا في الكثیر من المصادر ـ فظنّ أنّ المراد به الإمام الحسن عليه‌السلام كما وقع مثل هذا الخطأ لبعض المعاصرین أیضاً مثل: (علي محمّد محمّد الصلّابي) في كتابه: (أمير المؤمنين الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: شخصيّته وعصره)(٧)، حیث نسب هذه العبارة إلیٰ الإمام الحسن عليه‌السلام (٨)، ثمّ

__________

(١) المصدر نفسه ٤/٢٢٨.

(٢) ربیع الأبرار ٣/٤٥٣.

(٣) جوامع الجامع ١/٢١٦

(٤) تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان ‏٢ / ٢٩٤.

(٥) زبدة التفاسیر ١/٥٨٥.

(٦) مواهب الرحمن في تفسیر القرآن ٧/٩.

(٧) صدر عن دار التوزيع والنشر الإسلامية بمصر سنة: ١٤٢٥هـ.

(٨) أمير المؤمنين الحسن بن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: شخصيّته وعصره: ٢٨٢ و٢٨٤.

۲۷

أحال في الهامش إلیٰ كتاب: (تهذيب الرياسة وترتيب السياسة) لأبي عبد الله القلعي الشافعي (ت ٦٣٠ هـ) في حین أنّ القلعي إنّما نسب هذه العبارة إلیٰ الحسن(١)، ولا شكّ في أنّ مراده: الحسن البصري كما اتّضح معنا من خلال نقولات المصادر.

٨ـ قوله: «وَقَالَ: اللُّؤْمُ أَنْ لَا تَشْكُرَ النِّعْمَةَ»(٢).

لم نجده بهذه الألفاظ في المصادر ولكن رویٰ الكليني بإسناده عن الإمام الباقر عليه‌السلام خطبة الوسیلة لأمیر المؤمنین عليه‌السلام وفیها: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُفْرُ النِّعْمَةِ لُؤْم‏ وَصُحْبَةُ الجَاهِلِ شُؤْمٌ»(٣)، والملفت أنّ ابن شعبة نفسه قد رویٰ في ضمن خطبة الوسیلة هذه الفقرة بعینها(٤)، والغریب أنّه رویٰ هذه الفقرة بعینها مرّة أخریٰ في ضمن رسالة الإمام علي عليه‌السلام إلیٰ ابنه الإمام الحسن عليه‌السلام (٥).

ولا نستبعد أن یكون ابن شعبة قد نقل كلام الإمام علي عليه‌السلام بالمعنیٰ ونسبه إلیٰ الإمام الحسن عليه‌السلام ، ولا غرو فقد اتّضح من خلال ما لاحظنا لحدّ الآن ـ وسیتّضح معنا أكثر ـ عدم اكتراثه إلیٰ حدّ ما بصحّة نسبة ألفاظ الروایة إلیٰ قائلها ووتساهله في نقل الحدیث.

وینبغي هنا التنبیه علیٰ أنّ هذا المقطع: «واعلم أنّ كفر النعمة لؤم، وصحبة الجاهل شؤم‏» قد ذكر نحوه الشیخ الصدوق (م٣٨١هـ) في معرض ذكر أَلْفَاظِ

__________

(١) تهذیب الریاسة وترتیب السیاسة: ١٨٣.

(٢) تحف العقول: ٢٣٣.

(٣) الكافي ٨/٢٤.

(٤) تحف العقول: ٩٨.

(٥) المصدر نفسه: ٨٠. وفي موضع آخر من هذه الرسالة (نفس المصدر: ٨٣): «وَلَا تَكْفُرَنَّ ذَا نِعْمَةٍ فَإِنَّ كُفْرَ النِّعْمَةِ مِنْ أَلْأَمِ الكُفْر».

۲۸

رَسُولِ الله الـمُوجَزَةِ التي لَمْ يُسْبَقْ إِلَيْهَا(١)، كمـا نسبه أبو علي القالـي (ت ٣٥٦ هـ) فـي الأمالـي إلـیٰ الأحنف بـن قـیس(٢) فـي ضمـن مواعظه الحكمیة(٣)، ثمّ عزا قریباً منه الطرطوشي (ت ٥٢٠ هـ) في سراج الملوك(٤) إلیٰ أكثم بن صیفي(٥).

والأخیرَین لو تقبّلنا صحّة هاتین النسبتین إلیهما فهذا لا يعني طبعاً أنّ هذه الجملة لیست من كلام الإمام علي عليه‌السلام ؛ لأنّ هذا المضمون وهو شكر المُنعِم من متطلّبات الفطرة السلیمة الإنسانیة ومن ثمّ فقد أطبقت علیه كلمة الحكماء من مختلف الأدیان فتجدهم قد عبّروا عن هذه الحقیقة بعبارات مختلفة.

وأمّا نسبتها للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله فهي الأخریٰ غیر مستبعدة فكثیراً ما تجد بین ثنایا الروایات مضموناً واحداً رُويَ عن عدد من الأئمّة عليهم‌السلام بلفظ واحد أو عبارات قریب بعضها من بعض.

٩ـ قوله: «وَقَالَ: لِبَعْضِ وُلْدِهِ: يَا بُنَيَّ! لَا تُؤَاخِ أَحَداً حَتَّىٰ تَعْرِفَ مَوَارِدَهُ وَمَصَادِرَهُ فَإِذَا اسْتَنْبَطْتَ الخِبْرَةَ وَرَضِيتَ العِشْرَةَ فَآخِهِ عَلَىٰ إِقَالَةِ العَثْرَةِ وَالمُوَاسَاةِ فِي العُسْرَةِ»(٦).

__________

(١) من لا یحضره الفقیه ٤/٣٩٠ ولفظه: «كُفْرُ النِّعَمِ مُوقٌ وَ مُجَالَسَةُ الأَحْمَقِ شُؤْمٌ». والمُوقُ: الحمق في غباوة (المعجم الوسیط: ٨٩٢).

(٢) أَبُو بَحْرٍ الأَحْنَفُ بنُ قَيْسِ التَّمِيْمِيُّ أَحَدُ مَنْ يُضْرَبُ بِحِلْمِهِ وَسُؤْدُدِهِ المَثَلُ. وكان من التابعین. (راجع ترجمته في قاموس الرجال ١/٦٨٧ـ٦٩٢).

(٣) الأمالي لأبي علي القالي: ٢٨٨.

(٤) سراج الملوك: ٥٢٨. ولفظه: «كفر النعم لؤم، وصحبة الأحمق شؤم‏».

(٥) أكثم بن صيفي التميمي: حكيم العرب في الجاهلية، وأحد المعمّرين (م٩ه). راجع ترجمته في الأعلام للزركليّ ٢/٦.

(٦) تحف العقول: ٢٣٣.

۲۹

هذه الحكمة ذكرها ابن أبي الدنیا (ت ٢٨١ هـ) في كتاب الإخوان باختلاف جدّاً یسیر قائلاً: «حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ البَصْرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَجُلًا، مِنْ عَبْدِ القَيْسِ قَالَ لِابْنِهِ: أَيْ بُنَيَّ، لَا تُؤَاخِ أَحَداً حَتَّىٰ تَعْرِفَ مَوَارِدَ أُمُورِهِ وَمَصَادِرَهَا فَإِذَا اسْتَطَبْتَ مِنْهُ الخَبَرَ وَرَضِيتَ مِنْهُ العِشْرَةَ فَآخِهِ عَلَىٰ إِقَالَةِ العَثْرَةِ وَالمُوَاسَاةِ عِنْدَ العُسْرَةِ»(١)، ثمّ نجدها عند أبي الطیّب الوشّاء (ت ٣٢٥ هـ) كالتالي: «وروي أنّ رجلاً من عبد القيس‏ قال لابنه: أي بنيَّ! لا تؤاخِ‏ أحداً حتّىٰ تعرف موارد أموره ومصادرها، فإذا استنبطت الخبر، ورضيت منه العشرة، فآخِه علىٰ إقالة العثرة، والمؤاساة عند العسرة»(٢)، ثمّ نقلها أبو علي القالي (ت ٣٥٦ هـ) في كتاب الأمالي(٣)، في ضمن وصایا حكمیة منوّعة لأبي الوَلِيْدِ عَبْد الله بن شَدَّادِ بنِ الهَادِ اللَّيْثِيّ المَدَنِيُ، الكُوْفِيّ(٤)، أوصیٰ بها ابنه عند وفاته والقالي هو أوّل من ذكر طریقه إلیٰ ابن شدّاد وهو كالتالي: «حدّثنا أبو بكر رحمه‌الله قال: أخبرنا السكن بن سعيد، عن محمّد بن عبّاد، عن ابن الكلبي، عن أبيه؛ قال: لمّا حضرت عبد الله بن شدّاد بن الهادِ الوفاة دعا ابناً له يقال له محمّد؛ فقال: يا بنيَّ!...»(٥)، ونصّ المقطع الذي نحن بصدده هو: «... أي بني، لا تواخِ امرءاً حتىٰ تعاشره، وتتفقّد موارده ومصادره، فإذا استطعت العشرة، ورضيت الخبرة، فواخِه علىٰ إقالة العثرة، والمواساة في العسرة، وكُن كما قال المقنّع الكندي‏...» ثمّ ذكر أبیاتاً للكندي أوّلها: «ابلِ الرجال إذا أردت

__________

(١) كتاب الإخوان: ١١٢.

(٢) الظرف والظرفاء: ٦٦.

(٣) الأمالي للقالي: ٤٤٩ وما بعدها.

(٤) ولد علیٰ عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وكان تابعیّاً ثقة من أصحاب أمیر المؤمنین عليه‌السلام ورویٰ عنه جماعة من كبار التابعین وَخَرَجَ مَعَ ابْنِ الأَشْعَثِ، فَقُتِلَ لَيْلَةَ دُجَيْلَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِيْنَ. راجع ترجمته في الإصابة في تمییز الصحابة ٥/١١ـ١٢، والمصادر المذكورة في هامشها؛ قاموس الرجال ٦/٤٠٠ـ٤٠١.

(٥) الأمالي للقالي: ٤٤٩.

۳۰

إخاءهم...»(١)، ممّا لا یعنینا فعلاً وهذه الوصایا نفسها تجدها منسوبة إلیٰ عبد الله بن شدّاد عند أسامة بن منقذ (ت ٥٨٤ هـ) في لباب الآداب أیضاً(٢).

فهناك احتمالات ثلاثة بالنسبة لقائل هذا المقطع:

أ: أن یكون القائل الإمام الحسن المجتبیٰ عليه‌السلام ولا یدعم هذا الاحتمال إلّا روایة ابن شعبة، ولكن لم یشاركه في نقلها أحد ممّا یضعّف هذا الاحتمال بشدّة.

ب: أن یكون القائل رجلاً من عبد القیس كما جاء في روایتي ابن أبي الدنیا وأبي الطیّب الوشّاء. ویعزّز هذا الاحتمال أنّ مصدره أقدم زماناً من مصادر الاحتمال الثالث بشكل ملحوظ.

ج: أن یكون القائل عبد الله بن شدّاد ولكنّ التحدّي الذي یواجهه هذا الاحتمال أنّ هناك تقریرین عن كیفیة موت عبد الله بن شدّاد، فقد اقتصرت بعض المصادر علیٰ القول: إنّه قُتل في التمرّد المسلّح لابن الأشعث ضدّ الحجّاج ولم یتحفْنا بمعلومات أخریٰ في حین ذهب بعضها إلیٰ أنّ فرسه اقتحم به الفرات ـ في نفس انتفاضة ابن الأشعث ـ فذهب(٣). فإذا تقبّلنا أنّه مات غرقاً فكیف كان یمكنه أن یوصي ابنه قبل موته؟ أمّا إذا قلنا: إنّه قتل دون أن یغرق في الفرات فیمكن حینئذٍ أن یكون هناك فاصل قصیر بین إصابته بالجروح وبین موته لیلقي فیه هذه الوصایا لابنه ولكنّ هذا الاحتمال ـ هو الآخر ـ یكتنفه بعد شيء من الضبابیة والغموض.

وعلیٰ كلّ ففي ظلّ هذه المعطیات التاریخیة یمكننا القول: إنّ العبارة التي نقلها ابن شعبة لیست من كلام الإمام، سواء رجّحنا بشأن قائلها الاحتمال الثاني أم الاحتمال الثّالث.

__________

(١) الأمالي للقالي: ٤٥١.

(٢) لباب الآداب: ٢٤.

(٣) راجع تفاصیل القولین في: تاریخ مدینة دمشق ٢٩/١٥٢ ـ١٥٤.

۳۱

١٠ـ قوله: «وَقَالَ: لَا تُجَاهِدِ الطَّلَبَ جِهَادَ الغَالِبِ وَلَا تَتَّكِلْ عَلَىٰ القَدَرِ اتِّكَالَ المُسْتَسْلِمِ؛ فَإِنَّ ابْتِغَاءَ الفَضْلِ مِنَ السُّنَّةِ وَالإِجْمَالَ فِي الطَّلَبِ مِنَ العِفَّةِ وَلَيْسَتِ العِفَّةُ بِدَافِعَةٍ رِزْقاً وَلَا الحِرْصُ بِجَالِبٍ فَضْلاً؛ فَإِنَّ الرِّزْقَ مَقْسُومٌ وَاسْتِعْمَالَ الحِرْصِ اسْتِعْمَالُ المَأْثَمِ»(١).

رواه ابن شعبة في التمحیص، وأوّله: «عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ لِرَجُل: يَا هَذَا لَا تُجَاهِدِ الطَّلَبَ جِهَادَ العَدُوّ....»‏(٢).

ولهذا الحدیث أیضاً مسیرة عجیبة ملفتة للنظر عبر التاریخ، فأوّل من وجدناه ذكر هذا المقطع الشیخ المفید (ت ٤١٣ هـ) في الكتاب الذي طبع له تحت عنوان: (الحكايات في مخالفات المعتزلة من العدلية) حیث رویٰ هذا المتن كجزء لحدیث طویل رواه بإسناده: «عَنْ يَزِيدَ بْنِ خَلِيفَةَ قَالَ: قَالَ لَنَا أَبُو عَبْدِ الله عليه‌السلام وَنَحْنُ عِنْدَهُ: نَظَرْتُمْ وَالله حَيْثُ نَظَرَ الله... وَقَالَ: قَالَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ لِرَجُلٍ: يَا هَذَا! لَا تُجَاهِدِ الطَّلَبَ جِهَادَ المُغَالِبِ...»(٣)، كما نقله ابن إدریس (ت ٥٩٨ هـ) في السرائر عن كتاب: العیون والمحاسن للمفید كجزء من الحدیث المذكور بنفس الإسناد(٤).

أمّا عماد الدین الطبري (ت بعد ٥٥٣ هـ) فقد رویٰ هذا المتن باعتباره جزءاً من حدیث طویل رواه بإسناده: «عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ الله: أَوْصِنِي‏! فَقَالَ: أُوصِيكَ بِتَقْوَىٰ الله... وَلَا تُجَاهِدِ الطَّلَبَ جِهَادَ المُغَالِب‏...»(٥)، وهذا الإسناد هو الذي نجده عند الشیخ المفید في كتاب الحكایات(٦) قبل الحدیث الذي رواه عَنْ يَزِيدَ بْنِ خَلِيفَةَ كما أنّ الطبري نقل بعد تمام المقطع الذي

__________

(١) تحف العقول: ٢٣٣ـ٢٣٤.

(٢) التمحیص: ٥٢ ح٩٨.

(٣) الحكايات في مخالفات المعتزلة من العدلية: ٩٤ـ٩٥.

(٤) السرائر ٣/٦٥٠.

(٥) بشارة المصطفیٰ ٢/٢٢٢.

(٦) الحكایات: ٩٣. وعنه في السرائر ٣/٦٥٠.

۳۲

نحن بصدده قولَ الإمام عليه‌السلام : «لَا يَفْقِدُكَ الله مِنْ حَيْثُ أَمَرَك‏»(١)، وهذه العبارة رواها الشیخ المفید في الحكایات بعد المقطع الذي نتحدّث عنه كقطعة ثالثة من متن الحدیث الذي رواه عَنْ يَزِيدَ بْنِ خَلِيفَة وقال: «أَتَىٰ رَجُلٌ أَبَا عَبْدِ الله فَقَالَ: يَا ابْنَ رَسُولِ الله أَوْصِنِي فَقَالَ لَهُ: لَا يَفْقِدُكَ الله...»(٢).

وعلیٰ أیّة حال توضّح للعیان بالمقارنة بین روایتي المفید والطبري أنّ الأخیر قد دمج بین حدیثین رواهما المفید بإسنادین مختلفین فجعلهما حدیثاً واحداً، فأسقط الإسناد إلیٰ يَزِيدَ بْنِ خَلِيفَة فأصبح متن الحدیث الذي رواه المفید بإسناده عَنْ يَزِيدَ بْنِ خَلِيفَة ـ والذي یشتمل علیٰ الفقرة التي نحن بصددها ـ جزءاً من متن الحدیث الذي رواه بإسناده عَنْ عَلْقَمَة فحصل جرّاء ذلك الارتباك وعدم التلائم بین فقرات متن واحد.

وعندما نرجع خطوة إلىٰ الوراء نجد هذا المقطع الذي رواه ابن شعبة عن الإمام الحسن عليه‌السلام نقله أبو حیّان التوحیدي (ت ٤١٤ هـ) في موضع عن بعض السلف هكذا: «لا يجاهد الطالب جهاد المغالب... ولا الحرص بجالب فضلاً»(٣)، ثمّ نقله في موضع آخر عن الحسن البصري كالتالي: «لا تجاهد في الطلب جهاد المغالب‏...» وزاد علیه: «الرزق مقسوم، والأجل محتوم، وفي الحرص اكتساب المآثم»(٤). كما نقله الآبي (ت ٤٢١ هـ) في نثر الدرّ ولم یسمّ قائله: «لا تجاهد الطلب جهاد المغالب‏... بجالب فضلاً»(٥)، وفي نفس الحقبة نسب الفقرة الأولیٰ من العبارة أبو علي مسكویَه (ت ٤٢٠/٤٢١ هـ) إلیٰ أكثم بن صیفي(٦).

__________

(١) المصدر نفسه.

(٢) الحكایات: ٩٥. وعنه في السرائر ٣/٦٥٠.

(٣) البصائر والذخائر ٤/١٩٣.

(٤) المصدر نفسه ٥/٢٢٧.

(٥) نثر الدرّ ٤/١٤٨.

(٦) الحكمة الخالدة (جاویدان خرد): ١٨٠: «لا تجاهد في الطلب جهاد المغالب، ولا تتّكل

۳۳

أمّا ابن حمدون (ت ٥٦٢ هـ) فهو أوّل من نسب هذه العبارة ـ حتّیٰ قوله: «ولا الحرص بجالب فضلاً» ـ للإمام علي عليه‌السلام (١)، ثمّ نقلها ابن أبي الحدید (ت ٦٥٦ هـ) ضمن الحكم المنسوبة إلیٰ الإمام علي عليه‌السلام (٢)، كما نسبها للإمام علي عليه‌السلام المبارك بن الخلیل الموصلي (ت بعد ٦٨٣ هـ)(٣) ثمّ ننتهي بعد مضي قرنین إلیٰ الدیلمي (ق ٩ هـ) الذي نسب العبارة إلیٰ الإمام الحسین عليه‌السلام (٤).

وصفوة القول بشأن هذه الروایة: أنّ بإمكاننا بعد تقییم هذه الروایات المختلفة ودراستها التأكّد من صحّة عزو هذا الحدیث إلیٰ الإمام الحسن عليه‌السلام استناداً إلیٰ روایة الشیخ المفید، وهو أقدم مصدر لهذه الروایة ولا تبلغ بقیة المصادر المذكورة أعلاه مستواه من ناحیتي القدم الزمني واتّصال الإسناد. أمّا إضافة العبارة في بعض المصادر للحسن البصري فأكبر الظنّ أنّه نجم عن التشابه بین الاسمین، كما أنّ من المرجّح أنّ نسبة العبارة للإمام علي عليه‌السلام ـ هي الأخریٰ ـ نشأت من الخطأ في إسناد الأحادیث المرویة عن الأئمّة عليهم‌السلام فكثیرة هي الأحادیث التي رویت في بعض المصادر عن إمام وفي بعضها الآخر عن غیره من الأئمّة عليهم‌السلام . ویمكن للقارئ ـ علیٰ غرار ما قدّمنا ـ تقییم نسبة الروایة إلیٰ أكثم بن صیفي أو غیره ممّا لا یعنیناً فعلاً.

هذا كلّه بشأن نسبة الحدیث وأمّا متنه فیبدو أنّ النصّ المنقول في تحف العقول وعدد آخر من المصادر لا یخلو من تصحیف، فعلیٰ سبیل المثال نشعر عند قراءة

__________

علىٰ القدر اتّكال المستسلم».

(١) التذكرة الحمدونیة ٣/١٣٨.

(٢) شرح نهج البلاغة ٢٠/٢٦١ـ٢٦٢ إلیٰ قوله: «وفي شدّة الحرص اكتساب المآثم‏» و٣١٠ إلیٰ قوله: «... بجالب فضلاً».

(٣) آداب الملوك بالعدل ٢/٧٠٠ إلیٰ قوله: «... في الطلب من العفّة».

(٤) أعلام الدین: ٤٢٨: «مِنْ كَلَامِ الحُسَيْنِ: قَالَ لِرَجُلٍ يَا هَذَا لَا تُجَاهِدْ فِي الرِّزْقِ جِهَادَ المُغَالِبِ...».

۳۴

العبارة: «لَا تُجَاهِدِ الطَّلَبَ جِهَادَ الغَالِبِ» بشيء من الإبهام والعجمة، فإنّ الطلب لیس شخصاً كي نجاهده، والظاهر أنّ الصحیح أو الأنسب والأبلغ ـ علیٰ الأقلّ ـ في هذه العبارة هو: «لا يجاهد الطالب جهاد المغالب» ـ كما في روایة أبي حیّان(١) ـ أو «لا تجاهد في الطلب جهاد المغالبة» ـ كما في روایة ابن حمدون(٢) ـ وعلیٰ كلّ حال ففي مصادر روایة الحدیث اختلافات لم نخُض غمارها فراجع.

١١ـ قوله: «وَقَالَ: القَرِيبُ مَنْ قَرَّبَتْهُ المَوَدَّةُ وَإِنْ بَعُدَ نَسَبُهُ وَالبَعِيدُ مَنْ بَاعَدَتْهُ المَوَدَّةُ وَإِنْ قَرُبَ نَسَبُهُ؛ لَا شَيْ‏ءَ أَقْرَبُ مِنْ يَدٍ إِلَىٰ جَسَدٍ وَإِنَّ اليَدَ تُفَلُّ(٣)، فَتُقْطَعُ وَتُحْسَمُ»(٤).

رواه الكلیني (ت ٣٢٩ هـ) بإسناده عَنْ أَبِي عَبْدِ الله: قَالَ: قَالَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ عليه‌السلام : القَرِيب...(٥)‏.

ولا یفوتني التنبیه علیٰ أنّ هذه الروایة نجدها عند العامّة أیضاً باختلاف یسیر، فقد رواها أبو بكر الخرائطي (ت ٣٢٧ هـ) بإسناده عَنْ حَبَّةَ بْنِ جُوَيْنٍ العُرَنِيِّ، عَنْ أمیر المؤمنین عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(٦)، كما رواه باختلاف في ذیلها أبو نعیم (ت ٤٣٠ هـ) بإسناده إلیٰ الإمام الصادق عن الإمام الباقر عن الإمام الحسین عليهم‌السلام ، قال: «قَالَ

__________

(١) البصائر والذخائر ٤/١٩٣.

(٢) التذكرة الحمدونیة ٣/١٢٩.

(٣) كذا وفي الكافي: «تَغُلُّ» وهو الصحیح المناسب للسیاق وغَلَّ فلانٌ: خان في المغنم وغیره (المعجم الوسیط: ٦٥٩).

(٤) تحف العقول: ٢٣٤.

(٥) الكافي ٢/٦٤٣.

(٦) اعتلال القلوب ٢/٣٦٩ ؛ مكارم الأخلاق: ٢٩٥ـ٢٩٦ كلاهما له.

۳۵

رَسُولُ الله صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ [وآله] وَسَلَّمَ: القَرِيبُ مَنْ قَرَّبَتْهُ المَوَدَّةُ...»(١).

ولا غرو أن تشتبه هذه الأحادیث؛ لأنّ مستقاها من قليبٍ ومفرغها من ذَنُوبٍ علیٰ حدّ تعبیر السیّد الرضي(٢)، ومن ثمّ فلا نستبعد صدور هذا المضمون الذي توحي به الفطرة السلیمة بألفاظ قریبة عن عدد من المعصومین عليهم‌السلام كما لاحظنا نظیره آنفاً.

١٢ـ قوله: «وَقَالَ: مَنِ اتَّكَلَ عَلَىٰ حُسْنِ الِاخْتِيَارِ مِنَ الله لَهُ لَمْ يَتَمَنَّ أَنَّهُ فِي غَيْرِ الحَالِ الَّتِي اخْتَارَهَا الله لَهُ»(٣).

إنّ أوّل من وجدناه أشار إلیٰ هذه العبارة هو أبو علي مُسكویَه (ت ٤٢٠/ ٤٢١ هـ) حیث قال: «قيل لبعض العلماء: إنّ أبا ذرّ كان يقول: الفقر أحبّ إلي من الغنىٰ، والسقم أحبّ إلي من الصحّة، والموت أحبّ إلي من الحياة. فقال: رحم الله أبا ذرّ! ولكنّي أقول: من توكّل علىٰ الله حقّ توكّله في حسن الاختيار له لم يحبّ أن يكون في حالٍ سوىٰ حاله»(٤)، ثمّ رواه أبو القاسم القشیري (ت ٤٦٥ هـ) بإسناده إلیٰ محمّد بن يزيد المبرّد (ت ٢٨٦ هـ) يقول: قيل للحسين بن علي بن أبي طالب، رضي الله عنهما: إنّ أبا ذرّ يقول: الفقر أحبّ إليَّ من الغنىٰ، والسقم أحبّ إليّ من الصحّة، فقال: رحم الله أبا ذرّ، أمّا أنا فأقول: من اتّكل علىٰ حسن اختيار الله تعالىٰ له لم يتمنَّ غير ما اختاره الله عزّ وجلّ له»(٥). وكما تریٰ نسب العبارة إلیٰ الإمام الحسین عليه‌السلام ، بینما نجد

__________

(١) أخبار إصبهان ١/١٣٦.

(٢) نهج البلاغة: ٤٤٩.

(٣) تحف العقول: ٢٣٤.

(٤) الحكمة الخالدة (جاویدان خرد): ١١٥.

(٥) الرسالة القشیریة: ٣٠٠. ونسب معاصره: الهجویري (ت بعد٤٦٥هـ) أیضاً هذا العرض والإجابة علیه إلیٰ الإمام الحسین عليه‌السلام فراجع: كشف المحجوب (بتحقیق: الدكتور محمود عابدي): ٢٦٩. وبین متنیهما اختلاف لم نتعرّض له.

۳۶

نفس هذا النقل عند ابن عساكر (ت ٥٧١ هـ) بإسناده إلیٰ المبرّد وفیه أنّ المسؤول الإمام الحسن بن علي ‘ ومن الواضح أنّ إحدیٰ اللفظتین تصحّفت إلیٰ الأخریٰ، وسنبیّن الأرجح عندنا من الاحتمالین، وعلیٰ كلّ فنصّ إجابة الإمام علیٰ روایة ابن عساكر كالتالي: «فمن اتّكل علىٰ حسن اختيار الله له لم يتمنّ أنّه في غير الحالة التي اختار الله تعالىٰ له‏»(١).

ورویٰ الغزّالي (ت ٥٠٥ هـ) عرض قول أبي ذرّ علیٰ الإمام الحسن عليه‌السلام مرسلاً بنحو المتن الذي رواه ابن عساكر(٢)، ونسب هذا العرض إلیٰ بعض الحكماء الشیخ ورّام بن أبي فراس (ت ٦٠٥ هـ)(٣).

وقد أشارت إلیٰ هذه الروایة علیٰ مرّ الزمن كثیر من المصادر ناسبة لها إلیٰ الإمام الحسن عليه‌السلام (٤)، وهناك مصادر نسبت هذا العرض إلیٰ (الحسن) ولم یصرّحوا بمرادها فهل تقصد: (الإمام الحسن عليه‌السلام ) أو (الحسن البصري)(٥)؟

هذا وقد نقل الجاحظ عرض كلام أبي ذرّ رحمه‌الله علیٰ دَهثَم بْن قُرّان العُكلِي(٦)، ولكن لا یرقیٰ مستویٰ جوابه سموّاً ورفعة إلیٰ ما أجاب به الإمام الحسن عليه‌السلام (٧).

__________

(١) تاریخ مدینة دمشق ١٣/٢٥٣.

(٢) مجموعة رسائل الإمام الغزالي: ١٥٤.

(٣) تنبیه الخواطر (مجموعة ورّام) ٢/١٥.

(٤) راجع كنماذج: عوارف المعارف ٢/ ٥٥٩؛ سیر أعلام النبلاء ٣/٢٦٢؛ شذرات الذهب ١/٢٤٣.

(٥) راجع كنماذج: ربیع الأبرار ٥/٣٢٨؛ التذكرة الحمدونیة ١/٢١٢. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحدید ٣/١٥٦: «قيل للحسن عليه‌السلام » ولا ندري إن كان التسلیم من ابن أبي الحدید ـ لیدلّ علیٰ أنّ المراد الإمام الحسن عليه‌السلام ـ أو من إضافات الناسخین؟

(٦) أحد رواة العامّة وقد ضعّفوه. وكان یعیش في منتصفات القرن الثاني. راجع ترجمته في تهذیب الكمال ٨/٤٩٦.

(٧) البیان والتبیین ٣/١٠٥.

۳۷

ومهما یكن من أمر فإنّ القدر الذي نجزم به علیٰ ضوء هذه الروایات هو؛ أوّلاً: أنّ هذه العبارة قد صدرت بشأن تقییم كلام أبي ذرّ رحمه‌الله ، وثانیاً: أنّ الأرجح أنّها من كلام الإمام الحسن عليه‌السلام ، وذلك استناداً إلیٰ ما نقله المبرّد (ت ٢٨٦ هـ) ـ علیٰ روایة ابن عساكر ومن بعده ـ فإنّه أقرب بكثیر إلیٰ زمن صدور الحدیث من غیره من المصادر، ویؤیّده نقل المصادر التي نسبت العبارة إلیٰ: (الحسن) بشكل مطلق.

١٣ـ قوله: «وَقَالَ: العَارُ أَهْوَنُ مِنَ النَّارِ»(١).

رویٰ ابن عبد البرّ (ت ٤٦٣ هـ) بإسناده عَنِ ابْنِ شَوْذَبٍ، قَالَ: «لمّا قُتِلَ عَلِيٌّ سَارَ الحَسَنُ فِيمَنْ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ الحِجَازِ وَالعِرَاقِ، وَسَارَ مُعَاوِيَةُ فِي أَهْلِ الشَّامِ، فَالتَقَوْا، فَكَرِهَ الحَسَنُ القِتَالَ(٢)، وَبَايَعَ مُعَاوِيَةَ عَلَىٰ أَنْ يَجْعَلَ العَهْدَ لِلْحَسَنِ مِنْ بَعْدِهِ، قَالَ: فَكَانَ أَصْحَابُ الحَسَنِ يَقُولُونَ لَهُ: يَا عَارَ المُؤْمِنِينَ. فَيَقُولُ: العَارُ خَيْرٌ مِنَ النَّارِ»(٣)، وهذا اللفظ قریب ممّا ذكره ابن شعبة، والظاهر أنّ الأصل فيهما واحدٌ.

وهذا الحدیث تعبیر صارخ عن المظلومیة الكبریٰ التي عاشها الإمام الحسن عليه‌السلام ، حیث كان یحتمل مثل هذه الكلمات المسیئة له الصادرة من أقرب أصحابه إلیه!

__________

(١) تحف العقول: ٢٣٤.

(٢) قوله: «فَكَرِهَ الحَسَنُ القِتَالَ» إنّما یلائم نظرة مدرسة السقیفة بشأن الإمام وهو یخالف واقع التاریخ الذي یوضّح للعیان أنّ الإمام لم یصالح معاویة إلّا بعد ما تقاعس أصحابه عن نصرته ونهبوا فسطاطه إلیٰ غیر ذلك من المصائب المحزنة التي تبكي لها الأرواح دماً قبل العيون، وقد كشف الإمام الحسن عليه‌السلام نفسه عن السبب في اتّخاذ قرار الصلح بما یرویه ابن شعبة وغیره من المصادر وهو قوله: «إِنَّا وَ الله مَا ثَنَانَا عَنْ أَهْلِ الشَّامِ شَكٌّ وَ لَا نَدَمٌ...». وسنتعرّض له بعد قلیل.

(٣) الاستیعاب في معرفة الأصحاب ١/٣٨٦. ورواه بعده العدید من المحدّثین فراجع: شرح إحقاق الحقّ ٢٦/٥١٨ـ٥١٩؛ ٣٣/٤٩٦.

۳۸

١٤ـ قوله: «وَقَالَ: الخَيْرُ الَّذِي لَا شَرَّ فِيهِ الشُّكْرُ مَعَ النِّعْمَةِ وَالصَّبْرُ عَلَىٰ النَّازِلَةِ»(١).

رویٰ البلاذري (ت ٢٧٩ هـ) بإسناده إلیٰ عَوْن بن عَبْدِ اللهِ بنِ عُتْبَةَ(٢)، أنّه قال: الخير الذي لا شرّ فيه: الشكر مع العافية، فرُبَّ منعَمٍ عليه غير شاكرٍ، ومبتلىٰ غير صابر(٣). ورویٰ أبو نعیم (ت ٤٣٠ هـ) أیضاً(٤) مثله عن عون بن عبد الله.

أمّا أبو العبّاس المبرّد (ت ٢٨٥ هـ) فرویٰ بإسناده عن الحسن أنّه قال: «الخير الذي لا شرّ فيه الشكر مع العافية، والصبر عند المصيبة، فكم من منعم عليه غير شاكر، ومن مبتلىٰ غير صابر»(٥). ونقل هذا المضمون أبو بكر بن درید (ت ٣٢١ هـ) عن الحسن أنّه قال: «الخير الذي لا شر فيه الشكر مع النعمة والصبر عند النازلة»(٦)، وهذا هو لفظ ابن شعبة بعینه إلّا أنّه قال: (علیٰ) بدلاً عن: (عند).

والظاهر أنّ مرادهما الحسن البصري؛ أوّلاً: لأنّ العدید من المؤلّفین بعدهما نسبوا هذه العبارة ـ أو نحوها باختلاف جدّاً یسیر ـ إلیه مصرّحین بلقبه البصري مثل القاضي أبي علي التنّوخي (ت ٣٨٤ هـ)(٧) وأبي طالب المكّي (ت ٣٨٦ هـ)(٨). وثانیاً: لأنّ بعض المصادر قد

__________

(١) تحف العقول: ٢٣٤.

(٢) أَبو عَبْدِ الله عَوْنُ بنُ عَبْدِ الله بنِ عُتْبَةَ الهُذَلِيُّ الكُوْفِيُّ. كان تابعیّاً من رواة العامّة. توفّي قبل ١٢٠هـ. راجع ترجمته في سیر أعلام النبلاء ٥/١٠٣ـ١٠٥.

(٣) أنساب الأشراف ١١/٢٣٢ـ٢٣٣.

(٤) حلیة الأولیاء ٤/٢٥٤.

(٥) التعازي والمراثي: ٤٧.

(٦) المجتنیٰ: ٤٣.

(٧) الفرج بعد الشّدّة ١/١٧١.

(٨) قوت القلوب ١/٣٦٣.

۳۹

روت هذه العبارة بإسناده عن عَلِي بْن عَلِيٍّ الرِّفَاعِي(١) ـ وهو من تلامذة الحسن البصري ـ عن الحسن(٢).

أمّا ابن عساكر (ت ٥٧١ هـ) فقد رواه تارة بإسناده إلیٰ عون بن عبد الله وفیه: «... والصبر عند المصيبة فكم من...»(٣)، وأخریٰ بإسناده إلیٰ مُطَرِّف بن عَبْـدِ اللـهِ بنِ الشِّـخِّيْرِ(٤)، أنّه قـال: «الـخير الذي لا شرّ فـيه: الشكر مع العافـية، فكم من...»(٥)، كما نسب ذلك البیهقي (ت ٤٥٨ هـ) إلیٰ مطرّف(٦).

وفي نفس الفترة نجد الشیخ أبا الحسن اللیثي الواسطي من علمائنا (ت بعد ٥٨٣ هـ) نقل هذا الكلام في جملة كلمات أمیر المؤمنین عليه‌السلام (٧).

وأخيراً نرىٰ فرید الدین العطّار النیسابوري (ت قبل ٦٢٧ هـ) ذكر الترجمة الفارسیة لهذه العبارة: «الخير الذي لا شرّ فيه هو الشكر عند النعمة والصبر عند البلاء» ضمن أقوال أبي سلیمان الداراني(٨) في كتابه تذكرة الأولیاء(٩).

__________

(١) أرّخ الذهبي وفاته بین سنتي ١٦١ـ١٧٠هـ. راجع ترجمته في تاریخ الإسلام ٤/٤٦٣.

(٢) راجع كنموذج: الدلائل في غریب الحدیث ٣/١١٧٠.

(٣) تاریخ مدینة دمشق ٤٧/٧٥.

(٤) أبُو عَبْدِ الله مُطَرِّفُ بنُ عَبْدِ الله بنِ الشِّخِّيْرِ الحَرَشِيُّ العَامِرِيُّ البَصْرِيُّ أحد التابعین من العامّة (ت٩٥هـ). راجع ترجمته في سیر أعلام النبلاء ٤/١٨٧ـ١٩٥.

(٥) تاریخ مدینة دمشق ٥٨/٣١٧.

(٦) شعب الإیمان ٤/١٠٦.

(٧) عیون الحكم والمواعظ: ٧٠.

(٨) أبُو سُلَيْمَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ أَحْمَدَ الدَّارَانِيُّ الزَاهِدُ من مشایخ الصوفیة، رَوَىٰ عَنْ: سُفْيَانَ الثوْرِيِّ وغیره. توفّي سنة ٢٠٥ أو٢١٥هـ. راجع: سیر أعلام النبلاء ١٠/ ١٨٢ـ١٨٦.

(٩) تذكرة الأولیاء (الفارسیة بتصحیح: أحمد آرام: ٢٠٦ـ٢٠٧.

۴۰

فاتّضح معنا بعد هذا الاستعراض المفصّل للمراحل التي قطعتها هذه العبارة علیٰ مرّ التاریخ تفرّد ابن شعبة بنسبتها إلیٰ الإمام الحسن عليه‌السلام ، ومن ثمّ فلا یمكننا الركون إلیٰ نقله واعتبار هذه العبارة حدیثاً من أحادیث الإمام، بل لاحظنا أنّ العدید من المصادر نسبتها إلیٰ عون بن عتبة أو الحسن البصري، ومن المظنون أنّ العبارة كانت قد نسبت في مصدر ابن شعبة إلیٰ: (الحسن) فتخیّلَ أنّه الإمام عليه‌السلام ، بینما لاحظنا صدورها من الحسن البصري ولا نرفض في الوقت نفسه إمكانیة صدور مثلها عن عون بن عتبة أیضاً؛ نظراً إلیٰ نسبة العدید من المصادر المتقدّمة العبارة إلیه؛ ولأنّ هذا المضمون من وحي الضمیر الإنساني السلیم ـ كما لاحظنا في مثیلاته آنفاً ـ وهو من المضامین الحكمیة التي ربّما تقفز إلیٰ أذهان الكثیر من المفكّرین وأصحاب الزهد والتقشّف فلا غرو إذن أن یصدر بشأنها من اثنین أو أكثر عبارات متلائمة المعاني ومتقاربة الألفاظ.

فموجز القول أنّ العبارة لیست من كلام الإمام عليه‌السلام .

١٥ـ قوله: «وَقَالَ: لِرَجُلٍ أَبَلَّ(١) مِنْ عِلَّةٍ: إِنَّ الله قَدْ ذَكَرَكَ فَاذْكُرْهُ وَأَقَالَكَ فَاشْكُرْهُ».

هذا الكلام ذكره ابن شعبة نفسه في جملة ما نقله من كلمات الإمام السجّاد عليه‌السلام ونصّه هناك: «وَرَأَىٰ عَلِيلاً قَدْ بَرِئَ فَقَالَ لَهُ: يَهْنَؤُكَ الطَّهُورُ مِنَ الذُّنُوبِ إِنَّ الله قَدْ ذَكَرَكَ فَاذْكُرْهُ وَأَقَالَكَ فَاشْكُرْهُ»(٢)، وهذا ممّا یزید في صعوبة تقویم نسبة الكلام إلیٰ كلّ من الإمامین عليهما‌السلام ویزید الطین بلّة إذا أخذنا في الاعتبار اختلاف المصادر بعده في عزو العبارة إلیٰ قائلها فالثعالبي (ت ٤٢٩ هـ) رویٰ النصّ هكذا: «دخل الحسن بن عليٍّ رضوان الله عليهما علىٰ عليل قد أَبَلَّ. فقال: إنّ الله تعالىٰ أقالك فاشكره، وذكرك فاذكره»(٣). ولكن في نفس الحقبة

__________

(١) أبلَّ المریضُ من مرضه: بَرَأَ وصحَّ (المعجم الوسیط: ٧٠).

(٢) تحف العقول: ٢٨٠.

(٣) دُرَر الحِكَم: ٤٥.

۴۱

نسب هذه العبارة أبو سعدٍ الآبي (ت ٤٢١ هـ) إلیٰ الحسن البصري(١)، ثمّ نجدها مرّة أخریٰ منسوبة إلیٰ الإمام الحسن عليه‌السلام عند الراغب الإصفهاني (ت ٥٠٢ هـ)(٢)، ثمّ نسبها ابن أبي الحدید (ت ٦٥٦ هـ) في معرض ذكر الحكم المنسوبة إلیٰ أمیر المؤمنین عليه‌السلام (٣).

وقال ابن كثیر (ت ٧٧٤ هـ) في معرض ذكر جانب من أخبار الحسن البصري: «ورویٰ العتبي(٤)، عن أبيه قال: عاد الحسن عليلاً...»، وثمّ أضاف تتمّة لم یذكرها غیره: «ثمّ قال الحسن: إنّما المرض ضربة سوط من ملك كريم...»(٥).

أمّا في اتّجاه آخر فقد نقل الزمخشري (ت ٥٣٨ هـ) واقعة مضاهیة لما نحن بصدده فقال: «دخل ابن السمّاك(٦) علىٰ الرشيد في عقب مرض، فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ الله ذكرك فاذكُره، وأطلقك فاشكُره»(٧).

والحقیقة أنّ من الصعوبة بمكان الجزم بصحّة نسبة هذه العبارة إلیٰ الإمام الحسن عليه‌السلام

__________

(١) نثر الدرّ ٥/١٢٢.

(٢) محاضرات الأدباء ١/٥١٥.

(٣) شرح نهج البلاغة ٢٠/٣٠٩.

(٤) في طبعتنا: (الفتني) والظاهر أنّه تصحیف بدلیل ما رواه ابن كثیر نفسه بعد هذا النقل دون أيّ فاصل وفیه: «وروىٰ العتبي عن أبيه أيضاً...» وهو مُحَمَّدُ بنُ عُبَيْدِ الله بنِ عَمْرِو بنِ مُعَاوِيَةَ العُتْبِي (م٢٢٨هـ)، كان مؤرّخاً وراوية للآداب‏. رویٰ عن أبیه كثیراً وعن غیره. راجع ترجمته في: سیر أعلام النبلاء ١١/٩٦؛ تاريخ التراث العربي ١/٢٦٧، القسم‏٢.

(٥) البدایة والنهایة ٩/٢٩٧.

(٦) أبُو العَبَّاسِ مُحَمَّدُ بنُ صَبِيْحٍ العِجْلِيُّ الكُوْفِيُّ المعروف بابْنِ السَّمَّاكِ، الزَّاهِدُ، الواعظ وقد انتثرت مواعظه في المصادر ومنها ما وعظ به الرشید. توفّي سنة ١٨٣هـ. راجع: سیر أعلام النبلاء ٨/٣٢٨.

(٧) ربیع الأبرار ٥/٤٨.

۴۲

وسط هذه الأقوال المتضاربة، كما أنّ نسبتها إلیٰ الإمام زین العابدین عليه‌السلام أیضاً صعبة للغایة؛ لأنّها ممّا لم یشارك ابن شعبة فیها أحدٌ ولعلّ عنوان الحسن البصري قد التبس هنا أیضاً بعنوان الإمام الحسن بن علي عليه‌السلام ، وقد تعرّفنا آنفاً علیٰ نظائره في كلام ابن شعبة.

وعلیٰ أیّة حال لم تثبت نسبة هذا الكلام إلیٰ الإمام الحسن عليه‌السلام .

١٦ـ قوله: «وَقَالَ عِنْدَ صُلْحِهِ لِمُعَاوِيَةَ: إِنَّا وَالله مَا ثَنَانَا عَنْ أَهْلِ الشَّامِ شَكٌّ وَلَا نَدَمٌ وَإِنَّمَا كُنَّا نُقَاتِلُ أَهْلَ الشَّامِ بِالسَّلَامَةِ وَالصَّبْرِ فَسُلِبَت السَّلَامَةُ بِالعَدَاوَةِ وَالصَّبْرُ بِالجَزَعِ وَكُنْتُمْ فِي مُنْتَدَبِكُمْ إِلَىٰ صِفِّينَ وَدِينُكُمْ أَمَامَ دُنْيَاكُمْ وَقَدْ أَصْبَحْتُمُ اليَوْمَ وَدُنْيَاكُمْ أَمَامَ دِينِكُمْ»(١).

إنّ أقدم من نجد عنده هذه الخطبة أبو بكر بن درید (ت ٣٢١ هـ) حیث رواه مرسلاً في كتابه: المجتنیٰ(٢) بأطول ممّا ذكره ابن شعبة، ثمّ رواه عن ابن درید كلّ من ابن عساكر (ت ٥٧١ هـ)(٣)، وابن الأثیر (ت ٦٣٠ هـ)(٤)، من العامّة والسیّد علي بن طاووس من علمائنا (ت ٦٦٤ هـ)(٥)، ومن بعدهم.

وفي السیاق ذاته نقل الخطبة مرسلة الحلواني (ق ٥ هـ) ـ من أصحابنا (٦) ـ ثمّ یتحفنا ابن حمدون (ت ٥٦٢ هـ) بروایتها(٧)؛ لنجدها عند المنصور بالله عبد الله بن حمزة الزیدي (ت ٦١٤

__________

(١) تحف العقول: ٢٣٤.

(٢) المجتنیٰ: ٢٣.

(٣) تاریخ مدینة دمشق ١٣/٢٦٨.

(٤) أسد الغابة ١/٤٩١؛ الكامل في التاریخ ٣/٤٠٦.

(٥) الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف ١/١٩٨ـ١٩٩.

(٦) نزهة الناظر: ٧٧ـ٧٨.

(٧) التذكرة الحمدونیة ٦/٢٤٦ـ٢٤٧.

۴۳

هـ)(١)، ثمّ نلاحظها عند السیّد علي بن طاووس (ت ٦٦٤ هـ) مرّة أخریٰ في كتابه التشریف بالمنن(٢)، المعروف بـ: (الملاحم والفتن) حیث نقله من مجموع محمّد بن الحسين بن المرزبان(٣).

ولا تفوتنا الإشارة إلیٰ أنّ روایة الخطبة باختلاف بعض الألفاظ جاءت في تثبیت دلائل النبوّة المنسوب للقاضي عبد الجبّار المعتزلي (ت ٤١٥ هـ)(٤).

هذا وتجد قریباً من المقطع الموجود في الخطبة وهو: «كُنْتُمْ فِي مُنْتَدَبِكُمْ إِلَىٰ صِفِّينَ وَدِينُكُمْ أَمَامَ دُنْيَاكُمْ وَقَدْ أَصْبَحْتُمُ اليَوْمَ وَدُنْيَاكُمْ أَمَامَ دِينِكُم‏»(٥) في ضمن مواجهة سفیان بن أبي لیلیٰ للإمام، وردّ الإمام علیه ممّا ذكره سبط ابن الجوزي (ت ٦٥٤ هـ)(٦).

ومهما یكن فالمتحصّل من جمیع ما تقدّم أنّ نسبة الخطبة للإمام الحسن عليه‌السلام ثابتة دون أيّ شكّ.

١٧ـ قوله: «وَقَالَ: مَا أَعْرِفُ أَحَداً إِلَّا وَهُوَأَحْمَقُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ»(٧).

إنّ أقـدم من ذكـر نحـو هـذه العبـارة هو ابن أبـي شیـبة (ت ٢٣٥ هـ) فـي كتابـه: المصنّف، حیث رواها بإسناده عـن مُطَرِّف بن عَـبْدِ اللـهِ بنِ الشِّخِّيْرِ البَصْرِي (ت ٩٥هـ)(٨)، أنّه قال: «مَا مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ إِلَّا وَهُوَأَحْمَقُ فِيمـَا بَيْنَهُ وَبَينَ رَبِّهِ وَلَكِنَّ بَعْضَ الحَمَقِ أَهْوَنُ مِنْ

__________

(١) الشافي في الإمامة، بتحقيق: مجد الدین المؤیّدي ١/٥١٨.

(٢) التشریف بالمنن: ٣٦١ـ٣٦٢.

(٣) لیست لدینا معلومات كثیرة عنه وللمزید راجع: كتابخانه ابن طاووس لإتان كلبرغ: ٣٨٥.

(٤) تثبیت دلائل النبوّة ٢/ ٥٤١ـ٥٤٢.

(٥) تحف العقول: ٢٣٤.

(٦) تذكرة الخواصّ: ١٨١ ونصّه: «... وإنّكم لمّا سرتم إلىٰ صفّين كان دينكم أمام دنياكم وقد أصبحتم اليوم ودنياكم أمام دينكم».

(٧) تحف العقول: ٢٣٤.

(٨) تقدّمت ترجمته.

۴۴

بَـعْضٍ»(١)، ثـمّ رواها عـن مطرّف كـلّ من عَـبْد الـمَلِكِ بن حَبِيْـبِ بـنِ سُلَيْمـَانَ السُّلَمِـي (ت ٢٣٨ هـ) فـي كتـاب التاریخ(٢)، وابـن حنـبل (ت ٢٤١ هـ) فـي كتـاب الزهد(٣)، والفَـسَوِي (ت ٢٧٧ هـ)(٤)، وابن أبي الدنیا (ت ٢٨١ هـ)(٥)، والخطیب البغدادي (ت ٤٦٣ هـ)(٦)، والغزّالي (ت٥٠٥ هـ)(٧)، والزمخشري (ت ٥٣٨ هـ)(٨)، وابن عساكر (ت ٥٧١ هـ)(٩)، ومن بعدهم باختلاف یسیر جدّاً ولم یشارك ابن شعبة في نسبة هذه العبارة إلیٰ الإمام عليه‌السلام أحدٌ.

فاتّضح أنّ هذه العبارة من كلام مطرّف بن عبد الله ولیست من حدیث الإمام الحسن عليه‌السلام في شيء؛ نظراً إلیٰ نقولات هذه المصادر التي تقدّم زمن تألیف العدید منها علیٰ ابن شعبة بكثیر. أضف إلیٰ ذلك كلّه ما تجده في العبارة من ركاكة اللفظ وسماجة المعنیٰ ـ ممّا ینأیٰ بها عن مساق أحادیث أهل البیت الذین هم أمراء الفصاحة والبیان ـ لأنّ من الواضح أنّ الواعظ البلیغ إذا حاول الإشارة إلیٰ قصور الناس في أداء ما یجب علیهم تجاه الله تعالیٰ فالمتوقّع منه أن یجعل المعنیٰ في تعبیرات محترمة ـ كأن یقول مثلاً كما كان الإمام زین العابدین

__________

(١) المصنّف في الأحادیث والآثار ٧/١٧٨.

(٢) كتاب التاریخ: ١٧٣.

(٣) كتاب الزهد: ١٩٤. وجدیر بالذكر أنّ السلمي وابن حنبل رویا عبارات أخریٰ أیضاً عن مطرّف في مجال الزهد والمواعظ والترهیب والترغیب ونحوها ممّا تناثر في مصادر علم الأخلاق أو المستطرفات أوغیرهما فراجع.

(٤) المعرفة والتاریخ ٢/٨٢ ولفظه: «الناس كلّهم أحمق فیما...».

(٥) قصر الأمل: ٤٠.

(٦) تاریخ بغداد ٨/٣٢٧.

(٧) إحیاء علوم الدین ٩/١١٥ و٢٧/٢٠٥.

(٨) ربیع الأبرار ٢/٤٥.

(٩) تاریخ مدینة دمشق ٥٨/٣١٥.

۴۵

عليه‌السلام یقول في دعائه: «سُبْحَانَكَ مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ»(١) ـ لیأخذ الكلام من قلب المستمع مأخذه ویقع منه موقع القبول لا أن یستخدم العبارات التي تمجّها الأسماع وتزیدها نفوراً كأن یقول ـ مثلاً ـ: (أحمق) كما قال مطرّف.

١٨ـ قوله: «قِيلَ لَهُ فِيكَ عَظَمَةٌ فَقَالَ: بَلْ فِيَّ عِزَّةٌ؛ قَالَ الله: ﴿وَلله العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ»(٢).

إنّ أقدم من رواه فیما علمنا أبو حیّان التوحیدي (ت ٤١٤ هـ) حیث رواه مرسلاً عن الإمام الحسن عليه‌السلام (٣) ثمّ رواه بنحو هذا التعبیر مرسلاً عن الإمام كلّ من الآبي (ت ٤٢١ هـ)(٤)، والثعالبي (ت ٤٢٩ هـ)(٥)، والحلواني (ق ٥ هـ)(٦)، والزمخشري (ت ٥٣٨ هـ)(٧)، وابن شهرآشوب (ت ٥٨٨ هـ)(٨)، والإربلي (ت ٦٩٣ هـ)(٩)، ومن بعدهم.

ولم نجد لهذه النقولات معارضاً، فالظاهر صحّة نسبة الكلام إلیٰ الإمام عليه‌السلام .

١٩ـ قوله: «وَقَالَ ـ فِي وَصْفِ أَخٍ كَانَ لَهُ صَالِحٍ ـ: كَانَ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ فِي

__________

(١) الصحیفة السجّادیة: ٣٩. وقد تكرّر هذا المضمون في أحادیث أهل البیت عليهم‌السلام بعبارات مختلفة یجمعها سموّ المعنیٰ وفخامة اللفظ.

(٢) تحف العقول: ٢٣٤. والآية من سورة المنافقون: ٨.

(٣) البصائر والذخائر: ٦٦.

(٤) نثر الدرّ ١/٢٢٦.

(٥) الاقتباس من القرآن الكریم: ١٥٤.

(٦) نزهة الناظر: ٧٥.

(٧) ربیع الأبرار ٤/٥.

(٨) مناقب آل أبي طالب عليهم‌السلام ٤/٩.

(٩) كشف الغمّة ١/٥٧٤.

۴۶

عَيْنِي‏...»(١).

هذه الخطبة رواها ابن قتیبة (ت ٢٦٧ هـ) بإسناده إلیٰ أبي الربيع الأعرج عمرو بن سليمان‏ أنّه قال: «قال الحسن بن علي [عليهما‌السلام]: ألا أخبركم عن صديق كان لي...»(٢).

ثمّ نلاحظ ابن أبي الدنیا (ت ٢٨١ هـ) رویٰ قطعة قصیرة من أوّلها بإسناده إلیٰ إِسْحَاقَ المُقْرِي قَالَ: كَانَ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ يَقُولُ: إِنِّي وَاصِفٌ لَكَ أَخاً كَانَ أَعْظَمَ النَّاسِ فِي عَيْنِي، وَكَانَ الَّذِي يُعَظِّمُهُ فِي عَيْنِي صِغَرَ الدُّنْيَا فِي عَيْنِهِ... فَلَا يقْدمُ عَلَىٰ الأَمْرِ إِلَّا بَعْدَ بَيِّنَةٍ»(٣) ثمّ رواها محمّد بن منصور المرادي من أعیان الزیدیة (ت٢٩٠ هـ) بإسناده: «عن رجلٍ من أهل الجزيرة، رفعه إلىٰ الحسين بن علي عليه‌السلام ، قال: كان لي أخٌ، وكان من أعظم الناس في عيني...»(٤)، وهو المصدر الوحید الذي نسب الحكمة إلیٰ الإمام الحسین عليه‌السلام ولا نستبعد أن تكون لفظة: (الحسن) قد تصحّفت فیه إلیٰ: (الحسین).

ثمّ نجد الكلیني (ت ٣٢٩ هـ) أخرجه بإسناده عن أحمد بن محمّد بن خالد البرقي عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ مِنَ العِرَاقِيِّينَ رَفَعَهُ، قَالَ:

خَطَبَ النَّاسَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ صَلَوَاتُ الله عَلَيْهِمَا، فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، أَنَا أُخْبِرُكُمْ عَنْ أَخٍ لِي كَانَ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ فِي عَيْنِي‏...»(٥)، ثمّ رواه السیّد الرضي (ت ٤٠٦ هـ) من جملة كلمات أمیر المؤمنین عليه‌السلام (٦)، ثمّ رواه الخطیب البغدادي (ت ٤٦٣ هـ) بإسناده إلیٰ أبي بكر الأصمّ محمّد بن

__________

(١) تحف العقول: ٢٣٤ـ٢٣٥.

(٢) عیون الأخبار ٢/٣٨٢ـ٣٨٣.

(٣) كتاب الزهد: ١٧٨ح٣٩٧.

(٤) كتاب العلوم (الشهیر بأمالي أحمد بن عیسیٰ) ٤/٣٧١.

(٥) الكافي ٢/٢٣٧.

(٦) نهج البلاغة: ٤٦٦ـ٤٦٧، الحكمة: ٢٨١.

۴۷

كیسان(١) قال: «قال الحسن بن علي ذات يوم لأصحابه: إنّي أخبركم عن أخ لي‏...»(٢)، ثمّ نقله الزمخشري (ت ٥٣٨ هـ)(٣)، وابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)(٤)، مرسلاً عن أمیر المؤمنین عليه‌السلام ، وفي نفس الحقبة الزمنیة نسبها اللیثي الواسطي (ت بعد٥٨٣هـ)(٥)، والآمدي (ق٦هـ)(٦)، إلیٰ أمیر المؤمنین والظاهر أنّهما تبعا في ذلك صنیع السیّد الرضي في نهج البلاغة كما أشرنا إلیه آنفاً.

هذا ومن الطریف بهذا الصدد ما نجده عند أبي الفضل الطبرسي (ق ٦ هـ) في مشكاة الأنوار حیث قال عند نقل هذه الخطبة: «مِنْ كَلَامِ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ خَطَبَ بِهِ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أُخْبِرُكُمْ عَنْ أَخٍ لِي‏...»(٧)، فیبدو أنّه یقصد بهذا التعبیر أنّ هذه الخطبة كانت قد صدرت أوّلاً عن أمیر المؤمنین ثمّ ضمّنها الإمام الحسن خطبته. وبین كلّ من هذه الروایات اختلافات في الألفاظ من الزیادة والنقصان لم نتعرّض لها.

فاتّضح لحدّ الآن أنّ هناك أربعة اتّجاهات بشأن قائل هذه الخطبة:

الأوّل: أن یكون من كلام الإمام الحسن عليه‌السلام : وهو المذكور في العدید من المصادر القدیمة الأصل؛ واعتنق هذا الرأي المحقّق التستري حیث قال في شرح

__________

(١) لم نعثر علیٰ ترجمته.

(٢) تاریخ بغداد ١٢/٣١١. وتجد نفس الروایة عند ابن عساكر (م٥٧١هـ) بإسناده إلیٰ أبي بكر الأصمّ في تاریخ مدینة دمشق ١٣/٢٥٣ـ٢٥٤.

(٣) ربیع الأبرار ٢/١٥٧.

(٤) التذكرة الحمدونیة ١/٣٩٧.

(٥) عیون الحكم والمواعظ: ٣٩٨. وقد صرّح في موضع (راجع: مجلّة تراثنا: العدد ٥، ص ٥٩، مقالة: «المتبقّي من مخطوطات نهج البلاغة حتّیٰ نهایة القرن الثامن» للسیّد عبد العزیز الطباطبائي) أنّه اعتمد علیٰ مصادر سمّیٰ منها نهج البلاغة فمن الواضح أخذه عنه هنا وفي غیره ممّا سنتطرّق إلیه لاحقاً.

(٦) غرر الحكم: ٥٤٠.

(٧) مشكاة الأنوار: ٢٤٠.

۴۸

هذه الحكمة من نهج البلاغة: «لم أدرِ من أين نسب المصنّف(١) هذا الكلام إليه عليه‌السلام وقد اتّفقت الخاصّة والعامّة(٢) علىٰ أنّه كلام ابنه الحسن عليه‌السلام ‏»(٣).

الثاني: أنّها من كلام الإمام علي عليه‌السلام والقائل بهذا الرأي قلیل.

الثالث: أنّها من كلام الإمام الحسین عليه‌السلام . ولا یستند هذا الاتّجاه إلّا إلیٰ روایة المرادي من الزیدیة.

والرابع: أنّها من كلام محمّد ابن الحنفیة رحمه‌الله سنداً إلیٰ روایة ابن أبي الدنیا المتفرّدة.

والأرجح من هذه الأقوال هو الرأي الأوّل؛ لأنّ المصادر الناقلة له أكثر وأقدم من الرأي الثاني كما أشار إلیٰ ذلك المحقّق التستري.

ولكن في الوقت نفسه نعترف بأنّ كلّا من الاحتمالات الثلاثة الأخریٰ أیضاً تحظیٰ بمیزة خاصّة لا یمكننا التغاضي عنها بسهولة، مثل قدم مصدره ـ كما في الاحتمالین الثالث والرابع ـ أو تعدّد القائل به ـ كما في الاحتمال الثاني ـ.

وعلیٰ أیّة حال فلو حاولنا الجمع بین الرأیین الأوّلَین لأمكننا أن نقول بما قال السیّد عبد الزهراء الخطیب: «وسواء كان هذا الكلام لعلي أو للحسن سلام الله عليهما فإنّه من منبع واحد؛ علىٰ أنّا لا نستبعد أنّ الحسن عليه‌السلام حكاه عن أبيه حين ضمّنه خطبته»(٤)، وهو نفس الاتّجاه الذي نستشفّه من تعبیر الطبرسي المتقدّم آنفاً.

هذا ونجد هذه الحكمة باختلاف في بعض ألفاظها في كتاب الأدب الكبیر لعبد الله بن

__________

(١) یعني: السیّد الرضي رحمه‌الله.

(٢) قوله رحمه‌الله: «وقد اتّفقت الخاصّة والعامّة...» لا یخلو من مسامحة ومبالغة كما لاحظنا.

(٣) بهج الصباغة ١٢/٤٦٧.

(٤) مصادر نهج البلاغة ٤/٢٢٨.

۴۹

المقفّع (ت ١٤٥ هـ) حیث قال: «إنّي مخبرك عن صاحب كان أعظم الناس في عيني وكان رأس ما أعظمه عندي صغر الدنيا في عينه...»(١)، ومن ثمّ فقد نسب هذه الكلمة عدد من المصنّفین إلیٰ ابن المقفّع مثل أبي علي مسكویه (ت ٤٢٠/٤٢١ هـ)(٢)، والقیرواني (ت ٤٥٣ هـ)(٣)، والطرطوشي (ت ٥٢٠ هـ)(٤).

ولكن یبدو أنّها ممّا قام به ابن المقفّع من السرقات الأدبیة؛ یقول المحقّق التستري بهذا الصدد: «ثمّ العجب أنّ ابن المقفّع أخذ الكلام سرقة في أدبه الكبير، جاعلاً له من نفسه، فقال في آخر كتاب: (وإنّي مخبرك...) فتراه قد سرق كلام الإمام عليه‌السلام لفظاً ومعنىٰ»(٥)‏.

وممّا یكشف عن أنّ ابن المقفّع سرق هذه الحكمة من كلام الإمام الحسن أو من كلام أمیر المؤمنین عليه‌السلام وانتحلها لنفسه غشّاً ونكراناً ما قام به بعض الباحثین مؤخّراً في مقال له بالفارسیة تقصّیٰ فیه شواهد سرقات ابن المقفّع اللفظیة المفضوحة من كلمات أمیر المؤمنین عليه‌السلام ، حیث قد بلغت (١٥) مورداً علیٰ الأقلّ ـ سویٰ المواضع التي اقتبس منها المعنیٰ من أمیر المؤمنین عليه‌السلام وكساه ألفاظاً من عنده(٦)ـ كما شدّد السیّد عبد الزهراء الخطیب وغیره أیضاً علیٰ رفض نسبة هذه الحكمة إلیٰ ابن المقفّع بالتفصیل فراجع(٧).

__________

(١) الآثار الكاملة لابن المقفّع (تحقیق: الدكتور عمر الطبّاع): ٩٨.

(٢) الحكمة الخالدة (جاویدان خرد): ٣٢٦.

(٣) زهر الآداب ١/١٩٠.

(٤) سراج الملوك: ٤١٢.

(٥) بهج الصباغة ١٢/٤٧٠.

(٦) مجلّة: (مقالات وبررسیها)، العدد: ٨٨ (صیف: ١٣٨٧ش)، مقال: «تأثیر كلام حضرت علي عليه‌السلام در الأدب الصغیر والأدب الكبیر»لـ: (وحید سبزیان پور): ٥٣ـ٦٦.

(٧) مصادر نهج البلاغة ٤/٢٢٨.

۵۰

وعلیٰ كلّ فإنّ هذه الحكمة ـ سواء ذهبنا إلیٰ أنّها من كلام الإمام الحسن عليه‌السلام (كما رجّحنا) أم قلنا إنّها من كلام الإمام علي عليه‌السلام ـ لم تصدر إلّا عن أهل بیت النبوّة عليهم‌السلام .

وفي ختام البحث عن هذه الحكمة ینبغي التنبیه علیٰ نقاط:

أ: رویٰ أبو بكر ابن أبي الدنیا (ت ٢٨١ هـ) الجملة الأولیٰ من هذه الحكمة عن الإمام الباقر عليه‌السلام فقال: «حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ الله أَحْمَدُ بْنُ بُجَيْرٍ(١)، قَالَ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ(٢): كَانَ لِي أَخٌ، وَكَانَ فِي عَيْنِي عَظِيمًا، وَكَانَ الَّذِي عَظَّمَهُ فِي عَيْنِي صِغَرَ الدُّنْيَا فِي عَيْنِهِ»(٣). ویمكننا التساؤل عمّا إذا كانت هذه الجملة هي قطعة من هذه الحكمة رواها الإمام الباقر عن الإمام الحسن أو أمیر المؤمنین ‘ وقد أهمل الراوي نقل بقیة السند عمداً أو نسیاناً، أو أنّها جملة مستقلّة أخریٰ من كلام الإمام الباقر عليه‌السلام نفسه وقد أشبهت من باب الصدفة الفقرة الأولیٰ من الحكمة؟

ب: نسب الراغب الإصفهاني (ت ٥٠٢ هـ) في موضع قطعة قصیرة من بدایة هذه الحكمة إلیٰ بعض الحكماء(٤)، فیما نسبها في كتاب آخر إلیٰ أعرابي(٥)، ولكن علیٰ الباحث أن لا یقیم لهاتین النسبتین وزناً لمعارضتهما للعدید من المصادر المتقدّمة علیٰ الراغب بكثیر ـ مع أنّ النسبة الأولیٰ لا تعارض نسبة الحكمة إلیٰ الإمام عليه‌السلام ـ أضف إلیٰ ذلك أنّ الراغب لم یذكر إسناداً في كلامه وإنّما أرسل النسبة إرسالاً.

__________

(١) قال عنه الذهبي: «شيخ عراقيٌّ» وأرّخ وفاته بین سنتي ٢٤١ و٢٥٠هـ. (تاریخ الإسلام ٥/٩٩٦).

(٢) یعني الإمام الباقر عليه‌السلام .

(٣) كتاب الزهد: ١٧٧ح٣٩٤. ورواه أبو نعیم الإصبهاني بإسناده عن ابن أبي الدنیا في حلیة الأولیاء ٣/١٨٦، وقد تصحّف فیها: (أَحْمَدُ بْنُ بُجَيْر) إلیٰ: (أحمد بن محمّد).

(٤) محاضرات الأدباء ١/٣٧٢.

(٥) الذریعة إلیٰ مكارم الشریعة: ٢٩١.

۵۱

ج: اختلفت الأنظار بشأن الأخ المنعوت في هذه الحكمة ولا نرید أن نلج خضمّ هذا الموضوع فراجع عنها شروح نهج البلاغة(١).

٢٠ـ قوله: «وَقَالَ: مَنْ أَدَامَ الاخْتِلَافَ إِلَىٰ المَسْجِدِ أَصَابَ إِحْدَىٰ ثَمَانٍ:..‏»(٢).

إنّ أقدم من وجدناه رویٰ هذه الروایة هو ابن قتیبة الدینوري (ت ٢٦٧ هـ) حیث رویٰ بإسناده عن سعد(٣) بن طريف عن عمير بن المأمون قال: سمعت الحسن ابن علي يقول: من أدام الاختلاف إلىٰ المسجد أصاب ثمان خصال‏: ...»(٤).

ثمّ رواها مسندة عن سعد بن طریف عن عمیر بن مأمون عن الإمام الحسن عليه‌السلام عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآلهكلّ من ابن حبّان البُستي (ت ٣٥٤ هـ)(٥)، وأبي القاسم الطّبراني (ت ٣٦٠ هـ)(٦)، وابن عدي الجرجاني (ت ٣٦٥ هـ)(٧)، والشیخ الصدوق (ت ٣٨١ هـ)(٨)، وأبي طالب الهاروني (ت ٤٢٤ هـ)(٩)، ومن بعدهم.

كما أنّ هناك مصادراً روت الحدیث مرسلاً عن الإمام الحسن عليه‌السلام مثل: أبي

__________

(١) راجع كنموذج: بهج الصباغة ١٢/٤٧١ـ٤٧٣.

(٢) تحف العقول: ٢٣٥.

(٣) في طبعتنا: (سعید) وهو تصحیف وستلاحظ بعد قلیل في ما ننقله من غیره من المصادر.

(٤) عیون الأخبار ٣/٥ـ٦.

(٥) كتاب المجروحین ١/٣٥٧ وفیه: «عَنِ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ» وهو تصحیف.

(٦) المعجم الكبیر ٣/٨٨.

(٧) الكامل في ضعفاء الرجال ٤/٣٨٤.

(٨) الخصال ٢/٤١٠.

(٩) تیسیر المطالب في أمالي أبي طالب: ٣٥٣. وفیه: «بإسناده إلیٰ سعد بن طريف عن عمير بن مأمون العطاردي، قال: أتيت الحسن بن عليّ بن أبي طالب صلى‌الله‌عليه‌وآله فقلت له: جعلت فداك الكلمات التي سمعتك ترويها عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله. قال: نعم! سمعت جدّي رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: «من أدمن الاختلاف إلىٰ المساجد».

۵۲

طالب المكّي (ت ٣٨٦ هـ)(١)، والغزّالي (ت ٥٠٥ هـ)(٢).

هذا وقد نسب الحدیث بعضهم إلیٰ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله مثل: عبد القادر الجیلاني (ت ٥٦١ هـ)(٣)، ویبدو أنّ السبب في ذلك هو روایة الإمام الحسن عليه‌السلام هذه الفوائد الثمانیة عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله.

ومن الغریب ما نلاحظه عند الراغب الإصفهاني (ت ٥٠٢ هـ) حیث نسب هذا المضمون إلیٰ بعض الأنصار(٤)، ولا قیمة علمیة لنقله في مقابل اتّفاق المصادر علیٰ عزو الحدیث للإمام الحسن عليه‌السلام .

فالمتحصّل ممّا تقدّم أنّ نسبة الحدیث إلیٰ الإمام الحسن عليه‌السلام ممّا لا ریب فیه.

وممّا یسرق الانتباه هنا هو أنّ الصدوق قد رویٰ ـ قبل هذه الروایة ـ نفس المتن باختلاف جدّاً یسیر بإسناده عَنْ سَعْد الإِسْكَافِ عَنْ زِيَادِ بْنِ عِيسَىٰ عَنْ أَبِي الجَارُودِ عَنِ الأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ عَنْ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ: قَالَ كَانَ يَقُولُ: مَنِ اخْتَلَفَ إِلَىٰ المَسَاجِدِ أَصَابَ إِحْدَىٰ الثَّمَان‏:...»(٥). فاتّضح أنّ هذا المضمون صدر عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآلهوأمیر المؤمنین عليه‌السلام والإمام الحسن عليه‌السلام معاً

__________

(١) قوت القلوب ٢/٢٥٩ وفیه: «إحدىٰ سبع خصال‏» والظاهر أنّه من سهو الراوي وص٢٧٧ وفیها: «وفي حديث ابن عبّاس والحسن بن عليّ: من أدمن الاختلاف إلىٰ المسجد، أصاب إحدىٰ خمس خصال‏» ولفظة: (خمس) أیضاً من سهو المؤلّف كما هو الحال في ذكر (ابن عبّاس) حیث لم نجد بهذا المضمون حدیثاً عنه.

(٢) إحیاء علوم الدین ٢٧/١٦٩.

(٣) الغنية لطالبي طريق الحقّ ١/٧٩.

(٤) محاضرات الأدباء ٢/٤٥٧ و٧٥٧ باختلاف یسیر بین النصّین في الموضعین.

(٥) الخصال ٢/٤٠٩. وكرّرها في: من لا یحضره الفقیه ١/٢٣٧؛ الأمالي للصدوق: ٣٨٩ـ٣٩٠؛ ثواب الأعمال وعقاب الأعمال: ٢٧، وعن الصدوق في الأمالي للطوسي: ٤٣٢؛ كما رواها الشیخ الطوسي بإسناده إلیٰ الأصبغ في تهذیب الأحكام ٣/٢٤٨ـ٢٤٩.

۵۳

ولا غرو في أنّ كلّهم من نور واحد وما علّمه الله نبیّه فقد انتهیٰ إلیٰ الأئمّة عليهم‌السلام (١).

٢١ـ قوله: «وَرُزِقَ غُلَاماً فَأَتَتْهُ قُرَيْشٌ تُهَنِّيهِ فَقَالُوا: يهنيكَ الفَارِسُ فَقَالَ: أَيُّ شَيْ‏ءٍ هَذَا القَوْلُ وَلَعَلَّهُ يَكُونُ رَاجِلاً؟ فَقَالَ لَهُ جَابِرٌ: كَيْفَ نَقُولُ يَا ابْنَ رَسُولِ الله؟ فَقَالَ: إِذَا وُلِدَ لِأَحَدِكُمْ غُلَامٌ فَأَتَيْتُمُوهُ فَقُولُوا لَهُ: شَكَرْتَ الوَاهِبَ وَبُورِكَ لَكَ فِي المَوْهُوبِ [و](٢) بَلَغَ الله بِهِ أَشُدَّهُ وَرَزَقَكَ بِرَّهُ»(٣).

رویٰ علي بن الجعد البغدادي (ت ٢٣٠ هـ) بإسناده عن الهَيْثَم بْن جمَّازٍ(٤) قَالَ: قَالَ رَجُلٌ عِنْدَ الحَسَنِ: يَهْنِيكَ الفَارِسُ، فَقَالَ الحَسَنُ وَمَا يَهْنِيكَ الفَارِسُ؟ لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ بَقَّاراً أَوْ حَمَّاراً، وَلَكِنْ قُلْ: «شَكَرْتَ الوَاهِبَ...»(٥)، ورویٰ هذه الروایة عن ابن الجعد تلمیذه ابنُ أبي الدنیا (ت ٢٨١ هـ)(٦)، كما رواه ابن عدي الجرجاني (ت ٣٦٥ هـ) عن شیخه عن ابن الجعد(٧).

ثمّ رویٰ نفس القصّة الجاحظ (ت ٢٥٥ هـ) مرسلاً عن عوف(٨)، قال: قال

__________

(١) كما هو مؤدّیٰ أحادیث كثیرة فراجع علیٰ سبیل المثال: الكافي ١/٢٦٣: «بَابُ أَنَّ الله عَزَّ وَ جَلَّ لَمْ يُعَلِّمْ نَبِيَّهُ عِلْماً إِلَّا أَمَرَهُ أَنْ يُعَلِّمَهُ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ وَأَنَّهُ كَانَ شَرِيكَهُ فِي العِلْم‏».

(٢) أضفناها لاقتضاء السیاق.

(٣) تحف العقول: ٢٣٥.

(٤) الهَيْثَمُ بْنُ جَمَّازٍ، البَصْرِيُّ البَكَّاءُ الحَنَفِيُّ، كَانَ يَقُصُّ بِالبَصْرَةِ. ضعّفه بعض أهل السنّة وأرّخ الذهبي وفاته بین ١٦١ـ١٧٠هـ. راجع عنه: تاریخ الإسلام ٤/٥٣٥.

(٥) مسند ابن الجعد: ٤٨٨ ح٣٣٩٨. ورواه عن ابن الجعد تلمیذه ابن أبي الدنیا (م٢٨١هـ) في كتابه: النفقة علیٰ العیال ١/٣٦٥ وفیه: «الهَيْثَمُ بْنُ حَمَّادٍ» وهو تصحیف.

(٦) النفقة علیٰ العیال ١/٣٦٥ وفیه: «الهَيْثَمُ بْنُ حَمَّادٍ» وهو تصحیف.

(٧) الكامل في ضعفاء الرجال ٨/٣٩٥.

(٨) لم نجد في قائمة تلامذة الحسن البصري من كان مسمّیٰ بـ: (عوف) إلّا عَوْفَ بنَ أَبِي جَمِيْلَةَ أَبَا سَهْلٍ الأَعْرَابِيَّ البَصْرِي (٥٨ـ١٤٦هـ) وهو من صغار التابعین (راجع ترجمته

۵۴

رجل في مجلس الحسن: ليهنئك الفارس! قال له الحسن: فلعلّه حامر. إذا وهب الله لرجل ولداً فقل: شَكَرْتَ الوَاهِبَ و...(١)، والمراد من الحسن في هذا النقل الحسن البصري؛ أوّلاً: بقرینة روایة ابن الجعد وغیرها ممّا نشیر إلیه؛ وثانیاً: بشهادة الراوي عنه وهو عوف بن أبي جمیلة؛ وثالثاً: لأنّ ممّا دأب علیه الجاحظ وغیره من أهل السنّة التعبیر بالحسن ـ مطلقاً ـ مرادهم الحسن البصري.

