محتـويات العـدد
* كلمة العدد:
* نظرة عجلىٰ في معضلات فهرسة النسخ الخطّية.
........................................................... هيئة التحرير ٧
* تحقيق هامّ حول النسخ المتداولة لـ: (تفسير علي بن إبراهيم القمّي) (١)
................................................ الشيخ محمّد علي العريبي ٩
* التفسير الفقهي المقارن عند السيّد السبزواري.
............................................. السيّد علي محمود البعّاج ١٠٣
* منهج التقريظ عند الأحسائيّين.
.............................................. الشيخ محمّد علي الحرز ١٢٨
* تاريخ الحوزات العلمية والمدارس الدينية عند الشيعة الإمامية (حوزة الري) (١).
......................................... الشيخ عدنان فرحان القاسم ١٧١
* من ذخائر التراث:
* رسالة في شروط صحّة الشرط للسيّد محمّد كاظم اليزدي.
.............................. تحقيق: الشیخ حسین حلبیّان الإصفهاني ٢٤٣
* من أنباء التراث.
........................................................ هيئة التحرير ٢٩٤
*صورة الغلاف: نموذج من مخطوطة (رسالة في شروط صحّة الشرط) للسيّد محمّد كاظم اليزدي، تقرير: السيّد محمّد باقر الموسوي الدرچه ای. والمنشورة في هذا العدد
كلمة العدد:
نظرة عجلىٰ في معضلات فهرسة النسخ الخطّية
هيئة التحرير
بسم الله الرحمن الرحيم
يواجه المحقّق والباحث في النسخ الخطّية اليوم مشكلات عديدة ومعضلات جمّة، ومن أهمّها معضلة الفهرسة غير الصحيحة لتلك النسخ في المكتبات، حيث نرىٰ اليوم الكثير من الفهارس لتلك المكتبات تفتقر إلىٰ أدنىٰ المواصفات الصحيحة للفهرسة، ومن النظرة الأولىٰ في النسخ الخطّية نلاحظ أنّ كتابة المواصفات لتلك النسخ مختصرة ومقتضبة في قصاصة في بداية النسخة، مضافاً إلىٰ أنّ العديد من ذوي الاختصاص في هذا المجال يفتقر إلىٰ الدقّة في تدوين مواصفات النسخ الخطّية؛ إمّا لعدم الخبرة، أو لجهله بالنسخ، أو لعدم تخصّصه الكافي في هذا المجال، أو لعدم خبرته بالكتب والمصادر، خصوصاً في حالة فقدان بعض الصفحات في بداية النسخة التي تؤهّله للوصول إلىٰ المواصفات الدقيقة للنسخة من خلال قراءة المتن، وإنّ عدم إلمام المفهرس بالعلوم يجعله عرضة
للخطأ في تدوين مواصفات النسخة خصوصاً في العلوم المتشابهة، وأمّا فيما يتعلّق بالنسخ الخطّية التي تحتوي علىٰ مجموعات من الرسائل أو الكتب نرىٰ الكثير من المفهرسين لا يعير اهتماماً إلىٰ تدوين جميع أجزاء المجموعة، بل يكتفي بتدوين الرسالة أو الكتاب الأوّل من المجموعة فقط، وإنّ عدم الإلمام بأسماء العلماء وكتبهم ومذاهبهم وتاريخ وفيّاتهم وولاداتهم لدىٰ المفهرس يؤدّي إلىٰ نقص في معلومات الفهرسة، بل قد يؤدّي في بعض الأحيان إلىٰ خلط يقلّل من أهمّية النسخة، وكذلك عدم الاهتمام بتاريخ الاستنساخ، أو أنّ النسخة بخطّ المؤلّف من عدمه، أو أنّ الكاتب معاصر للمؤلّف أم متأخّر عليه، وهل أنّ النسخة مقروءة علىٰ المؤلّف أو لا، وهل هناك حواشي علىٰ النسخة، وغيرها من الأمور التي لابد ان تتوفر في المفهرس الحاذق الذي يساهم بدوره في رفد التراث وإحيائه، ولا يمكننا في هذه العجالة التي جاءت للفت الأنظار الإحاطة بتفصيلات الموضوع ، حيث إنّ ما جاء فيها هو غيض من فيض.
تحقيق هامّ حول النسخ المتداولة لـ: (تفسير علي بن إبراهيم القمّي) ونسخ مختصراته
(بحث منقّح)
(١)
الشيخ محمّد علي العريبي
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلّىٰ الله علىٰ نبيّه محمّد وآله الطاهرين
وعليه نتوكّل وبهم نتوسّل
إنّ المقال الذي بين يديك لا يبحث في أحوال الرجال وتوثيقاتهم، ولا عن الأسانيد واتّصالها، كما بحثه الرجاليّون من المتأخّرين، وكثير منهم متعبّد بخبر الواحد الخالي عن القرائن، بل هو بحث في صحّة النسخ المتداولة من تفسير علي بن إبراهيم القمّي ومقدار ما يمكن الاعتماد عليه فيها، وهو لا يقلّ عن البحث السندي إن لم يزِد عليه أهمّية؛ فإنّ صحّة السند ووثاقة الرجال إحدىٰ قرائن صحّة الخبر عند المشهور، وصحّة نسبة الكتاب إلىٰ مؤلّفه وصحّة النسخة كذلك، فلا يمكن الأخذ بما اتّصل وصحّ سنده من الكتب واختلفت نسخته، أو لم تصحّ، وكما أنّ هذا موجب لعدم العلم بصحّة الخبر المنتهي؛ وذلك لنفي حجّيته؛ لانتفاء العلم الواقعي أو التنزّلي التعبّدي، كذلك موجب لسقوط الاعتماد عليه عند بقية المسالك طرّاً.
وأنا أرىٰ أنّ القرائن ـ التي ادّعي خفاؤها علىٰ صحّة أخبارنا في الكتب المشهورة وغيرها ـ أصبحت بفضل عناية المهتمّين وجامعي ومفهرسي وباذلي النسخ اليوم، أكثر ممّا كان في أيدي كثير ممّن سبقنا زمنه وتقدّم علينا وجوده، وهو شاهد صدق علىٰ ما ذكره المحقّق المحدّث الفقيه الشيخ الحرّ في خاتمة وسائله ضمن الفائدتين السادسة والتاسعة من الكتاب(١).
ومن هنا وجب البحث في مصادر الأدلّة الشرعية، مصدراً مصدراً وكتاباً كتاباً، ولا يخفىٰ أنّه أمر شاقّ، لكنّ ـ بحمد الله ـ ما يسهّله الزمن ويليّن صعوبته، هو ما توفّر من قرائن تكشفها المخطوطات وتجمعها شتّىٰ المكتبات وتحتفظ بها بأحدث طرق الحفظ وبشتّىٰ الأنواع، وسيمرّ عليك لفتات ممّا ذكرنا، وستعرض عليك شواهد علىٰ ما أوردنا.
ونسأل الله الرضا بالعمل وحسن الختام(٢).
مقدّمة في طبعات ونسخ تفسير القمّي المتداولة:
طبع الكتاب لأوّل مرّة سنة (١٣١٣ هـ) في طهران طبعة حجرية، وقيل: إنّه
__________
(١) وسائل الشيعة (ط آل البيت) ٣٠ / ١٩١ و٢٤٩.
(٢) لقد تم نشر هذا البحث قبل عشر سنوات، وبعد اتمامه والخلوص للنتائج وقفت علىٰ أبحاث بعض المعاصرين من الأعلام وغيرهم من طلبة العلم، فوجدتها قد رتّب بحثها أو بعضه علىٰ نحو مشابه لما رتّبت به بحثي هذا، فإن كان توارداً للخواطر وتشابهاً في النظائر فليس هذا بعزيز؛ فإنّ الفكر في البشر مخلوق لواحد سبحانه، وقد طبعت بعض الأبحاث المتأخّرة عن بحثي هذا وأخذت منه طريقته واستلّت نتائجها من نتائجه، وهو أمر لا أرىٰ فيه بأساً علميّاً، عدا ما قد يكون من حقوق معنوية وأدبية تراعىٰ في الأوساط العلمية. واليوم وجدت من المناسب اعادة نشر بحثي هذا بعد مراجعته واضافة اللمسات الاخيرة عليه، هذا آخر تعليق كتبته قبل نشره في هذه المجلّة القيّمة بتاريخ٣/ذي القعدة/١٤٤١هـ.
علىٰ نسخة الشيخ الحرّ رحمهالله التي عليها خطّ الحرّ نفسه، ولم نتحقّق النسبة، وسيمرّ عليك أنّ نسخة الحرّ التي ينقل عنها مطابقة للتفسير المتداول اليوم.
ثمّ أعيدت طباعته في بمبي وتبريز، ثمّ طبع بالطبع الحديث في النجف بتحقيق السيّد طيّب الموسوي الجزائري، وقدّم له الشيخ الطهراني رحمهالله في سنة (١٣٨٧ هـ). وقال السيّد الجزائري: إنّها مقابلة علىٰ ثلاث نسخ: المطبوعة بإيران؛ ونسخة مكتبة الحكيم؛ ونسخة مكتبة كاشف الغطاء، ثمّ أعيد استنساخه بالأوفست سنة (١٤٠٤ هـ) في إيران، ثمّ تكثّرت نسخه البيروتية والقمّية والمترجمة للفارسية(١).
النظر في مقدّمة التفسير المتداول لعلي بن إبراهيم:
المقدّمة طويلة نوعاً ما، وفيها محلّ استظهر منه الأعلام المتأخّرون شهادته بصحّة الكتاب ووثاقة مشايخه المذكورين فيه، قال: «ونحن ذاكرون ومخبرون بما ينتهي إلينا ورواه مشايخنا وثقاتنا عن الذين فرض الله طاعتهم وأوجب ولايتهم ولا يقبل عمل إلّا بهم»(٢).