وعلیٰ كلّ فقد رویٰ هذا المضمون بعد ابن الجعد باختلاف یسیر ابن قتیبة الدینوري (ت ٢٦٧ هـ) بإسناده عن أبي عبد الله الناجي(٢)، قال: «كنت عند الحسن، فقال رجل: ليهنئك الفارس...»(٣).

ثمّ نجد الشیخ الكلیني (ت ٣٢٩ هـ) من علمائنا رویٰ هذا المضمون في روایتین في بَاب التَّهْنِئَةِ بِالوَلَد؛ الأولیٰ: ما رواه بإسناده: «عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ(٤)، قَالَ: وُلِدَ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ مَوْلُودٌ فَأَتَتْهُ قُرَيْشٌ فَقَالُوا: يَهْنِئُكَ الفَارِسُ فَقَالَ: وَمَا هَذَا مِنَ الكَلَامِ؟ قُولُوا: شَكَرْتَ الوَاهِب‏...» وإذا قارنّا بین هذه الروایة وروایة ابن شعبة وجدنا الفرق بینهما طفیفاً. والثانیة: ما رواه بإسناده: «عن أَبِي عَبْدِ الله عليه‌السلام قَالَ: هَنَّأَ

__________

وقائمة مشایخه في تهذیب الكمال ٢٢/٤٣٧ ـ٤٤١).

(١) البیان والتبیین ٣/١٩٠.

(٢) ذكر المزّي رجلاً مسمّیٰ بـ: (أبي عبد الله الناجي) في تلامذة فضیل بن عیاض التمیمي (م١٨٧هـ) (تهذیب الكمال ٢٣/٢٨٥) ومن المستبعد أن یكون هو الراوي مباشرة عن الحسن البصري لتأخّر طبقته عنه بكثیر، ولن نجد غیره بهذا العنوان في حدود ما بأیدینا من المصادر.

(٣) عیون الأخبار ٣/٧٧ـ٧٨.

(٤) أبُو بَرْزَةَ نَضْلَةُ بنُ عُبَيْدٍ الأَسْلَمِيُّ، من أصحاب النبي والموالین لأمیر المؤمنین صلوات الله علیهما؛ توفّي سنة ٦٤هـ. راجع ترجمته في: سیر أعلام النبلاء ٣/٤٠ـ٤٣؛ قاموس الرجال ١٠/٣٧٠ـ٣٧٢.

۵۵

رَجُلٌ رَجُلاً أَصَابَ ابْناً فَقَالَ: يَهْنِئُكَ الفَارِسُ فَقَالَ لَهُ الحَسَنُ: مَا عِلْمُكَ يَكُونُ فَارِساً أَوْ رَاجِلًا؟ قَالَ: جُعِلْتُ فِدَاكَ! فَمَا أَقُولُ؟ قَالَ: تَقُولُ: شَكَرْتَ الوَاهِب‏...»(١).

ثمّ نقل السیّد الرضي هذه الواقعة بشأن أمیر المؤمنین عليه‌السلام فقال في نهج البلاغة: «وَهَنَّأَ بِحَضْرَتِهِ رَجُلٌ رَجُلاً بِغُلَامٍ وُلِدَ لَهُ فَقَالَ لَهُ لِيُهْنِئْكَ الفَارِسُ فَقَالَ عليه‌السلام : لَا تَقُلْ ذَلِكَ وَلَكِنْ قُلْ شَكَرْتَ الوَاهِب‏...»(٢)، ونفس النقل تجده عند الزمخشري (ت ٥٣٨ هـ)(٣)، باختلاف جدّاً یسیر منسوباً إلیٰ أمیر المؤمنین عليه‌السلام .

ثمّ نقل نفس القضیة ابن عساكر بإسناده عن كلثوم بن جوشن، قال: «جاء رجل عند الحسن وقد ولد له مولود فقيل له: يهنئك الفارس، فقال الحسن: وما يدريك أفارس هو؟ قالوا: كيف نقول يا أبا سعيد؟ قال: تقول: بورك لك في الموهوب وشكرت الواهب...»(٤)، وقد صرّح فیه ـ كما نلاحظ ـ بكنیة الحسن البصري كما أنّ كلثوم بن جوشن القشيري(٥) كان من تلامذة الحسن البصري.

هذه هي أقدم الروایات الواصلة إلینا بهذا المضمون وأهمّها وبإمكاننا ـ علیٰ ضوئها ـ أن نطمئنّ بصدور هذه الروایة عن الإمام الحسن المجتبیٰ عليه‌السلام ؛ وذلك استناداً إلیٰ روایتي الكلیني (ت ٣٢٩ هـ) وبخاصّة الروایة الثانیة التي رواها عن الإمام الصادق عليه‌السلام الذي لا مجال لاحتمال السهو بشأنه.

__________

(١) الكافي ٦/١٧ـ١٨ح٢و٣؛ ورویٰ الثانیة الصدوق مرسلة عن الإمام الصادق عليه‌السلام في من لا یحضره الفقیه ٣/٤٨٠.

(٢) نهج البلاغة: ٤٧٨، الحكمة: ٣٤٦.

(٣) ربیع الأبرار ٤/٢٨٢.

(٤) تاریخ مدینة دمشق ٥٩/٢٧٦.

(٥) راجع ترجمته في تهذیب الكمال ٢٤/٢٠١ـ٢٠٣.

۵۶

أمّا عن صدور هذه الواقعة عن أمیر المؤمنین عليه‌السلام فلا نستبعد ذلك أیضاً؛ لأنّ:

أوّلاً: إنّ الإمام علیّاً عليه‌السلام نفسه قد علّم أصحابه هذه التهنئة ـ في جملة ما علّمهم من أربعمائة أدب ممّا یصلح للمسلم في دینه ودنیاه وقد اشتهر فیما بعد بحدیث الأربعمائة ـ فقال: «إِذَا هَنَّأْتُمُ الرَّجُلَ عَنْ مَوْلُودٍ ذَكَرٍ فَقُولُوا: بَارَكَ الله لَكَ فِي هِبَتِهِ وَبَلَّغَهُ أَشُدَّهُ وَرَزَقَكَ بِرَّه‏»(١).

ثانیاً: نقلت العدید من المصادر القدیمة أنّ أمیر المؤمنین قد هنّأ عبد الله بن العبّاس بابنه عليٍّ فقال: «شكرت الواهب وبورك لك في الموهوب‏»(٢).

ومن ثمّ فمن الطبیعي أنّ یتقدّم الإمام أصحابه في العمل بهذا التهنئة الإسلامیة محاولاً تصفیة الثقافة الإسلامیة من رسوبات الجاهلیة كما قال ابن أبي الحدید في شرح هذه الحكمة التي نقلها السیّد الرضي: «هذه كلمة(٣) كانت من شعار الجاهلية فنهي عنها كما نهي عن تحية الجاهلية: (أبيتَ اللعنَ) وجعل عوضها: سلامٌ عليكم»(٤).

أمّا عن صدور مثل هذه العبارة عن الحسن البصري فلا یهمّنا هنا نفي ذلك ولا إثباته وإن كان الظاهر صدورها عنه لنقلها في العدید من المصادر المتقدّمة؛ ولأنّ التهنئة بالمولود كانت ولم تزل أمراً شائعاً بین المسلمین ومن الطبیعي أن یكون الكثیر من المسلمین ـ بما فیهم الحسن البصري ـ قد آثروا استخدام عبارات التهنئة الإسلامیة علیٰ مثیلاتها التي أسّستها الجاهلیة.

__________

(١) الخصال للصدوق ٢/٦٣٥؛ وانظر أیضاً تحف العقول: ١٢٣؛ عیون الحكم والمواعظ: ١٣٩.

(٢) الكامل للمبرّد ١/٤٩٧؛ أخبار الدولة العباسیة (ق٤هـ): ١٣٤؛ العقد الفرید ٥/٣٦٠.

(٣) أي: قول العرب: «یهنئك الفارس».

(٤) شرح نهج البلاغة ١٩/٢٧٠.

۵۷

٢٢ـ قوله: «وَسُئِلَ عَنِ المُرُوَّةِ فَقَالَ: شُحُّ الرَّجُلِ عَلَىٰ دِينِهِ وَإِصْلَاحُهُ مَالَهُ وَقِيَامُهُ بِالحُقُوقِ»(١).

قد خصّ شیخنا الصدوق باباً لمعنیٰ المروءة في كتابه معاني الأخبار وقد نقل فیه أحادیث فرویٰ في الحدیث الأوّل منها بإسناده إلیٰ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ العَبَّاسِ بْنِ الفَضْلِ بْنِ العَبَّاسِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الحَارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ(٢)، عَنْ صباحِ بْنِ خَاقَانَ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ التَّيْمِيِّ القَاضِي قَالَ: ... ثمّ نقل كلاماً لأمیر المؤمنین عليه‌السلام في معنیٰ المروءة، ثمّ قال في الحدیث الثاني: «قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ العَبَّاسِ وَرَفَعَهُ قَالَ: سَأَلَ مُعَاوِيَةُ الحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ عليه‌السلام عَنِ المُرُوءَةِ فَقَالَ: شُحُّ الرَّجُلِ عَلَىٰ دِينِهِ وَإِصْلَاحُهُ مَالَهُ وَقِيَامُهُ بِالحُقُوقِ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: أَحْسَنْتَ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ! أَحْسَنْتَ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ! قَالَ: فَكَانَ مُعَاوِيَةُ يَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ وَدِدْتُ أَنَّ يَزِيدَ قَالَهَا وَأَنَّهُ كَانَ أَعْوَرَ»(٣)، ونصّ الحدیث ـ كما تلاحظ ـ یوافق نصّ ابن شعبة تماماً ثمّ رویٰ في الحدیث الثالث بإسناده عن الإمام الصادق عليه‌السلام : «قَالَ: كَانَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ! أَخْبِرْنِي عَنِ المُرُوءَةِ؟ فَقَالَ: حِفْظُ الرَّجُلِ دِينَهُ وَقِيَامُهُ فِي إِصْلَاحِ ضَيْعَتِهِ وَحُسْنُ مُنَازَعَتِهِ وَإِفْشَاءُ السَّلَامِ وَلِينُ الكَلَامِ وَالكَفُّ وَالتَّحَبُّبُ إِلَىٰ النَّاسِ»(٤)، ثمّ رویٰ في الحدیث الرابع بإسناده إلیٰ أمیر المؤمنین عليه‌السلام أنّه قال لابنه الإمام الحسن عليه‌السلام : «يَا بُنَيَّ مَا المُرُوءَةُ فَقَالَ: العَفَافُ وَإِصْلَاحُ المَالِ»(٥).

__________

(١) تحف العقول: ٢٣٥.

(٢) لم نعثر علیٰ ترجمته، وقد رویٰ عنه في هذا الإسناد أحمد بن محمّد بن خالد البرقي (م٢٧٤/٢٨٠هـ) فهو من طبقة مشایخه.

(٣) معاني الأخبار: ٢٥٧ ح٢.

(٤) المصدر نفسه: ٢٥٧ ح٣.

(٥) المصدر نفسه: ٢٥٧ـ٢٥٨ ح٤.

۵۸

هذه هي الروایة الوحیدة التي وصلتنا بشأن تفسیر المروءة عن الإمام الحسن عليه‌السلام .

ولم نجد ـ فیما اطّلعنا علیه من المصادر الكثیرة ـ حدیثاً آخر باللفظ الذي أورده ابن شعبة إلّا هذا الحدیث الثاني الذي رواه الصدوق مرسلاً وإن كانت الأحادیث الأخریٰ التي نقلها الصدوق قریبة معنیً من روایة ابن شعبة.

وعلیٰ الرغم من أنّ هذه الروایة مرفوعة إلّا أنّ لنا التأكّد من صدور نصّ ابن شعبة أو قریب منه عن الإمام الحسن عليه‌السلام ؛ وذلك لأجل ورود هذا المضمون في أكثر من روایتین ـ كما لاحظنا ـ بأسانید بعضها متّصلة.

وینبغي هنا أن لا تفوتنا الإشارة إلیٰ السؤال عن المروءة، فقد روي عن أمیر المؤمنین في جملة ما سأل عنه ابنَهُ الإمامَ الحسنَ عليه‌السلام من المسائل العدیدة التي رواها ابن شعبة وغیره وسبق أن أشبعنا القول بشأنها وخرّجناها من المصادر سابقاً(١)، ومن ثمّ فیبدو أنّ الحدیث الرابع الذي رواه الصدوق في هذا الباب هو قطعة مأخوذة من ذلك الحدیث المشتمل علیٰ تلكم المسائل.

٢٣ـ قوله: «وَقَالَ: إِنَّ أَبْصَرَ الأَبْصَارِ مَا نَفَذَ فِي الخَيْرِ مَذْهَبُهُ وَأَسْمَعَ الأَسْمَاعِ مَا وَعَىٰ التَّذْكِيرَ وَانْتَفَعَ بِهِ؛ أَسْلَمُ القُلُوبِ مَا طَهُرَ مِنَ الشُّبُهَاتِ»(٢).

إنّ هذا الكلام ـ إلیٰ قوله: «وَانْتَفَعَ بِهِ» ـ قد رواه أبو جعفر الإسكافي (ت ٢٤٠ هـ) ـ من أعیان متكلّمي المعتزلة ـ باختلاف یسیر من جملة خطبة مفصّلة للإمام أمیر المؤمنین عليه‌السلام (٣)، كما نقله السیّد الرضي في الخطبة: (١٠٤) من نهج

__________

(١) راجع تخریجنا للحدیث المرقّم: ١.

(٢) تحف العقول: ٢٣٥.

(٣) المعیار والموازنة: ٢٧٨. ویشار إلیٰ أنّ هناك جدلاً حول صحّة نسبة هذا الكتاب إلیٰ أبي

۵۹

البلاغة إلیٰ قوله: «مَا وَعَىٰ التَّذْكِيرَ وَقَبِلَه‏»(١)، ثمّ نقله الآمدي بنفس المتن المذكور في النهج(٢)، من جملة كلمات الإمام علي عليه‌السلام والظاهر أنّه أخذه عن الرضي.

فاتّضح في ظلّ هذه المعطیات أنّ هذا الكلام هو من حدیث الإمام علي عليه‌السلام لا الإمام المجتبیٰ عليه‌السلام .

٢٤ـ قوله: «وَسَأَلَهُ رَجُلٌ أَنْ يُخِيلَهُ قَالَ: إِيَّاكَ أَنْ تَمْدَحَنِي...»(٣).

هذا الكلام نقله ابن قتیبة الدینوري (ت ٢٧٦ هـ) قائلاً: «سأل رجل عبد الملك بن مروان الخلوة؛ فقال لأصحابه: إذا شئتم تنحّوا؛ فلمّا تهيّأ الرجل للكلام قال له: إيّاك وأن تمدحني فإنّي أعرف بنفسي منك، أو تكذبني فإنّه لا رأي لكذوب، أو تسعىٰ بأحد إليّ، وإن شئت أن أُقيلك أَقَلتُك؛ قال: أقلني»(٤).

ثمّ نقل المبرّد (ت ٢٨٥ هـ)(٥) قریباً من هذا المضمون مرسلاً عن عبد الملك بن مروان باختلاف في بعض ألفاظه، ثمّ نقله مرسلاً منسوباً لعبد الملك بن مروان كلّ مـن ابـن عبـد ربّـه الأنـدلسـي (ت ٣٢٨ هـ)(٦)، وأبـي سـعد الآبـي (ت ٤٢١

__________

جعفر الإسكافي، ففي الوقت الذي ناقش فیها بعض الباحثین (راجع: دائرة المعارف بزرگ اسلامي ٨ / ٣٤٣، مدخل: (إسكافي) بقلم: ناصر گذشته) جاء الأستاذ حسن الأنصاري لیؤكّد علیٰ صحّة نسبة الكتاب المطبوع إلیه عبر تقدیم عدّة مؤشّرات وشواهد علیٰ ذلك (لاحظ: بررسیهای تاریخى: ٤٩٣) والصحیح عندنا صحّة نسبة الكتاب إلیه.

(١) نهج البلاغة: ١١٦.

(٢) غرر الحكم: ١٧٦.

(٣) تحف العقول: ٢٣٦.

(٤) عیون الأخبار ٢/٢٨.

(٥) الكامل في اللغة والأدب ١/٦٧.

(٦) العقد الفرید ٢/١٨١.

۶۰

هـ)(١)، وابـن عبـد البـرّ الـقرطبـي (ت ٤٦٣ هـ)(٢)، والـراغب الإصفهانـي (ت ٥٠٢ هـ)(٣)، وأبـي بكـر الطرطوشي (ت ٥٢٠ هـ)(٤)، وابن حمدون (ت ٥٦٢ هـ)(٥)، وابن أبي الحدید (ت ٦٥٦ هـ)(٦)، وغیرهم باختلاف فیما بینهم.

كما رویٰ أبو بكر البیهقي (ت ٤٥٨ هـ) بإسناده عن عُبَيْد اللهِ بْن عَائِشَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أُفُقٍ مِنَ الآفَاقِ، فَقَالَ: اعْفِنِي مِنْ أَرْبَعٍ وَقُلْ بَعْدَهَا مَا شِئْتَ: لَا تَكْذِبْنِي، فَإِنَّ الكَذُوبَ لَا رَأْيَ لَهُ...»(٧).

ثمّ نجد ابن عساكر (ت ٥٧١ هـ) نقل بإسناده إلیٰ عبد الله بن بكر السهمي، عن أبيه قال: سأل رجل عبد الملك بن مروان الخلوة...»(٨)، بنحو المتن الذي أورده ابن قتیبة.

هذه أبرز الروایات المذكور فیها هذا المضمون، ویتّضح علیٰ ضوئها أنّ هذا الكلام لیس من حدیث الإمام الحسن عليه‌السلام ، بل هو من كلام عبد الملك بن مروان.

كما اتّضح أیضاً أنّ الصحیح في اللفظة المذكورة في نصّ تحف العقول أن یقال: «أَنْ يُخلِيَهُ» لأنّ الرجل سأل عبد الملك الخلوة(٩)، كما ورد في روایة ابن قتیبة وغیره.

٢٥ـ قوله: «وَقَالَ: إِنَّ مَنْ طَلَبَ العِبَادَةَ تَزَكَّىٰ لَهَا؛ إِذَا أَضَرَّتِ النَّوَافِلُ

__________

(١) نثر الدرّ ٣/٣٥.

(٢) بهجة المجالس ٢/٣٤٣.

(٣) محاضرات الأدباء ١/٤٧٤ـ٤٧٥.

(٤) سراج الملوك: ٢١٧.

(٥) التذكرة الحمدونیة ٣/٥٠.

(٦) شرح نهج البلاغة ١١/١٠٣ـ١٠٤و١٧/٤٠.

(٧) شعب الإیمان ٦/٤٠.

(٨) تاریخ مدینة دمشق ٣٧/١٤٢.

(٩) «أخلیٰ المكانُ»: خلا وأَخلَیٰ بفلانٍ: انفرد به في خلوة. (المعجم الوسیط: ٢٥٤).

۶۱

بِالفَرِيضَةِ فَارْفُضُوهَا؛ اليَقِينُ مَعَاذٌ لِلسَّلَامَةِ؛ مَنْ تَذَكَّرَ بُعْدَ السَّفَرِ اعْتَدَّ؛ وَلَا يَغُشُّ العَاقِلُ مَنِ اسْتَنْصَحَهُ؛ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ المَوْعِظَةِ حِجَابُ العِزَّةِ؛ قَطَعَ العِلْمُ عُذْرَ المُتَعَلِّمِينَ؛ كُلُّ مُعَاجَلٍ يَسْأَلُ النَّظِرَةَ وَكُلُّ مُؤَجَّلٍ يَتَعَلَّلُ بِالتَّسْوِيفِ»(١).

رویٰ السیّد الرضي الحكمة: (٢٧٠) إلیٰ الحكمة: (٢٧٧) من نهج البلاغة ومن المرجّح أنّ كلّها مأخوذة من خطبة واحدة لأمیر المؤمنین عليه‌السلام لتناسب مساقها مع بعضها البعض وهي تشتمل علیٰ غالبیة ما ذكره ابن شعبة هنا وهي كالتالي: «وَقَالَ عليه‌السلام : قَلِيلٌ تَدُومُ عَلَيْهِ أَرْجَىٰ مِنْ كَثِيرٍ مَمْلُولٍ مِنْهُ * وَقَالَ عليه‌السلام : إِذَا أَضَرَّتِ النَّوَافِلُ بِالفَرَائِضِ فَارْفُضُوهَا * وَقَالَ عليه‌السلام : مَنْ تَذَكَّرَ بُعْدَ السَّفَرِ اسْتَعَدَّ * وَقَالَ عليه‌السلام : لَيْسَتِ الرُّؤْيَةُ مَعَ الأبْصَارِ فَقَدْ تَكْذِبُ العُيُونُ أَهْلَهَا وَلَا يَغُشُّ العَقْلُ مَنِ اسْتَنْصَحَهُ * وَقَالَ عليه‌السلام : بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ المَوْعِظَةِ حِجَابٌ مِنَ الغِرَّةِ * وَقَالَ عليه‌السلام : جَاهِلُكُمْ مُزْدَادٌ وَعَالِمُكُمْ مُسَوِّفٌ * وَقَالَ عليه‌السلام : قَطَعَ العِلْمُ عُذْرَ المُتَعَلِّلِينَ * وَقَالَ عليه‌السلام : كُلُّ مُعَاجَلٍ يَسْأَلُ الإِنْظَارَ وَكُلُّ مُؤَجَّلٍ يَتَعَلَّلُ بِالتَّسْوِيف‏»(٢).

فهذا مؤشّر واضح لانتساب هذه الفقرات المنقولة في التحف إلیٰ الإمام علي عليه‌السلام وها نحن الآن ننوّر الفكرة إیضاحاً عبر دراسة كلّ من هذه الفقرات واحدة تلو أخریٰ:

فأمّا قوله: «إِذَا أَضَرَّتِ النَّوَافِلُ بِالفَرَائِضِ فَارْفُضُوهَا» فلم نجده منسوباً إلیٰ الإمام المجتبیٰ علیٰ الرغم من البحث عنها في الآلاف من المصادر الإسلامیة، ومن ثمّ فمن الصعب جدّاً أن نقتنع بصحّة نسبته إلیٰ الإمام الحسن عليه‌السلام لما لاحظنا لحدّ الآن من كثرة تسامح ابن شعبة في نسبة الأقوال إلیٰ الإمام وعدم تثبّته في ذلك.

__________

(١) تحف العقول: ٢٣٦.

(٢) نهج البلاغة: ٤٦٥ـ٤٦٦.

۶۲

ولم نجد من نقل هذا الكلام من معاصري الرضي أو المتقدّمین علیه(١)، إلّا أبا طالب الهاروني (ت ٤٢٤ هـ) حیث قال في أمالیه: «حَكَىٰ القَاضِي أبو عَبْدِ الله الوَلِيدِي فِي كِتَابِ الأَلْفَاظِ، عَنِ النَّاصِرِ لِلْحَقِّ الحَسَنِ بن عَلِيٍّ عليه‌السلام ، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: كَانَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ عليه‌السلام ، يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ: قَلِيلٌ مَدُومٌ عَلَيْهِ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ مَمْلُولٍ مِنْهُ؛ إِذَا أَضَرَّتِ النَّوَافِلُ بِالفَرِيضَةِ فَارْفُضُوهَا»(٢).

ویهدینا كلامه إلیٰ مصدر آخر لهذا الحدیث: وهو كتاب الألفاظ لأبي عبد الله الولیدي الذي كان من جلساء الناصر للحقّ الحسن بن علي الأطروش (ت ٣٠٤ هـ) وقال عنه المنصور بالله عبد الله بن حمزة الزیدي (ت ٦١٤ هـ): «كان أبو عبد الله الوليدي(٣) القاضي يلزم مجلسه(٤)، ويعلّق جميع ما سمعه منه من أنواع الفوائد في فنون العلم فجمع في ذلك كتاباً سمّاه: (ألفاظ الناصر(٥).

وهذا التقریر یكسبنا وثوقاً أكثر بصدور هذا الكلام من أمیر المؤمنین عليه‌السلام وبخاصّة إذا أخذنا في الاعتبار أنّ الناصر الأطروش إلیٰ جانب زعامته السیاسیة كان محدّثاً راویة بارزاً في الوسط العلمي الزیدي كما یتجلّیٰ ذلك بوضوح لمن أطلّ

__________

(١) رویٰ هذا الكلام منسوباً إلیٰ أمیر المؤمنین عليه‌السلام الآمدي في غرر الحكم: ٢٨٣ واللیثي الواسطي في عیون الحكم والمواعظ: ١٣٥، ومَن جاء بعدهما ولكنّ أغلب الظنّ أخذهم عن نهج البلاغة. كما ینبغي الإشارة إلیٰ أنّ أبا بكر الطرطوشي (م٥٢٠هـ) رویٰ هذه العبارة في سراج الملوك: ٥٤٤ كالتالي: «إذا أضرّت النوافل بالفرائض، تركت النوافل وقدّمت الفرائض‏» ولم ینسبها إلیٰ أحدٍ.

(٢) تیسیر المطالب في أمالي أبي طالب: ٤٣٧.

(٣) في المصدر: (الولید) وفي الحدائق الوردیة ٢/٥٨ (الولیدي).

(٤) أي: مجلس الناصر الأطروش.

(٥) الشافي لعبد الله بن حمزة، ط: مكتبة أهل البیت عليهم‌السلام ١/٨٦٢.

۶۳

علیٰ كتبه وروایاته، ومن الطبیعي جدّاً أن یكون الناصر قد اعتمد في نسبة هذا الكلام إلیٰ أمیر المؤمنین عليه‌السلام علیٰ مصدر أقدم من زمانه كما هو الشأن في الأكثریة الساحقة من الأحادیث التي یرویها في تراثه ومن ثَمّ فلنا أن نثق بأنّ نسبة هذا الكلام إلیٰ أمیر المؤمنین متغلغلة في أعماق التاریخ الإسلامي، أي: إلیٰ ما قبل سنة (٣٠٠) للهجرة؛ الأمر الذي یوحي بوجود مصادر أو مصدر ـ علیٰ الأقلّ ـ لهذا الكلام قبل هذه السنة وإن كنّا الآن یعدمنا أيُّ مصدر له سویٰ أمالي أبي طالب الهاروني.

وفي نفس السیاق ینبغي التنبیه علیٰ أنّ السیّد الرضي ذكر العبارة: «قَلِيلٌ تَدُومُ عَلَيْهِ أرجیٰ مِنْ كَثِيرٍ مَمْلُول مِنْهُ» قبل الفقرة التي نحن بصددها الآن وهو یلائم روایة الناصر الأطروش ممّا یدلّ علیٰ أنّ الجملتین قد اقتُطِفَتا من أحادیث الإمام علي عليه‌السلام .

ومهما یكن فإنّ هذا الكلام من حدیث أمیر المؤمنین عليه‌السلام لا ابنه الإمام المجتبیٰ عليه‌السلام .

وأمّا قوله: «اليَقِينُ مَعَاذٌ لِلسَّلَامَة»(١).

فلم نجد هذا الكلام في غیر تحف العقول، ومن ثمّ فلم تثبت نسبته إلیٰ الإمام الحسن ووقوعه بین هذه الفقرات المرویة في المصادر الأخریٰ عن الإمام علي عليه‌السلام یعزّز إلیٰ حدّ كبیر إمكانیة صدورها عن الإمام علي عليه‌السلام ، ومن نفس الخطبة التي اختار منها الرضي بقیة هذه الفقرات، وإن كنّا لا نعرف الآن عن هذه الخطبة شیئاً.

وأمّا قوله: «مَنْ تَذَكَّرَ بُعْدَ السَّفَرِ اعْتَدَّ» فقد نسبها(٢) الآمدي(٣)، واللیثي(٤)،

__________

(١) تحف العقول: ٢٣٦.

(٢) وفیهما: (استعدّ).

(٣) غرر الحكم: ٦١٨.

(٤) عیون الحكم والمواعظ: ٤٤٩.

۶۴

إلیٰ الإمام علي عليه‌السلام ولكنّ الظاهر أنّهما اعتمدا علیٰ كلام الرضي كما هو دأبهما، ولم نجد مصدراً آخر له غیر نهج البلاغة.

وأمّا قوله: «وَلَا يَغُشُّ العَاقِلُ مَنِ اسْتَنْصَحَه‏» فلم نجده في غیر نهج البلاغة إلّا عند الآمدي واللیثي(١)، ونفس الوضع تجده بالنسبة إلیٰ الفقرة: «وبینكم وَبَيْنَ المَوْعِظَةِ حِجَابُ العِزَّةِ» باختلاف جدّاً یسیر بینها وبین نقل النهج حیث أنّ فیه: «حِجَابٌ مِنَ الغِرَّةِ».

وقال السیّد عبد الزهراء الخطیب بشأن هذه الفقرة: «أورده ابن شعبة في التحف في مواعظ الحسن عليه‌السلام ولا شكّ أنّه حكاها عن أبيه سلام الله عليه وكذلك الحكمة: (٢٨٥)(٢)»(٣). ولكن لا حاجة إلیٰ هذا التبریر فبعد كثرة ما لاحظناه ممّا انتاب منهج ابن شعبة من حالة الإرباك والفوضیٰ في الانتساب والتساهل في عزو القول إلیٰ قائله الأصل فلا ینبغي بعد هذا كلّه أن یخالجنا ریبٌ في أنّ هذا الكلام من حدیث أمیر المؤمنین عليه‌السلام ولا قوّة لنسبة ابن شعبة هنا كي تصادم نقل الرضي لنكون بحاجة للجمع بینهما عبر الحلّ الذي یقترحه السیّد الخطیب.

ویجب أن نتّخذ نفس الموقف من الفقرتین الأخیرتین: «قَطَعَ العِلْمُ...» و«كُلُّ مُعَاجَلٍ...» فلم نجدهما عند غیر الرضي مع التنبیه بأنّ الأنسب ـ ولعلّ هو الصحیح ـ في الفقرة الأولیٰ هو ما ورد في النهج من قوله: «قَطَعَ العِلْمُ عُذْرَ المُتَعَلِّلِين‏» فیكون المعنیٰ ما قاله المحقّق التستري: «يعني قطع العلم الذي آتاه الله

__________

(١) غرر الحكم: ٧٧٩ وعیون الحكم والمواعظ: ٥٣٥، كلاهما بلفظ: «لَا يَغُشُّ العَقْلُ مَنِ انْتَصَحَه‏».

(٢) یعني الحكمة: «كلّ معاجل...» إلیٰ آخره فهو الحكمة: ٢٨٥ حسب ترقیم كتابه.

(٣) مصادر نهج البلاغة ٤/٢٢٤.

۶۵

الناس بتوسّط عقولهم التي هي رسل باطنة يميّزون بها الحقّ من الباطل، والعلم الذي بيّنه في شرائعه علىٰ لسان‏ رسله الظاهرة في حلاله وحرامه... عذر المتعلّلين والمعتذرين عن عدم العمل بأنّا كنّا عن هذا غافلين»(١).

فموجز القول بشأن هذه الفقرات كلّها هو أنّها من كلام أمیر المؤمنین عليه‌السلام لا ابنه الإمام المجتبیٰ عليه‌السلام .

٢٦ـ قوله: «وَقَالَ: اتَّقُوا الله عِبَادَ الله وَجِدُّوا فِي الطَّلَبِ... وَكَفَىٰ بِالنَّارِ عِقَاباً وَوَبَالًا»(٢).

إنّ هذا الحدیث كلّه من كلام أمیر المؤمنین عليه‌السلام فأقدم مصدر رواه بالكامل أبو طالب الهاروني (٤٢٤ هـ) فقد رویٰ بإسناده: «عَنْ مَسْعَدَةَ بن صَدَقَةَ عَنْ جَعْفَرِ بن مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عليهم‌السلام : أَنَّ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ عليه‌السلام شَيَّعَ جَنَازَةً فَلَمّا وُضِعَ المَيِّتُ فِي لَحْدِهِ عَجَّ أَهَلُهُ وَبَكَوْا، فَقَامَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ عليه‌السلام ، فَقَالَ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَىٰ قَدَمَيْهِ: عَلَىٰ مَنْ تَبْكُونَ؟ أَمَا وَالله لَوْ عَايَنْتُمُ مَا عَايَنَ مَيِّتُكُمْ لأَذْهَلَتْكُمْ مُعَايَنَتُكُمْ عَنِ البُكَاءِ، ثُمَّ قَالَ: الحَمْدُ لله أَحْمَدُهُ وَأَسْتَعِينُهُ وَأُؤْمِنُ بِهِ وَأَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ، وَأَسْتَهِدِي الله الهُدَىٰ...»(٣)، ثمّ رواه أبو نعیم الإصفهاني (ت ٤٣٠ هـ) بإسناده عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ عَلِيّاً، شَيَّعَ جَنَازَةً...»(٤).

ثمّ نقل قطعة منها مرسلاً القاضي ابن سلامة القضاعي (ت ٤٥٤ هـ)(٥)، ثمّ

__________

(١) بهج الصباغة ٧/٣٩٢ـ٣٩٣.

(٢) تحف العقول: ٢٣٦.

(٣) تیسیر المطالب: ٢٧٤ـ٢٧٧.

(٤) حلیة الأولیاء ١/٧٧ـ٧٩.

(٥) دستور معالم الحكم: ٩٥: من قوله: «فَاتَّقُوا الله عِبَادَ الله!» إلیٰ «هادم اللذّات».

۶۶

تجده عند المرشد بالله الشجري (ت ٤٩٩ هـ) بإسناده إلیٰ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ جَعْفَرِ ابْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ بنحو روایة أبي نعیم(١).

هذا كلّه بالنسبة لمصادر هذا الكلام وأمّا عن كیفیة اتّصال الفقرات فمن قوله: «اتَّقُوا الله عِبَادَ الله» إلیٰ قوله: «وَسِنَادٌ مَائِلٌ» قد وردت متّصلة في روایتي أبي طالب الهاروني وأبي نعیم الإصفهاني ـ وهما المصدران الرئیسیّان لهذا الكلام ـ ثمّ بعدها نحو سطر واحد لم یذكره ابن شعبة ثمّ تبلغ روایتاهما قوله: «فَاتَّعِظُوا عِبَادَ الله بِالعِبَرِ» ثمّ تستمرّ روایة الهاروني إلیٰ قوله: «وَازْدَجِرُوا بِالنُّذُرِ» وأمّا أبو نعیم فزاد علیه: «وانتفعوا بالمواعظ» ثمّ یستمرّ كلام الإمام ممّا یستغرق نصف صفحة أو أكثر لم یذكره ابن شعبة لنصل إلیٰ الفقرة الأخیرة من كلامه: «فَكَفَىٰ بِالله مُعْتَصِماً...» إلیٰ آخرها والتي تجدها في نهایة روایتي الهاروني وأبي نعیم.

وینبغي التنبیه علیٰ أنّ بین روایتیهما أنفسهما وبینهما وبین روایة التحف اختلافاً ـ كما هو المتوقّع ـ ولكن لم نخُضْ غماره.

فصفوة الكلام أنّ هذه الكلمة هي الأخریٰ من حدیث أمیر المؤمنین عليه‌السلام وليست للإمام الحسن عليه‌السلام .

ولا بأس بالإشارة هنا إلیٰ أنّ السیّد الرضي رحمه‌الله قد اقتطف فقرة متّصلة من هذه الخطبة التي خطب بها أمیر المؤمنین عليه‌السلام إثر تشییع جنازة وأدرجها مفصولة في فقرتین ضمن الخطبة المعروفة بالغرّاء(٢) في نهج البلاغة والفاصل بین الفقرتین

__________

(١) الأمالي الخمیسیّة ٢/٤٢٦ـ٤٢٨. وللمزید عن مصادرها الأخریٰ المتأخّرة راجع: مصادر نهج البلاغة ٢/١٠٥ـ١٠٦.

(٢) نهج البلاغة: ٧٤ـ٨٠، الخطبة: ٨٢.

۶۷

في نهج البلاغة یقرب من صفحتین(١).

كما نجد العبارة الأخیرة من هذه الخطبة وهو قوله: «وَكَفَىٰ بِاللهِ...» إلیٰ آخره قد أدخلها السیّد في نفس الخطبة الغرّاء ولكنّه جعلها في أواسطها(٢)، وعلیٰ كلّ فیبدو أنّ هذه من الملاحظات علیٰ السیّد(٣)؛ إذ لا یتناسب سیاق هذه الكلمة الملقاة بعد تشییع الجنازة مع الخطبة الغرّاء وبینهما بون شاسع في بدایتهما وألفاظهما ومضامینهما.

٢٧ـ قوله: «وَقَالَ: إِذَا لَقِيَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُقَبِّلْ مَوْضِعَ النُّورِ مِنْ جَبْهَتِهِ»(٤).

لم نجد من نسب هذا المضمون إلیٰ الإمام المجتبیٰ عليه‌السلام ، بل رویٰ الكلیني بإسناده عَنْ أَبِي عَبْدِ الله عليه‌السلام قَالَ: إِنَّ لَكُمْ لَنُوراً تُعْرَفُونَ بِهِ فِي الدُّنْيَا حَتَّىٰ إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا لَقِيَ أَخَاهُ قَبَّلَهُ فِي مَوْضِعِ النُّورِ مِنْ جَبْهَتِهِ»(٥).

والظاهر أنّ الأمر هنا أیضاً قد التبس علیٰ ابن شعبة فنسب حدیث الإمام الصادق عليه‌السلام إلیٰ الإمام الحسن علیٰ غرار نماذج أخریٰ من هذه الظاهرة ممّا لاحظناه سابقاً.

٢٨ـ قوله: «وَمَرَّ فِي يَوْمِ فِطْرٍ بِقَوْمٍ يَلْعَبُونَ وَيَضْحَكُون...‏»(٦).

__________

(١) قارن: تیسیر المطالب: ٢٧٥: «أُوصِيكُمْ عِبَادَ الله بِتَقْوَىٰ الله الَّذِي ضَرَبَ لَكُمُ الأَمْثَالَ وَوَقَتْ لَكُمُ الآجَالَ وَجَعَلَ لَكُمْ أَسْمَاعاً لِتَعِي مَا عَنَاهَا وَأَبْصَاراً لِتَجْلُوا، عَنْ غُشَاهَا، وَأَفْئِدَةً لِتَفْهَمَ مَا دَهَاهَا فِي تَرْكِيبِ صُوَرِهَا وَمددِ عُمْرهَا» ـ ونحوها في حلیة الأولیاء ١/٧٨ ـ وقارن بنهج البلاغة: ٧٤: «أُوصِيكُمْ عِبَادَ الله... الآجَالَ». وص٧٦: «جَعَلَ لَكُمْ أَسْمَاعاً... وَ مُدَدِ عُمُرِهَا».

(٢) نهج البلاغة: ٧٨ وبین روایته وروایتي الهاروني وأبي نعیم تفاوت یسیر.

(٣) ولهذه الملاحظة نظائر أخریٰ في نهج البلاغة لا تعنینا فعلاً.

(٤) تحف العقول: ٢٣٦.

(٥) الكافي ٢/١٨٥.

(٦) تحف العقول: ٢٣٦.

۶۸

إنّ أقدم من رویٰ هذا الكلام باختلاف یسیر هو الجاحظ (ت ٢٥٥ هـ) حیث قـال: «وقـال الـحسن فـي يـوم فـطر، وقـد رأىٰ الـناس وهيـئاتهم: إنّ اللـه تبـارك وتعالـىٰ جعـل رمضـان مضمـاراً لـخلـقه... لو كشـف الـغطـاء لشـغـل مـحسـن بإحـسـانه ومـسي‏ء بـإسـاءته عـن تـرجـيل شَـعرٍ(١) وتـجديد ثوب»(٢)، وهل المراد بـ: (الحسن) في كلامه الحسن البصري كما تقدّم نظیره فیما سبق أو الإمام الحسن المجتبیٰ عليه‌السلام ؟ وسنعود إلیٰ هذا التساؤل بعد قلیل.

وقد نقله بعد الجاحظ أبو العبّاس المبرّد (ت ٢٨٥ هـ) قائلاً: «ونظر الحسن إلىٰ الناس في مصلّىٰ البصرة يضحكون ويلعبون في يوم عيد، فقال الحسن: إنّ الله جعل الصوم...‏»(٣)، وكلامه هذا یكاد یكون صریحاً في أنّ المراد بـ: (الحسن) هو الحسن البصري وهناك روایة مختلفة أخریٰ عن المبرّد سنتعرّض لها.

ثمّ نجد الروایة عند ابن عبد ربّه الأندلسي (ت ٣٢٨ هـ) حیث قال في بدایتها: «ومرّ الحسن بقوم يضحكون في شهر رمضان(٤)، فقال: يا قوم...»(٥)، ثمّ نجد الشیخ الكلیني (ت ٣٢٩ هـ) من أصحابنا رواه قائلاً: «عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الله عَنْ أَبِي الصَّخْرِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ رَفَعَهُ إِلَىٰ أَبِي الحَسَنِ صَلَوَاتُ الله عَلَيْهِ قَالَ: نَظَرَ إِلَىٰ النَّاسِ فِي يَوْمِ فِطْرٍ يَلْعَبُونَ وَيَضْحَكُونَ فَقَالَ

__________

(١) رَجَّلَ الشَّعرَ: سوّاه وزَیَّنَهُ (المعجم الوسیط: ٣٣٢).

(٢) البیان والتبیین ٣/٩٣ـ٩٤.

(٣) الكامل في اللغة والأدب ١/٨٤.

(٤) قوله: «في شهر رمضان» لا یناسب سیاق الروایة المشتملة علیٰ ضحك القوم ولهوهم فلیُحمل علیٰ المجاز أو سهو الراوي.

(٥) العقد الفرید ٣/١٥٠.

۶۹

لِأَصْحَابِهِ وَالتَفَتَ إِلَيْهِمْ إِنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ شَهْرَ رَمَضَانَ مِضْمَاراً لِخَلْقِه‏...»(١)، وهذه الروایة تزید قضیة تحدید قائل هذا الكلام تعقیداً؛ لأنّها مأخوذة دون أدنیٰ شكّ من كتاب المحاسن للشیخ الجلیل الأقدم أحمد بن محمّد بن خالد البرقي (ت ٢٧٤/٢٨٠هـ) وهذا یدلّ علیٰ أنّ البرقي وهو ممّن كان یعیش في القرن الثالث كان یعتقد نسبة هذا الكلام إلیٰ (أبي الحسن عليه‌السلام ) وكان قد ذكرها في كتاب المحاسن، وهذه الكنیة إذا وردت مطلقة فهي ممّا كان أصحابنا القدماء یتعارفون علیٰ التعبیر بها عن الإمام الكاظم عليه‌السلام .

ولكنّ المشكلة هي أنّ هذه الروایة من مرفوعات أبي الصخر الذي لیست لدینا أیّة معلومات عنه، وهذا ممّا یزید من احتمال وقوع السهو من الراوي في عزو الكلام إلیٰ قائله كما یمكن أن یكون قد وقع سهو حول نسبة الكلام من الشیخ البرقي حین تألیف كتابه أو من الشیخ الكلیني حین نقل الروایة من المحاسن علماً بأنّ نسخ الكافي كلّها متّفقة علیٰ لفظة: (أبي الحسن)(٢).

وعلیٰ كلّ حال فقد جاء بعده الشیخ الصدوق (ت ٣٨١ هـ) لیروي في موضعین من كتابه: من لا یحضره الفقیه مرسلاً: «وَنَظَرَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ إِلَىٰ أُنَاسٍ فِي يَوْمِ فِطْرٍ يَلْعَبُونَ وَيَضْحَكُونَ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ وَالتَفَتَ إِلَيْهِمْ: إِنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ جَعَلَ...»(٣).

ثمّ جاء بعده مُحَمَّدُ بنُ عِمْرَانَ المَرْزُبَانِيُّ (ت ٣٨٤ هـ)(٤)، فقد قال السیّد ابن

__________

(١) الكافي ٤/١٨١.

(٢) لم یرد ذكر نسخة مختلفة في هذه اللفظة في طبعة الكافي التي حقّقتها دار الحدیث بقم والتي أفاد المشرفون علیها من نسخ كثیرة. راجع: الكافي طبعة دار الحدیث ٧/٦٨٥.

(٣) من لا یحضره الفقیه ١/٥١١. وانظر: ٢/١٧٤ باختلاف جدّ یسیرٍ.

(٤) كان من كبار الأدباء المصنّفین في عصره وقد تتلمذ علیه السیّد المرتضیٰ وغیره. راجع

۷۰

طاووس (ت ٦٦٤ هـ) بعدما نقل روایة الصدوق المذكورة آنفاً: «ورواه أيضاً أبو عبد الله محمّد بن عمران بن موسىٰ المرزباني في الجزء السابع من كتاب الأزمنة(١) فقال: حدّثني عبد الله بن جعفر أبو العبّاس عن محمّد بن يزيد النحوي قال: خرج الحسن بن علي ‘ في يوم فطر والناس يضحكون فقال: إنّ الله عزّ وجلّ جعل‏... عن ترجيل شعر وتصقيل ثوب»(٢).

وكما نعلم فإنّ محمّد بن يزيد النحوي هو المبرّد الأدیب الكبیر الذي سبق وإن أشرنا إلیٰ روایته لهذا الكلام في كتاب الكامل، وكانت فیه لفظة: (الحسن) مطلقة وهذا ممّا یضاعف صعوبة تحدید القائل؛ فهل كان مراد المبرّد من (الحسن) في كتابه الكامل الحسن البصري وتصوّر المرزباني أنّه یقصد الإمام الحسن عليه‌السلام ؟ أم كانت اللفظة (الحسن) أساساً في روایة المبرّد الأصل ـ وبالتالي ما نقله عنه المرزباني ـ هي: (الحسن) وكان مرادهما الحسن البصري طبعاً، والسیّد ابن طاووس هو الذي أضاف: قید (بن علي) من أجل تصوّره أنّ مرادهما هو الإمام الحسن عليه‌السلام ؟

ومن مضعّفات هذا الاحتمال الأخیر أنّ السیّد ابن طاووس لم یكن من دأبه قطّ أن یتدخّل ویتصرّف في النصّ الذي ینقله، بل كان مواظباً علیٰ نقل النصّ حرفیّاً دون أيّ تغییر كما هو واضحٌ لمن ألمّ بمنهج السیّد في تراثه.

من ناحیة أخریٰ فإنّ من المستبعد جدّاً أن یكون المبرّد أو المرزباني ـ وهما من أهل السنّة ـ قد استخدما لفظة: ( عليه‌السلام ) بشأن الإمام الحسن عليه‌السلام فإنّها من تقالید

__________

ترجمته ومصادرها في: سیر أعلام النبلاء ١٦/٤٤٧.

(١) من أضخم كتب المرزباني وكان كما یصفه ابن الندیم في الفهرست: ١٩٠: «عدد ورقه ألفا ورقة فيه أحوال الفصول الأربعة...».

(٢) الإقبال بالأعمال الحسنة ١/٤٦٨.

۷۱

الشیعة في العصور المتأخّرة ولم یكن یدأب علیها الكثیرون من الشیعة القدماء فضلاً عن أهل السنّة؛ اللّهمّ إلّا أن یقال: إنّ إضافة هذه اللفظة جاءت من قبل الناسخین لكتاب الإقبال ـ كما هو المألوف لدیٰ الكثیر من الناسخین للمخطوطات ـ ولم تكن من زیادات السیّد نفسه.

ومهما یكن فبغضّ النظر عن هذه التساؤلات والاحتمالات فقد نقل هذا الكلام بعد المرزباني كلّ من أبي سعد الآبي (ت ٤٢١ هـ)(١)، والقیرواني (ت ٤٥٣ هـ)(٢)، وابن عبد البرّ القرطبي (ت ٤٦٣ هـ)(٣)، والغزّالي (ت ٥٠٥ هـ)(٤)، ناسبین إیّاه إلیٰ الحسن البصري صراحة وبین نقولاتهم اختلاف وزیادة ونقصان طبعاً، ثمّ نجد الزمخشري (ت ٥٣٨ هـ) نسبه إلیٰ الحسن ـ مطلقاً(٥)ـ لننتهي في نهایة المطاف إلیٰ ابن حمدون (ت ٥٦٢ هـ) الذي أتحفنا ببیضة دیك، حیث نسب هذا الكلام إلیٰ: (علي بن الحسین عليهما‌السلام)(٦).

هذه هي إطلالة سریعة علیٰ المسیرة التي قطعها هذا الكلام حتّیٰ نهایة القرن السادس، والحقیقة أنّه من الصعب وسط هذه النقولات المتضاربة الجزم بصحّة بعضها إلّا أنّ من المقطوع به أنّنا أمام خیارین:

أحدهما: إنّ هذا الكلام كان قد صدر من الإمام المجتبیٰ عليه‌السلام ثمّ ضمّنه الحسن

__________

(١) نثر الدرّ ٥/١٢٣.

(٢) زهر الآداب ١/٥١١.

(٣) بهجة المجالس ٣/٣٣٥.

(٤) إحیاء علوم الدین ٣/٤١.

(٥) ربیع الأبرار ١/٧٦.

(٦) التذكرة الحمدونیة ١/١١٧.

۷۲

البصري كلامه فنسب إلیه لاحقاً، أو أُسقطت لفظة (بن علي) من عنوان القائل اختصاراً أو سهواً ثمّ تحوّل العنوان في المصادر السنّیة إلیٰ (الحسن) دون قید فتصوّر بعض المصنّفین أو الرواة فیما بعد أنّه الحسن البصري ـ لكثرة ما كانوا ولم یزالوا ینقلون عنه في أبواب المواعظ والزهد والتذكیر وغیرها ـ فأضاف لقب (البصري) إیضاحاً بزعمه كما تحوّل هذا العنوان إلیٰ (الحسن بن أبي الحسن) أحیاناً(١).

الآخر: أن یكون الكلام قد صدر من البدایة عن الحسن البصري فأسقط بعض العامّة لقب (البصري) تعویلاً علیٰ اشتهاره بینهم فوقع هذا الكلام بید بعض رواتنا فحسب أنّ المراد به الإمام المجتبیٰ عليه‌السلام لأنسهم الذهني بالروایة عن الإمام عليه‌السلام ولم تكن تهمّهم أقوال الحسن البصري فأضاف إلیٰ لفظة الحسن عبارة: (بن عليّ) للاحترام أو للإیضاح ولعلّ ما نقله الكافي یأتي في هذا الإطار بمعنیٰ أنّ العنوان كان أوّلاً: (الحسن بن أبي الحسن) فأُسقطت لفظة: (الحسن بن) سهواً فنسب الكلام إلیٰ أبي الحسن عليه‌السلام . ولم نستطِعْ لحدّ الآن الجزم بأحد الاحتمالین والعلم عند الله.

حصیلة البحث:

نستخلص من جمیع ما تقدّم أنّ الأحادیث التي أوردها ابن شعبة عن الإمام المجتبیٰ عليه‌السلام علیٰ أقسام:

القسم الأوّل: هو ما ثبتت نسبتها إلیٰ الإمام المجتبیٰ عليه‌السلام ویتمثّل في الأحادیث المرقّمة: (١، ٣، ٤، ٦، ١٠ـ١٦ و١٨ـ٢٢). وهي تشكّل (٥٠%) من مجموع ما رواه ابن شعبة وهو: (٢٨) حدیثاً.

__________

(١) كما في روایة ابن عبد البرّ (م٤٦٣هـ) في بهجة المجالس ٣/٣٣٥.

۷۳

القسم الثاني: ما لم يكن من كلام الإمام المجتبیٰ عليه‌السلام ولكن صحّت نسبته للإمام علي عليه‌السلام ، ویتمثّل في الأحادیث المرقّمة: (٢، ٥، ٨، ٢٣، ٢٥ و٢٦) ونلحق بهذا القسم الحدیث المرقّم: (٢٧) الذي رجّحنا أن یكون من كلام الإمام الصادق عليه‌السلام ، وهذه الأحادیث تشكّل (٢٥%) من مجموع ما رواه.

القسم الثالث: ما ثبتت نسبته إلیٰ رجال آخرین من رواة القرون الثلاثة الأولیٰ من العامّة، ویتمثّل في الأحادیث المرقّمة: (٧، ٩، ١٤، ١٧ و٢٤) وهي تشكّل نحو: (٨/ ١٧ %) من مجموع ما رواه.

القسم الرابع: المتمثّل في الحدیثین المرقّمین: (١٥ و٢٨) ممّا توقّفنا في قبول نسبتهما إلیٰ الإمام أو ردّهما وهما یشكّلان: (١/٧ %) من مجموع الأحادیث.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمین.

۷۴

المصادر

أ) الكتب:

١-الآثار الكاملة: عبد الله بن المقفّع، تحقیق: عمر الطبّاع، دار الأرقم بن أبي الأرقم، بیروت، ١٤١٨هـ.

٢-الاحتجاج: أحمد بن علي الطبرسي، تحقیق: محمّد باقر الخرسان، نشر المرتضیٰ، مشهد، ١٤٠٣هـ.

٣-إحیاء علوم الدین: محمّد بن محمّد الغزّالي (تخریج الحافظ العراقي)، دار الكتاب العربي، (دون تأریخ ولا مكان النشر).

٤-أخبار إصبهان ( تاریخ إصبهان): أبو نعیم أحمد بن عبد الله الإصبهاني، تحقیق: سیّد كسروي حسن، دار الكتب العلمیة، بیروت، ١٤١٠هـ.

٥-أخبار الدولة العّباسیة: أحمد بن إسماعیل البجلي (ابن سمكة)، عبد العزیز الدوري وعبد الجبّار المطّلبي، دار الطلیعة، بیروت، ١٣٩١هـ.

٦-آداب الملوك بالعدل وتبيين الصادق الكريم الرفيع بالعقل: المبارك بن الخلیل الموصلي، تحقیق: سیّد كسروي حسن، دار الكتب العلمیّة، بیروت، ٢٠٠٩م.

٧-الأدب المفرد: محمّد بن إسماعیل البخاري، تحقیق: محمّد فؤاد عبد الباقي، دار البشائر الإسلامیة، بیروت، ١٤٠٩هـ.

٨-الاستیعاب في معرفة الأصحاب: أبو عمر یوسف بن عبد الله بن عبد البرّ القرطبي، تحقیق: علي محمّد البجاوي، دار الجیل، بیروت، ١٤١٢هـ.

٩-أسد الغابة في معرفة الصحابة: علي بن محمّد (ابن الأثیر الجزري)، دار الفكر، بیروت، ١٤٠٩هـ.

١٠-الإصابة في تمییز الصحابة: أحمد بن عليّ بن حجر العسقلاني، تحقیق: عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمّد معوض، دار الكتب العلمیة، بیروت، ١٤١٥هـ.

۷۵

١١-اعتلال القلوب: أبو بكر محمّد بن جعفر الخرائطي، تحقیق: حمدي الدمرداش، نشر: نزار مصطفیٰ الباز، الریاض، ١٤٢١هـ.

١٢-أعلام الدین في صفات المؤمنین: الحسن بن أبي الحسن الدیلمي، تحقیق ونشر: مؤسّسة آل البیت عليهم‌السلام لإحیاء التراث، قم، ١٤٠٨هـ.

١٣-الأعلام: خیر الدین الزركلي، دار العلم للملایین، بیروت، ١٩٨٩هـ.

١٤-أعیان الشیعة: السیّد محسن الأمین، تصحیح: حسن الأمین، دار التعارف للمطبوعات، بیروت، ١٤٠٣هـ..

١٥-الإقبال بالأعمال الحسنة: رضي الدین علي بن موسیٰ بن طاووس، تحقیق: جواد القیومي الإصفهاني، مكتب الإعلام الإسلامي ـ قم، الطبعة الأولیٰ، ١٤١٤ ﻫ.

١٦-الاقتباس من القرآن الكریم: عبد الملك بن محمّد الثعالبي، تحقیق: ابتسام مرهون الصفّار، عالم الكتب الحدیث وجدار الكتاب العالمي، إربد، ١٤٢٩هـ.

١٧-الأمالي: أبو جعفر محمّد بن علي بن بابویه القمّي (الشیخ الصدوق)، كتابچي، طهران، ١٣٧٦ش.

١٨-الأمالي الخمیسیة: المرشد بالله یحییٰ بن الحسین الشجري، تحقیق: محمّد حسن محمّد حسن إسماعیل، دار الكتب العلمیة، بیروت، ١٤٢٢هـ.

١٩-أمالي المرتضیٰ: الشريف المرتضیٰ علي بن الحسین (ت ٤٣٦ ق )، تحقيق: محمّد ابو الفضل إبراهيم، بيروت، المكتبة العصرية، الطبعة الأولیٰ، ١٤٢٥هـ.

٢٠-الأمالي: أبو علي إسماعیل بن القاسم القالي، تحقیق: صلاح بن فتحي هلل وسیّد ین عبّاس الجلیمي، مؤسّسة الكتب الثقافیة، بیروت، ١٤٢٢هـ.

٢١-الأمثال والحكم: أبو الحسن علي بن محمّد الماوردي، تحقیق: فؤاد عبد المنعم أحمد، دار الوطن للنشر، الریاض، ١٤٢٠هـ.

٢٢-أمل الآمل في علماء جبل عامل: الشیخ محمّد بن الحسن الحرّ العاملي، تحقیق: السیّد أحمد الحسیني، بغداد، مكتبة الأندلس، دون تأریخ النشر.

۷۶

٢٣-أمير المؤمنين الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، شخصيّته وعصره: علي محمّد محمّد الصلابي، دار التوزیع، مصر، ١٤٢٥هـ.

٢٤-أنساب الأشراف: أحمد بن یحییٰ البلاذري، تحقیق: محمّد باقر المحمودي وآخرون، بیروت، مؤسّسة الأعلمي، ١٣٩٤هـ.

٢٥-الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف: أبو بكر محمّد بن إبراهیم بن المنذر النیسابوري، تحقیق: أبو حمّاد صغیر أحمد بن محمّد، دار طیبة، الریاض، ١٤٠٥هـ.

٢٦-البدایة والنهایة: أبو الفداء إسماعیل بن عمر بن كثیر الدمشقي، دار الفكر، ١٤٠٧هـ.

٢٧-بررسیهاي تاریخي در حوزه اسلام وتشیع (فارسی): حسن أنصاري، مكتبة مجلس الشوریٰ الإسلامي، طهران، ١٣٩٠ش.

٢٨-بشارة المصطفیٰ لشیعة المرتضیٰ علیهما الصلاة والسلام: عماد الدین أبو جعفر محمّد بن أبي القاسم الطبري، منشورات المكتبة الحیدریة، النجف، ١٣٨٣هـ.

٢٩-البصائر والذخائر: أبو حیّان علي بن محمّد التوحیدي، تحقیق: وداد القاضي، دار صادر، بیروت، ١٤١٩هـ.

٣٠-بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة: الشیخ محمّد تقي التستري، مؤسّسة انتشارات أمیر كبیر، طهران، ١٣٧٦هـ.

٣١-بهجة الـمَجالس وأنس الـمُجالس: یوسف بن عبد الله بن عبد البرّ القرطبي، تحقیق: محمّد مرسي الخولي، دار الكتب العلمیة، بیروت، ١٩٨١م.

٣٢-البیان والتبیین: عمرو بن بحر الجاحظ، تحقیق: علي بو ملحم، دار ومكتبة الهلال، بیروت، ٢٠٠٢م.

٣٣-تاج العقائد ومنبع الفوائد: علي بن الولید الإسماعیلي، تحقیق: عارف تامر، مؤسّسة عزّ الدین، بیروت، ١٤٠٣هـ.

٣٤-تاریخ الإسلام: محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي، تحقیق: بشّار عوّاد معروف، دار

۷۷

الغرب الإسلامي، ٢٠٠٣م.

٣٥-تاريخ التراث العربي: فؤاد سزگین، ترجمة: محمود فهمي حجازي، مكتبة آیة الله المرعشي، قم، ١٤١٢هـ.

٣٦-تاریخ بغداد: أحمد بن علي الخطیب البغدادي، تحقیق: مصطفیٰ عبد القادر عطا، دار الكتب العلمیة، بیروت:١٤١٧هـ.

٣٧-تاریخ مدینة دمشق: علي بن الحسن (ابن عساكر الدمشقي)، تحقیق: علي شیري، دار الفكر، بیروت، ١٤١٥هـ.

٣٨-تثبیت دلائل النبوّة: القاضي عبد الجبّار بن أحمد المعتزلي، تحقیق: عبد الكریم عثمان، القاهرة، ١٣٨٦هـ.

٣٩-تحف العقول عن آل الرسول (صلّیٰ الله علیهم): أبو محمّد الحسن بن علي الحرّاني، عني بتصحیحه والتعلیق علیه: علي أكبر الغفاري، مؤسّسة النشر الإسلامي ـ قم، الطبعة الثانیة، ١٤٠٤ﻫ.

٤٠-تذكرة الأولیاء (فارسی): فرید الدین أبو حامد محمّد العطّار النیسابوري، تصحیح: أحمد آرام، نشر: گنجینه، طهران، ١٣٨٧ش.

٤١-التذكرة الحمدونیة: محمّد بن الحسن ابن حمدون، تحقیق: حسن عبّاس وبكر عبّاس، دار صادر، بیروت، ١٩٩٦هـ.

٤٢-تذكرة الخواصّ: شمس الدین یوسف بن عبد الله البغدادي (سبط ابن الجوزي)، تقدیم: محمّد صادق بحر العلوم، منشورات الشریف الرضي، ١٤١٨هـ.

٤٣-التشریف بالمنن في التعریف بالفتن المعروف بالملاحم والفتن: السیّد علي بن موسیٰ بن طاووس الحلّي، تحقیق: مؤسّسة صاحب الأمر عليه‌السلام ، قم، ١٤١٦ﻫ.

٤٤-التعازي والمراثي: محمّد بن یزید المبرّد، تحقیق: إبراهیم بن محمّد حسن الجمل، نهضة مصر للطباعة، (دون تأریخ النشر).

٤٥-تفسیر ابن المنذر: أبو بكر محمّد بن إبراهیم بن المنذر النیسابوري، تحقیق: سعد بن محمّد

۷۸

السعد، دار المآثر، المدینة المنوّرة، ١٤٢٣هـ.

٤٦-تفسیر القرآن: أبو المظفّر منصور بن محمّد السمعاني، تحقیق: یاسر بن إبراهیم وغنیم بن عبّاس، دار الوطن، الریاض، ١٤١٨هـ.

٤٧-تفسیر غرائب القرآن ورغائب الفرقان: نظام الدين حسن بن محمّد نيشابورى، تحقيق: شيخ زكريا عميرات، بيروت‏، دار الكتب العلمية، ١٤١٦هـ.

٤٨-التمحیص: [المنسوب خطأ إلیٰ] أبو علي محمّد بن همام الإسكافي، تحقیق ونشر: مدرسة الإمام المهدي عليه‌السلام ، قم، ١٤٠٤هـ.

٤٩-تنبیه الخواطر ونزهة النواظر (المعروف بمجموعة ورّام): ورّام بن أبي فراس، مؤسّسة الأعلمي، بیروت، (دون تاریخ النشر).

٥٠-تهذیب الأحكام في شرح المقنعة: الشیخ محمّد بن الحسن الطوسي، تحقیق: السیّد حسن الموسوي الخرسان، دار الكتب الإسلامیة، طهران، ١٤٠٧هـ.

٥١-تهذیب الریاسة وترتیب السیاسة: أبو عبد الله محمّد بن علي القلعي الشافعي، تحقیق: إبراهیم یوسف مصطفیٰ، مكتبة المنار، الأردن. (دون تأریخ).

٥٢-تهذیب الكمال: یوسف بن عبد الرحمن المزّي، تحقیق: بشّار عوّاد معروف، مؤسّسة الرسالة، بیروت، ١٤٠٠هـ.

٥٣-تیسیر المطالب في أمالي أبي طالب: أبو طالب یحییٰ بن الحسین الهاروني، ترتیب: القاضي جعفر بن عبد السلام، تحقیق: عبد الله بن حمّود العزّي، مؤسّسة الإمام زید بن عليّ عليه‌السلام الثقافیة، صنعاء، ١٤٢٢هـ.

٥٤-ثواب الأعمال وعقاب الأعمال: الشيخ الصدوق محمّد بن علي بن بابویه القمّي، تقديم: السيّد محمّد مهدي السيّد حسن الخرسان، منشورات الشريف الرضي ـ قم، ١٤٠٦هـ.

٥٥-الجامع: عبد الله بن وهب المصري، تحقیق: مصطفیٰ أبو الخیر، دار ابن الجوزي، الریاض، ١٤١٦هـ.

٥٦-جامع البیان في تفسیر آي القرآن: أبو جعفر محمّد بن جریر الطبري، تحقیق: عبد الله بن عبد المحسن

۷۹

التركي، مركز البحوث والدراسات العربیة والإسلامیة بدار هجر، القاهرة، ١٤٢٢هـ.

٥٧-الجلیس الصالح الكافي والأنيس الناصح الشافي: أبو الفرج المعافیٰ بن زكریّا النهرواني، تحقیق: عبد الكریم سامي الجندي، دار الكتب العلمیة، ١٤٢٦هـ..

٥٨-جوامع الجامع: أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي، تحقیق: أبو القاسم گرجي، انتشارات دانشگاه تهران ومدیریت حوزه علمیه قم، تهران، ١٣٧٧ش.

٥٩-الحاشية علىٰ أصول الكافي: السیّد أحمد بن زین العابدین العلوي، تحقیق: السیّد صادق الإشكوري، دار الحدیث، قم، ١٤٢٧هـ.

٦٠-الحدائق الوردیة في مناقب الأئمّة الزیدية: حمید بن أحمد المحلّي، تحقیق: المرتضیٰ بن زید المحطوري، مركز بدر العلميّ، صنعاء، ١٤٢٣هـ.

٦١-حقائق أسرار الدین: أبو محمّد الحسن بن علي بن شعبة الحرّاني، تحقیق: أبو موسیٰ والشیخ موسیٰ، دار (لأجل المعرفة) ودیار عقل، لبنان، ٢٠٠٦م.

٦٢-الحكایات في مخالفات المعتزلة من العدلیة: الشیخ محمّد بن محمّد بن النعمان المفید، مؤتمر الشیخ المفید، قم، ١٤١٣هـ.

٦٣-الحكمة الخالدة (جاویدان خرد): أبو علي أحمد بن محمّد مُسكویه، تحقیق: عبد الرحمن بدوي، جامعة طهران، طهران، ١٣٥٨ ش.

٦٤-حلیة الأولیاء: أبو نعیم أحمد بن عبد الله الإصبهاني، تحقیق: كمال یوسف، دار أمّ القریٰ، القاهرة.

٦٥-الخرائج والجرائح: قطب الدين الراوندي (ت ٥٧٣ق)، تحقيق: مؤسّسة الإمام المهدي عليه‌السلام / بإشراف: السيّد محمّد باقر الموحّد الأبطحي، الطبعة الأولىٰ، مؤسّسة الإمام المهدي ـ قم، ١٤٠٩هـ.

٦٦-الخصال: الشیخ الصدوق محمّد بن علي بن بابویه القمّي، صحّحه وعلّق علیه: علي أكبر الغفاري، منشورات جماعة المدرّسین في الحوزة العلمیة ـ قم، ١٤٠٣ﻫ.

٦٧-دائرة المعارف بزرگ اسلامي (ج٢٠): بإشراف: السیّد محمّد كاظم البجنوردي، مركز

۸۰

دائرة المعارف الإسلامیة، طهران، ١٣٩٢ش. مدخل: حسن بصری، بقلم: فرامرز حاج منوچهری ومحمّدجواد شمس.

٦٨-دائرة المعارف بزرگ اسلامي، (ج٨): بإشراف: محمّد كاظم البجنوردي، مركز دائرة المعارف الإسلامیة، طهران، ١٣٧٧ش، مدخل: إسكافي، بقلم: ناصر گذشته.

٦٩-الدرّ النظیم في مناقب الأئمّة اللهامیم: جمال الدین یوسف بن حاتم المشغري العاملي، تحقیق ونشر: مؤسّسة النشر الإسلامي ـ قم، ١٤٢٠هـ.

٧٠-دُرَرُ الحِكَم: أبو منصور عبد الملك بن محمّد الثعالبي، دار الصحابة، طنطا، ١٤١٦هـ.

٧١-دستور معالم الحكم ومأثور مكارم الشیم: القاضي محمّد بن سلامة القضاعي، باهتمام: جمیل العظم، مصر، مطبعة السعادة، ١٣٣٢هـ.

٧٢-الدلائل في غریب الحدیث: أبو محمّد القاسم بن ثابت السرقسطي، تحقیق: محمّد بن عبد الله القنّاص، مكتبة العبیكان، الریاض، ١٤٢٢هـ.

٧٣-الذریعة إلیٰ مكارم الشریعة: أبو القاسم الحسین بن محمّد الراغب الإصفهاني، تحقیق: أبو الیزید العجمي، منشورات الشریف الرضي، قم، ١٣٧٣ش.

٧٤-ربیع الأبرار ونصوص الأخبار: محمود بن عمر الزمخشري، تحقیق: عبد الأمیر مهنا، مؤسّسة الأعلمي، بیروت، ١٩٩٩هـ.

٧٥-الرسالة القشیریة: أبو القاسم عبد الكریم بن هوازن القشیري، تحقیق: عبد الحلیم محمود ومحمود بن الشریف، انتشارات بیدار، ١٣٧٤ش.

٧٦-روضة العقلاء: محمّد بن حبّان البستي، تحقیق: عبد العلیم محمّد الدرویش، منشورات الهيئة العامّة السورية للكتاب‏، دمشق، ٢٠٠٩هـ.

٧٧-روضة الواعظین وبصیرة المتّعظین: محمّد بن الحسن الفتّال النيسابوري، تقديم: السيّد محمّد مهدي الخرسان، منشورات الشريف الرضي، قم، ١٣٧٥ش.

٧٨-زهر الآداب وثمر الألباب: أبو إسحاق إبراهیم بن علي الحصري القیرواني، تحقیق:

۸۱

یوسف علي طویل، دار الكتب العلمیة، ١٩٩٣هـ.

٧٩-السرائر الحاوي لتحریر الفتاوي: أبو جعفر محمّد بن منصور بن إدریس الحلّي، تحقیق ونشر: مؤسّسة النشر الإسلامي ـ قم، ١٤١٠ﻫ.

٨٠-سراج الملوك: محمّد بن محمّد الولید الطرطوشي، تحقیق: نعمان صالح، دار العاذریة، الریاض، ١٤١٥هـ.

٨١-سیر أعلام النبلاء: محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي، تحقیق: مجموعة من المحقّقين، بإشراف: الشيخ شعيب الأرناؤوط، مؤسّسة الرسالة، بیروت، ١٤٠٥هـ.

٨٢-الشافي في الإمامة: المنصور بالله عبد الله بن حمزة الزیدي، تحقیق: مجد الدین المؤیّدي، منشورات مكتبة أهل البیت عليهم‌السلام ، صعدة، ١٤٢٩هـ.

٨٣-شذرات الذهب: عبد الحيّ بن أحمد (ابن عماد الحنبلي)، تحقیق: محمود الأرناؤوط، دار ابن كثیر، دمشق، ١٤٠٦هـ.

٨٤-شرح إحقاق الحقّ: السیّد شهاب الدین المرعشي النجفي، مكتبة آیة الله المرعشيّ النجفي، قم، ١٤٠٩هـ.

٨٥-شرح نهج البلاغة: عبد الحمید بن أبي الحدید المعتزلي، تحقیق: محمّد أبو الفضل إبراهیم، مكتبة آیة الله المرعشي، قم، ١٤٠٤هـ.

٨٦-شرف المصطفىٰ: عبد الملك بن محمّد الخركوشي، تحقیق: أبو عاصم نبیل بن هاشم العمري، دار البشائر الإسلامیة، مكّة المكرّمة، ١٤٢٤هـ.

٨٧-شعب الإیمان: أحمد بن الحسین البیهقي، تحقیق: محمّد السعید بن بسیوني، دار الكتب العلمیة، بیروت، ١٤٢١هـ

٨٨-الصحیفة السجّادیة: أدعیة الإمام علي بن الحسین زین العابدین عليه‌السلام ، قم، نشر الهادي، ١٣٧٦ ش.

٨٩-الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف: رضي الدین علي بن موسیٰ بن طاووس الحلّي (ت ٦٦٤ ق)، مطبعة الخیام ـ قم، ١٣٩٩ﻫ.

۸۲

٩٠-الظرف والظرفاء (الموشَّی): أبو الطیّب محمّد بن أحمد الوشّاء، تحقیق: فهمي سعد، عالم الكتب، بیروت، ١٤٠٧هـ..

٩١-العدد القویة لدفع المخاوف الیومیة: علي بن یوسف بن المطهّر الحلّي، تحقیق: السیّد مهدي الرجائي، مكتبة آیة الله المرعشي، قم، ١٤٠٨هـ.

٩٢-العقد الفرید: أحمد بن محمّد بن عبد ربّه الأندلسي، تحقیق: مفید محمّد قمیحة، دار الكتب العلمیة، بیروت، ١٤٠٤هـ.

٩٣-عوارف المعارف: شهاب الدین عمر بن محمّد السهروردي، تحقیق: أحمد عبد الرحیم السایح وتوفیق علي وهبة، مكتبة الثقافة الدینیة، القاهرة، ١٤٢٧هـ.

٩٤-عیون الأخبار: عبد الله بن مسلم بن قتیبة الدینوري، تحقیق: یوسف علي طویل، دار الكتب العلمیة، بیروت، ١٤١٨هـ.

٩٥-عیون الحكم والمواعظ: عليّ بن محمّد اللّیثي الواسطي، تحقیق: حسین الحسني البیرجندي، دار الحدیث، قم، ١٣٧٦ ش.

٩٦-الغارات: إبراهیم بن محمّد الثقفي، تحقیق: السیّد عبد الزهراء الحسیني الخطیب، دار الكتاب الإسلامي، قم، ١٤١٠هـ.

٩٧-غُرَرُ الحِكَم ودُرَرُ الكَلِم: عبد الواحد بن محمّد الآمدي التمیمي، تحقیق: السیّد مهدي الرجائي، دار الكتاب الإسلامي، قم، ١٤١٠هـ.

٩٨-الغنیة لطالبي طریق الحقّ: عبد القادر بن موسیٰ الجیلاني، تحقیق: صلاح بن محمّد بن عویضة، دار الكتب العلمیة، بیروت، ١٤١٧هـ.

٩٩-الفرج بعد الشدّة: القاضي أبو علي المحسّن بن عليّ التنوخي، تحقیق: عبّود الشالجي، دار صادر، بیروت، ١٩٧٥م.

١٠٠-الفرقة الناجیة (رهپویان حقیقت): الشیخ إبراهیم بن سلیمان القطیفي، تصحیح ومقدمة: محمّد حسن محمّدي مظفّر، نشر زائر، قم، ١٣٨٢ش.

۸۳

١٠١-فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة: أبو القاسم عبد الله بن أحمد البلخي والقاضي عبد الجبّار بن أحمد المعتزلي والحاكم المحسن بن محمّد الجشمي، تحقیق: فؤاد سیّد، الدار التونسیة للنشر، تونس، ١٩٧٤م.

١٠٢-الفهرست: أبو الفرج محمّد بن إسحاق الندیم، دار المعرفة، بیروت.

١٠٣-فوائد أبي بكر الشاشي: أبو بكر محمّد بن أحمد الشاشي القفّال، تحقیق: أبو الحسن سمير بن حسين ولد سعدي القرشي، مكتبة الرشد، الریاض، ١٤١٨هـ.

١٠٤-قاموس الرجال: الشیخ محمّد تقي التستري، مؤسّسة النشر الإسلامي، قم، ١٤١٠هـ.

١٠٥-قصر الأمل: عبد الله بن محمّد ابن أبي الدنیا القرشي، تحقیق: محمّد خیر رمضان، دار ابن حزم، بیروت، ١٤١٧هـ.

١٠٦-قوت القلوب في معاملة المحبوب: أبو طالب محمّد بن عليّ المكّي، باسل عیون السود، دار الكتب العلمیة، بیروت، ١٤١٧هـ.

١٠٧-الكافي: أبو جعفر محمّد بن یعقوب الكلیني، تحقیق: قسم إحیاء التراث في مركز بحوث دار الحدیث، الطبعة الأولیٰ، دار الحدیث، قم، ١٤٢٩هـ.

١٠٨-الكافي: الشیخ محمّد بن یعقوب الكلیني، تحقیق: علي أكبر الغفاري، دار الكتب الإسلامیة، طهران، ١٤٠٧هـ.

١٠٩-الكامل في التاریخ: عزّ الدین علي بن محمّد الشیباني المعروف بابن الأثیر، دار صادر ودار بیروت، بیروت، ١٣٨٥هـ.

١١٠-الكامل في اللغة: محمّد بن یزید المبرّد، تحقیق: محمّد أبو الفضل إبراهیم، دار الفكر العربي، القاهرة، ١٤١٧هـ.

١١١-الكامل في ضعفاء الرجال: عبد الله بن عدي الجرجاني، تحقیق: سهیل زكّار، دار الفكر، بیروت، ١٤٠٩هـ.

١١٢-كتاب الإخوان: عبد الله بن محمّد ابن أبي الدنیا القرشي، مصطفیٰ عبد القادر عطا، دار الكتب العلمیة، بیروت، ١٤٠٩هـ..

۸۴

١١٣-كتاب الأدب: أبو بكر عبد الله بن محمّد بن أبي شیبة، تحقیق: محمّد رضا القهوجي، دار البشائر الإسلامیة، بیروت، ١٤٢٠هـ.

١١٤-كتاب التاریخ: عبد الملك بن حبیب السلمي الأندلسي، تحقیق: عبد الغني مستو، المكتبة العصریة، بیروت، ١٤٢٩هـ.

١١٥-كتاب الزهد: عبد الله بن محمّد ابن أبي الدنیا القرشي، دار ابن كثیر، دمشق، ١٤٢٠هـ.

١١٦-كتاب الزهد: أحمد بن حنبل الشیباني، تحقیق: محمّد عبد السلام شاهین، دار الكتب العلمیة، ١٤٢٠هـ.

١١٧-كتاب العلوم الشهیر بأمالي أحمد بن عیسیٰ: جمع: محمّد بن منصور المرادي، تحقیق ونشر: السیّد یوسف بن السیّد محمّد المؤیّد الحسني، الطبعة الأولیٰ، ١٤٠١هـ، (دون مكان النشر).

١١٨-كتاب المجروحین: محمّد بن حبّان البستي، تحقیق: محمود إبراهیم زاید، دار الوعي، حلب، ١٣٩٦هـ.

١١٩-كتاب المروءة: محمّد بن خلف بن مرزبان المحولي، تحقیق: محمّد خیر رمضان، دار ابن حزم، بیروت، ١٤٢٠هـ.

١٢٠-كتابخانه ابن طاووس وأحوال وآثار أو (فارسی): إتان كلبرغ، ترجمة: السیّد علي قرائي ورسول جعفریّان، مكتبة آیة الله العظمیٰ المرعشي النجفي، قم، ١٣٧١ ش.

١٢١-الكشّاف عن حقائق غوامض التنزيل‏: محمود بن عمر الزمخشري، بيروت‏، دار الكتاب العربي، ‏١٤٠٧هـ.

١٢٢-كشف الغمّة في معرفة الأئمّة عليهم‌السلام : علي بن عیسیٰ الإربلي، تحقیق: السیّد هاشم الرسولي المحلّاتي، نشر بني هاشمي، تبریز، ١٣٨١هـ.

١٢٣-كشف المحجوب: علي بن عثمان الهجویري، تصحیح الدكتور: محمود عابدی، نشر: سروش، طهران:١٣٨٣ش.

١٢٤-كنز الفوائد: محمّد بن علي الكراجكي، تحقیق: عبد الله نعمة، دار الذخائر، قم، ١٤١٠هـ.

۸۵

١٢٥-لباب الآداب: أسامة بن منقذ، تحقیق: أحمد محمّد شاكر، مكتبة السنّة، القاهرة، ١٤٠٧هـ.

١٢٦-متشابه القرآن: محمّد بن علي بن شهرآشوب المازندراني، انتشارات بیدار، قم، ١٣٦٩هـ.

١٢٧-المجتنیٰ: أبو بكر محمّد بن الحسن ابن درید، دائرة المعارف العثمانیة (دون تاریخ ولا مكان النشر).

١٢٨-مجموعة رسائل الإمام الغزّالي: محمّد بن محمّد الغزّالي، تحقیق: مكتب البحوث والدراسات، دار الفكر، بیروت، ١٤١٦هـ.

١٢٩-المحاسن والأضداد: (المنسوب إلیٰ) عمرو بن بحر الجاحظ، تحقیق: علي بو ملحم، دار ومكتبة الهلال، بیروت، ٢٠٠٢م.

١٣٠-المحاسن والأضداد: إبراهیم بن محمّد البیهقي، تحقیق: عدنان علي، دار الكتب العلمیة، بیروت، ١٤٢٠هـ.

١٣١-محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء: الحسین بن محمّد الراغب الإصفهاني، تحقیق: عمر الطبّاع، دار الأرقم بن أبي الأرقم، بیروت، ١٤٢٠هـ.

١٣٢-مسند ابن الجعد: علي بن الجعد البغدادي، تحقیق: عامر أحمد حیدر، مؤسّسة نادر، بیروت، ١٤١٠هـ.

١٣٣-مشكاة الأنوار في غرر الأخبار: الشیخ أبو الفضل علي بن الحسن الطبرسي، المكتبة الحیدریة، النجف، ١٣٨٥هـ.

١٣٤-مصادر نهج البلاغة وأسانیده: السیّد عبد الزهراء الحسیني الخطیب، دار الزهراء، بیروت، ١٤٠٩هـ.

١٣٥-مصنّف ابن أبي شیبة في الأحادیث والآثار: عبد الله بن محمّد بن أبي شیبة الكوفي، تحقیق: كمال یوسف الحوت، مكتبة الرشد، الریاض، ١٤٠٩ ﻫ.

١٣٦-معاني الأخبار: محمّد بن علي بن بابویه الشيخ الصدوق، تصحيح: علي أكبر الغفاري، مؤسّسة النشر الإسلامي، قم، ١٤٠٣هـ.

١٣٧-معاني القرآن وإعرابه: أبو إسحاق إبراهیم بن السري الزجّاج، تحقیق: عبد الجلیل عبده شلبي، عالم الكتب، بیروت، ١٩٨٨هـ.

۸۶

١٣٨-المعجم الكبیر: أبو القاسم سلیمان بن أحمد الطبراني، حقّقه وخرّج أحادیثه: حمدي عبد المجید السلفي، دار إحیاء التراث العربي، الطبعة الثانیة ١٤٠٤هـ.

١٣٩-المعجم الوسیط: قام بإخراجه: إبراهیم مصطفیٰ وآخرون، المكتبة الإسلامیة ـ استانبول، (دون تاریخ النشر).

١٤٠-المعرفة والتاریخ: أبو يوسف يعقوب بن سفيان الفسوي، تحقيق: أكرم ضياء العمري، بيروت، مؤسّسة الرسالة، ١٤٠١هـ.

١٤١-المعیار والموازنة: أبو جعفر محمّد بن عبد الله الإسكافي، تحقیق: محمّد باقر المحمودي، بیروت، ١٤٠٢هـ.

١٤٢-مكارم الأخلاق ومعالیها: أبو بكر محمّد بن جعفر الخرائطي، تحقیق: أیمن عبد الجابر البحیري، دار الآفاق العربیة، القاهرة، ١٤١٩هـ.

١٤٣-من لا یحضره الفقیه: الشیخ محمّد بن علي بن بابویه الصدوق؛ تصحيح: علي أكبر الغفاري، منشورات جماعة المدرّسین في الحوزة العلمیة، قم، ١٤١٣هـ.

١٤٤-مناقب آل أبي طالب: محمّد بن علي بن شهر آشوب السروي المازندراني، انتشارات علّامه، قم، ١٣٧٩ ﻫـ.

١٤٥-مواهب الرحمن: السيّد عبد الأعلىٰ‏ السبزواري، بيروت‏، مؤسّسة أهل البيت عليهم‌السلام ، ١٤٠٩هـ.

١٤٦-نثر الدرّ في المحاضرات: الوزیر أبو سعد منصور بن الحسین الآبي، تحقیق: خالد عبد الغني محفوظ، دار الكتب العلمیة، بیروت، ١٤٢٤هـ.

١٤٧-نزهة الناظر وتنبیه الخاطر: الحسین بن محمّد الحلواني، تحقیق ونشر: مدرسة الإمام المهدي عليه‌السلام ، قم، ١٤٠٨هـ.

١٤٨-النفقة علیٰ العیال: عبد الله بن محمّد ابن أبي الدنیا القرشي، تحقیق: نجم عبد الرحمن خلف، دار ابن القیّم، الدمام، ١٤١٠هـ.

١٤٩-نهج البلاغة: السیّد الرضي محمّد بن الحسین الموسوي، تصحیح: الشیخ عزیز الله

۸۷

العطاردي، بنیاد نهج البلاغة، ١٣٧٢ ش (دون مكان النشر).

١٥٠-وقعة صفّین: نصر بن مزاحم المنقري، تحقیق: عبد السلام محمّد هارون، مكتبة آیة الله المرعشي، قم، ١٤٠٤هـ.

ب) المجلّات:

١ـ مجلّة تراثنا: العدد: ٥، السنة الأولىٰ، ١٤٠٦هـ، مقالة: (المتبقّي من مخطوطات نهج البلاغة حتّیٰ نهایة القرن الثامن) للسیّد عبد العزیز الطباطبائي.

٢ـ مجلّة مقالات وبررسیها (أدیان وعرفان): السنة: ٤٨، العدد: ٢، خریف وشتاء: ١٣٩٤ش، مقالة: (حقائق أسرار الدین)، متنی كهن از میراث نصیریه: پژوهشی در تاریخ گذاری وشناسایی مؤلّف آن، للدكتور: حمید باقری.

٣ـ مجلّة مقالات وبررسیها: العدد: ٨٨، صیف: ١٣٨٧ش، مقال: (تأثیر كلام حضرت علي عليه‌السلام در الأدب الصغیر والأدب الكبیر) لـ: (وحید سبزیان پور).

٤ـ مجلّة میراث شهاب: ربیع وصیف ١٣٨٥ش، العدد: ٤٣، مقال: (نسخه های عكسی) للأستاذ: أبوالفضل حافظیّان البابلي.

٥ـ فصلیة علوم حدیث فارسی: العدد: ٧٤، شتاء ١٣٩٣ش، مقالة: (پژوهشی در انتساب چند اثر جدید الإنتشار به ابو محمّد حسن بن علی بن شعبة حرّانی، محدّث شناخته‌شده شیعی) للدكتور: حمید باقری.

ج) المواقع والمدوّنات:

١- http://alasar.blog.ir/١٣٩٧/١١/٠٤/tohaf١.

٢- http://alasar.blog.ir.

لاحظ المقالات: (سخن امام صادق عليه‌السلام یا خالد بن صفوان؟! بررسی تحف العقول)؛ (بررسی وصیّت امام كاظم عليه‌السلام به هشام بن حكم در تحف العقول)؛ (بررسی سه روایت دیگر از تحف العقول ومقایسه آن با حكایات منسوب به دیگران).

۸۸

الكتابة المنظّمة للقرآن والمبتنية علىٰ القواعد في إيران

(من القرن الخامس إلىٰ القرن العاشر الهجري)

وأثرها علىٰ كتابة القرآن في العهد العثماني وحتّىٰ يومنا هذا(١)(٢)

د.مرتضى كريمي نيا

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدّمة:

تحظىٰ كتابة المصاحف القرآنية اليوم بمميّزات فنّية خاصّة، ومن أهمّها هي الكتابة المنظّمة لآيات القرآن المبتنية علىٰ القواعد في كلّ جزء وصفحة وسطر. وإنّ أشهر كتابة للمصاحف القرآنية هي الكتابة المعروفة اليوم بكتابة الخطّاط السوري عثمان طه، وقد تمّت طباعة وتوزيع هذا القران في العقود الأخيرة من قبل مجمّع الملك فهد في العديد من البلدان الإسلامية تحت عنوان: (مصحف المدينة النبوية)؛ تحتوي صفحات هذا القرآن علىٰ خمسة عشر سطراً، وتختتم نهاية كلّ صفحة منها بنهاية الآية، كما أنّ كلّ جزء من أجزاء هذا القرآن المشتمل علىٰ ثلاثين جزءاً أيضاً قد تمّ كتابته وتنظيمه بدقّة عالية في عشرين صفحة أو عشر أوراق. ولكن في واقع الأمر إنّ هذا

__________

(١) تمّت ترجمة هذه المقالة من قبل هيئة التحرير.

(٢) أتقدّم بالشكر الجزيل إلىٰ هيئة إدارة مكتبة آستان قدس رضوي الموقّرة ومتحف كاخ گلستان ومكتبة مجلس الشورىٰ الإسلامي ومكتبة تشستربيتي ومكتبة حرم الأمام علي عليه‌السلام لما وفّروه لي من صور النسخ المشار إليها في مقالنا هذا.

۸۹

الأسلوب من الكتابة المقترن باسم عثمان طه هو في حدّ ذاته يعدّ امتداداً للنماذج المتنوّعة والكثيرة في كتابة القرآن في عهد الدولة العثمانية وما بعدها في غضون المائة عام الأخيرة. وهذا المقال يبيّن من خلال دراسته للخلفيّات التاريخية لهذا الأسلوب في كتابة القرآن أنّ الكتّاب العثمانيّين لم يكونوا هم من ابتكر هذا الأسلوب الفنّي خلال القرنين العاشر والرابع عشر الهجريّين؛ بل إنّ تاريخ هذا النوع من الكتابة المنظّمة للقرآن وفقاً للقواعد في إيران إنّما يعود إلىٰ عهد أقدم بكثير من عهد الدولة العثمانية وهو القرن الخامس الهجري، حيث إنّ قرآن محمّد الزنجاني المؤرّخ بسنة (٥٣١هـ)، وقرآن زرّين قلم المؤرّخ بسنة (٥٨٢هـ) يعتبران أنموذجين علىٰ مستوىٰ عالٍ من الإتقان لهذا الفنّ في القرن السادس الهجري. وفي البداية كان عدد قواعد وأنماط الكتابة المنظّمة للقرآن عند الكتّاب الإيرانيّين تعدّ حوالي ثلاثين نوعاً، ولكن شيئاً فشيئاً اتّسعت رقعة هذه الكتابة ـ إلىٰ ما قبل القرن العاشر الهجري ـ إلىٰ نحو (٤٧٠) نوعاً. هذا وقد ركّز أغلب الكتّاب العثمانيّين في القرون الأخيرة علىٰ أمرين فقط؛ أوّلاً: أن تنتهي كلّ صفحة بآية، وثانياً: افتتاح كلّ جزء من القرآن ببداية الصفحة واختتامه بنهاية الصفحة.

الكتابة المنظّمة للقرآن والمبتنية علىٰ القواعد في إيران:

لطالما واكبَتْ ـ ومنذ البداية ـ كتابة القرآن الكريم وتنسيق الكتب الإسلامية في إيران الإبداعات الفنّية الخاصّة من الخطّ والتذهيب وفنون تصميم الكتب وتنسيقها. وقد ظهر في إيران منذ القرن الخامس الهجري تقريباً نوع جديد من أنواع الكتابة القرآنية حيث راعىٰ فيها الكاتب الإيراني قواعد خاصّة حين كتابة الحروف والكلمات والآيات والسطور والصفحات ومختلف أجزاء المصحف القرآني. وعادة ما يضع مثل هؤلاء الكتّاب توضيحات باللغة الفارسية في نهاية مصحفهم تبيّن القواعد التي اتّخذوها في كتابتهم للمصحف وتعدادها. ومن أهمّ الأوجه المشتركة في هذا النوع من المصاحف هو الانتهاء في كلّ صفحة بعلامة نهاية الآية؛ ممّا يؤدّي بالكاتب إلىٰ اتّخاذ نظم خاصّ في كتابته، وبناء علىٰ ذلك فإنّ مثل هؤلاء الكتّاب ـ

۹۰

عموماً ـ يدرجون كلّ جزء من الثلاثين جزءاً للقرآن في عدد معيّن من صفحات المصحف؛ مثلاً: في عشر صفحات، أو اثنتي عشرة صفحة، أو أربع عشرة صفحة.

ولا علم لنا علىٰ وجه اليقين أنّه لماذا شرع الرعيل الأوّل من الكتّاب الإيرانيّين بمثل هذا الابتكار في كتابة القرآن ومتىٰ كان بالتحديد؟ ولعلّ اهتمام الإيرانيّين وإصرارهم المؤكّد علىٰ استكمال الكلمات في نهاية السطور وعدم تمسّكهم بـ: (الكتابة المتوالية)(١) في أواخر القرن الخامس أدّىٰ إلىٰ ظهور مجموعة من المصاحف المنظّمة وفقاً للقواعد التي كان يحاول فيها كاتب القرآن أن يختتم جميع صفحات المصحف بآية قرآنية. هذا وما ذكره أحد الكتّاب الإيرانيّين ـ كاتب مجهول، ويحتمل أنّه من خراسان ـ في هذا المجال في خاتمة مصحفه المنظّم وفقاً للقواعد، النسخة رقم: (٢٢٢٤) في مكتبة آستان قدس رضوي(٢) يبيّن بوضوح أنّ تقطيع أحرف الكلمات في نهاية السطور يعدّ أمراً غير مرغوب فيه من وجهة نظر علماء إيران وكتبتهم في كافّة أنحاء خراسان وما وراء النهر. ولعلّه يمكننا أن نعدّ مثل هذه المصاحف المنظّمة إنمّا جاءت نتيجة للخلفية الثقافية والفنّية للكتّاب الإيرانيّين في إيجاد مصاحف منظّمة وفقاً للقواعد(٣).

__________

(١) إنّ بتر الكلمات في آخر السطر وكتابة جزئها الآخر في السطر التالي هو من ثمار منهجية الكتابة القديمة للقرآن في منطقة ما بين النهرين، والتي يطلق عليها اصطلاح (الكتابة المتوالية) (scriptio continua). وقد تَمسَّكَت بهذه المنهجية جميع المصاحف المكتوبة بالخطّ الحجازي في القرن الأوّل وتلتها سائر المصاحف الكوفية في القرن الثاني والقرن الثالث الهجري دون استثناء. ينضّد الكاتب الحروف في (الکتابة المتوالية) بفواصل متساوية تقريباً دون التفات منه إلىٰ مقدار المجال المتاح له في كلّ سطر. فمن هذا المنطلق كان يؤدّي به الأمر دائماً إلىٰ بتر الكلمة في آخر السطر، وكتابة جزئها الآخر في السطر التالي أو تارة في الصفحة التالية.

(٢) انظر: بقية هذا البحث، القسم (ب) قرآن حسیني ناسب برقم: (٢٢٢٤) في مكتبة آستان قدس رضوي.

(٣) للحصول علىٰ جزئيّات أكثر في هذا المجال، انظر: مقالة راقم السطور: (نسخه‌ شناسی

۹۱

تشير الوثائق الأولىٰ إلىٰ تبلور الكتابة المنظّمة ـ وفقاً للقواعد في إعداد القرآن ـ في إيران في العصرين الغزنوي والسلجوقي. حيث إنّ أقدم النسخ التي نعرفها بالمميّزات المذكورة آنفاً هي النسختان رقم: (١٠١١) في متحف كاخ گلستان (المنسوبة لخطّ الإمام الحسن المجتبىٰ عليه‌السلام )، وقرآن الناسب الحسيني رقم: (٢٢٢٤)، الموقوف علىٰ الحرم الرضوي في سنة (٥٩٠هـ)، ويرجع تاريخ كتابتهما إلىٰ أواخر القرن الخامس الهجري، وكذلك أيضاً قرآن محمّد الزنجاني (المؤرّخ ٥٣١هـ)، وقرآن زرّين قلم (المؤرّخ ٥٨٢هـ) في القرن السادس هي من أبرز النماذج في كتابة المصحف ببراعة الفنّ الإيراني والمتميّزة بقواعد وأنظمة واضحة، وهذه المصاحف القرآنية الأربعة المهمّة تعتبر تراثاً مشتركاً بين المدرسة الفنّية الغزنوية والسلجوقية، وسوف نتناول في نهاية المقالة هذه النسخ الأربع من هذه المصاحف بشكل أكثر تفصيلاً. وفضلاً عن القواعد الآنفة الذكر فإنّ هؤلاء الكتّاب قد كتبوا بعض الكلمات أو العبارات القرآنية بشكل ثابت في بداية السطر، وبعضها الآخر في نهاية السطر وبقلم ملوّن متميّز ـ علىٰ سبيل المثال ذهبي ـ وهناك فهرسة كاملة لها في الصور الإلحاقية.

إنّ الكتابة القرآنية المنظّمة وفقاً للقواعد شهدت تطوّراً وتكاملاً كبيراً في غضون القرنين السادس والسابع الهجريّين، ومن خلال التبادلات الثقافية والفنّية شقّت طريقها في العهد الإيلخاني إلىٰ بلاط الحكّام المماليك في بلاد الشام ومصر وإلىٰ مختلف أنحاء الأناضول والبلقان أيضاً، حيث استفاد الخطّاطون وكتّاب القرآن من هذا الأسلوب في عهد المماليك، ولا زالت نماذج من هذه المصاحف موجودة حاليّاً في مكتبة تشستربيتي من بين المصاحف التي يرجع تاريخها إلىٰ حقبة

__________

مصاحف قرآنی (١٠): قرآن کوفی (٤٢٨٩) در موزه ملّی ایران، و دیگر پاره مسروقه آن در موزه پارس (شیراز): طغیان علیه (کتابت پیوسته) در قرآن نویسی کوفی)، في مجلّة آینه پژوهش، العدد: ١٨٤، مهر و آبان ١٣٩٩، ص١١١ـ١٧٧.

۹۲

المماليك(١). وتزامناً مع انهيار دولة المماليك علىٰ يد الدولة العثمانية فإنّ الكثير من آثارهم الفنّية في التصميم الإسلامي للكتاب ـ منها كتابة القرآن المنظّم وفقاً للقواعد ـ قد شقّت طريقها إلىٰ الكتّاب الأتراك واحتلّت مكانتها بينهم، وقد شهدت تقدّماً وتطوّراً بين خطّاطيهم علىٰ مدار أربعمائة عام، ويمكننا أن نجد اليوم نماذج كثيرة من هذا الأسلوب في كتابة القرآن في النسخ الموجودة في مكتبات ومتاحف تركيا، حيث سعىٰ كتّابها أن يختموا كلّ صفحة منها بآية من القرآن، وأن يدرجوا كلّ جزء من القرآن في عدد معيّن وثابت من الصفحات(٢). واليوم نرىٰ أحد أبرز هذه النماذج في كتابة القرآن المنظّم وفقاً للقواعد والذي تمّ علىٰ يد الخطّاط السوري عثمان طه قد أصبح مصحفاً شائعاً عالميّاً.

__________

(١) القسم الأعظم من مصاحف المماليك يحتفظ بها حاليّاً في دار الکتب المصریة (القاهرة) ولم أتمكّن من الحصول عليها حين كتابتي هذا البحث.

(٢) قدّم (یان یوست ویتکام) في مقالته التي جاءت تحت عنوان: ( تسع وعشرون قاعدة في كتابة القرآن) أحد النماذج المتأخّرة من هذا القبيل: (القرآن الذي كتب سنة: ١٢٧٩هـ).

Jan Just Witkam, “Twenty-nine rules for Qur’an copying: A set of rules for the lay-out of a nineteenth-century Ottoman Qur’an manuscript,” in: Jan Schmidt (ed.), Essays in honour of Barbara Flemming vol. ٢ = Journal of Turkish Studies, vol. ٢٦/١ (٢٠٠٢), pp. ٣٣٩-٣٤٨.

۹۳

المخطط: (١) ظهور كتابة القرآن المنظّم والموافق للقواعد وانتقالها بين الحقب التاريخية (من القرن الخامس إلىٰ القرن الخامس عشر الهجري).

نظرة عامّة علىٰ كتابة القرآن المنظّم وفقاً للقواعد:

إنّ أقدم النسخ القرآنية المكتوبة بشكل منتظم وفقاً لقواعد خاصّة هي عبارة عن أربع نسخ إيرانية كتبت في القرنين الخامس والسادس الهجري، وقد اشتملت نسختان منها ـ وهما قرآن محمّد الزنجاني في الحرم العلوي في النجف الأشرف، وقرآن زرّين قلم في مكتبة تشستربيتي ـ علىٰ الترقيمة وتاريخ الكتابة (في سنة ٥٣١ و٥٨٢هـ)، ولكن فقدت ترقيمة كلّ

۹۴

من النسختين الأخريين وهما قرآن رقم: (١٠١١) في متحف كاخ گلستان، والقرآن رقم: (٢٢٢٤) في مكتبة آستان قدس رضوي، واستناداً إلىٰ نوع الخطّ والتذهيب لهذين المصحفين الآخرين ـ حسب تخميني ـ هو أنّ هذه النسخ المفقودة منها ترقيمتها يحتمل أنّها كتبت في أواخر القرن الخامس أو في بداية القرن السادس الهجري. هذه النسخ الأربعة والمنظّمة وفقاً للقواعد هي من أقدم النسخ القرآنية التي عثرنا عليها حتّىٰ الآن في العالم، كتبت ثلاثة منها بالخطّ الكوفي الإيراني (المشرقي) والأنموذج الرابع منها كتب بخطّ الثلث والكوفي وباسم الكاتب الإيراني (زرّين قلم). فإنّ مثل هذه النسخ تثبت بشكل قاطع أنّ فكرة الكتابة القرآنية المنظّمة وفقاً للقواعد إنّما تبلورت وتطوّرت علىٰ يد كتّاب القرآن بالخطّ الكوفي الإيراني، وكانت موجودة في إيران منذ زمن قديم.

كانت لكتابة القرآن المنظّمة وفقاً للقواعد في أيّامها الأولىٰ ـ القرنين الخامس والسادس الهجري ـ مميّزات وتفاصيل كثيرة؛ وفضلاً عن إدراج كلّ جزء من القرآن في عدد معيّن من الصفحات، واختتام كلّ صفحة منها بآية، ثمّة ابتكارات أخرىٰ استعملها الكتّاب الإيرانيّون في غضون هذه القرون، علىٰ سبيل المثال: أنّهم كانوا يسعون أن يجعلوا بعض العبارات والكلمات ـ التي كثيراً ما تتكرّر في القرآن ـ في بداية السطر أو في وسطه أو في نهايته بنسق واحد مع تمييزها بلون آخر كاللون (الذهبي)، كما وضعوا نهاية كلّ أرباع وأسباع وأنصاف أسباع القرآن ومواضع السجدة في نهاية السطر. وأحياناً نرىٰ في الكتابة القرآنية المنظّمة وفقاً للقواعد في القرون التالية الكثير من التفاصيل، بحيث بلغت في بعض مصاحف القرن العاشر إلىٰ (٤٧٠) قاعدة، وفي المقابل نرىٰ أحياناً بعض كتّاب القرآن لا يلتزمون إلّا بعنصرين أو ثلاثة عناصر أساسية؛ أي: إنّهم اختتموا نهاية كلّ صفحة بآية، وأدرجوا كلّ جزء من أجزاء القرآن في عدد معيّن من الصفحات.

لم نعثر إلىٰ نهاية القرن السابع الهجري علىٰ أيّ أنموذج من كتابة القرآن المنظّمة وفقاً للقواعد في أيّ مكان من أصقاع البلاد الإسلامية سوىٰ في إيران، إنّ الاجتياح المغولي لإيران

۹۵

وسقوط الخلافة العبّاسية في أواسط القرن السابع الهجري وتشكيل الحكومة الإيلخانية (سنة ٦٥١ إلىٰ ٧٣٦هـ) كلّ هذه العوامل صارت سبباً لتغييرات مهمّة في العلاقات السياسية والاجتماعية والثقافية في العالم الإسلامي، حتّىٰ طالت هذه التغييرات الأساليب الفنّية لتصميم الكتاب الإسلامي علىٰ مدار القرون التالية. وفضلاً عن هجرة العديد من الكتّاب والعلماء في القرن السادس الهجري من مناطق من العالم الإسلامي إلىٰ مناطق أخرىٰ منه، فإنّ العلاقات الثقافية للدولة الإيلخانية مع الهند وبلاد الشام ومصر صارت سبباً ـ في القرنين الثامن والتاسع الهجري ـ لدفع بعض كتّاب هذه المناطق إلىٰ مزيد من الاهتمام ببعض الأساليب الإيرانية في كتابة القرآن، فاقتبسوا الكثير منها؛ لذلك نجد نماذج من كتابة القرآن المنظّمة وفقاً للقواعد في الهند (بالخطّ البهاري)، وفي الأناضول (في ظلّ حكومة سلاجقة الروم)، وفي بلاد الشام ومصر (في ظلّ حكومة المماليك) في غضون القرنين الثامن والتاسع الهجريّين. وستأتي الإشارة فيما يلي إلىٰ نماذج من المصاحف القرآنية المنظّمة وفقاً للقواعد والتي تعود إلىٰ هذه الحقبة من الزمان، وهي المصاحف الموجودة في الهند والأناضول وبلاد الشام ومصر (في عهد المماليك)، فقد اقتبست هذه النسخ بأسرها هذا النمط من الكتابة من أسلوب كتابة القرآن المنظّمة في إيران في عهد الدولة الإيلخانية وما قبلها وهي عبارة عن النسخة رقم: (٩٦٩) والموجودة في مجلس الشورىٰ الإسلامي بالخطّ البهاري، وقد كتبت في الهند في القرن التاسع الهجري علىٰ (٣٧) قاعدة، انظر الصورة رقم: (١٦)؛ والنسخة رقم: (Arabe ٧٢٦٠) في المكتبة الوطنية الفرنسية، بالخطّ البهاري والتي كتبت في الهند في القرن التاسع الهجري علىٰ (٢٧) قاعدة، انظر الصور رقم: (١٧، ١٨، ١٩) النسخة رقم: (OP ٢٧١١) في مكتبة بلغاريا الوطنية (صوفيا)، وقد كتبت في القرن الثامن أو التاسع باثنتي عشرة قاعدة؛ والقرآن رقم: (١١٩٥٥) في مكتبة مجلس الشورىٰ الإسلامي، بخطّ أحمد بن يحيىٰ في سنة (٨٩١) في حلب، ولم يذكر الكاتب في نهايته شيئاً عن القواعد التي استفاد منها في مصحفه، ولكنّ جميع الصفحات قد اختتمت بآية، انظر الصورة رقم: (١٤)؛ وقرآن المماليك برقم: (١٤٨٨Is) في

۹۶

مكتبة تشستربيتي، وقد كتب في القرن التاسع علىٰ (٢٧) قاعدة، انظر الصور رقم: (٢٢و٢٣)؛ والقرآن رقم: (١٤٩٦Is) في مكتبة تشستربيتي المؤرّخ سنة (٨٣٢هـ)، كتب لخزانة الملك الأشرف أبي النصر برسباي (من حكّام المماليك، الذي حكم بين سنة ٨٢٥ ـ٨٤١هـ) وقد كتب بـ: (٣٢) قاعدة، انظر الصور رقم: (٢٠و٢١)(١).

وقد استمرّت الكتابة المنظّمة للقرآن في إيران في القرنين الثامن والتاسع الهجري (علىٰ عهد الدولة الإيلخانية والتيمورية) كذلك، ويعتبر القرآن رقم: (١٤٨٧) في مكتبة جامعة طهران المركزية المكتوب بخطّ عبد الرحمن بن محمّد بن أبي المفاخر التميمي (المؤرّخ ٧٥٣هـ) أحد هذه النماذج(٢). ومن الشخصيّات الرئيسية في هذا العصر هو محمّد بن محمود بن محمّد بن أحمد السمرقندي (ت ٧٨٠هـ) العالم بعلوم القرآن والقراءات، وكاتب القرآن القيّم المنظّم وفقاً للقواعد، وهو في الأصل من مواليد همدان ولكن عاش في سمرقند، وبناء علىٰ المعلومات التي حصلنا عليها من النسخ القرآنية المقتبسة من نسخته(٣)، فإنّه قد

__________

(١) والنسخ الثلاث الأخر التي كُتبت في القرنين التاسع والعاشر الهجري في القسطنطينية هي عبارة عن: النسخة رقم: (١١٩٨٤) في مجلس الشوریٰ الإسلامي (طهران) التي کُتبت في القرن التاسع أو العاشر الهجري بـ: (١٢) قاعدة في ١٥ سطراً في القسطنطنیة. انظر الصورة (١٣)؛ النسخة رقم: (Is١٤٨٦) في مکتبة تشستربیتي، المؤرَّخة (٨٩٦ هـ)، کتبها أحمد بن بَخْتِ خُجا في القسطنطنیة؛ النسخة رقم: (٥١٨٩) في مکتبة منظّمة الدیانة الترکیة، المؤرَّخة (٩٠٦ هـ)، کتبها أحمد بن بَخْتِ خُجا في القسطنطنیة.

(٢) کاتب هذه النسخة ـ ذات التسعة عشر سطراً ـ ذكر اسمه في الترقيمة في نهاية النسخة: (الیزدي مولداً). وقد لخّص في الصفحات الأخيرة من نسخته جميع قواعد الكتابة المنظّمة في ٦ بنود.

(٣) النسخة القرآنية رقم: (٤) في مكتبة نور عثمانیة في اسطنبول (يرجع تاريخ کتابتها إلىٰ سنة ٨٩٢ هـ)، بخطّ علي بن محمّد الحسیني النیشابوري، في ١٣ سطراً، مع ترجمة فارسیة؛ والنسخة القرآنية رقم: (١٥٠٢) في مكتبة آستان قدس رضوي، موجودة حاليّاً في متحف القرآن (وقد کُتبت سنة ٩٨٧ هـ،

۹۷

عثر في بخارىٰ علىٰ مصحف من القرآن يحتوي علىٰ (٣٠) قاعدة تقريباً، ولكنّه لم يعتبره كاملاً وجامعاً، ولذلك بذل جهده حتّىٰ بلغت القواعد في كتابة نسخته القرآنية إلىٰ (٤٧٠) قاعدة(١)، ولا يوجد اليوم أيّ أثر من القرآن الذي خطّه بيده، ولكن استخدم بعض الكتّاب الإيرانيّين ـ إلىٰ قرنين أو ثلاثة قرون ـ فيما بعد أسلوبه المتطوّر في كتابة القرآن المنظّمة وفقاً للقواعد(٢).

إنّ اتّخاذ هذا الأسلوب الفنّي الراقي في القرن العاشر إلىٰ القرن الثاني عشر في عصر الدولة الصفوية أدّىٰ إلىٰ إبداع نسخ فاخرة من كتابة المصحف الإيراني، فإنّ إحدىٰ هذه الأعمال الفنّية الرائعة هي النسخة القرآنية رقم: (٤) الموجودة في مكتبة نور عثمانية والتي كتبت سنة (٨٩٢هـ) بخطّ علي بن محمّد الحسيني النيشابوري في (١٣) سطراً مع الترجمة الفارسية، انظر الصورة رقم: (٢٩)، وقد أشار الحسيني النيشابوري في بداية هذه النسخة إلىٰ قرآن (محمّد ابن محمود بن محمّد الشريف السمرقندي المحتَد الهمداني المولد) وتكلّم في مجال هذه القواعد وتكثيرها، انظر الصورة رقم: (٢٨)؛ والنسخة الأخرىٰ هي النسخة رقم: (١٥٠٢) في مكتبة آستان قدس رضوي، كتبت بعد مائة عام من تاريخ النسخة آنفة الذكر، أي: في سنة (٩٨٧هـ) بقلم خطّاط مجهول الحال باسم محمود بن أحمد النيريزي، انظر الصور رقم: (٢٤ إلىٰ ٢٧)،

__________

بخطّ محمود بن أحمد النیریزي) في ١٤ سطراً مع ترجمة فارسیة.

(١) وقد نقل نصّ كلامه في بداية النسخة رقم: (٤) من مكتبة نور عثمانیة، وفي نهاية النسخة القرآنية رقم: (١٥٠٢) في مكتبة آستان قدس رضوي.

(٢) للأسف لم تتوفّر لدينا أيّ معلومة عمّا آل إليه مصير المصحف المكتوب بخطّ العالم الشيعي الإيراني محمّد بن محمود بن محمّد بن أحمد بن علي الحسیني السمرقندي. وقد خلّد من بعده عدّة مؤلّفات في التجوید، والرسم القرآني، والقراءات القرآنية. ويعتبر (المبسوط في القراءات السبع و المضبوط من إضاءة الطبع) من أهمّ مؤلّفاته، حيث لا زالت بعض نسخه موجودة في المكتبات. للحصول علىٰ قائمة من مؤلّفاته ونسخها، انظر. فنخا ٣٥ / ٩٥٤.

۹۸

وقد ذكر في نهاية مصحفه: «محمّد بن محمود بن أحمد السیّد أبو القاسم الحسیني المدني السمرقندي»، كما ذكر أيضاً مصحف شخص آخر باسم: (حسین بن عثمان)(١) الذي كان يشتمل علىٰ وجوه مختلف القراءات، وخاصّة وجوه قراءة حمزة في إداء الهمزات؛ ونسخة قرآن سلطان علي القاري الهروي ـ النسخة رقم: (١) في مكتبة رئيس الكتّاب ـ التي كتبت في مكّة سنة (٩٩٩هـ)، هي أحد نماذج انتقال الفنّ الإيراني من هرات إلىٰ المناطق التي كانت تحت ظلّ الدولة العثمانية، انظر الصورة رقم: (١٥). هذا وإنّ قرآن عبد الرزّاق بن عبد الفتّاح بن عبد اللطيف (المؤرّخ ١٠٤٩هـ)(٢) في مجموعة الدكتور محمّد صادق المحفوظي (طهران) يمكن أن نعتبره من آخر النماذج القرآنية المنظّمة وفقاً للقواعد مع الترجمة الفارسية من العهد الصفوي، وقد كتب في زمن سقوط الدولة الصفوية.

وتزامناً مع سقوط الدولة الصفوية أخذ هذا الأسلوب بالأفول بين الكتّاب الإيرانيّين، ولكن سرعان ما استفحل واخضرّ عوده بين الكتّاب الأتراك في الدولة العثمانية. ونجد القليل من هذه النماذج في العصر القاجاري قد كتبت بهذا الأسلوب المنظّم، مثل القرآن رقم: (٢١٠) في مكتبة الحرم العلوي، والنسخة القرآنية رقم: (٣٥١) في مكتبة آستان قدس رضوي (كتبت في أواخر القرن الثالث عشر وتمّ وقفها سنة ١٣١٦هـ)، ولكن في إزائها نرىٰ أنّ أكثر النماذج القرآنية المنظّمة قد كتبت في تركيا وبلاد الشام في أواخر الدولة العثمانية. ونذكر هنا بعض النماذج من بين العدد الهائل من المصاحف القرآنية العثمانية المكتوبة في زمن الدولة

__________

(١) يحتمل أن يكون المقصود منه هو: الحسین بن عثمان السروي (كان حيّاً إلىٰ سنة ٨٨٤ هـ)، من تلامذة ابن‌ الجزري. أغلب مؤلّفاته في مجال الرسم القرآني، والقراءات، وعدّ الآي. وهو أيضاً كاتب نسخة أعشار القرآن في السور (رقم ٧/٨٢٠ في مكتبة مجلس الشوریٰ الإسلامي).

(٢) آیینه مآثیر: گزیده‌ای از آثار مرکز دائرة المعارف انسان شناسی: ٧٠ـ٧١.

۹۹

العثمانية، وهي عبارة عن النسخ: (Yahuda Ms.Ar.٩٢٢) (المؤرَّخة١٢٤٠هـ)، و(Yahuda Ms.Ar.٩٤٥) (المؤرَّخة ١٢٢٢ هـ)، و(Yahuda Ms.Ar.٩٣٢) (المؤرَّخة ١٢٨٦ هـ)، الموجودة في مكتبة إسرائیل الوطنية؛ والنسخة: (Or.١١.٧٠١) في مكتبة جامعة لایدن (المؤرّخة ١٢٧٩هـ)؛ والنسخ رقم: (٢٦ و٣٠) (المؤرَّخة ١٢٨٨هـ)، ورقم: (٤) (المؤرَّخة ١٢٧١هـ)، ورقم: (٧) (المؤرَّخة ١٢٧٧ هـ)، ورقم: (٩) (المؤرَّخة ١٢٦٦هـ)، ورقم: (١٠) (المؤرَّخة ١٢٨٤هـ)، ورقم: (١٧) (المؤرَّخة ١٢٨٢هـ)، الموجودة في مكتبة پرتونیال، إسطنبول؛ والنسخة القرآنية رقم: (١٥) (المؤرَّخة ١٢٦٧هـ) في مكتبة هدایي أفندي، إسطنبول؛ والنسخة رقم: (٣٣) (المؤرَّخة ١٢٤٣هـ) في مکتبة سیرز، إسطنبول؛ والمصاحف القرآنية رقم: (١٩) (المؤرَّخة ١٢٣٦هـ) ورقم: (٢٠) (المؤرَّخة ١٢٣٨هـ) في مکتبة قلیچ علي پاشا، إسطنبول؛ والقرآن رقم: (٣) (المؤرَّخة ١٢٨٠هـ)، ورقم: (١٤ و١٥) (المؤرَّخة ١٢٨٤هـ) في مکتبة قیسري راشد أفندي، إسطنبول؛ والنسخ رقم: (٤) (المؤرَّخة١٢٥٦هـ)، ورقم: (٦) (المؤرَّخة١٢٣٨هـ)، ورقم: (١٢) (المؤرَّخة ١٢٨٧هـ)، ورقم: (١٣) (المؤرَّخة ١٢٦٩هـ)، ورقم: (١٤) (المؤرَّخة ١٢٧٤ هـ)، ورقم: (١٥) (المؤرَّخة١٢٧٥هـ)، ورقم: (١٦) (المؤرَّخة ١٢٣١هـ)، ورقم: (١٧) (المؤرَّخة ١٢٦٧هـ)، ورقم: (٢١ و٢٤) (المؤرَّخة ١٢٦٩هـ)، ورقم: (٢٩) (المؤرَّخة ١٢٧٢هـ)، وكلّها من مکتبة نافذ پاشا، إستطنبول؛ والنسخة رقم: (١٨) في مکتبة نور عثمانیة، إسطنبول (المؤرَّخة ١٢٩٠هـ)؛ والنسخ: (Qur٤٠) (المؤرَّخة ١١٨٨هـ)، و(Qur٨) (المؤرَّخة ١٢٠١هـ)، و(Qur٣٣) (المؤرَّخة ١٢٠٤هـ)، و(Qur٣٨٠) (المؤرَّخة ١٢٨٠هـ)، وكلّها من مجموعة داوود خلیلي، لندن؛ والنسخة: (AKM٣٢٢) (المؤرَّخة ١١٧٨هـ) في متحف آقاخان؛ والنسخ: (Arabe٦٩٩٧) (المؤرَّخة ١٢٤٠هـ)، و(Arabe ٦٩٢٤) (المؤرَّخة ١٢٩٢هـ)، وكلاهما

۱۰۰

في المکتبة الوطنية الفرنسية، باریس.

لقد شاعت في القرون الأخيرة أنواع مختلفة من كتابة القرآن المنظّمة وفقاً للقواعد في بعض مناطق اليمن، ويحتمل أنّ هؤلاء الكتّاب اليمنيّين قد كتبوا هذه المصاحف اقتباساً من بعض نماذج نسخ عهد المماليك أو الدولة العثمانيّة، وقد كتبوا نماذج عديدة من هذه المصاحف المنظّمة التي لا زالت موجودة إلىٰ يومنا هذا في مكتبات اليمن، حيث نجد بعضها بين مصاحف (جامع الشهارة) في اليمن. وهناك مصاحف كتبت بأساليب خاصّة في نظمها يعود تاريخ كتابتها إلىٰ حقبة الدولة الصفوية والعثمانية ـ القرن (١٠) إلىٰ القرن (١٣) الهجري ـ حيث نرىٰ الكاتب قد بذل جهده وسعىٰ سعيه من خلال تصغير الخطّ أن يكتب كلّ جزء من القرآن في ورقة واحدة (بصفحتين و٤١ سطراً)، وأن يدرج كلّ القرآن في ثلاثين ورقة، ومثال ذلك القرآن رقم: (٧٧٣٦) في مكتبة جامعة الملك سعود (المكتوب في القرن الحادي عشر الهجري)؛ وثمّة كاتب آخر قد قام بنفس هذا الأسلوب حيث أدرج كلّ جزء من القرآن في ورقة واحدة (بصفحتين و٣٣ سطراً) حيث استطاع أن يدرج كلّ القرآن في (٣٠) ورقة، ومثال ذلك القرآن رقم: (١٩٥٣) في متحف رضا عبّاسي؛ والأنموذج الآخر هو القرآن رقم: (٣٦٨) في المكتبة الملكية الدنماركية (كتب في إيران في العهد القاجاري في القرن الثاني عشر) حيث كتب الكاتب في كلّ صفحة (٣١ سطراً) بخطّ صغير منتهٍ بآية، وأدرج كلّ جزء من القرآن في ورقتين (أربع صفحات) والقرآن كلّه في (٦١) ورقة.

وقد استمرّت في العالم الإسلامي كتابة القرآن المنظّمة وفقاً للقواعد ـ في المائة عام الأخيرة وبعد سقوط الدولة العثمانية ـ علىٰ شكل مصاحف مطبوعة، ومن أشهر المصاحف في زماننا هذا بخطّ الخطّاط السوري عثمان طه الذي تمّ طباعته وتوزيعه من قبل (مجمع الملك فهد لطباعة القرآن الكريم) تحت عنوان: (مصحف المدينة النبوية). وإنّ أغلب المصاحف القرآنية اليوم في العالم الإسلامي قد انتهجت هذا الأسلوب في تصميمها لصفحات القرآن الكريم والمعروفة اليوم بـ: (المصاحف المنتهية بآية)، فمن أهمّ المميّزات لهذه المصاحف هو أن

۱۰۱

تُختتم كلّ صفحة من القرآن بآية، وقد أُدرج كلّ جزء من القرآن في عدد معيّن من الصفحات (في٢٠) صفحة، وهذا الإبداع هو من مبتكرات الكتّاب الإيرانيّين في إيران قبل ألف عام، وعلىٰ أغلب الظنّ أنّ خراسان وما وراء النهر أوّل من ابتكر هذا الأسلوب.

فهرسة بأهمّ المصاحف المنظّمة وفقاً للقواعد حتّىٰ نهاية القرن العاشر لمكتبات مختلفة في إيران وحول العالم:

رقم النسخة

مكان الحفظ

تاریخ الکتابة

عدد القواعد

قائمة القواعد

السطور

مکان الکتابة

اسم الکاتب

١٠١١

مكتبة كاخ گلستان

القرن ٤ أو ٥

غير معلوم

الفارسية

٣١

إیران (الغزنويّين أو السلاجقة)

منسوب إلىٰ الإمام الحسن عليه‌السلام

٢٢٢٤

مكتبة آستان قدس رضوي

القرن٥

١٩

الفارسية

٢٩

إیران (الغزنويّين أو السلاجقة)

ناسب الحسیني

٤٤

الحرم العلوي (النجف)

وقف٥٩٠

٣٣

الفارسية ـ العربية

٢٧

إیران (السلاجقة)

محمّدالزنجاني

Is١٤٣٨

مكتبة تشستربیتي

٥٣١هـ

غير معلوم

ـ

١٩

إیران(السلاجقة)

زرّين قلم

٤٣٠٤

متحف إيران الوطني

٥٨٢ هـ

ـ

ـ

١٢

إیران (الإیلخانیة)

وقف الشاه قلي خلیفة مُهردار

البضاعة رقم ١٢٨

مزاد ساتبیز، ١٣اکتوبر١٩٨٢

القرن الثامن

ـ

ـ

١١

إیران (الإیلخانية)

محمّد بن إبراهیم بن أحمد بن إبراهیم الیزدي

١٤٨٧

جامعة طهران

٦٧٧ ق

٦

الفارسية

١٩

إیران

عبدالرحمن بن محمّد بن أبي المفاخر التمیمي

۱۰۲

غير معلوم

غير معلوم

حدود ٧٥٠ ق

٤٧٠

العربية

إیران

محمّد بن محمود بن محمّد الشریف السمرقندي

بلا رقم

مجموعة الدکتور خرّازي(١)

القرن ٨

ـ

ـ

١٤

إیران

OP٢٧١١

مكتبة بلغاريا الوطنية

القرن ٨

١٢

العربية

١٣

الأناضولي

٢٧٩

مكتبة آستان قدس رضوي

القرن ٨

ـ

لا توجد

١٥

إیران/العراق

المنسوب للصیرفي

Is١٤٨٨

مکتبة تشستربیتي

وقف ٨٧٣

٢٧

العربية

١٢

المماليك

Is١٤٩٦

مکتبة تشستربیتی

٨٣٢ هـ

٣٢

العربية

١٢

المماليك

للملك الأشرف أبوالنصربرسباي

٢٠٠٢

متحف رضا عبّاسي

٨٧٨ هـ

ـ

لا توجد

١٥

التیموري

عبدالله بن الشیخ محمود

١١٩٥٥

مجلس الشوری الإسلامي

٨٩١ هـ

ـ

لا توجد

١٤

حلب (عثماني)

أحمد بن یحیی

٤

مكتبة نورعثمانیة

٨٩٢ هـ

٤٧٠

العربية

١٣

علي بن محمّد الحسیني النیشابوري

__________

(١) صور هذه النسخة ومميّزاتها في كتاب مصحف إيران (تأليف سیّد محمّد باقر النجفي) المجلّد ١ و ٣.

۱۰۳

Is١٤٨٦

مکتبة تشستربیتي

٨٩٦ هـ

ـ

لا توجد

١٥

القسطنطنیة (عثماني)

أحمد بن بَخْتِ خُجا(١)

٥١٨٩

منظّمة الدیانة ترکیا

٩٠٦ هـ

ـ

لا توجد

١١

القسطنطنیة (عثماني)

أحمد بن بَخْتِ خُجا

Arabe٧٢٦٠

المكتبة الوطنية الفرنسية

قرن ٩ـ١٠

٢٨

الفارسية

١١

هند (بهاري)

٩٦٩

مجلس الشوری الإسلامی

قرن ٩ـ١٠

٣٧

الفارسية

١٩

هند (بهاري)

رفیع بن خواجه مجیرالدین الطوسي

١١٩٨٤

مجلس الشوری الإسلامي

القرن ٩ـ١٠

العربية

١٥

القسطنطنیة (العثماني)

١٥٠٢

مكتبة آستان قدس رضوي

٩٨٧ هـ

٤٧٠

الفارسية ـ العربية

١٤

إیران (الصفویة)

محمود بن أحمد النیریزي

١

مکتبة رئیس الکتّاب

٩٩٩ هـ

ـ

لا توجد

١٥

مکّة (عثماني)

علي بن سلطان محمّد القاري الهروي المکّي

قواعد الكتابة في أقدم المصاحف الإيرانية المنظّمة:

كما ذكرنا في البداية، فإنّ المصاحف الإيرانية الأربعة التي تمّت كتابتها في القرنين الخامس والسادس الهجري هي أهمّ ما يرشدنا لمعرفة تاريخ تبلور الكتابة المنظّمة وفقاً للقواعد، فإنّ

__________

(١) لم يتمكّن حين كتابته هذه النسخة (المؤرّخة ٨٩٦هـ) والنسخة الأخرىٰ (المؤرّخة ٩٠٦هـ) أن يختم جميع الصفحات بآية قرآنية بشكل منظّم، ولكنّه راعىٰ قواعد الكتّاب الإيرانيّين في تمييز كتابة بعض التعبيرات والعبارات القرآنية الخاصّة باللون الذهبي.

۱۰۴

كتّاب هذه النسخ قد سجّلوا تفاصيل قواعدهم في نهاية نسخهم بالفارسية وتارة بالعربية بشكل دقيق. ومن خلال تعريف موجز لكلّ واحدة من هذه النسخ الأربع سوف أعيد كتابة ما حصلنا عليه من القواعد المتبقّية لهؤلاء الكتّاب. وفي النماذج التي تلت هذه المصاحف في كتابة المصحف المنظّم ـ سواء في إيران أو الهند أو الأناضول أو بلاد الشام ومصر واليمن ـ فقد بقي استعمال أغلب هذه القواعد علىٰ مدىٰ بضع قرون ـ من القرن الثامن وحتّىٰ القرن الثاني عشر الهجري ـ وقد أضيفت إليها في بعض الأحيان تفاصيل أخرىٰ، ولكنّ الاهتمام بالقواعد ـ في القرون الأخيرة ـ في كتابة القرآن في عهد الدولة العثمانية إنّما كان في مورد أو موردين أساسيّين فقط من هذه القواعد، وقد استخدمت في الكتابة القرآنية المعاصرة وفي أعمال الخطّاطين مثل عثمان طه كذلك. وإنّ أهمّ القواعد المتبقّية في عصرنا هذا هي عبارة عن: اختتام كلّ صفحة بنهاية آية، وبداية كلّ جزء من القرآن بأوّل الصفحة، والانتهاء منه بنهاية الصفحة.

ألف: القرآن رقم: (١٠١١) في متحف كاخ گلستان والذي نُسبت كتابته للإمام الحسن عليه‌السلام :

هي النسخة رقم: (١٠١١) في مكتبة كاخ گلستان، كتبت علىٰ الورق في (٣٠٥ صفحة) من القطع الصغير (٩X١١ سانتيمتر) وفي كلّ صفحة (٣١ سطراً)(١)، نُسبت للإمام الحسن عليه‌السلام في تاريخ لاحق لكتابتها، وكتبت النسخة بالخطّ المشرقي أو الكوفي الإيراني، هذا وإنّ اللوحين المذهّبين في بدايتها لهما شبه تامّ مع قرآن آخر منظّم برقم: (٢٢٢٤) في مكتبة آستان قدس رضوي، وسيأتي فيما بعد الكلام عنه. فإنّ ظاهر النسخة يحكي بوضوح عن دقّة الكاتب في تنضيد السطور المنظّمة وكذلك الصفحات وأجزاء القرآن؛ إذ أدرج الكاتب كلّ جزء من القرآن في خمس أوراق (١٠ صفحات) ثمّ يختتم آخر كلّ صفحة بنهاية آية. علىٰ سبيل المثال

__________

(١) ذكرها بدري آتاباي في فهرسة المصاحف الخطّیة للمکتبة الملكية (ص ١٧٩)، بـ: ٣٠ سطراً اشتباهاً.

۱۰۵

انظر الصورة رقم: (٣). وللأسف أنّه لا يمكن قراءة الورقة الأخيرة من هذا القرآن ـ رقم: (١٠١١) في متحف كاخ گلستان ـ ولكن من الواضح أنّ الكاتب بيّن قواعده في نهاية مصحفه بالفارسية، انظر الصورة رقم: (١). وقد قام شخص ـ أو أشخاص ـ بمحو الملاحظات المدرجة في نهاية الكتاب ـ والتي لا يزال بعض أقسامها بالفارسية واضحة للناظر ويمكن مشاهدتها ـ وقد أضيف اسم الإمام الحسن المجتبىٰ عليه‌السلام إلىٰ مواضع منها، كما أضافوه أيضاً في انتهاء اللوحين في بداية النسخة وفي نهاية سورة الناس. ومن الواضح أنّ هذا القرآن لم يكن بقراءة حفص عن عاصم من خلال الاطّلاع علىٰ آياته. وقد كتب أحد المعاصرين للدولة الصفوية في الأوراق الملحقة في بداية النسخة بالفارسية ما تعريبه:

«قد صحّ كتابة القرآن المجيد هذا بخطّ أحد الأئمّة الاثني عشر، وقد تناقلته الأيدي حتّىٰ بلغ إلىٰ جلالة الملك المخلّد في الجنان شاه إسماعيل أنار الله برهانه، وقد اشتهر أنّه بخطّ الإمام الحسن عليه‌السلام . فيُحجب عمّن لا يؤتمن من الناس، ولا يحظىٰ بقراءته غير السادة العلويّين الفاطميّين. ويُخفىٰ عن العوامّ. يا ولي. شهر رجب ١٢٠١هـ».

وكذلك في الصفحة التي قبل سورة الفاتحة ـ شخص ادّعىٰ أنّه كان يعيش في أيّام حكومة السلطان محمّد أولجايتو (٦٨٠ـ٧١٦هـ) ـ كتب بالفارسية ما تعريبه:

«كان لبعض أهل العلم الذين لهم خبرة في الخطّ الكوفي رأي في الصفحة الأخيرة حيث توصّل إلىٰ أنّ هذا الكلام كتب في أيّام الخليفة الثالث وهو بخطّ الإمام الحسن المجتبىٰ عليه‌السلام . ولكن يبدو أنّ بعض الآيات في غير محلّها، وثانياً: أنّه قد تداولته الأيدي في أيّام الخلافة العبّاسية لكي يخفوه عمّن لا يؤتمن من الناس! كُتب في أيّام دولة محمّد أولجايتو سنة (٦٦)» [كذا] انظر الصورة رقم: (٢).

ب: قرآن حسيني ناسب رقم: (٢٢٢٤) في مكتبة آستان قدس رضوي:

هذه النسخة برقم: (٢٢٢٤) في مكتبة آستان قدس رضوي، وقد كتبت في

۱۰۶

أواخر القرن الخامس بالخطّ الكوفي الإيراني، ولكن تمّ وقفها في سنة (٥٩٠هـ) علىٰ الحرم الرضوي من قبل شخص باسم: السيّد الأجلّ ناصر الدين ظهير الإسلام كريم الطرفين الحسيني الناسب. ومن حُسن الحظّ أنّ قواعد الكاتب في كتابته لهذه النسخة ـ التي تعود كتابتها إلىٰ أواخر القرن الخامس ـ هي اليوم بين أيدينا، وكذلك وقفيّتها التي تعود إلىٰ سنة (٥٩٠ هـ). إنّ الوقفية في بداية هذه النسخة من القرآن غير مقروءة شيئاً ما، وقد مُحيت بعض كلماتها وجاء فيما تبقّىٰ منها ما يلي:

«وقف هذا الجامع وهو کلام الله تعالیٰ... السیّد الأجل الزاهد ناصر الدین ظهیر الإسلام کریم الطرفین... صلّیٰ الله علیه... الحسیني الناسب... وذلك اتّفق...... من سنة تسعین وخمسمائة، وهذا خطّ أضعف عباد الله الفقیر برحمته الراجي بشفاعة نبیّه وآله الطاهرین علیهم السلم علي بن حمزة بن علي البزّاز رحم الله من دعا لکاتبه ولواقفه وللمؤمنین والمؤمنت». انظر الصورة رقم: (٥).

وقد كرّر كاتب آخر أيضاً كتابة الوقفية في نهاية القرآن وقد جاء تعريبها كالتالي:

«كتب هذا المصحف بستّ عشرة قاعدة، ووقفه علىٰ مشهد الرضا عليه الصلاة والسلام المقدّس بطوس الأمير السيّد الأجلّ ناصر الدين ظهير الإسلام كريم الطرفين الحسيني الناسب، رحم الله من لا يخرجها من روضة الرضا لئلّا يكون عاصياً لله، وأن ينال ثواب الدنيا والآخرة، وهذا خطّ العبد المذنب محمّد ابن محمّد بن أحمد [؟] القمّي محمّد، المعرّف بتاریخ المنتصف من ربیع الأوّل سنة خمس وتسعین وخمسمائة». انظر الصورة رقم: (٦).

كلّ صفحة من هذه النسخة ـ رقم: (٢٢٢٤) في مكتبة آستان قدس رضوي ـ تحتوي علىٰ (٢٩) سطراً، ولها شبه كبير بنسخة محمّد الزنجاني القرآنية ـ رقم: (٤٤) في الحرم العلوي في النجف ـ وقد أدرج الكاتب كلّ جزء من القرآن في سبعة أوراق (١٤ صفحة) وختم كلّ صفحة بنهاية آية من القرآن، وكلّ جزء من القرآن

۱۰۷

يبدأ من بداية الصفحة علىٰ جهة اليمين، وهناك شبه كبير بين كلا النسختين في علائم التعشير والتخميس وبداية الأجزاء، وكسائر النسخ المنظّمة وفقاً للقواعد نرىٰ الكاتب قد شرح قواعد كتابته بالفارسية في نهاية النسخة، وتبلغ عدد قواعده في هذه النسخة: (١٩) قاعدة، انظر الصورة رقم: (٤). وتعريبه كالتالي:

«هذا مصحف مكتوب بتسع عشرة قاعدة. أوّلاً: في الورقتين الأوليين من هذا القرآن جاءت بداية سورة الفاتحة وبداية سورة البقرة متقابلتان. وثانياً: في الورقتين الأخيرتين من هذا القرآن جاءت بدايات السور الثمان الأخيرة في قبال بعضها البعض الآخر. وثالثاً: إنّ كلّ ورقة تنتهي بنهاية آية علىٰ حدٍّ سواء. ورابعاً: إنّ كلّ جزء من الأجزاء الثلاثين كُتبت في سبعة أوراق (أربع عشرة صفحة) سوىٰ الجزء الأوّل والجزء الأخير من القرآن، فإنّها كُتبت في ثمانية أوراق (ستّ عشرة صفحة)؛ وذلك لأنّ الجزء الأوّل من هذا القرآن يوجد في بدايته في الورقة الأولىٰ لوحان وفي الجزء الأخير يوجد عدد كبير من السور. وخامساً: إنّ كلّ أجزاء القرآن تبدأ من أوّل الورقة ومن أوّل سطر فيها. وسادساً: إنّ أرباع القرآن كلّها تنتهي في نهاية السطر لا في وسطه. وسابعاً: إنّ جميع الأقسام الأربعة عشر لهذا القرآن كلّها تنتهي في نهاية السطر. وثامناً: إنّ جميع أسباع القرآن أيضاً تنتهي في نهاية السطر. وتاسعاً: إنّ جميع سجدات القرآن أيضاً تنتهي في آخر السطر. وعاشراً: إنّ كلّ عبارة: (غفور رحيم) في القرآن كذلك تنتهي في آخر السطر وجاءت كلّها في مكان واحد. والحادي عشر: إنّ لفظ الجلالة (الله) إذا جاء في أوّل الآية، مثل: الله یستهزئ بهم؛ الله لا إله إلّا هو الحي القیّوم؛ الله ولي الذین آمنوا؛ الله لا إله إلّا هو لیجمعنّکم إلىٰ یوم القیامة؛ الله یعلم ما تحمل کلّ أنثىٰ؛ الله الذي یرسل الریاح؛ الله لطیف بعباده؛ الله الذي سخّر لکم البحر ـ ما يقارب من ثلاثة وثلاثين موضعاً في القرآن ـ كلّها كُتبت في أوّل السطر. والثاني عشر: إنّ آية التهليل إذا جاءت في بداية الآية كُتبت في أوّل السطر ـ حيث جاءت ستّاً وثلاثين مرّة في خمس وثلاثين آية من القرآن ـ. والثالث عشر: إنّ جميع الآيات المكّية إذا جاء في بدايتها حرف: (شين) مثل: شهر رمضان؛ شهد الله؛ شاکراً لأنعمه؛

۱۰۸

شرع لکم، كُتبت جميعها في أوّل السطر. والرابع عشر: إذا جاء اسم: (محمّد وأحمد) في القرآن كُتب في أوّل السطر أيضاً. والخامس عشر: إنّ کلّ کلمة: (ربّنا) جاءت دائماً في وسط السطر ولا یتمّ کتابتها في أوّل السطر ولا في آخره. والسادس عشر: إنّ کلّ کلمة: (ربّکم) جاءت دائماً في وسط السطر ولا یتمّ کتابتها في أوّل السطر ولا في آخره. والسابع عشر: لا توجد أيّ كلمة مبتورة في نسخة القرآن هذه؛ والمراد من الكلمة المبتورة مثل: في نهاية السطر يُكتب: (وهو یتولّىٰ الصّا)، وفي بداية السطر الآخر يُكتب: (لحین)، وفي نهاية السطر يُكتب: (الشا)، وفي بداية السطر الآخر يُكتب: (کرین)، وأمثالها في القرآن كثير. وعلماء ما وراء النهر وخراسان وسمرقند یرفضون ذلك بشدّة. والثامن عشر: لم يتمّ كتابة كلمة: (تبارك) في وسط السطر. والتاسع عشر: تمّت الأجزاء الثلاثون في نهاية الأوراق. والله أعلم». انظر الصورة رقم: (٤).

ج: قرآن محمّد الزنجاني برقم: (٤٤) في مكتبة الحرم العلوي (النجف):

قرآن الزنجاني رقم: (٤٤) في المكتبة الغروية أو مكتبة حرم الإمام علي عليه‌السلام هو من أهمّ وأروع المصاحف المنظّمة التي وصلت إلينا، انظر الصورة رقم: (٨). ولكن للأسف الشديد أنّه انتُزعت في ـ العقود الأخيرة ـ ثماني أوراق مذهّبة من بداية هذه النسخة ونهايتها، وقد عُثر عليها فيما بعد في متحف متروبليتن في نيويورك. وقد كَتبتُ سابقاً في شأن هذه النسخة القرآنية المهمّة مقالة مستقلّة ومفصّلة، ولذلك لم أكرّر هنا التوضيحات التي أوردتها في معرفة النسخة ومحتواها(١). وقد كتب الزنجاني في النهاية توضيحاته باللغتين الفارسية والعربية فيما يتعلّق بالقواعد المتّبعة في تنظيم كتابة وتذهيب مصحفه هذا، وبالرغم من أنّ كلا النصّين الفارسي والعربي يكمّلان ويفسّران بعضهما الآخر، ولكن للأسف فإنّ النصف الأوّل من تلك القواعد

__________

(١) هذه النسخة في غاية الأهمّية؛ للحصول علىٰ ما جاء في شأنها انظر: مقالة راقم السطور (مصحف الزنجاني، الفنّ الإيراني في كتابة المصحف بالخطّ الكوفي، نظرة في النسخة المحفوظة في مكتبة العتبة العلوية في النجف) في مجلّة: (تراثنا)، العدد: (١٤٧)، ص٧ـ٦٣.

۱۰۹

مفقود. وأذكر هنا الأقسام المتبقّية من هذه القواعد التي كتبهما الكاتب وفقاً للصور المتبقّية منها:

نصّ القواعد الفارسية التي أوردها محمّد الزنجاني في نسخته من المصحف:

[شانزدهم آنست که در قرآن بیست ویک جای یا ایها الناس است[ وآن همه سَرسَطر است وهیج دَر میا[نه نیست هفدهم آ]نست کِه دَر قُرانْ جَهار جَای محمّدست ویک جَای [احمد که همه اول سطر] است هَچدَهُمْ آنسْت کِه دَرْ قرانْ کُنْ فیَکونْ هَشتْ [جای است که همه در پا]یانْ سَطرسْت. نُوزْدَهُمْ آنسْتْ کِه دَرْ قُرانْ غَفور رَحیمْ [در چهل وسه جای است] وَ هَمَه بَایَانْ سَطرسْت بِیستُمْ دَر قُران جَهاردَهْ جَای..... بَایَان سَطرست بِیسْت یَکمْ آنست کِه دَر قرانْ سَمیع عَلیمْ ]در شانزده جای است[ وَ هَمه بَایَانْ سَطرست بِیسْت دُوَمْ آنست کِه دَرْ قران [سیزده جای عزیز حـ]ـکـیم اَستْ وَ هَمَه بَایان سَطرست بِیست سِیُومْ..... هَمَه بَایَانْ سَطرست بیست جَهارُمْ آنستْ کِه دَرْ قران [شش جای ترجع الامور هـ]ـست وَ یک جَای تصیرُ اْلامُور وَ آن هَمَه بَایَانْ سَطرسْت [بیست پنجم آنست که] دَرْ قُران بکُل شی عَلیمْ یازدَهْ جَاىٰ اَستْ وَ دَو جای بکل شَی [علیما وآن همه بایان سـ]ـطْرسْت بیست شَشُمْ آنستْ کِه دَرْ قران عَلیم بذَات الصّدورِ [دوازده جای است وآن هـ]ـمَه بَایَان سَطرسْت بیست هَفتُم آنستْ کِه دَرْ قُرانْ [پنج جای یتوکلون است وسه] جَای اَلمتوّکلونَ وَ یک جَای اَلمتوّکلینَ وَ هَمَه بَایان سَطرسْت [بیست هشتم آنست که د]ر قرانْ عَلام الغیُوبْ جَهار جَای اَست وَ هَمه بَایان سَطرسْت [بیست نهم آنست که آ]خِر هَمَه نیم سُبْعِهَا آخر سَطَرست سیّوُمْ سَرجملَت سُورَهَا.... است سی‌ویَکمْ آنستْ سُورة مَریَم باَول وَرَق آوردَه اَسْتْ [سی ودوم]......؟ ـرفْ کُور نیست سی‌سوُمْ آنسْت کِه هیحْ کَلِمه بُرنَامْـ..... دیکر اوفتَذ کِه نیم کلمه بَایانِ سَطری بَاشَذْ وَ نیمه دِکر [اول سطری دیگر باشد /

۱۱۰

افتد و]اَز سَببِ ان بزر نوشْتم انج دَر اَول سَطرست وَ آنج د[ر بایان] سطرست تا هر کسی ظاهِر می‌بینَذ. انظر الصورة رقم: (٩).

نصّ القواعد العربية في قرآن محمّد الزنجاني التي أوردها في نسخته من المصحف:

ورد یایها [الناس في إحدی و] عشرین موضعا والکل فی اوایل السطر السابع عشر ورد اسم محمّد فی اربعة مواضع واسم احمد فی موضع واحد والکل اول السطر الثامن عشر ورد کـ[ـن فیـ]ـکون فی ثمانیة مواضع والکل فی اواخر السطور التاسع عشر و[رد غـ]ـفور رحیم فی ثلثة واربعین موضعا والکل فی اواخر السطر العشرون ورد.... فی اربعة عشر موضعا والکل خواتم الـ[ـسطور الحادي والعشرون] ورد سمیع علیم فی ستة عشر موضعا والکل فی اواخر [السطر] الثانی والعشرون ورد عزیز حکیم فی ثلثة عشر موضعا والکل فی اوا[یل الـ]ـسطور الثالث والعشرون آخر کل السبع آخر السطر الرابع والعشرون ورد ترجع الامور فی ستة مواضع وتصیر الامور فی موضع واحد والکل فی اواخر السطر الخامس والعشرون قوله بکل شی علیم فی احدعشر موضعا وقوله بکل شی علیما فی موضعین والکل فی اواخر السطر السادس والعشرون قوله علیم بذات الصدور ورد فی اثنی عشر موضعا وهی فی اواخر السطور السابع والعشرون قوله یتوکلون فی خمـ[ـسة مو]اضع وقوله المتوکلون فی ثلثة مواضع وقوله المتوکلین فی موضع و[احد والکل] فی اواخر السطر الثامن والعشرین علام الغیوب [ورد في أربعه مواضع] والکل فی اواخر السطر التاسع والعشـ[ـرون موضع أنصاف الأسباع في] آخر السطر الثلثون موضع ا[بتداء...... في جمیع القرآن] الحادی والثلثون اول سورة مریم وقع فی اول الصفحة الثانی والثلثون..... الثالثة والثلثون لم یقسم الکلمة فی اول سطر

۱۱۱

الثانی ثم هذه... انظر الصورة رقم: (١٠).

د: قرآن زرّين قلم في مكتبة تشستربيتي، النسخة رقم: (١٤٣٨ Is):

كتبت هذه النسخة سنة (٥٨٢هـ) في تسعة عشر سطراً بيد الخطّاط عبد الرحمن بن أبي بكر بن عبد الرحمن الكاتب الملكي المعروف بـ: (زرّين قلم). هذا وإنّ عنوان: (الكاتب الملكي) يدلّ علىٰ أنّه آنذاك كان يعمل في بلاط أحد ملوك السلاجقة، وما توشّح به من لقب: (زرّين قلم) يدلّ علىٰ مهارته في كتابة القرآن وسائر النصوص الإسلامية. وخلافاً للنسخ الثلاثة المذكورة آنفاً، فقد كُتب نصّ القرآن في هذه النسخة بخطّ النسخ، سوىٰ البسملات في بدايات السور حيث كتبت بالخطّ الكوفي. وبالرغم من عدم توفّر المعلومات لدينا عن شرح قواعد الكاتب في نهاية النسخة، ولكن يتبيّن من خلال دراسة نصّ النسخة أنّ (زرّين قلم) قد استفاد في قرآنه من جميع قواعد محمّد الزنجاني ومن قواعد كاتب النسخة رقم: (٢٢٢٤) في مكتبة آستان قدس رضوي. فإنّه فضلاً عن اختتامه كلّ صفحة من القرآن بآية، ودرجه كلّ جزء من القرآن بعدد معيّن من الصفحات، قد قام بتمييز بعض الكلمات والتعابير القرآنية ـ التي كثيراً ما تتكرّر في القرآن ـ بالقلم الذهبي، سواء في بداية السطر أو وسطه أو نهايته. انظر الصور رقم: (١١و١٢).

۱۱۲

۱۱۳

۱۱۴

۱۱۵

۱۱۶

۱۱۷

۱۱۸

۱۱۹

۱۲۰

۱۲۱

۱۲۲

۱۲۳

۱۲۴

۱۲۵

۱۲۶

المصادر

١ـ آیینه مآثیر: گزیده‌ای از آثار مرکز دائرة المعارف انسان شناسی، تدوین: محمّد صادق محفوظي وسیّد محمّد تقي هاشمیّان، قم: نشر مجمع ذخائر إسلامی، ١٣٨٧ش/ ٢٠٠٩م.

٢ـ فهرستگان نسخه های خطی إيران (فنخا): إعداد: مصطفىٰ الدرايتي، نشر: سازمان اسناد وكتابخانه ملي جمهورى إسلامي: قم، الطبعة الأولىٰ، ١٣٩٠ش.

٣ـ مصحف ایران: سیّد محمّد باقر النجفي، طهران، موسّسة نشر شهر، وکلن، انتشارات مانوسکا، ١٣٨٠ش.

٤ـ مجلّة آینه پژوهش: العدد: ١٨٤، مهر وآبان ١٣٩٩ش، مقالة كريمي نيا (نسخه‌ شناسی مصاحف قرآنی (١٠): قرآن کوفی: (٤٢٨٩) در موزه ملّی ایران، ودیگر پاره مسروقه آن در موزه پارس (شیراز): طغیان علیه (کتابت پیوسته) در قرآن نویسی کوفی).

٥ـ مجلّة تراثنا: العدد: ١٤٧، السنة: ١٤٤٢هـ.

٦- Jan Just Witkam, “Twenty-nine rules for Qur’an copying: A set of rules for the lay-out of a nineteenth-century Ottoman Qur’an manuscript,” in: Jan Schmidt (ed.), Essays in honour of Barbara Flemming vol. ٢ = Journal of Turkish Studies, vol. ٢٦/١ (٢٠٠٢), pp. ٣٣٩-٣٤٨.

۱۲۷

موقف الشيخ عبد المحسن اللويمي الأحسائي

من الاختلاف الأخباري والأصولي في عصره

حسين هاني المعيوف

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدّمة:

عند قراءة التطوّر التاريخي للمدارس الشيعية، فإنّ أهمّ ما سيجده القارئ خلال الحقبة الزمنية الممتدّة من القرن الحادي عشر إلىٰ القرن الثالث عشر الهجريّين هو الخلاف الفكري الذي احتدم بين علماء المدرسة الأخبارية وعلماء المدرسة الأصولية، حول الطريق الصحيح لاستنباط الحكم الشرعي وآليات تصحيح الأخبار والمرويّات.

وكانت آثار هذا الخلاف والاختلاف بين المدرستين تتفاوت شدة وضعفاً، وكمّاً وكيفاً، باختلاف الأوقات والظروف.

وكان لظهور الشيخ الوحيد البهبهاني (ت ١٢٠٦ هـ) ولتلامذته من بعده في القرن الثاني عشر الهجري دور كبير في تقوية المنهج الأصولي، وفي الجهة الأخرىٰ كان لوفاة الشيخ يوسف البحراني (ت ١١٨٦ هـ) دور في إضعاف المنهج الأخباري في ذلك القرن.

۱۲۸

إلّا أنّ النزاع بين المدرستين لم يقِف آنذاك، بل استمرّ قويّاً خلال القرن الثالث عشر الهجري أيضاً، فكان لهذا الأمر رموزه وأحداثه.

وتحاول هذه الوريقات المختصرة دراسة موقف ومنهج أحد أعلام ذلك القرن، وهو الشيخ عبد المحسن اللويمي الأحسائي (ت ١٢٤٥ هـ) من هذا النزاع المحتدم في عصره.

والغاية من بيان موقفه ومنهجه هو اتّخاذه أنموذجاً لمعرفة الحالة الفكرية والنفسية آنذاك بين علماء إقليم البحرين القديم(١) في تقبّل هذا الخلاف الفكري وآلية التعامل معه، وذلك بملاحظة أنّ اللويمي زعيم ديني في عصره، ومرجع كبير يرجع إليه الكثير من أهالي ذلك الإقليم في أحكامهم الفقهية وأمورهم الشرعية، ولذا لابدّ أن يكون لمنهجه أتباع ومؤيّدون، وهذا ما سيتبيّن فعلاً في السطور القادمة.

التعريف بالشيخ اللويمي(٢):

هو الشيخ عبد المحسن بن الشيخ محمّد بن الشيخ مبارك بن ناصر بن محمّد ابن ناصر بن حسين اللويمي الأحسائي، من كبار علماء عصره.

ولد في الأحساء، وتتلمذ علىٰ يد عدد من الأعلام وله الإجازة من بعضهم، فهو يروي عن السيّد محمّد مهدي بحر العلوم (ت ١٢١٢ هـ)، والسيّد ميرزا

__________

(١) المشتمل بصورة أساسية على المناطق الثلاث: هجر، والخطّ، وأوال. أو ما يعرف الآن بالأحساء والقطيف ومملكة البحرين.

(٢) أعلام هجر ٢/٢٧٠ـ٢٨٢، ترجمة رقم (٧٧).

۱۲۹

مهدي الشهرستاني (ت ١٢١٦ هـ)، وغيرهم.

هاجر من الأحساء إلىٰ بلاد فارس أوائل القرن الثالث عشر الهجري، واستقرّ في مدينة سيرجان، وكان تاريخ ورودها إليه سنة (١٢١٨ هـ) فأسّس في أرضها مسجداً ومدرسة علمية، وقد توفّي بها سنة (١٢٤٥ هـ) وقبره في سيرجان لا يزال حتّىٰ هذا اليوم مشيّداً عامراً.

وقد ترك عدداً من المؤلّفات العلمية، منها:

ـ بداية الهداية في علم التجويد.

ـ التحفة الفاخرة في ذكر مصائب العترة الطاهرة.

ـ جامع الأصول عن أهل الوصول.

ـ أحوال الرواة.

ـ النهج القويم والصراط المستقيم.

وغيرها من المؤلّفات.

ومن تلامذته:

ـ الشيخ سليمان بن الشيخ أحمد آل عبد الجبّار القطيفي (ت ١٢٦٦ هـ).

ـ الشيخ علي بن الشيخ محمّد الرمضان الأحسائي.

ـ الشيخ أحمد مال الله الصفّار (كان حيّاً سنة ١٢٦٥ هـ).

ـ ابنه الأكبر الشيخ علي اللويمي (كان حيّاً سنة ١٢٥٤ هـ).

منهج اللويمي الاستنباطي:

يتبيّن بجلاء من خلال مراجعة المصنّفات الفقهية الاستدلالية للشيخ اللويمي، والتي جلّها مؤلّفات مخطوطة، ومنها: كتابه الكبير والواقع في ثلاثة

۱۳۰

مجلّدات: (النهج القويم والصراط المستقيم)، تبنّيه للمنهج الأصولي، فهو يقرّر في كتابه هذا أنّ أدلّة الشرع أربعة علىٰ طريقة الأصوليّين، وهي: الكتاب، والسنّة، والعقل، والإجماع(١).

وكذا يقرّر أنّ أصول الفقه هي: «مجموع طرق الفقه ـ علىٰ سبيل الإجمال ـ وكيفية الاستدلال، وكيفية حال المستدلّ بها. والطريق هو الذي يكون النظر الصحيح فيه مفضياً إمّا إلىٰ العلم بالمدلول أو إلىٰ الظنّ به، والمدلول هو الحكم الشرعي»(٢).

وقد قررّ أحد تلامذته، وهو ابنه الأكبر الشيخ علي اللويمي أنّ طريقته في أخذ الدليل في الاستنباط قريبة من طريقة المحقّق يحيىٰ بن سعيد الهذلي الحلّي (ت ٦٨٩ هـ)(٣).

وقررّ تلميذه الآخر وهو الشيخ أحمد بن مال الله الصفّار أنّ طريقته الظاهرة من حاله وسيرته هي: «عدم العمل بكلّ ما روي، وعدم الطرح بكلّ ما دُري»(٤).

وكلا التقريرين يدلّان بشكل أو بآخر علىٰ تبنّيه للمنهج الأصولي.

__________

(١) النهج القويم والصراط المستقيم المجلّد الأوّل (مخطوط بجامعة طهران، برقم ١٥٥): الورقة: ٥٦.

(٢) نفس المصدر: الورقة: ٥٦.

(٣) الرواشح السبحانية في أجوبة المسائل الأرجانية (مخطوط بالمكتبة الملكية برلين برقم: ١٨٧٧): الورقة: ٣٤.