والصحيح: أنّ مفاد العبارة إرادة المصنّف تأكيد صحّة الاعتماد علىٰ كتابه، لا أوسع من هذا، وإن كانت دلالة الألفاظ علىٰ ما ادّعي صحيحة، لكنّ ديدن المصنّفين في استعمال هذه العبائر والأساليب لا يخفىٰ علىٰ الخبير، وهي لا تنقص عن عبارات المتأخّرين في أوّل مصنّفاتهم ولا تزيد، وقد كان مشايخنا المتقدّمون الذين حضرتهم النسخ وتأمّلوها أكثر ممّا تأمّلناها، لا يعيرون هذه العبائر اهتماماً ولا يولونها ذكراً، وينصرفون لقرائن الصحّة في النسخة وصفات الراوي وخبرته
__________
(١) ووجدت في بعض الفهارس عنوان (تفسير علي بن إبراهيم الصغير) من منشورات دار الكتب الإسلامية، لكنّي لم أجد نسخته في المكتبات حتّىٰ هذه اللحظة.
(٢) تفسير القمّي (بتحقيق السيّد طيّب الجزائري، وسنعبّر عنه بالتفسير المتداول) ١/ ٤.
واحتياطه ووثاقته، وأظنّ أنّ أوّل من تمسّك بهذه الحجج هو الشيخ حسن ابن الشهيد الثاني بعد تأسيس ورواج المصطلح الجديد في تقسيم الحديث بفترة؛ ليجيب عن إشكال القوم القائلين به، ومن جرّه هذا القول لترك جلّ الأخبار المودعة في كتبنا المعروفة، ثمّ تبعه من تبعه من علمائنا رحمهم الله برحمته.
والظاهر كونها من مؤلّف التفسير وجامعه؛ إذ لا يصحّ ـ كما سيأتي بيانه ـ بعد وضوح أنّ التفسير مجموع من أخبار تفسير القمّي وتفسير زياد بن المنذر أبي الجارود ومشايخ كثر غيرهم أن يقال أنّ المُصَحَّحَ هو ما عن تفسير القمّي فحسب.
والحقّ: أنّ العبارة وما شاكلها من العبائر لا تدلّ إلّا علىٰ ما هو شائع بين مؤلّفي تلك الحقبة في التعبير عن قيمة الكتاب وتحرّي الدقّة فيه دون أن ترقىٰ لتكون شهادة حسّية علىٰ التصحيح، ولذا لا يخدش القول بضعف بعض أخباره أو رواته، مع الأخذ بأنّ الصحيح لديهم هو ما دلّتنا القرائن علىٰ صحّته وصدوره، لا خصوص أخبار الثقات من الرواة.
وقد يتمسّك لنسبة المقدّمة للقمّي بما في المقدّمة التي أثبتت في بعض النسخ ولم تثبت في أخرىٰ، وهو قوله بعد العبارة السابقة بأسطر وقبل دخوله في تقسيم أصناف الآي للكتاب المجيد: « قال أبو الحسن علي بن إبراهيم الهاشمي القمّي»، نقلها السيّد الجزائري عن طبعة إيران لسنة (١٣١٣هـ) المطبوعة علىٰ الحجر، وسيمرّ عليك ما وجدناه في بعض مخطوطات التفسير وسقط من الأخرىٰ، وسنوضّح المختار فيها، فانتظر.
مقدّمة التفسير ورسالة المحكم والمتشابه:
ثمّ بدأ صاحب المقدّمة ـ أيّاً كان ـ بإجمال ثمّ تفصيل أنواع الآيات وما دلّ عليها من الكتاب العزيز، فقال: «فالقرآن منه ناسخ ومنسوخ» حتّىٰ قوله: «وفيه
أمثال وفيه أخبار وقصص»، وهي شبيهة جدّاً ـ بل هي روح ـ بما روي في أوّل تفسير النعماني ـ وهو من تلامذة الكليني وابن عقدة ـ والتي استخرجها السيّد المرتضىٰ وسمّيت بـ: (رسالة المحكم والمتشابه) ونسبت إليه، والمنقولة بكاملها في أوّل الجزء (٩٠) من بحار الأنوار(١) ـ ويمرّ عليك تفصيل حالها في مواضع مختلفة ـ إلّا ما قاله بعدها بغير فصل: «ونحن ذاكرون جميع ما ذكرنا... وطهّرهم تطهيراً»، فإنّها من كلام صاحب المقدّمة وليست في تلك الرسالة.
ثمّ فصّل ما أجمل فقال: «فأمّا الناسخ والمنسوخ» إلىٰ قوله: «ومثله كثير نذكره في مواضعه إن شاء الله تعالى»(٢)، وهذه الأخيرة قد تكرّرت بعد كلّ مقطع ممّا فَصَّله، واقتصر في رسالة المحكم والمتشابه علىٰ عبارة: (ومثله كثير) في ثلاث مواضع، ولم يترك التفصيل كما في مقدّمة التفسير المتداول، بل زادت عليها تلك الرسالة بتفصيل وإسهاب طويل، وهذا ما يبعث علىٰ احتمال أن يكون كاتب المقدّمة قد اختصر مقدّمة الكتاب الأصل لو فرض أنّ للتفسير مقدّمة أصلاً، ونحن بعد التتبّع الطويل لم نجد أثراً للمقدّمة وذكرها بالخصوص وبعنوانها في كتب المتقدّمين، ولم نجد في مصنّفاتهم شاهداً منها ـ إلّا ما يمرّ عليك من أشعار في نسخة الحلّي مُختصر البصائر ـ كما أنّ ابن العتايقي في مختصره ـ كما يمرّ عليك ـ لم يذكرها ولم يشِر إليها، وإن لم يكن هذ دليلاً علىٰ العدم، لكنّه مشعر بكونها ـ علىٰ ما هي عليه الآن ـ ليست من أصل الكتاب، وإنّ تصرّفاً بالاختصار وغيره قد أطال فصولها، وعلىٰ هذا قرائن عديدة.
وممّا يؤيّده ما قاله في مقدّمة التفسير المتداول: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَىٰ * عِنْدَهَا جَنَّةُ
__________
(١) بحار الأنوار ٩٠ / ١-٩٧.
(٢) التفسير المتداول لعلي بن إبراهيم ١/ ٧.
الْمَأْوَى﴾، قال أبو الحسن علي بن إبراهيم بن هاشم: حدّثني أبي عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر عن علي بن موسىٰ الرضا عليهالسلام ، قال: قال: يا أحمد ما الخلاف بينكم وبين أصحاب هشام بن الحكم في التوحيد؟ فقلت: جعلت فداك قلنا نحن بالصورة»(١) الحديث، ذكر مثله في عدّة مواضع؛ فإنّه قطع به خبر رسالة المحكم والمتشابه المذكورة فيه أيضاً، وطعّمها برواية القمّي كما في كثيرٍ من مواضعها، وهي وإن كانت تصدر من مصنّفي الكتب ـ كما صدرت من يونس بن عبد الرحمن لمّا علّق وشرح بعض الأخبار في كتبه وخلّلها بحواشيه الموضّحة، وصدرت ممّن تأخّر عليه من أصحاب المجامع الحديثية ـ إلّا أنّها لا تخلو من إشعار بالتصرّف في الأصل المفروض وجوده، ويؤكّده ما في المقطع الذي بعده: «وأمّا الردّ علىٰ من أنكر خلق الجنّة والنار فقوله: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَىٰ * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾، وسدرة المنتهىٰ في السماء السابعة وجنّة المأوىٰ عندها [و](٢) قال علي بن إبراهيم: حدّثني أبي عن حمّاد عن أبي عبد الله عليهالسلام قال: قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم: لمّا أسري بي إلىٰ السماء، دخلت الجنّة فرأيت قصراً من ياقوتة حمراء»(٣)، فإنّ العطف لا يأتي به مصنّف الكتاب عادة.
وأوضح من هذا كلّه ما ذكره صاحب المقدّمة آخرها، قال: «نحن نذكر ذلك كلّه في مواضعه إن شاء الله تعالىٰ، وإنّما ذكرنا من الأبواب التي اختصرناها من الكتاب آية واحدة ليستدلّ بها علىٰ غيرها، ويعرف معنىٰ ما ذكرناه ممّا في الكتاب من العلم، وفي ذلك الذي ذكرناه كفاية لمن شرح الله صدره وقلبه للإسلام»(٤)،
__________
(١) التفسير المتداول لعلي بن إبراهيم ١/ ٢٠.
(٢) ليست في المتداول، وهي في مخطوط مجلس الشورىٰ: ر٣٨٨٠، الآتي بيانه.
(٣) التفسير المتداول لعلي بن إبراهيم ١/ ٢١.
(٤) التفسير المتداول لعلي بن إبراهيم ١/ ٢٧.
وبناء علىٰ فرض اختصاره المقدّمة، يكون مقصوده: أنّ الاختصار وقع علىٰ تلك الأبواب المذكورة في المقدّمة علىٰ التفصيل المتقدّم؛ فإنّه ذكر لكلّ بابٍ وصنفٍ شاهداً غالباً أو شاهدين من الآيات، وهي الأبواب عينها في رواية رسالة المحكم والمتشابه، مع تفصيلٍ لم يذكره صاحب مقدّمة المتداول، وشواهدُ من الآيات كثيرة لم يورِدها كذلك، والرسالة طويلة تملأ ما يقارب المائة صفحة من البحار المطبوع.
وأحتمل قويّاً ـ بمعونة ظهور أسلوب الكاتب وصراحة بعض أقواله وعطفه لأخبار القمّي متفرّقة ـ أنّ المقدّمة ليست للقمّي، وهي من قلم صاحب التفسير المتداول نفسه، وأمّا روايات القمّي فيها فهي من كتاب الناسخ والمنسوخ المعدود من كتب علي بن إبراهيم القمّي في فهرست النجاشي(١)، ضُمِّنَ مقدّمة التفسير، واختصره مؤلّف الكتاب كما اختصر نفس التفسير، وجعله مقدّمة لكتابه، ويشهد له عدم رواية شيء فيها عن غير القمّي، مع تفاوت في بعض ألفاظها عن رسالة المحكم التي هي أيضاً قد تصرّف في الأصل المأخوذ منها وهي الخبر المعروف الآتي الكلام فيه.