(٤) الإفاضة الرحمانية في جواب المسائل الأرجانية، المطبوع في مجلّة تراثنا، العدد (١٥١)، تحقيق: أحمد عبد الهادي المحمد صالح: ٢٨٥.

۱۳۱

منهج اللويمي الاعتدالي من الخلاف الأخباري والأصولي:

تمت الإشارة آنفاً إلىٰ أنّ الخلاف بين المدرستين الأخبارية والأصولية كان له حضوره في القرن الثالث عشر الهجري، وقد تفاوتت طرق التعامل مع هذا الخلاف بين العلماء، وأمّا محور هذه المقالة وهو الشيخ اللويمي فكان معتدلاً في تعاطيه ومنهجه من ذلك النزاع العلمي والعلمائي ـ إن صحّ التعبير عنه بذلك ـ فرغم تبنّيه لأحد المنهجين، إلّا أنّه لم يكن متعصّباً لذلك المنهج ومُحارباً لغيره من الطرق والمناهج، بل كان رافضاً لأيّ صورة من صور التعصّب وما شاكلها فيما يتعلّق بذلك، ويمكن إثبات أنّه صاحب منهج اعتدالي في تعاطيه مع ذلك النزاع في عصره بتقديم ثلاثة شواهد:

الشاهد الأوّل: صلته القوية بعلماء الأخباريّين:

وتأتي أهمّية هذا الشاهد بملاحظة ما كان في ذلك العصر من بعض المتعصّبين من كلا المنهجين، الذي كان تعصّبهم يقودهم إلىٰ ضرورة قطع الوشائج والعلائق بشكل كلّي مع من يخالف منهجهم، حيث أشارت لهذا جملة من مؤلّفات تلك الحقبة(١).

وأمّا ما يدلّل علىٰ قوّة صلة اللويمي بعلماء الأخباريّين، تتلمذه لدىٰ زعيم المحدّثين في عصره الشيخ حسين آل عصفور البحراني (ت ١٢١٦ هـ) في بلاد البحرين، بل ولديه منه إجازة(٢)، وكذلك تتلمذه لدىٰ الشيخ محمّد بن الشيخ

__________

(١) الرواشح السبحانية في أجوبة المسائل الخراسانية: ٢٩ـ٣٠.

(٢) وقد أشار اللويمي لهذه الإجازة في عدد من مؤلّفاته، منها ما أورده في إجازته الكبيرة

۱۳۲

علي العيثان الأحسائي (ت ١٢١٨ هـ) والذي كان من كبار علماء المدرسة الأخبارية.

وقد نقل الشيخ علي اللويمي في رسالته المخطوطة: (الرواشح السبحانية) ما يدلّل علىٰ متانة العلاقة بين والده الشيخ محمّد وعلماء الأخبارية.

فقد نقل: إنّ والده عندما كان مقيماً في البحرين كان دائماً ما يقتدي بالشيخ حسين في صلاة الجمعة والفجر، وأمّا في الصلاة الثلاثية والرباعية، فقد كان الشيخ حسين يرىٰ الجهر بالتسبيح، واللويمي يرىٰ الإخفات وإنّ الجهر يبطل الصلاة، ولذا في هذه الصلوات لم يكن يقتدي به؛ للاختلاف الفقهي في المسألة عند الطرفين.

إلّا أنّه كان يأتي لمسجده، فحينما يأتي الوقت للصلاة الثلاثية أو الرباعية، يقول الشيخ حسين لمقلّديه: أخلوا للشيخ عبد المحسن شطراً من الصفّ بقدر ما يصلّي فيه هو ومن يقلّده، حتىٰ لا يتحقّق الفصل ما بين المصلّين بما هو أكثر من العرف(١).

فلم يكن الشيخ حسين ـ وهو إمام المسجد وصاحب الزعامة ـ يبدي ردّة فعل هجومية أو ما شابه ذلك، بل علىٰ العكس تماماً ممّا يثبت قوّة الصلة بين الطرفين رغم وجود الاختلاف في الرأي، فالكلّ يكنّ الاحترام والتقدير للطرف الآخر.

__________

لعدد من تلامذته، وكذلك ما أورده في كتابه المخطوط: (أحوال الرواة): الورقة ٢٢٤.

(١) الرواشح السبحانية في أجوبة المسائل الأرجانية (مخطوط بالمكتبة الملكية برلين برقم: ١٨٧٧): الورقة ٤٠.

۱۳۳

وكذلك نقل الشيخ علي اللويمي في رسالته سابقة الذكر أنّ الشيخ حسين وكذلك الشيخ محمّد العيثان كانوا يكثرون من الثناء علىٰ والده في المجالس والمحافل، والشيخ عبد المحسن كان الآخر يطري عليهما بالثناء والمدح ويذكر ما لهما من الفضل والمعرفة، ونصّ علىٰ هذا قائلاً: «ولم يظهر منهما له أثر الاختلاف، بل ظهر شدّة الائتلاف... وإطراؤهما له في المجالس والمحافل، وإبانة فضله بين العلماء الأماثل، وكذلك الشيخ ـ رحمه‌الله ـ يذكر فضلهما، ويطري ذكرهما»(١).

فلم يكن الاختلاف المنهجي بينهم يدعوهم إلىٰ إنكار فضل من يختلفون معه، بل كانوا علىٰ صلة قوية، وعلاقة علمية متينة.

الشاهد الثاني: ما نقله تلميذه الشيخ أحمد بن مال الله الصفّار:

حيث نقل في رسالته: (الإفاضة الرحمانية) أنّه سمع من أستاذه اللويمي أنّه ينقم علىٰ من يتكلّم علىٰ العلماء الأخباريّين والأصوليّين، وعمّن يثير هذه النزاعات.

كما سمع منه شفاهاً حكاية تؤكّد هذا المعنى، ومضمونها: أنّ الشيخ كان في كربلاء مع أستاذه الشيخ محمّد العيثان الأحسائي، فذهبوا إلىٰ بيت العالم الكبير الميرزا مهدي الشهرستاني (ت ١٢١٦ هـ) لغرض زيارته، فكان في بيته العالم الشهير الميرزا السيّد محمّد الأخباري (ت ١٢٣٢ هـ)، وأحد تلامذة السيّد علي الطبطبائي (ت ١٢٣١ هـ)، فجرىٰ بين هذا التلميذ والميرزا الأخباري كلام كثير وقدح؛ بسبب الاختلاف في المسلك.

__________

(١) نفس المصدر: الورقة ٤٠.

۱۳۴

وكانا يتحدّثان بالفارسية، ولم يكن الشيخ اللويمي آنذاك يتقن الفارسية، إلّا أنّه فهم من المقام أنّ كلامهما كلام قدح غير لائق بالعلماء، وقد أخرج كلّ واحد منهما مصنّفاً له فيه ردّ علىٰ الآخر.

فلمّا رأىٰ اللويمي ذلك أخذه الغضب والحمية لرأيه: أنّ هذا ليس من دأب العلماء، فقام وأخذ كتبهم ومزّقها، وقال: إنّ فعلكم هذا غير جائز، بل هو حرام؛ لأنّه أذية للإمام وأنتم بجواره وافتراء علىٰ العلماء؛ لأنّ ليس بينهم اختلاف يوجب هذا ولا بعضه، فالكلّ بذل جهده في استخراج الأحكام، فإذا كان الرجل عادلاً وراوياً لأحاديث أهل البيت، ناظراً في الحلال والحرام، عارفاً بالأحكام، فله أن يعمل بما يؤدّي إليه نظره فلا معنىٰ لهذا التشنيع والقدح، فخرج السيّد مهدي وسمع بذلك، فاستحسن قول وفعل الشيخ اللويمي(١).

ومن خلال هذه الحكاية يتبيّن ما أسلفناه من أنّ الشيخ كان رافضاً لكلّ شكل من أشكال التعصّب، ورافضاً لما يمكن أن يكون تشنيعاً علىٰ الآخر، فلا يوجد بين المسلكين ما يوجب هذا التعصّب والتشنيع، فللكلّ أن يعمل برأيه وما أوصله إليه نظره، ما دام قد سلك في هذا الطريق الصحيح من معرفة الحلال والحرام.

الشاهد الثالث: الاشتباه في طريقته الاستنباطية:

ففي أواخر حياة الشيخ اللويمي، أرسل إليه أحد طلبة العلم وهو الملا محمّد

__________

(١)الإفاضة الرحمانية في جواب المسائل الأرجانية، المطبوع في مجلّة تراثنا، العدد (١٥١)، تحقيق: أحمد عبد الهادي المحمد صالح: ٢٨٥- ٢٨٧.

۱۳۵

علي الأرجاني مسائل عدّة بغرض الإجابة عنها، وكان من أهمّها السؤال عن الفرق بين الأخباريّين والأصوليّين، وفي خاتمة هذه المسائل يقول الأرجاني: إنّه قد بلغني أنّك ترىٰ رأي الأخباريين(١).

ومحلّ الشاهد هنا هو أنّه لو كان الشيخ كثير الثلب أو القدح علىٰ الأخباريّين لما أمكن الاشتباه في طريقته، وكذلك لو كان منهجه هو دائماً نصرة الآراء الأصولية بتعصّب لما أمكن الاشتباه كذلك، وأن يشاع مثلاً أنّه يرىٰ رأي الأخباريّين، ويبلغ ذلك الملّا الأرجاني فيسأله عن ذلك برسالة، فالاشتباه لا يكون هنا ـ رغم تبنّي الشيخ للمنهج الأصولي ـ إلّا بسبب اعتداله وعدم القدح في الغير.

الخاتمة:

فممّا سبق لا يبقىٰ شكّ أنّ اللويمي كان معتدلاً فيما يتعلّق بهذا الخلاف الذي جايله وعاصره، وقد امتدّ تأثيره علىٰ تلامذته ومريديه، ومنهم تلميذه الشيخ أحمد ابن مال الله الصفّار، الذي أجاب عن مسائل الملّا الأرجاني، حيث لم تصل تلك المسائل إلّا وقد توفّي الشيخ عبد المحسن.

وقرّر الصفّار في إجابته أنّه لا خلاف في البين، كما ألّف في ذلك رسالة معنونة بـ: (غاية نيل السؤول في الجمع بين أهل الأخبار والأصول)، جاء في مقدّمتها: «إنّه قد اشتهر في هذه الأعصار بين علماء الإمامية ـ غفر الله لهم أجمعين ـ اختلاف كثير، أوجب افتراقهم فرقتين، وتسمية كلّ فرقة منهم الأخرىٰ باسم، فواحدة

__________

(١) نفس المصدر: ٢٨٥.

۱۳۶

سُمّيت بالأخبارية والأخرىٰ بالأُصولية، وسبّ جهّال كُلّ فرقة منهم الأخرىٰ وتكفيرها، وسبّ العلماء الراشدين، وحملة السنّة والكتاب المبين، من المتقدّمين والمتأخّرين، فاشتهر ذلك بين الخاصّ والعامّ، حتّىٰ صار حديثاً تتحدّث به رعاة الأنعام، لكنّ ذو العقل القويم والطبع المستقيم يعرف أنّ ذلك ليس من دأب العلماء، الذين ورد فيهم أنّهم ورثة الأنبياء، وأنّ مدادهم أفضل من دماء الشهداء، بل دأب من هواه غالب ولدنياه طالب طلباً للرئاسة، وهو لم يكن من أهلها، وطمعاً في السياسة وهو لم يبلغ محلّها، فلمّا اشتهر ذلك في البلاد وظهر بسببه الفساد، وضعت هذه الرسالة الموسومة بـ: (نيل السؤل في الجمع بين أهل الأخبار والأصول) مبيّناً فيها سبب هذا الخلاف وما لأجله سمّيت كلّ فرقة باسم، موضّحاً أن ليس في الحقيقة خلاف، مبرهناً علىٰ ذلك بما لا شكّ فيه ولا شبهة تعتريه، محرّراً بعض القواعد التي مرجع كُلّ إليها ومعوّلهم عليها، علىٰ سبيل الإجمال من غير تطويل، بإيراد الدليل، مبيّناً أنّ الطريقة واحدة متّفقة معنىٰ، وإن اختلفت تسميةً»(١).

وقد أوردها كاملة ضمن رسالته: (الإفاضة الرحمانية)، وأشار إلىٰ أنّ طريقته الوسطىٰ هذه إنّما أخذها من طريقة أستاذه(٢). ولا شكّ أنّ هذا المنهج الاعتدالي له صور كثيرة، يطول بحصرها المقام، وهو ممّا يعكس طبيعة التعايش بين العلماء حتّىٰ عندما يكون الاختلاف في الآراء موجوداً وحاضراً.

__________

(١)نفس المصدر:٢٤٥-٢٤٦.

(٢) نفس المصدر: ٢٨٥.

۱۳۷

المصادر

١-أعلام هجر: مؤسّسة أمّ القرى، الطبعة الثانية ١٤١٨ هـ

٢-الرواشح السبحانية في أجوبة المسائل الأرجانية (مخطوط بالمكتبة الملكية برلين برقم: ١٨٧٧). الإفاضة الرحمانية في جواب المسائل الأرجانية: مقال في مجلّة تراثنا، العدد (١٥١)، السنة الثامنة والثلاثون، تحقيق: أحمد عبد الهادي المحمّد صالح.

٣-الرواشح السبحانية في أجوبة المسائل الخراسانية: تحقيق: علي آل جساس، دار المرتضى، الطبعة الثانية ١٤٤١ هـ.

٤-النهج القويم والصراط المستقيم (مخطوط بجامعة طهران، برقم ١٥٥).

۱۳۸

تاريخ الحوزات العلمية والمدارس الدينية عند الشيعة الإمامية

(تاريخ الحوزة العلمية في قزوين)

(٣)

الشيخ عدنان فرحان القاسم

لقد تناولنا في الأعداد السابقة ـ الفصل الأوّل ـ مدينة قزوين وأهمّيّتها الجغرافية والسياسية والعلمية، ودخول الإسلام لها والعوامل التي أدّت إلىٰ انتشار التشيّع فيها ـ الفصل الثاني ـ أدوار حوزة قزوين العلمية (الدور الأوّل والثاني) ونستأنف البحث هنا...

الدور الثالث

(دور التكامل والتجذّر)

المبحث الأوّل: الامتداد الزمني لحوزة قزوين وأهمّ أحداثها في دورها الثالث:

استوعبت هذه الدورة ثلاثة قرون من الزمن (الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر الهجري) بحسب بعض الباحثين(١).

وعاصرت هذه الفترة الطويلة ظهور وأفول دول وحكّام؛ حيث أعقبت زوال الدولة الصفوية وظهور الزندية ثمّ الأفشارية بقيادة نادر الدين أفشار، ثمّ حكم الدولة القاجارية، ومن بعدها الدولة الپهلوية الشاهنشاهية، إلىٰ حين

__________

(١) حوزه‏هاى علميه شيعه در گستره جهان: ٥٣٧.

۱۳۹

سقوطها وقيام الدولة الإسلامية.

وقد مرّ بنا سابقاً الحديث عن الأحداث والوقائع التي رافقت قيام وسقوط هذه الدول والحكومات في محلّها المناسب من مجلّدات هذه الموسوعة(١)، ولا نكرّر ما قلناه سابقاً إلّا بمقدار ما يتّصل بموضوع بحثنا في هذا الدور، والأحداث التي رافقته؛ ومن ملامح هذا الدور:

أوّلاً: الأسر العلمية في قزوين:

ظهرت في بلاد الريّ وقزوين أسر علمية جليلة كان لها دورها في نشر وترويج العلوم الإسلامية ومذهب أهل البيت في هذه المنطقة والمناطق المجاورة لها؛ وامتدّت هذه الأسر من أجيالها المتعاقبة حيث توارثو العلوم كابراً عن كابر.

وقد تحدّثنا عن هذه الأسر في بلاد الري في ثنايا حديثنا عن تاريخ حوزة الري العلمية، ومن هذه الأسر العلمية القزوينية:

١ـ أسرة آل الجعفري: وهي من أقدم الأسر العلمية العريقة، وقد لجؤوا إلىٰ قزوين هرباً من بطش بني أميّة، ثمّ انتهت إليهم إمارة قزوين وهم من سلالة جعفر بن أبي طالب(٢). ولا زالت هذه الأسرة الكريمة باقية من خلال أكابر علمائها.

٢ـ أسرة آل الزينبي: وهي من مشاهير الأسر العلمية في قزوين، واشتهروا بنسبتهم إلىٰ زينب الكبرىٰ وهم من ذرّية عبد الله‏ بن جعفر بن أبي طالب ونبغ فيهم زعماء وأمراء وعلماء أعلام(٣).

٣ـ أسرة آل حاتم القزويني: وهي من أقدم الأسر العلمية القزوينية، بزغ

__________

(١) انظر: تاريخ الحوزات العلمية ٧ / ٢٣١ وما بعدها؛ و ٨ / ٢٥١ وما بعدها؛ تاريخ حوزة طهران مخطوط.

(٢) دائرة المعارف الإسلامية الشيعية ١٨ / ٣٨، مقالة (قزوين) بقلم عبد الحسين الصالحي.

(٣) نفس المصدر ١٨ / ٣٩.

۱۴۰

بدرها في قزوين ونبغ منها أكابر العلماء والفقهاء والمحدّثين(١).

٤ـ أسرة آل أبي غانم: وتعدّ هذه الأسرة من أقدم الأسر العلمية الشيعية في قزوين، ومنها نزحوا إلىٰ سامراء وبغداد وانتشروا هناك(٢).

٥ـ أسرة آل بويه: وهي من الأسر الشيعية الحاكمة في العالم الإسلامي ومن الأسر العلمية التي طار صيتها في قم وبلاد الري وقزوين، وهم من بلاد الديلم من ضواحي قزوين(٣).

٦ـ أسرة آل الحمداني: وهي من أعرق الأسر العلمية الشيعية الشهيرة التي بزغ نجمها في أفق قزوين، ونبغ فيها جمع من مشاهير العلماء والمحدّثين(٤).

٧ـ أسرة آل صاحب النقض: وتعدّ هذه الأسرة من مشاهير الأسر العلمية القزوينية العريقة، واشتهرت بعنوان: (كتاب النقض) للشيخ الجليل أبي الحسين ابن أبي الفضل القزويني(٥).

٨ـ أسرة آل العجلي: من أشهر البيوت والأسر العلمية الشيعية في قزوين، ونبغ منها علماء وأدباء كبار، نزح بعضهم إلىٰ الكوفة والحلّة وتفرّعوا إلىٰ فروع وبطون عديدة انتهت اليهم الزعامة الروحية في قزوين(٦).

٩ـ أسرة آل أبي اللجيم: وهي فرع من أسرة آل العجلي، ومن الأسر العلمية القزوينية، وكانوا من البيوت المناهضة للإسماعيلية النزارية ولهم مناظرات معهم(٧).

١٠ـ أسرة آل الطالقاني: وتعدّ هذه الأسرة من أقدم الأسر العلمية في قزوين،

__________

(١) نفس المصدر ١٨ / ٣٩.

(٢) نفس المصدر ١٨ / ٣٩.

(٣) نفس المصدر ١٨ / ٣٩.

(٤) نفس المصدر ١٨ / ٣٩.

(٥) نفس المصدر ١٨ / ٣٩.

(٦) نفس المصدر ١٨ / ٤٠.

(٧) نفس المصدر ١٨ / ٤٠.

۱۴۱

وهم من بقايا آل بويه ومن ذرّية عضد الدولة بن بويه الديلمي، ومن أشهر رجال هذه الأسرة في القرن الحادي عشر في قزوين الشيخ محمّد كاظم الطالقاني المتوفّىٰ سنة (١٠٩٤ هـ)، زعيم الحوزة العلمية في قزوين ومؤسّس مدرسة النوّاب(١)؛ ومن أولاده وأرشدهم الخواجه نوّاب وهو أبو أسرة آل النحوي في النجف الأشرف والحلّة، وثاني أولاده الشيخ محمّد مؤمن أبو أسرة آل النحوي في قزوين، وثالثهم الشيخ جعفر الطالقاني أبو أسرة آل البرغاني في كربلاء وقزوين؛ ونبع من هذه الفروع الثلاثة أدباء وشعراء وعلماء(٢) مرّت تراجم بعضهم، ويأتينا تراجم بعضهم الآخر.

١١ـ أسرة آل القزويني: وهي من أشهر الأسر العلمية الشيعية، وهم من السادة الحسينيّين من ذرّية أمير الحاجّ السيّد مير قاسم ابن السيّد مير محمّد باقر القزويني الحسيني، الذي خلّف أربعة ذكور، وهم: السيّد ميرمحمّد القزويني جدّ سادات آل القزويني في النجف الأشرف، والسيّد مير حسين القزويني جدّ سادات آل القزويني في الحلّة والهندية، والسيّد مير محمّد رضا جدّ سادات القزاونة في قزوين الذين يعرفون بآل التقوي. ونبغ من هذه الفروع الأربعة في كلّ من إيران والعراق علماء وشعراء وأدباء ولا يزالون يعرفون باسم موطنهم الأصلي قزوين(٣).

١٢ـ أسرة آل المستوفي: ويقال لها أيضاً آل فخر الدولة؛ وهي من الأسر العلمية العريقة في قزوين ويرجع نسبها إلىٰ بني رياح بطن من بني تميم، وهي من الطوائف الشيعية في قزوين؛ وقد أنجبت كثيراً من العلماء والزعماء والأمراء، من أشهرهم زين الدين أبو نصر ابن فخر الدولة أبو منصور الذي عيّنه السلطان محمود مستوفياً علىٰ قزوين فاشتهرت هذه الأسرة بـ: (آل المستوفي)؛ ومن أشهر

__________

(١) أمل الآمل ٢ / ٢٩٥.

(٢) دائرة المعارف ١٨ / ٤٠.

(٣) نفس المصدر ١٨ / ٤٠.

۱۴۲

علماء هذه البيوت المؤرّخ الشهير الشاعر حمد الله‏ المستوفي صاحب كتاب نزهة القلوب وتاريخ گزيده، المتوفّىٰ سنة (٧٥٠ هـ)، والذي ذكر في كتابه أنّه من أحفاد الحرّ الرياحي بثماني عشرة واسطة(١)، وقبره في قزوين مشهور يزار(٢).

ثانياً: ظهور التيّارات المتطرّفة:

ظهرت في قزوين جملة من التيّارات الفكرية المتطرّفة والتي كان لها طابعها الديني، وتنسب إلىٰ المذهب الشيعي، وكان لها أثرها في الساحة الفكرية والعلمية والحوزوية؛ ومن هذه التيّارات:

أ: ظهور الإسماعيلية النزارية:

وكان ظهور هذه الحركة في بداية القرن الخامس الهجري، وفي حقبة زمنية سبقت الامتداد الزمني لهذا الدور الثالث من أدوار الحوزة العلمية في قزوين، إلّا أنّ الآثار الفكرية والدينية لهذه الحركة استمرّت إلىٰ العصر القاجاري.

يقول المؤرّخ عبد الحسين الصالحي: «من أهمّ حوادث قزوين ظهور الإسماعيلية النزارية في اَلَموت ـ من ضواحي قزوين البعيدة ـ وذلك في رجب سنة (٤٨٣ هـ)، حيث استقرّ حسن الصباح في اَلَموت ـ إحدىٰ قمم جبال البرز في ناحية قزوين ـ وقيامه في قلعته المشهورة الباقية آثارها إلىٰ اليوم؛ وفتح رودبار واَلَموت وامتدّت إمارته إلىٰ الطالقان وقسم من الديلم، وبقيت هذه الإمارة حتّىٰ سنة (٦٥٤ هـ) حيث سقطت اَلَموت علىٰ يد المغول وانتهت إمارة الإسماعيليّين.

وكان للإسماعيليّين النزاريّين نفوذ داخل قزوين، وكان مركزهم في محلّة (راه ري) وتجمعهم

__________

(١) المستوفي القزويني أحمد بن أتابك، وقيل: أبي بكر حمد بن نصر الشهير بـ: حمد الله‏ المستوفي (ت ٧٥٠هـ).

(٢) دائرة المعارف الإسلامية الشيعية، مقالة (قزوين) ١٨ / ٤٨.

۱۴۳

في مسجد (سنجيده) في قزوين، وكان هذا المسجد أحد مراكزهم حتّىٰ العصر القاجاري»(١).

وممّا يجدر ذكره هنا أنّه كان بين بعض علماء الشيعة الإمامية في قزوين وبين الإسماعيلية سجال فكري وعقائدي، وأخذت هذه السجالات مديات واسعة في التأليف والتصنيف والمحاورات، نجدها في آثار بعض علماء هذا الدور والأدوار السابقة، وقد أشرنا إلىٰ بعضها فيما سبق.

ب: الصراع الأخباري الأصولي في قزوين:

ظهرت الحركة الأخبارية الجديدة علىٰ يد الميرزا محمّد أمين الإسترآبادي المتوفّىٰ سنة (١٠٣٣ هـ) حيث نظر لها وأقام دعائمها في كتابه الشهير الفوائد المدنية، واشتدّ الصراع بين الأخباريّين والأصوليّين في مركز الحوزة العلمية في كربلاء، ثمّ انزوت بوفاة الشيخ يوسف البحراني الدرازي صاحب الحدائق سنة (١١٨٤ هـ) أحد طلّاب هذه المدرسة، حيث انتصر الأصوليّون بزعامة الشيخ الوحيد آقا محمّد باقر البهبهاني المتوفّىٰ سنة (١٢٠٥ هـ)، ثمّ اشتدّ سعار هذه المعركة بظهور الميرزا محمّد الأخباري، والذي كان أكثر تطرّفاً من السابقين عليه من أقطاب هذه الحركة حتّىٰ أدّىٰ تطرّفه إلىٰ مقتله سنة (١٢٣٢ هـ)(٢).

لقد امتدّ شعاع هذا الصراع الأخباري الأصولي في مرحلته الأولىٰ إلىٰ قزوين وحوزتها العلمية، حيث: «تزعّم الحركة الأخبارية في قزوين الآخوند ملّا خليلا القزويني الأخباري المتطرّف المتوفّىٰ سنة (١٠٨٩ هـ)»(٣)، والذي تخرّج عليه جماعة من علماء وفضلاء حوزة قزوين وكان له أنصار وأعوان متطرّفون في قزوين، فانقسمت قزوين وحوزتها العلمية انقساماً حادّاً، جغرافيّاً وفكريّاً، إذ أصبح الجزء الشرقي من المدينة يسكنها الأصوليّون، والجزء الغربي يسكنه الأخباريّون، ويفصل بينهما نهر

__________

(١)دائرة المعارف الإسلامية الشيعية ١٨ / ٤٩.

(٢) للتوسّع انظر: تطوّر حركة الاجتهاد عند الشيعة الامامية: ٣٩٩ وما بعدها.

(٣) دائرة المعارف الإسلامية الشيعية ١٨ / ٤٩.

۱۴۴

يعرف بنهر السوق (رودخانه بازار)؛ وكان الملّا خليلا القزويني يسكن في الضفة الغربية مع تلامذته وأنصاره وله فيها داره ومدرسته التي بقيت آثارها حتّىٰ اليوم؛ وعرفت محلّته حتّىٰ العصر الحاضر باسم محلّة الآخوند، أي: الآخوند ملّا خليلا.

وكان لهذا الصراع (الأخباري الأصولي) آثاره السلبية علىٰ الحركة العلمية، حيث سيطر هذا الصراع علىٰ التفكير الدراسي ـ في الحوزة العلمية ـ حتّىٰ أنّ الطالب الديني الأخباري أصبح يجاهر بتطرّفه ويغالي في معتقده، فلا يحمل مؤلّفات وكتب علماء الأصوليّين إلّا بمنديل خوفاً من أن تتنجّس يده من ملامسته جلد الكتاب الجافّ!! وكان الأخباريّون يحرّمون التعامل مع الأصوليّين مهما كلّف الأمر... وكانوا يلقّبون علماء الأصوليّين بـ: (علماء ما وراء النهر) وهذا الاسم بمعنىٰ كافر ملحد مهدور الدم(١).

ووقعت حوادث مؤسفه بين الفريقين المتخاصمين من أبناء البلد الواحد، «وكانت تقع بينهم نزاعات مذهبية وحروب دامية؛ وأشهر هذه المعارك هي المعركة المعروفة بـ: (حيدر نعمتي) وكانت الحكومة تتدخّل في كثير من الأحيان فتنصر الأخبارية علىٰ الأصولية»(٢).

وفي سنة (١١٦٥هـ) حلّ في قزوين الشيخ يوسف البحراني الدرازي (ت ١١٨٦هـ) قبل أن يحلّ ويستوطن في كربلاء؛ والشيخ البحراني زعيم الأخباريّين في عصره، ومن فقهاء الشيعة الكبار، وهو صاحب الموسوعة الفقهية الشهيرة بـ: الحدائق الناضرة في فقه العترة الطاهرة)(٣).

ونظراً لمكانته العلمية فقد استقبل من قبل أهالي قزوين استقبالاً حافلاً وحلّ ضيفاً في الضفة الغربية من مدينة قزوين واهتمّ به الأخباريّون.

__________

(١) نفس المصدر ١٨ / ٥٠.

(٢) انظر نفس المصدر ١٨ / ٥٠.

(٣) انظر ترجمته في الطبقات (الكواكب المنتشرة في القرن الثاني بعد العشرة) ٩ / ٨٢٨ـ٨٣١.

۱۴۵

كذلك حضر استقباله آل الطالقاني أكبر الأسرة العلمية في قزوين آنذاك، وفي طليعتهم زعيم الأسرة الشيخ محمّد تقي ابن الشيخ محمّد جعفر الطالقاني القزويني وأولاده... وهم من كبار علماء الأصوليّين في قزوين آنذاك؛ وردّ الزيارة لهم الشيخ البحراني، ثمّ تكرّرت الزيارات وجرت بينهم مناقشات ومناظرات كان آخرها في دار محمّد الملائكة (ت ١٣٠٠هـ) وهو جدّ البرغانيّين في كربلاء وقزوين، إلّا أنّ هذه النقاشات والمناظرات رغم أنّها كانت السبب في عدول الشيخ البحراني عن رأيه وأصبح من علماء الأخباريّين المعتدلين بعد ما كان من الأخباريّين المتطرّفين، ولكنّ هذا النقاش والمناظرة أحدثتا بليّة عظيمة في قزوين، وأخذت تتوسّع هذه البليّة حتّىٰ عمّت سواد الناس من الطائفتين وانتهت بهجوم الأخباريّين علىٰ دار الشيخ محمّد الملائكة وسرق مكتبته ثمّ تسفير الشيخ الملائكة إلىٰ برغان من قبل الحكومة(١).

ج: صراع الشيخية والمتشرّعة في قزوين:

بعد الصراع الأخباري الأصولي ابتليت قزوين وحوزتها العلمية بصراع من لون آخر بين الشيخية والمتشرّعة: «إذ ظهر علىٰ مسرح الصراع الشيخ أحمد الإحسائي (ت ١٢٤١هـ)(٢) وهو مؤسّس الفرقة الشيخية، فانقسمت قزوين إلىٰ فريقين متنازعين؛ الشيخية وخصومهم المتشرّعة ويقال أيضاً (پشت سري) و(بالا سري)»(٣).

عرف الشيخ الأحسائي بكثرة السفر والطواف في البلدان، فقضىٰ حياته متنقّلاً من بلد إلىٰ بلد ومن مدينة إلىٰ أخرىٰ، حتّىٰ قضىٰ نحبه وهو علىٰ مشارف المدينة المنوّرة قبل وصوله إليها وهو في حال السفر إليها، نقل إلىٰ المدينة ودُفن في البقيع مقابل بيت الأحزان(٤).

__________

(١) دائرة المعارف ١٨ / ٥١.

(٢) انظر ترجمته في الطبقات (الكرام البررة) ١٠ / ٨٨.

(٣) دائرة المعارف ١٨ / ٥١.

(٤) الطبقات ٦٠ / ٩٠.

۱۴۶

وكان لإيران ومدنها النصيب الأكبر من سفرات الشيخ الأحسائي، فزار يزد، وإصفهان، وكرمنشاه، ومشهد، وطهران، وطبس، وشاه عبد العظيم، واستقرّ فترة من الزمن في قزوين، وجلس للتدريس وقام بالإمامة في مسجد الشاه، وتقاطر عليه طلّاب الشيخية من كلّ حدب وصوب، وانقسم المجتمع القزويني إلىٰ فريقين بين مؤيّد ومعارض، وكانت الزعامة الدينية في قزوين لأسرة البرغانيّين... فتعالت الأصوات، يستنجدون بهم لوضع حدّ لمظالم الشيخية، وبعد بحث ونقاش طويل بين جمهور العلماء من الفريقين (الشيخية والمتشرّعة) أصدر الشيخ البرغاني فتواه الشهيرة وحكم بكفر الشيخ أحمد الأحسائي وخروجه عن الدين وأنّه ضالّ مضلّ...(١).

د: ظهور البابية وثورتهم في قزوين:

البهائية أو البابية حركة سياسية لها غطاء ودعم دولي؛ اتّخذت من الإسلام ومذهب أهل البيت عليهم‌السلام غطاء لها ولحركتها المشبوهة، وكان منطلقها من إيران، ومن مدينة شيراز تحديداً، ثمّ تغلغلت وانتشرت في المدن الإيرانية الأخرىٰ بدعم مباشر وغير مباشر من حكّام الدولة القاجارية، وكان لقزوين نصيب من نشاطها التخريبي الواسع(٢).

يقول الشيخ الطهراني في ترجمة الشيخ المولىٰ محمّد تقي البرغاني القزويني (ت ١٢٦٣هـ) الشهير بالشهيد الثالث: «وقد ثارت الفرقة البابية في أيّامه وطغت وأفسدت وأراقت الدماء، فوقف المترجم له قبالها موقف الباسل المناضل ونشر فتواه بتكفيرهم ونجاستهم، وأعلن ضلالهم علىٰ المجتمع حتّىٰ كسرت شوكتهم وضعفت عزائمهم وصغروا في العيون، فأخذوا يتربّصون بالمترجم الدوائر حتىٰ حصلوا عليه بمسجده في جوف الليل وهو مشغول ببكائه وتضرّعه فطعنوه ثمان طعنات أشرف من أثرها علىٰ الهلاك، إلّا أنّه أسرع إلىٰ خارج المسجد

__________

(١) دائرة المعارف ١٨ / ٢٥٢؛ وللتوسّع انظر: عقائد الشيخية: ١٤٢ ـ ٢٠٢.

(٢) للتوسّع انظر: البهائية في إيران: ٢٠٣ وما بعدها.

۱۴۷

حذراً من تلوّثه بالدم، وما أن وصل الباب حتّىٰ سقط علىٰ وجهه مغشيّاً عليه، وقضىٰ بعد يومين لم يتكلّم خلالهما... وكان ذلك في (١٢٦٣هـ) أو (١٢٦٤هـ)»(١).

هـ: فتنة قرّة العين في قزوين:

وقرّة العين تدعىٰ: «طاهرة بنت المولىٰ صالح البرغاني القزويني، ولدت علىٰ فطرة التشيّع، وكان والدها وأعمامها وولدهم كلّهم من الفقهاء علىٰ مذهب الأصحاب...»(٢).

وجاء في سيرتها: «نشأت قرّة العين في قزوين وحفظت القرآن في أوائل عمرها، وأخذت الفقه والأصول والحديث والتفسير من والدها وأعمامها وأخويها الميرزا عبد الوهاب والشيخ حسن، وتخرّجت في الحكمة والفلسفة والعرفان علىٰ الآخوند ملّا آقا الحكمي، والآخوند يوسف الحكمي القزوينيّين، وأخذت الأدب والشعر عن أمّها آمنة بنت الشيخ محمّد علي القزويني، وغيرهم من أساتذة عصرها»(٣).

فالكلّ متّفق علىٰ طهارة مولدها وأنّها ترعرت في بيت علم وفضل، وتربّت ونشأت في أحضان التقوىٰ، وأجمع الكلّ علىٰ استقامتها في نشأتها الأولىٰ، إلّا أنّهم اختلفوا في أواخر عمرها.

كذلك اتّفق الكلّ علىٰ علمها وفضلها وبلاغتها وفصاحتها... يقول عالم الاجتماع العراقي الدكتور علي الوردي في دراسته الاجتماعية الرائعة حول قرّة العين، باعتبارها من الظواهر الاجتماعية التي شغلت المجتمع العراقي، فيقول: «... وذاع صيتها في بغداد فأخذ الكثير من سكّانها من الشيعة وغيرهم يفدون إلىٰ الكاظمية لسماع دروسها ومحاضراتها؛ روىٰ لي أحد المسنّين من أهل الكاظمية

__________

(١) طبقات أعلام الشيعة (الكرام البررة) ١٠ / ٢٢٦ ـ ٢٢٧.

(٢) الذريعة إلىٰ تصانيف الشيعة ٢٢ / ١٣٥.

(٣) دائرة المعارف ١٨ / ٥٣.

۱۴۸

نقلاً عمّن شهد قرّة العين أثناء مكوثها في الكاظمية فقال: إنّ الكثير من الناس حضروا حلقات درسها، وصلّوا وراءها، وكانوا إذا استمعوا إليها وهي تتكلّم يكادون ينذهلون عن أنفسهم من شدّة تأثّرهم بها...»(١).

بل إنّ ظاهرة هذه المرأة قد شغلت كلّ المناطق التي حلّت بها، واستحوذت فقهيّاً علىٰ اهتمام المحقّقين والمستشرقين، إذ يقول الدكتور الوردي: «شغل المجتمع العراقي في السنوات الأخيرة من ولاية نجيب باشا بحديث امرأة عجيبة تدعىٰ (قرّة العين) إذ هي أسفرت عن وجهها، وارتقت المنبر وخطبت وجادلت فكان أوّل حدث من نوعه في تاريخ العراق، وربّما في تاريخ الشرق كلّه طيلة قرون عديدة»(٢).

إلّا أنّ هذه المرأة ـ قرّة العين ـ قد قيل عنها: إنّها من أقطاب البابية، وألصقت بها تهم شنعاء، حيث اتّهموها بالتحلّل الخلقي، وأنّها تقول بحِلّ الفروج ورفع التكاليف بالكلّية، أي: رفع الفرائض الدينية، وحتّىٰ قيل: إنّ قتل الشيخ محمّد تقي البرغاني ـ عمّ قرّة العين ـ من قبل تابعي علي محمّد الباب ـ البابية ـ «كان بأمر من قرّة العين بنت أخيه المولىٰ محمّد صالح البرغاني، التي كانت من الدعاة الدهاة إلىٰ طريقة الباب...»(٣).

ولهذا اعتقلت هذه المرأة ونقلت من سجن إلىٰ آخر، ثمّ حكم عليها بالإعدام وقتلت في سنة (١٢٦٨ هـ).

إلّا أنّ الذين عايشوا فترة محنة وسجن قرّة العين عن قرب نفوا بشكل قاطع ما نُسب إليها من اتّهامات، يقول الشيخ محمود شكري الآلوسي ـ والذي سجنت قرّة العين في داره ـ «إنّني رأيت لديها من الفضل ما لم أرَه في كثير من الرجال وهي ذات عقل وأدب، وفريدة حياء

__________

(١) لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث ٢ / ١٥٢.

(٢) نفس المصدر ٢ / ١٥٢ وما بعدها.

(٣) مرآة الشرق ١ / ٣١٤.

۱۴۹

وصيانة، وقد لقّبها السيّد كاظم الرشتي بـ: (قرّة العين)، ولم أرَها ترفع التكاليف ـ أي: الفرائض الدينية كما يتّهمها اعداؤها ـ مع أنّها بقيت في بيتي نحو شهرين»(١).

ويضيف الآلوسي: «فقيل: إنّها كانت تقول بحلّ الفروج ورفع التكاليف بالكلّية، وأنا لم أحسّ منها بشيء من ذلك مع أنّها حبست في بيتي شهرين، وكم من بحث جرىٰ بيني وبينها رفعت فيه التقية من البين»(٢).

ويؤكّد نجل قرّة العين الشيخ إبراهيم البرغاني القزويني الذي اجتمع أكثر من مرّة بها في آخر أيّام حياتها وهي مسجونة في دار الكلانتر بطهران؛ أنّ أمّه قرّة العين، كانت صائمة وتقضي أوقاتها بقراءة القرآن والدعاء والصلاة، وقتلت علىٰ مذهب التشيّع. ويؤكّد هذا المعنىٰ نساء ورجال بيت كلانتر الذي كانت قرّة العين مسجونة فيه(٣).

ويقول الدكتور علي الوردي بعد دراسته المطوّلة لظاهرة قرّة العين وأحداثها: «إنّي اعتقد علىٰ أيّ حال أنّ قرّة العين امرأة لا تخلو من عبقرية، وهي قد ظهرت في غير زمانها، أو هي سبقت زمانها بمائة سنة علىٰ أقلّ تقدير، فهي لو كانت قد نشأت في عصرنا هذا، وفي مجتمع متقدّم حضاريّاً لكان لها شأن آخر، وربّما كانت أعظم امرأة في القرن العشرين»(٤).

ومهما يكن من أمر؛ فهذه الأحداث وغيرها من الأحداث السياسية في ظلّ الدولة القاجارية والدولة البهلوية قد عاشتها حوزة قزوين في هذه الفترة الزمنية، وهذا الدور من أدوارها التاريخية، وممّا لا شكّ فيه أنّها تركت آثارها على مجرىٰ سير الدراسة والحركة العلمية فيها.

__________

(١) دائرة المعارف ١٨ / ٥٤، نقلاً عن جريدة المنار بتاريخ ٢١ / ٤ / ١٩٦٧، الصفحة ٦.

(٢) مختصر التحفة الاثني عشرية: ٢٤.

(٣) دائرة المعارف ١٨ / ٥٤.

(٤) لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث ٢ / ١٩٠.

۱۵۰

المبحث الثاني: من علماء قزوين في هذا الدور:

شهدت حوزة قزوين خلال هذه الدورة ظهور نخبة من العلماء والفضلاء والفقهاء ممّن كان لهم دورهم في تنمية وتوسعة العلوم الإسلامية وتربية عشّاق العلوم والمعارف في هذه الحوزة. وفيما يلي إشارات مختصرة لسير نخبة من هؤلاء الأعلام:

١ـ السيّد إبراهيم القزويني الحائري (ت ١٢٦٢ هـ):

جاء في ترجمته: «هو السيّد إبراهيم بن السيّد محمّد باقر الموسوي القزويني الحائري، المدرّس الوحيد في عصره، ومن أعاظم العلماء المحقّقين. كان اشتغاله في كربلاء وأدرك عصر مؤلّف الرياض ـ السيّد علي الطباطبائي ـ وحضر بها في الأصول علىٰ شريف الدين محمّد بن حسن علي الآملي الحائري الشهير بـ: (شريف العلماء) المتوفّىٰ بالطاعون سنة (١٢٤٥هـ)، وفي الفقه علىٰ الشيخ موسىٰ ابن جعفر كاشف الغطاء... وعلىٰ السيّد محمّد المجاهد، حتّىٰ بلغ رتبة سامية ومكاناً عالياً وصارت له الإحاطة التامّة وعرف بالتحقيق واشتهر حتّىٰ انتهىٰ إليه أمر التدريس، فكان من كبار المدرّسين وأفاضل العلماء المحقّقين، وقد تخرّج عليه جماعة من أقطاب العلماء ورجال الدين وأفاضل المجتهدين، لا يستطاع إحصاؤهم، وأصبح كلّ واحد منهم علماً من أعلام الدين ومرجعاً لثلّة من المؤمنين، وتوفّي رحمه‌الله بالوباء في سنة (١٢٦٢هـ).

وللمترجم تصانيف هامّة وأسفار جليلة تموج بمياه التحقيق والتدقيق... أهمّها الضوابط في الأصول، وهو من أهمّ مصادر هذا الفنّ، وأوعىٰ لدقائقه وتحقيقاته، وقد شرحه جماعة من تلاميذه منهم السيّد أبو الحسن التنكابني.

وله أيضاً دلائل الأحكام في شرح شرائع الإسلام، ونتائج الأفكار، ورسائل في حجّية الظنّ، والطهارة، والصلاة، ومناسك الحجّ وغيرها»(١).

__________

(١) طبقات أعلام الشيعة (الكرام البررة في القرن الثالث بعد العشرة) ١٠ / ١٠ـ١١؛ وترجمه في

۱۵۱

٢ـ الشيخ أبو تراب القزويني (ت حدود ١٢٩٥ هـ):

«عالم جليل وفقيه كبير، ومصنّف بارع؛ كان من العلماء في الحائر ويعرف بالميرزا آقا، تلمّذ علىٰ الشيخ محمّد حسن مؤلّف الجواهر، وله الرواية عنه أيضاً وعدّ في الإجازة من مشايخه الشيخ حسن ابن كاشف الغطاء، والشيخ الأنصاري، والمولىٰ أسد الله‏ البروجردي، وتلمّذ علىٰ مؤلّف الضوابط، وكتب بعض تقريراته في القضاء (١٢٥٥هـ) وفي البيع (١٢٦٠هـ).

وله تصانيف رأيت منها: المواهب العلية في شرح اللمعة الدمشقية، في عدّة مجلّدات فرغ من كتابة كتاب الدين في (١٢٤٠هـ) ومن تصانيفه أيضاً شرح القواعد، للشهيد مجلّد وغيرها... وما ذكرته من تصانيفه موجود في كربلاء عند الشيخ مهدي بن الشيخ تقي الكتبي كلّها نسخة الأصل بخطّ مؤلّفها غير مهذّبة»(١).

٣ـ السيّد أبو الحسن التنكابني القزويني (ت ١٩ / ربيع الثاني / ١٢٨٦ هـ):

«هو السيّد أبو الحسن بن السيّد هادي مير محمّد رضا التنكابني ثمّ النوري؛ كان من الفقهاء الأعلام، تلمّذ في الحائر علىٰ السيّد إبراهيم القزويني مؤلّف الضوابط، وله تصانيف منها شرح نتائج الأفكار، تأليف أستاذه كما في قصص العلماء»(٢).

٤ـ السيّد أبو الحسن القزويني (ت حدود ١٢٨٠ هـ):

«هو السيّد أبو الحسن بن الأمير السيّد علي بن الأمير عبد الباقي بن محمّد هادي ابن محمّد رضا بن المير محمّد علي الشهير بـ: (پير سيّد) صاحب المزار المعروف بتنكابن: عالم فقيه، كان من تلاميذ الحاجّ محمّد إبراهيم الكلباسي في

__________

الروضات ١ / ٣٨ وما بعدها؛ وقصص العلماء: ٩ وما بعدها؛ والتكملة ٢ / ٤٤.

(١) طبقات أعلام الشيعة ١٠ / ٢٦ ـ ٢٧.

(٢) نفس المصدر ١٠ / ٣١، مع هامش المرحوم محمّد السمامي.

۱۵۲

إصفهان، والشيخ محمّد حسن مؤلّف الجواهر في النجف.

عاد إلىٰ قزوين فصار عالمها المبجّل ورئيسها الجليل ومرجعها المقلّد، وكان قائماً بالوظائف إلىٰ أن توفّي حدود (١٢٨٠هـ)، وهو والد العلَمَين الجليلَين السيّد إبراهيم والسيّد زين العابدين الذين ذكرتهما في نقباء البشر»(١).

٥ـ الشيخ أبو طالب البهشتي القزويني (بعد ١٢٦٠ هـ):

«كان من علماء قزوين المدرّسين حدود (١٢٦٠هـ)، قرأ عليه السطوح في التأريخ المذكور الشيخ آقا القزويني المتوفّي سنة (١٣٠٧هـ)»(٢).

٦ـ الشيخ الميرزا أبو القاسم القزويني:

«هو الشيخ الميرزا أبو القاسم بن المولىٰ محمّد تقي الشهيد البرغاني القزويني، عالم جليل، قام في قزوين مقام والده بعد شهادته في سنة (١٢٦٤هـ) فصار رئيساً دينيّاً ومرجعاً لكافّة الأمور إلىٰ أن توفّي عن ولدين عالـمَين هما: الميرزا مهدي والميرزا أبو تراب، وللمترجم أخوان هما الميرزا حسن والميرزا محمود، وأمّ الجميع من بنات السلطان فتح علي شاه القاجاري»(٣).

٧ـ الشيخ الميرزا أحمد القزويني:

«هو الشيخ الميرزا أحمد بن المولىٰ صفر علي اللاهيجي القزويني، عالم جليل وورع صالح، كان والده من علماء وقته بقزوين مقيماً للجماعة في مسجد المولىٰ وروي بمحلّة: (قوي ميدان) من محالّ قزوين، ولمّا توفّي قام مقامه ولد المترجم في الإمامة ونشر الأحكام وسائر وظائف الشرع الشريف طيلة عمره، ولمّا توفّي قام مقامه أخوه الميرزا

__________

(١) نفس المصدر ١٠ / ٣٥.

(٢) نفس المصدر ١٠ / ٣٨.

(٣) نفس المصدر ١٠ / ٥١.

۱۵۳

حسين، وثالث هذين الأخوين محمّد حسن المعروف بالشيخ الكبير نزيل: (بار فروش) والمعمّر الذي كان مرجعاً إلىٰ أن توفّي سنة (١٣٤٥هـ)»(١).

٨ـ السيّد أحمد القزويني النجفي (ت قبل ١٢٤٩ هـ):

«هو السيّد أحمد بن السيّد محمّد بن المير قاسم أمير الحاجّ الحسيني القزويني الأصل نزيل النجف، وجدّ السادة القزاونة بها، عالم فاضل.

رأيت بخطّه مجموعة دوّن فيها بعض الأدعية كتبها في طهران سنة (١٢٢٩هـ)، وله رسالة في آداب صلاة الليل (بالفارسية) أَلْحَقَ بها آداب صلاة جعفر وفرغ منها في زاوية عبد العظيم في (٧ / محرّم / ١٢٢٩هـ) رأيتها عند بعض أحفاده في النجف...

وقد بنىٰ المير قاسم أمير الحاجّ جدّ المترجم بركة عظيمة علىٰ باب الجامع القديم الواقع اليوم في آخر الشارع الشهير بـ: (قزوين)؛ وكان له أربعة بنين: المير محمّد والد المترجم، والمير حسين، جدّ السادة القزاونة في الحلّة والهندية والدغّارة، والمير مصطفىٰ الذي لم يزل أعقابه في المشهد الرضوي؛ والمير محمّد رضا جدّ السيّد محمّد تقي المعروف بالأقا نجفي القزويني، وأعقابه في طهران وقزوين وغيرها، كلّهم من ولد أبي الحسن علي الضرّاب ابن السيّد يحيىٰ المعروف بـ: (عنبر) من أحفاد زيد الشهيد عليه‌السلام ، وقد عُرضت عليَّ شجرة نسبهم الممضاة من قبل النسّابين فصدّقتها وعلّقت عليها»(٢).

٩ـ الشيخ المولىٰ إسماعيل القزويني:

قال عنه الطهراني في الطبقات: «عالم متبحّر له أنباء الأنبياء (فارسي) في النبوّة الخاصّة أثبتها من الكتب السماوية بدأه بمقدّمة، وأتبعها باثني عشر فصلاً، أورد فيها الآيات القرآنية الشريفة

__________

(١) نفس المصدر ١٠ / ٩٣ ـ ٩٤.

(٢) الطبقات ١٠ / ١١٤ ـ ١١٥.

۱۵۴

والأخبار القدسية، وما في سائر الكتب المنزلة علىٰ الأنبياء السلف الدالّة علىٰ نبوّة سيّدنا المصطفىٰ الخاصّة مع ترجمة العبرانية منها إلىٰ الفارسية. رأيت نسخة في مكتبة أستاذنا شيخ الشريعة الإصفهاني في النجف تاريخ كتابتها (١٢٧٩هـ) ونسخة أخرىٰ في (مكتبة الحسينية التسترية) في النجف أيضاً، من موقوفة السيّد محمّد الخامنئي التبريزي، والمظنون أنّ المترجم والد المولىٰ عبّاس القزويني مؤلّف أسرار الصلاة، المذكور في الذريعة كما أوعزنا إليه هناك»(١).

١٠ـ الآخوند المولىٰ آقا الحكمي القزويني:

جاء في ترجمته: «فيلسوف بارع، كان من علماء قزوين الأجلّاء، تلمّذ عليه في العقليّات الميرزا محمّد التنكابني مؤلّف قصص العلماء، وترجمه فيه فقال: (إنّه كان من أجلّاء تلاميذ الفيلسوف المعروف المولىٰ علي النوري)، وقال المراغي في المآثر والآثار: (إنّه من تلاميذه أيضاً الحكيم الأقا رضا قلي القزويني) وقد ذكرنا ولده الشيخ أحمد في المجلّد الأوّل من نقباء البشر»(٢).

١١ـ السيّد محمّد باقر السجاسي:

«كان من العلماء الأجلّاء والفقهاء الكاملين القائمين بوظائف الشرع في قزوين، ذكره الفاضل المراغي في المآثر والآثار في عداد علماء عصر السلطان ناصر الدين شاه القاجاري، والظاهر وفاته في تاريخ التأليف المذكور»(٣).

١٢ـ السيّد محمّد باقر القزويني (ت ١٢٨٦ هـ):

«كان من أعاظم العلماء في محلّة: (قوى ميدان) بقزوين، تلمّذ علىٰ الشيخ محمّد

__________

(١) نفس المصدر ١٠ / ١٣٦؛ انظر: الذريعة ٢ / ٤٨ ـ ٤٩ و ٣٥٤ ـ ٣٥٥.

(٢) الطبقات ١٠ / ١٥١؛ انظر: قصص العلماء: ١٥٣؛ المآثر والآثار، علماى عهد ناصر الدين شاه قاجار: ١٨٠ برقم ٣٣٨.

(٣)الطبقات ١٠ / ١٦٣؛ المآثر والآثار.

۱۵۵

حسن صاحب الجواهر في النجف، وعلىٰ السيّد محمّد باقر حجّة الإسلام الإصفهاني وغيرهما، وله تصانيف في الفقه والأصول وغيرهما. توفّي في سنة (١٢٨٦هـ) عن ستّ وخمسين سنة، قام مقامه ولده السيّد موسىٰ، وله ابن آخر، وهو الميرزا أبو القاسم ناظم العلماء»، ترجمه المراغي في المآثر والآثار والسيّد الصدر في التكملة وغيرهما(١).

١٣ـ السيّد محمّد باقر القزويني الموسوي:

«من العلماء الأجلّاء، كان معلّم الشاهزاده محمّد علي ميرزا ابن السلطان فتح علي شاه القاجاري والي كرمنشاه... وهو والد العلّامة المؤسّس السيّد إبراهيم صاحب الضوابط، وكان السيّد محمّد علي شقيق المترجم من أعاظم العلماء»(٢).

١٤ـ السيّد باقر القزويني النجفي (١٢٤٦ هـ):

«هو السيّد باقر بن السيّد أحمد بن محمّد الحسيني القزويني النجفي، عمّ العلّامة الشهير السيّد مهدي القزويني المتوفّىٰ سنة (١٣٠٠هـ).

والمترجم له من مشاهير علماء عصره الأعاظم؛ كان والده السيّد أحمد من فحول عصره توفّي سنة (١١٩٩هـ) وهو جدّ أسرة (آل القزويني) الشهيرة.

وكان المترجم له من أبطال العلم ورجال الدين الأتقياء الزهّاد والأبدال العبّاد، أخذ العلم عن خاله السيّد مهدي بحر العلوم، والشيخ جعفر كاشف الغطاء وله الرواية عنهما؛ وأخذ العلم عنه جماعة، وكان من الصلاح والصفاء بمكان، وله كرامات كثيرة يتناقلها الناس منها؛ الإخبار بحدوث الطاعون الجارف الذي دهم العراق في سنة (١٢٤٦هـ)، وإنّه آخر من يموت به وبوفاته ينقطع.

__________

(١) نفس المصدر ١٠ / ١٦٤؛ المآثر والآثار: ٤١ برقم ٣٩؛ التكملة ٥ / ٢١٠ برقم ٢١٨٠.

(٢)الطبقات ١٠ / ١٦٤.

۱۵۶

ذكر تفاصيل ذلك شيخنا الحجّة النوري في خاتمة مستدرك الوسائل(١) نقلاً عن السيّد الثقة الصالح السيّد مرتضىٰ النجفي الذي كان شاهداً لتلك التفاصيل؛ وعن أستاذه السيّد مهدي ابن أخ المترجم قال: «إنّه رأىٰ أمير المؤمنين عليه‌السلام في المنام فأخبره بذلك، وقال: (إنّه يختم بك يا ولدي)، ولمّا حلّ البلاء في الوقت الذي أخبر المترجم بنزوله فيه؛ كان هو قائماً بأمور المرضىٰ وتجهيز الأموات، ودفن منهم ما ينوف علىٰ أربعين ألف نفر، حتّىٰ خفّت وطأة الطاعون شيئاً، وختم ـ كما أخبر ـ به، حيث توفّي ليلة عرفة (٩ / ذي الحجّة / ١٢٤٦هـ)، ودُفن في مقبرته الشهيرة ذات القبّة العالية قبال مقبرة العلّامة الشيخ محمّد حسن صاحب الجواهر.

وله تصانيف منها: الوجيز في الفقه، والوسيط، وجامع الرسائل، وله: الفلك المشحون في أحوال الحجّة وغيرها»(٢).

١٥ـ الشيخ باقر القزويني (ت حدود ١٢٨٠ هـ):

«هو الشيخ باقر بن المولىٰ محمّد تقي الشهيد البرغاني القزويني، عالم فقيه وورع تقي، كان في النجف الأشرف من تلامذة الشيخ محمّد حسن صاحب الجواهر، مدّة طويلة، كتب أستاذه إجازة عامّة له ولوالده بالاشتراك، وكان من الأجلّاء المرتاضين، والعلماء الورعين، عاد إلىٰ قزوين فقام فيها بالوظائف الشرعية، ونهض بأعباء الإمامة والمرجعية حتّىٰ أجاب داعي ربّه حدود (١٢٨٠هـ)، وكان له ولدان من أهل العلم والفضل هما: الشيخ محسن، والشيخ رضا...»(٣).

١٦ـ الشيخ المولىٰ محمّد تقي البرغاني (ت ١٢٦٣ أو ١٢٦٤ هـ):

«هو الشيخ محمّد تقي بن محمّد البرغاني القزويني الشهير بالشهيد الثالث. من جهابذة علماء

__________

(١) انظر: خاتمة مستدرك وسائل الشيعة ٣ / ٤٠١ من الطبعة الحجرية.

(٢) انظر: الطبقات ٧ / ١٦٩ ـ ١٧٠.

(٣) نفس المصدر ١٠ / ١٧٦.

۱۵۷

الإمامية ومشاهير فقهائهم المجاهدين في هذا القرن. ولد في برغان من قرىٰ الري ونشأ بها، وانتقل إلىٰ قزوين فاشتغل بدراسة المقدّمات، فقرأ شطراً من الفقه والأصول، ثمّ سافر إلىٰ (قم) وحضر علىٰ محقّقها الشهير الميرزا أبي القاسم القمّي، ثمّ هاجر إلىٰ إصفهان فتخرّج في الحكمة والكلام علىٰ علمائها المشاهير، وبقي مدّة بها، ثمّ تشرّف إلىٰ العتبات بالعراق فتلمّذ علىٰ السيّد علي صاحب الرياض، مدّة طويلة ورجع إلىٰ طهران. وبعد زمن عاد إلىٰ النجف فاستجاز الشيخ الأكبر جعفر كاشف الغطاء، ومؤلّف الرياض، والسيّد ـ محمّد ـ المجاهد وحضر معه الجهاد سنة (١٢٤٢هـ) فعاد إلىٰ طهران ثانياً فرأس بها، وحدثت بينه وبين السلطان فتح علي شاه القاجاري نفرة، انتقل علىٰ إثرها إلىٰ قزوين... وتقلّد الزعامة الدينية فيها... وقد تهافت عليه طلّاب العلم وحفّوا به فاشتغل بالتدريس والإفادة والإرشاد والوعظ والهداية، وبذل غاية جهده في ترويج الدين... وكان شديداً في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر... استشهد علىٰ يد الفرقة البابية في المسجد سنة (١٢٦٣ أو ١٢٦٤هـ) كما بيّنّا ذلك سابقاً.

له آثار نافعة منها: عيون الأصول ومنهج الرشاد في شرح الشرائع، وله فتاوىٰ غريبة خلاف مألوف الفقهاء خرق بها الإجماع»(١).

١٧ـ السيّد محمّد تقي القزويني (ت ١٢٧٠ هـ):

«هو السيّد محمّد تقي بن المير مؤمن بن المير محمّد نقي بن المير رضا بن المير قاسم أمير الحاجّ الحسيني القزويني. من أركان الإسلام ودعائم الدين ومن نوابغ علماء عصره، قرأ في بلاده ـ قزوين ـ مقدّمات العلوم ثمّ هاجر إلىٰ العراق، فحضر في كربلاء علىٰ تعريف العلماء وغيره، وفي النجف علىٰ السيّد باقر بن أحمد القزويني ـ جدّ الأسرة القزوينية الشهيرة ـ والمولىٰ إسماعيل العقدائي والسيّد سليمان الطباطبائي اليزدي... ويظهر من إجازته الكبيرة التي كتبها للعلّامة

__________

(١) نفس المصدر ١٠ / ٢٢٨.

۱۵۸

السيّد مهدي القزويني الشهير في سنة (١٢٤١هـ) أنّ له الرواية عن السيّد محمّد المجاهد، والسيّد عبد الله‏ شبّر، والميرزا رضا علي خان تلميذ كاشف الغطاء، والشيخ أحمد الأحسائي... وله في الحكمة والفقه والأصول وفنون الكمال علىٰ حدّ الكمال، وله يد مباركة في الدعاء يقصده الناس من أقاصي البلدان... وهو ذو كرامة ومن المشهورين وله مقام عظيم في قزوين... توفّي رحمه‌الله عن عمر طويل في سنة (١٢٧٠هـ) ودُفن بقزوين في بقعة مشهورة مزورة.

وله تصانيف: منها: برهان العصمة في الأنبياء والأئمّة، وشرح نهج البلاغة وحاشية رياض المسائل، وغيرها»(١).

١٨ـ السيّد جعفر القزويني (ت ١٢٦٥ هـ):

«هو السيّد جعفر بن السيّد باقر القزويني الشهير جدّ (آل القزويني)؛ عالم جليل من أفاضل هذا البيت وأعلامه، كان ابن عمّ العلّامة السيّد مهدي القزويني، وتقدّم الكلام علىٰ والده وقلت هناك: أنّي رأيت كشف اللثام، الذي ملكه السيّد باقر، وكتب عليه الشيخ أحمد البلاغي تحت تملّك السيّد... توفّي رحمه‌الله غريباً بمسقط سنة (١٢٦٥هـ)، وحمل إلىٰ النجف»(٢).

١٩ـ السيّد الميرزا جعفر القزويني الحلّي (ت ١٢٩٨ هـ):

«هو السيّد الميرزا جعفر بن السيّد مهدي ابن السيّد حسن ابن السيّد أحمد القزويني الحلّي، أحد مشاهير عصره في العلم والأدب؛ ولد في الحلّة في سنة (١٢٥٣هـ)، من كريمة العلّامة الشيخ علي بن جعفر كاشف الغطاء، ونشأ بها علىٰ أبيه الجليل، وكان من أعاظم علماء عصره فعنىٰ به ووجّهه أحسن توجيه، وقرأ مقدّمات العلوم فأتمّها، ثمّ هاجر إلىٰ النجف فحضر في الفقه علىٰ خاليه الفقيهين: الشيخ مهدي والشيخ جعفر ابني علي بن جعفر كاشف الغطاء، وفي الأصول علىٰ

__________

(١) الطبقات ١٠ / ٢٢٩ ـ ٢٣١.

(٢) نفس المصدر ١٠ / ٢٤٦.

۱۵۹

العلّامة مرتضىٰ الأنصاري، والمولىٰ محمّد الإيرواني، لازم أبحاث هؤلاء الحجج وغيرهم مدّة طويلة، تبحّر خلالها في الفقه والأصول وبرع في الكتابة والشعر، وتضلّع في الفلسفة والحكمة والتاريخ واللغة، وأشير إلىٰ فضله، وأحسّ في نفسه الكفاءة التامّة للقيام بسائر ما يقوم به والده الكريم من وظائف الشرع الشريف في الحلّة، فعاد إليها... وحضر فيها علىٰ والده ردحاً من الزمن حتّىٰ أجازه في الاجتهاد، وقلّده الأمور وأصبح موضع ثقته ونائبه في الصلاة وغيرها.

أدركه الأجل في حياة أبيه فجأة في أوّل محرّم سنة (١٢٩٨هـ) وحمل إلىٰ النجف ودُفن بمقبرة خاصّة في الصحن الشريف.

ترك آثاراً جليلة منها: الإشراقات في المنطق؛ والتلويحات الغروية في الأصول عنوانه: تلويح التلويح؛ وله شعر كثير محفوظ»(١).

٢٠ـ السيّد جواد القزويني (١٢٧٨ هـ):

«هو السيّد جواد بن السيّد حسين بن الأمير إبراهيم الحسيني القزويني، من أكابر العلماء؛ كان والده الجليل من مشاهير عصره، وكان شيخ إجازة السيّد مهدي بحر العلوم (ت ١٢٠٨هـ)، والمترجم من أجلّاء علماء قزوين وأعاظمهم في عصره، توفّي بعد عمر طويل في (١٢٧٨هـ)، وهو أبو أسرة جليلة هناك؛ لأنّه رزق أولاداً كثيرين أعقب منهم عشرة كلّهم من زوجاته الثلاث: بنت نائب الصدور وبنت السيّد محمّد المجاهد الطباطبائي وبنت ركن الدولة علي نقي ميرزا ابن السلطان فتح علي شاه القاجاري...»(٢).

٢١ـ السيّد حسن القزويني:

«هو السيّد حسن بن السيّد أحمد بن السيّد محمّد القزويني، علم جليل» كان في النجف

__________

(١) الطبقات ١٠ / ٢٦٩ ـ ٢٧١.

(٢) نفس المصدر ١٠ / ٢٨١.

۱۶۰

الأشرف، تلمّذ علىٰ علماء عصر الشيخ الأكبر جعفر كاشف الغطاء، كالسيّد حسين العاملي... وهو والد العلّامة الشهير السيّد مهدي القزويني الحلّي المتوفّي سنة (١٣٠٠هـ)، وقد تقدّم الكلام علىٰ أخيه السيّد باقر المتوفّىٰ بالطاعون سنة (١٢٤٦هـ)، ووالده السيّد أحمد كان من العلماء الأعلام (ت ١١٩٩هـ) ووالدة المترجم ـ له ـ شقيقة السيّد مهدي بحر العلوم الطباطبائي وقد ولد لها السيّد مهدي القزويني في سنة (١٢٢٥هـ)(١).

٢٢ـ الشيخ حسن البرغاني (ت حدود ١٢٨٠):

«هو الشيخ حسن بن المولىٰ صالح البرغاني القزويني؛ عالم جليل. كان من فقهاء عصره المتبحّرين، ومن أجلّ تلاميذ الشيخ مرتضىٰ الأنصاري، توفّي حدود (١٢٨٠هـ)، وهو والد العلَمَين الجليلَين الشيخ الميرزا علي نقي المدرّس في كربلاء، والشيخ الميرزا علّامة، ومرّ ذكر الميرزا محمّد تقي الشهيد البرغاني عمّ المترجم له، ويأتي ذكر والد المترجم وإخوته الأعلام... وبيتهم جليل عريق في العلم والزعامة والورع والقداسة في بلدة قزوين»(٢).

٢٣ـ الشيخ المولىٰ محمّد حسن القزويني (ت ١٢٤٠ هـ):

«هو الشيخ المولىٰ محمّد حسن بن معصوم القزويني الحائري... من أعاظم رجال الدين وأكابر فقهاء الطائفة المصنّفين؛ كان في كربلاء من أجلّاء تلاميذ الأستاذ الأكبر الوحيد البهبهاني، وله إجازة من السيّد مهدي بحر العلوم رأيتها بخطّه، وصفه فيها بقوله: «العالم العامل الفاضل المحقّق المدقّق الكامل الأديب الأريب اللبيب والألمعي اللوذعي المصيب... جامع المعقول والمنقول والبارع في الفروع والأصول... إلخ، وحسب المترجم هذه الشهادة... له آثار جليلة هامّة أشهرها: رياض الشهادة في مصائب السادة الذي لم يصنّف مثله في بابه، يشتمل ثلاثين

__________

(١) الطبقات ١٠ / ٣٠٥ ـ ٣٠٦.

(٢) نفس المصدر ١٠ / ٣٢٧.

۱۶۱

مجلساً، وله مختصرة نور العين، ومصابيح الهداية في شرح البداية، والروضات، وله كشف الغطاء عن وجوه مراسم الاهتداء في الأخلاق، صرّح في أوّله أنّه ألّفه بعد ما رأىٰ جامع السعادات.

وهذا الكتاب من التحف لم يصنّف مثله، وقد بلغ من القبول أنّ الأخلاقي الشهير حجّة السالكين المولىٰ حسين قولي الهمداني كان يستحسنه كثيراً ويأمر تلاميذه بالرجوع إليه... وله التحفة الخاقانية وتلخيص الفوائد الحائرية، وغيرها، توفّي المترجم له في سنة (١٢٤٠هـ) وحمل إلىٰ كربلاء فدفن جنب قبر أستاذه البهبهاني»(١).

٢٤ـ السيّد حسين القزويني:

«هو السيّد حسين ابن السيّد قريش بن محمّد الحسيني القزويني؛ عالم تقي من مشاهير عصره، كان من أجلّاء سادات قزوين وأشرافها، وكان معروفاً بطيّ الأرض، ومواظباً علىٰ زيارة مرقد الإمام زاده أبي ذرّ الغفاري علىٰ ثلاثة فراسخ من قزوين كلّ ليلة جمعة ويروىٰ له بعض الكرامات، حكىٰ لي الميرزا حسين بن الأقا محمّد إمام الجمعة في قزوين، كرامة شاهدها له بنفسه في حرم الإمام زاده المذكور في إحدىٰ ليالي الجمعة... ويقال أيضاً أنّه أخبر بموته ودفنه بقزوين موقّتاً ـ قبل وقوعه ـ وذكر أنّ رجلاً من أهل تبريز يأتي بعد سنتين وشهرين من تأريخ توديعه (وفاته) فيحمل جنازته إلىٰ العتبات بالعراق، واتّفق أن كان الأمر كما قال... وبالجملة فهو من أهل الدين والباطن السليم»(٢).

٢٥ـ الشيخ المولىٰ حسين قلي الزهرائي:

«عالم فاضل من أجلّاء عصره، أصله من (زهراء) من قرىٰ قزوين، كان إمام الجماعة في بلده، كما كان مدرّساً وإمام الجماعة في مدرسة ومسجد الحاجّ المولىٰ

__________

(١) الطبقات ١٠ / ٣٥٤ ـ ٣٥٥.

(٢) نفس المصدر ١٠ / ٤١٧ ـ ٤١٨.

۱۶۲

صالح البرغاني في قزوين، ذكره الفاضل المراغي في المآثر والآثار، وعدّه من علماء عصر السلطان ناصر الدين شاه القاجاري»(١).

٢٦ـ السيّد راضي القزويني (ت ١٢٨٧ هـ):

«هو السيّد راضي بن السيّد صالح بن السيّد مهدي بن السيّد رضا الحسيني القزويني النجفي البغدادي، من كبار الأدباء ومشاهير الشعراء.

ولد في النجف الأشرف سنة (١٢٣٥هـ)، ونشأ علىٰ أبيه وغيره نشأة عالية، وأخذ أوّليات العلوم عنه، وتخرّج علىٰ مجالس النجف الأدبية... وما زال كذلك حتّىٰ صار في عدادهم، سافر مع والده إلىٰ بغداد سنة (١٢٥٩هـ)، ثمّ سافر إلىٰ إيران واتّصل هناك بالسلطان ناصر الدين شاه القاجاري وحظي بإكرامه واحترامه... توفّي في تبريز في شهر محرّم سنة (١٢٨٧هـ) عن خمسين سنة وحمل إلىٰ النجف فدفن في الصحن الشريف تحت الميزاب المذهّب...»(٢).

٢٧ـ الشيخ محمّد رضا القزويني:

«من رجال الفضل في عصره، رأيت نسخة من كتاب الأصول الأصيلة، أهداه المترجم له من قزوين للسيّد محمّد الرضوي ـ والمظنون أنّه القصير الذي توفّي سنة (١٢٥٥هـ) ـ وقد وصف المترجم له علىٰ ظهر النسخة المهداة بما لفظه: العلّامة الفهّامة جامع المعقول والمنقول، مجتهد الزمان... إلخ. فالظاهر أنّه من الأعاظم...»(٣).

__________

(١) نفس المصدر ١٠ / ٤٤٠؛ انظر: المآثر والآثار، علماى عهد ناصر الدين شاه: ٢٥١ برقم ٥٥٢.

(٢) نفس المصدر ١١ / ٥٢٥ ـ ٥٢٦.

(٣) نفس المصدر ١١ / ٥٤٤.

۱۶۳

٢٨ـ الميرزا محمّد رضا القزويني (ت بعد ١٢٤٦ هـ):

هو الميرزا محمّد رضا بن الميرزا محمّد باقر القزويني الخويسيني؛ عالم فاضل، كان من تلاميذ السيّد محمّد المجاهد الطباطبائي في كربلاء، وبأمره كتب المطاعن المذنبية في ردّ الصوفية سنة (١٢٤٦هـ)، ووشّحه باسم السلطان فتح علي شاه القاجاري، رأيت نسخة بخطّه عند العلّامة السيّد حسن الصدر في الكاظمية، ومعلوم أنّ وفاته بعد هذا التأريخ(١).

٢٩ ـ السيّد رضي الدين القزويني:

«كان من العلماء الأعلام والمراجع في التدريس ونشر الأحكام، وكان زاهداً مرتاضاً؛ وهو خال السيّد علي القزويني صاحب حاشية القوانين وقد قرأ عليه ابن أخته المذكور في الأوائل قليلاً. وحكىٰ الميرزا حسين بن المولىٰ آقا الخويني صهر السيّد علي المذكور: أنّ اسم والد المترجم له السيّد علي أكبر، وأنّه كان ابن عمّ السيّد إبراهيم بن محمّد باقر الموسوي القزويني صاحب الضوابط وأنّ أصلهم من: (خوين) لكنّ جدّهم سكن قزوين فتعاقبوا من بعده ونسبوا إليها، وممّن تلمّذ علىٰ المترجم له الميرزا آقا الخويني والد الميرزا حسين المذكور»(٢).

٣٠ـ السيّد رفيع القزويني:

«هو السيّد الميرزا رفيع بن السيّد علي الحسيني القزويني؛ عالم فاضل.

كان من أفاضل العلماء وأعلام الفضل والكمال، ذكره تلميذه الميرزا محمّد التنكابني المتوفّىٰ سنة (١٣٠٢هـ) في كتابه قصص العلماء فوصفه بالعلم والفضل وذكر أنّه قرأ عليه تفسير البيضاوي. أقول ـ والكلام للطهراني ـ هو جدّ العالم السيّد محمّد بن الميرزا هبة الله‏ بن رفيع الملقّب ببحر العلوم نزيل مشهد الرضا، وصاحب المؤلّفات الكثيرة...»(٣).

__________

(١) نفس المصدر ١١ / ٥٤٩ ـ ٥٥٠.

(٢) نفس المصدر ١١ / ٥٧٦ ـ ٥٧٧.

(٣) نفس المصدر ١١ / ٥٨١.

۱۶۴

٣١ـ السيّد صادق القزويني (ت حدود ١٣٠٠ هـ):

«هو السيّد صادق بن السيّد رضا الموسوي القزويني، عالم فقيه، كان من الفضلاء في النجف الأشرف، هاجر إليها في حياة العلّامة المؤسّس الشيخ مرتضىٰ الأنصاري، وتلمّذ عليه مدّة إلىٰ أن برع وتزوّج بأمر أستاذه وتوفّي في حدود (١٣٠٠هـ).

خلّف ولده السيّد علي وهو من العلماء الفضلاء أيضاً، وكان من تلامذة السيّد محمّد كاظم اليزدي، ونزل شريعة الكوفة بأمر أستاذه في سنة (١٣٢٥هـ) إلىٰ أن توفّي بها بعد عمر طويل سنة (١٣٦٥هـ)»(١).

٣٢ـ الشيخ محمّد صادق اللنكراني (ت ١٢٨٥ هـ):

«هو الشيخ محمّد صادق بن الآقا محمّد اللنكراني البراوگاهي القفقازي النميني ـ نسبة إلىٰ نمين من توابع قفقاز ـ فقيه جليل وعالم فذّ.

قرأ الفقه وأصوله في قزوين علىٰ لفيف من علمائها وفي عدّة سنين، وكتب بخطّه أيّام اشتغاله بها رسالة اجتماع الأمر والنهي من تأليف المولىٰ أحمد النراقي في سنة (١٢٤٨هـ)، وهاجر بعد ذلك إلىٰ العراق فتلمّذ في كربلاء علىٰ العلّامتَين السيّد إبراهيم القزويني صاحب الضوابط، والسيّد مهدي بن المير السيد علي الطباطبائي صاحب الرياض، وغيرهما من علماء كربلاء والنجف... ولازم مجالس أكابر العلماء ومشاهير المدرّسين، زمناً طويلاً حتّىٰ بلغ في الفقه والأصول وغيرهما درجة سامية ومقاماً رفيعاً، ثمّ عاد إلىٰ بلاده في القفقاز فاشتغل بنشر الأحكام؛ وصار مرجعاً... حتّىٰ انتقل إلىٰ رحمة ربّه سنة (١٢٨٥ هـ)»(٢).

٣٣ـ المولىٰ محمّد صالح البرغاني (ت ١٢٨٣ هـ):

«هو الشيخ المولىٰ محمّد صالح ابن الآقا محمّد البرغاني القزويني من مشاهير العلماء،من

__________

(١) الطبقات ١١ / ٦٤٨ ـ ٦٤٩.

(٢) الطبقات ١١ / ٦٤٥؛ الذريعة ١ / ٦١، ٨٣ و ٨ / ١٢٧.

۱۶۵

أسرة البرغانيّين الكبيرة التي ظهر فيها غير واحد من أعاظم الفقهاء وأساطين الدين.

كان من رجال العلم الأكابر... وفقهاء الأمّة الأعلام، وهو شقيق الحجّة العلم المولىٰ محمّد تقي البرغاني الشهيد علىٰ يد البابية سنة (١٢٦٤ هـ).

أدرك السيّد علي الطباطبائي في كربلاء، وتلمّذ علىٰ ولده السيّد محمّد المجاهد، وأجيز منه ومن السيّد عبد الله‏ شبّر وغيرهما. توفّي في الحائر الشريف فجأة سنة (١٢٨٣ هـ) ودفن في رواق الحسين عليه‌السلام طرف الرأس الشريف.

له ترجمة في قصص العلماء، وله آثار علمية ومآثر خيرية باقية، فمن مؤلّفاته: غنية المعاد في شرح الإرشاد، وبحر العرفان، ومفتاح الجنان، وغيرها.

ومن آثاره الباقية المدرسة الدينية والمسجد؛ اللذان بناهما في قزوين، واللذان لا يزالان يعرفان باسمه هناك، وله موقوفات خاصّة تصرف وارداتها لأجرة استكتاب مؤلّفاته ونشرها...»(١).

٣٤ـ المولىٰ صفر علي اللاهيجاني:

«كان من العلماء الأجلّاء في قزوين، وهو من تلاميذ السيّد الطباطبائي الحائري الشهير بالمجاهد، وله إجازة من السيّد محمّد باقر الإصفهاني، ترجمه تلميذه التنكابني في قصص العلماء، وقال: له شرح المعالم في الأصول، وكتاب في الفقه، وكتاب في الأصول، ورسالة في الدراية. ويظهر من المآثر والآثار أنّ وفاته قبل سنة (١٢٦٤ هـ)»(٢).

٣٥ـ الشيخ عبد الحسين البرغاني (ت حدود ١٢٩٠ هـ):

«هو الشيخ عبد الحسين بن المولىٰ علي بن الموسىٰ محمّد البرغاني القزويني، من الفقهاء

__________

(١) الطبقات ١١ / ٦٦٠ ـ ٦٦١.

(٢) نفس المصدر ١١ / ٦٧٣.

۱۶۶

الأفاضل؛ وكان من أعلام أسرته الجليلة المعروفة بالعلم والزعامة الدينية. له شرح الإرشاد للعلّامة من أوّل الطهارة إلىٰ المتاجر، ويظهر منه أنّه أدرك بحث صاحبي الرياض والمناهل، وله شرح القواعد للعلّامة أيضاً مجلّد الصلاة... وغيرها. توفّي في حدود سنة (١٢٩٠هـ)، وابنه الشيخ رضا؛ شيخ الإسلام كان رئيساً في برغان ومتولّياً لأوقاف البرغانيّين بها، والمترجم ـ له ـ ابن أخ الشهيد البرغاني وصهر عمّه المولىٰ صالح»(١).

٣٦ـ الشيخ عبد الكريم الإيرواني:

«هو الشيخ عبد الكريم بن أبي القاسم الإيرواني الملقّب بمولىٰ باشي، من الفقهاء الكبار؛ وكان من علماء قزوين في عصر السلطان محمّد شاه القاجاري، وهو من تلاميذ صاحب الرياض، ومن أساتذة صاحب قصص العلماء، وقد ترجمه فيه مفصّلاً.

وللمترجم له آثار علمية من ضمنها حواشي ورسائل ومختصرات، ومن تلاميذه المولىٰ آقا القزويني المتوفّي سنة (١٣٠٧هـ) والميرزا حبيب الله‏ الرشتي الذي قرأ عليه في قزوين أوائل أمره، في حدود سنة (١٢٦٠ هـ) كما حكاه عنه بعض تلاميذه(٢).

٣٧ـ الشيخ عبد الله‏ البرغاني (ت حدود ١٢٩٠ هـ):

هو الشيخ عبد الله‏ بن المولىٰ محمّد تقي البرغاني ـ الشهيد ـ فقيه ورع، كان عالماً جليلاً مجازاً مع أخيه الشيخ صادق من العلّامة الشيخ محمّد حسن صاحب الجواهر، كتب لهما إجازة واحدة معاً، وقد أقيم لإمامة الجمعة بعد أخيه الأكبر الشيخ آقا محمّد إلىٰ أن توفّي في حدود سنة (١٢٩٠هـ)، فقام مقامه ولده الميرزا محمّد تقي المتوفّىٰ سنة (١٣٣٧ هـ)، والد الشيخ مرتضىٰ إمام الجمعة بعد أبيه(٣).

__________

(١) نفس المصدر ١١ / ٧١٢ ـ ٧١٣ برقم ١٣٠٦.

(٢) نفس المصدر ١١ / ٧٥٨ ـ ٧٥٩.

(٣) نفس المصدر ١١ / ٧٧٣ المدبجة.

۱۶۷

٣٨ـ الشيخ عبد النبي القزويني (ت بعد ١١٩٧ هـ):

الشيخ عبد النبي القزويني (ت بعد ١١٩٧هـ) له ترجمة واسعة في طبقات الشيخ الطهراني ضمن علماء القرن الثالث بعد العشرة الموسوم بـ: (الكرام البررة)، وكذلك له ترجمة في مقدّمة كتابه تتميم أمل الآمل، بقلم محقّق كتابه التتميم؛ العلّامة السيّد أحمد الحسيني الإشكوري، وقد استقىٰ معلومات ترجمته من مجموعة من كتب التراجم بالإضافة إلىٰ المعلومات المبثوثة في كتاب المترجم له تتميم أمل الآمل.

قال الطهراني في ترجمته: «هو الشيخ عبد النبي محمّد تقي القزويني اليزدي، من علماء عصره الأجلّاء، ولد في حدود (١١٢٥هـ) ظاهراً... حجّ سنة (١١٧٥هـ) وأدرك الآقا محمّد باقر الوحيد في سفر الحجّ... وقد ألّف كتابه تتميم أمل الآمل في سنة (١١٩١هـ) إجابة لطلب السيّد مهدي بحر العلوم وله الرواية عنه، كما أنّ للسيّد بحر العلوم الرواية عنه حسب تصريحه في إجازته، فيروي كلّ منهما عن الآخر بالرواية والظاهر قويّاً أنّ المترجم له أتمّ هذه المائة (الثانية) عزّة وعاش شيئاً من المائة الثالثة عشرة...»(١).

٣٩ـ الشيخ عبد الوهاب البهشتي (ت قرب ١٣٠٠ هـ):

«كان من الفقهاء المدرّسين في قزوين، وهو من الأدباء الأفاضل والعلماء المحترمين وأئمّة الجماعة الموثّقين، توفّي قرب سنة (١٣٠٠هـ)، ذكره في المآثر والآثار وأخوه المولىٰ كان من الأدباء والمدرّسين الممتازين، حتّىٰ اشتهر في قزوين بـ: (مطوّل گو) لمهارته في تدريس المطوّل»(٢).

٤٠ـ الشيخ عبد الوهاب القزويني (ت بعد ١٢٦٠ هـ):

له ترجمة مطوّلة في طبقات أعلام الشيعة للطهراني، نلخّص منها ما يلي:

__________

(١) نفس المصدر١١ /٧٩٨ ـ ٧٩٩؛ انظر: المقدّمة التحقيقية لكتاب تتميم أمل الآمل: ١٦ـ٢٢.

(٢) الطبقات ١١ / ٨٠٥؛ انظر: علماى عهد ناصر الدين شاه قاجار: ١٢٠ برقم ١٩٠.

۱۶۸

«هو الشيخ الميرزا عبد الوهاب الشريف ابن محمّد علي القزويني، من أعاظم علماء الشيعة في هذا القرن، كان من تلاميذ الشيخ الأكبر جعفر كاشف الغطاء، وولده موسىٰ والسيّد جواد العاملي صاحب مفتاح الكرامة، وشريف العلماء المازندراني، والسيّد محمّد المجاهد، والشيخ أسد الله‏ الكاظمي، والسيّد عبد الله‏ شبّر، والشيخ أحمد الأحسائي، وغيرهم من أعاظم فقهاء عصره وأجلّاء علمائه في النجف وكربلاء والكاظمية، وله الرواية عن أكثر من أربعين مجتهداً من الفحول، منهم مشايخه المذكورون... وهذه الإجازات كلّها في مجموعة خاصّة جمعها ودوّنها السيّد جواد بن السيّد زين العابدين الخوانساري في سنة (١٢٤٨هـ).

وكان ـ المترجم له ـ معاصراً للمولىٰ محمّد تقي الشهيد البرغاني القزويني، وقد تلمّذ عليهما السيّد الميرزا أبو القاسم الموسوي الزنجاني في قزوين.

ولهذا العالم الجليل والفقيه الكبير آثار علمية قيّمة تدلّ علىٰ عظمته وجلالة مكانته، منها رسالة في صلاة الجمعة، وله: هداية المسترشدين، ورسائل أصولية، وخلاصة الرشاد.

هاجر المترجم له في أواخر عمره إلىٰ النجف فسكن بها ومرض وتوفّي فيها ودفن في داخل حرم أمير المؤمنين عليه‌السلام »(١).

٤١ـ السيّد علي بن السيّد إسماعيل الموسوي القزويني (ت ١٢٩٨ هـ):

«هو ابن أخت العلّامة المير السيّد رضي الدين القزويني؛ له حاشية القوانين المطبوعة، وقد فرغ منه سنة (١٢٩٧هـ) وتوفّي بعده بقليل وله أيضاً حاشية المعالم وغيرهما.

قرأ المطوّل علىٰ الشيخ محمّد القزويني الشهير في قزوين بـ: (الحاجّ عبد الخالقي) المدرّس فيه، والمشهور أنّه لم يدع كلاماً للتفتازاني إلّا ونقضه، وقرأ قليلاً علىٰ خاله المذكور.

__________

(١) الطبقات ١١ / ٨٠٥.

۱۶۹

وله: ينابيع الأحكام في الفقه، أحال إليه في مسألة اجتماع الأمر والنهي من تأليفه علىٰ القوانين»(١).

٤٢ـ الحاجّ المولىٰ علي بن الآقا محمّد البرغاني القزويني:

«وهو أخو الحاجّ محمّد تقي الشهيد ـ البرغاني ـ واسمه الأصلي محمّد علي، كما ذكره في كتابه رياض الأحزان؛ ومن تصانيفه: مصباح المؤمنين في سنن أهل البيت عليهم‌السلام الطاهرين... وفي آخره نسبته هكذا: محمّد علي بن محمّد جعفر ابن محمّد تقي بن محمّد جعفر البرغاني؛ وله أيضاً من التصانيف لسان العارفين الذي أحال فيها إلىٰ بعض تصانيفه الذي ألّفه قبل المطبوع، منها نهج السالكين وحياة الإيمان، وتفسير غنائم العارفين، وفردوس العارفين في بيان أسرار آل طه ويس، فرغ من تأليفه سنة (١٢٥١ هـ)»(٢).

٤٣ـ المولىٰ فتح الله‏ بن رجب علي بن محمّد صالح بن محمّد الشاردي اللاهاردي(٣) القزويني (ت قبل الثلاثمائة):

قال الطهراني في ترجمته: «المدرّس المشهور، والمرجع المبسوط اليد بقزوين، توفّي قبل الثلاثمائة، له ترجمة في المآثر»(٤).

وذكر قوام السلطنة في ترجمة المترجم له: «من كبار الفقهاء ومجتهدي إيران في دار السلطنة قزوين، وكان محور درسه في الغالب علىٰ متن شرح اللمعة، وكانت له مكانته الخاصّة بين أهالي قزوين...»(٥).

__________

(١) الطبقات ١٢ / ٢٦ ـ ٢٧؛ انظر: تعليقات محقّق الكتاب في المصدر نفسه: ٢٦ـ٢٧ الهامش.

(٢) انظر: نفس المصدر ٢ / ٨٤ ـ ٨٥؛ الذريعة ١١ / ٣١٧ و ٢١ / ١٢١.

(٣) لَهارد: قرية من قرىٰ دشتابي التابعة لقزوين، انظر: لغتنامه دهخدا ١٢ / ١٧٥١٠.

(٤) الطبقات (الكرام البررة) ١٢ / ٢٣٠.

(٥) المآثر والآثار علماى عهد ناصر الدين شاه : ٦٣ برقم ٧٠.

۱۷۰

وقال الأميني في ترجمته: «... من كبار فقهاء الإمامية في القرن الثالث عشر الهجري، هاجر إلىٰ النجف وأخذ بها، وتخرّج علىٰ الشيخ محمّد تقي بن محمّد الرحيم الطهراني الإصفهاني المتوفّىٰ سنة (١٢٤٨هـ)، وبعد وفاة شيخه عاد إلىٰ قزوين وتولّىٰ الشؤون الدينية والاجتماعية فيها، ومات بعد سنة (١٢٥٧هـ)؛ له ـ من الآثار ـ أصل الأصول، ومختصر المناهج، ومناهج الطريقة في أحكام الشريعة»(١).

٤٤ـ المولىٰ قاسم النحوي، القزويني:

«من أكابر طائفة النحوية بقزوين، ومن أحفاد المولىٰ محسن بن محمّد طاهر القزويني تلميذ المير قوام الدين شارح العوامل، ترجمه في المآثر مع المولىٰ هادي النحوي»(٢).

٤٥ـ السيّد قريش بن محمّد الحسيني القزويني:

«المتوفّىٰ بالحائر الشريف في عصر السلطان محمّد شاه القاجار، والمعاصر للحاجّ المولىٰ محمّد تقي الشهيد البرغاني، وأخيه الحاجّ المولىٰ صالح، وقد أشخصهم جميعاً السلطان فتح علي شاه إلىٰ طهران، مريداً توهينهم، فقلب السيّد بِنَفسه الشريف قلب السلطان حتّىٰ بدّل في المجلس الإهانة إليهم بالإكرام والإعزاز والإحسان؛ وله كرامات ومقامات تفوق كرامات الحاجّ السيّد تقي القزويني الشهير... وبالجملة هو من أهل السير والسلوك». وله تصانيف، منها:

١ـ المقتل الجليل الموسوم بـ: (مجمع المصائب).

٢ـ كتاب في الأخبار والأحاديث.

__________

(١) معجم رجال الفكر والأدب في النجف خلال ألف عام ٣ /٩٩٨.

(٢) الطبقات (الكرام البررة) ١٢ / ٢٤١؛ انظر: المآثر والآثار (رجال عهد ناصر الدين شاه): ٢٢٣ برقم ٤٤٠ ـ ٤٤١.

۱۷۱

٣ـ كتاب الفضل، فارسي في معجزات أمير المؤمنين، وذكر بعض المطّلعين أنّ اسم الكتاب هو: حياة الأبرار في معجزات الكرّار(١).

٤٦ـ الآقا كريم الروغني القزويني (١٢٨٣ هـ):

جاء في ترجمته في الكرام البررة: «المدرّس في مدرسة المولىٰ ويرديخان بقزوين؛ كان من مشاهير الفقهاء والأصوليّين، ترجمه في المآثر»(٢)، وعبّر عنه قوام السلطنة بقوله: «من مشاهير الأصوليّين وعظماء المجتهدين، وكان يدرّس في مدرسة المولىٰ ويرديخان في الغالب، وبعض من علماء الروغنية تجد تراجمهم في أمل الآمل»(٣).

وأضاف محقّق كتاب الكرام البررة إلىٰ ترجمته: «ولد في قزوين حدود سنة (١٢٠٠ هـ) وتوفّي بها سنة (١٢٨٣هـ) وكان من تلامذة محمّد صالح البرغاني، وشقيقه محمّد تقي (الشهيد البرغاني) وملّا آقا الحكمي القزويني بقزوين، وموسىٰ كاشف الغطاء، وشقيقه حسن كاشف الغطاء، وشريف العلماء ـ المازندراني ـ بالعراق»(٤).

٤٧ـ الآقا محمّد (إمام الجمعة) ابن الحاجّ المولىٰ محمّد تقي البرغاني القزويني:

جاء في ترجمته: «أكبر ولد الشهيد ـ البرغاني ـ وتوفّي بعد أبيه بسنين في حدود سنة (١٢٧٠هـ)؛ كان من العلماء الأجلّاء، تزوّج بنت عمّه (قرّة العين) حال استقامتها، ووُلد له منها: العالم الجليل الشيخ إسماعيل المتوفّىٰ قريباً من سنة (١٣٠٢ هـ)، والعالم الورع الشيخ إبراهيم الذي توفّي سنة (١٣١٠ هـ)، والد الميرزا داود الفاضل الجليل...»(٥).

__________

(١) الطبقات (الكرام البررة) ١٢ / ٢٥٢ ـ ٢٥٣؛ انظر: أعيان الشيعة ٨ / ٤٥٠.

(٢) الكرام البررة ٢ / ٢٧٦.

(٣) المآثر والآثار: ١٦٧ ـ ١٦٨.

(٤) انظر: الكرام البررة ١٢ / ٢٧٦ الهامش.

(٥) طبقات أعلام الشيعة (الكرام البررة) ١٢ / ٣٦٩؛ انظر: شهداء الفضيلة: ٣٢٥، ضمن

۱۷۲

٤٨ـ الحاجّ الشيخ محمّد بن الحاجّ المولىٰ صالح البرغاني القزويني:

«العالم الكامل، تلميذ العلّامة الحاجّ الشيخ زين العابدين المازندراني والمجاز منه، ذهب إلىٰ بلاد الهند وكالة عن أستاذه، ولم تطُل ـ أيّامه ـ حتّىٰ توفّي وحُمل إلىٰ الحائر في حدود نيف وتسعين ومائتين»(١).

٤٩ـ المولىٰ هادي النحوي، القزويني:

«من مشايخ الطائفة النحوية ـ في قزوين ـ من ولد المولىٰ محسن النحوي تلميذ الميرزا قوام السيفي القزويني وشارح العوامل المائة، ترجمه في المآثر، وكذا المولىٰ قاسم النحوي السابق ذكره»(٢).

٥٠ـ الحاجّ الميرزا يحيىٰ القزويني:

«العالم المفسّر الواعظ المدرّس الجليل، ذكر في المآثر من تصنيفه: تعليقاته علىٰ البهجة المرضية، في النحو»(٣).

٥١ـ الشيخ يوسف الحكمي القزويني:

«الحكيم الورع الزاهد، أستاذ المعقول في قزوين، ترجمه في المآثر»(٤).

٥٢ـ المير قاسم القزويني:

قال الطهراني في ترجمته ضمن أعلام الشيعة في القرن الحادي عشر: «وقد يعبّر عنه بـ:

__________

ترجمة والده الشهيد.

(١) طبقات أعلام الشيعة (الكرام البررة) ١٢ / ٤٠٦ ـ ٤٠٧ برقم ٦٤٠.

(٢) المصدر نفسه ١٢ / ٦٠٨ برقم ١٠٠٤؛ المآثر والآثار: ٢٢٣ برقم ٤٤١.

(٣) المصدر نفسه: ٦٣١ برقم ١٠٤٩.

(٤) المصدر نفسه: ٦٣٩.

۱۷۳

(أبي القاسم) أمير الحاجّ، ابن أمير الحاجّ مير محمّد باقر الحسيني الملقّب بـ: (قافله باشي) جدّ السادة (القزاونة) وأوّل من هاجر منهم من تبريز ونزل قزوين وانتشرت ذرّيته في قزوين وطهران والعراق في النجف والحلّة والهندية والدغّارة والعمارة، وفي سوريا.

وهو والد المير رضا؛ العالم الجليل المتوفّي سنة (١١٢٣هـ)... وكان المترجم له قد بني في قزوين عند باب الجامع الكبير العتيق الواقع في منتهىٰ الشارع بركة كبيرة يستقي منها الخلائق، وهي موجودة حتّىٰ الآن ـ وللمترجم له ـ بعض الآثار العلمية والكتب الموقوفة عند أحفاده»(١).

٥٣ـ محمّد كاظم الطالقاني القزويني:

جاء في ترجمته المختصرة: «... الطالقاني أصلاً، القزويني مسكناً، قال في الأمل، من الأفاضل المعاصرين، كان مدرّساً في مدرسة (نوّاب) في قزوين ومات في المحرّم (١٠٩٤ هـ)»(٢).

قال الطهراني معقّباً: «أقول: هو والد محمّد جعفر الطالقاني المتوفّىٰ سنة (١١٣٢هـ) المجاز من المجلسي في سنة (١٠٩٥هـ)، قال في تلك الإجازة بعد ذكر محمّد جعفر: (إنّه خلف المولىٰ المبرور المقصور مولانا محمّد كاظم) فيظهر منه أيضاً أنّه توفّي قبل تاريخ الإجازة»(٣).

بهذا المدرّس نختم ترجمة الكرام البررة من علماء وفضلاء قزوين في القرن الثالث بعد العشرة بحسب المآثر، للشيخ المحقّق آقا بزرك الطهراني، وغيره من كتّاب تراجم الأعلام رضوان الله‏ تعالىٰ عليهم؛ ولا ندّعي أنّنا قد استوعبنا كلّ علماء قزوين في هذه الفترة الزمنية، فقد فاتنا الكثير، كما أنّ منهج الاختصار قد فرض علينا أن نقتصر علىٰ ذكر التراجم باختصار

__________

(١) طبقات أعلام الشيعة (الروضة النضرة) ٨ / ٤٥١.

(٢) أمل الآمل ٢ / ٢٩٥.

(٣) الطبقات ٨ / ٤٦٣؛ انظر: الذريعة ١ / برقم ٧١٥.

۱۷۴

شديد والإحالة إلىٰ المراجع والمصادر لمن أراد التوسّع في هذا المجال.

وسوف تأتينا قائمة أخرىٰ لعلماء حوزة قزوين في دورها الرابع والأخير، وقد نستدرك ذكر بعض الأعلام القزاونة ممّن فاتنا ذكر ترجمتهم في هذا الدور.

المبحث الثالث: المدارس العلمية التي تأسّست في هذا الدور:

لقد أحصينا في الدور الأوّل تأسيس مدرسة علمية واحدة، وفي الدور الثاني ارتفع العدد إلىٰ خمس مدارس بعد أن تمّ تأسيس أربع مدارس من قبل رجال العهد الصفوي.

وفي هذه المرحلة قد تمّ إحصاء تأسيس أربعة مدارس تمّ بناؤها في عصر الدولة القاجارية، وهنالك خمسة مدارس أخرىٰ لم يعرف التاريخ الدقيق لتشييدها، فيصبح عندنا في هذه الدورة تسع مدارس والمجموع الكلّي للمدارس الدينية يرتفع إلىٰ أربع عشرة مدرسة(١).

وفيما يلي فهرست للمدارس العلمية في قزوين بحسب إحصاء المحقّق الصالحي القزويني في دائرة المعارف الإسلامية الشيعية مع بعض التوضيحات الجانبية؛ وفيها إعادة لذكر المدارس التي ذكرناها سابقاً.

يقول المحقّق الصالحي: هنالك مداس علمية كثيرة جاءت أسماؤها في كتب التاريخ ليس لها اليوم أثر، لا نذكرها، وإنّما نذكر المدارس الدينية المعمورة والقائمة أو التي لها أثر في الوقت الحاضر:

١ـ مدرسة الصاحب بن عبّاد وزير فخر الدولة الديلمي:

أسّسها في سنة (٣٧٣ هـ) أثناء إقامته في قزوين، وهي واقعة جنب المسجد الجامع الكبير عند مدخل الباب الشرقي المطلّ علىٰ شارع سبه (سپه) والذي يعرف الآن بشارع القرّاء وباقٍ منها بعض الحجرات.

__________

(١) انظر: تاريخ مدارس ايران: ٣٢٨.

۱۷۵

٢ـ مدرسة النوّاب:

أسّسها الشيخ محمّد كاظم الطالقاني المتوفّىٰ سنة (١٠٩٤ هـ)، من أعاظم علماء الشيعة، ذكره الحرّ العاملي في أمل الآمل(١)؛ وتقع هذه المدرسة حاليّاً في شارع بيغمبرية، وقام بتجديدها في هذا العصر ـ الجمهوري ـ جمع من أهل الخير وسمّيت بمدرسة الإمام الصادق عليه‌السلام ، وهي اليوم من أحدث المدارس الدينية بقزوين.

٣ـ مدرسة الآخوند:

أسّسها الآخوند ملّا خليلا القزويني المتوفّىٰ سنة (١٠٨٩ هـ)... وكانت إحدىٰ مراكز الأخبارية في قزوين، وتقع في محلّة الآخوند نسبة إلىٰ اسمه، وبعد انقراض الأخبارية خربت هذه المدرسة وفيها قبر الآخوند ملّا خليل مؤسّس المدرسة.

٤ـ المدرسة الحيدرية:

وهي من أقدم مدارس قزوين!! وتعود إلىٰ القرن الخامس للهجرة، وحوّلت اليوم إلىٰ مدرسة إعدادية للبنين وتقع في محلّة البلاغية.

٥ـ المدرسة الصالحية:

أسّسها الشيخ محمّد صالح البرغاني القزويني الحائري المتوفّىٰ سنة (١٢٧١ هـ). أجمع المؤرّخون أنّها كانت أكبر مدرسة في إيران وتتشكّل من ثلاث مدارس: المدرسة الصغرىٰ، والمدرسة الوسطىٰ، والمدرسة الكبرىٰ؛ وتتّصل كلّ واحدة بالأخرىٰ في ثلاثة طوابق ضخمة؛ وقد تمّ إنجاز المدرسة الصغرىٰ والوسطىٰ قبل سنة (١٢٢٨ هـ)، وكان بناء آخر قسم من المدرسة الكبرىٰ والمكتبة ومخزن للمياه في سنة (١٢٤٨ هـ)، كما هو مكتوب في أعلىٰ المدرسة.

__________

(١) أمل الآمل ٢ / ٢٩٥.

۱۷۶

ومن أشهر تلاميذ هذه المدرسة السيّد جمال الدين الأسدآبادي المعروف بـ: (الأفغاني)، والميرزا كوچك خان الجنگلي، ونسيم الشمال، وقرّة العين، ممّن كان لهم دور خطير في النهضة الفكرية في القرن الأخير، وتقع المدرسة حاليّاً في شارع المولوي.

٦ـ مدرسة الشيخ محمّد تقي البرغاني المعروف بالشهيد الثالث:

ويقال لها مدرسة الشهيد الثالث، أسّسها الشهيد قبل استشهاده علىٰ يد البابية في سنة (١٢٦٣ هـ)، وتقع شرق شارع المولوي.

٧ـ مدرسة سردار:

أسّسها الإخوان حسين خان وحسن خان السردار من أمراء الجيش في العصر القاجاري، تمّ إنجاز بنائها سنة (١٢٣١هـ)، وجميع جدران المدرسة مطلية بالقاشاني الفاخر: «وتقع هذه المدرسة في محلّة قملاق، وهي من المدارس الجميلة في المدينة، وتتكوّن من طابقين للدراسة وسكن طلّاب العلوم الدينية، ويتّصل بها من الجنوب مسجد ذو قبّة مخروطية بالكاشي الفيروزي اللون...»(١).

٨ـ المدرسة المسعودية:

ويقال لها مدرسة شيخ الإسلام؛ أسّسها الميرزا مسعود ابن الميرزا مفيد شيخ الإسلام ـ في قزوين ـ وساهمت في إنجاز مشروعها أمّ ميرزا مسعود، العالمة الفاضلة خديجة سلطان بنت الشيخ محمّد صالح البرغاني من مالها الخاصّ، وتمّ إنجازها في آخر القرن الثالث عشر.

٩ـ مدرسة آقا:

أسّسها المولىٰ السيّد تقي ابن السيد مير مؤمن ابن السيد مير رضا القزويني

__________

(١) دائرة المعارف الإسلامية الشيعية ١٨ / ٨٤، مقال (قزوين) د. حسين قلمي.

۱۷۷

الحسيني المتوفّىٰ سنة (١٢٧٠ هـ)، أحد أعلام قزوين ووالد أسرة آل التقوي من أبناء عمّ آل القزويني في النجف والحلّة.

١٠ـ المدرسة الإبراهيمية:

ويقال لها المدرسة الجديدة، أسّسها الميرزا الحاجّ إبراهيم القزويني، وتقع في محلّة الآخوند، وكانت إحدىٰ المراكز الأخبارية.

١١ـ مدرسة دار الشفاء:

ويقال لها: (المدرسة المحسنية) أسّسها الشيخ الميرزا عبد الوهاب القزويني المتوفّىٰ حدود سنة (١٢٧٠هـ) وهو من أكابر علماء الشيعة، وخال قرّة العين.

١٢ـ مدرسة التنكابني:

أسّسها السيّد إبراهيم التنكابني المتوفّىٰ سنة (١٣٢٤ هـ) من العلماء المشاهير في قزوين، وتقع ـ هذه المدرسة ـ حاليّاً في شارع سعدي(١).

هذه أهمّ المدارس التي تأسّست في هذه الدورة من أدوار حوزة قزوين العلمية، بالإضافة إلىٰ المدارس العلمية التي تأسّست في الدورين السابقين؛ وسوف نذكر لاحقاً وضمن الدور الرابع المدارس التي تأسّست في عصر ازدهار حوزة قزوين بعد انتصار الثورة الإسلامية، وتأسيس الجمهورية الإسلامية.

وينبغي أن نذكر بأنّ أماكن التعاليم عند علماء الشيعة الإمامية لا تقتصر علىٰ المدارس العلمية فقط؛ فبعض العلماء يخصّص بعض حجرات منزله ويجعلها كمدرس له يستقبل فيه طلّابه وتقام فيها مجالس الدرس والإفادة والمباحثة العلمية؛ كما أنّ بعض حلقات الدرس

__________

(١) دائرة المعارف الإسلامية الشيعية، مقالة (قزوين) ١٨ / ٤٢ـ٤٤.

۱۷۸

كانت ولا زالت تقام في المساجد والحسينيات ومزارات الأولياء والمكتبات، وقد عرفت قزوين بكثرة مساجدها ومزاراتها، وكذلك كثرة مكتباتها العامّة والخاصّة. فلابدّ من أن يستفاد منها في مجال التربية والتعليم والتدريس.

وقد أحصىٰ أحد الباحثين في تاريخ قزوين عدد من المساجد في قزوين فقال: «يزيد عدد مساجد قزوين علىٰ أكثر من سبعين مسجداً، ومعظمها من آثار العصر الصفوي والقاجاري...»(١).

كذلك أحصىٰ هذا الباحث عدداً من المكتبات العامّة في قزوين، والتي تحتوي مخطوطات يزيد عددها علىٰ أكثر من خمسمائة كتاب، وكانت موقوفة علىٰ طلّاب العلوم الدينية والمحقّقين، سواء كان في المدارس الدينية أو في البيوت وذكرها منها (٢٥) مكتبة(٢).

خلاصة وتقويم:

بعد هذه الجولة في ثنايا الدور الثالث من أدوار حوزة قزوين العلمية، في محاورها الثلاث؛ لابدّ لنا من وقفة سريعة لتلخيص وتقويم أهمّ معالم هذه الدورة وضمن نقاط محدّدة:

أوّلاً: استغرقت هذه الدورة فترة طويلة من الزمن صاحبها أحداث كثيرة، شغلت علماء وفضلاء حوزة قزوين وأخذت من وقتهم وجهدهم العلمي للردّ عليها ومعالجتها؛ فكانت المواجهة مع الإسماعيلية النزارية، ثمّ الصراع مع الأخبارية، ثمّ أعقبها المدّ الشيخي وصدامهم مع المتشرّعة وخطّ الاعتدال والتعقّل، وآخرها وليس أخيرها فتنة البابية، وثورتهم في قزوين، ومنها فتنة (قرّة العين) والتي تنتسب إلىٰ حوزة قزوين، وإلىٰ بيت رفيع من بيوت العلم والمعرفة فيها.

__________

(١) دائرة المعارف الإسلامية الشيعية، مقالة (قزوين) ١٨ / ٤٤ وما بعدها.

(٢) المصدر نفسه ١٨ / ٤٦ ـ ٤٨.

۱۷۹

ثانياً: وكان للأسر العلمية الجليلة في قزوين دور كبير في نشر العلوم والمعارف وظهر فيها علماء كبار كان لهم حضورهم العلمي والاجتماعي والسياسي، وهذه الأسر امتداد للأسر العلمية التي ظهرت قبل ذلك في حوزة الريّ، حيث أنّ التبادل الثقافي والفكري والعقائدي والمذهبي بين الحوزتين (الري وقزوين) وطيد وواسع.

ثالثاً: ظهر خلال هذه الفترة نخبة من العلماء والفضلاء، وشهدت حلقات وأروقة الدرس في قزوين حضورهم الفاعل في مجال التدريس وتربية الفضلاء وتدوين الآثار العلمية والرسائل والتشريع.

رابعاً: ومن مظاهر التوسّع والتكامل في هذه الدورة كثرة مدارسها وتعدّد إمكاناتها، فكانت مثابة لأهل العلم ومدرساً للعارفين، وسكناً للوافدين.

خامساً: لهذه الدورة خاصّة ولحوزة قزوين عامّة حضور فاعل في مجال التصنيف والتأليف والتدوين، إذ سجّلت أقلام علمائها مدوّنات كثيرة في الفقه والأصول والتفسير والأدب تأتي الإشارة إليها لاحقاً.

الدور الرابع

(دور التراجع والانكماش ثمّ التقدم والازدهار)

القسم الأوّل: فترة التراجع والانكماش:

المبحث الأوّل: الامتداد الزمني، وأهمّ أحداث هذه الدورة:

تستوعب هذه الدورة القرن الرابع عشر وبداية القرن الخامس عشر الهجري، وتمتدّ إلىٰ قيام الجمهورية الإسلامية في إيران.

وقد عاصرت الحوزة العلمية أحداث السنوات الأخيرة من حكم الدولة القاجارية والتي انتهىٰ حكمها سنة (١٩٢٥م) علىٰ يد رضا پهلوي؛ ثمّ جاء حكم

۱۸۰

الدولة الپهلوية الشاهنشاهية، وما رافقها من أحداث ووقائع علىٰ الساحة السياسية الإيرانية وانعكاساتها علىٰ الأوضاع الدينية والاجتماعية والفكرية والثقافية.

لقد كانت الفترة الأخيرة من حكم الدولة القاجارية فترة مضطربة وغير مستقرّة، وشهدت انعطافات سياسية حادّة علىٰ مستوىٰ الداخل الإيراني، كان له أثره السلبي علىٰ الحوزات العلمية في إيران؛ ولعلّ قضية (المشروطة والمستبدّة) من أهمّ أحداث هذه الفترة والتي أدّت إلىٰ انقسام حادّ في المواقف ليس بين رجال السياسة فحسب، وإنّما بين كبار علماء الحوزة العلمية فتفاوتت المواقف ما بين مؤيّد لهذا الطرف أو ذاك الطرف، وما بين رافض لهما معاً.

ثمّ جاءت فترة حكم الدولة الشاهنشاهية الپهلوية والتي كان منطلق مؤسّسها الجنرال رضا پهلوي، من مدينة قزوين، فأسقط الدولة القاجارية، وأسّس الدولة الاستبدادية التي حكمها ما يقارب عقدين من الزمن بطريقة تعسّفية استبدادية علمانية دكتاتورية... وورثه ولده (محمّد رضا شاه پهلوي) والذي سار علىٰ نهج وطريق والده في الدكتاتورية والاستبداد والقهر... واستمرّ علىٰ ذلك إلىٰ حين انتصار الثورة الإسلامية، وبزوع فجر جديد ارتفع فيها صوت الإسلام ومذهب أهل البيت عليهم‌السلام عالياً.

لقد عاشت الحوزات العلمية في إيران خلال هذه الفترة العصيبة حالة من الانكماش التامّ، أدّىٰ في بعض الأحيان إلىٰ اضمحلال بعض الحوزات العلمية، والمدارس الدينية بعد أن حاصرها النظام الاستبدادي الحاكم وضيّق الخناق عليها، وصادر مدارسها ومؤسّساتها التعليمية واستولىٰ علىٰ أوقافها، واضطهد علماءها والدارسين فيها واستخدم أسلوب القتل والسجن والنفي وسلب الحقوق بحقّ المنتسبين لهما، فسجن من سجن، وأبعد من أبعد، ونُفي من نُفي، وانزوىٰ الكثير من الفضلاء والمجتهدين بعيداً عن السلطة الحاكمة اتّقاء لشرّها؛ وقد تحدّثنا بإسهاب عن هذه الفترة العصيبة وما رافقها من أحداث وواقع ضمن حديثنا عن تاريخ الحوزة العلمية في قم، وإصفهان

۱۸۱

وخراسان بالإضافة إلىٰ حوزتي الري وطهران وهما قيد التدوين والتأليف(١).

وكان لحوزة قزوين العلمية كبقية الحوزات العلمية نصيبها من هذا الاستبداد والدكتاتورية ممّا أدّىٰ إلىٰ انكماشها لفترة من الزمن حتّىٰ منّ الله‏ علىٰ الأمّة الإسلامية بانتصار ثورتها وقيام جمهوريّتها، والتي أعادت الانفراج ثمّ الازدهار لهذه الحوزة؛ لقد تزامنت هذه المرحلة من مراحل حوزة قزوين تأسيس الحوزة العلمية في قم علىٰ يد مؤسّسها آية الله‏ الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي (ت١٣٥٥هـ) والتي عاصرت نهاية الدولة القاجارية وبداية الدولة الشاهنشاهية.

ومن يستعرض سيرة الشيخ الحائري خلال فترة التأسيس يجد حجم المعاناة والأذىٰ الذي لحق به وبالحوزات العلمية وعلمائها ومراجعها في تلك الحقبة المظلمة القاسية من تاريخ إيران؛ ولم تكن حوزة قزوين استنثاء من هذا الجوّ السياسي والاستبدادي الخانق.

يذكر الشيخ الطهراني ضمن ترجمة الشيخ عبد الكريم الحائري في فترة مرجعيّته وتأسيسه لحوزة قم العلمية، ما ملخّصه: «لقد عاصر الشيخ الحائري التحوّلات الاجتماعية والسياسية التي رافقت ظهوره أسرة الشاه البهلوي ووصولها إلىٰ دفّة الحكم بدعم من الخارج، وما رافق ذلك من مظاهر لا تمتّ إلىٰ الدين والأعراف الاجتماعية بصلة، كقضية كشف الحجاب، وفرض السفور علىٰ النساء، وسوق العلماء للخدمة العسكرية، وقتل وتشريد العلماء، والاعتداء علىٰ المقدّسات، وحادثة مسجد (گوهرشاد) الملاصق لحرم الإمام الرضا عليه‌السلام ؛ خير شاهد علىٰ هذه المآسي التي عاش فصولها، وكان يراها بعينه وقلبه يقطر دماً... وكان يحافظ علىٰ بعض الشكليّات ليدفع بها الشرّ عن الباقين في بعض الحالات، وصار يرغب في العزلة وينزوي عن الناس؛

__________

(١) انظر: تاريخ الحوزات العلمية، تاريخ حوزة قم؛ تاريخ حوزة إصفهان ؛ تاريخ حوزة خراسان لراقم السطور في موسوعته ( تاريخ الحوزات العلمية).

۱۸۲

لأنّه يرىٰ ما يحلّ بهم ولا يقدر علىٰ مساعدتهم، وهكذا إلىٰ أن مرض وتوفّي»(١).

ثمّ يضيف الطهراني: «كذلك كانت في إيران حوزات علمية صغيرة في خراسان وطهران وتبريز وإصفهان وغيرها من بلدان إيران، تمكّن الحاكمون من تفريق شملها والقضاء عليها، وبقي همّهم منصرفاً للقضاء علىٰ حوزة قم، إلّا أنّ حنكة الحائري وإخوانه وصبرهم علىٰ المكاره وتحمّلهم للصعاب قد حال دون ذلك»(٢).

وهكذا الأمر في حوزة قزوين، فقد سعىٰ أعلامها ومراجعها للحفاظ عليها وضحّوا من أجل ذلك بالغالي والنفيس، حتّىٰ وصل الأمر إلىٰ التضحية بحياتهم عندما تطلّب الأمر تصعيد المواجهة والوقوف أمام الانحرافات العقائدية والفكرية والتي تحرّكها أيادي خارجية خبيثة كما هو الأمر في قصّة استشهاد الشهيد الثالث الشيخ محمّد تقي البرغاني في فتنة البابية.

كذلك كان لفقهاء وفضلاء حوزة قزوين موقفهم الجهادي في صدّ الاحتلال الروسي لبعض مدن شمال إيران الذي استشهد فيها الشيخ محمّد البرغاني بن المولىٰ صالح البرغاني سنة (١٢٤٠ هـ)، بالإضافة إلىٰ تصدّيهم للدور الاستعماري المشبوه والذي كانت تقوم به انكلترا، وفرنسا، حيث كانا يتدخّلان بشكل مستقيم في أمور إيران الداخلية لضعف الجهاز الحاكم في ذلك الوقت، ولهذا جاءت فتوىٰ الشيخ صالح البرغاني للوقوف أمام هذا التدخّل حيث أفتىٰ رحمه‌الله‏ ما ترجمته: «كلّ أمور الحرب والصلح وعقد الاتّفاق والمذكّرات مع الدول الأجنبية يجب أن تكون بإذن الفقهاء»... وقد دفع ثمن ذلك نفياً وتشريداً وتبعيداً إلىٰ العراق(٣)، حيث أبعد

__________

(١) طبقات أعلام الشيعة (نقباء البشر في القرن الرابع عشر) ١٥ / ١١٦٥.

(٢) المصدر نفسه ١٥ / ١١٦١؛ وللتوسّع انظر: مرآة الشرق ٢ / ١١٠٣ وما بعدها.

(٣) حوزه‏هاى علميه: ٥٣٨ ـ ٥٣٩.

۱۸۳

الشيخ البرغاني مع إخوته إلىٰ العراق، ومنها هاجر إلىٰ الحجاز وبقي فترة من الزمن في مكّة يدرّس فيها الفقه الجعفري، ثمّ عاد إلىٰ العراق، وسكن في كربلاء والنجف، ولم يتمكّن من العودة إلىٰ إيران إلّا بواسطة ومرافقة الشيخ جعفر كاشف الغطاء حيث اصطحبه معه إلىٰ طهران وتوسّط له عند الشاه(١).

وهكذا تداخلت أحداث الفترة الأخيرة من حكم الدولة القاجارية مع وصول الأسرة الشاهنشاهية إلىٰ الحكم، فألقت هذه الأحداث بظلالها علىٰ الحوزات العلمية في إيران، ومنها حوزة قزوين، فعاشت فترة من الركود العلمي، ولولا جهود وتضحيات فضلائها ومراجعها لاضمحلّت وتلاشت عن الوجود، ولم تخرج هذه الحوزة من ركودها إلّا بعد انتصار الثورة الإسلامية حيث شهدت هذه الحوزة كغيرها من الحوزات العلمية تحوّلاً وازدهاراً وتوسعة في مختلف جوانبها العلمية والإدارية والتنظيمية والعمرانية.

المبحث الثاني: من علماء قزوين في هذه الدورة:

لقد عاصر هذه الدورة كثير من العلماء والفضلاء وكان لبعضهم المرجعية والقيادة والزعامة في هذه الحوزة المباركة، وخلّفت هذه الدورة درراً من الآثار العلمية في المجالات المعرفية كالفقه والأصول والتفسير والحديث وعلم الكلام...

وفيما يلي ترجمة مختصرة لأبرز علماء هذه الدورة مع الإشارة إلىٰ أهمّ آثارهم العلمية، ومنجزاتهم الحوزوية في مجال التدريس والتربية والتعليم لعشّاق المعارف الإسلامية الحوزوية:

١ـ السيّد إبراهيم التنكابني (ت ١٣٢٤ هـ):

«هو السيّد إبراهيم بن السيّد أبي الحسن بن (الأمير السيّد علي بن الأمير عبد

__________

(١) للتوسّع انظر: دائرة المعارف تشيّع بالفارسية ٣ / ١٨٠ ـ ١٨٢.

۱۸۴

الباقي بن محمّد) هادي بن محمّد علي التنكابني؛ المعروف مزاره بـ: (پير سيّد).

كان من العلماء المبرّزين في قزوين بنىٰ بها مسجداً ومدرسة وعيّن لها موقوفات كثيرة، وكان مرجع الأمور الشرعية بها إلىٰ أن توفّي سنة (١٣٢٤ هـ).

وخلّف ولده السيّد حسين الذي هو من الفضلاء المشتغلين في النجف، وأقيم مقامه أخوه الأصغر السيّد زين العابدين بن أبي الحسن، وكان جدّه عبد الباقي من أعاظم العلماء، وكذا جدّه الأعلىٰ السيّد محمّد علي صاحب المزار المشهور المتبرّك به في تنكابن، وهو حفيد المير محمّد صالح الخواتون آبادي»(١).

٢ـ السيّد إبراهيم التنكابني (من علماء القرن الرابع عشر):

«هو السيّد إبراهيم بن السيّد محمّد تقي بن السيّد عبد المطّلب الحسيني التنكابني عالم جليل؛ كان في قزوين مرجعاً للأمور ومن العلماء الأجلّاء بها، تلمّذ علىٰ علماء النجف، ويأتي ذكرأخيه السيّد محمّد نزيل طهران»(٢).

٣ـ الشيخ إبراهيم البرغاني (ت ١٣١٠ هـ):

«هو الشيخ إبراهيم بن الآقا محمّد إمام الجمعة ابن المولىٰ محمّد تقي الشهيد البرغاني؛ عالم تقي فاضل ورع، كان هذا الشيخ مصداقاً لقوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ، حيث إنّ أمّه (قرّة العين) بنت المولىٰ صالح المتوفّىٰ سنة (١٣١٠ هـ)، ويأتي ذكر أخويه الشيخ إسحاق والشيخ إسماعيل وكذا ولده الشيخ داود»(٣).

__________

(١) طبقات أعلام الشيعة (نقباء البشر في القرن الرابع عشر) ١٣ / ٧ برقم ٢٠.

(٢) المصدر نفسه ١٣ / ١٠ برقم ٢٥.

(٣) المصدر نفسه ١٣ / ٢٣ برقم ٥٦.

۱۸۵

٤ـ السيّد محمّد إبراهيم القزويني (ت ١٣٦٠ هـ):

«هو السيّد محمّد إبراهيم بن السيّد هاشم بن محمّد علي الموسوي القزويني الحائري؛ عالم فاضل تلمّذ علىٰ والده العلّامة حتّىٰ حصلت له الإجازة منه، وكان من أئمّة الجماعة في صحن أبي الفضل العبّاس عليه‌السلام ، توفّي في (٧/ربيع٢/١٣٦٠هـ)»(١).

٥ـ الشيخ الميرزا أبو تراب القزويني الشهيدي (ت سلخ ذي القعدة ١٣٧٥هـ):

«هو الشيخ الميرزا أبو تراب بن الميرزا أبي القاسم بن المولىٰ محمّد تقي الشهيد البرغاني القزويني؛ عالم فاضل جليل، ومصنّف بارع؛ تلمّذ في النجف الأشرف علىٰ شيخنا المولىٰ محمّد كاظم الخراساني وغيره سنين، ورجع إلىٰ قزوين قرب (١٣٣٠ هـ) فصار فيها من الأجلّاء الأفاضل، وزار العتبات في (١٣٣٧ هـ). وهو سبط عمّ أبيه المولىٰ صالح البرغاني صاحب التفسير الكبير الموجود عند المترجم له؛ وهو تفسير فارسي في خمس مجلّدات رأيتها عنده بخطّه فرغ من تبيض خامسها (١٠ / ج ١ / ١٣٦٥ هـ) وهي سنة ملاقاتي له في طهران في طريقي لزيارة الإمام الرضا عليه‌السلام بعد مفارقته سنين طويلة، وله تصانيف أخر»(٢).

٦ـ السيّد أبو تراب السكاكي (من علماء القرن الرابع عشر الهجري):

«هو السيّد أبو تراب بن السيّد حسين بن السيّد أبي تراب بن مرتضىٰ السكاكي القزويني، عالم جليل.

ولد سنة وفاة والده العلّامة (١٣٠٩ هـ) ونشأ بقزوين، ثمّ تشرّف إلىٰ العتبات في أوائل عمره فاشتغل علىٰ العلماء الأجلّاء سنين، حتّىٰ كمل وبرع فرجع إلىٰ قزوين قريباً من (١٣٤٠ هـ)، فقام بالأمور الشرعية وهو اليوم من المراجع هناك (مدّ الله‏ في عمره) ويأتي ذكر جدّه قريباً»(٣).

__________

(١) المصدر نفسه ١٣ / ٢٤ برقم ٦١.

(٢) المصدر نفسه ١٣ / ٢٨ ـ ٢٩ برقم ٦٨.

(٣) المصدر نفسه ١٣ / ٢٩ برقم ٧٠.

۱۸۶

٧ـ السيّد أبو تراب القزويني (ت ١٣٠٣ هـ):

«هو السيّد أبو تراب بن السيّد مرتضىٰ القزويني المعروف بالسكّاكي، عالم جليل وفقيه نبيه، تلمّذ في النجف علىٰ العلّامة الأنصاري وأجيز منه بإجازة موجودة عند أحفاده، وكان مصاحباً معه في سفره الأوّل إلىٰ حجّ بيت الله‏ الحرام، وكان من أصدقاء المولىٰ علي الخليلي؛ واستجاز منه العلّامة الميرزا محمّد حسن الآشتياني، وكانت له محكمة شرعية في قزوين إلىٰ أن توفّي في (٢٦/ذي الحجّة/١٣٠٣ هـ).

عدّه ـ قوام السلطنة ـ في المآثر والآثار من العلماء الأبرار في عصر السلطان ناصر الدين شاه القاجاري...»(١).

٨ـ الشيخ الميرزا أبو القاسم البرغاني (ت بعد ١٣٠٠ هـ):

«هو الشيخ الميرزا أبو القاسم بن المولىٰ محمّد تقي الشهيد البرغاني القزويني، عالم جليل، كان مرجع الأمور بقزوين، وهو والد العَلَمين الميرزا مهدي والميرزا أبي تراب نزيل طهران، توفّي بعد سنة (١٣٠٠ هـ) وهو وأخويه الميرزا محمود والميرزا حسن من بنت الشاهزاده دون سائر إخوته»(٢).

٩ـ الشيخ أحمد القزويني:

«هو الشيخ أحمد بن المولىٰ آقا الحكمي القزويني؛ عالم جليل. كان من خواصّ شيخنا العلّامة الميرزا حسين الخليلي الطهراني سنين، ولمّا برع في العلوم رجع إلىٰ قزوين وصار مرجعاً للأمور إلىٰ أن توفّي»(٣).

__________

(١) المصدر نفسه ١٣ / ٣٠ برقم ٧٢؛ انظر: المآثر والآثار، علماى عهد ناصر الدين شاه: ٦٣ برقم ٦٩.

(٢) المصدر نفسه ١٣ / ٦١ برقم ١٤٥.

(٣) المصدر نفسه ١٣ / ٩٠ برقم ٢٠٨.

۱۸۷

١٠ـ السيّد أحمد القزويني الحلي (ت ١٣٢٤ هـ):

«هو السيّد أحمد بن السيّد الميرزا صالح ابن السيّد صفر الدين المهدي بن السيّد حسن بن السيّد الحسيني القزويني الحلّي النجفي؛ أديب كبير. و(آل القزويني) بيت علم وزعامة وأدب ورئاسة في النجف والحلّة؛ نبغ فيها عدد كثير وجمّ غفير من العلماء الفقهاء والأدباء الشعراء، وقد راجت في أيّامهم أسواق العلم والأدب، ذكرناهم في كتابنا هذا كلّا في بابه.

ولد المترجم في النجف سنة تشرّف السلطان ناصر الدين شاه القاجاري للزيارة سنة (١٢٨٧ هـ) ونشأ في الحلّة علىٰ أبيه فعنىٰ به ووجهه وقرأ مبادئ العلوم ثمّ أرسله إلىٰ النجف مهد العلم؛ والمدرسة التي تخرّج منها آباؤه وأجداده ـ كما تخرّجت الألوف المؤلّفة ـ فأخذ الفقه والأصول عن العلماء وعاد إلىٰ الحلّة... توفّي في النجف في (٢٠ / محرم / ١٣٢٤ هـ) ودُفن بمقبرتهم»(١).

١١ـ الشيخ الميرزا أحمد البرغاني (١٣٤٠ هـ):

«هو الشيخ الميزا أحمد بن الشيخ الميرزا علي أصغر بن الشيخ حسين بن المولىٰ صالح البرغاني القزويني؛ عالم فاضل.

كان في النجف الأشرف من تلاميذ شيخنا محمّد كاظم الخراساني سنين ورجع إلىٰ قزوين بعد سنة (١٣٣٦ هـ)، له في الأصول مغني الكفاية، وفي الفقه كفاية الفقه من العبادات وبعض المعاملات، توفّي بالوباء شابّاً لم يتزوّج سنة (١٣٤٠ هـ)»(٢).

١٢ـ الشيخ الميرزا إسحاق القزويني (من أعلام القرن الرابع عشر):

«من العلماء الأدباء، تشرّف إلىٰ النجف وبقي فيها سنين واستفاد من بحث شيخنا

__________

(١) المصدر نفسه ١٣ / ١٠٢ برقم ٢٣٢.

(٢) المصدر نفسه ١٣ / ١١٤ برقم ٢٥٤.

۱۸۸

الخراساني، ورجع إلىٰ قزوين حدود سنة (١٣٢٤ هـ) وتشرّف أيضاً سنة (١٣٣١ هـ) بعد عودته من الحجّ وعاد إلىٰ قزوين فتزوّج هناك بابنة عمّه المولىٰ علي أكبر (سياه داني)، وصار مرجعاً للأمور الشرعية هناك إلىٰ أن أدركته المنية في ؟؟؟»(١).

١٣ـ الشيخ إسحاق البرغاني (توفّي حدود ١٣٠٧ هـ):

«هو الشيخ إسحاق بن الآقا محمّد إمام الجمعة ابن محمّد تقي الشهيد البرغاني القزويني؛ عالم جليل.

تلمّذ في العراق علىٰ أعلام الدين كالمجدّد الشيرازي وغيره، ورجع إلىٰ قزوين مع تأييد وتمجيد من المجدّد فصار مرجعاً للأمور إلىٰ أن توفّي حدود (١٣٠٧ هـ)، ومرّ ذكر أخيه الشيخ إبراهيم ويأتي ذكر أخيه الشيخ إسماعيل المتوفّىٰ قبله...»(٢).

١٤ـ السيّد أسد الله‏ التنكابني (ت ١٣٣٩ هـ):

«هو السيّد أسد الله‏ بن السيّد صدر الدين بن محمّد هاشم نزيل قزوين والمتوفّىٰ بها سنة (١٣٦٢ هـ) بن محمّد حسين بن محمّد رضا بن المير محمّد علي الحسيني؛ عالم متبحّر وخطيب فاضل.

والمترجم له من أحفاد العالم الجليل المير محمّد علي صاحب المزار المشهور بالكرامات في تنكابن والمعروف ـ بمزار ـ (پير سيّد)، وأحفاده كثيرون أكثرهم علماء أجلّاء، وهم متفرّقون في طهران وقزوين ورشت وتنكابن والعراق.

... وحدّثني المترجم وقال: «إنّه ولد في النجف... وكان مولده في أيّام اشتغال والده في النجف وكان والده من تلاميذ الشيخ الأنصاري والمجدّد الشيرزاي

__________

(١) المصدر نفسه ١٣ / ١٢٩ برقم ٢٩٠.

(٢) المصدر نفسه ١٣ / ١٣٢ برقم ٢٩٧؛ هدية الرازي: ٦٧.

۱۸۹

وأخذه والده معه إلىٰ قزوين، فرجع هو منفرداً إلىٰ النجف في (١٢٩٥ هـ) فكان يحضر بحث الشيخ حبيب الله‏ الرشتي وفي حدود (١٣٠٤ هـ) تشرّف إلىٰ سامراء فكان يحضر بحث المجدّد الشيرازي، والسيّد محمّد الإصفهاني، قرب خمس سنين، ثمّ بعثه المجدّد إلىٰ كرمنشاه وكيلاً، ورجع بعد سنة، وفي (١٣١١ هـ) ذهب إلىٰ قزوين وصار مرجعاً للتدريس والوعظ والجماعة، وفي (١٣١٦ هـ) توفّي والده بقزوين فسافر إلىٰ الحجّ وعاد إلىٰ قزوين... توفّي في كرمنشاه في (٢٨/صفر/١٣٣٩هـ) وطبع له من تصانيفه: مصائب الهداة الأربعة عشر وروح الإيمان، في أصول الدين ودعوة الحقّ في أصول الدين أيضاً... وكلّها بالفارسية»(١).

١٥ـ الشيخ إسماعيل البرغاني (ت ١٣٠٢ هـ):

«هو الشيخ إسماعيل بن الآقا محمّد إمام الجمعة بن المولىٰ محمّد تقي الشهيد البرغاني القزويني؛ عالم جليل، وخطيب متكلّم.

أدرك في النجف بحث الشيخ الأنصاري، وأتمّ اشتغاله علىٰ السيّد حسين الكوهكمري، ورجع إلىٰ قزوين فصار مرجعاً للأمور الشرعية ومروّجاً للدين حتّىٰ وافاه الأجل في سنة (١٣٠٢ هـ)»(٢).

١٦ـ الشيخ المولىٰ آقا الخويني القزويني (ت ١٣٠٧ هـ):

«هو الشيخ المولىٰ أحمد الشهير بمولىٰ آقا ابن مصطفىٰ أحمد بن مصطفىٰ بن أحمد الخويني القزويني؛ عالم جليل ومصنّف مكثر محقّق.

ترجم نفسه في آخر كتابه في الرجال الذي سمّاه: (مرآة المراد) في تراجم الأوتاد؛

__________

(١) المصدر نفسه ١٣ / ١٣٦ ـ ١٣٧ برقم ٣١٠؛ انظر: هدية الرازي: ٦٩.

(٢) المصدر نفسه ١٣ / ١٦٤ برقم ٣٦٣.

۱۹۰

ذكر فيه ـ ما ملخّصه ـ ولد سنة (١٢٤٧ هـ)، وقرأ السطوح علىٰ المولىٰ أبي طالب البهشتي القزويني، والسيّد رضي القزويني والمولىٰ عبد الكريم الإيرواني، وسافر إلىٰ إصفهان... فبقي بها خمس سنين تلمّذ بها علىٰ السيّد الميرزا حسن الإصفهاني الشهير بالمدرّس، حتّىٰ حصلت له الإجازة منه، فرجع إلىٰ قزوين وبعد سنة هاجر إلىٰ العتبات فحضر في كربلاء علىٰ الفاضل الأردكاني المولىٰ حسين، ثمّ ذهب إلىٰ النجف فحضر بحث الشيخ الأنصاري، والشيخ راضي النجفي حتىٰ أجيز منهما، وألزماه بالرجوع فرجع إلىٰ قزوين سنة (١٢٦٩ هـ).. وكان المترجم في قزوين مشغولاً بالوظائف الشرعية وترويج الدين إلىٰ أن توفّي في (١٣٠٧ هـ).

وله تصانيف كثيرة في الدراية والأصول والفقه بالإضافة إلىٰ رسائل في الفقه وحواشٍ علىٰ بعض الكتب... وله ترجمة في المآثر والآثار وقال هناك: «إنّ له الرئاسة الشرعية العامّة في قزوين في هذا التاريخ»(١).

١٧ـ السيّد محمّد باقر السجاسي القزويني (ت قبل ١٣٠٦ هـ):

جاء في ترجمته: «كان من أعاظم العلماء المروّجين للدين في قزوين، ذكره في المآثر والآثار، وعدّه من علماء عصر السلطان ناصر الدين شاه القاجاري»(٢).

١٨ـ السيّد محمّد باقر القزويني (ت ١٣٦٥ هـ):

«هو السيّد محمّد باقر بن أبي تراب بن مرتضىٰ الحسيني القزويني، عالم جليل، وثقة ورع. كان في النجف مدّة يستفيد من بحث الآيتين الكاظميّين، وكان ناسكاً مؤدّباً بالآداب الشرعية

__________

(١) الطبقات (نقباء البشر) ١٣ / ١٧٠ـ١٧١ برقم ٣٧٤؛ انظر: المآثر والآثار، علماى عهد ناصر الدين شاه: ٣٣ ـ ٣٤.

(٢) المصدر نفسه ١٣ / ١٨٧ برقم ٤١٤.

۱۹۱

مراعياً لها قدر استطاعته، عاشرته مدّة طويلة إلىٰ أن رجع إلىٰ قزوين سنة (١٣٣٠ هـ) وزار العتبات المقدّسة سنة (١٣٣٨ هـ) وعاد إلىٰ بلده قائماً بواجباته، ثمّ هاجر من قزوين إلىٰ قم ولازم صحبة الآية ـ عبد الكريم ـ اليزدي الحائري، وبقي بعده إلىٰ أن توفّي بها في (٢٠ / ع / ١٣٦٥ هـ) وأخوه السيّد مرتضىٰ من أهل العلم والفضل في قزوين...»(١).

١٩ـ السيّد محمّد باقر القزويني (ت ١٣٣٨ هـ):

«هو السيّد محمّد باقر بن السيّد علي القزويني مؤلّف حاشية القوانين المشهورة؛ عالم فاضل. كان في قزوين قائماً مقام والده ـ العلّامة المتوفّي (١٢٩٨ هـ) ـ بإمامة الجماعة في مسجده بقزوين والتدريس هناك؛ زار العتبات في (١٣٣٨ هـ) فتوفّي بها في كربلاء»(٢).

٢٠ـ السيّد محمّد باقر القزويني (ت ١٣٣٣ هـ):

«هو أبو المعالي السيّد محمّد باقر بن الميرزا مهدي بن السيّد محمّد باقر الموسوي القزويني، الذي كان معلّم محمّد علي ميرزا ابن السلطان فتح علي شاه القاجاري، عالم فقيه.

كان من علماء كربلاء المشرّفة يعرف بالحاجّ آقا مير تلمّذ علىٰ الفاضل الأردكاني، والشيخ زين العابدين المازندراني، والسيّد محمّد حسين الشهرستاني وغيرهم إلىٰ أن توفّي (١٣٣٣ هـ)»(٣).

٢١ـ الحاجّ الشيخ بهشتي القزويني (ت بعد ١٣٠٠ هـ):

«من العلماء الأعلام في قزوين، كان يقيم الجماعة في مسجد الجامع وكان موجّهاً

__________

(١) المصدر نفسه ١٣ / ١٩٢ برقم ٤٢٨.

(٢) المصدر نفسه ١٣ / ٢١٤ برقم ٤٦٥.

(٣) المصدر نفسه ١٣ / ٢٢٥ برقم ٤٨٦.

۱۹۲

موثّقاً عند الخاصّة والعامّة، ومعروفاً بتدريس الشرح الكبير، توفّي بعد (١٣٠٠ هـ) حدّثني به ثقاة علماء قزوين، قالوا كان من المعمّرين وأدرك بحث مؤلّف الجواهر»(١).

٢٢ـ الشيخ المولىٰ محمّد تقي الأرداقي القزويني:

«من العلماء الفضلاء والأدباء الماهرين، كان مدرّساً في قزوين في الأدب والمنطق وغيرهما، ذكره في المآثر والآثار، وعدّه من علماء عصر السلطان ناصر الدين شاه القاجاري»(٢).

٢٣ـ السيّد محمّد تقي القزويني (١٣٣٣ هـ):

«هو السيّد محمّد تقي الشهير بـ: (السيّد آقا) ابن المير رضا بن السيّد محمّد تقي بن المير مؤمن بن محمّد تقي بن المير محمّد رضا الحسيني القزويني، عالم محقّق، وفاضل جليل.

كان في النجف الأشرف من تلامذة العلّامة الميرزا حبيب الله‏ الرشتي وغيره، وكتب كثيراً في الفقه والأصول حتّىٰ عدّ من أجلّاء العلماء والمجتهدين. وكان من المدرّسين في النجف يحضر مجلس درسه جماعة من أفاضل طلبة العلم وقد حضرت ـ والكلام للشيخ الطهراني ـ درسه قرب ستّة أشهر في بحث حجّية القطع والإجماع من كتاب الرسائل، وكان متبحّراً منقّباً ومحقّقاً مدقّقاً؛ قضىٰ سنين من عمره الشريف في النجف مشغولاً بالتدريس والإفادة متزوّداً من التقوىٰ والعبادة، وعاد إلىٰ قزوين فقام هناك بالوظائف الشرعية، وزار الرضا عليه‌السلام في (١٣٣٣ هـ) وبعد عودته إلىٰ قزوين توفّي بنفس السنة.

خلّف آثاره الجليلة وتصانيفه النافعة فمنها:

__________

(١) المصدر نفسه ١٢ / ٢٣٦ برقم ٥٠٨.

(٢) المصدر نفسه ١٣ / ٢٣٧ برقم ٥١٤.

۱۹۳

١ـ مجمع الأحكام في شرح شرائع الإسلام: من أوّله إلىٰ آخر البيع.

٢ـ مجامع الأصول: في تمام مباحثه.

٣ـ حاشية القوانين، وحاشية الرسائل، وحاشية الرياض.

٤ـ ورسالة في قضاء الصلوات، وشرح البيان للشهيد، وغيرها»(١).

٢٤ـ الشيخ الميرزا محمّد تقي البرغاني (١٣٣٧ هـ):

«هو الشيخ الميرزا محمّد تقي ابن الآقا عبد الله‏ إمام الجمعة ابن المولىٰ محمّد تقي الشهيد البرغاني؛ عالم فاضل ورئيس جليل. قام مقام والده في إمامة الجمعة وصار رئيساً مبجّلاً إلىٰ أن توفّي سنة (١٣٣٧ هـ)، فأقيم ولده الشيخ مرتضىٰ مقامه وأعطي منصب الإمامة له»(٢).

٢٥ـ السيّد جعفر القزويني (ت ١٣١٦ هـ):

«هو السيّد جعفر بن السيّد حسين بن السيّد جواد بن السيّد حسين ـ أستاذ السيّد مهدي بحر العلوم ـ ابن الأمير إبراهيم بن الأمير معصوم الحسيني؛ عالم فقيه.

كان في النجف من تلاميذ الشيخ الأنصاري ثمّ السيّد حسين الكوهكمري، وعاد إلىٰ قزوين فصار مرجعاً عامّاً لسائر الأمور، وبيتهم بيت علم جليل كلّ آبائه علماء، وكانت لهم خزانة كتب نفيسة انتهت إلىٰ المترجم، وتوفّي سنة (١٣١٦ هـ)، وله تصانيف وأولاد... ذكر المترجم في المآثر والآثار، مختصراً في حياته، وأشير إلىٰ مكتبته النفيسة»(٣).

٢٦ـ السيّد جمال الدين العاملي القزويني (ت حدود ١٣٣٠ هـ):

«هو السيّد جمال الدين بن السيّد عبد الكريم بن السيّد أحمد بن الحسن بن جعفر

__________

(١) الطبقات (نقباء البشر) ١٣ / ٢٥٦ ـ ٢٥٧ برقم ٥٥٠.

(٢) المصدر نفسه ١٣ / ٢٦٠ برقم ٥٥٦.

(٣) المصدر نفسه ١٢ / ٢٨٨ برقم ٦٠٣؛ انظر: المآثر والآثار: ١٠٧.

۱۹۴

الرضوي العاملي الأصل، القزويني المولد والمسكن والمدفن، عالم جامع وفقيه متبحّر.

هاجر جدّه الأعلىٰ السيّد جعفر من جبل عامل وسكن قزوين أيّام السلطان نادر شاه، وتعاقب أولاده وأحفاده إلىٰ اليوم.

ولد المترجم له حدود (١٢٧٠ هـ) ونشأ في قزوين، ثمّ هاجر إلىٰ إصفهان فاشتغل علىٰ الشيخ محمّد باقر الفشاركي والشيخ محمّد باقر الإصفهاني حتّىٰ صدرت له الإجازة منه فهاجر إلىٰ العتبات المقدّسة وبقي قرب خمس سنين في النجف وكربلاء مستفيداً من أعلام الدين حتّىٰ صدرت له الإجازة من الشيخ زين العابدين، والمولىٰ لطف الله‏ المازندراني النجفي، والميرزا حبيب الله‏ الرشتي، ثمّ رحل إلىٰ سامراء فتوقّف سنيناً يستفيد من بحث المجدّد الشيرازي، ورجع إلىٰ قزوين في (١٣٠٤ هـ) مقيماًَ بها للوظائف الشرعية إلىٰ أن توفّي حدود (١٣٣٠ هـ).

وله تصانيف منها: كتاب المصابيح في الفقه، ورسالة في القراءة خلف الإمام»(١).

٢٧ـ الشيخ الآقا حسين القزويني (ت قبل ١٣٣٠ هـ):

قال الطهراني في ترجمته: «عالم عامل وورع ثقة، كان في النجف الأشرف من تلاميذ الميرزا حسين الخليلي، والشيخ محمّد كاظم الخراساني، والسيّد كاظم اليزدي، واختصّ أواخر أيّامه بالسيّد اليزدي؛ كان غزير الفضل، جليل القدر في العلم، كما كان من الأخيار المتنسّكين المعروفين بالزهد والتقوىٰ والتدوين الصحيح.

ابتلي بمرض السلّ بعد (١٣٢٠ هـ) فقفل إلىٰ بلاده للتسلّي وتغيير الهواء فلم تطُل أيّامه، بل توفّي قبل (١٣٣٠ هـ)، وقد حصلت له خلال هذه المدّة القصيرة مرجعية تامّة مع أنّه لم يتصدَّ لها ولم يطلبها وإنّما كان ذلك لوثوق الناس به»(٢).

__________

(١) المصدر نفسه ١٣ / ٣١٤.

(٢) المصدر نفسه ١٤ / ٥٠٦ برقم ٩١٣.

۱۹۵

٢٨ـ السيّد حسين السكاكي (ت ١٣٠٩ هـ):

«هو السيّد حسين بن السيّد أبي تراب بن الميرزا مرتضىٰ الحسيني القزويني، الشهير بـ: (السكّاكي)، عالم ورع وفاضل جليل.

هاجر إلىٰ النجف الأشرف ـ بعد أن أخذ الأوّليات وبعض المقدّمات في بلاده ـ فأتمّ المقدّمات، وحضر بحث المؤسّس الميرزا حبيب الله‏ الرشتي ستّ سنين. ولمّا تقدّم وبرع وأحسّ من نفسه الكفاءة عاد إلىٰ قزوين في (١٣٠٣هـ) وهي السنة التي توفّي فيها والده؛ فقام مقامه في رياسة الدين ومرجعية الأمور وانتقلت إليه زعامة والده واحتفىٰ به أصحاب أبيه والمستفيدون منه، لما لمسوه من غزارة الفضل وحسن الأخلاق واللياقة، فاشتغل بالوظائف علىٰ الوجه المرسوم إلىٰ أن توفّي في (١٣٠٩هـ).

وتوجد ـ للمترجم له ـ جملة من تقريراته التي كتبها في الفقه والأصول عند ولده أبي تراب المولود عام وفاة والده والمرجع للأمور في قزوين اليوم...»(١).

٢٩ـ السيّد حسين القزويني:

«هو السيّد حسين بن السيّد علي القزويني صاحب حاشية القوانين المشهورة؛ عالم جليل وفاضل بارع.

كان والده من أعلام العلماء ومشاهيرهم في عصره؛ وولده المترجم له من الأجلّاء أيضاً، هاجر إلىٰ النجف الأشرف بعد تكميل المقدّمات في بلاده؛ فحضر علىٰ الميرزا حبيب الله‏ الرشتي وغيره من المدرّسين المبرّزين يومذاك حتّىٰ حاز قسطاً وافراً من الفقه والأصول وغيرهما، فعاد إلىٰ قزوين للقيام بالتكاليف الشرعية فصار من الرؤساء والمراجع في سائر الأمور إلىٰ أن توفّي بها رحمه‌الله»(٢).

__________

(١) الطبقات (نوابغ البشر) ١٤ / ٥١٧ ـ ٥١٨ برقم ٩٤١.

(٢) المصدر نفسه ١٤ / ٦٠٢ برقم ١٠٣٤.

۱۹۶

٣٠ـ الشيخ حمزة علي القزويني (ت بعد سنة ١٣٢٥ هـ):

«عالم جليل وفقيه فاضل، جاور النجف الأشرف عدّة سنين مشتغلاً بالعلوم الشرعية، حضر علىٰ الشيخ الميرزا حسين الخليلي، والشيخ محمّد كاظم الخراساني والسيّد محمّد كاظم اليزدي، وغيرهم؛ لازم أبحاث هؤلاء الأعلام مدّة غير قصيرة حتّىٰ حاز قسطاً وافراً من الفقه والأصول وغيرهما.

وفي حدود سنة (١٣٢٥ هـ) قفل إلىٰ بلاده قزوين للقيام بالوظائف الشرعية ونهض بأعباء الهداية والإرشاد، وحاز مرجعية ورياسة دينية إلىٰ أن توفّي»(١).

٣١ـ الشيخ داود البرغاني (ت حدود ١٣٣٤ هـ):

«هو الشيخ داود بن الشيخ إبراهيم بن محمّد بن الشيخ محمّد تقي الشهيد البرغاني الشهير؛ عالم فاضل وورع صالح.

كان من فضلاء هذا البيت وخيار علمائه، هاجر إلىٰ النجف الأشرف فتلمّذ علىٰ فقهاء عصره مدّة، وتشرّف إلىٰ سامراء فبقي بها قرب ثلاث سنين مواظباً علىٰ الاستفادة من بحث السيّد المجدّد، ورجع إلىٰ برغان فنهض بأعباء الهداية والإرشاد شأن سلفه الصالح، وقام بالوظائف المطلوبة إلىٰ أن توفّي في حدود سنة (١٣٣٤هـ)»(٢).

٣٢ـ الشيخ آقا رضا قلي القزويني (من علماء أوائل القرن الرابع عشر الهجري):

«فيلسوف فاضل وعالم كامل لا سيّما في المعقول، تلمّذ في الحكمة علىٰ حجّة عصره في المعقول آقا حكمي القزويني، ونبغ في ذلك، وخلف أستاذه علىٰ شهرته وبراعته، وصارت الرحلة إليه كما كانت لأستاذه، ذكره في المآثر والآثار في ذيل ترجمة أستاذه...»(٣).

__________

(١) الطبقات ١٤ / ٦٨٢ برقم ١١٢٠.

(٢) الطبقات ١٤ ٧١١ برقم ١١٥٤؛ انظر: هداية الرازي: ١٠٢.

(٣) الطبقات ١٤ / ٧٨٣ برقم ١٢٦٨؛ انظر: المآثر والآثار: ١٨٠ برقم ٣٣٧.

۱۹۷

٣٣ـ الشيخ روح الله‏ القزويني (ت حدود ١٣٥٥ هـ):

«عالم عامل، وفقيه كامل، كان في النجف الأشرف من تلاميذ الميرزا حسين الخليلي، والسيّد محمّد كاظم اليزدي، وغيرهما من علماء عصره، عاد إلىٰ طهران فاشتغل بالوظائف الشرعية عدّة سنين، وكان من العلماء هناك، ثمّ انتقل إلىٰ قزوين فكان من مراجع الأمور ورجال الدين إلىٰ أن توفّي في حدود (١٣٥٥ هـ)، وهو والد العالم الفاضل الشيخ حسن القزويني ـ صهر العلّامة السيّد أحمد الطالقاني من علماء طهران ـ من فضلاء حوزة قم وتلاميذ السيّد الزعيم آقا حسين البروجردي»(١).

٣٤ـ الشيخ صادق البرغاني (ت ١٣١١ هـ):

«هو الشيخ صادق بن المولىٰ محمّد تقي الشهيد البرغاني القزويني، فقيه كبير، وعالم شهير؛ كان في النجف الأشرف من تلاميذ الشيخين المعظّمين الشيخ محمّد حسن صاحب الجواهر، والشيخ حسن ـ كاشف الغطاء ـ صاحب أنوار الفقاهة وغيرهما من الأجلّاء؛ لازم أبحاث علماء ذلك العصر حتّىٰ ارتوىٰ من نميرهم وشهدوا بغزارة علمه، فعاد إلىٰ قزوين قائماً بالوظائف الشرعية، وصار هناك مرجعها الكبير وملاذها المقدّم، ذكره في المآثر والآثار فاثنىٰ عليه وقال ما ترجمته: «له الرياسة علىٰ سائر هذه السلسلة ـ البرغانية ـ وهو الحاكم الشرعي في البلدة، ويرىٰ لنفسه التقدّم علىٰ فضلاء تلك الجهة» توفّي رحمه‌الله في (١٣١١ هـ).

وله ـ من الآثار ـ حواشي الأنوار لأستاذه في عدّة مجلّدات، وله إجازة الاجتهاد من شيخه صاحب الجواهر، أشرك فيها أخاه الآقا عبد الله‏ إمام الجمعة وهي إجازة تامّة»(٢).

__________

(١) المصدر نفسه ١٤ / ٧٨٩ برقم ١٢٨١.

(٢) المصدر نفسه ١٤ / ٨٦٤ برقم ١٣٩٥.

۱۹۸

٣٥ـ الشيخ محمّد صادق القزويني (ت بعد ١٣٣٣ هـ):

«هو الشيخ محمّد صادق بن المولىٰ علي الفيروزآبادي القزويني، عالم كامل وفاضل جليل.

كان والده نزيل زنجان وعالمها الكبير، توفّي في (١٢٩٠ هـ) وخلفه ولده المترجم له علىٰ أعماله، وقام بالوظائف الشرعية من الإمامة والتدريس ونشر الأحكام ونشر بعض تصانيف والده، منها معدن الأسرار»(١).

٣٦ـ الشيخ المولىٰ صادق القزويني (ت حدود ١٣٤٨ هـ):

«هو الشيخ المولىٰ صادق بن المولىٰ علي رضا اليزدي القزويني، عالم ثقة وفقيه تقي، كان والده من أجلّاء علماء عصره في قزوين، خلّف من الذكور المترجم له، وأخويه الشيخ علي، والشيخ أبا علي، والمترجم أفضلهم، خلف والده في مرجعيّته وقام مقامه في مسجده الخاصّ المعروف بـ: (مسجد سبز) وكان متبحّراً غزير الفضل صالحاً تقيّاً، توفّي في حدود (١٣٤٨ هـ) وولده الشيخ أبو جعفر من الفضلاء وأهل الوعظ والمنبر وفّقه الله‏»(٢).

٣٧ـ السيّد صدر الدين التنكابني (ت ١٣١٦ هـ):

«هو السيّد صدر الدين بن محمّد هاشم بن محمّد حسين بن محمّد رضا ابن الأمير محمّد علي التنكابني القزويني؛ عالم فقيه وورع جليل؛ من أحفاد العالم الجليل الأمير محمّد علي الحسيني التنكابني صاحب المزار المعروف في تنكابن المشهور بالكرامات بين أهلها، كان في النجف من تلاميذ الشيخ مرتضىٰ الأنصاري، والسيّد المجدّد الشيرازي وغيرهما، وقد بلغ

__________

(١) المصدر نفسه ١٤ / ٨٧١ برقم ١٤٠٣.

(٢) المصدر نفسه ١٤ / ٨٧١ برقم ١٤٠٤.

۱۹۹

مكانة سامية في العلم والفضل ثمّ هبط قزوين فأقبلت عليه الناس وأصبح مرجعاً للخاصّة والعامّة إلىٰ أن توفّي سنة (١٣١٦ هـ) ودُفن هناك»(١).