موضع محمّد بن إبراهيم بن جعفر النعماني من التفسير واحتمال دخالته في تأليفه:
والذي اتّضح لنا بعد التأمّل، أنّ المقدّمة مسطورة بقلم مختصِر الكتاب أيضاً ـ الذي يأتي ما يدلّ عليه ـ وهو عالم من علمائنا المتأخّرين علىٰ عصر المؤلّف بلا شكّ، وأنّها متّحدة مضموناً مع رسالة المحكم والمتشابه ـ وهي رواية في كتاب تفسير محمّد بن إبراهيم بن جعفر النعماني رحمهالله يرويها عن شيخه ابن عقده(٢) ـ والذي
__________
(١) فهرست النجاشي ٢٦٠/ ر٦٨٠.
(٢) انظر الرسالة في البحار ٩٠/ ٣، قال السيّد المرتضىٰ رحمهالله: «قال أبو عبد الله محمّد بن إبراهيم بن جعفر النعماني رضي الله عنه في كتابه تفسير القرآن: حدّثنا أحمد بن محمّد بن
يأتي أنّ مُختصِرَ التفسير الأصل ـ وهو هذا الكتاب المتداول ـ قد تَصَّرف بحشو تفسير أبي الجارود مع غيره من أخبار عن مشايخه فيه، وهذا التفسير الأخير بعينه يرويه شيخ النعماني أحمد بن محمّد بن سعيد، ابن عقدة، الذي يروي عنه جمع من المحدّثين، كلّ ذلك يوحي بأنّ صاحب هذا الكتاب ـ أي: التفسير المتداول ـ المأخوذ من أصل تفسير القمّي ـ الموصوف بالكبير والضخم الذي يقع في مجلّدات كما في كلمات السيّد ابن طاووس وابن العتايقي ـ لا يبعد أن يكون هو نفس الشيخ الجليل النعماني، وقد تصرّف في المقدّمة لو فرض وجودها، وتصرّف كذلك في الكتاب بما وجده مناسباً من الاختصار والحشو، ووضع علامات مائزة تدلّ علىٰ أنّه مختصر له ومتصرّف فيه، منها ما ذكرناه ونذكره إن شاء الله تعالىٰ(١).
وبعبارة أخرىٰ: إنّ لمحمّد بن إبراهيم بن جعفر النعماني موقعاً ملفتاً فيما يرتبط بالتفسير ومقدّمته، فإنّه الراوي لما اصطلح عليه رسالة المحكم والمتشابه، رواها عن شيخه ابن عقدة في مقدّمة تفسيره، وهي ما اختُصر عنها مقدّمة التفسير المتداول علىٰ احتمال أن يبعث عليه اتّحاد الألفاظ والمقاطع، وبيّناه. كما أنّ تفسير أبي الجارود الذي خلط به هذا التفسير روي عن شيخ النعماني ابن عقدة أيضاً.
ويزيد هذين الأمرين تأييداً أنّ مشايخ جامع التفسير يوافق أغلبهم مشايخ النعماني،
__________
سعيد بن عقدة قال: حدّثنا أحمد بن يوسف بن يعقوب الجعفي، عن إسماعيل بن مهران، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة، عن أبيه، عن إسماعيل بن جابر، قال: سمعت أبا عبد الله جعفر بن محمّد الصادق عليهالسلام يقول: إنّ الله تبارك وتعالىٰ...» الحديث.
(١) ويحتمل كونه من مختصرات حفيد النعماني لابنته، الحسين بن علي بن الحسين بن محمّد بن يوسف الوزير أبو القاسم المغربي (ت٤٨١)، صاحب التلخيصات المعروفة، ترجم له النجاشي وذكرها، النجاشي ٦٩/ ر١٦٧.
والآخرون من المشايخ الذين لم نجد للنعماني رواية عنهم هم كذلك في الغالب تناسب طبقتهم طبقة مشايخه، وتبقىٰ قلّة منهم معدودون فيمن لم تصلنا عنهم ترجمة.
المحتملات في أصل المقدّمة:
ولكلّ هذا احتملنا أن تكون مقدّمة هذا التفسير أحدىٰ ثلاث:
الأولى: رسالة الناسخ والمنسوخ للشيخ القمّي، التي عدّها النجاشي ضمن مؤلّفاته، ولذا نجد في المقدّمة ذكراً لاسم القمّي منحصراً دون ذكر لمشايخ المصنّف.
والقمّي في رتبة شيخ مشايخ النعماني الذي بدأ أخذ الحديث أواخر حياة القمّي المتوفّىٰ حدود سنة (٣٢٩) أو قبلها كما قيل، ومن مشايخ النعماني الشيخ الكليني ـ المتوفّىٰ حدود سنة (٣٢٨) ـ الذي أخذ عن علي بن إبراهيم وأكثر، ويأتي كذلك أنّ السيّد ابن طاووس ـ ونسخته مختلفة عن نسخة التفسير المتداول موافقة لنسخ من تقدّمه ونسخة العتايقي ـ روىٰ التفسير بطريق ينتهي لحفيد القمّي عن أبيه أحمد (أو محمّد)(١) بن علي بن إبراهيم بن هاشم القمّي عن أبيه علي، وأحمد هذا في رتبة الشيخ الكليني رحمهم الله أجمعين، روىٰ عنه النعماني بواسطة واحدة(٢)، وكذا حفيد علي وابنه أحمد في رتبة من يمكن أن يحدّث عنه النعماني، وهذا ما يجعلنا نقول: إنّ كون متن التفسير ومقدّمته ـ المفترضة أنّها منه وهي رسالته ـ مرويّين عن النعماني عن أحمد (أو محمّد) عن أبيه ـ شبيهاً بالطريق الذي ذكره ابن طاووس ـ وهو أمر ممكن في نفسه، وإن لم يتحقّق ذكره ولم يكن بين أيدينا ما يصرّح به.
__________
(١) الاختلاف في أسانيد الأخبار، وقيل: إنّ (محمّد) خطأ، إذ لم يعهد لعلي ابن اسمه محمّد، لكنّ النعماني روىٰ أخباراً عمّن سمّاه محمّداً في غيبته: ص٥٠.
(٢) انظر: غيبة النعماني: ٥٠-٥١.
كما أنّ لمحمّد بن علي بن إبراهيم كتاب العلل، استظهر الشيخ المجلسي ـ وكان عنده هذا الكتاب ـ أنّه لمحمّد بن علي بن إبراهيم بن هاشم في مقدّمة البحار، ثمّ عدل عن ذلك. والصحيح أنّه لابن علي بن إبراهيم بن هاشم القمّي، ونقل عنه المجلسي رحمهالله في بحاره عدّة أخبار متوافقة مع ما في المتداول غالباً مع تفاوت قليل في البين(١).
الثانية: أنّها مقدّمة لـ: (تفسير علي بن إبراهيم بن هاشم) لا رسالة منفصلة له، وهو المقدّم لها، ويدلّ عليه ما ننقله لاحقاً من كتاب مختصر بصائر الدرجات للحسن بن سليمان، فإنّه نقل عن تفسير علي بن إبراهيم ما يطابق الموجود في مقدّمته المتداوله، لكنّ هذا الاحتمال لا يثبت عدم التصرّف في المواضع الأخرىٰ من المقدّمة بالاختصار؛ فإنّ العبائر في المقدّمة ومتن التفسير طافحة بالقرائن علىٰ التصرّف، بل واضحة في مغايرة مصنّفها للقمّي رحمهالله .
الثالثة: رسالة المحكم والمتشابه المتقدّم ذكرها للنعماني.
وعلىٰ كلّ الاحتمالات، فإنّ وقوع الاختصار والتحوير واقع في المقدّمة حتماً، كحتمية ما وقع في متن التفسير.
ويؤيّد هذا أيضاً ما سيأتي من تعدّد نسخ التفسير بحسب الرواة مع اتّحاد المتن، فالسيّد ابن طاووس مثلاً ـ كما ذكرنا ويأتي ـ يروي نسخته عن حفيد علي ابن إبراهيم عن أحمد بن علي بن إبراهيم عن أبيه علي بن إبراهيم القمّي، كما هو الظاهر من نقله في كتابه سعد السعود، ومن المناسب أن تصل نسخة التفسير للنعماني عن شيخه الكليني أو من كان في طبقته كذلك، كعادة المحدّثين في الإجازة والقراءة علىٰ مشايخهم وتلاميذهم.
__________
(١) انظر: بحار الأنوار ٨٢ / ٥١/ باب التنزيل وكيفية قراءة القرآن.
أضف إليه أنّ مطالعة التفسير المتداول تفضي إلىٰ العلم بأنّ مختصِره مطّلع علىٰ الأسانيد فيه، فتجده يرسل المسند في الكتب الأخرىٰ، ويسند المرسل فيها، وكأنّه مطّلع علىٰ الأسانيد، مع روايته عن علي بن إبراهيم، وهذا له شواهد كثيرة في التفسير المتداول(١)، منها: ما رواه عن الصادق عليهالسلام في تفسير قوله تعالىٰ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾(٢)، وهي مرسلة في كتابَي مختصر ابن العتايقي(٣) وتأويل الآيات للسيّد شرف الدين الحسيني(٤)، مع أنّهما نقلاها بلفظ واحد عن تفسير القمّي أيضاً، مع التزام السيّد في تأويل الآيات بذكر سند كلّ رواية عن التفسير لو كانت، فلا محيص من كون المُختصِر والمتصرّف في أصل التفسير خبيراً بالحديث وأسانيد الأخبار لديه متوافرة.
فاجتمع لدينا ما يشبه القرينة القويّة علىٰ دخالة النعماني رحمهالله بنحو من اﻷنحاء في تأليف المقدّمة وتفسير القمّي واختصارهما عن أصلهما وزيادة تفسير اﻹمام الباقر عليهالسلام من تصانيف أبي الجارود بطريق شيخه ابن عقده، وكذا زيادة ما رواه عن مشايخه؛ فإنّه من المستبعد أن يكون اجتماعها كلها أمراً اتّفاقيّاً ومن قبيل الصدف غير المقصودة، ويأتي بقيّة الوجوه في المؤلّف.
النظر في متن التفسير المتداول وأخباره:
قال في تفسير البسملة: «أقول: تفسير بسم الله الرحمن الرحيم: حدّثني أبو
__________
(١) تفسير القمّي ٢ / ٥٦.
(٢) سورة مريم: ٩٦.
(٣) مختصر القمّي لابن العتايقي (مخطوط المرعشي) : ١٧٢ س٩.