٣٨ـ الشيخ عبد الحسين الألموتي (ت ١٣٠٦ هـ):

«عالم كبير، وفقيه جليل، أصله من (ألموت) من محالّ قزوين، كان من قدماء تلاميذ العلّامة الميرزا حبيب الله‏ الرشتي في النجف، وكتب من تقريراته دورة أصول تامّة؛ عاد إلىٰ قزوين فكان فيها من المراجع الموثّقين وأفاضل المدرّسين، إلىٰ أن توفّي في سنة (١٣٠٦ هـ)»(٢).

٣٩ـ السيّد عبد الصمد القزويني (ت بعد ١٣٢٠ هـ):

«هو السيّد عبد الصمد بن السيّد محمّد تقي الشهير بالحاجّ سيّد تقي بن الأمير مؤمن ابن الأمير محمّد تقي الحسيني القزويني؛ عالم وجيه، وفاضل صالح.

كان والده من العلماء الأجلّاء وأصحاب الكرامات المعروفين... وهو من الفقهاء الأفاضل وكان من الرؤساء الموجّهين وذوي الشأن والاعتبار في قزوين.

تشرّف بزيارة النجف في نيف وعشرين وثلاثمائة وألف زائراً، ثمّ رجع إلىٰ بلاده وتوفّي بعد قليل وحمل إلىٰ النجف الأشرف فدفن في وادي السلام.

وهو عمّ العلّامة السيّد آقا القزويني وأبو السادة الأجلّاء الأربعة المتناسبة؛ السيّد عبّاس، والسيّد علي رضا، ولم يعقّبا، والسيّد محمّد رضا والسيّد إبراهيم؛ وذرّيتهما موجودة في قزوين كسائر ذرّيات إخوانه الاثني عشر كلّهم أحفاد الحاجّ السيّد تقي، وفيهم علماء أجلّاء مجتهدون»(٣).

__________

(١) المصدر نفسه ١٥ / ٩٥١ برقم ١٤٤١؛ انظر: للمؤلّف نفسه هدية الرازي: ١١١.

(٢) الطبقات (نقباء البشر) ١٥ / ١٠٢٧ برقم ١٥٣٦.

(٣) المصدر نفسه (نقباء البشر) ١٥ / ١١٣٣ برقم ١٦٤٨.

۲۰۰

٤٠ـ الشيخ المولىٰ علي القزويني (ت ١٣١٠ هـ):

«عالم فاضل، وخطيب كبير، كان من الأكابر الأجلّاء، ذا يد طولىٰ في الحديث والتفسير والتاريخ، كثير التتبّع واسع الاطّلاع، أعجوبة في دهره في قوّة الحفظ وطلاقة اللسان، حتّىٰ أنّه لم يكن له في وقته شبيه في إيران كلّها، كما ذكره الفاضل المراغي في المآثر والآثار، وأطراه... وتوفّي في نيف وعشرة وثلاثمائة وألف»(١).

٤١ـ الشيخ علي القزويني (ت ١٣٣٣ هـ):

«هو الشيخ آقا علي بن المولىٰ علي رضا اليزدي القزويني، عالم جليل وفاضل تقي؛ كان والده من العلماء الأجلّاء، توفّي في سنة (١٣١٣ هـ)، ولد ـ المترجم له ـ في قزوين فعني أبوه بتوجيهه وأحسن تربيته، فأكمل دراسة الأدبيّات والسطوح وهاجر إلىٰ النجف الأشرف في حدود سنة (١٣١٦ هـ)، فحضر درس العلماء والأعلام؛ وعمدة تتلمذه علىٰ الشيخ محمّد كاظم الخراساني فقد واظب علىٰ حضور بحثه ولازمه حتّىٰ توفّي في سنة (١٣٢٩ هـ) ولم يحضر علىٰ غيره بعده، بل عمد إلىٰ ترتيب وتنظيم ما كان كتبه من تقريرات بحثه، وشرع في تأليف تفسير للقرآن علىٰ نحو بديع خرج منه أجزاء كثيرة.

أصاب المترجم... مرض وهو مشغول بتأليف تفسير وانهارت صحّته بسرعة حتّىٰ خيف عليه الهلاك فحبّبوا له العودة إلىٰ إيران فخرج إلىٰ قزوين بأهله في ذي الحجّة سنة (١٣٣٢ هـ)، واشتدّ به المرض هناك فذهب إلىٰ طهران للمعالجة وتوفّي بها بعد وروده إليها بأيّام، سنة (١٣٣٣ هـ) ودُفن هناك ـ ويضيف الطهراني ـ وهو أبو زوجتي الأولىٰ...»(٢).

__________

(١) المصدر نفسه (نقباء البشر) ١٦ / ١٣٠٩ برقم ١٨٣٠.

(٢) الطبقات (نقباء البشر) ١٦ / ١٤٩١ ـ ١٤٩٢ برقم ٢٠١٠.

۲۰۱

٤٢ـ الشيخ علي أصغر القزويني (ت ١٣٣٣ هـ):

كان من رجال الفضل والعلم والورع والتقىٰ الأجلّاء، تتلمذ علىٰ الميرزا حبيب الله‏ الرشتي، والميرزا حسن الخليلي، والشيخ محمّد كاظم الخراساني، وقد رجع إلىٰ قزوين قبل سنة (١٣٢٠ هـ) فمكث هناك عدّة سنوات ثمّ عاد للزيارة، وبعد استيلاء الروس علىٰ قزوين عاد بجميع أهله إلىٰ النجف فقطنها مدّة وفي حدود (١٣٣٢ هـ) مرض فعاد إلىٰ قزوين وتوفّي فيها سنة (١٣٣٣ هـ)(١).

٤٣ـ الشيخ علي أكبر السياه داني:

«كان من أعاظم وأجلّاء الفقهاء وقدمائهم في قزوين، مرجعاً في الأمور الشرعية وغيرها، وعاد إلىٰ قزوين، فأحبّه أهلها والتفّوا حوله ووثقوا به، وكان له شأن كبير وخدمات جلّىٰ حتّىٰ انتقل إلىٰ جوار الله‏ تعالىٰ»(٢).

٤٤ـ الشيخ علي أكبر الجلوخاني (ت ١٣٣١ هـ):

«هو الشيخ علي أكبر بن محمّد حسين الجلوخاني القزويني؛ فقيه بارع وعالم جامع، كان في النجف الأشرف من تلامذة السيّد حسين الكوهكمري، والميرزا حبيب الله‏ الرشتي، والسيّد محمّد حسن المجدّد الشيرازي وغيرهم؛ وقد حضر علىٰ المجدّد في سامراء أيضاً بعد هجرته إليها؛ وكان يلقب بالجلوخاني نسبة إلىٰ جلوخان مسجد شاه في قزوين.

وقد عاد إلىٰ بلاده في سنة (١٢٩٥ هـ) وفي سنة (١٣١٧هـ) عاد إلىٰ كربلاء لبعض الأسباب فكان يعدّ من علمائها الموجّهين، وكان ينوب عن الحجّة السيّد إسماعيل الصدر في الصلاة في بعض الأوقات، وقد بقي حتّىٰ سنة (١٣٢٥هـ) فعاد

__________

(١) المصدر نفسه ١٦ / ١٥٦٩ برقم ٢٠٨٧.

(٢) المصدر نفسه ١٦ / ١٥٨٢ ـ ١٥٨٣ برقم ٢١١١.

۲۰۲

إلىٰ قزوين وقام بالوظائف الشرعية هناك... حتّىٰ توفّي في بلاده سنة (١٣٣١هـ)»(١).

٤٥ـ الشيخ علي أكبر البرغاني:

«هو الشيخ الميرزا علي أكبر بن الشيخ حسين بن المولىٰ صالح البرغاني القزويني؛ عالم فاضل، من بيت علم وفضل مشهور في قزوين، بلغ رجاله درجات عالية واشتهروا بكلّ مكرمة وفضيلة... وكان المترجم له يلقّب بصدر العلماء، وانتقل اللقب بعد وفاته إلىٰ ولده الفاضل الشيخ آقا حسين»(٢).

٤٦ـ الشيخ علي نقي البرغاني (١٣٢٠ هـ):

«هو الشيخ الميرزا علي نقي بن الشيخ حسن بن المولىٰ محمّد صالح ابن المولىٰ محمّد بن المولىٰ محمّد تقي بن محمّد جعفر بن المولىٰ محمّد كاظم... البرغاني القزويني الحائري، عالم كبير وفقيه ماهر.

كان في النجف الأشرف من تلامذة الشيخ الميرزا حبيب الله‏ الرشتي وغيره، من محقّقي وقته، أصاب حظّاً عظيماً في العلم والفضل، سكن كربلاء كوالده الجليل، وتصدّر فيها للتدريس الخارجي، فكان له بحث عامر يحضره النابهون والأفاضل من أهل العلم، وقد عرف بدقّة النظر وعمق الفكر وعذوبة المنطق.

توفّي في كربلاء في سنة (١٣٢٠ هـ)، ومن آثاره مجلّد في أصول الفقه من أوّل مباحث الألفاظ إلىٰ آخر بحث وقوع الأمر عقب الحظر... وقد سمّاه المترجم له بـ: (بدايع الأصول) وكأنّه اقتدىٰ بأستاذه الميرزا الرشتي في التسمية، كما أنّه تابعه في مطالبه وإن خالفه في خطبته وفي التقديم والتأخّر بعض المطالب.

__________

(١) المصدر نفسه ١٦ / ١٥٩٥ ـ ١٥٩٦ برقم ٢١٢٩.

(٢) المصدر نفسه ١٦ / ١٥٩٦ برقم ٢١٣٠.

۲۰۳

وكانت ولادة نجله الشيخ حسن ـ الذي سمّاه باسم جدّه ـ سنة (١٣١٠ هـ) وقد قرأ علىٰ عدد من الفضلاء، وأجلّ أولاد العلّامة المعمّر الشيخ عيسىٰ الذي كان متولّي أوقاف والده الشيخ محمّد تقي الشهيد الثالث، وأوقاف عمّه الشيخ محمّد صالح الواقعة في برغان وقزوين وغيرهما، ولازمه عدّة سنين وهاجر معه إلىٰ قزوين وبقي هناك ملازماً له حتّىٰ توفّي في سنة (١٣٣٩ هـ)، وهو آخر العترة من ولد الشهيد، وتوفّي بعده الشيخ أحمد البرغاني وبعد أربعين يوماً من وفاته رجع الشيخ حسن إلىٰ كربلاء وبقي فيها إلىٰ اليوم مقيماً للوظائف الدينية ومتولّياً لما بقي من تلك الأوقاف في كربلاء... وقد عيّنه متولّياً الحجّتان الشيخ ميرزا حسين النائيني، والسيّد أبو الحسن الإصفهاني في سنة (١٣٤٥ هـ) بمحضر الشيخ جعفر النقدي قاضي الجعفرية يومئذٍ»(١).

٤٧ـ الشيخ عيسىٰ البرغاني (ت ١٣٣٩ هـ):

«هو الشيخ عيسىٰ ابن المولىٰ محمّد تقي البرغاني القزويني ـ الشهيد الثالث ـ عالم كبير وفقيه ورع؛ كان من أجلّاء الفضلاء ومشايخ العلم والورع والتقىٰ والحلم، عمر في طاعة الله‏ طويلاً.

تتلمذ في النجف الأشرف علىٰ يد السيّد حسين الكوهكمري والشيخ محمّدحسين الكاظمي، والشيخ زين العابدين المازندراني، وأجيز منهم ومن غيرهم.

عاد إلىٰ قزوين فكان مرجعاً محترماً مقدّماً علىٰ سائر البرغانيّين، وهو آخر العشرة الكاملة من ذرّية الشهيد الثالث أعلىٰ الله‏ مقامه.

وكانت بيده موقوفات والده وعمّه الصالح حتّىٰ توفّي في سنة (١٣٣٩ هـ) وقام بالتولية بعده بعض آل البرغاني إلىٰ سنة (١٣٤٥ هـ) وفيها عين الإصفهاني

__________

(١) نقباء البشر ١٦ / ١٦٣٠ ـ ١٦٣١ برقم ٢١٨٠ بتصرّف قليل لاستقامة الترجمة.

۲۰۴

والنائيني التولية للشيخ حسن الصالحي حفيد الشيخ علي نقي السابق ذكره»(١).

٤٨ـ الشيخ عيسىٰ القزويني (ت بعد ١٣٢٠ هـ):

«كان من الفضلاء الأجلّاء والعلماء الأتقياء، أصله من (لاهارد) في قزوين، هاجر إلىٰ النجف الأشرف فمكث عدّة سنين، لازم فيها دروس الشيخ محمّد كاظم الخراساني، والسيّد محمّد كاظم اليزدي، والميرزا حسين الخليلي، وغيرهم، حتّىٰ حاز قسطاً وافراً من المعرفة والعلم، وكان ورعاً صالحاً.

عاد إلىٰ بلاده في حدود سنة (١٣٢٠ هـ) قائماً بالوظائف الشرعية ولا علم لي بتاريخ وفاته»(٢).

٤٩ـ الشيخ غلام علي القزويني (ت ١٣٠٦ هـ):

«هو الشيخ غلام علي الشهير بالحاجّ آقاخوند ابن الحسن بن الرضا بن خدا بنده بن رضا بنده الجيرساباتي، العبد الربّ آبادي القزويني.

كان من أفاضل رجال أسرته (الجيرسابات) المعروفة في قرية عبد ربّ آباد في قزوين، ومن العلماء المصنّفين، وأهل الخبرة والاطّلاع والتحقيق.

توفّي يوم الثلاثاء (١١ / ربيع الثاني / ١٣٠٦ هـ)؛ وهو والد العلّامة الشيخ محمّد مهدي شمس العلماء، العضو المشارك في تأليف نامه دانشوران، ولهما ترجمة في المآثر والآثار»(٣).

__________

(١) نقباء البشر ١٦ / ١٦٣٧ برقم ٢١٩١، مع ملاحظة أنّ الشيخ الطهراني قد ذكر في ترجمة الشيخ علي نقي: أنّ الشيخ حسن نجله الذي ولد سنة ١٣١٠ هـ.

(٢) المصدر نفسه ١٦ / ١٦٣٦ برقم ٢١٨٩.

(٣) المصدر نفسه ١٦ / ١٦٦٠ برقم ٢٢٢٦؛ انظر: المآثر والآثار: ١٢٧ برقم ٢٠٨، وذكره

۲۰۵

٥٠ـ الشيخ فتح الله‏ البرغاني القزويني (ت بعد ١٣٣٧ هـ):

«هو الحاجّ الشيخ فتح الله‏ ابن العلّامة الشيخ صادق بن الحاجّ ملّا محمّد تقي الشهيد البرغاني النجفي القزويني؛ فاضل ورع جليل.

كان في النجف سنين مستفيداً من بحث شيخنا العلّامة شيخ الشريعة الإصفهاني وآية الله‏ الخراساني، حتّىٰ كمل من مراتب العمل والعمل، وكنت شريك البحث معه، ومع الشيخ محمّد تقي الطهراني نزيل بمبئي في سنين.

ورجع إلىٰ قزوين في سنة (١٣٣٧ هـ)، وهو أصغر إخوانه السبع الكرام، الذين جلّهم من الأعلام، يذكر منهم: الحاجّ الشيخ مهدي والحاجّ ميرزا هداية الله‏، وقد مرّ ذكر والدهم الجليل وبيتهم من له جدّهم الأعلىٰ محمّد الملقّب بـ: (ملائكة) والد الشهيد، بيت علم وجلالة»(١).

٥١ـ الشيخ فضل علي القزويني (ت ١٣٦٧ هـ):

هو الحاجّ الشيخ فضل علي بن ملّا وليّ الله‏ القزويني؛ من الفضلاء الأجلّاء، اشتغل في النجف سنين عند آيتي الله‏ الكاظميّين وغيرهما، إلىٰ أن رجع إلىٰ إيران وقزوين قريب سنة سبع وعشرين، ثمّ عاد إلىٰ الحجّ، ثمّ رجع ودخل نفسه في الوكلاء المسلمين، ثمّ استعفىٰ واشتغل بالتصنيف مثل: شرح خطبة الزهراء ومقتل أبي عبد اللهعليه‌السلام ، وغيرها(٢).

٥٢ـ الشيخ كاظم البرغاني القزويني (ت حدود ١٣٢٠ هـ):

«هو الشيخ كاظم ابن الشيخ العلّامة ملّا محمّد تقي الشهيد البرغاني

__________

باسم: (الحاجّ آقا آخوند بن الحسن...) ولم يذكر اسم (غلام علي)، وفي فرهنگ نام آوران قزوين ٢ / ١١٨٤، ذكر باسم: (غلام علي).

(١) المصدر نفسه ١٧ /٢٠ رقم الترجمة ١٧.

(٢) المصدر نفسه ١٧ /٣٣ الترجمة رقم ٣٦؛ الذريعة ١٣ / ٢٢٤ برقم ٧٩٦.

۲۰۶

القزويني؛ عالم فاضل وكامل جليل.

كان من العلماء الأجلّاء، وكان من تلاميذ العلّامة الشيخ زين العابدين المازندراني، ووالده وإخوته وعمّه وجدّه كلّهم علماء، توفّي بالحائر الشريف حدود (١٣٢٠ هـ)»(١).

٥٣ـ الشيخ مجتبىٰ التنكابني القزويني (ت ١٣٨٦ هـ):

«هو الشيخ مجتبىٰ بن الميرزا أحمد بن الشيخ محمّد حسين التنكابني القزويني؛ عالم فاضل. كان والده تلميذ الميرزا حسين الخليلي الطهراني، وتوفّي بالنجف في السنة (١٣٣٢ هـ).

كانت ولادة المترجم له بقزوين في (١٣١٦ هـ)، وكان أوّلاً نزيلها، ثمّ نزل المشهد الرضوي في سنة (١٣٤٠ هـ)، وصار المدرّس بها، رأيته هناك في سنة (١٣٨٠ هـ) مع خاله الشيخ علي أكبر إلهيّان بن الشيخ محمّد تقي بن الشيخ أحمد التنكابني، الذي هاجر إلىٰ قزوين في سنة (١٣١٣ هـ).

توفّي المترجم له في المشهد الرضوي سنة (١٣٨٦ هـ)، وله تصانيف منها: تفسيره بالفارسية الموسوم بـ: (بيان الفرقان) طبع منه مجلّدات»(٢).

٥٤ـ السيّد محمّد بحر العلوم القزويني (ت ١٣٨١ هـ):

«وهو السيّد محمّد بن الميرزا هبة الله‏ ابن العلّامة الحاجّ ميرزا رفيع بن السيّد علي الشهير بـ: (بحر العلوم) الموسوي القزويني؛ فاضل واعظ متبحّر، ولد من بنت العلّامة الحاجّ ملّا صالح البرغاني، أخي الشهيد البرغاني في سنة (١٢٩٦ هـ)، تتلمذ في إصفهان علىٰ العلّامة الحاجّ آقا منير البروجردي، وقد وردها سنة

__________

(١) طبقات أعلام الشيعة (نقباء البشر) ١٧ / ٦٢ الترجمة رقم ٧٢.

(٢) المصدر نفسه (نقباء البشر) ١٧؛ الذريعة ٢٦ / ١١٦.

۲۰۷

(١٣١٣ هـ) ـ وتتلمذ ـ في النجوم علىٰ شيخنا آية الله‏ الخراساني.

توفّي سنة (١٣٨١ هـ) ودُفن في (باغ علي جان) بين حرم عبد العظيم وإمام زاده طاهر عليهما‌السلام. وله تصانيف منها: حوادث الأيّام، وتلخيص التراجم، وغيرها»(١).

٥٥ـ السيّد مصطفىٰ الحاجّ سيّد جوادي القزويني:

«هو السيّد مصطفىٰ بن السيّد مهدي بن السيّد جواد بن السيّد حسين ابن مير السيّد إبراهيم ابن مير معصوم القزويني؛ عالم فاضل كامل، يعرف هو وبنوا أعمامه بـ: (سادات حاجّ سيّد جوادي).

كان في النجف الأشرف سنين ـ وهو ـ من تلاميذ شيخنا آية الله‏ الخراساني وقد رأيت عنده بعض الكتب من موقوفات أجداده»(٢).

٥٦ـ الشيخ مفيد القزويني:

«عالم فقيه جليل؛ ومن العلماء الأعلام بقزوين ومجمع الأمور الشرعية، كان تلميذ العلّامة السيّد علي القزويني صاحب حاشية القوانين، ثمّ تشرّف بالنجف وتتلمذ علىٰ العلّامة الحاجّ ميرزا حبيب الرشتي وكتب تقريرات بحثه، ثمّ رجع إلىٰ قزوين، وكان معاصراً للحاجّ ملّا علي أكبر سياه داني الرئيس هناك، ولعلّه ابن محمّد حسن الأسترآبادي»(٣).

وفي ترجمة لاحقة لهذه الترجمة يذكره الشيخ الطهراني ويقول: «الشيخ مفيد بن الشيخ محمّد حسن الأسترآبادي القزويني، عالم فاضل، كان في النجف سنين، تلمّذ علىٰ الميرزا حبيب الرشتي، والفاضل الشرابياني، ثمّ هاجر إلىٰ سامراء حدود سنة

__________

(١) نقباء البشر ٥ / ٢٥١٨ـ٢٥١٩ برقم ٢٧١٢.

(٢) المصدر نفسه ٥ / ٢٦٠٦ ـ ٢٦٠٧ برقم ٢٨٢١.

(٣) المصدر نفسه ٥ / ٢٦١٦ برقم ٢٨٣٣.

۲۰۸

(١٣٠٤ هـ) مستفيداً من بحث آية الله‏ المجدّد الشيرازي، وابتلي بجرح في جانبه وعالجه الميرزا أرسطو... وبالجملة كلّما عالج الشيخ مفيد، ما برأ ولا أفيد، حتّىٰ ألجئ إلىٰ الرجوع إلىٰ إيران وعاد إلىٰ تلك البلاد ونزل قزوين وبها توفّي سنة (١٣٢٣ هـ)»(١).

٥٧ـ السيّد موسىٰ القوي ميداني القزويني:

«هو السيّد موسىٰ بن السيّد محمّد باقر القزويني المعروف بـ: (قوي ميداني)، عالم فاضل جليل.

كان والده من أعاظم المصنّفين، ومرجع الأمور الشرعية، وقام هو ـ أي: المترجم له ـ مقامه بالرئاسة العامّة التامّة.

ذكره ـ قوام السلطنة ـ في المآثر والآثار في ذيل ترجمة والده العلّامة»(٢).

٥٨ـ السيّد موسىٰ القزويني (ت بعد ١٣٠٦ هـ):

«هو السيّد موسىٰ بن مير شجاع القزويني؛ عالم فقيه فاضل جليل، كان من العلماء الفضلاء المدرّسين بها ـ أي: قزوين ـ ذكره في المآثر والآثار»(٣).

٥٩ـ الشيخ مهدي الشهيدي القزويني (ت ١٣٣٧ هـ):

«هو الحاجّ الشيخ مهدي ابن العلّامة الشيخ صادق بن الحاجّ ملّا محمّد تقي الشهيد البرغاني القزويني، عالم فاضل، وورع زاهد.

كان عالماً ورعاً زاهداً تقيّاً موثّقاً، إماماً للجماعة، مرجعاً للخاصّة والعامّة،وكان أيّام

__________

(١) المصدر نفسه ٥ / ٢٦١٧ برقم ٢٨٣٤.

(٢) المصدر نفسه ٥ / ٢٦٣٥ برقم ٢٨٥٨؛ انظر: المآثر والآثار: ٤١ ـ ٤٢ برقم ٣٩ ضمن ترجمة والده السيّد محمّد باقر القزويني.

(٣) المصدر نفسه ٥ / ٢٦٤١ برقم ٢٨٦٩؛ انظر: المآثر والآثار: ١١٩ برقم ١٨٨.

۲۰۹

اشتغاله في النجف سنين كثيرة، توفّي بقزوين سنة (١٣٣٧ هـ)، وهو أكبر الأخوة السبعة، ومنهم الحاجّ الميرزا هداية الله‏ الآتي»(١).

٦٠ـ الشيخ محمّد مهدي (شمس العلماء) العبد ربّ آبادي (ت ١٣٣٤ هـ):

قال الشيخ الطهراني في ترجمته: «هو الشيخ محمّد مهدي بن ملّا غلام علي العبد ربّ آبادي، عالم فاضل ومتبحّر ماهر، ترجمه ـ قوام السلطنة ـ في المآثر والآثار وأطرىٰ في الثناء عليه، وذكر أنّه أخذ الأدبيات عن أبيه والشيخ محمّد الحاجّ عبد الخالقي، والعلوم الشرعية عن السيّد علي القزويني، والملّا آقا القزويني، ثمّ نزل طهران وانتخب للعضويّة في إدارة وتأليف نامه دانشوران، ولقّبه السلطان ناصر الدين شاه بـ: (شمس العلماء)، وكتب بأمره رسالة في أحوال أئمّة المذاهب الأربعة العامّية.

تتلمذ في قزوين علىٰ المذكورين، ونزل طهران في (مدرسة المعيّر) في حدود سنة (١٢٩٠ هـ)، وكان متبحّراً في فنون الأدب وشعب التأريخ وأحوال الرجال... وكان العلّامة محمّد خان القزويني يثني عليه كثيراً ويذكر أنّ العلماء المترجمين في المآثر والآثار كلّها من قلم (شمس العلماء) وذكر أنّه توفّي في (٢٤ / ذي الحجّة / ١٣٣٤ هـ)»(٢).

٦١ـ الشيخ محمّد هاشم القزويني (ت حدود ١٣٨٠ هـ):

«هو الشيخ الحاجّ ملّا محمّد هاشم بن الحاجّ مهدي بن سليمان الأفشاري القزويني؛ علّامة محقّق.

ولد بـ: (أفشارية) من نواحي قزوين حدود سنة (١٣٠٩ هـ)(٣)، تتلمذ في

__________

(١) نقباء البشر ٥ / ٢٦٨٢ برقم ٢٩٤٩.

(٢) نقباء البشر ٥ / ٢٧٠٢ برقم ٢٩٧٨؛ انظر: المآثر والآثار: ١٢٧ ـ ١٢٨ برقم ٢٠٨ ضمن ترجمة والده الحاجّ آقاى خوند غلام علي.

(٣) في النسخة المحقّقة من كتاب نقباء البشر: «كانت ولادته سنة ١٣١٨ هـ، الزنجاني، انظر:

۲۱۰

إصبهان علىٰ السيّد محمّد باقر الدرجئي، والشيخ عبد الكريم الجزي سنتين، ثمّ جاور العتبات سنتين ونيف، وتتلمذ في النجف علىٰ السيّد أبو الحسن الأصفهاني، وآقا ضياء العراقي. وابتلي بدم البول فرجع إلىٰ إصفهان إلىٰ أن هاجر إلىٰ المشهد الرضوي سنة (١٣٤٠ هـ)، واستقلّ بالتدريس سطحاً ثمّ خارجاً، وتتلمذ عليه جمع من الفضلاء، حدّثني بجميع ذلك وقت عيادتي له في داره بمشهد، فتمرّض وتوفّي في أواخر ربيع الثاني سنة (١٣٨٠ هـ)، وأتىٰ نعيه في التأريخ بعد عودي إلىٰ النجف»(١).

٦٢ـ الشيخ هداية الله‏ الشهيدي القزويني (ت ١٣٦٨ هـ):

«هو الشيخ هداية الله‏ ابن الشيخ الفقيه صادق بن الحاجّ ملّا محمّد تقي الشهيد البرغاني القزويني المعروف بـ: (حاجّ مجتهد)، عالم فقيه كامل؛ كان من العلماء الأجلّاء المتمكّنين بقزوين، وله اليد الطولىٰ في الوعظ، ولد حدود سنة (١٢٨١ هـ)، واشتغل عند والده وغيره، هاجر إلىٰ العتبات حدود سنة (١٢٩٨ هـ)، وحضر عند الشيخ محمّد حسن آل ياسين بالكاظمية، وعند الحاجّ الشيخ زين العابدين المازندراني، وملّا حسين الأردكاني بكربلاء، وعند الشيخ محمّد حسين الكاظمي، والميرزا الرشتي، وملّا لطف الله‏، والإيرواني في النجف.

ورجع إلىٰ قزوين سنة (١٣١٠ هـ) قبل وفاة والده بسنة قائماً بالوظائف الشرعية من التدريس والإمامة والوعظ، توفّي بقزوين في (١٣٦٨ هـ) وله إثبات الإمامة الخاصّة...»(٢).

نتوقّف عند العلماء من أعلام حوزة قزوين العلمية في دورها الرابع وبحسب تراجم كتاب طبقات أعلام الشيعة للقرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريّين للشيخ المحقّق الجليل

__________

نقباء البشر ٥ / ٢٨١٢ بتحقيق: محمّد الطباطبائي».

(١) نقباء البشر ٥ / ٢٨١٢ برقم ٣١٢٨.

(٢) المصدر نفسه ١٧ / ٥٧٨ الترجمة ٨٠٧؛ نقباء البشر ٥ / ٢٨١٧ ـ ٢٨١٨ برقم ٣١٣٧.

۲۱۱

محسن الطهراني والشهير بـ: (آقا بزرك الطهراني) والمتوفّىٰ سنة (١٣٨٩ هـ).

وقد رسم المحقّق الطهراني كتابه القيّم طبقات أعلام الشيعة، بأسماء القرون الهجرية وجعل للقرن الثالث عشر اسم: (الكرام البررة في القرن الثالث بعد العشرة) ويقع في ثلاث مجلّدات، وللقرن الرابع عشر اسم (نقباء البشر في القرن الرابع عشر) ويقع في خمس مجلّدات.

وحيث أنّ الشيخ الطهراني قد توفّي في سنة (١٣٨٩ هـ) فإنّ كتابه لم يستوعب القرن الرابع عشر بأكمله، فضلاً عن أعلام بدايات القرن الخامس عشر؛ ولهذا سوف نبحث عن تراجم أعلام أواخر القرن الرابع عشر وبدايات القرن الخامس عشر في كتب التراجم المتأخّرة عن كتاب الشيخ الطهراني؛ وخاصّة أولئك النخبة العلمائية التي عاصرت إرهاصات نجاح الثورة الإسلامية في إيران وساهمت في أحداثها، وعاشت وقائعها في مدينة قزوين وحوزتها العلمية؛ وهذا ما سوف يأتينا في ختام استعراض أوضاع حوزة قزوين في عهد الجمهورية الإسلامية إن شاء الله‏ تعالىٰ.

القسم الثاني: فترة التقدّم والازدهار:

المبحث الأوّل: حوزة قزوين وتقدّمها وازدهارها في ظلّ الجمهورية الإسلامية:

بعد انتصار الثورة الإسلامية المباركة؛ وبمشاركة مجموعة من الأساتذة والفضلاء من حوزة قم العلمية، عاد النشاط العلمي لحوزة قزوين بعد فترة الانكماش التي منيت بها نتيجة للسياسة اللا دينية التي انتهجها النظام الپهلوي وأجهزته القمعية، وتمّ تأهيل المدارس العلمية في هذه الحوزة، وإضافة التعليم النسوي الحوزوي إليها، من خلال فتح مدرسة حوزوية خاصّة بالطالبات.

وفيما يلي استعراض موجز لأهمّ منجزات حوزة قزوين خلال هذه الفترة الزمنية من عمر الجمهورية الإسلامية:

أوّلاً: تشكيل لجنة استشارية وإدارية للحوزة:

لقد كانت حوزة قزوين قبل انتصار الثورة الإسلامية تسير علىٰ نهج حوزة قم

۲۱۲

العلمية وتقتفي أثر حوزة قم في نظامها التعليمي والتربوي وبعد انتصار الثورة الإسلامية أنصبّ الاهتمام علىٰ إحياء الحوزات العلمية عامّة ومنها حوزة قزوين، ومن أجل وضع نظام إداري وتعليمي والارتقاء بمستوىٰ التعليم والتدريس في هذه الحوزة تقرّر تشكيل لجنة مستشارين لإدارة الحوزة تحمل اسم: (شوراى مديريت حوزه علميه قزوين) بعضوية مجموعة من أساتذة الدراسات العليا في الحوزة، ومدراء المدارس، وبإشراف مباشر من إمام جمعة قزوين ـ آية الله‏ باريك بين رحمه‌الله ـ وتعقد هذه الشورىٰ ـ اللجنة ـ جلساتها المنظّمة أسبوعيّاً لوضع التدابير والحلول اللازمة للارتقاء بأمور الحوزة ورعاية أمور طلّاب العلوم الدينية المنتسبين إليها.

وبعد فترة زمنية من عمل هذه اللجنة الاستشارية الإدارية تشكّلت مديرية مركزية لحوزة قزوين تحت عنوان: (مديريت حوزه علميه استان قزوين) وذلك بعد التوجيهات والتعليمات التي أطلقها قائد الجمهورية الإسلامية الإيرانية آية الله‏ العظمىٰ السيّد علي الخامنئي مدّ ظلّه‏؛ والتي علىٰ أساسها أعيد النظر في النظام الإداري والتعليمي للحوزات العلمية في الجمهورية الإسلامية.

وهذه المديرية؛ شأنها شأن المديريات الأخرىٰ للحوزات العلمية في الجمهورية الإسلامية، لها كادرها الإداري ومعاونيّاتها، وأقسامها المختلفة، والتي تصبّ بمجملها في صالح طلّاب العلوم الدينية ورعاية شؤونهم التعليمية، والمعيشية، والاجتماعية، والإدارية، وغيرها.

وقد تحدّثنا سابقاً عن هذه المديريات ونظامها الإداري ضمن حديثنا عن تاريخ الحوزات العلمية في قم وإصفهان وخراسان(١)، وما قيل هناك يقال هنا

__________

(١) تاريخ الحوزات العلمية، تاريخ حوزه قم ٥ / ١٩٩ وما بعدها؛ وتاريخ حوزة إصفهان ٧ / ٤٣٩ وما بعدها؛ وتاريخ حوزة خراسان ٨ / ٣٩٧ وما بعدها.

۲۱۳

ولا نجد ضرورة لتكرار ذلك.

وينبغي أن نشير بأنّ هذه المديرية والتي هي بمثابة اللجنة العليا لإدارة شؤون الحوزة، ولها لجانها التخصّصية؛ العلمية، والمالية، والتربوية، والإدارية... تابعة في إدارتها وجميع شؤونها للجنة العليا المركزية لإدارة الحوزات والتي تعرف بـ: (مديريت حوزه‏هاىٰ علميه) ومقرّها الرئيسي في مدينة قم، وتعدّ المديريات الأخرىٰ في المحافظات بمثابة فروع لها، ولا تتمتّع باستقلاليّتها الكاملة، عدىٰ حوزتي إصفهان وخراسان؛ إذ لها نوع من الاستقلالية المركزية(١).

ثانياً: تأسيس وتأهيل المدارس الدينية:

عرفت حوزة قزوين ببعض مدارسها الدينية التأريخية الشهيرة، والتي يعود تأريخ تأسيس بعضها إلىٰ العصر المغولي والعصر الصفوي، والعصر القاجاري، ولم تضَف إليها في العصر البهلوي أيّ مدرسة أخرىٰ، بل إنّ النظام البهلوي، وضمن سياسته التعسّفية واللا دينية في محاربة الحوزة العلمية وطلبتها، قد عمد إلىٰ مصادر الكثير من هذه المدارس والاستيلاء علىٰ أوقافها وبناياتها، وتحويلها إلىٰ مدارس رسمية تابع إلىٰ التربية والتعليم، أو إلىٰ استخدامات أخرىٰ لا تمتّ إلىٰ التعليم الحوزوي بصلة... فكان من اللازم العمل علىٰ استعادة هذه المدارس وتأهيلها وإضافة مدارس أخرىٰ إليها، وهذا ما حصل في هذا الدور من تاريخ حوزة قزوين.

لقد بدأت المسيرة التكاملية لحوزة قزوين العلمية بالجهود المباركة التي بذلها آية الله‏ الشيخ (هادي باريك بين)، وذلك في أيّام المواجهات الحادّة مع النظام الشاهنشاهي في الفترة التي أعقبت رحيل آية الله‏ السيّد البروجردي (ت ١٣٨٠ هـ)، وإبعاد السيّد الإمام الخميني إلىٰ خارج إيران؛ ففي هذه الفترة المحرجة

__________

(١) المصدر نفسه، تاريخ حوزه قم ٥ / ٢٠٨.

۲۱۴

والحسّاسة عاد الشيخ المجاهد (باريك بين) من قم إلىٰ مدينته (قزوين) واتّخذ من مدرسة (شيخ الإسلام) مَدْرَسَاً له، بعد أن كان النظام الحاكم قد اتّخذ قرار تحويل هذه المدرسة إلىٰ مدرسة سميّة لطالبات الدراسة الإعدادية، فقاوم سماحته وبمساندة مجموعة ‏من المؤمنين والفضلاء، هذا الإجراء واستطاع وضع يده علىٰ المدرسة وتعميرها تأهيلها وتحويلها إلىٰ مركز إشعاع فكري في هذه المدينة(١).

وهكذا الأمر بالنسبة إلىٰ المدرسة (الالتفاتية) وهي من المدارس التاريخية الكبيرة في قزوين، ودرس فيها كبار فضلاء قزوين وعلمائها إلّا أنّ النظام السابق قد صادرها كغيرها من المدارس، وحوّلها إلىٰ مدرسة ابتدائية ضارباً عرض الجدار قدسية المدرسة وأوقافها وشرائط الواقفين... وكلّما حاول فضلاء وعلماء قزوين استردادها من إدارة الثقافة أو الأوقاف الشاهنشاهية، لم يتمكّنوامن ذلك رسميّاً، فبقيت هذه المدرسة فترة طويلة تحت نظارة الدولة ومؤسّساتها المعنية بأمور الأوقاف أو الثقافة، حتّىٰ جاءت فرصة زيارة أحد علماء النجف الأشرف الكبار إلىٰ قزوين، وكانت عنده وجاهة ومكانة عالية بين الناس، وعند رجال الدولة الشاهنشاهية فأعدّ له موكب استقبال جماهيري ينتهي إلىٰ هذه المدرسة التأريخية، وتمكّن بعض الفضلاء من استرداد نصف غرف المدرسة للتعليم والتدريس، والنصف الآخر سكن طلّاب العلوم الدينية، وأخيراً تمّ إحياء هذه المدرسة ودبّت الحياة العلمية في أرجائها(٢).

وقد تحدّثنا عن هاتين المدرستين فيما سبق من أدوار حوزة قزوين.

ومهما يكن من أمر؛ فبعد أن استعادت حوزة قزوين نشاطها العلمي، وازداد

__________

(١) انظر: مجلّة پيام حوزه، السنة الثانية، العدد الأوّل، سنة ١٣٧٤ ش، الصفحة ١٢٤، مقال بعنوان: (حوزه علميه قزوين).

(٢) المصدر نفسه: ١٢٤.

۲۱۵

عدد الوافدين إليها من عشّاق العلوم والمعارف الإسلامية وطلّاب الدروس العلمية الحوزوية، دعت الضرورة إلىٰ استحداث وتأسيس مدارس جديدة وتجديد وتعمير المدارس القديمة منها. ومن المدارس التي تأسّست أو جدّد بناؤها:

١ـ مدرسة الإمام الصادق عليه‌السلام :

وهي من المدارس العلمية الحوزوية والتي تأسّست بعد انتصار الثورة الإسلامية، وقد أقيم بناء هذه المدرسة علىٰ أطلال مدرسة دينية قديمة كانت تعرف بمدرسة: (پنجه علي) الشهيرة، والتي يُحتمل أن تكون من مدارس العهد الصفوي، إلّا أنّه وبمرور الزمن، قد طمست آثارها كمدرسة، وحوّل قسم من بنايتها إلىٰ مدرسة رسمية تابعة للدولة، والقسم الآخر إلىٰ محلّات تجارية.

وبعد انتصار الثورة الإسلامية استعيدت هذه المدرسة، وبني لها بناية مجلّلة جميلة تتألّف من أربعة طوابق؛ وذلك بهمّة وجهود إمام جمعة قزوين ـ الشيخ باريك بين ـ وبمساعدة المؤمنين والمحسنين، وتمّ افتتاح المدرسة سنة (١٣٦٦ ش) وتحتوي علىٰ (٤٩) غرفة، و(٤) قاعات للتدريس بعنوان: (مَدْرَس)، بالإضافة إلىٰ التأسيسات الخدمية والرفاهية الأخرىٰ، كما وألحقت بالمدرسة مكتبة كبيرة تضمّ أكثر من (١٨٠٠٠) كتاب لمطالعة ومراجعة طلّاب المدرسة.

ويسكن في هذه المدرسة مجموعة كبيرة من طلّاب الحوزة العلمية من مرحلة المقدّمات، وكذلك تقام فيها الدروس العامّة كالتفسير، وشرح نهج البلاغة والفلسفة(١).

٢ـ المدرسة الجديدة:

وكانت هذه المدرسة تعرف سابقاً باسم: (المدرسة الإبراهيمية) وبعد أن تمّ

__________

(١) المصدر نفسه: ١٢٥.

۲۱۶

تجديد بنائها عرفت بـ: (المدرسة الجديدة)، واتّخذت هذه المدرسة في الوقت الحاضر كمركز ثقافي، يرتاده طلّاب العلوم الدينية وفضلاء الحوزة(١).

٣ـ مدرسة الكوثر العلمية للطالبات:

ومن أجل توسيع المشاركة في الدراسات الحوزوية، ونظراً للإقبال الكبير من قبل الأخوات علىٰ الدراسات الحوزوية؛ فقد تأسّست هذه المدرسة العلمية بهمّة وجهود إمام جمعة قزوين الشيخ (باريك بين) وذلك سنة (١٣٦٩ ش).

وقد شيّدت بناية هذه المدرسة علىٰ أرضية مدرسة دينية كان قد شيّدها أحد علماء قزوين يعرف بـ: (شعبان الكردي) ثمّ تحوّلت المدرسة إلىٰ إحدىٰ مدارس قزوين الابتدائية الرسمية، وبعد انتصار الثورة الإسلامية قام إمام الجمعة بتجديد بنائها من جديد، وتشتمل علىٰ ثلاثة طوابق، وألحق بها منزلين سكنيّين لخاصّة الأساتذة والطلّاب، وتضمّ المدرسة (٧) غرف و(٦) قاعات للتدريس (مَدْرَس) بالإضافة إلىٰ مسجد بطابقين، ويدرس في هذه المدرسة أكثر من (١١٠) طالبة في مرحلتي المقدّمات والسطوح حتّىٰ المرحلة السادسة من الدراسة الحوزوية(٢).

٤ـ مدارس أخرىٰ تمّ تأهيلها والاستفادة منها:

وهنالك مجموعة من المدارس الدينية والتي قد ذكرناها سابقاً، قد تمّ إجراء التعميرات اللازمة لها، ويتمّ الاستفادة منها، للتدريس أو لسكن الطلّاب، ومن هذه المدارس:

المدرسة الصالحية؛ ومدرسة مولا ورديخان، ومدرسة الپيغمبرية؛ ومدرسة سردار أو سردارين؛ وغيرها(٣).

__________

(١) المصدر نفسه: ١٢٦.

(٢) المصدر نفسه: ١٢٧.

(٣) المصدر نفسه: ١٢٦.

۲۱۷

وقد ساهمت هذه المدارس بعد تأهيلها في حلّ مشكلة سكن طلّاب العلوم الدينية، من الوافدين إليها من المحافظات الأخرىٰ.

المبحث الثاني: من علماء قزوين المعاصرين للجمهورية الإسلامية:

لقد عاصر الحوزة العلمية في قزوين في فترتي انكماشها وازدهارها نخبة من العلماء الأعلام والفضلاء الكرام، ممّن كان لهم دورهم المحمود وجهادهم وصبرهم المتميّز في الحفاظ علىٰ الحوزة ودوام بقائها واستمرارها قدر المستطاع وكان لهم شرف المشاركة في تعبئة الأمّة وإرشادها وتوجيهها للوقوف في وجه الحكومة الاستبدادية الشاهنشاهية للخلاص منها وتأسيس حكومة الصالحين، حتّىٰ تحقّق النصر بعد صبر وجهاد وتضحيات.

وفيما يلي ترجمة موجزة لبعض من هؤلاء الأعلام المعاصرين:

١ـ آية الله‏ الشيخ هادي باريك (١٣٩٦ش):

ولد آية الله‏ الحاجّ الشيخ هادي باريك بين سنة (١٣٠٩ ش) وسط أسرة دينية في مدينة قزوين، وبعد أن أتمّ دراسته الابتدائية توجّه صوب حقل الدراسات الدينية ملتحقاً بالمدرسة الدينية في مدينة قزوين، فحضر دروس المقدّمات في حوزة قزوين، ومنها شدّ الرحال إلىٰ مدينة قم المقدّسة ليواصل مسيرته العلمية فيها.

ولم يطُل به المقام ـ في قم ـ حتّىٰ جذبه شوقه العارم نحو الدراسات المعمّقة نحو الحوزة العلمية النجفية، وبعد ثلاث سنين قضاها في النجف الأشرف منتهلاً من نمير علم كبار مراجعها، عاد إلىٰ إيران ليواصل مسيره العلمي في مدينة قم المقدّسة.

وبعد ظهور إرهاصات العمل الثوري في الوسط الحوزوي بقيادة الإمام الخميني رضى الله عنه قرّر آية الله (باريك بين) العودة إلىٰ قزوين لإحياء مراكزها العلمية القديمة كمدرسة شيخ الإسلام.

۲۱۸

وبعد انتصار الثورة الإسلامية تصدّىٰ لتشكيل لجان حماية الثورة الإسلامية وتأسيس كلّية الطبّ، مضافاً إلىٰ ممثلية الولي الفقيه (الإمام الخميني) في مؤسّسة جهاد البناء في المنطقة، وتأسيس مؤسّسة المستضعفين في مدينة قزوين، وساهم في بناء الكثير من المدارس والأقسام الداخلية لتأمين السكن للطلبة الجامعيّين.

وفي عام (١٣٦٠ ش) اختير آية الله‏ الشيخ باريك بين ممثلاً للإمام الخميني رحمه‌الله وإماماً للجمعة في مدينة قزوين، بالإضافة إلىٰ انتخابه لأكثرمن دورة ممثّلاً لأهالي قزوين في مجلس خبراء القيادة.

وكان الشيخ هادي باريك بين؛ من جملة رجال الدين القزوينيّين الذين آزروا الإمام الخميني رحمه‌الله ووقفوا إلىٰ جانبه في حركته الثورية مع بدايات انطلاقة حركة الشعب الإيراني ضدّ الأسرة البهلوية الجائرة، وقد لعب دوراً بارزاً في توجيه حركة الجماهير القزوينية الثائرة وكان لتأسيسه لصندوق الإمام المهدي عليه‌السلام للتسليف الدور الكبير في تعزيز الاضرابات والاحتجاجات الجماهيرية ورصّ الصفوف ودعم التعبئة الشعبية.

وبعد انتصار الثورة الإسلامية قام بخطوات مهمّة في دعم الثورة وتعزيز مكانتها في المدينة من قبيل تأسيس اللجان الثورية لحماية الثورة الإسلامية، وتأسيس كلّية الطبّ، وغيرها من الخدمات التي مرّت الإشارة إليها(١).

توفّي رحمه‌الله في قزوين سنة (١٣٩٦ ش) عن عمر ناهز (٨٧) عاماً ووصف آية الله السيّد الخامنئي في برقيّة تعزيته الراحل: بأنّه كان عالماً متّقياً ومجاهداً وثوريّاً(٢) خدم الثورة الإسلامية وإنّ أهالي قزوين لا ينسون....

__________

(١) موقع View<WWW.majlesekhobregan.ir.

(٢) WWW.iran.ir/news/٨٢٨٧٨٨٠٩.

۲۱۹

٢ـ آية الله‏ السيّد أبو الحسن الرفيعي (ت ١٣٩٥ هـ):

جاء في ترجمته ما ملخّصه: «المرحوم المبرور سيّد الفقهاء والمجتهدين، آية الله‏ في العالمين الحاجّ السيّد أبو الحسن الرفيعي القزويني؛ من أكابر الفقهاء والمجتهدين، وأعاظم الحكماء المتألّهين، ومن مراجع التقليد المعاصرين، انتقل في حدود الاثني عشر سنة الأخيرة من عمره الشريف من مسقط رأسه (قزوين) إلىٰ مدينة طهران، وكان يقيم صلاة الجماعة في المسجد الجامع، وكذلك كانت له دروس في المكان نفسه، ابتلي بالمرض لفترة طويلة حتّىٰ توفّي في الأوّل من محرّم سنة (١٣٩٥ هـ) وحملت جنازته إلىٰ قم ودُفن في مسجد (بالا سر) وبجوار الشيخ المؤسّس آية الله‏ الحائري اليزدي من صحن حرم السيّدة فاطمة المعصومة»(١).

٣ـ آية الله‏ السيّد عبّاس أبو ترابي (ت ١٤٢١ هـ):

هو السيّد عبّاس بن آية الله‏ السيّد أبي تراب ابن العالم السيّد حسن ابن آية الله‏ السيّد أبي تراب (أبو ترابي)؛ من العلماء المعاصرين في مدينة قزوين.

ولد في قزوين سنة (١٣٣٥ هـ) وأكمل دراسته الابتدائية الرسمية فيها، ثمّ شرع بتحصيل العلوم الدينية في حوزتها، وبعد أن أكمل مرحلة المقدّمات، هاجر إلىٰ قم سنة (١٣٧٧ هـ) وحضر دروس كبار أساتذته، فحضر دروس السيّد محمّد باقر القزويني، ثمّ حضر دروس الخارج في الفقه والأصول عند كبار قم فحضر درس الحجّة الكوهكمري، والسيّد البروجردي، والسيّد الداماد، والموسوي، وغيرهم، وكتب تقريرات درس الخمس للسيّد البروجردي، وحضر دروس الفلسفة والعرفان عند السيّد محمّد حسين الطباطبائي... ثمّ عاد إلىٰ قزوين بطلب من والده ومن بعض

__________

(١) گنجنيه دانشمندان ٤ / ٤٦٦ و٦ / ١٥٩؛ آثار الحجّة للمؤلّف نفسه ٢ / ٣٢١ ـ ٣٢٢.

۲۲۰

وجهاء المنطقة، ليقوم بمسؤوليّاته الدينية والعلمية، توفّي رحمه‌الله في حادث سير مع ولده علىٰ طريق مشهد ودُفن في صحن الإمام الرضا عليه‌السلام وذلك سنة (١٤٢١ هـ)(١).

٤ـ حجّة الإسلام والمسلمين الشيخ محمّد حسن الخيارجي:

وهو ابن الفقيه الشيخ محمّد (مجتهد) الخيارجي، ابن العلّامة الشيخ علي نقي... من العلماء المحترمين المكرمين المعاصرين في قزوين.

كان والده آية الله‏ الشيخ محمّد الخيارجي من المجتهدين البارزين في زمانه، وعرف واشتهر بالتقوىٰ والورع، توفّي سنة (١٣٤٣ هـ).

ولد المترجم له في قزوين سنة (١٢٨٩ ش) في بيت علم وتقوىٰ، وتربّىٰ في حجر الفضيلة والعلم والتربية؛ وبعد أن أنهىٰ مقدّمات العلوم والسطوح والوسطىٰ، هاجر إلىٰ النجف الأشرف وأكمل فيها السطوح العليا ثمّ التحق بدروس البحث الخارج عند أعلام النجف في حينها، فحضر درس آية الله‏ الإصفهاني، وآية الله‏ السيّد محسن الحكيم، وآية الله‏ الشيخ محمّد علي الكاظميني، وآية الله‏ عبد الهادي الشيرازي، وآية الله‏ السيّد أبو القاسم الخوئي؛ ونال من أساتذته إجازات الاجتهاد، وعاد إلىٰ وطنه (قزوين) ليمارس دوره ووظائفه الدينية ويقيم صلاة الجماعة، ويقدّم الخدمات الدينية والاجتماعية للمؤمنين.

للمترجم له تأليفات متعدّدة في مختلف الاختصاصات الدينية، ولديه ردود علىٰ الصفوية، ولم تطبع آثاره بعد(٢).

__________

(١) انظر: گنجنيه دانشمندان ٦ / ١٥٧؛ موقع: WWW.imamreza.net.

(٢) گنجينه دانشمندان ٦ / ١٥٨ ـ ١٥٩.

۲۲۱

٥ـ آية الله‏ الميرزا محمود الرئيسي:

كتب معاصره الشيخ الرازي في ترجمته: «وهو من العلماء البارزين المعاصرين في قزوين، وهو من مواليد سنة (١٣٠٠ هـ) ويبلغ من العمر في الوقت الحاضر (٩٥) سنة، وقائم بوظائفه في دار المؤمنين، فيؤمّ الجماعة في المسجد الجامع، ويقدّم الخدمات الدينية للناس، ويحضر صبح يوم الجمعة في مزار شاه زاده حسين حين يقيم صلاة الجماعة بالمئات من المؤمنين، ثمّ ينشغل مع هذا الجمع المبارك بقراءة دعاء السمات.

أكمل دراسته الأوّلية في المقدّمات، ثمّ السطوح وبحث الخارج عند علماء قزوين الكبار فدرس اللمعة الدمشقية وقوانين الأصول عند آية الله‏ محمّد، والرسائل والمكاسب عند المرحوم آية الله‏ ملّا علي الطارمي، وحضر خارج الفقه والأصول عند آية الله‏ الملّا علي أكبر القزويني... وهؤلاء كانوا من أكابر المجتهدين في قزوين. كذلك درس خلاصة الحساب للشيخ البهائي، والهيئة للملّا مظفّر... وغيرها عند بعض حكاء قزوين منهم الميرزا أحمد حسن الحكماء. وللمترجم له محضر درس في تدريس المطوّل وشرح اللمعة والقوانين المحكمة، بالإضافة إلىٰ محاضرات في العقيدة والأحكام الشرعية بعد أداء الفرائض الشرعية في مسجده»(١).

٦ـ الميرزا عبد الرحيم سامت القزويني (ت ١٤٢٠ هـ):

ترجم له صاحب گنجينه دانشمندان وقال عنه: «حجّة الإسلام والمسلمين آية الله‏ آقا ميرزا رحيم بن ميرزا حسن، من أحفاد ملّا محمّد رفيع الدين الواعظ القزويني صاحب كتاب أبواب الجنان.

__________

(١) المصدر نفسه ٦ / ١٥٩ ـ ١٦٠.

۲۲۲

المترجم له من أعلام وعلماء وأئمّة الجمعة المعاصرين في قزوين؛ ولد في قزوين سنة (١٣٢١ هـ)، أتمّ دراسة المقدّمات في قزوين، ثمّ هاجر إلىٰ قم وبقي فيها مدّة (٥) سنوات حضر فيها دروس الأعلام والمدرّسين في حوزة قم، فحضر درس آية الله‏ يحيىٰ المفيدي، وآية الله‏ الميرزا أبي الفضل الزاهدي، وآية الله‏ الميرزا الهمداني، ثمّ هاجر إلىٰ النجف الأشرف فمكث فيها حدود (١٠) سنوات نهل فيها من فيض علم أعلامها، فحضر درس آية الله‏ أبي الحسن الإصفهاني، وآية الله العراقي، فقهاً وأصولاً، وآية الله‏ النائيني، وآية الله‏ الميرزا أبي الحسن المشكيني، وآية الله‏ محمّد حسين الإصفهاني.

عاد إلىٰ قزوين سنة (١٣٦٢ هـ) ولا زال قائماً بأداء وظائفه الدينية وخدماته الشرعية، فيقيم صلاة الجماعة في المسجد السلطاني، ومسجد الملّا باشي، وله محفل تدريس وإفادة في الفقه والأصول وغيرها.

وللمترجم له إجازات في الرواية والاجتهاد من أستاذه آية الله‏ الإصفهاني وغيره من أساتذته. كما أنّ له آثاراً علمية كثيرة منها:

أ: تقريرات مباحث درس المرحوم آية الله‏ الإصفهاني في الطهارة والبيع والحجّ.

ب: وتقريرات مباحث الأصول لأستاذه المرحوم ضياء الدين العراقي (دورة كاملة).

ج: تقريرات مباحث الفقه لأستاذه الميزا أبي الحسن المشكيني في الصلاة، إضافة إلىٰ تقريرات درسه في حجّية الظنّ وأصل البراءة.

د: تقريرات مباحث الفقه لأستاذه المرحوم الميرزا النائيني في الخيارات.

هـ: تقريرات مباحث الفقه لأستاذه المرحوم ضياء الدين العراقي في الغصب والقضاء وغيره»(١).

__________

(١) المصدر نفسه ٦ / ١٦١ ـ ١٦٢؛ آثار الحجّة ٢ / ٣٢٣.

۲۲۳

والمترجم له، عالم ربّاني مشهور في قزوين ورئيس حوزتها العلمية، انتقل إلىٰ رحمة ربّه في يوم الإثنين (٢٥ / بهمن / ١٣٧٨ ش) الموافق لـ: (٨ / ذي القعدة الحرام / ١٤٢٠ هـ) عن عمر قارب المائة عام، ودُفن في صحن مزار امام زاده حسين في قزوين(١).

وللمترجم له خدمات جليلة في قزوين وحوزتها العلمية، فقد قام بإحياء كثير من المساجد والمدارس الدينية، وتقديم الخدمات للناس، وكان من المشاركين في الصفوف الأولىٰ للتظاهرات الشعبية قبل انتصار الثورة الإسلامية، وكانت البيانات والمنشورات الثورية تصدر بتوقيعه(٢).

٧ـ السيّد علي العلوي القزويني (١٣٩٤ هـ):

«حجّة الإسلام والمسلمين العالم الجليل والفقيه النبيل السيّد علي الشهير بـ: (آقا بزرك) العلوي الموسوي ابن العالم العلّام مير سيّد محمّد باقر بن العلّامة السيّد علي القزويني صاحب حاشية القوانين (قوانين الأصول) والمترجم له من العلماء الأخيار المعاصرين في قزوين.

ولد في قزوين سنة (١٢٨١ ش) وتربّىٰ في بيت علم وسيادة، وأخذ مقدّمات العلوم الحوزوية في مسقط رأسه قزوين، ثمّ شدّ رحال السفر إلىٰ قم فأكمل فيها دراسة السطوح العالية، ثمّ التحق بدرس البحث الخارج عند آية الله‏ الشيخ الحائري اليزدي، وبعد أن أكمل دراسته ووثّق مبانيه العلمية، عاد إلىٰ قزوين لأداء وظائفه الدينية والاجتماعية والروحية، فكان يقيم صلاة الجماعة، وله محضر

__________

(١) موقع الشيعة: farsi.al-shia.org.

(٢) المصدر نفسه.

۲۲۴

درس لتربية وتعليم طلّاب العلوم الدينية، ويسعىٰ لترويج تعاليم الدين الحنيف.

ومن خصائص المترجم له أنّه كان ـ عفيف النفس ـ لا يتصرّف بالأموال والوجوهات الشرعية لمعيشته ومعيشة عياله، وإنّما كان يصرفها في وجوهها الشرعية في بناء المسجد، وإعانة أهل العلم، ورفع حوائج الناس، وغيرها من المصارف التي يحرز فيها رضىٰ الإمام عليه‌السلام ؛ فلم يترك لنفسه ولا لعائلته شيئاً من هذه الأموال، وحين انتقل إلىٰ رحمة الله‏ لم يترك من هذه الأموال شيئاً لورثته، مع أنّه كان مرجعاً لاستلام أموال الناس.

وكان رحمه‌الله حافظاً لدينه في حوادث دهره، وداعياً إلىٰ الله‏ بقوله وفعله، وصائناً لنفسه عن بعض ما يفتخر به الناس حفظاً لدينه وتقوية لعقائد الناس، وبموته ثلمّ في الإسلام ثلمة.

توفّي رحمه‌الله في يوم الأربعين سنة (١٣٩٤ هـ) وشيّع في قزوين تشييعاً مهيباً، ثمّ حمل جثمانه إلىٰ قم ليدفن في المقبرة الجديدة للمرحوم الحائري.

له آثار علمية في المواعظ والأخلاق لم تطبع بعد، وله من الباقيات الصالحات ولد صالح...»(١).

٨ـ السيّد محمّد أبو ترابي العلوي (ت بعد سنة ١٣٨٠ هـ):

ترجمه الشيخ الرازي ضمن العلماء المعاصرين في حوزة قزوين، وقال في ترجمته: «حجّة الإسلام والمسلمين المرحوم الحاجّ السيّد محمّد أبو ترابي العلوي، ابن آية الله‏ الحاجّ السيّد محمّد باقر بن العالم الجليل السيّد أبو تراب القزويني؛ كان من علماء وأئمّة الجماعة المعاصرين في قزوين.

__________

(١) گنجينه دانشمندان ٦ / ١٦٤ ـ ١٦٥.

۲۲۵

ولد سنة (١٣١٦ هـ) في دار السلطنة قزوين، وبعد سنتين من ولادته انتقل مع والده إلىٰ العتبات المقدّسة في العراق، وتربّىٰ فيها في حجر والده والذي كان مرآة الورع والتقوىٰ لمدّة خمسة عشر عاماً، ليعود بعدها بصحبة والده إلىٰ قزوين، ليبدأ فيها مسيرته العلمية فقرأ المقدّمات والسطوح عند والده وسائر علماء قزوين، ثمّ هاجر سنة (١٣٤٢ هـ) إلىٰ مدينة قم، ليحضر في حوزتها العلمية الدروس العالية عند أكابر أساتذتها فحضر درس آية الله‏ الشيخ أبي القاسم الكبير، وآية الله‏ الميرزا علي اليثربي الكاشاني، والمرحوم آية الله‏ الخوانساري، كما وحضر درس آية الله‏ الحائري اليزدي فقهاً وأصولاً لمدّة عشر سنوات متوالية، حتّىٰ ارتقىٰ إلىٰ المراتب العلمية العالية، وتسلّم الاجتهاد من قبل أستاذه، كما وإنّ له من والده المعظم ومن المحدّث القمّي إجازة رواية.

وبعد أن أمضىٰ هذه المدّة من دراسته عند أستاذه آية الله‏ الحائري عاد إلىٰ قزوين بأمر منه، وبقي فيها إلىٰ آخر عمره قائماً بوظائفه الدينية والعلمية فكان يقيم صلاة الجماعة وله محفل درس وإفادة، إلىٰ حين وفاته بعد سنة (١٣٨٠ هـ)»(١).

وقد بدأ المترجم له ـ بعد عودته مع مجموعة مؤلّفة من (٢٠) من طلّابه إلىٰ قزوين ـ تدريسه، وإفادته، وتعرّض إلىٰ ضغوط شديدة وتضييق من قبل النظام الپهلوي، ولكنّه استطاع مقاومتها وتجاوزها لأكثر من (٢٠) عاماً(٢).

٩ـ السيّد علي أصغر أبو ترابي (ت بعد سنة ١٣٨٢ هـ):

وهو الولد الثالث للسيّد محمّد باقر بن أبي تراب القزويني، وللمترجم له

__________

(١) المصدر نفسه ٦ / ١٤٦ ـ ١٤٧، ١٦٦.

(٢) آثار الحجّة ٢ / ٣٢٤.

۲۲۶

المقام العالي في الفضل والتقوىٰ وكان كوالده متعبّداً متّقياً.

ولد المترجم له في مدينة قم، عندما كان والده ساكناً فيها، وتربّىٰ في حجر والده المعظّم، وبعد أن اجتاز فترة الطفولة بدأ في التعلّم ودرس مقدّمات العلوم، ثمّ تدرّج في دراسة الفقه والأصول واستفاد من أساتذة السطوح العالية في قم، وبعد أن أكمل دروس السطوح التحق بدروس البحث الخارج عند المرحوم آية الله‏ العظمىٰ السيّد البروجردي، وآية الله‏ العظمىٰ السيّد المرعشي النجفي، وآية الله‏ السيّد الموسوي المصطفوي، وآية الله‏ السيّد الشريعتمداري، وغيرهم من أعاظم الحوزة العلمية في قم.

عاد إلىٰ وطنه الأصلي قزوين سنة (١٣٨٢ هـ) ليقوم بوظائفه الدينية والاجتماعية والروحية إلىٰ حين وفاته بعد سنة (١٣٨٢ هـ)(١).

١٠ـ الشيخ حسين زاهد القدسي:

له ترجمة مختصرة في گنجينه دانشمندان جاء فيها: «حجّة الإسلام والمسلمين، الشيخ حسين زاهد القدسي، من العلماء وأئمّة الجماعة المعاصرين في قزوين، وهو قائم بإقامة صلاة الجماعة وتقديم الخدمات الدينية في هذه المدينة»(٢).

١١ـ الشيخ يحيىٰ المفيدي القزويني (ت حدود ١٣٨٤ هـ):

جاء في ترجمته المختصرة: «حجّة الإسلام والمسلمين آية الله‏ الحاجّ الشيخ يحيىٰ المفيدي القزويني؛ من أكابر علماء وفضلاء الطراز الأوّل في قزوين، كانت ولادته في قزوين، وفيها تلقّىٰ دروسه الأوّلية في المقدّمات والسطوح وحضر عند علمائها الكبار.

هاجر إلىٰ قم وحضر درس آية الله‏ الحائري اليزدي، ثمّ شدّ الرحال إلىٰ النجف

__________

(١) گنجينه دانشمندان ٦ / ١٤٧ ـ ١٤٨.

(٢) المصدر نفسه ٦ / ١٦٦.

۲۲۷

الأشرف وحضر درس المرحومين العلَمَين النائيني والعراقي، كذلك حضر درس آية الله‏ العظمىٰ السيّد ـ أبو الحسن ـ الإصفهاني ليعود بعدها إلىٰ قزوين، قائماً بخدماته الدينية مقيماً لصلاة الجماعة، والتدريس وسائر الوظائف الدينية والروحية الأخرىٰ؛ واستمرّ علىٰ ذلك حتّىٰ وافاه الأجل في حدود سنة (١٣٨٤ هـ)»(١).

وجاء في معجم الخطباء: «يحيىٰ المفيدي؛ من أساتذة مدرسة المولىٰ ورديخاني في قزوين، ومن تلامذة إمام جمعة قزوين الشيخ هادي باريك بين، الذي درس عنده حتّىٰ عام (١٣٦٨ هـ) وتتلمذ أيضاً عند السيّد عبّاس أبي ترابي (١٣٢٥ـ ١٤٢١ هـ)»(٢).

ويختم الرازي أسماء العلماء المعاصرين في قزوين بقوله: «هنالك عدد من العلماء والفضلاء من حوزتي النجف وقم... يؤدّون واجباتهم الدينية في قزوين، وفي الوقت الحاضر يوجد من مدينة قزوين وضواحيها أكثر من (٢٠٠) طال علم يدرسون في الحوزة العلمية في قم، وبعضهم من مدرّسي السطوح العالية ويدرّسون المتون الحوزوية في الفقه والأصول، ويشار إلىٰ بعضهم بالبنان...»(٣).

وللبحث صلة...

__________

(١) المصدر نفسه ٦ / ١٦٧؛ آثار الحجّة ٢ / ٣٢٣.

(٢) معجم خطباء المنبر الحسيني ٢ / ٢٣١ هامش رقم ٥، ضمن ترجمة أحمد بن محمّد التألهي، دائرة المعارف الحسينية (books,books.google).

(٣) گنجينه دانشمندان ٦ / ١٦٧.

۲۲۸

۲۲۹

۲۳۰

۲۳۱

۲۳۲

مقدّمة التحقيق

بسم الله الرحمن الرحيم

من حیاة المؤلّف:

قال الفاضل الإصفهاني في ریاض العلماء: «مولانا محمّد باقر بن محمّد مؤمن الخراساني السبزواري‏ عالم فاضل محقّق متكلّم حكيم فقيه محدّث جليل القدر من المعاصرين، له كتب منها: شرح الإرشاد لم يتمّ، وكتاب في الفقه، ورسالة في تحريم الغناء، ورسالة في الصلاة والصوم فارسية، ورسالة في الغسل، ورسالة في تحديد النهار شرعاً، وكتاب كبير في الأدعية المأثورة، ورسالة في صلاة الجمعة عربية، وأخرىٰ فارسية، وغير ذلك.

أقول: ومن تصانيفه الحواشي علىٰ شرح الإشارات من الطبيعي والإلهي، والحواشي علىٰ إلهيّات الشفاء، وقد قرأت شطراً منهما عليه قدس سره ، وشرحه علىٰ المجسطي لم يتمّه، ورسالة في اختيار الساعات. مات سنة تسعين وألف، وله من العمر اثنان وسبعون سنة»(١).

وقال صاحب الروضات: «المولىٰ الفاضل الفقيه الداري محمّد باقر بن محمّد مؤمن الخراساني السبزواري كان فاضلاً عالماً، حكيماً متكلّماً، فقيهاً أصوليّاً، محدّثاً نبيلاً. أصله من بليدة سبزوار... وقد ورد العراق بعد فوت والده المذكور وسكن إصبهان إلىٰ أن اعتلا أمره عند السلطان شاه عبّاس الصفوي الثاني ففاز بإمامة الجمعة والجماعة ومنصب شيخوخة [شيخية خ ل‏] الإسلام وبقي هذا المنصب

__________

(١) ریاض العلماء ٥ / ٤٥.

۲۳۳

الرفيع بإصبهان في سلالته الطاهرة إلىٰ هذا الزمان، وكان السيّد الوزير الكبير المدعوّ بخليفة سلطان يحبّه كثيراً ويقدّمه علىٰ أترابه وأقرانه، بحيث فوّض تدريس مدرسة المولىٰ عبد الله التستري إليه، وكان قبل مفوّضاً إلىٰ المولىٰ حسن علي بن المولىٰ عبد الله المذكور، فعزله عن التدريس بها مع أولويّته، وكان‏ بينه وبين المولىٰ محسن الفيض الكاشي أيضاً ألفة تامّة وموافقة كاملة في كثير من المراسم والفتاوىٰ والأحكام»(١).

وكتب عنه وعن أسرته السیّد مصلح الدین المهدوي في كتاب: (خاندان شیخ الإسلام از عصر صفویه تا دوران معاصر).

حول الرسالة:

رسالة مختصرة في مقدّمة الواجب لها نسخ في المكتبات المختلفة(٢).

قال الشیخ آقا بزرك الطهراني: «رسالة في مقدّمة الواجب للمولىٰ محمّد باقر السبزواري، صاحب ذخيرة المعاد في شرح الإرشاد وغيرها. أوّلها: [الحمد لله الذي جعل سبيل الوصول إليه مشرعاً للقاصدين... إلىٰ قوله بعد ذكر اسمه: هذه مقالة في تحقيق مقدّمة الواجب...] توجد ضمن مجموعة من رسائل الشيخ محمّد بن عبد علي آل عبد الجبّار في مكتبة الشيخ مشكور بالنجف، وترجمنا المؤلّف في المصفّىٰ: ٩١»(٣).

وتعرّض لما في هذه الرسالة ونقده الآقا حسین الخوانساري في رسالة مستقلّة(٤).

واعتمدنا في تحقیق الرسالة علیٰ:

١ـ نسخة في مجلس الشورىٰ الإسلامي وقد رمزنا لها بالحرف: (م). جاء في

__________

(١) روضات الجنّات ٢ /٦٨ـ٦٩.

(٢) راجع: فهرستگان نسخه هاىٰ خطّي إیران (فنخا).

(٣) الذریعة إلىٰ تصانیف الشیعة ٢٢ /١٠٥.

(٤) روضات الجنّات ٢ /٣٥٥ـ٣٥٦؛ الذریعة ٢٢ / ١٠٦.

۲۳۴

آخرها: «قد فرغت من تحریرها ضحوة یوم الثلاثا أحد عشر صفر المظفّر من شهور سنة (١٢٤٣)، وأنا العبد العاصي راجي عفو ربّي القوي محمّد علي بن السیّد محمّد الموسوي والمرجوّ من الطلّاب كثّرهم الله أن یشیّعوني بصالح الدعاء وأن لا ینساني حین مطالعتها. والسلام علىٰ من اتّبع الهدیٰ. قد صحّحتها مع نسخة مصحّحة وحیداً في ساعات وبذلت جهدي فیه فجاء بحمد الله صحیحاً وأسأل الله صحّة الأعمال. محمّد علي الموسوي».

٢ـ نسخة أخرىٰ من مكتبة مجلس الشورىٰ الإسلامي وقد رمزنا لها بالحرف: (ع)، كاتبها محمّد العسكري.

منهجنا في تحقیق الكتاب:

١ـ تقدیم مقدّمة في أحوال المؤلّف والتعریف بالرسالة.

٢ـ تصحیح الرسالة وتقویم النصّ.

٣ـ تقطیع النصّ وتعیین رؤوس المطالب.

٤ـ تخریج أقوال العلماء من مصادرها.

وفي هذا المجال أشكر أخي حجّة الإسلام والمسلمین الشیخ أحمد حلبیّان الإصفهاني ـ حفظه الله وأبقاه ومن كلّ شرّ وقاه ـ لمساعدته في تحقیق هذه الرسالة. والحمد لله ربّ العالمین.

۲۳۵

صورة بداية المجموعة المتضمّنة للنسخة (ع)

۲۳۶

صورة الصفحة الأولىٰ من النسخة (ع)

۲۳۷

صورة الصفحة الأخيرة من النسخة (ع)

۲۳۸

صورة بداية المجموعة المتضمّنة للنسخة (م)

۲۳۹

صورة الصفحة الأولىٰ من النسخة (م)

۲۴۰

صورة الصفحة الأخيرة من النسخة (م)

۲۴۱

رسالة في مقدمة الواجب

بسم الله الرحمن الرحیم؛ وبه ثقتي:

الحمد لله الذي جعل سبيل الوصول إليه مشرعاً للقاصدين وابتغاء وسائل الخيرات منهجاً للطالبين، والصلاة علىٰ خير الأنبياء محمّد مشيّد بنيان اليقين وعلىٰ آله أعلام الحقّ وأركان الدين.

أمّا بعد فيقول المفتقر إلىٰ رحمة الله الباري محمّد باقر بن محمّد مؤمن السبزواري هذه مقالة في تحقیق مقدّمة الواجب والإبانة عن الحقّ الصريح فيها بحسب وسعي، وطاقتي جعلتها تبصرة لمن له همّة في أمر الدين وتذكرة لمن له قدم صدق في تحقيق الحقّ ونيل اليقين، والمرجوّ من الناظرين فيها أن يلحظوها بعين الهداية والاهتداء لا بكمون السّخط والركون إلىٰ الأهواء، فإنّ لنوافذ(١) الفطن(٢) جرياً علىٰ منافذ الهواء ولجواذب(٣) الميل تسلّطاً علىٰ أركان الطبائع والقوىٰ والهوىٰ في طريق(٤) العلم أشدّ ما حذّر منه وأعظم ما وقىٰ عنه. فلينظر فيه بعين العدل والإنصاف والحذر من الجور والاعتساف مع إرجاع البصر واستفراغ النظر، فإن وجده مقبولاً فذاك المراد وإلّا فلیحذر التنكّر(٥) والعناد، ولیقصد الهدایة والإرشاد فیكون بین مهتدٍ أو هادٍ فإلىٰ الله مرجع العباد وهو الموصل إلىٰ طریق(٦) السداد.

__________

(١) في (م): لنواجد. وفي بعض النسخ: لنواقد.

(٢) في (م): العطن.

(٣) في (م): لحوادث.

(٤) في (ع): طرق.

(٥) في (ع): التكبّر.

(٦) في (ع): طرق.

۲۴۲

[أقسام الواجب]

واعلم أنّ الواجب بالنسبة إلىٰ مقدّمته علىٰ قسمین: مطلق ومشروط، فالواجب المطلق بالنسبة إلیها: ما لم یقیّد التكلیف به بوجود ذلك الشيء، والواجب المشروط بالنسبة إلیها: ما فیه تكلیف به بوجود ذلك الشيء.

ولا خلاف في أنّ إیجاب القسم الثاني لیس إیجاباً لشرائطه فإیجاب الزكاة بشرط بلوغ النصاب لیس تكلیفاً بتحصیل النصاب، وإیجاب الحجّ لیس إیجاباً لتحصیل الاستطاعة. إنّما الخلاف في مقدّمة الواجب المطلق بشرط أن یكون مقدوراً(١) للمكلّف، فإنّه إذا لم یكن مقدوراً(٢) للمكلّف لم یكن التكلیف بذي المقدّمة تكلیفاً بها، وهذا القید لا(٣) یُحتاج إلیه إلّا إذا كان المراد بالواجب المطلق بالنسبة إلىٰ الشيء ما لم یكن وجوبه مقیّداً بذلك الشيء بحسب اللفظ؛ إذ لو أرید بحسب الحقیقة لم یكن الواجب بالنسبة إلىٰ مقدّمة غیر مقدورة واجباً مطلقاً فلا یحتاج إلىٰ التقیید.

[أقوال الأصولیّین]

ثمّ إنّ قدماء الأصولیّین أطلقوا القول بأنّ ما لم یتمّ الواجب إلّا به فهو واجب(٤)، ولم یفصّلوا بین القسمین، والمتأخّرین لم یرتضوا هذا الإطلاق وفصّلوا(٥) كما ذكرنا، ولعلّ هذا

__________

(١) في (ع): مقدورة.

(٢) في (ع): مقدورة.

(٣) في (ع): إنّما یحتاج إلیه إذا كان المراد بالواجب.

(٤) قال السیّد المرتضىٰ في الذریعة إلىٰ أصول الشریعة: «اعلم أنّ كلّ من تكلّم في هذا الباب أطلق القول بأنّ الأمر بالشي‏ء هو بعينه أمر بما لا يتمّ ذلك الشي‏ء إلاّ به، والصحيح أن يقسّم ذلك، فنقول: إن كان الذي لا يتمّ ذلك الشي‏ء إلّا به سبباً، فالأمر بالمسبّب يجب أن يكون أمراً به، وإن كان غير سبب، وإنّما هو مقدّمة للفعل وشرط فيه، لم يجب أن يعقل من مجرّد الأمر أنّه أمر به».

(٥) راجع: نهایة الوصول إلىٰ علم الأصول ١ / ٥١٨.

۲۴۳

الإطلاق من القدماء مع أنّه لیس إیجاب الواجب المشروط إیجاباً لمقدّمته عندهم أیضاً مبني علىٰ أنّ إطلاق الواجب علیه قبل تحقّق الشرط مجاز خصوصاً علىٰ رأي المعتزلة، حیث زعموا أنّ الشرط إذا لم یتحقّق لم یكن هناك وجوب تنجیزي ولا تعلیقي.

ثمّ اعلم أنّ الخلاف وقع في وجوب مقدّمة الواجب المطلق فقیل: بمعنىٰ أنّ التكلیف بها هل یستفاد من التكلیف بذي المقدّمة أم لا؟ ولیس الخلاف في وجوب المقدّمة بمعنىٰ لابدیة فعلها، بل بمعنىٰ استحقاق ترتّب الذمّ علىٰ تركها عند أصحابنا والمعتزلة ودخوله في مدلول الخطاب الشرعي عند الأشاعرة لا بمعنىٰ تعلّق الخطاب بها أصالة وقصداً، بل بمعنىٰ تعلّقه بها تبعاً والتزاماً كتعلیق الخطاب بالبالغ في دلالة الإشارة سلباً.