(٤) تأويل الآيات ١ / ٣٠٨/ ح١٥.
الفضل العبّاس بن محمّد بن القاسم بن حمزة بن موسىٰ بن جعفر عليهالسلام قال: حدّثنا أبو الحسن علي بن إبراهيم، قال: حدّثني أبي رحمهالله عن محمّد بن أبي عمير، عن حمّاد بن عيسىٰ، عن حريث، عن أبي عبد الله عليهالسلام ، قال: حدّثني أبي، عن حمّاد وعبد الرحمان ابن أبي نجران وابن فضّال، عن علي بن عقبة: قال: وحدّثني أبي...» إلىٰ آخر الخبر، ويأتيك في مقارنة نسخ المتداول احتمال هامّ في لفظ (أقول)، وفي شخص أبي الحسن علي بن إبراهيم المروي عنه، والتصحيف والخطأ في ألفاظ المتن كحريث، وغيرها.
ولنكتفِ هنا بذكر ما أفاده المحقّق المتتبّع الخبير الشيخ الطهراني أعلىٰ الله مقامه في ذريعته(١)، فإنّه أوّل من حقّق المسألة وسبق بها(٢)، ونعقّبه بشيء من التعليق، قال رحمهالله : «ولخلوّ تفسيره هذا عن روايات سائر الأئمّة عليهمالسلام قد عمد تلميذه الآتي ذكره والراوي لهذا التفسير عنه علىٰ إدخال بعض روايات الإمام الباقر عليهالسلام التي أملاها علىٰ أبي الجارود في أثناء هذا التفسير، وبعض روايات أخر عن سائر مشايخه ممّا يتعلّق بتفسير الآية ويناسب ذكرها في ذيل تفسير الآية، ولم يكن موجوداً في تفسير علي بن إبراهيم فأدرجها في أثناء روايات هذا التفسير تتميماً له وتكثيراً لنفعه، وذلك التصرّف وقع منه من أوائل سورة آل عمران إلىٰ آخر القرآن».
أقول: بل إنّ التصرّف بالزيادة والنقيصة والحشو بدأ من أوّل الكتاب إلىٰ منتهاه كما سيتبيّن لك؛ فقد تصرّف في كلمات علي بن إبراهيم وروايته بالاختصار
__________
(١) الذريعة ٤ / ٣٠٣ إلىٰ آخر ما ذكره تحت رقم: ١٣١٦ وعنوان (تفسير القمّي).
(٢) وقفت بعد الانتهاء من مقالتي هذه علىٰ كلام للسيّد محمّد رضا السيستاني حفظه الله في كتابه (وسائل الإنجاب الصناعية: ٥٥١): أنّه وقف علىٰ كلام للمحقّق الشيخ أسد الله الكاظمي في (كشف القناع: ص٢١٤) يتّضح منه أنّه سبق صاحب الذريعة في التنبّه لهذا الأمر، ونقل كلامه وعلّق عليه، فراجع.
والحذف غير المخلّ بالمعنىٰ غالباً.
ثمّ قال الطهراني رحمهالله : «والتلميذ هو الذي صدّر التفسير باسمه في عامّة نسخه الصحيحة التي رأيناها».
أقول: هذا لا يغني عن وجوب النظر والمقارنة بين النسخ، وقد تتبّعنا نسخاً نفيسة من التفسير المتداول، فوجدنا أنّ المصدر اسمه قبل التفسير هو علي بن إبراهيم ابن هاشم القمّي في ما قد يكون من أنفَسَها وأضبطها، والعجب من الشيخ مع طول باعه وسعة اطّلاعه غفل عن بعض النسخ النفيسة للتفسير المتداول، وغفل عن بيان الفوارق في مختصره الذي ذكره لابن العتايقي، ويأتيك مزيد بيان، وفيه فوائد جمّة.
ثمّ قال رحمهالله : «وفي أوّل سورة البقرة تحت عنوان: (قال أبو الحسن علي بن إبراهيم حدّثني أبي) وقد يقول: (فإنّه حدّثني أبي) الصريح جميعها في أنّها مرويّات علي بن إبراهيم عن أبيه، وهكذا، إلىٰ أوائل سورة آل عمران في تفسير آية: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ في (ص ٥٥)(١) فغيّر أسلوب الرواية هكذا: (حدّثنا أحمد بن محمّد الهمداني. قال: حدّثني جعفر بن عبد الله، قال: حدّثنا كثير بن عياش، عن زياد بن المنذر أبي الجارود، عن أبي جعفر محمّد ابن علي عليهمالسلام) وروىٰ بهذا السند أيضاً في (ص ١٠٨) و(ص ١٤٦) وهذا السند بعينه هو الطريق المشهور إلىٰ تفسير أبي الجارود، وقد روىٰ الشيخ الطوسي في الفهرست، وكذا النجاشي تفسير أبي الجارود عنه بسندهما إلىٰ أحمد بن محمّد الهمداني هذا المعروف بابن عقدة (والمتوفّىٰ ٣٣٣) إلىٰ آخر سنده هذا الذي ذكرنا في تفسير أبي الجارود أنّه سند ضعيف بسبب كثير بن عياش، لكنّه غير ضائر،
__________
(١) من نسخة الشيخ الطهراني الحجرية، وهو في نسخة الجزائري المتداولة ١ / ١٠٢، وفي النسخة الأخيرة من منشورات ذوي القربىٰ بتحقيق الأنديمشكي: ٦٦.
حيث إنّه رواه أيضاً كثير من ثقات أصحابنا عن أبي الجارود كما سنشير إليه، وقائل حدّثنا ابن عقدة في المواضع الثلاثة ليس علي بن إبراهيم جزماً؛ لأنّ القمّي(١) هو الذي روىٰ عنه الكليني (المتوفّىٰ ٣٢٨) كثيراً من روايات كتابه الكافي، الذي يرويه ابن عقدة هذا عن مؤلّفه الكليني، فكيف يروي عن ابن عقدة رجل هو من أجلّ مشايخ أستاذه، وهذا أوّل حديث أدخله أبو الفضل ـ عن شيخه ابن عقدة مسنداً إلىٰ أبي الجارود ـ في هذا التفسير ولم يذكر أبا الجارود قبل ذلك أبداً»(٢).
أقول: تأكّدنا من هذا وراجعنا موارد ذكره، وهو صحيح، إلّا أنّ قائل (حدّثنا أحمد بن محمّد الهَمْداني) ليس هو أبا الفضل كما قال رحمهالله ، بل هو مؤلّف هذا التفسير المتداول، وهو المحدّث عن أبي الفضل عن القمّي أوّل التفسير.
أبو الفضل العبّاس وطبقته:
والذي يدلّك علىٰ ما جزمنا به من تغاير جامع التفسير مع الشيخ أبي الفضل العبّاس: صراحة تحديث المؤلّف عن أبي الفضل عن علي بن إبراهيم، وتمييزه بين رواية القمّي في كتابه بقوله: (قال: حدّثنا) أوّل سند كلّ رواية ثمّ يعطف عليها رواية القمّي ـ لو كانت ـ بدون لفظ التحديث، والتزامه بالقول: (حدّثني) وما جرىٰ مجراه في غيرها، وأمّا تأوُّل قوله: (حدّثني أبو الفضل) أوّل التفسير بكونه مجرىٰ العادة في نسخ الكتب الحديثية من تصدير ما يدلّ علىٰ رواية مجمل الكتاب، وكلّ ما وراء اللفظ هو من أصل الكتاب، فهو غاية في البعد وتأوّل بتكلّف لجعل أبي الفضل هو الراوي أو الجامع للتفسير؛ لما سيأتي من بيان طبقة أبي الفضل، هذا أوّلاً.
__________
(١) المتوفّىٰ نحو سنة ٣٢٩ هـ كما قيل.
(٢) الذريعة ٤ / ٣٠٤.
وثانياً: لما ذكرنا من طريقة المؤلّف في إسناد الأخبار وتمييزها.
وثالثا: بالنقض عليه بتحديث المؤلّف عنه في تفسير قوله: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ... مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾، من سورة الأحقاف، قال: «قال(١): نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر، حدّثني(٢) العبّاس بن محمّد، قال: حدّثني الحسن بن سهل بإسناد رفعه إلىٰ جابر بن يزيد، عن جابر بن عبد الله قال: ثمّ أتبع الله جلّ ذكره مدح الحسين بن علي عليهالسلام بذمّ عبد الرحمن بن أبي بكر، قال جابر بن يزيد: نقلت هذا الحديث لأبي جعفر عليهالسلام »(٣) الحديث، فلو كان أبو الفضل هو صاحب التفسير والراوي له لما تكرّر التحديث عنه ضمن التفسير وبنفس الصراحة في اللفظ وبدون إقامة قرينة دالّة علىٰ خلافه، وعرفنا كون العبّاس في هذا الخبر الأخير هو بعينه أبا الفضل بما رواه الصدوق في العلل، قال: «أخبرني علي بن حاتم، قال: حدّثنا أبو الفضل العبّاس بن محمّد بن القاسم العلوي: قال: حدّثنا الحسن بن سهل، عن محمّد بن سهل، عن محمّد بن حاتم، عن يعقوب بن يزيد، قال: حدّثني علي بن أسباط، عن عبيد بن زرارة، قال: مات لبعض أصحاب أبي عبد الله عليهالسلام ولد...»(٤) الحديث، والحسن بن سهل هو القمّي لا ذو الرياستين وزير المأمون.
وأمّا طبقته: فإنّه من المناسب أن يكون من يروي عنه القمّي ـ في أوّل الكتاب ـ قد توفّي مقارباً لسنة (٣٢٩) أو قبلها، وهي سنة وفاة القمّي تقريباً، وقد ذكرنا لك آنفاً أنّ الكتاب مرويّ ـ كما في نسخة الركاوندي الآتية وغيرها ـ عن القمّي
__________
(١) أي: علي بن إبراهيم القمّي.
(٢) اللفظ لصاحب التفسير.
(٣) التفسير المتداول لعلي بن إبراهيم ٢ / ٢٩٧.
(٤) علل الشرايع ١ / ٣٠٤ / ح١ ب٢٤٧.