[القول المختار]

والحقّ عندي وجوب المقدّمة مطلقاً سواء كان سبباً كالصعود للكون علىٰ السطح أو شرطاً عقلیّاً كنصب السلّم له أو عادیّاً كإدخال جزء من الرأس لغسل الوجه أو شرعیّاً كالوضوء للصلاة بمعنىٰ ترتّب استحقاق الذمّ علىٰ تركها أو تعلّق الإرادة الحتمیة بإیجادها علىٰ ما هو مناط معنىٰ التكلیف عندنا.

وأمّا الوجوب الشرعي فإن قصدنا به تعلّق التكلیف المدلول علیه باللفظ صریحاً ومطابقة فالحقّ عدم الوجوب بهذا المعنىٰ لكن لیس الخلاف في ذلك، وإن قصدنا تعلّق التكلیف المدلول علیه باللفظ سواء كانت الدلالة مطابقیة أو التزامیة مقصودة مدلولة باللفظ فللتأمّل فیه مجال، وإن جعلنا الدلالة شاملة للالتزامیة المقصودة وغیرها كما في دلالة الإشارة فالحقّ الوجوب كما سنبیّن.

[وجهان لتحریر النزاع]

وبالجملة: الذي نبیّنه وجوب المقدّمة بالمعنىٰ المصطلح علیه عند أصحابنا والمعتزلة ووجوبه الشرعي بالمعنىٰ الذي ذكرنا ولیس استنباط الحكم من الكتاب

۲۴۴

والسنّة منحصراً فیما یكون المستنبط مقصوداً من الكلام فإنّهم عدّوا من أقسام المنطوق الغیر الصریح دلالة الإشارة وفسّروه بما یدلّ اللفظ علىٰ معنىٰ بالالتزام ولا یكون المعنىٰ الالتزامي مقصوداً للمتكلّم وضربوا لها أمثلة:

فمنها: قوله علیه السلام في النساء: إنّهنّ ناقصات عقل ودین، فقیل: ما نقصان دینهنّ؟ قال: تمكث(١) إحداهنّ شطر دهرها(٢)، فدلّ علىٰ أنّ أكثر الحیض خمسة عشر یوماً. ولا شكّ أنّ بیان ذلك غیر مقصود لكن لزم ذلك من غرض المبالغة مع استدعاء الحال ذكر أكثر ما یتعلّق به الغرض.

ومنها قوله: ﴿وَحَمْلُهُ وَ فِصٰالُهُ ثَلٰاثُونَ شَهْراً(٣)، مع قوله: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ(٤)، علم منها أنّ أقلّ مدّة الحمل ستّة أشهر.

ثمّ لا یخفىٰ أنّ تحریر النزاع علىٰ الوجه الذي ذكرنا هو المعروف في كتب المتأخّرین.

ویظهر من كلام السیّد المرتضىٰ رحمه‌الله أنّ النزاع في بقاء الواجب المطلق علىٰ إطلاقه(٥).

__________

(١) في تذكرة الفقهاء ١ / ٢٥٨: تلبث. وفي الإحكام ٣ / ٦٥: تمكث، وفي (م): یمكث.

(٢) راجع: تذكرة الفقهاء ١ / ٢٥٨.

(٣) سورة الأحقاف: ١٥.

(٤) سورة لقمان: ١٤.

(٥) قال السیّد ماجد بن هاشم الجدحفصي البحراني: «ويظهر من كلام السيّد المرتضىٰ (رضي الله عنه): أنّ الخلاف في أصل اللابدّية وفي بقاء الواجب المطلق علىٰ إطلاقه، وربّما كان كلامه في الشافي صريحاً في ذلك، حيث أجاب عن استدلال المعتزلة علىٰ وجوب نصب الإمام بكونه مقدّمة لإقامة الحدود بمنع وجوب شرط الواجب، فيرجع النزاع إلىٰ أنّ الواجب إذا أطلق وجوبه بالنسبة إلىٰ ما يتوقّف عليه وجوده هل يبقىٰ علىٰ إطلاقه، ويكون واجباً حال وجود المقدّمة وحال عدمها محافظة علىٰ إبقاء الأمر علىٰ ظاهره من الإطلاق، فيعصي بتركه علىٰ كلّ حال، أو يختصّ وجوبه بحال وجود المقدّمة، ولا يلزم تحصيلها شرعاً ولا عقلا؟ فلا يعصي بترك الموقوف عليها إلّا إذا تركه حال اتّفاق وجودها محافظة علىٰ الظاهر والأصل من اتّحاد

۲۴۵

وربّما یقال: إنّ كلامه في الشافي(١)، صریح في ذلك دالّ علىٰ أنّ وجوب الواجب إنّما یكون عند تحقّق المقدّمات ولا یلزم علیه تحصیل المقدّمات لا عقلاً ولا شرعاً، فعلىٰ هذا لا یجب الصعود علىٰ السطح إلّا عند نصب السلّم وعند ترك نصب السلّم لا یكون عاصیاً أصلاً، وهو الظاهر من كلام السیّد ابن الزهرة في الغنیة(٢) ومن الكلام المنقول في شرح التهذیب لشیخنا الشهید رحمه‌الله عن القاضي عبد العزیز(٣).

__________

متعلّق الخطاب، وهربا من انتفاء الوجوب عمّا يجب به تحصيل الواجب كما سيأتي‏». تراث الشیعة الفقهي والأصولي (المختصّ بأصول الفقه): ٣٣٥؛ راجع: نقد الأصول الفقهیة: ٧٠.قال السیّد المرتضىٰ في الذریعة ١ / ٨٤: «فإذا قيل: مطلق الأمر يقتضي تحصيل مقدّماته، فأمّا ما كان مشروطاً منه بصفة كالزكاة والحجّ فلا يجب ذلك فيه، قلنا: هذه دعوىٰ، ما الفرق بينكم، وبين من عكسها، فقال: إنّ مطلق الأمر يقتضي إيجابه دون غيره، فإذا علمنا وجوب المقدّمات كالوضوء في الصلاة، علمناه بدليل خارج عن الظاهر».

(١) راجع: الشافي ١ / ١٠٤.

(٢) قال السیّد حمزة بن علي بن زهرة الحلبي في غنیة النزوع إلىٰ علمي الأصول والفروع ٢ /٢٨٢: «الأمر بالشيء لا یجب أن یكون أمراً بما لا یتمّ الشيء إلّا به بالإطلاق؛ لأنّ ما لا یتمّ الشيء إلّا به قد یكون شرطاً له وقد یكون سبباً فیه، فإن كان سبباً فالأمر بالمسبّب أمر به؛ لأنّ مع وجود السبب لابدّ من وجود المسبّب إلّا لمنع، وإن كان شرطاً لم یجب ذلك فیه؛ لأنّ ظاهر الأمر إنّما یقتضي ما تناوله لفظه ولا یصحّ أن یعلم ما لم یتناوله إلّا بدلیل غیر ظاهر، ولما ذكرناه لم یكن الأمر بالزكاة والحجّ أمراً بتحصیل النصاب والاستطاعة». وقال في ج١ ص١٨٣ـ١٨٤: «الوقوف بالمشعر ركن من أركان الحجّ، ووقته للمختار من طلوع الفجر إلىٰ ابتداء طلوع الشمس، ويمتدّ للمضطرّ الليل كلّه، فمن فاته حتّىٰ طلعت الشمس فلا حجّ له، يدلّ علىٰ ذلك الإجماع المتكرّر ذكره وطريقة الاحتياط؛ لأنّه لا خلاف‌ ‌في صحّة حجّ من وقف به، وليس كذلك من لم يقف، وأيضاً قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللّٰهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرٰامِ وظاهر الأمر يقتضي الوجوب، ولا يصحّ الذكر فيه إلّا بعد الكون به، وما لا يتمّ الواجب إلّا به فهو واجب».

(٣) راجع: موسوعة الشهید الأوّل (جامع البین من فوائد الشرحین) ١٦ /٢٣٤ـ٢٣٦.

۲۴۶

وعلىٰ هذا لا مجال للخلاف في السبب فإنّ تقیید إیجاب المسبّب لوجود السبب لا معنىٰ له.

وحینئذٍ یرجع الخلاف إلىٰ أنّ الواجب الذي لم یقیّد وجوبه بحسب الظاهر هل هو مطلق بحسب نفس الأمر بالنسبة إلىٰ مقدّماته حتّىٰ یكون تاركه بترك المقدّمات عاصیاً؟ أم لا یجب إلّا عند اتّفاق وجود المقدّمات فلا یكون تاركه بترك المقدّمات عاصیاً أصلاً لا بتركه ولا بترك مقدّماته، بل لا یعصىٰ إلّا عند تركه بعد فعل المقدّمات؟

ولا یبعد أن یكون هذا أیضاً محلّ نزاع آخر، قال بعض الفضلاء(١): «وبتحریر محلّ النزاع علىٰ هذا الوجه صرّح الإمام الرازي في بعض مختصراته وكأنّه(٢) اللایح من عبارة المنهاج وكلام شیخنا العلّامة في النهایة(٣) مضطرب وربّما فهم في محلّ النزاع منها تحقّق الخلاف علىٰ الوجهین»(٤).

فبالحريّ(٥) أن نحرّر الكلام علىٰ الوجهین ونذكر حجج الطرفین مع الإشارة إلىٰ ما هو التحقیق عندي.

__________

(١) السیّد ماجد الجدحفصي البحراني.

(٢) في (م): كان.

(٣) للاطّلاع علىٰ بحث مقدّمة الواجب راجع: نهایة الوصول إلىٰ علم الأصول ١ / ٥١٨ وبعد. قال: «الواجب قسمان: مشروط ومطلق. أمّا الأوّل: فكالزكاة المشروط وجوبها بحصول المال، والحجّ المشروط وجوبه بالاستطاعة. وأمّا الثاني: فكالصلاة الواجبة حالة الطهارة والحدث، إلّا أنّ وقوعها مشروط بالطهارة. فالأوّل اتّفق الناس علىٰ عدم وجوب ما يتوقّف عليه وجوب ذلك الواجب، وإنّما الخلاف في الثاني. فذهبت الواقفية إلىٰ وجوبه إن كانت المقدّمة سبباً في المأمور به، وإن كانت شرطاً في الوقوع غير سبب، لم يجب، وهو مذهب السيّد المرتضىٰ».

(٤) تراث الشیعة الفقهي والأصولي: ٣٣٦.

(٥) في (ع): فالحريّ.

۲۴۷

[تحریر النزاع علىٰ الوجه الأوّل]

أمّا الوجه الأوّل فالأقوال فیه أربعة:

[الأقوال في المسألة]

أحدها: وجوبها مطلقاً وهو مذهب الأكثر ونسبه في النهایة(١) إلىٰ من عدا الواقفیة والسیّد المرتضىٰ وربّما نقل علیه الإجماع كما یظهر من كلام الآمدي(٢)، وقد یدّعىٰ البداهة فیه كما یظهر من كلام الفاضل الدواني في شرح العقاید العضدیة، قال ردّاً علىٰ المحقّق الشریف حیث سلّم وجوب المقدّمة في السبب المستلزم دون غیره، قلت: لا فرق بین السبب المستلزم وغیره فإنّ إیجاب الشيء یستلزم إیجاب ما یتوقّف علیه الشيء بدیهة ویجري علىٰ قریب من ذلك كلام المحقّق الطوسي رحمه‌الله في نقد المحصّل حیث قال: «ما لا یتمّ الواجب المطلق إلّا به وكان مقدوراً للمكلّف كان واجباً علیه فإنّ الذي كلّفه الإتیان به كلّف به كیف ما كان وهو قادر علیه من جهة تقدیم ما لا یتمّ ذلك الفعل إلّا به فهو مكلّف بذلك التقدیم أوّلاً وبذلك الفعل ثانیاً»(٣).

وثانیها: عدم الوجوب مطلقاً ولم یظهر لي قائله، بل ادّعىٰ بعضهم الإجماع علىٰ وجوب الأسباب إلّا أنّه یظهر من بعض عباراتهم وجود الخلاف فیه أیضاً.

وثالثها: وجوبها إن كانت سبباً دون ما إذا كانت شرطاً مطلقاً(٤)، وینسب إلىٰ

__________

(١) نهایة الوصول إلىٰ علم الأصول ١ / ٥١٨.

(٢) راجع: الإحكام ١ / ١١١، حیث قال: «والأقرب في ذلك أن يقال: انعقد إجماع الأمّة علىٰ إطلاق القول بوجوب تحصيل ما أوجبه الشارع. وتحصيله إنّما هو بتعاطي الأمور الممكنة من الإتيان به. فإذا قيل يجب التحصيل بما لا يكون واجباً، كان متناقضاً».

(٣) نقد المحصّل: ٥٧.

(٤) جاء في هامش (م): «ذهب إلیه الواقفیة وبعض المتأخّرین».

۲۴۸

السیّد(١) رحمه‌الله وقد عرفت ما في هذه النسبة(٢).

ورابعها: وجوبها إذا كانت شرطاً شرعیّاً دون ما إذا كانت شرطاً عادیّاً أو عقلیّاً، وهو قول ابن الحاجب والقول بهذا ینقسم بحسب القول بوجوب السبب وعدمه إلىٰ قولین فیرتقي العدد إلىٰ خمسة.

[أدلّة القول الأوّل]

والمختار الأوّل. لنا وجوه:

الوجه الأوّل: إنّ مقدّمة الواجب لو لم یكن واجبة بإیجابه یلزم أن لا یكون تارك الواجب المطلق عاصیاً مستحقّاً للعقاب أصلاً، لكنّ التالي باطل وهو ظاهر فالمقدّم مثله. أمّا الملازمة فلأنّا نقول: إذا كلّف الشارع بالحجّ ـ مثلاً ـ ولم یصرّح بإیجاب المقدّمات فرضاً فتارك الحجّ بترك قطع المسافة الجالس في بلده إمّا أن یكون مستحقّاً للعقاب في زمان ترك المشي إلىٰ مكّة عند التضیق أو في زمان ترك الحجّ في موسمه المعلوم. لا سبیل إلىٰ الأوّل؛ لأنّه لم یصدر عنه في ذلك الزمان إلّا ترك المشي والمفروض أنّه غیر واجب فلا یكون مرتكباً لقبیح فلا یكون مستحقّاً للعقاب، ولا إلىٰ الثاني؛ لأنّ الإتیان بأفعال الحجّ في ذي الحجّة ممتنع بالنسبة إلیه فكیف یكون مستحقّاً للعقاب بترك ما یمتنع صدوره عنه؛ إذ لایتّصف بالحسن والقبح إلّا المقدور وأفعال الحجّ في ذي الحجّة للجالس في البلد النائي عن مكّة غیر مقدورة.

ألا ترىٰ أنّ الإنسان إذا أمر عبده بفعل معیّن في زمان معیّن في بلد بعید والعبد ترك المشي إلىٰ ذلك البلد، فإن ضربه المولىٰ عند حضور ذلك الزمان معترفاً بأنّه لم یصدر عنه إلىٰ الآن فعل قبیح یستحقّ به التعذیب، لكنّ القبیح أنّه لا یفعل

__________

(١) راجع: الذریعة إلىٰ أصول الشریعة ١ / ٨٣.

(٢) راجع: رسالة السیّد ماجد الجدحفصي البحراني في تراث الشیعة الفقهي والأصولي: ٣٣٥.

۲۴۹

في هذه الساعة هذا الفعل في ذلك البلد لنسبه العقلاء إلىٰ سخافة الرأي وركاكة العقل، بل لا یصحّ الضرب إلّا علىٰ الاستحقاق السابق قطعاً.

ثمّ نقول: إذا فرضنا أنّ العبد بعد ترك المقدّمات كان نائماً في زمان الفعل فإمّا أن یكون للعقاب أم لا؟ لا وجه للثاني؛ لأنّه ترك المأمور به مع كونه مقدوراً له فثبت الأوّل، فإمّا أن یحدث استحقاقه للعقاب في حالة النوم أم حدث قبل ذلك؛ لا وجه للأوّل؛ لأنّ استحقاق العقاب إنّما یكون بفعل القبیح وفعل النائم والساهي لا یتّصف بالحسن والقبح بالاتّفاق ولا وجه للثاني؛ لأنّ السابق علىٰ النوم لم یكن إلّا ترك المقدّمات(١) مع أنّ المفروض عدم وجوبها.

لا یقال: نختار أنّه یستحقّ العقاب في زمان الحجّ ـ مثلاً ـ قلتم إن أردتم أنّ الحجّ في ذلك الزمان بشرط عدم المقدّمات ممتنع بالنسبة إلیه فمسلّم لكن لا یجدي نفعاً؛ لأنّه لم یجب علیه الحجّ بهذا الشرط وإن أردتم أنّ الحجّ في زمان اتّفق فیه عدم المقدّمات ممتنع بالنسبة إلیه فممنوع؛ إذ یمكن الحجّ مع انتفاء عدم المقدّمات؛ إذ فرق بین المشروط بشرط الوصف والمشروط ما دام الوصف، فإنّ سكون الأصابع في زمان الكتابة ممكن وبشرط الكتابة ممتنع؛ لأنّا نقول غایة ما ذكرت أنّ الحجّ في ذلك الزمان ممكن لذاته، والإمكان الذاتي لا یكفي مصحّحاً للتكلیف إذا تحقّق امتناع الفعل لعلّة سابقة علىٰ ذلك الزمان سواء كانت العلّة من فعل المكلّف أو من فعل غیره، والقائلون بامتناع التكلیف بما لا یطاق لا یخصّونه بالممتنع الذاتي علىٰ ما صرّحوا به، مع أنّ أدلّة ذلك من القبح والسفه العقلي وانتفاء غرض التكلیف وعدم إمكان تعلّق الإرادة والمیل النفساني جارٍ هـٰهنا.

ألا ترىٰ أنّه إذا قیل یوم النحر للساكن في البلد النائي عن مكّة: «طُف بالبیت

__________

(١) في هامش (م): مقدّمات الفعل. خ ل.

۲۵۰

هذه الساعة»، لنسب إلىٰ ضعف الحلم ووهن اللبّ ولیس المانع من هذا القول لفظیّاً، بل المانع معنوي.

وبالجملة من أنصف في نفسه وراجع إلىٰ عقله ولا یخالف بالتشكیك استقامة فطرته لا یشكّ في ذلك أصلاً، فإذا قیل: لم یفعل أمراً قبیحاً یلومه العقلاء إلىٰ یوم النحر لكن فعل في یوم النحر ما یلومه العقلاء ویعاتبونه وهو أنّه لا یطوف في هذا الیوم مع أنّه في البلد النائي عن مكّة لحكمت بكذبه وخروجه عن القول المقبول والكلام المعقول من غیر توقّف، علىٰ أنّ التقریر السابق الذي ساق إلیه الكلام أخیراً لم یجرِ فیه هذا الاعتراض.

بقي هنا إشكالان آخران:

أحدهما: أنّ هذا الدلیل لو تمّ لدلّ علىٰ أنّ تارك الحجّ بترك المقدّمات لا یكون معاقباً بترك الحجّ، بل بترك مقدّماته فلم یكن الحجّ واجباً مطلقاً مع أنّ المفروض خلاف ذلك.

ثانیهما: أنّ بطلان التالي ممنوع، كیف وقد ذهب السیّد المرتضىٰ (رضي الله عنه) إلىٰ خلاف ذلك كما حكي عنه سابقاً فإثباته یحتاج إلىٰ دلیل.

والجواب عن الأوّل: أنّا نقول تارك الحجّ بترك الحركة إلىٰ مكّة إنّما یستحقّ العقاب بسبب ما یفضي إلىٰ ترك الحجّ من حیث إنّه یفضي إلیه لا أنّه یستحقّ بعد الاستحقاق المذكور استحقاقاً ثانیاً في زمان الحجّ؛ إذ(١) لم یثبت ذلك یحتاج إثباته(٢) إلىٰ دلیل.

وبالجملة كونه واجباً مطلقاً یقتضي أن یكون استحقاق العقاب ناشیاً من جهة تركه، سواء كانت العلّة في حصوله نفس الترك أم سببه من حیث إنّه یفضي إلیه. تدبّر.

وعن الثاني أنّا نعلم أنّ السیّد إذا قال لعبده: (اسقِني الماء)، إذا كان الماء علىٰ

__________

(١) لم ترد في (م): إذ.

(٢) في (م): بیانه.

۲۵۱

مسافة بعیدة فترك العبد قطع المسافة والسقي كان عاصیاً مستحقّاً للذمّ.

الوجه الثاني: ما ذكره الرازي في المحصول(١) والعلّامة في النهایة(٢) والتهذیب وكأنّه مأخوذ من كلام أبي الحسین(٣) البصري(٤) وهو أنّ تارك المقدّمة بعد ترك المقدّمة إمّا أن یبقىٰ تكلیفه بالفعل أم لا، والأوّل یستلزم التكلیف بما لا یطاق والثاني عدم كونه واجباً مطلقاً وكلاهما باطل.

ویرد علیه: أنّا نختار الأوّل ولا یلزم التكلیف بما لا یطاق؛ لأنّ الممتنع التكلیف به بشرط عدم المقدّمة لا في زمانه وأیضاً وجوب المقدّمة لا یستلزم وجوده فعلىٰ تقدیر الترك إمّا أن یبقىٰ التكلیف أم لا، إلىٰ آخر ما ذكر فالالتزام(٥) مشترك(٦)، وأیضاً لنا أن نختار الثاني ولا یلزم خروج الواجب المطلق عن كونه واجباً إنّما یلزم لو لم یتحقّق التكلیف السابق بذلك الفعل مطلقاً من غیر تقیید ولایتوقّف علىٰ البقاء؛ إذ كما أنّ رفع التكلیف بانقضاء زمان الفعل لا یقدح في إطلاق التكلیف یجوز أن لا یكون رفعه بانقضاء زمان صحّة الصدور قادحاً في ذلك.

ویمكن دفع الأوّل بما ذكرنا سابقاً كیف وحقیقة التكلیف عند العدلیة إرادة متعلّقه بالفعل علىٰ جهة الابتداء بشرط الإعلام والإرادة من الحكیم العالم كیف یبقىٰ متعلّقة بالشيء بعد زوال التمكّن منه.

الوجه الثالث: أنّه لو لم یجب مقدّمة الواجب المطلق لزم أن لا یستحقّ تارك

__________

(١) راجع: المحصول ١ / ١٩٠ـ١٩٢.

(٢) راجع: نهایة الوصول إلىٰ علم الأصول ١ / ٥٢١.

(٣) في (م): أبي الحسن.

(٤) راجع: المعتمد ١ / ٩٥.

(٥) في (م): فالإلزام.

(٦) في (م): مشرك.

۲۵۲

الفعل للعقاب أصلاً، لكن التالي باطل فالمقدّم مثله.

بیان الملازمة یحتاج إلىٰ تمهید مقدّمة هي: أنّ الآمر الطالب للشيء في زمان معیّن إذا لاحظ أنّ في ذلك الزمان یتصوّر أحوال مختلفة یمكن وقوع كلّ منها فإمّا أن یرید الإتیان بذلك الشيء في ذلك الزمان علىٰ أيّ تقدیر من تلك التقادیر أو یرید الإتیان به فیه علىٰ بعض تلك التقادیر وهذه المقدّمة ظاهرة بعد التأمّل التامّ وإن أمكن المناقشة والتشكیك في بادي النظر ولا ینتقض بالجزء والكلّ حیث لا یمكن تقیید وجوب الكلّ بوجود الجزء ولا تعمیم وجوبه بالنسبة إلىٰ حالتي وجود الجزء وعدمه؛ لأنّ مرادنا بالحالات ما كان خارجاً عن أحوال المراد مغایراً له.

إذا تمهّد هذا فنقول: إذا أمر الشارع أحداً بالإتیان بالواجب في زمانه وفي ذلك الزمان یمكن وجود المقدّمات ویمكن عدمها فإمّا أن یرید الإتیان به علىٰ أيّ تقدیر من تقدیرَي الوجود والعدم فیكون في قوّة قولنا: إن وجد المقدّمة فافعل وإن عدم فافعل، وإمّا أن یرید الإتیان به علىٰ تقدیر الوجود والأوّل محال؛ لأنّه یستلزم التكلیف بما لا یطاق فثبت الثاني فیكون وجوبه مقیّداً بحضور المقدّمة فلا یكون تاركه بترك المقدّمة مستحقّاً للعقاب لفقدان شرط الوجوب والفرض عدم وجوب المقدّمة فانتفىٰ استحقاق العقاب رأساً.

ویرد علیه: أنّ هذا الوجه لو تمّ لدلّ علىٰ انتفاء الواجب المطلق ورجوعه إلىٰ المقیّد؛ لأنّ عدم المقدّمة لمّا كان من جملة الأحوال التي امتنع صدور ذي المقدّمة علىٰ تقدیرها لم یصحّ تعمیم وجوبها بالنسبة إلیها ووجوب المقدّمة وعدم وجوبها ممّا لا یؤثّر في الفرق كما لا یخفیٰ. ولا یصحّ ما یلوح من كلام بعض العلماء من أنّ حال عدم المقدّمة علىٰ تقدیر وجوبها كحال عدم الفعل؛ لأنّ الشيء لا یمكن تعمیم إرادته وإیجابه بالنسبة إلىٰ وجوده وعدمه ولا تقییده بأحد الحالین بخلاف الشيء بالنسبة إلىٰ الأمر الخارج المنفصل عنه كما لا یخفىٰ علىٰ المتأمّل.

۲۵۳

ویمكن أن یقال: تعلّق التكلیف بالشيء وبمقدّماته تعلّق واحد منتسب إلىٰ أحدهما بالذات وإلىٰ الآخر بالعرض ولا یوجد إرادة متعلّقة بذي المقدّمة حتّىٰ یستفسر من إطلاقها وتقییدها، بل هو في ضمن إرادة المجموع ولیس عدم الجزء ووجوده من الحالات التي یجري فیها الاستفسار المذكور، وفیه نظر یظهر بالتأمّل التامّ.

والحقّ أن یقال: القدر الثابت من إطلاق الوجوب أنّ المأمور إذا تركه كان مستحقّاً للعقاب بسبب تركه أو بسبب ترك ما كان واجباً لأجله وما ذكرت لا یدفع ذلك وأمّا أنّ تعلّق الإرادة به علىٰ سبیل التعمیم فغیر ثابت فالتزام(١) خلافه غیر قادح في المطلوب.

الوجه الرابع: حقیقة التكلیف عند العدلیة هي إرادة الفعل علىٰ جهة الابتداء بشرط الإعلام، فالذي علیه مدار الإطاعة والعصیان هي الإرادة المتعلّقة بالشيء والألفاظ إنّما هي أعلام دالّة علیها، والعلامة قد تكون شیئاً آخر من دلالة عقل أو نصب قرینة أخریٰ، وذهب الأشاعرة إلىٰ أنّ التكلیف لا یستلزم الإرادة ولا الدلالة علیها، بل الطلب الذي هو مدلول صیغة الأمر شيء آخر وراء الإرادة یسمّونه كلاماً نفسیّاً وعند المعتزلة والإمامیة أن لیس لنا معنىٰ یصلح لأن یكون مدلول صیغة الأمر إلّا الإرادة وقد طال التشاجر وامتدّ النزاع بینهم.

والحقّ مختار العدلیة وتمام القول في ذلك متعلّق بفنّ الكلام ولا یسعه المقام وظنّي أنّه یكفیك مؤونة التشاجر أن تراجع وجدانك عند حصول الأمر هل تجد في نفسك كیفیة أخرىٰ یصلح لأن یكون مدلول الصیغة أم لا، فإنّك عند التأمّل في النفس والكیفیّات والهیئات العارضة لها لم تجد شیئاً كذلك، فإذا تأمّلت وجدت العلم والقدرة والإرادة والكراهة والشهوة والنفرة والهمّ والغمّ والفرح

__________

(١) في (م): فإلزام.

۲۵۴

إلىٰ غیر ذلك من المعاني المعلومة ولم تجد المعنىٰ الذي یجدونه مدلول الأمر.

نعم، إذا تحقّق الإرادة وتخلّف إطلاق الصیغة لمانع فعند حدوث الصیغة یتوهّم الأوهام(١) اقتضاء حالة أخریٰ.

والتحقیق: أنّه لم یحدث في هذه الحالة للنفس كیفیة أخرىٰ إلّا العلم بالإعلام أو العلم بعلم المأمور بالإرادة وغیر ذلك ممّا یتبع الإعلام التابع لإطلاق اللفظ فانظر هل یقدر أن یحدث تلك الكیفیة في نفسك من غیر إیجاد اللفظ وإطلاق الصیغة؟

فإن اجترأت(٢) علىٰ القول الأوّل(٣) ادّعیت لنفسك ما لیس لك إلیه سبیل، وكیف تقول(٤) بالثاني مع أنّك تعرف أنّه لیس علاقة عقلیة بین وجود هذا اللفظ ووجود تلك الهیئة، بل اللفظ كاشف عنه متأخّر عنه في الوجود؛ فیلزم أن یوجد أوّلاً حتّىٰ یكشف اللفظ عنه ویدلّ علیه، فلو كان شیئاً موجوداً لكان موجوداً قبل اللفظ من غیر توقّف علیه ولا استلزام له.

وبالجملة كیف یسوغ أن یكون مدلول الصیغة المتداولة عند الخاصّة والعامّة معنىٰ نفسانیّاً لا یجده العقلاء من أنفسهم ولا یمیّزونه بعقولهم وأفكارهم وهل(٥) هذا إلّا مكابرة واضحة یحكم الحدس الصحیح ببطلانه؟

وإذا ثبت أنّ إیجاب الشيء یستلزم إرادته ونحن نعلم قطعاً أنّه إذا تعلّق إرادتنا الحتمیة بوجود الشيء ونعلم أنّه لا طریق إلىٰ إیجاده إلّا بإیجاد شيء معیّن لا یمكن أن یحصل إلّا به

__________

(١) في (م): للأوهام.

(٢) في (ع): أجریت، وفي بعض النسخ: أجبت.

(٣) في (ع): بالأوّل.

(٤) في (ع): كیف یقول.

(٥) في (ع): وما مثل هذا.

۲۵۵

لتعلّق إرادتنا الحتمیة بإیجاد ذلك الشيء البتّة وهذا بدیهي بعد ملاحظة الطرفین وتجریدها عن العوارض وإن حصل التوقّف في بادي النظر، فإذن یثبت أنّ إیجاب الشيء یستلزم الإرادة الحتمیة المتعلّقة بمقدّماته فیكون المقدّمة واجبة؛ إذ لیس الواجب عند أصحابنا إلّا هذا.

الوجه الخامس: إذا أمر المولىٰ عبده بالصعود علىٰ السطح في ساعة معیّنة فأخذ العبد في هدم البناء یذمّونه العقلاء ویعیّرونه علىٰ الهدم المذكور من غیر توقّف وهذا علامة الإیجاب.

لا یقال: ذمّه علىٰ الهدم لیس لذاته، بل لكونه موصلاً إلىٰ ترك الصعود؛ لأنّا نقول: إذا ثبت الذمّ علیه ثبت إیجاب مقتضیه، وأمّا كون الذمّ علیه معلّلاً باتّصافه بصفة الإیصال إلىٰ شيء فممّا لا یقدح في ذلك كما لا یخفیٰ.

الوجه السادس: في الصورة المذكورة ینهىٰ العاقل الخالص من الأغراض عن الهدم المذكور نهیاً إلزامیّاً والنهي الإلزامي عن العاقل الخالص من دواعي الشهوة لا یكون إلّا لداعي الحكمة فلا یكون إلّا لقبح الشيء في نفسه كما تقرّر في غیر هذا المحلّ فیكون الهدم المذكور قبیحاً فیكون نقیضه واجباً.

الوجه السابع: سنبیّن أنّ إیجاب المسبّب یستلزم إیجاب السبب وكذا تحریم المسبّب یستلزم تحریم السبب ویلزم من ذلك أن یكون إیجاب المشروط مستلزماً لإیجاب الشرط؛ لأنّ ترك الواجب قبیح وترك الشرط مستلزم لترك الواجب والسبب المستلزم للقبیح قبیح علىٰ ما ذكرنا فیكون ترك الشرط قبیحاً فیكون إیجاده واجباً، وفیه مناقشة یندفع عند من أتقن أصول العدلیة كما لا یخفیٰ.

الوجه الثامن: إذا أمر المولىٰ عبدین من عبیده بفعل معیّن في بلد بعید في وقت معیّن واحد وأتمّ حجّة التكلیف علیهما علىٰ نهج واحد فتركا المشي إلىٰ ذلك البلد عند التضیّق ثمّ اتّفق موت أحدهما قبل حضور وقت العمل وبقي الآخر فإمّا أن یستحقّا العقاب أو لم یستحقّا أو استحقّ الحي دون المیّت أو بالعكس.

۲۵۶

لا وجه للثاني لمنافاته لإطلاق الوجوب، ولا إلىٰ الثالث لمساواتهما في التقصیرات الاختیاریة؛ إذ نحن نعلم استوائهما في الإطاعة والعصیان ولیس بینهما تفاوت إلّا بموت أحدهما وبقاء الآخر وهو بمعزل عن التأثیر في الاستحقاق بمقتضىٰ قاعدة العدل، ولا إلىٰ الرابع وهو ظاهر فثبت الأوّل، وبذلك ثبت وجوب مقدّمة الواجب.

الوجه التاسع: خلاصة ما استدلّ العدلیة علىٰ استحقاق الثواب من أنّ إلزام المشقّة من غیر عوض قبیح عقلاً جارٍ هـٰهنا دالّ علىٰ حصول الثواب علىٰ المقدّمة والمنكرون لوجوب المقدّمة ینكرون استحقاق الثواب علیها وبهذا الوجه یلزم مجرّد الرجحان وانضمام الوجوب یحتاج إلىٰ انضمام مقدّمة أخرىٰ یمكن تحصیلها بأدنىٰ تأمّل.

الوجه العاشر: من تأمّل في القواعد العملیة ومارس المصالح الحكمیة وجرّب التدبیرات الكلّیة وعرف مجاري أحكام العقلاء وحكمهم عرف أنّ ما یجب رعایته والأمر به والإلزام علیه قد یكون مطلوباً بالذات وقد یكون مطلوباً بالعرض غرضاً(١) من حیث إنّه نافع في حصول الغرض الأصلي والمطلوب الذاتي فمن أراد تدبیر عسكر أو بلد كما أنّه یأمر بالأمور النافعة لهم المشتملة علىٰ خیراتهم(٢) وینهىٰ عن الأمور الضارّة بهم كذلك یأمر بالأمور المؤدّیة إلىٰ خیراتهم ومعدّاتها وشرائطها والطرق الموصلة إلیها وینهىٰ عن الأمور المستلزمة لمضارّهم المؤدّیة إلیها والمستلزمة لإخلال مصالحهم المؤدّیة إلیها ویرید ویكره علىٰ نسبة واحدة وأيّ مصلحة للشيء أشدّ من توقّف المصلحة الذاتیة علیه ولمّا كانت المصالح مستلزمة للتكالیف الشرعیة كما أنّ التكالیف الشرعیة مستلزمة للمصالح عند العدلیة كما ثبت في محلّه یلزم في وجوب(٣) مقدّمة الواجب.

__________

(١) في (م): عرضاً.

(٢) في (م): جرأتهم.

(٣) لم ترد في (ع): في وجوب.

۲۵۷

وممّا یؤیّد وجوب المقدّمة أنّ الندامة(١) التي تحصل لتارك الحجّ عند ترك الحجّ قد تحصل له عند ترك المقدّمات قبل حضور وقت الحجّ وهذا علامة الوجوب.

واستدلّ الآمدي علىٰ وجوب مقدّمة الواجب بدعوىٰ الإجماع علىٰ وجوب تحصیل الواجب، وتحصیله إنّما بتعاطي ما یتوقّف علیه ووجوب تحصیله بما لیس بواجب تناقض(٢)، وللتأمّل فیه مجال.

واستدلّ بعضهم بأنّه لو لم یجب لقبح الفعل بدونها وهو محال لامتناع وجوب الموقوف بدون الموقوف علیه، وفیه نظر؛ لأنّ غایة ما یلزم من ذلك الوجوب بمعنىٰ اللابدّیة وهو غیر محلّ النزاع وبأنّ المقدّمة لابدّ منها في الفعل فیمتنع تركها وممتنع الترك واجب والواجب مأمور به فالمقدّمة مأمور بها وضعفه ظاهر.

__________

(١) في (م): البدایة.

(٢) راجع: الإحكام ١ / ١١١، حیث قال: «قال أبو الحسين البصري: وإنّما قلنا إنّ تحصيل الشرط واجب؛ لأنّه لو لم يجب، بل كان تركه مباحاً لكان الآمر كأنّه قال للمأمور: لك مباح ألا تأتي بالشرط، وأوجب عليك الفعل مع عدم الإتيان بما لا يتمّ إلّا به. وذلك تكليف بما لا يطاق، وهو محال. وهذه الطريقة في غاية الفساد؛ وذلك لأنّ وجوب المشروط إذا كان مطلقاً، فلا يلزم من إباحة الشرط أن يكون التكليف بالمشروط حالة عدم الشرط، فإنّ عدمه غير لازم من إباحته، بل حالة عدم وجوب الشرط. وفرق بين الأمرين. فلا يكون التكليف بالمشروط تكليفاً بما لا يطاق. ثمّ يقال له: إن كان التكليف بالمشروط حالة عدم الشرط محالاً فالتكليف بالمشروط مشروط بوجود الشرط، وكلّ ما وجوبه مشروط بشرط، فالشرط لا يكون واجب التحصيل لما سبق، ولا جواب عنه.

والأقرب في ذلك أن يقال: انعقد إجماع الأمّة علىٰ إطلاق القول بوجوب تحصيل ما أوجبه الشارع. وتحصيله إنّما هو بتعاطي الأمور الممكنة من الإتيان به. فإذا قيل يجب التحصيل بما لا يكون واجباً، كان متناقضاً».

۲۵۸

[أدلّة القول الثاني]

واحتجّ أصحاب القول الثاني بوجوه:

منها: لو استلزم إیجاب الواجب إیجاب المقدّمة لزم تعقّل الموجب له وإلّا أدّىٰ إلىٰ الأمر بما لا یشعر به واللازم باطل؛ لأنّا نقطع بإیجاب الفعل مع الذهول عمّا یلزمه.

وأجیب عنه بمنع الملازمة وإنّما یجب تعقّل الموجب فیما أوجبه أصالة لا تبعاً كما في دلیل الإشارة، وفیه تأمّل.

ویمكن أن یجاب بأنّه إن أراد التعقّل علىٰ الوجه المفصّل فالملازمة ممنوعة وإلّا فبطلان التالي ممنوع.

والحقّ أن یقال: إنّا لا ندّعي أنّ إیجاب المشروط إذا صدر عن أيّ آمر كان یستلزم إیجاب الشرط، بل إنّه إذا صدر عن الحكیم العالم الشاعر كان مستلزماً للإرادة الحتمیة المتعلّقة لمقدّمته عند الشعور بكونه مقدّمة له، وهذا نظیر ما یقال: إنّ إرادة الشيء یستلزم كراهة ضدّه عند(١) ملاحظة كونه ضدّاً له وعلىٰ هذا اندفع الاحتجاج.

ومنها: أنّ الواجب متعلّق الخطاب؛ لأنّ تعلّق الخطاب داخل في حقیقة الوجوب، لأنّه أحد أقسام الحكم، فكلّ واجب متعلّق الخطاب وینعكس بعكس النقیض إلىٰ قولنا: ما لیس متعلّق الخطاب لیس بواجب والشرط لیس بمتعلّق الخطاب ضرورة أنّ الأمر المتعلّق بالشيء لیس له تعلّق بلازمه.

والجواب عنه علىٰ أصولنا أنّ الأمر بالشيء یستلزم الإرادة الحتمیة المتعلّقة بمقدّماته ولیس الواجب عندنا إلّا متعلّق(٢) الإرادة المذكورة، سواء كان مدلولاً

__________

(١) في (م): غیر.

(٢) في (م): بتعلّق.

۲۵۹

علیها باللفظ أم لا، وسواء كان دلالة اللفظ علیها مطابقیة أو التزامیة بالدلالة أم لا. إذا عرفت هذا ظهر علیك اندفاع الاحتجاج.

وأمّا علىٰ أصول الأشعریة فقد یقال: لا نسلّم أنّ الواجب ما تعلّق به الخطاب؛ إذ قد یكون الشيء واجباً ولا یكون هناك إیجاب متعلّق بنفسه، وفیه ما فیه.

وقد یقال: إن أراد بكون الواجب متعلّق الخطاب كونه متعلّقه أصالة منعناه وإن أراد أعمّ من ذلك سلّمناه لكنّ المقدّمة أیضاً كذلك، فإنّا ندّعي تعلّق الخطاب به تبعاً، وهذا أقرب.

لا یقال: قد یطلب الشيء ویذهل عن المقدّمة إجمالاً وتفصیلاً فلا یتعلّق به الخطاب أصلاً؛ إذ التعلّق بالشيء یستلزم الشعور به.

لأنّا نقول: لو سلّم ذلك فنقول: نحن ندّعي أنّ الدالّ علىٰ إیجاب الشيء یدلّ علىٰ إیجاب المقدّمة التزاماً ولا یلزم في الدلالة الالتزامیة من اللزوم العقلي بحیث یستحیل انفكاكه عقلاً، بل یكفي اللزوم العادي أو العرفي وانتفاؤه هنا ممنوع.

ومنها: لو استلزم وجوب ذي المقدّمة وجوب المقدّمة(١) لامتنع التصریح بعدم الوجوب، لكنّ التالي باطل فیصحّ أن یقال: «أوجبت علیك الصعود ولم أوجب نصب السلّم».

وجوابه: أنّ من یدّعي الاستلزام المذكور كیف یسلّم صحّة القول المذكور إذا لم یكن الصعود بدون نصب السلّم؛ إذ هو في الحقیقة یؤول إلىٰ أن یقال: «أرید أن یصعد ولا أرید أن یصعد» فإنّ انتفاء اللازم في قوّة انتفاء الملزوم ولو أمكن الصعود بدون نصب السلّم لم یكن القول المذكور قادحاً؛ لأنّ نصب السلّم حینئذٍ لم یكن من المقدّمات، والكلام فیها.

ومنها: لو وجبت المقدّمة لعصىٰ بتركها وهو ظاهر والتالي باطل؛ لأنّ تارك نصب السلّم عند الأمر بالصعود إنّما یعصي بترك الصعود لا بترك نصب السلّم.

__________

(١) لم یرد في (م): وجوب المقدّمة.

۲۶۰

وجوابه: أنّه إن أراد بالعصیان بترك المقدّمة أنّ ترك المقدّمة سبب للعصیان من حیث إنّه ترك المقدّمة بحیث لو فرض عدم استلزامه لترك(١) المشروط كان سبباً للعصیان فالملازمة ممنوعة وإن أراد ترك المقدّمة سبب للعصیان من حیث أنّه سبب مستلزم لترتّب العقاب واستحقاق الذمّ، لكنّ الحیثیة التي صار بها مستلزماً للأمر المذكور كونه مستلزماً لانتفاء المشروط إلّا ذاته من حیث ذاته وهذا هو المعنىٰ الفارق بین الواجب لنفسه والواجب لغیره إذا لم یكن له وجوب آخر لنفسه.

ومنها: لو وجبت المقدّمة لصحّ قول الكعبي بانتفاء المباح وادّعاؤه(٢): أنّ كلّ مباح واجب؛ لأنّ ترك الزنا ـ مثلاً ـ لا یمكن إلّا بفعل آخر ضدّه فیكون أحد هذه الأفعال موقوفاً علیه للترك المذكور وما لا یتمّ الواجب المطلق إلّا به فهو واجب فیكون هذه الأفعال واجبة تخییراً.

وجوابه: أنّا لا نسلّم الملازمة وردّ كلام الكعبي غیر متوقّف علىٰ منع وجوب المقدّمة، فقد أجیب عنه بأنّ كلّ من المباحات والواجبات والمندوبات والمكروهات موانع من حصول الضدّ الحرام ولحصول ضدّ الحرام شرائط وأسباب كالتصوّر والشوق والإرادة وكما أنّ حصول الشيء یحتاج إلىٰ تحقّق جمیع أجزاء العلل فانتفاؤه یتحقّق بانتفاء بعض العلل، فترك الحرام یحصل بحصول إحدىٰ تلك الموانع المذكورة أو بانتفاء شيء من العلل والأسباب المذكورة، فإذا انتفىٰ شيء من تلك الأسباب انتفىٰ بانتفائه من غیر توقّف علىٰ حصول المانع وحینئذٍ كان وجود تلك الأشیاء علىٰ ما هي علیه في نفسها من الوجوب أو الإباحة.

نعم إن فرض في بعض تلك الصور أنّ ترك الحرام لا یتصوّر إلّا بارتكاب

__________

(١) في بعض النسخ: لترك ترك.

(٢) في (م): وادّعاء.

۲۶۱

شيء منها وذلك عند تصوّر الحرام ونزوع(١) النفس إلیه أمكن القول بصیرورة المباح حینئذٍ واجباً ولا ضیر فیه. إنّما الكلام في انتفاء المباح رأساً وصیرورته واجباً لا في اتّصافه بالوجوب بسبب عروض بعض العوارض.

وفیه نظر: لأنّ ترك الزنا(٢) ـ مثلاً ـ أمر عدمي اعتباري لا یكون مناطاً لحكم ولا مبدأ لأثر إلّا باعتبار الأمر الذي یكون منشأ لانتزاعه والأحكام الحقیقیة الجاریة علىٰ الأمور العدمیة إنّما هي باعتبار الأصل المأخوذ منه فالتكلیف المقتضي لحسن المتعلّق وكونه أمر یباشره المكلّف بقدرته وإرادته إذا تعلّق بالعدم ظاهراً كان متعلّقاً بمأخذه حقیقة ولیس ذلك إلّا السكون أو حركة أخرىٰ ضدّ الحرام المذكور فیكون التكلیف متعلّقاً بأحد الأمرین تخییراً.

وبالجملة ارتكاب المكلّف ترك الحرام لیس إلّا لمباشرته للسكون أو حركة أخرىٰ ضدّه فتعلّق التكلیف بالأولىٰ عین تعلّقه بالثانیة وكون علّة الترك عدم الشوق والتصوّر والإرادة لا یستلزم عدم تعلّق التكلیف بالترك باعتبار منشأ انتزاعه كما لا یخفیٰ.

ثمّ في جعل الأضداد مانعاً من حصول الحرام نظر؛ إذ لو كان كذلك كان المانعیة من الطرفین لاستواء النسبة، فإذا كان الصلاة مثلاً مانعاً من الزنا كان الزنا أیضاً مانعاً منها، وحینئذٍ كان الزنا موقوفاً علىٰ عدم الصلاة فیكون وجود الصلاة علّة لعدم الزنا والحال أنّ عدم الزنا علّة لوجود الصلاة؛ لأنّ رفع مانع الشيء من علل وجوده؛ فیلزم أن یكون العلّیة من الطرفین. هذا خلف(٣).

ویمكن أن یقال: إذا حصل ترك الحرام بارتكاب فعل ما یجب صار ذلك الحرام ممتنع

__________

(١) في (م): شروع.

(٢) في (ع): الریا.

(٣) في (م): هف.

۲۶۲

الصدور من المكلّف في الزمان الثاني ففي الزمان الثاني لا یكون مكلّفاً بالترك؛ لأنّ التكلیف فرع القدرة فلا یجب علیه فعل(١) ما لأجل الترك المذكور، بل كلّما صدر عنه كان متّصفاً بالإباحة حینئذٍ.

وكذلك صدور الحرام عن بعض الجوارح قد یكون ممتنعاً في بعض الأوقات بناء علىٰ انتفاء شرائط التمكّن وحینئذٍ لا یكون مكلّفاً بالترك كما بیّنا، فكلّ فعل صدر عنه حینئذٍ كان متّصفاً بالإباحة فلا یلزم انتفاء المباح رأساً.

وقد یجاب أیضاً بالتزام أنّ الفعل مباح في حدّ ذاته واجب من حیث أن لا یمكن ترك الحرام إلّا به وبمنع الإجماع علىٰ الإباحة إلّا من الحیثیة المذكورة.

ومنها: لو وجبت لوجبت نیّتها، لكنّ التالي باطل بالإجماع، وجوابه: بمنع الملازمة؛ إذ وجوب النیّة لیس إلّا في الواجبات بالأصالة وما یقصد به التعبّد دون غیره من الواجبات كالصدق وأداء الأمانة والعدل؛ إذ الغرض بها غیر التعبّد فكذلك المقدّمة لكون الغرض منها الإیصال إلىٰ الغیر ویتوهّم بدون النیة.

نعم ترتّب الثواب علیها یتوقّف علىٰ النیة ولا قدح فیه.

ومنها: لو كانت واجبة لكانت مقدّرة شرعاً وإلّا لزم التكلیف بما لا یطاق والتالي باطل؛ إذ لا تقدیر لها شرعاً.

وجوابه: أنّه إن أراد بالتقدیر الشرعي تقدیراً معیّناً بألفاظ دالّة علىٰ تعیین التقدیر فالملازمة ممنوعة؛ لجواز أن یكون الدالّ علىٰ تقدیره العقل، فإنّ العقل یجد أنّ الغرض من المقدّمة الإیصال فما(٢) حصل منه الإیصال كان من أفراد المقدّر وما لم یحصل منه لم یكن كذلك وإن أراد أعمّ من ذلك فالملازمة مسلّمة لكنّ بطلان التالي ممنوع، والمستند ظاهر.

__________

(١) لم یرد في (م): فعل.

(٢) في (م): ممّا.

۲۶۳

ومنها: لو وجب المقدّمة لكان زیادة علىٰ النصّ، والتالي باطل؛ لأنّ الزیادة علىٰ النصّ قبیح(١) باطل.

ومنها: لو وجب لترتّب(٢) الثواب علیها والتالي باطل.

وجوابهما ظاهر من غیر تأمّل.

وقد یقال: لو وجبت المقدّمة یلزم أن یكون العبد المأمور بالوضوء التارك له إذا كان علىٰ شاطئ النهر معاقباً بعقاب(٣) واحد وإذا كان بعیداً من الماء معاقباً بعقوبات(٤) متعدّدة؛ لأنّه ترك واجبات متعدّدة مع أنّ العقل یقتضي عكس ذلك، فیقال له: علىٰ تقدیر تعدّد العقوبات في الصورة الأخیرة أنّ استحقاق العقوبات في الصورة الأخیرة یختلف شدّة وضعفاً بحسب اختلاف الأحوال والأوضاع والسهولة والصعوبة وغیر ذلك من الأمور فیجوز أن یكون الاستحقاق الناشي بسبب الترك في الصورة الأولىٰ أكثر من الآخر وإن كان الآخر أكثر بحسب الكمّ(٥) والعدد.

ثمّ یقال لمن یوجب المقدّمة: إمّا أن تقول بتساوي(٦) الاستحقاقین في الصورتین أو تقول بالتفاوت والعقل یـحكم بفـساد الأوّل فتعیّـن القـول بالـثانـي، وحیـنئـذٍ یـجـوز أن یـكـون زیـادة الأوّل مـقـاومـاً لـعـدد الاستـحـقـاقـات(٧) فـي الثاني(٨) علىٰ أنّه یقلب(٩) علیه

__________

(١) في (م): نسخ.

(٢) في (م): لرتب.

(٣) في (م): لعقاب.

(٤) في (م): لعقابات.

(٥) في (م): الحكم.

(٦) في (ع): یتساویٰ.

(٧) في (م): الاستحقاق.

(٨) في (ع): التالي.

(٩) في (ع): نقلت.

۲۶۴

نظیر(١) هذا الكلام، فنقول: لو لم یجب المقدّمة یلزم أن یكون المأمور بالوضوء الآتي به إذا كان علىٰ شاطئ النهر مستحقّاً لثواب واحد وإذا كان بعیداً عن النهر مستحقّاً لثواب واحد مع أنّ العقل یحكم(٢) بزیادة الثواب في الصورة الثانیة.

[دلیل القول الثالث]

احتجّ أصحاب القول الثالث أمّا علىٰ عدم وجوب غیر السبب فبالأصل وبالوجوه المذكورة وقد عرفت اندفاع الكلّ، وأمّا علىٰ وجوب السبب فبوجوه: الأوّل: الإجماع نقله جماعة منهم الآمدي(٣)، الثاني: الموصل إلىٰ الواجب واجب إجماعاً ولیس بالشرط؛ لما ذكر فیكون بالسبب فیكون واجباً، وهذان الوجهان ضعیفان؛ لأنّ الإجماع المذكور غیر ثابت مع أنّ بعض عباراتهم یشعر بوقوع الخلاف كما لا یخفىٰ علىٰ المتتبّع، الثالث: ـ وهو العمدة وعلیه تعویل الأكثر ـ أنّ وجود المسبّب عند وجود السبب ضروري وعند عدمه ممتنع فلا یمكن تعلّق التكلیف به لكونه غیر مقدور، واعترض علیه بأنّ كون الشيء مقدوراً أعمّ من أن یكون بواسطة أم بغیر واسطة وكونه ضروریّاً عند وجود الواسطة لا یستلزم عدم كونه مقدوراً في نفسها، ویرد علیه أیضاً: أنّه لو تمّ دلیلكم هذا لزم انتفاء التكلیف رأساً؛ لأنّ السبب أیضاً له سبب عن تحقّقه یجب وجوده وعند عدمه امتنع وجوده وهكذا ننقل الكلام في سبب السبب وسبب سبب السبب حتّىٰ یرجع إلىٰ علّة قدیمة؛ فیلزم انتفاء التكلیف عن الجمیع كما لا یخفیٰ.

ویمكن الاستدلال علىٰ المطلوب بأنّ الطلب إنّما یتعلّق بفعل المكلّف وهو الحركات الإرادیة الصادرة عنه التابعة لتحریك القوّة المنبثّة في العضلات، وأمّا الأمور التابعة لتلك الحركات المعلولة لها فلیست فعلاً للمكلّف، بل فعل المكلّف یستتبع لها استتباع العلل

__________

(١) في (ع): نظر.

(٢) لم یرد في (م): یحكم.

(٣) راجع: الإحكام ١ / ١١١.

۲۶۵

للمعلولات أو استتباع الأشیاء للأمور المقارنة لها اقتراناً عادیّاً فلا یمكن تعلّق التكلیف بها.

ویرد علیه: أنّ المراد بفعل المكلّف إن كان معلوله القریب فلا نسلّم انحصار تعلّق التكلیف به فیه، وإن كان أعمّ من ذلك فمسلّم لكن لا یجدي نفعاً؛ إذ المسبّب فعل تولیدي للمكلّف صادر عنه بتوسیط الفعل الأوّل كما زعمه المعتزلة واستدلّوا علیه بحسن المدح والذمّ علیه.

والحقّ أن یقال: عند تعلّق التكلیف بالمسبّب إمّا أن یكون المطلوب وجوده في نفسه أو إیجاد المكلّف إیّاه، والأوّل باطل فتعیّن الثاني، وحینئذٍ إیجاد المكلّف للمسبّب إمّا أن یكون عین إیجاده للسبب وقد ینسب انتساباً عرضیّاً أم إیجاداً آخر غیر الإیجاد الأوّل، والثاني باطل؛ لأنّا نعلم أنّه لیس هـٰهنا إلّا تأثیر اختیاري واحد من المكلّف في السبب ولیس هـٰهنا تأثیر آخر وراءه فتعیّن الأوّل وهو المطلوب.

وبالجملة: لیس إتیان المكلّف بالمسبّب المطلوب في التكلیف فعل آخر غیر إیجاده للسبب وهو أمر واحد ینسب إلیهما بحسب الاعتبار یظهر ذلك بالمراجعة إلىٰ الوجدان.

فإن قلت: التكلیف بالمسبّب تكلیف بالسبب، والسبب لكونه حادثاً محتاج إلىٰ سبب آخر غیر حادث لامتناع استناد الحادث إلىٰ القدیم من غیر توسّط حادث، وننقل الكلام إلىٰ ذلك السبب فیلزم تحقّق أمور لا یتناهىٰ فلو كان التكلیف بالمسبّب تكلیفاً بالسّبب یلزم التكلیف بما لا یتناهىٰ مع أنّ مبادي السّلسلة خارجة عن المقدورات البشریة فیلزم التكلیف بما لا یطاق.

قلت: نحن لا ندّعي أنّ التكلیف بالمسبّب تكلیف بالسبب مطلقاً، بل تكلیف بالسبب الذي یباشره المكلّف وهو داخل تحت إرادته واختیاره لا أنّه تكلیف بمبادیه البعیدة الخارجة عن مقدور الإنسان.

فإن قلت: انتساب السبب إلینا مثل انتساب المسبّب سواء؛ إذ السبب أیضاً مستند إلىٰ سبب آخر یجب عند وجوده لامتناع تخلّف المعلول عن العلّة التامّة

۲۶۶

وذلك السبب أیضاً إلىٰ سبب آخر كذلك، فهي تنتهي إلىٰ القدیم تعالیٰ. فكما منعتم تعلّق التكلیف بالمسبّب المفروض یلزم امتناع تعلّقه بالسبب أیضاً وإن كفىٰ الإسناد بحسب الظاهر لزم صحّة تعلّق التكلیف بالمسبّب من غیر تعلّقه بالسبب.

قلت: هذه شبهة یتمسّك بها في نفي اختیار العبد ولا اختصاص له بهذا المقام.

والتحقیق في علّة ما أفاده بعض المحقّقین من أنّ أفعال العباد له مبادٍ قریبة ومبادٍ بعیدة فمن نظر إلىٰ مبادیه القریبة واستناده إلىٰ العباد بالكلّیة حكم بالاختیار الصرف وهو التفویض، ومن نظر إلىٰ مبادیه البعیدة وكونه خارجاً عن طوق البشر حكم بالجبر البحت وعدم استناد الأفعال إلىٰ العباد، والحقّ التوسّط كما أفاده بعض الصادقین: «لا جبر ولا تفویض ولكن أمر بین أمرین»(١).

وبالجملة: إذا كان الفعل صادراً عن العبد بسبب الإرادة والدّاعي فكونهما(٢) موقوفاً(٣) علىٰ أمر واحد آخر لا ینافي استناده إلىٰ العبد وصحّته وكذا التكلیف به وكذا الوجوب بسبب الدّاعي ولا یلزم السرایة إلىٰ المبادي البعیدة.

وأمّا قولنا بسرایة التكلیف من المسبّب إلىٰ السبب فبناء علىٰ أنّ إیجاد العبد له بنفس إیجاد السبب فیكون التكلیف بالحقیقة راجعاً إلىٰ إیجاد السبب.

تأمّل هذا المقام فإنّه من مزالّ الأقدام ومضالّ الأفهام.

واعلم أنّ القائلین بأنّ إیجاب المسبّب یستلزم إیجاب السبب دون الشرط طرّدوا الحكم في التحریم فقالوا: إنّ تحریم المسبّب یستلزم تحریم السبب والدلیل الذي ذكره الأكثر من أنّ وجود المسبّب عند وجود السبب ضروري جارٍ في التحریم أیضاً والدلیل الذي أوردناه أیضاً جارٍ فیه.

__________

(١) عن أبي عبد الله عليه‌السلام . راجع: الكافي ١ / ٣٨٩.

(٢) في (م): بكونها.

(٣) لم یرد في بعض النسخ: موقوفاً.

۲۶۷

إذا عرفت هذا فاعلم أنّه یلزم من ذلك وجوب الشرط أیضاً كما أشرنا إلیه سابقاً والقول بالفصل تحكّم.

فإن قلت: لعلّ مرادهم أنّ تحریم المسبّب الوجودي یستلزم تحریم سببه الوجودي لا مطلقاً فلا یجري في عدم الشرط والمشروط.

قلت: هذا التخصیص غیر موجود في كلامهم ولا یساعده دلیلهم؛ لاشتراكه، ومع ذلك یدفعه التحقیق؛ لأنّ خلاصة التحقیق الذي ذكرنا أنّ متعلّق القدرة حقیقة الأمر الذي یباشره المكلّف دون الأمر التولیدي، فإذا كان حصول الأمر منحصراً في التولید كان متعلّقاً بسببه إیجاباً وتحریماً، وإذا كان حصوله بالتولید تارة وبالمباشرة أخرىٰ كان التكلیف متعلّقاً بأحد الأمرین تخییراً في الإیجاب وبانتفائهما جمیعاً في التحریم سواء كان وجودیّاً أو عدمیّاً، ولمّا كان تحصیل السبب غیر تحصیل الـمسبّب تولیداً لا جرم یسري القبح(١) من المسبّب(٢) إلیه فعدم المشروط لما كان قبیحاً وحصوله قد یكون بطریق التولید من عدم الشرط لا جرم یسري القبح(٣) من عدم المشروط إلىٰ عدم الشرط لا محالة.

[دلیل القول الرابع]

أمّا القول الرابع، فقد احتجّ ابن الحاجب علىٰ وجوب الشرط الشرعي بأنّه لو لم یجب لم یكن شرطاً والتالي باطل لكونه خلاف المفروض فكذا المقدّم.

بیان الملازمة: أنّه لو لم یجب الشرط كان للمكلّف تركه فإذا أتىٰ بالمشروط فلا یخلو إمّا أن یكون آتیاً بتمام(٤) المأمور به أم لا، لا سبیل إلىٰ الثاني؛ إذ لم یجب علیه سوىٰ ما أتىٰ به فإنّ

__________

(١) في (م): القبیح.

(٢) في (م): السبب.

(٣) في (م): القبیح.

(٤) في (م): لتمام.

۲۶۸

المفروض أنّ الشرط غیر واجب فیكون المأتي به تمام ما یجب علیه، فثبت الأوّل.

وحینئذٍ لم یكن الشرط شرطاً؛ لأنّ الإتیان بتمام المأمور به یقتضي الصحّة والإجزاء وتحقّقه بدون الشرط ینافي الشرطیة.

وأجاب بعضهم بأنّه لا خفاء أنّ النزاع في أنّ الأمر بالشيء هل یكون أمراً بشرطه إیجاباً له وإلّا فوجوب الشرط الشرعي للواجب معلوم قطعاً؛ إذ لا معنىٰ للشرطیة سوىٰ حكم الشارع بأنّه یجب الإتیان به عند الإتیان بذلك الواجب كالوضوء للصلاة، وهذا كما أنّ الشرط العقلي واجب عقلاً، فعلىٰ هذا لا نسلّم أنّ الإتیان بالمشروط دون الشرط إتیان بجمیع ما أمر به وإنّما یصحّ لو لم یكن شرط أوجبه الشارع بأمر آخر، وفیه نظر؛ لأنّ النزاع في أنّ الأمر بالشيء هل یكون أمراً بشرط یكون إیجاباً له منافٍ للتحقیق؛ إذ كون الأمر بالمشروط بدون الشرطیة أمراً بالشرط ممّا لا یصحّ أن یذهب إلیه أحد.

والتحقیق: إنّ النزاع في أنّ أمر الشارع بالمشروط وحكمه بأنّ ذلك الشيء شرط لصحّته هل هو أمر بالشرط أم لا؟ وأیضاً الكلام فیما إذا لم یكن الشرط مأموراً به بأمر آخر فقوله فعلىٰ هذا لا نسلّم إلىٰ آخر ما ذكره محلّ تأمّل.

وقوله: وجوب الشرط الشرعي للواجب معلوم قطعاً؛ إذ لا معنىٰ لشرطیّته سوىٰ حكم الشارع أنّه یجب الإتیان به عند الإتیان بذلك الواجب منظور فیه؛ لأنّ معنىٰ الشرطیة أنّ صحّة ذلك الواجب شرعاً یتوقّف علیه وهو خطاب وضعي لا یستلزم خطاب الاقتضاء كما هو التحقیق عند المستدلّ.

والأقرب أن یقال في الجواب: إنّا نختار أنّ الآتي بالمشروط بدون الشرط غیر آتٍ بتمام المأمور به ولا ینافیه عدم وجوبه والشرط لجواز أن یكون المأمور به نوع خاصّ من الماهیة المطلقة بحیث یكون انتفاء الشرط مستلزماً لانتفاء الخصوصیة فینتفي الماهیة المخصوصة، وحینئذٍ یكون الشرط ممّا یتوقّف علیه حقیقة المأمور به ویكون نسبته إلىٰ المشروط به شرعاً كنسبة

۲۶۹

الشرائط العقلیة بالنسبة إلىٰ المشروط منها عقلاً والفرق لیس إلّا بأن یكون تحقّق المشروط هـٰهنا بدون الشرط جائز مع قطع النظر عن اعتبار الخصوصیة المعتبرة شرعاً ولیس هناك كذلك، ومجرّد هذا الفرق لا یكفي للحكم بالوجوب في أحدهما دون الآخر، فالفرق تحكّم.

وبالجملة: إذا أمرنا الشارع بالصلاة ـ مثلاً ـ ولم یخاطب بالخطاب الوضعي المذكور كان تمام المأمور به حقیقة الأركان المعیّنة من غیر خصوصیة أمر(١) آخر(٢) ثمّ إذا خاطب بالخطاب الوضعي الدالّ علىٰ اشتراطه(٣) بالوضوء ظهر أن لیس المراد بالمأمور به في الخطاب السابق حقیقة الأركان المذكورة مطلقاً، بل الطبیعة المختصّة بكونه صادراً عن المتطهّر ولا یلزم وجوب الطهارة؛ إذ هي ممّا یتوقّف علیه المأمور به ولیست نفسه ولا جزءه، وإیجاب الشيء لا یستلزم إیجاب ما یتوقّف هو علیه عند المستدلّ ولا یلزم أیضاً أن یكون الخصوصیة واجبة علىٰ حدة؛ إذ لیس الواجب إلّا الطبیعة المتخصّصة بهذه الخصوصیة، فإذا أمر بصلاة الظهر ـ مثلاً ـ لم یلزم أن یكون طبیعة الصلاة واجبة علىٰ حدة وكونه ظهراً واجباً آخر، بل الواجب أمر واحد مركّب من أجزاء موجودة في الخارج أو منحلّ إلىٰ أجزاء في العقل، ولا عقاب بإزاء كلّ واحد منها.

وبالجملة: إذا تركنا الوضوء وفعلنا الصلاة أو فعلنا الوضوء وتركنا الصلاة كان العقاب علىٰ ترك الصلاة الواجبة المخصوصة بالخصوصیة المذكورة لا علىٰ ترك الوضوء أصلاً إلّا علىٰ القول باستحقاق العقاب علىٰ ترك المقدّمات مطلقاً.

ویمكن دفعه بأنّه قد ثبت أنّ التكلیف بالمسبّب تكلیف بالسبب ولا شكّ أنّ الصلاة المخصوصة بكونه صادراً عن المتطهّر عبارة عن أفعال معیّنة مع هیئة

__________

(١) لم یرد في (ع): أمر.

(٢) في بعض النسخ: خصوصیة أخریٰ.

(٣) في (م): اشتراطها.

۲۷۰

اعتباریة لا یمكن تحصیلها إلّا بإیجاد سببها، فیكون التكلیف بالصلاة المخصوصة بتلك الهیئة تكلیفاً بأسبابه وسببه الأركان المخصوصة مع الطهارة فیلزم تعلّق التكلیف بالطهارة كتعلّقه بالصلاة. هذا تحریر النزاع علىٰ الوجه المشهور.

[تحریر النزاع علىٰ الوجه الثاني]

وأمّا علىٰ الوجه الآخر الذي أشرنا إلیه سابقاً فنقول: الأقوال بحسب الظاهر ثلاثة:

[الأقوال في المسألة]

الأوّل: الوجوب مطلقاً من غیر تقیید بوجود المقدّمة مع وجوب تحصیل المقدّمة وهو مذهب أكثر المتقدّمین والمتأخّرین.

الثاني: الوجوب إن كانت المقدّمة سبباً وعدمه إن كانت شرطاً، بمعنىٰ: أنّه لا تكلیف بتحصیل الشرط أصلاً ولا بتحصیل المشروط إذا فرض عدم اتّفاق وجود الشرط، بل التكلیف بالمشروط إنّما یتحقّق إذا اتّفق وجود الشرط وأمّا التكلیف بالمسبّب فلمّا لم یكن تعلیقه بوجود السبب إذا تحقّق المسبّب عند وجود السبب ضروري فلا یمكن تعلّق التكلیف به معلّقاً بذلك التقدیر.

الثالث: عدم الوجوب مطلقاً ولا یعلم قائله وهذا القول لا وجه له عند التحقیق؛ إذ لا معنىٰ لتعلیق الوجوب بوجود السبب كما عرفت، فالخلاف لا یتصوّر إلّا في الشرط فیرجع الخلاف إلىٰ قولین:

[دلیل القول الأوّل]

حجّة القول الأوّل ظاهرة(١) ممّا(٢) أسلفنا من الأدلّة الدالّة علىٰ وجوب المقدّمة مطلقاً.

__________

(١) لم ترد في (ع): ظاهرة.

(٢) في (ع): ما.

۲۷۱

[دلیل القول الثاني]

وحجّة القول الثاني وجهان:

أحدهما: ـ وهو المستفاد من كلام السیّد ـ أنّ التكلیف المستفاد من كلام الشارع علىٰ قسمین: مطلق ومشروط والأمر الثابت المسلّم هٰهنا مطلق الوجوب ولا یثبت خصوصیة أحد قسمیه إلّا بدلیل لكن الوجوب علىٰ تقدیر تحقّق الشرط لازم علىٰ التقدیرین فحكمنا به والوجوب عند عدم الشرط مشكوك فیه فلا یحكم به إلّا بدلیل.

ثانیهما: أنّه لو بقي الأمر علىٰ إطلاقه ولم یتقیّد بوجود المقدّمة فإمّا أن یقول بوجوب المقدّمة أو بعدم وجوبه وكلاهما باطلان، فالمقدّمة باطل.

أمّا الأوّل فلأنّ وجوب المقدّمة خلاف الأصل، فالقول به بلا دلیل باطل، وأمّا الثاني فلأنّه یلزم التوصّل إلىٰ الواجب بما لیس بواجب وهو باطل.

لا یقال: نختار الأوّل وهو وجوب المقدّمة وارتكاب خلاف الأصل بناء علىٰ أنّ وجوب المشروط مطلق والتقیید بحال وجود المقدّمة خلاف الأصل.

لأنّا نقول: القول بوجوب المقدّمة یحتاج إلىٰ ثبوت أنّ مخالفة الأصل في وجوب المقدّمة أولىٰ من مخالفة الأصل في وجوب التقیید وهو ممنوع.

والجواب عن الأوّل: إنّ التكلیف غیر مقیّد بحال وجود المقدّمة ونحن نعلم في هذه الصورة صحّة المؤاخذة لو ترك الفعل مع ترك مقدّماته وعدم صحّة الاعتذار والتّعلیل بعدم وجود المقدّمة.

وتلك الأمور دلائل علىٰ أنّ التكلیف متعلّق بالمقدّمات.

ألا ترىٰ أنّ المولىٰ لو قال لعبده: (اسقِني الماء)، لم یصحّ منه التعلیل بعدم حضور الماء أو عدم حركته إلىٰ طلب الماء أو غیرهما.

وبهذا یظهر الجواب عن الثاني أیضاً؛ لأنّ القول بوجوب المقدّمة لیس من

۲۷۲

مخالفة الأصل بلا دلیل، بل الدلیل دلّ علیه وظهر أیضاً اندفاع ما یقال من أنّ القول بوجوب المقدّمة المخالف(١) للأصل لیس بأولىٰ من القول بتقیید المطلق، علىٰ أنّ إبقاء الألفاظ علىٰ ظواهرها أولىٰ من إبقاء أصل الإباحة علىٰ حاله وإلّا سقطت الاستدلال اللفظیة كما لا یخفیٰ.

فائدتان:

الأولیٰ: قال بعض الفضلاء(٢) محلّ الخلاف الأمور الخارجیة عن ظاهر ما تناوله اللفظ من الأسباب والشروط، أمّا الأجزاء فكأنّه لا ریب في أنّ الأمر بالكلّ أمر بها من حیث هي ضمنه؛ لأنّ إیجاد الكلّ هي إیجادها(٣).

وفیه نظر؛ لأنّ من یذهب إلىٰ عدم وجوب المقدّمة بناء علىٰ أنّ التكلیف إنّما یتعلّق بالمقدّمة وهو غرض الشارع وهو المطلوب في التكلیف له أن یقول: ولا یلزم أن یكون كلّ جزء متعلّقاً للتكلیف غرضاً للشارع مطلوباً له بحیث یلزم ترتّب الثواب علىٰ كلّ جزء والعقاب علىٰ ترك كلّ جزء بخصوصه، ولا یندفع إلّا بالأدلّة التي ذكرنا سابقاً وهي مشتركة(٤) في إیجاب الأجزاء وغیرها، فالفرق تحكّم، خصوصاً إذا كانت الأجزاء أجزاء واقعیة غیر ملحوظة حین الخطاب.

وبالجملة: الأنسب بطریقة من یمنع وجوب المقدّمة أن یمنع وجوب الأجزاء أیضاً.

الثانیة: تعلّق هذه المسألة بالفروع العملیة علىٰ الوجه الآخر من الخلاف ظاهر لا سترة فیه.

وأمّا علىٰ الوجه المشهور فربّما یظهر الفائدة إذا قلنا بوجوب الجزم بالنیة مع نیّة الوجه كما

__________

(١) في (م): المتخالفة.

(٢) السیّد ماجد الجدحفصي البحراني.

(٣) تراث الشیعة الفقهي والأصولي: ٣٥١.

(٤) في (م): وهو مشترك.

۲۷۳

في قضاء مجهولة التعیّن(١)، وكذا(٢) قیل بالمنع من الصلاة في الثوبین المشتبهین وإیجابها عاریاً.

وهذا إنّما یتمّ علىٰ القول بعدم وجوب المقدّمة.

وفرّع علیه أیضاً وصف المشتبهة(٣) بالأجنبیة بالتحریم.

ویمكن أیضاً تفریع بعض المسائل كما لو نذر فعل واجب أو علّق النذر علىٰ فعل واجب أو علّق الظّهار علیه(٤).

ویمكن أن یتفرّع علیه أنّ من ترك بعض مقدّمات الواجبات المستلزمة لترك تلك(٥) الواجبات(٦) فهل یتّصف بالفسق قبل دخول زمان ترك الواجب أم لا؟

وفرّع شیخنا الشهید الثاني في قواعده(٧) علىٰ هذه المسألة مسائل كثیرة لي في تفریعها علیه نظر ولا فائدة یعتدّ بها في نقلها. من أراد فلیرجع إلیه. وهذا آخر ما قصدنا إثباته في هذه الرسالة.

[وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمین وهو الذي وفّقنا لتحقيق هذه الرسالة من تراث الشيعة الإمامية شيّد الله أركانهم في شهر ربيع الأوّل، سنة (١٤٤٣هـ) علىٰ هاجرها وآله آلاف التحية والسلام، في بیت أبينا خیر الحاجّ الحاجّ مصطفیٰ بن عبد الخالق الملقّب بآقا بزرك حلبیّان الإصفهاني. والحمد لله أوّلاً وآخراً. وأهدیت ثواب تحقیق هذه الرسالة إلىٰ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ].

__________

(١) في (ع): التعیین.

(٢) في (م): ولذا، وفي بعض النسخ: وإذا.

(٣) في بعض النسخ: المشتبه.

(٤) راجع: تراث الشیعة الفقهي الأصولي: ٣٥٢.

(٥) لم ترد في (ع): تلك.

(٦) في (م): الواجب.

(٧) راجع: تمهید القواعد: ٥٥ وبعد.

۲۷۴

المصادر

القرآن الكريم.

١-اجتماع الأمر والنهي: السیّد محمّد كاظم الطباطبائي الیزدي، ترجمة وتحقیق: حسین حلبیّان، قم، منشورات الخوئي، الطبعة الأولیٰ، ١٤٤٢هـ.

٢-الإحكام: الآمدي، تحقیق: عبد الرزاق عفیفي، بیروت، المكتب الإسلامي، ١٤٠٢هـ.

٣-تذكرة الفقهاء: الحسن بن یوسف العلّامة الحلّي، قم، مؤسّسة آل البیت عليهم‌السلام لإحیاء التراث، الطبعة الأولیٰ، ١٤١٤هـ.

٤-تراث الشیعة الفقهي والأصولي: إعداد وإشراف: مهدي المهریزي، محمّد حسین الدرایتي، قم، المكتبة المختصّة بالفقه والأصول، الطبعة الأولیٰ، ١٤٢٩هـ.

٥-تمهید القواعد: زین الدین بن علي الشهید الثاني، تحقیق: عبّاس تبريزيّان وسيّد جواد الحسيني وعبد الحكيم ضياء ومحمّد رضا ذاكريان، مكتب الإعلام الإسلامي في الحوزة العلمیة، قم، ١٤١٦هـ.

٦-خاندان شیخ الإسلام از عصر صفویه تا دوران معاصر: السیّد مصلح الدین المهدوي، إصفهان، نشر نشاط، الطبعة الأولیٰ، ١٣٧١ش.

٧-الذریعة إلىٰ تصانیف الشیعة: محمّد محسن آقا بزرك الطهراني، بیروت، دار الأضواء، الطبعة الثالثة، ١٤٠٣هـ.

٨-الرسائل لآقا حسین الخوانساري مع رسائل أخر: تحقیق: رضا الأستادي، مؤتمر الآقا حسین الخوانساري، طهران، الطبعة الأولیٰ، ١٣٧٨ش.

٩-روضات الجنّات في أحوال العلماء والسادات: السیّد محمّد باقر الموسوي الخوانساري،

۲۷۵

تحقیق: أسد الله إسماعیلیّان، قم، نشر الدهاقاني، الطبعة الأولیٰ، ١٣٩٠هـ.

١٠-ریاض العلماء: عبد الله الأفندي الإصفهاني، تحقیق: السیّد أحمد الحسیني الإشكوري، بیروت، مؤسّسة التاریخ العربي، ١٤٣١هـ.

١١-الشافي في الإمامة: السیّد المرتضىٰ علم الهدىٰ، تحقيق: السيّد عبد الزهراء الحسيني. طهران، مؤسّسة الصادق، قم، مؤسّسة إسماعيليّان، الطبعة الثانیة، ١٤١٠ هـ.

١٢-غنیة النزوع إلىٰ علمي الأصول والفروع: السیّد حمزة بن علي بن زهرة الحلبي، تحقیق: إبراهیم البهادري، قم، مؤسّسة الإمام الصادق عليه‌السلام ، الطبعة الأولیٰ، ١٤١٧هـ.

١٣-الكافي: محمّد بن یعقوب الكلیني، قم، دار الحدیث، الطبعة الأولیٰ، ١٤٢٩هـ.