نفسه عن أبي الفضل العبّاس، وأنّ علي بن إبراهيم الذي يروي عنه العبّاس ليس هو القمّي، ويأتي ما يدلّ عليه في شواهد نسخ التفسير المخطوطة كذلك(١).
الجري علىٰ الوجه الذي ذكره الركاوندي في نسخة تفسيره:
وجرياً علىٰ هذا الوجه الأخير الذي تؤيّده نسخة الركاوندي من التفسير نقول: إنّه قد روىٰ أخو العبّاس، موسىٰ، عن حكيمة عمّة مولانا صاحب الزمان عليه من الله أزكىٰ السلام، ذكره في الكافي في باب: (تسمية من رآه عليهالسلام ) فقال: «محمّد بن يحيىٰ، عن الحسين بن رزق الله أبو عبد الله قال: حدّثني موسىٰ بن محمّد ابن القاسم بن حمزة بن موسىٰ بن جعفر قال: حدّثتني حكيمة ابنة محمّد بن علي ـ وهي عمّة أبيه ـ أنّها رأته ليلة مولده وبعد ذلك»(٢)، وذكره السيّد ابن عنبة في عمدة الطالب في عقد الإمامين الجواد والهادي عليهالسلام ، وكذا اسم أخيه العبّاس(٣).
وروىٰ الشيخ الصدوق ـ الذي ورد بغداد سنة خمس وخمسين وثلاثمائة وسمع منه شيوخ الطائفة وهو حدث السنّ ـ في العلل عن علي بن أبي سهل حاتم ـ الذي كان حيّاً سنة (٣٥٠هـ) كما في الفهرست(٤)، بل بعدها بما تكشف عنه رواية الصدوق قدّس الله سرّه عنه ـ عن أبي الفضل العبّاس بن محمّد(٥).
__________
(١) كنسخة الركاوندي من تفسير القمّي، ونسخة المكتبة الوطنية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية رقم: ٨٠٨٧٦٧.
(٢) الكافي ١ / ٣٣١/ ح٣.
(٣) عمدة الطالب: ٢٢٨-٢٢٩.
(٤) الفهرست: ر٤٢٦.
(٥) علل الشرايع ١ / ٣٠٤ / ح١ ب٢٤٧.
وعلي بن حاتم روىٰ عن جماعة منهم حميد بن زياد المتوفّىٰ سنة (٣١٠هـ) ومحمّد ابن جعفر بن محمّد بن عون الأسدي أبو الحسين الكوفي المتوفّىٰ سنة (٣١٢هـ)(١).
وروىٰ في العيون: عن «محمّد بن علي بن بشّار (رضي الله عنه) قال: حدّثنا أبو الفرج المظفّر بن أحمد بن الحسن القزويني، قال: أخبرنا أبو الفضل العبّاس بن محمّد بن القاسم بن حمزه بن موسىٰ بن جعفر، قال: حدّثني الحسن بن سهل القمّي عن محمّد ابن حامد عن أبي هاشم الجعفري عن أبي الحسن عليهالسلام قال: سأله عن الصلاة علىٰ المصلوب، قال: أما علمت أنّ جدّي (صلوات الله عليه) صلّىٰ علىٰ عمّه، قلت: أعلم ذلك ولكنّي لم أفهمه مبيّناً، قال: نبيّنه لك إن كان وجه المصلوب إلىٰ القبلة فقم علىٰ منكبه الأيمن، وإن كان قفاؤه إلىٰ القبلة، فقم علىٰ منكبه الأيسر فأمّا ما بين المشرق والمغرب قبله، وإن كان منكبه الأيسر إلىٰ القبلة فقم علىٰ منكبه الأيمن، وإن كان منكبه الأيمن إلىٰ القبلة فقم علىٰ منكبه الأيسر وكيف كان منحرفاً فلا تزايلنّ مناكبه، وليكن وجهك إلىٰ ما بين المشرق والمغرب ولا تستقبله ولا تستدبره البتّة. قال أبو هاشم: ثمّ قال الرضا عليهالسلام : قد فهمت إن شاء الله. قال مصنّف هذا الكتاب رحمهالله : هذا حديث غريب لم أجده في شيء من الأصول والمصنّفات ولا أعرفه إلّا بهذا الإسناد(٢)».
__________
(١) وكذا عن علي بن الحسين السعدآبادي شيخ الكليني ومؤدّب الزراري ومعلّمه، فاحتمال روايته عمّن هو في طبقة القمّي شيخ الكليني واردة ولو علىٰ قلّة من الورود، ومن البعيد أن يروي عن مشايخ القمّي، إلّا أن يحتمل ويؤيّد بطول عمر القمّي وكثرة مشايخه، ومنهم من عاصره كابن حاتم، فيتّحد ابن حاتم مع القمّي في الرواية عنهم، فترتفع غرابة رواية القمّي عن شيخ ابن حاتم مع تباعد زمنَي وفاتهما بنحو من أربعين سنة.
(٢) قال الشيخ الحرّ رحمهالله في هامش الوسائل ٣ / ١٣٠/ ح١ ب٣٥، (كيفية الصلاة علىٰ المصلوب): «العجب أنّ الصدوق في عيون الأخبار قال: هذا حديث غريب لا أعرفه إلّا بهذا الإسناد ولم أجده في شيء من الأصول والمصنّفات. انتهىٰ، وفيه غفلة عن وجوده في
ورواه الكليني عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن أبي هاشم الجعفري(١).
وكذا روىٰ في العيون: عن «محمّد بن علي بن بشّار رحمهالله ، قال: حدّثنا أبو الفرج المظفّر بن أحمد بن الحسن القزويني، قال: حدّثنا العبّاس بن محمّد بن قاسم ابن حمزة بن موسىٰ بن جعفر عليهالسلام قال: حدّثنا الحسن بن سهل القمّي عن محمّد ابن خالد عن أبي هاشم الجعفري قال: سألت أبا الحسن الرضا عليهالسلام عن الغلاة والمفوّضة فقال: الغلاة كفّار والمفوّضة مشركون من جالسهم أو خالطهم أو آكلهم أو شاربهم أو واصلهم أو زوّجهم أو تزوّج منهم أو آمنهم أو ائتمنهم علىٰ أمانة أو صدّق حديثهم أو أعانهم بشطر كلمة خرج من ولاية الله عزّ وجلّ وولاية رسول الله صلىاللهعليهوآله وولايتنا أهل البيت»(٢).
وأبو الفرج المظفّر بن أحمد بن الحسن، الراوي عن أبي الفضل، روىٰ عن محمّد ابن جعفر الأسدي، الراوي عن سهل بن زياد، روىٰ عنه الصفواني تلميذ الكليني ـ كما هو مشهور ـ وصاحب المباهلة المعروفة مع قاضي الموصل، قال الشيخ في رجاله: «المظفّر بن أحمد القزويني: يكنّىٰ أبا الفرج روىٰ عن أبي جعفر الأسدي، روىٰ عنه الصفواني»(٣)، وذكره الشيخ في كتاب الغيبة في خبر طويل يحكي ولادة الحجّة بن الحسن عليهالسلام، عن حمد بن علي الرازي، عن محمّد بن علي، عن حنظلة بن زكريا يحدّث عن أحمد بن بلال بن داود الكاتب: «وكان عاميّاً بمحلّ من النصب لأهل البيت
__________
كتب علي بن إبراهيم وفي الكافي، ومثل هذا كثير من أعيان العلماء وهو الداعي إلىٰ جمع هذا الكتاب (منه قدسسره) هامش المخطوط». عيون أخبار الرضا عليهالسلام ٢ / ٢٣٢ / ح٨.
(١) الكافي ٣ / ٢١٥ / ٢.
(٢) عيون أخبار الرضا عليهالسلام ١ / ٢١٩ / ح٤.
(٣) رجال الشيخ: ٤٤٦/ رقم ٦٣٤٠.
عليهمالسلام ، يظهر ذلك ولا يكتمه»، وفي آخره: «قال: فعجبت من قولها وصرفته إلىٰ السخرية والهزء ولم أسألها عن الوقت، غير أنّي أعلم يقيناً أنّي غبت عنهم في سنة نيف وخمسين ومائتين، ورجعت إلىٰ سرّ من رأىٰ في وقت أخبرتني العجوزة بهذا الخبر في سنة إحدىٰ وثمانين ومائتين في وزارة عبيد الله بن سليمان لمّا قصدته. قال حنظلة: فدعوت بأبي الفرج المظفّر بن أحمد حتّىٰ سمع معي منه هذا الخبر»(١).
فأبو الفضل يروي بواسطتين عمّن عاصر الرضا عليهالسلام كداود بن القاسم بن إسحاق بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب أبي هاشم الجعفري، الذي: «شاهد جماعة من الأئمّة عليهمالسلام ، منهم: الرضا والجواد والهادي والعسكري وصاحب الأمر عليهمالسلام ، وقد روىٰ عنهم كلّهم عليهمالسلام »(٢).
ومحمّد والد أبي الفضل من أصحاب الهادي عليهالسلام كما في رجال الشيخ(٣).
فتحصّل: أنّ طبقة العبّاس تناسب أصحاب العسكري والحجّة عليهماالسلام؛ لوقوعه في رتبة أخيه أو قريباً منها، وهو من أصحاب هذه الطبقة، لتأخّره عن رتبة أبيه محمّد، وتقدّمه عادة عن رتبة من روىٰ عنه وهو علي بن حاتم.
فلا ضير إذن أن يروي القمّي ـ المتأخّر رتبة والمتوفّىٰ حدود سنة (٣٢٩هـ) كما ذكر صاحب الذريعة، أو (٣٠٧هـ)(٤)، أو المساوي والمقارب له في الطبقة ـ
__________
(١) الغيبة، الطوسي: ٢٤٢.
(٢) فهرست الشيخ: ر٢٧٧.
(٣) رجال الشيخ: ٣٩٢/ ر٥٧٨٩.
(٤) قال الشيخ عبّاس القمّي في الكنىٰ والألقاب ٣ / ٨٤: «لم نقف علىٰ تاريخ وفاته، إلّا أنّه كان حيّاً في سنة ٣٠٧، لأنّ الصدوق روىٰ عن حمزة بن محمّد بن أحمد العلوي في رجب سنة ٣٣٩ قال: أخبرني علي بن إبراهيم ابن هاشم فيما كتب إلىٰ سنة سبع وثلاثمائة».
عن أبي الفضل العبّاس بن محمّد العلوي، فإنّ العبّاس واقع بين ما يقارب سنيّ ولادة الإمام الحجّة عليهالسلام سنة (٢٥٠ هـ) وبين ما يقارب وفاة من روىٰ عنه وهو علي بن حاتم الحي سنة (٣٥٠هـ).
ولو قيل بأنّ أقصىٰ ما تدلّ عليه القرائن المتقدّمة هو معاصرة العبّاس للقمّي، واتّحادهما في الطبقة، والعادة تقضي بعدم رواية المتعاصرين، قلنا: لا خلاف حول هذه العادة، لكنّها غير مانعة عن الشذوذ، بل غير سارية في كلّ الرواة، وكثير منهم نقل عنهم التقابل في الرواية.
هذا أقصىٰ ما يمكن به توجيه رواية علي بن إبراهيم القمّي عن أبي الفضل العبّاس الهاشمي.
التأمّل في الوجه الذي يستند لنسخة الركاوندي:
والإنصاف: إنّ رواية مثل علي بن إبراهيم القمّي عن أبي الفضل العبّاس ـ الذي هو من الطبقة المشتركة بين مشايخ الكليني وأبي الفرج القزويني من جهة، ومن يروون عن الكليني كابن حاتم والصفواني من جهة أخرىٰ ـ بعيدة؛ إذ لا يروي من كان في طبقة الصفواني وأمثاله عن القمّي بلا واسطة، وقد تحقّقت روايتهم عن أبي الفضل كما رأيت، فهو في طبقة متأخّرة رتبة عن القمّي، ومن طبقة من يأخذون عن علي بن إبراهيم ومن عاصره؛ كحميد بن زياد وابن إدريس من مشايخ الطبقة المشتركة بين مشايخ الكليني ومن تأخّر عنه كأبي غالب والنعماني والصفواني، وتدلّك عليه المناسبة التي ذكرناها بين الرواة؛ هذا أوّلاً.
ثانياً: ملاحظة مشايخ الجامع للتفسير الآتي إحصاؤهم، فإنّها مفضية للعلم بتأخّر طبقته المانع عن روايته عادة عن مثل القمّي إلّا بواسطة، ولو تُمسّك بإمكان رواية الجامع للتفسير لكون وفاة القمّي تقارب السنة (٣٠٧) التي عاصرها
بعض مشايخ جامع التفسير كأحمد بن إدريس وابن عقدة، بَعَّدَ هذا الإمكانَ عدم معهودية رواية هذه الطبقة عن القمّي، بل عدم وجدان رواية لأصحاب هذه الطبقة عن علي ابن إبراهيم إلّا نادراً جدّاً.
ثالثاً: ما نحتمله من دخول التصحيح في نسخة الركاوندي الآتي عرضها، فشذوذها عن بقيّة النسخ برواية أبي الفضل عن علي بن إبراهيم الجَوَّاني واحتمال كون الزيادة والتصحيح من الناسخ أو غيره، داعٍ للتأمّل.
رابعاً: ما سوف يمرّ عليك في تحقيق حال علي بن إبراهيم، الراوي عنه أبو الفضل بحسب نسخة الركاوندي(١).
خامساً: ما تكرّر من تحديث جامع التفسير عن أبي الفضل العبّاس صراحة دون إسناد للقمّي، وقد مرّ بيانه وبيان موضعه، وهو ظاهر في كونه من طبقة مشايخ جامع التفسير، وهي طبقة مشايخ الصفواني والنعماني وأبي غالب الزراري من المتعاصرين.
وسيأتي أنّ بعض النسخ صدرت باسم علي بن إبراهيم القمّي وأنّه المحدّث عن أبي الفضل العبّاس، غير أنّها قليلة ضمن المجموع، واحتمال زيادتها اتّكاء علىٰ توهّم كون التفسير كلّه لعلي بن إبراهيم القمّي وارد جدّاً، خاصّة بعد أن تبيّن لك عدم صحّة هذا القول.
ومع كلّ هذا، فالنتيجة التي اخترناها كما هي لم تتغيّر، وهي كون راوي التفسير وجامعه هو ممّن يحدّث عن جملة مشايخ منهم أبو الفضل العبّاس الهاشمي، بل إنّ
__________
(١) انظر: الفصل المختصّ بعرض نسخ التفسير، فقد فصّلنا الكلام في حال علي بن إبراهيم الجَوَّاني وحقّقنا الرأي في روايته.
الظاهر من استغنائه عن ذكر أبي الفضل في الروايات الأخر عن علي بن إبراهيم هو إحالة للسند الأوّل روايةً لأخبار القمّي بتوسّط أبي الفضل العبّاس.
وظهر لك أيضاً أنّ ابن عقدة المولود سنة (٢٤٩) والمتوفّىٰ سنة (٣٣٣هـ) وروىٰ عنه النعماني ـ المتوفّىٰ حدود سة (٣٦٠) ـ حينها، ليس في رتبة مشايخ أبي الفضل العبّاس حتّىٰ يقال ـ كما في كلمات المحقّق الطهراني أعلىٰ الله مقامه حيث ذهب إلىٰ أنّ جامع التفسير هو أبو الفضل ـ أنّ العبّاس روىٰ تفسير القمّي عن علي ابن إبراهيم، وروىٰ معه تفسير أبي الجارود عن ابن عقدة، بل ابن عقدة معاصر لأبي الفضل العبّاس الهاشمي، ولك أن تتأمّل في مشايخ مؤلّف التفسير، لتجد أكثرهم بل كلّهم ممّن لا يناسب أن يروي أو يأخذ عنهم أبو الفضل العبّاس الحديث.
كما تبيّن لك أنّ السند الأوّل في التفسير بعد المقدّمة ليس سنداً لرواية كلّ التفسير، بل هو سند لأوّل رواية منه؛ وحصل التوهّم بسبب اعتراض جملة: (تفسير بسم الله الرحمن الرحيم) للأسانيد الأولىٰ من التفسير، وفي نسخة الركاوندي من التفسير ـ وتأتي صورته ـ في تفسير (بسم الله الرحمن الرحيم)، ثمّ تابع ذكر الأسانيد الأخر، واعتراضها بيانٌ لموضوع متّحد لتلك الأخبار أو عبارة متّحدة لأوّلها، لذا تجده عطف عليها ما اختلف عنها في الابتداء، فقال بعد الإسناد: (سألته عن تفسير بسم الله الرحمن الرحيم)، وعليك بالتأمّل في الأسانيد وتعاطفها ليزول عنك اللبس المذكور في كلمات أكثر المعاصرين.
عود علىٰ كلام الشيخ الطهراني في الذريعة:
ثمّ قال الطهراني رحمهالله : «ثمّ إنّه بعد ذلك لم يذكر تمام هذا الإسناد إلّا في (ص ١٠٨) و(ص ١٤٦) وأمّا في غيرهما فقد اكتفىٰ بقوله (وفي رواية أبي الجارود كذا) وهكذا إلىٰ آخر تفسير القرآن، وفي الغالب بعد تمام رواية أبي الجارود أو رواية
أخرىٰ عن بعض مشايخه الأخر كما يأتي يعود إلىٰ تفسير علي بن إبراهيم القمّي بقوله: (وقال علي بن إبراهيم كذا) أو: (ثمّ قال بن إبراهيم كذا) أو: (قال علي بن إبراهيم كذا)، وفي عدّة مواضع يقول: (رجع إلىٰ تفسير علي بن إبراهيم) كما في صفحات: (٦٥ـ١٤٦ـ١٦٣)، وفي بعضها: (رجع إلىٰ رواية علىٰ بن إبراهيم) كما في صفحات: (١٥١ـ١٨٢ـ٢٣٥)، وفي بعضها: (رجع الحديث إلىٰ علي بن إبراهيم) كما في: (ص ١٥٥)، وفي بعضها: (في رواية علي بن إبراهيم كذا) كما في صفحات (١٥٩ـ١٦٠ـ٢٧٢)، وفي بعضها: (من هنا عن علي بن إبراهيم) كما في: (ص ٢٦٤)، لكنّ في بعض النسخ لم يوجد كلمة: (من هنا).
وبالجملة: يظهر من هذا الجامع أنّ بناءه علىٰ أن يفصل ويميّز بين روايات علي بن إبراهيم وروايات تفسير أبي الجارود(١)، بحيث لا يشتبه الأمر علىٰ الناظرين في الكتاب». انتهىٰ ما أفاضه قلم المحقّق الخبير رحمهالله ، وقد وقفت معنا علىٰ مواضع السهو في كلامه.
مثال صريح علىٰ مغايرة مؤلّف التفسير لعلي بن إبراهيم القمّي:
وننهي الكلام بما يُقطع به علىٰ صحّة كلام الطهراني الأخير ومغايرة الراوي لجملة من أخبار التفسير لأخبار تفسير علي بن إبراهيم القمّي، وهو رواية جامع التفسير عن محمّد بن أحمد بن ثابت، ونصّها في التفسير المتداول: «قال(٢): ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يعني بني قينقاع: ﴿قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، ثمّ ضرب في عبد الله بن أبيّ وبني النضير مثلاً، فقال: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ
__________
(١) بل بناؤه علىٰ التفصيل بين ما ذكر وبين مرويّاته عن مشايخه الآخرين كذلك.
(٢) أي: القمّي.
اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ [ثمّ جاءت هذه العبارة في وسط النصّ] فيه زيادة أحرف لم تكن في رواية علي بن إبراهيم، حدّثنا به محمّد بن أحمد بن ثابت، عن... أحمد بن ميثم، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة، عن أبان بن عثمان، عن أبي بصير في غزوة بني النضير وزاد فيه: فقال رسول الله صلىاللهعليهوآله للأنصار: إن شئتم دفعت إليكم فيء المهاجرين منها وإن شئتم قسّمتها بينكم وبينهم وتركتهم معكم؟ قالوا: قد شئنا أن تقسّمها فيهم، فقسّمها رسول الله صلىاللهعليهوآله بين المهاجرين ودفعها عن الأنصار، ولم يعطِ من الأنصار إلّا رجلين، سهيل بن حنيف وأبو دجانة؛ فإنّهما ذكرا حاجة، وقال علي بن إبراهيم في قوله: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾»(١).