١٤-المحصول في علم أصول الفقه: الفخر الرازي، تحقیق: طه جابر فیاض العلواني، بیروت، مؤسّسة الرسالة، الطبعة الثانیة، ١٤١٢هـ.

١٥-موسوعة الشهید الأوّل: قم، المركز العالمي للعلوم والثقافة الإسلامیة مركز إحیاء التراث الإسلامي، الطبعة الثانیة، ١٤٣٥هـ.

١٦-نقد الأصول الفقهیة: محسن الفیض الكاشاني، تحقیق: حبیب الله العظیمي، المشهد المقدّس الرضوي، جامعة فردوسي، الطبعة الأولیٰ، ١٣٨٠ش.

١٧-نقد المحصّل: نصیر الدین الطوسي، ١٣٥٩ش.

١٨-نهایة الوصول إلىٰ علم الأصول: الحسن بن یوسف العلّامة الحلّي، تحقیق: إبراهیم البهادري، قم، مؤسّسة الإمام الصادق عليه‌السلام ، الطبعة الأولیٰ، ١٤٢٥ هـ.

۲۷۶

۲۷۷

۲۷۸

۲۷۹

۲۸۰

مقدّمة التحقيق

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العلمين، والصلاة والسلام علىٰ أشرف المرسلين سيّدنا محمّد وعلىٰ آله الطيّبين الطاهرين.

مرّ علم أصول الفقه عند الشيعة الإمامية بمراحل متعدّدة، وفي كلّ مرحلة من الزمان يبرز كتاب أصولي، فيكون محور الدرس والتدريس والشرح والتعليق، وقد برز في الآونة الأخيرة كتاب كفاية الأصول للشيخ محمّد كاظم الخراساني المعروف بالآخوند الخراساني (ت ١٣٢٩هـ).

وقد صار هذا الكتاب محطّ أنظار الطلاب في المدارس العلمية، ولا يكون المجتهد مجتهداً في أعصارنا إلّا وقد كان مرّ بهذا الكتاب فدرسه ودرّسه أو كتب عليه شرحاً أو حاشيةً أو... ومن جملة من وقف علىٰ هذا الكتاب آية الله الشيخ الفقيه محمّد حسن المظفّر رحمه‌الله (ت ١٣٧٥ هـ) صاحب كتاب الدرر الفرائد في شرح القواعد وصاحب كتاب دلائل الصدق.

ولا بأس أن نقدّم ترجمة مختصرة للعلمين الشيخ محمّد كاظم الخراساني والشيخ محمّد حسن المظفّر.

محمّد كاظم الخراساني:

هو الشيخ العلّامة حجّة الإسلام وآية الله في الأنام، شيخنا ومولانا وأستاذنا

۲۸۱

الآخوند المولىٰ محمّد كاظم الخراساني النجفي صاحب كفاية الأصول. ولد رحمه‌الله في مدينة طوس سنة (١٢٥٥ هجرية)، ونشأ في حجر والده الكريم الذي كان من أهل العلم والفضل، وفي شهر رجب المرجّب من سنة (١٢٧٧ هجرية) هاجر إلىٰ طهران، ثمّ هاجر منها إلىٰ النجف الأشرف في شهر ذي الحجّة الحرام سنة (١٢٨٧ هجرية)، وتشرّف إلىٰ النجف في عصر العلّامة الأنصاري واستفاد من بحثه قريباً من ثلاث سنين، وكان بحثه في الظنون الخاصّة علىٰ ما ذكره قدس‌سره علىٰ المنبر مبتهجاً به، وبعد وفاته اشتغل علىٰ الميرزا محمّد حسن الشيرازي وهاجر معه إلىٰ سامراء، ولكنّه توقّف قليلاً ورجع إلىٰ النجف، وانتهت إليه رئاسة الإمامية إلىٰ أن توفّي فجأة بعد صلاة الفجر بين الطلوعين يوم الثلاثاء العشرين من ذي الحجّة الحرام (١٣٢٩ هجرية)، وقد هيّأ جميع أسباب حركته في ذلك اليوم إلىٰ أطراف إيران للدفاع، ولكنّ الله يفعل ما يشاء. من آثاره: ١ـ حاشية فرائد الأصول، ٢ـ فوائد الأصول، ٣ـ القطرات والشذرات، ٤ـ كفاية الأصول.

الشارح محمّد حسن المظفّر:

هو العلّامة الحجّة الشيخ محمّد حسن بن الشيخ محمّد بن الشيخ عبد الله بن الشيخ محمّد بن الشيخ أحمد بن مظفّر الصيمري متكلّم وباحث قدير، أديب وكاتب معروف، وصاحب قريحة شعرية رقيقة يرجع نسب شيخنا المترجم إلىٰ أسرة عريقة بالفضل والعلم، عرفت في النجف الأشرف أواسط القرن الثاني عشر ووالد المترجم هو العلّامة الشيخ محمّد المظفّر، من كبار علماء الإمامية في مطلع القرن الرابع عشر، وله ثلاثة إخوة كانوا من العلماء الأعلام، وهم: ١ـ الحجّة الشيخ عبد النبي، (ت ١٣٣٧ هـ)، ٢ـ الشيخ محمّد حسين، (ت ١٣٨١ هـ)، ٣ـ العلّامة الكبير الشيخ محمّد رضا، (ت ١٣٨٤ هـ)، عميد كلّية الفقه في

۲۸۲

النجف الأشرف، صاحب المصنّفات الجليلة أصول الفقه، المنطق، عقائد الإمامية، السقيفة.

حضر الشيخ محمّد حسن المظفّر دروس الشيخ الآخوند محمّد كاظم الخراساني، والسيّد محمّد كاظم الطباطبائي اليزدي، وشيخ الشريعة الإصفهاني، والشيخ علي ابن الشيخ باقر الجواهري، وقد أجازه معظم هؤلاء المراجع العظام إجازة الاجتهاد عام (١٣٣٢ هجرية)، كما أجازه بالرواية شيخه شيخ الشريعة.

وبعد وفاة السيّد أبي الحسن الإصفهاني سنة (١٣٦٥ هجرية) ظهر شيخنا المظفّر إماماً مبرّزاً ومرجعاً من مراجع المسلمين، رغم أنّه كان قد آثر العزلة.

وقد أغنىٰ الشيخ محمّد حسن المظفّر قدس‌سره المكتبة الإسلامية بمصنّفات جليلة في شتّىٰ العلوم، منها: ١ـ دلائل الصدق لنهج الحقّ، ٢ـ شرح القواعد، وهو شرح كبير علىٰ قواعد الأحكام للعلّامة الحلّي، ٣ـ الإفصاح عن أحوال رجال الصحاح، ٤ـ شرح كفاية الأصول، للآخوند الخراساني، ٥ـ حاشية علىٰ العروة الوثقىٰ، ٦ـ رسالة في فروع العلم الإجمالي، ٧ـ وجيزة المسائل، وهي رسالة عملية مطبوعة تتضمّن خلاصة آرائه وفتاواه في المسائل الفقهية، كتبها لتكون مرجعاً لمقلّديه، ٨ـ حاشية علىٰ رسالة السيّد أبي الحسن الإصفهاني، ٩ـ حاشية علىٰ رسالته الصغيرة، ١٠ـ حاشية علىٰ مناسك الحجّ، للسيّد أبي الحسن الإصفهاني. ١١ـ حاشية علىٰ الرسالة العملية للشيخ عبد الحسين مبارك، ١٢ـ مضافاً إلىٰ مجموعة شعره.

توفّي رحمه‌الله (ظهيرة يوم الأربعاء ٢٣ ربيع الأوّل سنة ١٣٧٥ هجرية) بمستشفىٰ الكرخ ببغداد، بعد مرض عضال، ونقل جثمانه الطاهر إلىٰ النجف الأشرف (يوم الخميس ٢٤ ربيع الأوّل)، وقد رقد في جوار إمامه أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام ، في مقبرته الخاصّة الكائنة علىٰ الشارع العامّ من طريق الكوفة اليوم.

۲۸۳

وصف المخطوط:

اعتمدت في تحقيق هذه الرسالة علىٰ نسخة واحدة، وإليك وصفها.

الموضوع: أصول الفقه.

اسم الرسالة: رسالة في موضوع العلم.

اسم المؤلّف: الشيخ محمّد حسن المظفّر (ت ١٣٧٥هـ).

اسم الناسخ: قاسم بن حسن محي الدين (ت ١٣٧٦ هـ).

اسم المكتبة: مكتبة الإمام الحكيم العامّة في النجف الأشرف.

رقمها: ٣٢٤٦ـ٦.

عدد الصفحات: ١٥. عدد الأسطر في كلّ صفحة: ١٩.

ملاحظات: النسخة مكتوبة بخطّ واضح، إلّا في بعض المفردات.

مع الأسف لم يصل لأيدينا سوىٰ بضع وريقات من أوّل كتاب شرح الكفاية حيث شرح فيها موضوع العلم، أسال الله تعالىٰ أن يوقع الشرح الكامل بيد أهل التحقيق ليخرجوه للنور، وقد مرّت هذه الرسالة بمراحل.

١-مرحلة تقطيع النصّ وتزيينه بعلامات التنقيط الحديثة.

٢-صفّ الحروف بالآلة الكاتبة.

٣-مقابلة المكتوب بالآلة الكاتبة مع المخطوط تلافياً للأخطاء الإملائية والسقوطات.

٤-تقويم النصّ وضبطه.

٥-توريد الملاحظات في الكامبيوتر.

٦-إلقاء النظرة الأخيرة وإخراجها بهذا الشكل المناسب.

۲۸۴

صورة صفحة العنوان في المخطوطة

۲۸۵

صورة الصفحة الأولىٰ للمخطوطة

۲۸۶

صورة الصفحة الأخيرة للمخطوطة

۲۸۷

النصّ المحقق

بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين

الحمد لله الواهب لمعرفة المنقول والمعقول، المنعم باتّباع الشريعة المرضية للعقول، والصلاة والسلام علىٰ نبي الرحمة وآله البررة الأئمّة ما ظهرت لهم علىٰ الخلق نعمة ولأعدائهم في الكون وصمة.

[الكلام في موضوع العلم]

قوله رحمه الله: إنّ موضوع كلّ علم [وهو الذي يبحث فيه عن عوارضه الذاتية](١)... إلىٰ آخره.

__________

(١) كفاية الأصول: ٧. قال السيّد المروّج في منتهىٰ الدراية ١ / ٦: إنّ العوارض جمع العارض، وهو ـ كما عن بعض المحقّقين ـ مطلق الخارج عن الشيء المحمول عليه، فيشمل العرض المعبّر عنه في لسان أهل المعقول بالعرضي كالأبيض والأسود المنقسم إلىٰ الخاصّة والعرض العامّ، ويشمل غيره كالجنس المحمول علىٰ النوع والفصل، فإنّ المحمول من ذاتيّات الموضوع، والعرض المبحوث عنه في الفنون هو القسم الأوّل الذي ينقسم عندهم علىٰ قسمين ذاتي وغريب؛ لأنّ العرض إمّا يعرض الشيء بلا واسطة أصلاً لا ثبوتاً ولا عروضاً كالتعجّب المساوي للإنسان العارض له علىٰ ما قيل، وإمّا يعرضه مع واسطة، وهي إمّا داخلية مساوية للمعروض كالتكلّم العارض للإنسان بواسطة الناطق الذي هو ذاتي مساوٍ له، أو أعمّ منه كالحركة الإرادية العارضة للإنسان بواسطة جزئه الأعمّ وهو الحيوان، ولا ثالث للواسطة الداخلية، لعدم تصوّر الأخصّية لجزء الشيء، وإمّا خارجية،

۲۸۸

__________

وهي إمّا مساوية للمعروض كالضحك العارض للإنسان بواسطة التعجّب المساوي له، وإمّا أعمّ منه كالتحيّز العارض للأبيض بواسطة الجسم الذي هو أعمّ من الأبيض، وإمّا أخصّ منه كالضحك العارض للحيوان بواسطة الإنسان الذي هو أخصّ من الحيوان، وإمّا مباينة للمعروض كالحرارة العارضة للماء بواسطة النار المباينة له، هذه أقسام العرض، والمنسوب إلىٰ المشهور، بل المدّعىٰ عليه الاتّفاق كون ثلاثة منها ـ وهي عروض العرض بلا واسطة، أو بواسطة جزئه المساوي، أو الخارج المساوي ـ أعراضاً ذاتية، كما ادّعىٰ الاتّفاق أيضاً علىٰ كون ثلاثة منها وهي العروض لخارج أعمّ وأخصّ ومباين أعراضاً غريبة، واختلفوا في العارض لجزء أعمّ، فعن القدماء أنّه من الأعراض الغريبة، بل نسبه بعض المتأخّرين إلىٰ المشهور، وعن مشهور المتأخّرين أنّه من الأعراض الذاتية.

وكيف كان لما كان تفسير العرض الذاتي بما ذكره القوم مستلزماً لخروج جلّ مسائل العلوم عن كونها مسائلها كالأحكام الشرعية المترتّبة علىٰ أفعال المكلّفين بواسطة التشريع الذي تقتضيه المصالح والمفاسد الموجودة في أفعالهم المأمور بها والمنهي عنها أو في نفس التكاليف علىٰ الخلاف بين العدلية لمباينة التشريع والملاكات للأفعال المستلزمة لخروج البحث عن وجوب الصلاة ونحوها وعن حرمة شرب الخمر ونحوه عن مسائل الفقه، لاندراج الوجوب والحرمة في العرض الغريب، حيث إنّهما يعرضان الأفعال بواسطة أمر مباين وهي المصالح والمفاسد عدل المصنّف وصاحب الفصول دفعاً لهذا المحذور عن تفسير القوم إلىٰ أنّ الملاك في العرض الذاتي هو كون العارض محمولاً حقيقة علىٰ المعروض بحيث يعدّ من إسناد الشيء إلىٰ ما هو له، ولا يصحّ سلبه عنه كقولنا: الماء جارٍ، فإن لم يكن كذلك فهو عرض غريب كإسناد الحركة إلىٰ جالس السفينة، إذ الحركة تحمل علىٰ السفينة حقيقة وعلىٰ الجالس مجازاً، ولذا يصحّ سلبها عنه، فالواسطة في العروض هي الواسطة في الحمل.

والحاصل: إنّ العرض إن كان محمولاً علىٰ المعروض حقيقة بحيث لا يصحّ سلبه عنه يسمّىٰ بالعرض الذاتي سواء كان هناك واسطة ثبوتية أم لا كما قيل، وسواء كانت الواسطة جزء أعمّ كالحيوان الذي هو أعمّ من الإنسان وواسطة لعروض الحركة الإرادية له، أم مبايناً كالنار التي هي مباينة للماء وواسطة في عروض الحرارة له، مع أنّ العروض لأمر مباين بناء علىٰ تفسير القوم داخل في العرض الغريب، ولجزء أعمّ محلّ الخلاف بينهم وإن

۲۸۹

قد التزم القوم بوجود الموضوعات للعلوم(١)، وقد ينكر وجوده لبعضها كالتفسير واللغة؛ لأنّه ليس فيها ما يبحث عن عوارضه الذاتية، فيكون مميّز العلم هو الغاية(٢).

__________

نسب كونه عرضاً ذاتيّاً إلىٰ المشهور.

وبالجملة: ينحلّ إشكال خروج مسائل جملة من العلوم عن كونها مسائلها بجعل مناط العرض الذاتي عدم الوساطة في العروض، فوجوب الصلاة وحرمة شرب الخمر مثلاً من مسائل علم الفقه، لكون الوجوب والحرمة محمولين علىٰ الصلاة والشرب اللذين هما من أفعال المكلّفين حقيقة، أي: بلا واسطة في العروض وإن كانا مع الواسطة الثبوتية، وكذا الرفع والنصب والجرّ العارضة للكلمة بواسطة الفاعلية والمفعولية والإضافة، فإنّها داخلة في العرض الذاتي وإن كان عروضها لها بواسطة أمر خارجي أخصّ من الكلمة، وهو عنوان الفاعل والمفعول والمضاف إليه، ضرورة خروج هذه العناوين عن ذات الكلمة وذاتيّاتها، لخروج النوع عن ذات الجنس وذاتيّاته.

والحاصل: إنّ البحث عن الرفع والنصب والجرّ علىٰ هذا الضابط في العرض الذاتي من مسائل علم النحو، وكذا الحال في حجّية خبر الواحد بواسطة الجعل الشرعي المباين للخبر، فإنّها علىٰ هذا الضابط داخلة في العرض الذاتي، لكون الحجّية محمولة علىٰ الخبر حقيقة، ولذا لا يصحّ سلبها عنه وإن كان لها واسطة ثبوتية، وهي الجعل الشرعي وواسطة إثباتية، وهي أدلّة حجّية الخبر من الكتاب والسنّة وغيرهما كالسيرة العقلائية، فالبحث عن حجّية الخبر داخل في المسائل الأصولية.

ثمّ إنّه قد ظهر ممّا ذكرنا أنّ الواسطة علىٰ ثلاثة أقسام: الواسطة الثبوتية، وهي العلّة لوجود شيء كعلّية النار للحرارة والماء للبرودة، والواسطة الإثباتية وهي العلّة للعلم بوجود شيء كعلّية الدخان للعلم بوجود النار، والواسطة العروضية وهي الواسطة في الحمل الموجبة لصحّة إسناد عرض إلىٰ غير معروضه مجازاً كإسناد الحركة إلىٰ جالس السفينة، فإنّ الحركة محمولة علىٰ السفينة حقيقة وعلىٰ الجالس مجازاً، ولذا يصحّ سلبها عنه كما عرفت آنفاً.

(١) في منتهىٰ الأصول ١ / ٦: إنّ من المسلّمات عندهم أنّ كلّ علم لابدّ له من موضوع كلّي جامع لجميع موضوعات مسائله ولو كان مجهول العنوان، وعيّنوا ذلك الكلّي في أغلب العلوم، فقالوا: موضوع علم الفقه فعل المكلّف، وموضوع علم الطب بدن الإنسان، وهكذا في سائر العلوم.

(٢) في مقالات الأصول: ٣٩: لا غرو في دعوىٰ الفرق بين أنحاء كثير من العلوم العقلية من

۲۹۰

ودعوىٰ أنّ موضوع التفسير هو القرآن وموضوع اللغة هو الكلمة باطلة؛ لأنّه لا يبحث عن عوارضها، بل عن المعاني التي تفيد تصوّر جزئيّات الكلمة وجزئيّات القرآن وأجزائه، ولا إشكال بأنّ ما يفيد تصوّر الجزئيّات والأجزاء من المبادئ(١) لا من العوارض.

وفيه نظر، أمّا أوّلاً: فلأنّ من الضروريّات(٢) وجود الغاية لكلّ علم، وهي إمّا حقيقية أو اعتبارية، وكلّ منهما إمّا واحدة بسيطة أو مركّبة، وإمّا متعدّدة بعدد أقسام العلم أو أبوابه أو مسائله.

أمّا إذا كانت واحدة حقيقية بسيطة فهي لا محالة تكون أثراً لواحد؛ لأنّ وحدة الأثر تكشف عن وحدة المؤثّر، وذلك المؤثّر الواحد الحقيقي البسيط يكون هو النسبة القائمة في المسألة الجامعة لمسائل العلم، لا موضوع هذه المسألة، وهو واضح، ولا محمولها؛ لأنّه من حيث هو لا تترتّب عليه الغاية، وبلحاظ انتسابه يكون مركّباً، وهو خلاف الفرض.

ولا غير أجزاء هذه المسألة؛ لأنّه لا دخل له في الغاية، فإنّها إنّما تترتّب علىٰ

__________

الفلسفة والرياضة وبين غيرها من الأدبية والنقلية في وجه احتياج امتيازها إلىٰ مميز الموضوع أو الغاية، فلا مجال لجري جميع العلوم علىٰ منوال واحد فيما به الامتياز، وببالي أنّ الناظرين في العلوم النقلية نظروا إلىٰ ديدن أهل العلوم العقلية ورأوا أنّهم بنوا في امتياز علومهم غالباً بموضوعاتها، وغفلوا عن نكتة نظرهم، فاتّبعوهم رمية من غير رامٍ، وأجروا مثل هذه القاعدة في علومهم أيضاً فوقعوا من الالتزام بهذا المسلك في علومهم الأدبية والنقلية في حيص وبيص.

(١) المعروف عند أهل الفنّ أنّ البحث عن وجود الموضوع ـ أيّ موضوع كان سواء كان موضوع العلم أو موضوع أحد أبوابه ومسائله ـ معدود من مبادئ العلم التصوّرية، لا من مسائله.

(٢) في المخطوط: (الضروبات).

۲۹۱

المسائل.

[الكلام في إثبات الموضوع]

فإذا عرفت أنّ المؤثّر في الغاية هو تلك المسألة، وعلمت بالضرورة احتياج النسبة إلىٰ موضوع علمت وجود الموضوع للعلم؛ لأنّ موضوع تلك النسبة القائمة في المسألة الجامعة هو الموضوع الجامع لموضوعات المسائل، وهو موضوع العلم.

وأمّا إذا كانت(١) واحدة مركّبة حقيقية، أي: أجزاؤها حقيقية وإن كان تركيبها اعتباريّاً فهي لا محالة تكون أثراً لواحد وإن كان ذلك الواحد مركّباً؛ لأنّ المعلول الواحد لا يصدر بتمامه من متعدّد، وإلّا لزم أن يكون للمعلول الواحد علل تامّة متعدّدة، وهو محال(٢).

وذلك المؤثّر الواحد إمّا المسألة الجامعة، وقد تقدّم أنّ موضوعها موضوع العلم أو مجموع المسائل، وهو لا ينافي وجود الموضوع للعلم لإمكان اعتبار أمر كلّي صادق علىٰ موضوعات المسائل أو كلّ مركّب فيها يكون هو موضوع العلم، بل لا معنىٰ لإمكان اعتبار أمر مركّب من المسائل واعتبار تركيب غاية من أجزاء حقيقية دون اعتبار أمر جامع لموضوعات المسائل، فإنّ الفرق تحكّم.

وأمّا إذا كانت الغاية متعدّدة حقيقة بتعدّد المسائل أو غيرها ممّا ذكر فلابدّ من إرجاعها إلىٰ واحد كلّي أو كلّ مركّب من الغايات المتعدّدة، وإلّا لزم بناء علىٰ التميّز بالغاية أن يكون العلم الواحد علوماً متعدّدة بتعدّد الغايات، فإذا التزمت

__________

(١) اسمها (الغاية) والجملة عطف علىٰ قوله: «أمّا إذا كانت واحدة حقيقية بسيطة».

(٢) انظر: الحكمة المتعالية ٧/٢٠٩ فصل ١٤، في أنّ المعلول الواحد هل يستند إلىٰ علل كثيرة.

۲۹۲

بإرجاع الغايات إلىٰ غاية واحدة اعتبارية فَلِمَ لا يصحّ مثله في موضوعات المسائل، فنرجعها إلىٰ موضوع واحد كلّي أو كلّ مركّب منها، غاية الأمر أنّه علىٰ تقدير كونه كلّا لا يكون نفس كلّ موضوع من موضوعات المسائل، بل نفس المجموع منها.

وأمّا إذا كانت الغاية اعتبارية بأقسامها فهي مع أنّها لا وجود لها، بل لا معنىٰ لجعلها غاية لعلم حقيقي بحيث توجب البحث عنه لا وجه لصحّة اعتبارها دون موضوع العلم، سواء كانت بسيطة أو مركّبة أو متعدّدة ترجع بالآخرة إلىٰ واحدة كما لا يخفىٰ، فعلىٰ جميع التقادير لا أجد وجهاً لإنكار الموضوع والتزام التميّز بالغاية.

[لا وجه لإنكار الموضوع للتفسير واللغة]

وأمّا ثانياً(١): فلأنّ إنكار الموضوع للتفسير واللغة ليس في محلّه؛ لأنّ موضوع العلم كما قد يكون تارة هو المعنىٰ محضاً بحيث لا يكون للفظ دخلاً(٢) في موضوعيّته، وإنّما هو آلة لبيان المعنىٰ كما في غالب العلوم، ويكون ثانية اللفظ بما هو دالّ علىٰ المعنىٰ كـ: (الكلمة) للنحو، ويكون ثالثة اللفظ أعمّ من أن يكون للمعنىٰ دخل في عروض العارض عليه أو لا يكون له دخل، بمعنىٰ أن لا يعتبر دخله، لا أنّه يعتبر عدم دخله، وذلك كـ: (الكلمة) للصرف.

ولذا ترىٰ العوارض المبحوث عنها، فيعتبر حينئذٍ عدم دخل المعنىٰ في الموضوع كـ: (الكلمة) للّغة، ومادّة (القرآن) للتفسير، ولذا يبحث فيها عن المعاني، بحيث يكون اللفظ الخالي عن المعنىٰ هو المعروض وكونه صاحب المعنىٰ

__________

(١) عطف علىٰ قوله: «أمّا أوّلاً: فلأنّ من الضروريات».

(٢) هكذا في المخطوط، والصحيح (دخل).

۲۹۳

الكذائي هو العارض، وإلّا لكان اللفظ بما هو حامل للمعنىٰ الكذائي دالّا عليه، وهو كما ترىٰ، فحينئذٍ لا يكون بيان المعاني من المبادئ، بل من البحث عن العوارض، وإنّما المبادئ المفيدة لتصوّر جزئيّات الموضوع في هذين العلمين هي ما بين الموادّ والهيئات كما لا يخفىٰ، فلا وجه لإنكار الموضوع لهذين العلمين.

[الكلام في الواسطة وأقسامها]

قوله رحمه الله: بلا واسطة في العروض(١).

وهي المعروض الأوّلي الذي بسبب عروض العارض عليه يعرض ثانياً علىٰ أمر آخر، ولا يخفىٰ أنّ هذا التفسير للعرض الذاتي أنسب به، فإنّما يعرض للذات بلا تأخّر في رتبة عروضه، قريب إلىٰ الذات غير غريب عنها، بخلاف ما يعرض في رتبة متأخّرة، بأن يعرض أوّلاً لشيء ثمّ بتوسّط عروضه علىٰ الأوّل يعرض لشيء آخر، فإنّه يكون غريباً عن المعروض بعيداً عنه.

وقد ظهر لك من هذا أنّ التأخّر في الرتبة يتوقّف [علىٰ] أن تكون الواسطة معروضه أوّلاً، وعلىٰ أن تكون بما هي معروضه سبباً للعروض علىٰ المعروض الآخر، إذ لولا الشرط الأوّل(٢) لم يكن العارض غريباً ومتأخّراً رتبة، بل كان هو من أوّل المعروضات، وكان من العرض ذاتيّاً.

ولولا الشرط الثاني(٣) لجاز أن يعرض علىٰ المعروضين بلا تقدّم في الرتبة، فإنّا لو لم نجعل للعروض علىٰ الأوّل دخلاً في المعروض علىٰ الثاني لجاز عروضه

__________

(١) كفاية الأصول: ٧.

(٢) وهو أن تكون الواسطة معروضة أوّلاً.

(٣) وهو أن تكون بما هي معروضة سبباً للعروض علىٰ المعروض الآخر.

۲۹۴

عليها في رتبة واحدة بسببين، فلا يكون أحدهما غريباً، ولكن قد يكتفىٰ بالشرط الثاني فقط؛ لأنّ تحقّقه موقوف علىٰ تحقّق الأوّل، كما لا يخفىٰ.

ثمّ إنّه لا يتوقّف التأخّر في الرتبة والغرابة عن الذات علىٰ شرط آخر، وهو أن تكون الواسطة محمولة علىٰ المعروض، إذ لا دخل لذلك في التأخّر الرتبي والغرابة عن الذات، فحينئذٍ كما يجوز أن تكون الواسطة عرضاً، أي: خارجاً محمولاً كذلك يجوز أن تكون عرضاً، أي: خارجاً غير محمول، كالسطح الذي يعرض عليه البياض، بناء علىٰ أنّه المعروض والواسطة في عروض البياض علىٰ الجسم لا السطح، مع أنّه لا يحمل عليهم، فلا يقال: الجسم سطح، ولو فرضنا أنّه يعتبر هذا الشرط في الواسطة في العروض كما قيل، مع أنّه لم يعتبر في العرض الذاتي كما حقّقناه لم يكن تعريف العرض الذاتي مانعاً؛ لأنّه يدخل فيه البياض مثلاً في المثال، حيث إنّه لم يعرض بواسطة في العروض التي اعتبر فيها الحمل عرضاً، مع أنّه ليس بعرض ذاتي.

وعلىٰ كلّ حال لا يعتبر في العرض الذاتي أكثر من أن يكون معروضاً في أوّل رتبة، ولا في الغريب أكثر من أن يكون في رتبة متأخّرة، ولا دخل للحمل وعدمه فيهما بعد تحقّق الأوّلية والثانوية كما لا يخفىٰ.

[خروج الواسطة في الإثبات والثبوت]

ثمّ إنّه بتقيّد الواسطة ـ بقول المصنّف رحمه‌الله ـ في العروض تخرج الواسطة في الإثبات، وهي الدليل وعلّة العلم والواسطة في الثبوت وهي علّة الوجود، سواء كان الوجود والثبوت مفاد كان التامّة أو الناقصة، ضرورة أنّ وجود الواسطة الثبوتية أو الإثباتية لا يوجب التأخّر في الرتبة وأن يكون العارض غريباً وبعيداً عن المعروض، هذا.

ويجوز أن تكون الواسطة ذات جهتين في التوسّط، فتكون واسطة في العروض وفي الثبوت من جهتين، بأن يكون لها من حيث هي دخل في السببية أيضاً، كالفاعل وسائر أنواع الكلمة بالنسبة إلىٰ أنواع الإعراب، فإنّ الفاعل من

۲۹۵

حيث هو مثلاً واسطة وسبب في ثبوت الرفع للكلمة، كما أنّه من حيث كونه معروضاً للرفع واسطة في عروض الرفع للكلمة، فلابدّ حينئذٍ من تقييد(١) تعريف العرض الذاتي، فيقال: بلا واسطة في العروض من حيث إنّها كذلك.

وبهذا تعرف أنّ النسبة بين الواسطة الثبوتية والعروضية عموم من وجه(٢)، وتعرف ما في تخصيصهم للعرض الذاتي بما يعرض للشيء لذاته أو لجزئه أو للخارج المساوي، وتخصيصهم للعرض الغريب بما يعرض الشيء بواسطة الخارج الأعمّ أو الأخصّ أو المباين(٣)، فإنّه إذا لم تكن الواسطة واسطة في العروض كان العرض ذاتيّاً حتّىٰ لو كانت الواسطة أعمّ أو أخصّ من المعروض أو مباينة له، وإذا كانت الواسطة

__________

(١) في المخطوط: ( تقيّد).

(٢) انظر: بداية الوصول إلىٰ شرح كفاية الأصول ١/٧، وفيه: إنّ النسبة بين الواسطة في الثبوت والواسطة في العروض هي التباين، فإنّ العرض الذي يثبت لموضوعه بواسطة علّة من العلل يثبت له حقيقة، ولا يعقل أن يكون نسبته إليه بالعرض والمجاز، وإلّا لم يكن ثابتاً له حقيقة، والعرض الذي يكون ثبوته لموضوعه بالعرض والمجاز لا يعقل أن يكون ثابتاً له حقيقة ووصفاً له بحال نفسه وإلّا لزم الخلف في الفرض، نعم ربّما يكون عرضاً بالنسبة إلىٰ معروضين جامعاً للعروض الحقيقي وللواسطة في العروض، كالجريان بالنسبة إلىٰ الماء والميزاب فإنّ له عروضاً حقيقيّاً بالنسبة إلىٰ الماء، وعروضاً بالمجاز بالنسبة إلىٰ الميزاب.

وبعبارة أخرى: إنّ الواسطة في الثبوت من صفات سبب العارض لا نفس العارض، والثبوت من صفاته، والواسطة في العروض من صفات نفس العارض، فلا محالة يكونان من المتباينين.أمّا الواسطة في الإثبات فهي أعمّ من الواسطة في الثبوت؛ لأنّه كما يكون العلم بالعلّة واسطة في العلم بالمعلول، كذلك يكون العلم بالمعلول واسطة في العلم بالعلّة وأعمّ من الواسطة في العروض؛ لأنّ العرض الذي يكون نسبته إلىٰ المعروض بالعرض والمجاز يكون العلم به سبباً للعلم بالمعروض وبالعكس أيضاً.

(٣) انظر: حقائق الأصول ١ / ٧.

۲۹۶

واسطة في العروض كان العرض غريباً حتّىٰ لو كان مساوياً للمعروض بواسطتها.

[إشكال وجواب]

كما تعرف بذلك رفع الإشكال الذي أورده علىٰ التعريف الذي ذكره المصنّف رحمه‌الله لموضوع العلم(١).

وحاصل الإشكال أنّهم جعلوا من العوارض الغريبة العارض بواسطة الخارج الأخصّ، كالرفع والنصب والجرّ العارضات علىٰ الكلمة بواسطة الفاعل أو المفعول أو المضاف إليه ونحوها، وكلّ واحدة من هذه الوسائط أخصّ من الكلمة خارج من مفهومها، وقد صرّحوا أيضاً بأنّ موضوع المسألة قد يكون نفس الموضوع أو من أجزائه أو جزئيّاته أو أعراضه الذاتية، ومن البديهي أنّ جزئيّاته أخصّ منه خارجة عن مفهومه(٢).

توضيح الدفع:

إنّ العارض بواسطة الخارج الأخصّ كما يكون غريباً إذا كانت الواسطة عروضية كذلك يكون ذاتيّاً إذا كانت غير عروضية، ويكون ذاتيّاً وغريباً إذا كانت الواسطة ذات جهتين، ومنه ما ذكر في الإشكال عن الرفع والنصب والجرّ، فإنّه كما عرفت سابقاً يعرض للكلمة بواسطة الفاعل أو المفعول أو المضاف إليه ونحوها من حيث هي هي، ويعرض لها من حيث كونها معروضة لتلك

__________

(١) أي: قوله في كفاية الأصول: ٧؛ إنّ موضوع كلّ علم، وهو الذي يبحث فيه عن عوارضه الذاتية ـ أي: بلا واسطة في العروض ـ هو نفس موضوعات مسائله عيناً، وما يتّحد معها خارجاً وإن كان يغايرها مفهوماً، تغاير الكلّي ومصاديقه، والطبيعي وأفراده.

(٢) انظر: بدائع الأفكار: ٣١.

۲۹۷

العوارض، والبحث عن هذه العوارض للكلمة من الحيثية الأولىٰ(١) بحث عن العوارض الذاتية، فلا تكون خارجة عمّا يطلب البحث عنه في العلم وإن كانت من الحيثية الثانية(٢) عوارض غريبة، ومثله الكلام في جميع محمولات المسائل في العلوم التي موضوعاتها أخصّ من موضوع العلم.

[إشكال وجواب]

فإن قلت: لا يصحّ أن يكون الأخصّ واسطة في العروض؛ لأنّه فرد من العامّ، والعروض عليه عروض علىٰ العامّ، فليس هناك عروضان، عروض علىٰ الواسطة وعروض علىٰ العامّ المعروض؛ وذلك لازم في الواسطة العروضية.

قلت: العروض علىٰ الأخصّ بخصوصيّاته غير العروض علىٰ العامّ، فإنّ عروض الرفع مثلاً علىٰ الفاعل بما هو فاعل غير العروض علىٰ الكلمة.

[أجوبة أخرىٰ]

وقد أجيب عن الإشكال بوجوه أخر.

الأوّل: أنّ المراد بالعرض الذاتي هو العارض بلا واسطة في العروض، إلّا أنّه يعتبر في الواسطة العروضية أن تكون محمولة علىٰ المعروض بواسطتها، فيلزم أن لا تكون موضوعات المسائل واسطة في العروض، لكونها لا تحمل علىٰ موضوع؛ لأنّ الأخصّ لا يحمل علىٰ الأعمّ، فإذا لم تكن واسطة، بل في الثبوت لم تكن محمولاتها المبحوث عنها عرضاً غريباً بالنسبة إلىٰ موضوع العلم، بل تكون عرضاً

__________

(١) أي: الرفع يعرض للكلمة بواسطة الفاعل أو المفعول أو المضاف إليه ونحوها من حيث هي هي.

(٢) أي: الرفع يعرض للكلمة من حيث كونها معروضة لتلك العوارض.

۲۹۸

ذاتيّاً ويرتفع الإشكال المتقدّم.

لكنّك قد عرفت أنّه لا دخل لحمل الواسطة علىٰ المعروض، ولا لعدم الحمل في كون العرض غريباً عن الذات أو ذاتيّاً، فلا يصحّ اعتباره في الواسطة مع أخذها في تعريف الذاتي كما حقّقناه سابقاً، فلا ينفع هذا الجواب في رفع الإشكال.

الثاني: أنّ المراد بالعوارض في تعريف موضوع العلم محمولات موضوعات العلوم، لا محمولات موضوعات مسائلها، وتلك المحمولات هي المفهومات الجامعة لمحمولات المسائل، كما أنّ موضوعات العلوم هي المفهومات الجامعة لموضوعات المسائل.

وفيه: أنّ الملحوظ في مباحث العلوم هو خصوص محمولات المسائل، لا الجامع لها، فإنّه اعتبار محض لا يلتفت إليه حين البحث. وأمّا موضوع العلم فليس الملحوظ منه إلّا مجرّد التميّز، والمميّز بما هو مميّز هو المفهوم الجامع لا موضوع كلّ مسألة.

الثالث: أنّ في تعريف الموضوع طيّاً في العبارة، وتقديره ما يبحث في العلم عن عوارضه الذاتية أو العوارض الذاتية لأنواعه أو لأعراضه الذاتية.

وفيه: أنّه لا يحسن مثله في التعريف، علىٰ أنّه لو ذكر لكان زائداً لما عرفت من أنّ تلك العوارض كلّها عوارض ذاتية لموضوع العلم.

وقد أورد عليه بإيراد آخر غير تامّ لا يتحمّل المقام إيراده، وإيراد ما فيه.

[الكلام في وحدة ومغايرة موضوع العلم لموضوع مسائله]

قوله رحمه الله: [هو] نفس موضوعات مسائله عيناً(١).

فإن قلت: موضوعات المسائل قد تكون نفس موضوع العلم، وقد تكون

__________

(١) كفاية الأصول: ٧.

۲۹۹

غيره كما صرّحوا، فيلزم أن يكون موضوع العلم عين نفسه وغيره، وهو باطل، علماً أنّ موضوع المسألة إذا جاز أن يكون هو موضوع العلم لا يصحّ للمصنّف رحمه‌الله أنّ يطلق ويقول: وإن كان يغايرها مفهوماً، فإنّ الشيء لا يغاير نفسه.

قلت: الموضوع إذا وقع موضوعاً للمسألة يعتبر من حيث كونه مدوّناً(١) دالّا علىٰ معناه، فيلحظ فيه جهة التدوين، كما هو المعروف عند من جعل أسماء العلوم موضوعة للمدوّنة، وإنّ أجزاءها ثلاثة؛ الموضوعات والمبادئ والمسائل، وإذا كان موضوعاً للعلم يعتبر من حيث نفسه، فيتغايران مفهوماً كما يتغاير مفهوماً موضوع العلم وسائر موضوعات المسائل، وأمّا كونه عين غيره فلا ضير فيه؛ إذ لا مانع من أن يكون الشيء نفس غيره عيناً وخارجاً وإن كان غيره مفهوماً كما لا يخفىٰ.

[الكلام في المراد بالمسائل]

قوله: وما يتّحد معها خارجاً [وإن كان يغايرها مفهوماً] (٢).

أي: في خارج الذهن، وهو محلّ التدوين، ويحتمل أن يريد بالخارج خارج اللفظ أو خارج العدم، وهو الوجود، فحينئذٍ يكون الاتّحاد معها هنا اتّحاداً خارجيّاً، هذا.

واعلم أنّه يفهم من اتّحاد الموضوع مع موضوعات المسائل في الخارج أنّه يعتبر الخارج في موضوعات المسائل، فإذا اعتبر فيها لزم اعتباره في المحمولات، إلّا(٣) أنّه علىٰ تقدير أن يريد خارج الذهن تكون محمولات المسائل هي المدوّنة، وعلىٰ تقدير أن

__________

(١) في المخطوط زيادة: (على).

(٢) كفاية الأصول: ٧.

(٣) عليها شطب في المخطوط.

۳۰۰

يريد خارج اللفظ أو خارج العدم يكون المراد بها مطلق الموجودة؛ لأنّ محمول الموضوع المتّحد معه في محلّ وجوده يكون مثله وجوديّاً وموجوداً بعين وجوده.

وحينئذٍ تكون علىٰ الأوّل مسائل العلم هي المدوّنه، وعلىٰ الثاني مطلق الموجودة، سواء قلنا: إنّ المسائل هي القضايا أو النسب أو المحمولات المنتسبة؛ لأنّ الموضوعات والمحمولات إذا اعتبر فيها الخارج بأيّ معنىٰ فسّرناه وكانت خارجية حين الانتساب تكون النسبة خارجية وموجودة بعين وجود الطرفين(١) حين الانتساب؛ فيلزم أن تكون المسائل خارجية؛ لأنّها إمّا نفس نسب الخارجية أو نفس المركّب من النسب الخارجية ومن خارجيّين آخرين، أعني: الموضوع والمحمول.

فإذا عرفت، وعرفت أنّ حقيقة كلّ علم مسائله علمت أنّ العلم هو المسائل الخارجية، لا المسائل من حيث هي.

اللهمّ إلّا أن يقال: إنّه لا يفهم من اتّحاد موضوع العلم مع موضوعات المسائل خارجاً اعتبار الخارج في موضوعات المسائل وإن كانت في نفسها خارجية؛ لأنّ اتّحادهما لا يقتضي اعتبار الخارج فيها، فينتفي حينئذٍ أيضاً اعتبار الخارج في محمولات المسائل والنسب، فيصحّ أن يقال: إنّ مسائل العلم هي المسائل من حيث هي، ويكون العلم عبارة عنها لا عن المسائل الخارجية.

ويدلّ عليه تعريفهم للموضوع بما يبحث في العلم عن عوارضه الذاتية، فإنّ المبحوث عنه بحسب الظاهر هو العوارض والمحمولات من حيث هي، لا من حيث إنّها موجودة.

__________

(١) في المخطوط زيادة: «الخاصّ المعتبر حين الانتساب تكون النسبة خارجية وموجودة بعين وجود الطرفين الخاصّ المعتبر».

۳۰۱

ثمّ لو سلّم اعتبار الخارج في المحمولات والموضوعات لا يلزم أن يكون خارجها عين خارج النسبة، لجواز كونهما موجودين بالوجود العيني، وتوجد نسبتهما بالوجود الذهني، فلا يصحّ الحكم بأنّها موجودة بعين وجود الطرفين، هذا.

ولكنّ الظاهر أنّهم يريدون من العلم في مقام التدوين نفس المدوّن الدالّ علىٰ المعنىٰ الذي هو عبارة عن ثلاثة أجزاء؛ الموضوعات والمسائل والمبادئ، ولذا جعلوا أجزاء العلوم هذه الثلاثة(١)، فتكون المسائل هي الخارجية المدوّنة، وتكون جزء العلم المدوّن، لا نفسه وإن أمكن دعوىٰ أنّها نفس العلم بالأصل الذي لم يلحظ فيه التدوين، ولا يعتبر فيها الخارج، ولا ينافي اعتبار التدوين فيها قولهم: يبحث في العلم عن عوارضه الذاتية(٢)، فإنّ البحث عنها من حيث هي لا يمنع من كونها بما هي مدوّنة جزءً من العلم.

ثمّ إنّ هذا التعريف يشهد بأنّها ليست عين العلم، فتكون جزأه المدوّن؛ لأنّه لا يصحّ أن يقال: يبحث في العلم عن العلم.

قوله: تغاير الكلّي ومصاديقه [والطبيعي وأفراده].

المراد بالكلّي هو الكلّي المنطقي لا الطبيعي(٣)، وبمصاديقه الكلّيات الطبيعية،

__________

(١) انظر: اللمعات المشرقية: ٣٥، وفيه: إنّ أجزاء العلوم موضوعات ومبادئ ومسائل، فموضوع العلم ما يبحث فيه عن أعراضه الذاتية، ومباديه التصوّرية هي حدود موضوعاته وأجزاؤها وأعراضها الذاتية، والتصديقية هي القضايا التي يتوقّف عليها براهين مطالبه، ويسمّىٰ الأوضاع ويجب إصدار العلم بالمبادئ، ومسائله هي القضايا التي يطلب التصديق بها فيه.

(٢) انظر: الحكمة المتعالية ٢ / ٣٠؛ الشواهد الربوبية: ١٩.

(٣) بيّن الشيخ محمّد رضا المظفّر في كتاب المنطق: ١٠٥، الفرق بين الكلّي المنطقي والطبيعي

۳۰۲

وأراد بأفراد الكلّي جزئيّاته، فعلىٰ هذا لا يكون عطف قوله: والطبيعي وأفراده للتفسير، بل من عطف أحد المغايرين علىٰ الآخر.

__________

والعقلي بقوله: إذا قيل: الإنسان كلّي ـ مثلاً ـ فهنا ثلاثة أشياء: ذات الإنسان بما هو إنسان، ومفهوم الكلّي بما هو كلّي مع عدم الالتفات إلىٰ كونه إنساناً أو غير إنسان، والإنسان بوصف كونه كلّياً. أو فقل: الأشياء الثلاثة هي ذات الموصوف مجرّداً، ومفهوم الوصف مجرّداً، والمجموع من الموصوف والوصف.

١ـ فإن لاحظ العقل ـ والعقل قادر علىٰ هذه التصرّفات ـ نفس ذات الموصوف بالكلّي مع قطع النظر عن الوصف، بأن يعتبر الإنسان ـ مثلاً ـ بما هو إنسان من غير التفات إلىٰ أنّه كلّي أو غير كلّي، وذلك عندما يحكم عليه بأنّه حيوان ناطق، فإنّه ـ أي: ذات الموصوف بما هو عند هذه الملاحظة ـ يسمّىٰ الكلّي الطبيعي، ويقصد به طبيعة الشيء بما هي، والكلّي الطبيعي موجود في الخارج بوجود أفراده.

٢ـ وإن لاحظ العقل مفهوم الوصف بالكلّي وحده، وهو أن يلاحظ مفهوم (ما لا يمتنع فرض صدقه علىٰ كثيرين) مجرّداً عن كلّ مادّة، مثل: إنسان وحيوان وحجر وغيرها، فإنّه ـ أي: مفهوم الكلّي بما هو عند هذه الملاحظة ـ يسمّىٰ الكلّي المنطقي، والكلّي المنطقي لا وجود له إلّا في العقل؛ لأنّه ممّا ينتزعه ويفرضه العقل، فهو من المعاني الذهنية الخالصة التي لا موطن لها خارج الذهن.

٣ـ وإن لاحظ العقل المجموع من الوصف والموصوف، بأن لا يلاحظ ذات الموصوف وحده مجرّداً، بل بما هو موصوف بوصف الكلّية، كما يلاحظ الإنسان بما هو كلّي لا يمتنع صدقه علىٰ الكثير، فإنّه ـ أي: الموصوف بما هو موصوف بالكلّي ـ يسمّىٰ الكلّي العقلي؛ لأنّه لا وجود له إلّا في العقل؛ لاتّصافه بوصف عقلي، فإن كلّ موجود في الخارج لا بدّ أن يكون جزئيّاً حقيقيّاً. ونشبّه هذه الاعتبارات الثلاث لأجل توضيحها بما إذا قيل: السطح فوق، فإذا لاحظت ذات السطح بما يشتمل عليه من آجر وخشب ونحوهما وقصرت النظر علىٰ ذلك غير ملتفت إلىٰ أنّه فوق أو تحت، فهو شبيه بالكلّي الطبيعي، وإذا لاحظت مفهوم (الفوق) وحده مجرّداً عن شيء هو فوق، فهو شبيه بالكلّي المنطقي، وإذا لاحظت ذات السطح بوصف أنّه فوق فهو شبيه بالكلّي العقلي.

۳۰۳

[الكلام في مسائل العلم ومبادئه]

قوله: والمسائل عبارة عن جملة من قضايا [متشتّتة، جمعها اشتراكها في الدخل في الغرض الذي لأجله دوّن هذا العلم]... إلىٰ آخره.

بأنّ المسائل تطلق علىٰ القضايا كثيراً، وهي المراد منها علىٰ الظاهر، حيث يقال: إنّ العلم عين مسائله، لكنّ هذا بلا لحاظ تدوين العلم، وأمّا مع لحاظه فالظاهر أنّهم يريدون بها المحمولات المنتسبة لمقابلتها بالموضوعات(١) في قولهم: أجزاء العلوم ثلاثة؛ الموضوعات والمسائل والمبادئ(٢)، فإنّ هذا لا يناسب أن يريدوا بها القضايا.

ودعوىٰ أنّ استقلال البحث في الموضوعات للعناية بها وإن كانت من أجزاء المسألة خلاف الظاهر.

ثمّ إنّه لمّا كان المقصود بالبحث حقيقة هو التصديق بالنسبة جَعَلَ بعضهم المسائل نفس النسب(٣)، ولكنّ هذا لا يثبت الاصطلاح في لفظ المسائل، وأنّها موضوعة للنسب، فالأقرب ما ذكرناه.

قوله: فلذا قد يتداخل بعض العلوم [في بعض المسائل، ممّا كان له دخل في مهمّين(٤)، لأجل كلّ منهما دوّن علم علىٰ حدة، فيصير من مسائل العلمين. لا

__________

(١) انظر: تعليقة علىٰ معالم الأصول ١ / ٥٦؛ فوائد الأصول ١ / ٢٧.

(٢) تقدّم بيان ذلك.

(٣) انظر: تعليقة علىٰ معالم الأصول ١ / ٦١.

(٤) أي: في غرضين مهمّين، كقولنا: الأمر حقيقة في الوجوب، فإنّه مسألة لغوية وأصولية، فيتداخل علما اللغة والأصول في هذه المسألة، وكمسألة التجرّي، فإنّه يتداخل فيها علم الفقه والأصول والكلام، لوجود الجهة الفقهية والأصولية والكلامية فيها، وهكذا غيرها. منتهىٰ الدراية ١/ ١٢.

۳۰۴

يقال: علىٰ هذا(١) يمكن تداخل علمين في تمام مسائلهما فيما كان هناك مهمّان متلازمان في الترتّب علىٰ جملة من القضايا، لا يكاد انفكاكهما فإنّه يقال: مضافاً إلىٰ بعد ذلك، بل امتناعه عادة](٢)... إلىٰ آخره كما قد يتداخل في بعض المسائل التي تدخل موضوعاتها أو محمولاتها تحت موضوعي علمين أو محموليهما بناء علىٰ التميّز بالموضوع أو المحمول.

قوله: لا يكاد يصحّ لذلك [تدوين علمين وتسميتهما باسمين، بل تدوين علم واحد، يبحث فيه تارة لكلا المهمّين، وأخرىٰ لأحدهما، وهذا بخلاف التداخل في بعض المسائل، فإنّ حسن تدوين علمين ـ كانا مشتركين في مسألة، أو أزيد ـ في جملة مسائلهما المختلفة، لأجل مهمّين، ممّا لا يخفىٰ] (٣) إلىٰ آخره.

لما عرفت من أنّ حقيقة كلّ علم هي مسائله أو التصديق بها أو ملكة التصديق بها أو غير ذلك، فلا يمكن أن تتعدّد العلوم بدون تعدّد هذه الأمور؛ لأنّ الأشياء لا تتعدّد بما هي مختلفة الحقائق إلّا بتعدّد ذاتيّاتها وحقائقها لا بتعدّد غاياتها وخواصّها، فكون

__________

(١) المراد بالمشار إليه هو كون بعض المسائل ممّا له دخل في غرضين مهمّين دوّن لكلّ منهما علم علىٰ حدة، وحاصل الإشكال أنّه يمكن تداخل علمين في تمام مسائلهما إذا كان هناك غرضان مهمّان مترتّبان علىٰ جملة من القضايا. منتهىٰ الدراية ١/ ١٢.

(٢) كفاية الأصول: ٧.

(٣) كفاية الأصول: ٧، وملخّص ما أجاب به عن هذا الإشكال يرجع إلىٰ وجهين، أحدهما: بُعدُ هذا الفرض بل امتناعه عادة، ثانيهما: عدم حسن تدوين علمين حينئذٍ حتّىٰ يقال بلزوم تداخلهما في جميع مسائلهما، بل لابدّ من تدوين علم واحد يبحث فيه تارة لأحد الغرضين وأخرىٰ للغرض الآخر، وبالجملة: فحسن تدوين علمين عند العقلاء مفقود في صورة التداخل في جميع المسائل، بخلاف التداخل في بعضها، فإنّ حسن تدوين علمين فيها عند العقلاء ممّا لا إشكال فيه. منتهىٰ الدراية ١/ ١٢.

۳۰۵

الغاية منشأ للتدوين وخاصّة من الخواصّ لا يوجب تعدّد العلوم ذاتاً بتعدّدها.

ثمّ إنّه قد يكون بعض العلوم جزءاً من بعض وداخلاً فيه، وذلك لا ينافي اختلاف حقيقتهما كما لا يخفىٰ.

كما قد يقال في كلّ من العلوم المندرجة تحت كلّي العلم الإلهي، وهي الذي لا يفتقر في وجوده وتعقّله إلىٰ مادّة، وكلّ من العلوم الرياضيّة بالنسبة إلىٰ كلّي علم الرياضيّات، وهو الذي يفتقر في وجوده إلىٰ مادّة، وكلّ من العلوم الطبيعية بالنسبة إلىٰ كلّي العلم الطبيعي، وهو الذي يتوقّف وجوداً وتعقّلاً علىٰ مادّة، إلّا أنّه لم يدوّن ظاهراً كلّي علم الإلهيّات وأخواه وإن كان ممكناً، وهو لا يضرّ في كون كلّ من العلوم الثلاثة شاملاً لعلوم متعدّدة. نعم بلحاظ التدوين لا تحقّق للشامل، إلّا أنّ إمكانه كافٍ في فرض أنّ بعض العلوم داخل في بعض.

[الكلام في تمايز العلوم وتمايز مسائلها]

قـولـه: وقـد انـقـدح بـمـا ذكـرنـاه(١) [أنّ تـمـايـزَ العـلـوم إنّمـا هـو بـاخـتـلاف الأغـراض الـداعيـة إلـىٰ التـدويـن، لا الـموضـوعـات(٢) ولا

__________

(١) المراد بالوصول: ما ذكره في تعريف المسائل من كون الجامع بينها اشتراكها في الدخل في الغرض الموجب لتحسين العقلاء تدوين علوم متعدّدة لأغراض كذلك وإن كانت القضايا التي تترتّب عليها الأغراض المتشتّتة متّحدة موضوعاً ومحمولاً، ولتقبيحهم تدوين علمين مع وحدة الغرض وإن كان موضوع المسائل مختلفاً كقولنا: (خبر الواحد حجّة) و(الإجماع حجّة) و(ظواهر الألفاظ حجّة) و(الأمر ظاهر في الوجوب) ونحو ذلك من القضايا المختلفة موضوعاً مع وحدة الغرض المترتّب عليها، فلو كان تمايز العلوم بتمايز الموضوعات لكان تدوين علمين لها حسناً، مع أنّه قبيح عند العقلاء كما لا يخفىٰ. منتهىٰ الدراية ١/ ١٣.

(٢) كما اشتهر ذلك، وحاصل إشكال الآخوند علىٰ كون تمايز العلوم بتمايز الموضوعات هو:

۳۰۶

المحمولات(١)، وإلّا كان كلّ باب(٢)، بل كلّ مسألة(٣) من كلّ علم، علماً علىٰ حدة، كما هو واضح لمن كان له أدنىٰ تأمّل، فلا يكون الاختلاف بحسب الموضوع أو المحمول موجباً للتعدّد، كما لا يكون وحدتهما سبباً لأن يكون من الواحد(٤). ثمّ إنّه ربّما لا يكون لموضوع العلم ـ وهو الكلّي المتّحد مع موضوعات

__________

أنّه بناء علىٰ ذلك يلزم تدوين علوم متعدّدة بتعدّد الأبواب، بل المسائل؛ لاختلاف الموضوع في الأبواب والمسائل، فإنّ الموضوع في باب الفاعل غير الموضوع في باب المبتدأ مثلاً، فلو كان تميّز العلوم بتمايز الموضوعات لزم أن يكون باب الفاعل علماً علىٰ حدة وكذا باب المبتدأ، وهكذا سائر أبواب علم النحو، وكذا علم الأصول، فإنّ الموضوع في باب الألفاظ غير الموضوع في باب الأمارات والأصول العملية وهكذا. منتهىٰ الدراية ١/١٣.

(١) كقولنا: (الفاعل مرفوع) و(الفاعل ركن في الكلام) و(الفاعل مضمر أو ظاهر)، فإنّ المحمولات في هذه القضايا مختلفة، وتمايز العلوم بتمايز المحمولات يقتضي أن تكون هذه المسائل علوماً متعدّدة، وهو كما ترىٰ. منتهىٰ الدراية ١/ ١٣.

(٢) أي: وإن لم يكن تمايز العلوم بتمايز الأغراض، بل كان بتمايز الموضوعات أو المحمولات لزم أن يكون كلّ باب كباب الفاعل والمفعول من علم النحو وباب الألفاظ والأمارات مثلاً من علم الأصول علماً علىٰ حدة. منتهىٰ الدراية ١/ ١٣.

(٣) يعني: بل يلزم أن يكون كلّ مسألة علماً علىٰ حدة كرفع الفاعل وركنيّته ومضمريّته كما تقدّم آنفاً، لاختلاف المحمول في هذه المسائل، فلو كان الملاك في وحدة العلم وتعدّده وحدة المحمول وتعدّده؛ لزم أن يكون كلّ واحدة من هذه المسائل علماً مستقلّا ً، وهو واضح الفساد، لامتياز مسائل العلم الواحد بعضها عن بعض موضوعاً أو محمولاً أو كليهما كالفاعل مرفوع والمفعول منصوب. منتهىٰ الدراية ١/ ١٤.

(٤) يعني: كما لا يكون وحدة الموضوع والمحمول ـ كقولنا: (الأمر حقيقة في الوجوب) المذكور في علمي الفقه والأصول ـ كاشفة عن وحدة الغرض، لما عرفت من إمكان ترتّب أغراض متعدّدة علىٰ قضية واحدة، فليست وحدة المسألة موضوعاً ومحمولاً سبباً لوحدة الغرض المترتّب عليها. منتهىٰ الدراية ١/ ١٤.

۳۰۷

المسائل ـ عنوان خاصّ واسم مخصوص، فيصحّ أن يعبّر عنه بكلّ ما دلّ عليه، بداهة عدم دخل ذلك في موضوعيّته أصلاً(١)]... إلىٰ آخره.

أي: من أنّ المسائل عبارة عن جملة من قضايا متشتّتة جمعها اشتراكها... إلىٰ آخره، ومن أنّ موضوع العلم عين موضوعات مسائله ومتّحد معها خارجاً، فإنّه بالأوّل ثبت التميّز بالغاية؛ لأنّه لمّا كانت مسائل كلّ علم مشتركة في دخلها بغاية لا يشاركها علم آخر وإلّا كان علماً واحداً كانت الغايات مميّزة للعلوم بعضها عن بعض.

وثبت بالثاني اتّباع التميّز بالموضوع؛ لأنّه يلزم منه أن يكون كلّ مسألة علماً مستقلّا ؛ لامتيازها بموضوعها الذي هو عين موضوع العلم الذي فرض كونه مميّزاً.

وكذا يمتنع التمييز بمحمول العلم الذي سيجيئ بيانه إن شاء الله، فإنّه عين محمولات المسائل ومتّحد معها خارجاً، فإن كان عينها لزم أن تكون كلّ مسألة علماً علىٰ حدة لامتيازها بمحمولها الذي هو عين محمول العلم الذي فرض كونه مميّزاً أيضاً.

وقد يورد علىٰ الأوّل(٢) بأنّ التميز بالغاية لا يطّرد، لجواز أن يشترك علمان في غاية واحدة، فلا يصحّ أن تجعل مميّزة للعلوم بنحو الاطّراد كما يريده المصنّف رحمه الله. نعم يصحّ جعلها مميّزة بالجملة.

وأمّا الموضوع فهو وإن جاز أن يشترك فيه علمان ظاهراً لكن بعدما قيّدوا الموضوع بالحيثية لا يمكن أن يشترك علمان في موضوع واحد؛ لأنّ الحيثيّات يقيد

__________

(١) لأنّ الغرض مترتّب علىٰ ذات الموضوع، لا علىٰ العنوان والاسم المشيرين إليه، فعدم العلم باسمه لا يقدح في موضوعيّته القائمة بذاته كما هو واضح. منتهىٰ الدراية ١/ ١٤.

(٢) أي: إنّ المسائل عبارة عن جملة من قضايا متشتّتة، جمعها اشتراكها في الدخل في الغرض الذي لأجله دوّن هذا العلم.

۳۰۸

الموضوعات وتخصّ كلّ مقيّد بعلم.

وفيه: أنّه يمكن الالتزام بتقيّد الغاية المشتركة كالموضوع المشترك، فلا ينفي غاية مشتركة بين علمين حتّىٰ يرد ما ذكر.

وقد يورد علىٰ الثاني بأنّ التميّز بالموضوع أو المحمول إنّما هو باعتبار مفهومه الجامع لموضوعات المسائل أو محمولاتها، لا بما هو موجود مقيّد بالوجود؛ ليلزم ما ذكر من بطلان التميّز بالموضوع أو المحمول، ولا نمنع أن يكون موضوع المسألة مميّزاً لها، بل نمنع صيرورتها فيه علماً مستقلّاً؛ لما عرفت.

وبالجملة موضوع العلم ومحموله إنّما يميّزان العلم من حيث المفهوم، لا من حيث تحقّقهما ووجودهما حتّىٰ يكون كلّ مسألة علماً علىٰ حدة من حيث إنّ موضوعها ومحمولها موضوع العلم الموجود ومحموله الموجود.

ولا يرد علينا أنّ العلوم بقيد التدوين خارجية، فإنّه لا يضرّ، إذ لا يلزم في الخارجي أن يؤخذ في معنىٰ مميّزه أن يكون خارجيّاً.

نعم يرد ظاهراً ما ذكره المصنّف رحمه‌الله علىٰ من جعل الموضوع جزء العلم المدوّن، فإنّه حينئذٍ يكون معتبراً فيه الوجود. ولكنّ الحقّ أنّ التميّز حينئذٍ ليس من حيث وجوده في التدوين، بل من حيث هو هو، هذا.

علىٰ أنّه لا معنىٰ لدعوىٰ صحّة التميّز بالأغراض دون الموضوعات والمحمولات لما عرفت في الأوّل من الحواشي المتقدّمة. وبما ذكرنا عرفت(١) [موضوع علم الأصول].

__________

(١) إلىٰ هنا انتهت النسخة المخطوطة.

۳۰۹

المصادر

١-بدائع الأفكار: لميرزا حبيب الله الرشتي، (ت ١٣١٢ هـ)، نشر مؤسّسة آل البيت للطباعة والنشر.

٢-بداية الوصول في شرح كفاية الأصول: للشيخ محمّد طاهر آل الشيخ راضي، (ت ١٤٠٠ هـ)، نشر أسرة آل الشيخ راضي.

٣-تعليقة علىٰ معالم الأصول: للسيّد علي الموسوي القزويني، (ت ١٢٩٨ هـ)، نشر مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المشرّفة.

٤-حقائق الأصول: للسيّد محسن الحكيم، (ت ١٣٩٠ هـ)، نشر مكتبة بصيرتي ـ قم.

٥-الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة: لصدر الدين محمّد الشيرازي، (ت ١٠٥٠ هـ)، نشر دار إحياء التراث العربي، بيروت ـ لبنان.

٦-عناية الأصول في شرح كفاية الأصول: للسيّد مرتضىٰ الحسيني اليزدي الفيروز آبادي، معاصر، نشر منشورات الفيروزآبادي ـ قم.

٧-فوائد الأصول: لإفادات الميرزا النائيني للشيخ الكاظمي الخراساني، (ت ١٣٥٥ هـ)، نشر مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المشرّفة.

٨-كفاية الأصول (تعليق السبزواري): للآخوند الخراساني، (ت ١٣٢٩ هـ)، نشر مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المشرّفة.

٩-كفاية الأصول (مع حواشي المشكيني): للآخوند الخراساني، (ت ١٣٢٩ هـ)، نشر دار الحكمة.

۳۱۰

١٠-كفاية الأصول دروس في مسائل علم الأصول: للميرزا جواد التبريزي، (ت ١٤٢٧ هـ)، نشر دار الصدّيقة الشهيدة عليها‌السلام .

١١-كفاية الأصول: للآخوند الخراساني، (ت ١٣٢٩ هـ)، نشر مؤسّسة آل البيت عليهم‌السلام لإحياء التراث ـ قم المشرّفة.

١٢-اللمعات المشرقية في الفنون المنطقية: لصدر الدين محمّد الشيرازي، (ت ١٠٥٠ هـ)، نشر مؤسّسة انتشارات آگاه.

١٣-مقالات الأصول: لآقا ضياء العراقي، (ت ١٣٦١ هـ)، نشر مجمع الفكر الإسلامي.

١٤-منتهىٰ الأصول: لحسن بن علي أصغر الموسوي البجنوردي، (ت ١٣٧٩ هـ).

١٥-منتهىٰ الدراية: للسيّد محمّد جعفر الجزائري المروّج، معاصر، نشر مؤسّسة دار الكتاب (الجزائري) للطباعة والنشر.

١٦-المنطق: للشيخ محمّد رضا المظفّر، (ت ١٣٨٣ هـ)، نشر مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المشرّفة.

١٧-هداية المسترشدين: للشيخ محمّد تقي الرازي، (ت ١٢٤٨ هـ)، نشر مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المشرّفة.

۳۱۱

من أنباء التراث

هيئة التحرير

كتب صدرت محقّقة

* إقناع اللائم علىٰ إقامة المآتم.

تأليف: العلّامة السيّد محسن الأمين (ت١٣٧١هـ).

من الكتب المهمّة التي تحدّثت عن أهمّية إقامة العزاء والمآتم علىٰ سيّد الشهداء الإمام الحسين عليه‌السلام وعلىٰ بقية الأئمّة من أهل البيت عليهم‌السلام ، فقد أبرمت شبهات في زمانه عليه‌السلام ومن قبله ومن بعده، عمل علىٰ ردّها جميعاً معتمداً علىٰ روايات أهل البيت عليهم‌السلام ، وقد قسّم الكتاب إلىٰ مقدّمة وثمانية فصول.

تحقيق: السيّد حسن بن علوي

الموسوي.

الحجم: وزيري.

نشر: مجمع الإمام الحسين عليه‌السلام ، كربلاء ـ العراق.

* بلوغ المطالب في شرح لامية أبي طالب.

تأليف: عمّار الفلاحي.

قام المؤلّف بشرح مختصر لقصيدة شيخ البطحاء وحامي الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله أبي طالب عليه‌السلام ، المعروفة باللامية بطلب من مؤسّسة أبي طالب عليه‌السلام .

اشتمل الكتاب علىٰ مقدّمة في أقوال العلماء في شاعرية أبي طالب وقصيدته اللامية، السبب في إنشائها،

۳۱۲

توثيق القصيدة، عدد أبياتها، شروحها وترجماتها، أوّل القصيدة الأدبية، كلمة شكر وتقدير، ويختم الكتاب بالقصيدة المشروحة.

تحقيق: محمّد مهدي صباحي الكاشاني.

الحجم: رقعي.

نشر: مؤسّسة أبي طالب للتحقيق والنشر، قم ـ إيران.

* شرح شواهد شرح ابن الناظم علىٰ الألفيّة ج(١ـ ٤).

تأليف: السيّد محمّد بن عليّ بن محيي الدين الموسوي العاملي (ق ١١هـ).

يحتوي هذا الكتاب علىٰ موضوع علم الإعراب، يتعرّض المصنّف رحمه‌الله فيه إلىٰ شرح ابن الناظم للشواهد الشعريّة لألفية ابن مالك، مع شرح بعض النصوص والأمثلة، ويكون بحثه من خلال الكشف عن وجوه وإعراب مدلولاتها، وما وقع فيها من خلاف واختلاف بين علماء اللغة

والنحو، وهو مشتمل علىٰ أربعة أجزاء.

تحقيق: الدكتور محمّد عليّ هوبي الربيعي.

الحجم: وزيري.

نشر: مجمع الإمام الحسين عليه‌السلام، كربلاء ـ العراق.

*دحض البدعة من إنكار الرجعة.

تأليف: الشيخ محمّد علي الأشعري الهمداني.

من الكتب العقائدية والفكرية، يبحث في عقيدة الرجعة فيورد الأدلّة علىٰ وجودها، ويقوم بردّ كلّ ادّعاءات المنكرين لها والتهم التي استندوا عليها، مع إيراد النصوص والشواهد التي تثبت أو تنفي أقوالهم وإرجاعها إلىٰ مصادرها المعتبرة معتمداً بذلك علىٰ المصادر الشيعية.

اشتمل الكتاب علىٰ مقدّمة في المؤلّف، مصنّفاته، ما وقف عليه المحقّق من كتب الرجعة وإثباتها في الكتاب،

۳۱۳

وأورد المصنّف فصلاً واحداً، وهو: ما ورد أنّ حديث آل محمّد صلوات عليهم صعب مستصعب.

تحقيق: الدكتور محمّد عبدالكريم كاظم الراضي.

الحجم: وزيري.

نشر: دار جلجامش، بغداد ـ العراق.

* عيون المعجزات في براهين الأئمّة عليهم‌السلام

المؤلّف: الشيخ حسين بن عبد الوهاب الشعراني(ق٥هـ).

تناول المصنّف قدس‌سره بعض معجزات أمير المؤمنين عليه‌السلام والزهراء الطاهرة سلام الله عليها والأئمّة المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين، مع تاريخ ولاداتهم و وفيّاتهم وأماكن مدفنهم صلوات الله عليهم أجمعين، ابتدأ فيه بإمامة الإمام علي عليه‌السلام ثمّ الصدّيقة الطاهرة فاطمة الزهراء عليها‌السلام والحسنان والتسعة

المعصومين سلام الله عليهم أجمعين.

تحقيق: الشيخ باسم مال الله الأسدي.

الحجم: وزيري.

نشر: مجمع الإمام الحسين عليه‌السلام ، كربلاء ـ العراق.

كتب صدرت حديثاً

* النهضة الحسينية وعلم الإمام.

تأليف: آية الله الشيخ لطف الله الصافي الكلبایكاني.

الكتاب عبارة عن ردّ علمي تفصيلي علىٰ بعض الشبهات المثارة حول علم الإمام الحسين عليه‌السلام بشهادته،

إن البحث عن أهداف النهضة الحسينية المقدّسة وارتباطها بعلم الإمام الحسين عليه‌السلام من الأبحاث المهمّة والمعمّقة في النهضة الحسينية، والتي وقع في بعض جزئيّاتها اختلاف ونقاش، لذلك نجد تعدّد النظريّات وتنوّع الأراء

۳۱۴

منذ زمن بعيد وإلىٰ يومنا هذا، ومن أهمّ الأسباب التي أدّت إلىٰ هذا الاختلاف هو وجه الجمع بين علم الإمام عليه‌السلام بشهادته من جانب، سواء كان علمه من سنخ العلوم الغیبية واللدنّية، أو كان من إخبارات الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآلهوأهل البيت عليهم‌السلام ، ومن جانب آخر بين تحرّكاته العسكرية ورسائله السياسية ومجموعة من الأهداف المخطّط لها والمعلن عنها في بعض کلماته؛ کالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتغيير الحاكم الظالم، وما إلىٰ ذلك،

وقد ألّفت في هذا الصدد كتب عديدة وبحوث ومقالات متنوّعة، فقامت مؤسّسة وارث الأنبياء، وانطلاقاً من مسؤوليّتها في بيان وإظهار الحقائق العلمية، بترجمة هذا الكتاب ونشره تحت عنوان: (النهضة الحسينية وعلم الإمام).

اشتمل الكتاب على: مقدّمة، وخمسة فصول؛ احتوىٰ الفصل الأوّل علىٰ (٢٤) جواباً، أمّا الفصل الثاني فعلىٰ

(٢٠) جواباً، والثالث علىٰ (٣١) جواباً، والرابع علىٰ (٣١) جواباً أيضاً، أمّا الفصل الأخير فقد احتوىٰ علىٰ (١٨) جواباً. نقله إلىٰ العربية: د. السيّد خالد السيساوي، د. الشيخ نبيل اليعقوبي.

الحجم: وزيري.

نشر: مؤسّسة وارث الأنبياء ، قم ـ إيران.

*موسوعة مكاتيب الأئمّة عليهم‌السلام ورسائلهم ووصاياهم، ج(١ـ١١).

تأليف : الشيخ عبد الله الصالحي النجف آبادي.

تناول المؤلّف في موسوعته هذه: مكاتيب الأئمّة المعصومين الاثني عشر عليهم‌السلام بدءاً بالإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه‌السلام إلىٰ الإمام المهدي عليه‌السلام ؛ معتمداً علىٰ إحصائها من كتب الفريقين حيث بلغت المكاتيب والرسائل الصادرة عنهم ـ علىٰ حدّ تعبيره ـ إلىٰ أكثر من ألفين وأربعمائة وخمسين مورداً من الكتب

۳۱۵

والرسائل والوصايا وغيرها.

وقد تمّ تنظيم الأحاديث والروايات في هذه الموسوعة كما يلي:

ما كتبه الإمام عليه‌السلام إلىٰ بعض أصحابه وغيرهم في المسائل الشرعية والاجتماعية والأخلاقية وغيرها، ما أملاه عليه‌السلام إلىٰ الكتّاب من أصحابه وغيرهم، ما صدر عنه عليه‌السلام تحت عنوان الوصيّة، ما أملاه النبي محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآلهأو جبرئيل فكتبها الكتّاب ولا سيّما الإمام علي عليه‌السلام بخطّه الشريف، ما ورد عنهم عليهم‌السلام من الأدعية والأحراز والحُجب والعوذ ونحوها، ما ورد عنهم عليهم‌السلام من المطالب المتنوّعة تحت عنوان الشعر والرجز وغيرهما. ثمّ رتّب الموسوعة إلىٰ اثني عشر باباً بحسب الأئمّة الاثني عشر عليهم‌السلام .

اشتملت الموسوعة المؤلّفة من أحد عشر مجلّداً على: ج(١ـ٣) مكاتيب الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام ، ج(٤) مكاتيب الإمامين الحسن والحسين عليهما‌السلام،ج(٥) مكاتيب الإمامين علي بن

الحسين ومحمّد بن علي عليهما‌السلام، ج(٦) مكاتيب الإمام جعفر بن محمّد عليهما‌السلام، ج(٧) مكاتيب الإمامين موسىٰ بن جعفر وعلي بن موسىٰ عليهما‌السلام، ج(٨) مكاتيب الإمامين محمّد بن علي وعلي ابن محمّد عليهما‌السلام، ج(٩) مكاتيب الإمام الحسن بن علي عليهما‌السلام، ج(١٠) تفسير الإمام العسكري عليهما‌السلام، ج(١١) مكاتيب الإمام المهدي عليه‌السلام .

مع مختصر من تاريخ حياة كلّ إمام ومحلّ مولده الشريف وشهادته.

الحجم: وزيري.

نشر : أهل البيت عليهم‌السلام ، قم ـ إيران.

* تدوين السيرة الذاتية في تراث السيّد رضي الدين علي ابن طاووس )٥٨٩ـ٦٦٤هـ).

تأليف: السيّد حيدر موسىٰ وتوت الحسيني.

من كتب التراجم تناول المؤلّف فيه السيرة الذاتية لعَلَم من أعلام مدرسة

۳۱۶

الحلّة الفيحاء؛ ليقدّم دراسة عن الحياة العلمية المعطاءة لجهبذ العلم الذي ترك أثراً كبيراً لإحياء الجانب التربوي والسلوك المعنوي حيث عُرِف السيّد ابن طاووس بما أثرىٰ به المدرسة الشيعية ومكتبتها من ثقافة الدعاء وتهذيب النفس والأخلاق والنبل الإسلامية التي خلّدها جدّه الإمام زين العابدين علي بن الحسين عليه‌السلام ، وقد استعرض المؤلّف أهمّ الجوانب من حياة السيّد المعروف بصاحب النفس القدسية كذكر أسرته وتجاربه ومواقفه من حكّام عصره وغيرها من المسائل التأليفية والعلمية والمناظرات الفكرية وما شاكلها كما ذكر شيوخه وتلاميذه وتصانيفه.

اشتمل الكتاب علىٰ مقدّمة وأربعة مباحث في: اسمه ونسبه، حياته العلمية، كراماته ومكارمه، صور من حياة السيّد رضي الدين ابن طاووس، وخاتمة البحث.

الحجم: وزيري.

نشر :دار الكفيل،كربلاء ـ العراق.

* الكلم الطيّب والعمل الصالح ولاية أهل البيت عليهم‌السلام في القرآن والحديث.

تأليف: السيّد هاشم الناجي الموسوي الجزائري.

كتاب من سلسلة موسوعة آثار الأعمال (٧٢)، حيث سرد المؤلّف كلّ ما يصبّ في هذا المعنىٰ من الإقرار بالتوحيد لله وبالنبوّة للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله والولاية لأهل البيت عليهم‌السلام والتمسّك بولايتهم عليهم‌السلام وما جاء من إعراب مفردات الآية وتفسيرها، ذكرها علىٰ تسعة عناوين زوّدها بتسعة تنبيهات من الوجوه التفسيرية وجاء العنوان العاشر في تفسير قوله تعالى: ﴿يَرْفَعُهُ.

الحجم: وزيري.

نشر : ناجي الجزائري، قم ـ إيران.

* القطيفي والشيرازي في معترك الأصول والكافي.

۳۱۷

تأليف: عبد الغني أحمد العرفات.

يتناول المؤلّف في هذا الكتاب المقارنة بين شرح صدر الدين الشيرازي وشرح الشيخ محمّد آل عبد الجبّار القطيفي لأصول الكافي، في الأبواب التي حصل الاختلاف والافتراق بينهما فيها، مبيّناً فيه مدرسة القطيفي وبعض آرائه الخاصّة في الفقه وغيره.

اشتمل الكتاب علىٰ نبذة مختصرة عن القطيفي، نبذة مختصرة عن الملّا صدرا الشيرازي، معالم مدرسة

القطيفي في أصول الفقه والرواية والدراية، معالم مدرسة القطيفي في العقائد، مآخذ القطيفي علىٰ مدرسة الحكمة المتعالية، بعض ما احتواه كتاب القطيفي، القطيفي ومدرسة الشيخ أحمد الأحسائي، مقارنة بين آراء الشيرازي والقطيفي في شرح أصول الكافي، نتائج ممّا سبق.

الحجم : وزيري.

نشر: مؤسّسة البقيع، بيروت ـ لبنان.

۳۱۸