وهو المثبّت في نسخة الركاوندي من التفسير كذلك، وصورته:
__________
(١) التفسير المتداول لعلي بن إبراهيم ٢ / ٣٦٠ في تفسير سورة الحشر.
مقارنة متن التفسير بالمصادر الناقلة عنه
(نسخ التفسير لأعلام ما قبل القرن الثامن)
(أوّل من نقل من التفسير وصرّح باسم الكتاب)
(الشيخ الطوسي أوّل المصرّحين بالنقل عن تفسير القمّي فيما حضرنا من آثار)
أوّل من وجدناه ينقل صريحاً عن تفسير منسوب لعلي بن إبراهيم بعنوان: (تفسير علي بن إبراهيم) هو الشيخ رحمهالله في كتاب الزكاة من التهذيب، ننقله بتمامه، قال: «وذكر علي بن إبراهيم بن هاشم في كتاب التفسير تفصيل هذه الثمانية الأصناف فقال: فسّرهم العالم عليهالسلام فقال: الفقراء: هم الذين لا يسألون لقول الله عزّ وجلّ في سورة البقرة: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ والمساكين: هم أهل الديانات قد دخل فيهم الرجال والنساء والصبيان، والعاملين عليها: هم السعاة والجباة في أخذها وجمعها وحفظها حتّىٰ يؤدّوها إلىٰ من يقسّمها، والمؤلّفة قلوبهم قال: هم قوم وحّدوا الله وخلعوا عبادة من دون الله ولم تدخل المعرفة قلوبهم أنّ محمّداً رسول الله صلىاللهعليهوآله ، فكان رسول الله صلىاللهعليهوآله يتألّفهم ويعلّمهم ويعرّفهم كيما يعرفوا، فجعل لهم نصيباً في الصدقات لكي يعرفوا ويرغبوا».
ويوجد في هذا الموضع من التفسير المتداول رواية أبي الجارود التي تتناول (المؤلّفة قلوبهم) لم يذكرها الشيخ، بل انتقل مباشرة إلىٰ (الرقاب) حيث قال: «وفي الرقاب: قوم لزمتهم كفّارات في قتل الخطأ وفي الظهار وفي الأيمان وفي قتل الصيد في الحرم، وليس عندهم ما يكفّرون وهم مؤمنون، فجعل الله لهم سهماً في
الصدقات ليكفّر عنهم، والغارمين: قوم قد وقعت عليهم ديون أنفقوها في طاعة الله من غير إسراف، فيجب علىٰ الإمام أن يقضي عنهم ويفكّهم من مال الصدقات، وفي سبيل الله: قوم يخرجون في الجهاد وليس عندهم ما يتقوّون به، أو قوم من المؤمنين ليس عندهم ما يحجّون به أو في جميع سبل الخير، فعلىٰ الإمام أن يعطيهم من مال الصدقات حتّىٰ يقووا علىٰ الحجّ والجهاد، وابن السبيل: أبناء الطريق الذين يكونون في الأسفار في طاعة الله فيقطع عليهم ويذهب مالهم، فعلىٰ الإمام أن يردّهم إلىٰ أوطانهم من مال الصدقات»(١).
وهي من أهمّ الدلائل علىٰ التصرّف والحشو في أصل التفسير.
فقد وردت في التفسير المتداول هكذا: «أخرج الله من الصدقات جميع الناس، إلّا هذه الثمانية الأصناف الذين سمّاهم، وبيّن الصادق عليهالسلام من هم، فقال؛ الفقراء: هم الذين لا يسألون وعليهم مؤنات من عيالهم، والدليل علىٰ أنّهم هم الذين لا يسألون قول الله في سورة البقرة: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾، والمساكين: هم أهل الزمانة من العميان والعرجان والمجذومين وجميع الأصناف الزمنىٰ الرجال والنساء والصبيان، والعاملين عليها: هم السعاة والجباة في أخذها وجمعها وحفظها حتّىٰ يردّوها إلىٰ من يقسّمها، والمؤلّفة قلوبهم: قوم وحّدوا لله ولم تدخل المعرفة في قلوبهم من أنّ محمّداً رسول الله صلىاللهعليهوآله ، فكان رسول الله صلىاللهعليهوآله يتألّفهم ويعلّمهم كيما يعرفوا فجعل الله لهم نصيباً في الصدقات لكي يعرفوا ويرغبوا.
__________
(١) التهذيب ٤ / ٤٩-٥٠، كتاب الزكاة، باب أصناف الزكاة ح٤.
وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليهالسلام قال: المؤلّفة قلوبهم أبو سفيان ابن حرب بن أميّة، وسهيل بن عمرو وهو من بني عامر بن لؤي، وهمام بن عمرو وأخوه وصفوان بن أميّة بن خلف القرشي ثمّ الجشمي الجمحي، والأقرع بن حابس التميمي، ثمّ عمر أحد بني حازم، وعيينة بن حصين الفزاري، ومالك بن عوف، وعلقمة بن علاقة، بلغني أنّ رسول الله صلىاللهعليهوآله كان يعطي الرجل منهم مائة من الإبل ورعاتها وأكثر من ذلك وأقلّ.
وفي الرقاب: قوم قد لزمهم كفّارات في قتل الخطأ وفي الظهار وقتل الصيد في الحرم وفي الأيمان وليس عندهم ما يكفّرون وهم مؤمنون فجعل الله لهم منها سهماً في الصدقات ليكفّر عنهم، والغارمين: قوم قد وقعت عليهم ديون أنفقوها في طاعة الله من غير إسراف فيجب علىٰ الإمام أن يقضي ذلك عنهم ويفكّهم من مال الصدقات، وفي سبيل الله: قوم يخرجون في الجهاد وليس عندهم ما ينفقون، أو قوم من المسلمين ليس عندهم ما يحجّون به أو في جميع سبل الخير، فعلىٰ الإمام أن يعطيهم من مال الصدقات حتّىٰ ينفقوا به علىٰ الحجّ والجهاد، وابن السبيل: أبناء الطريق الذين يكونون في الأسفار في طاعة الله فيقطع عليهم ويذهب مالهم، فعلىٰ الإمام أن يردّهم إلىٰ أوطانهم من مال الصدقات، والصدقات تتجزّىٰ ثمانية أجزاء، فيعطىٰ كلّ إنسان من هذه الثمانية علىٰ قدر ما يحتاجون إليه بلا إسراف ولا تقتير يقوم في ذلك الإمام يعمل بما فيه الصلاح»(١).
فبالإضافة إلىٰ وجود رواية أبي الجارود بين الفقرتين في التفسير المتداول وعدم وجودها في تهذيب الشيخ، نرىٰ هناك تصرّفاً في نفس ألفاظ الخبر الشريف
__________
(١) التفسير المتداول لعلي بن إبراهيم ١ / ٢٩٨-٢٩٩.
في التهذيب.
وتبع الشيخ من تأخّر عنه من أعلام الطائفة رحمهم الله، فنقلوا نصّ كلامه قدسسره ، وهو ظاهر في النقل عن كتاب الشيخ لا عن التفسير كما هي العادة الجارية في نظر المتأخّر لدليل المتقدّم خاصّة الشيخ رحمهالله .
فمنهم: المحقّق في المعتبر حيث قال: «روىٰ ذلك علي بن إبراهيم في كتاب التفسير عن العالم عليهالسلام قال: (وفي الرقاب: قوم لزمتهم كفّارات في قتل الخطأ أو الظهار أو الأيمان وليس عندهم ما يكفّرون جعل الله لهم سهماً، في الصدقات ليكفّر عنهم)»(١).
وتبعه العلّامة الحلّي في التذكرة وغيرها، قال في بيان المراد بالرقاب من كتاب الزكاة: «وروىٰ علماؤنا ثالثاً وهو: أنّ من وجب عليه كفّارة في عتق في ظهار وشبهه ولم يجد ما يعتق جاز أن يُعطىٰ من الزكاة ما يشتري به رقبة ويعتقها في كفّارته. لرواية علي بن إبراهيم بن هاشم في تفسيره عن العالم عليهالسلام : (وفي الرقاب: قوم لزمتهم كفّارات في قتل الخطأ أو الظهار أو الأيمان، وليس عندهم ما يكفّرون جعل الله لهم سهماً في الصدقات ليكفّر عنهم). قال الشيخ: والأحوط عندي أن يعطىٰ ثمن الرقبة لكونه فقيراً فيشتري هو ويعتق عن نفسه. وهو جيّد»(٢)(٣).
__________
(١) المعتبر ٢ / ٥٤٧، وكذا نقل العلّامة عن التفسير في المعتبر ٢ / ٥٧٧.
(٢) التذكرة ٥ / ٢٥٦.
(٣) وفي المختلف موضع آخر من الرواية وإسنادها إلىٰ العالم عليهالسلام هكذا: «ذكره علي بن هاشم في تفسيره عن العالم عليهالسلام فقال (وَالْغارِمِينَ) قوم قد وقعت عليهم ديون أنفقوها في طاعة الله تعالىٰ من غير إسراف، فيجب علىٰ الإمام أن يقضي عنهم» المختلف ٣ / ٢١٥.
وفي المنتهى: «نقل الشيخ عن عليّ بن إبراهيم بن هاشم في تفسيره، عن العالم عليهالسلام أنّ المؤلّفة قلوبهم قوم كفّار» المنتهىٰ ٨ / ٣٤٤.
وهي في التفسير المتداول لعلي بن إبراهيم: «وبيّن الصادق عليهالسلام من هم فقال:... (والمؤلفة
وهذا الخبر ممّا لم يذكره ابن العتايقي في مختصره الآتي عرضه.
وأنت بمنظر بما بين النقلين من تفاوت، ولا أظنّ الشكّ يسري بعد هذا لأحد فيتصوّر أنّ أصل التفسير لم يصبه التغيير ـ متوسّلاً بنسخ المجلسي والحرّ رحمهما الله ـ فما خطّطناه هو زيادة علىٰ التفسير الذي لدىٰ الشيخ رحمهالله ، وما بينه متن الخبر عن العالم عليهالسلام ـ المنسوب في المتداول إلىٰ الصادق عليهالسلام ـ وهو كذلك مغيّر فيه.
والعجب بعد هذا من المتتبّع الخبير المحدّث المجلسي في ملاذ الأخيار في شرح تهذيب الأخبار؛ إذ قدّم نسخة التفسير هذا ـ وهو نسخة من المتداول بتفاوت نقل عنها في البحار ـ علىٰ رواية الشيخ في التهذيب، وكأنّه مسَلِّمٌ بنسبة نسخته من التفسير للقمّي رحمهالله ، قال قدسسره : «المراد بـ: (العالم) كأنّه الصادق عليهالسلام ، فإنّ الذي رأيته في التفسير المذكور هو الصادق عليهالسلام ، والشيخ رحمهالله اختصر الخبر، واكتفىٰ بذكر موضع الحاجة.
قال في التفسير: أخرج الله من الصدقات جميع الناس، إلّا هذه الثمانية الأصناف الذين سمّاهم، وبيّن الصادق عليهالسلام من هم؟ فقال؛ الفقراء: هم الذين لا يسألون، وعليهم مؤونات من عيالهم، والدليل علىٰ أنّهم لا يسألون قول الله في سورة البقرة: ﴿لِلْفُقَراءِ﴾ إلىٰ قوله: ﴿إِلْحافاً﴾ والمساكين هم أهل الزمانة من العميان والعرجان
__________
قلوبهم) قوم وحّدوا لله ولم تدخل المعرفة في قلوبهم من أنّ محمّداً رسول الله صلىاللهعليهوآله، فكان رسول الله صلىاللهعليهوآله يتألّفهم ويعلّمهم كيما يعرفوا فجعل الله لهم نصيباً في الصدقات لكي يعرفوا ويرغبوا. وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليهالسلام ، قال: المؤلّفة قلوبهم أبو سفيان ابن حرب بن أميّة وسهيل بن عمرو، وهو من بني عامر بن لؤي وهمام بن عمرو وأخوه، وصفوان بن أميّة بن خلف القرشي، ثمّ الجشمي الجمحي، والأقرع بن حابس التميمي، ثمّ عمر أحد بني حازم، وعيينة بن حصين الفزاري، ومالك بن عوف، وعلقمة بن علاقة، بلغني أنّ رسول الله صلىاللهعليهوآله كان يعطي الرجل منهم مائة من الإبل ورعاتها وأكثر من ذلك وأقلّ».
والمجذومين وجميع أصناف الزمنىٰ الرجال والنساء والصبيان، إلىٰ آخر الخبر»(١).
ولم يشِر رحمهالله لدلالة كلمة الرجوع لـ: (تفسير القمّي) التي قطعت خبر العالم عليهالسلام برواية أبي الجارود عن الباقر عليهالسلام ، ولا لاختصار بعض العبائر في نسخته من التفسير ـ مع أنّه نقل عبارة نسخته في البحار ـ وهي كنسخنا المتداولة اليوم.
وكذلك الشيخ الحرّ رحمهالله في وسائله عند نقله لخبر التهذيب قال: «ورواهُ عليّ ابن إبراهيم في تفسيره عن الصادق عليهالسلام نحو ما نقلهُ الشيخ».
ومراده بنحوه غير نصّه، لكنّه تسامح واضح، وقد بيّنّا مواضع التفاوت بينهما.
هذا كلّه في الموضع الأوّل ممّا نقله الشيخ رحمهالله ، وهو في غاية الأهمّية في الدلالة علىٰ التفاوت بين المتداول وبين الأصل، سواء في حشو تفسير أبي الجارود أو في التصرّف في ألفاظ الروايات بالاختصار.
نقولات الشيخ الطبرسي (ت٥٤٨هـ) في المجمع عن نسخته لتفسير علي بن إبراهيم:
وممّن أكثر النقل عن تفسير علي بن إبراهيم، أو كتاب علي بن إبراهيم ـ باختلاف اللفظ ووحدة المراد منه وهو التفسير كما هو ظاهر للناظر ـ الشيخُ الطبرسي صاحب مجمع البيان تلميذ الشيخ أبي علي بن الشيخ الطوسي، المتوفّىٰ سنة (٥٤٨ هـ)، والمواضع تبلغ العشرات ـ ويظهر من بعضها القليل جدّاً أنّ التصرّف وقع بالاختصار من الطبرسي نفسه؛ لرواية القمّي ـ فمنها ما هو مطابق للمتداول تمام المطابقة، ومنها ما فيه تفاوت جزئي، ومنها ما فيه تفاوت كثير، ومنها ما خالف المتداول، ومنها ما ليس في المتداول، أحصيناها وعيّنا مقدار التفاوت عند البحث والتتبّع ـ وسنوافيكها في هامش هذا المقال ـ إلّا أنّنا نقتصر هنا علىٰ المواضع المهمّة منها.
__________
(١) ملاذ الأخيار في فهم تهذيب الأخبار ٦ / ١٣٠-١٣١.
أمثلة علىٰ التفاوت بين نسخة الطبرسي والتفسير المتداول:
فمّما ليس في تفسير القمّي المتداول وهو في المجمع وغيره:
قوله في المجمع: «وفي تفسير علي بن إبراهيم: فلمّا جهّزهم وأعطاهم وأحسن إليهم في الكيل، قال لهم: من أنتم؟ قالوا: نحن قوم من أرض الشام، رعاة أصابنا الجهد، فجئنا نمتار. فقال: لعلّكم عيون جئتم تنظرون عورة بلادي؟ فقالوا: لا والله ما نحن بجواسيس، وإنّما نحن إخوة بنو أب واحد، وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن، ولو تعلم بأبينا لكرمنا عليك، فإنّه نبي الله، وابن أنبيائه، وإنّه لمحزون! قال: وما الذي أحزنه، فلعلّ حزنه إنّما كان من قبل سفهكم وجهلكم؟ قالوا: يا أيّها الملك! لسنا بسفهاء، ولا جهّال، ولا أتاه الحزن من قبلنا، ولكنّه كان له ابن، كان أصغرنا سنّاً، وإنّه خرج يوماً معنا إلىٰ الصيد، فأكله الذئب، فلم يزل بعده حزيناً كئيباً باكياً. فقال لهم يوسف: كلّكم من أب وأمّ؟ قالوا: أبونا واحد، وأمّهاتنا شتّىٰ. قال: فما حمل أباكم علىٰ أن سرّحكم كلّكم، ألا حبس واحداً منكم يستأنس به؟ قالوا: قد فعل، حبس منّا واحداً، وهو أصغرنا سنّاً، لأنّه أخو الذي هلك من أمّه، فأبونا يتسلّىٰ به. قال: فمن يعلم أنّ الذي تقولونه حقّ؟ قالوا: يا أيّها الملك! إنّا ببلاد لا يعرفنا أحد. فقال يوسف: فائتوني بأخيكم الذي من أبيكم إن كنتم صادقين، وأنا أرضىٰ بذلك. قالوا: إنّ أبانا يحزن علىٰ فراقه، وسنراوده عنه. قال: فدعوا عندي رهينة حتّىٰ تأتوني بأخيكم. فاقترعوا بينهم، فأصابت القرعة شمعون»(١).
ورواها الصدوق في أماليه تحديثاً عن محمّد بن إبراهيم بن إسحاق رحمهالله ، قال:
__________
(١) مجمع البيان ٥ / ٤٢٢.
أخبرنا أحمد بن محمّد الكوفي الهمداني البزّاز، قال: أخبرنا المنذر بن محمّد، قال: حدّثنا جعفر بن سليمان، عن عبد الله بن الفضل، عن أبان بن عثمان الأحمر، عن أبان بن تغلب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس(١)، بنحو ما رواه الطبرسي عن تفسير القمّي بنسخته.
ولم يتعرّض لذكرها العتايقي في مختصره. والذي في التفسير المتداول اكتفاؤه بقول: (ولمّا جهّزهم بجهازهم) وأعطاهم وأحسن إليهم في الكيل قال لهم: من أنتم؟ قالوا: نحن بنو يعقوب بن إسحق بن إبراهيم خليل الله، الذي ألقاه نمرود في النار فلم يحترق وجعلها الله عليه برداً وسلاماً، قال: فما فعل أبوكم؟ قالوا: شيخ ضعيف، قال: فلكم أخ غيركم؟ قالوا: لنا أخ من أبينا لا من أمّنا، قال: فإذا رجعتم إليّ فأتوني به وهو قوله: ﴿ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾(٢). وظاهره الاختصار من الأصل. وكذا في مخطوطة التفسير المتداول رقم: (١٢١٧٦) من مخطوطات المجلس و(١٣٩)(٣)، وصورتها:
__________
(١) أمالي الصدوق: ٣١٩.
(٢) التفسير المتداول لعلي بن إبراهيم ١ / ٣٤٧.
(٣) (و) = (الورقة).
ومن المواضع التي لم تذكر في التفسير المتداول وهي في المجمع، قول الطبرسي رحمهالله : «وعن علي بن إبراهيم بن هاشم: ﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ أراد به الوثيقة التي طلبها منهم يعقوب حين قال: ﴿لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّىٰ تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ﴾ فذكرهم ذلك»(١).
ولم أجد أحداً نقله غير الطبرسي عن القمّي، ولم يختره العتايقي في مختصره.
ومنها موضع ذكره في المجمع وذكره العتايقي في مختصره وأهمل ذكره التفسير المتداول، وهو قوله في المجمع: «﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ وفيها ثلاثة أقاويل أحدها: إنّ الظاهرة الثياب، والباطنة الخلخالان والقرطان والسواران، عن ابن مسعود. وثانيها: إنّ الظاهرة الكحل والخاتم والخدّان والخضاب في الكفّ عن ابن عبّاس، والكحل والسوار والخاتم عن قتادة. وثالثها: إنّها الوجه والكفّان، عن الضحّاك وعطا. والوجه والبنان عن الحسن. وفي تفسير علي بن إبراهيم: الكفّان والأصابع»(٢).
وفي المتداول في نفس الموضع اقتصر علىٰ رواية أبي الجارود فقال: «وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليهالسلام في قوله: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾، فهي الثياب والكحل والخاتم وخضاب الكفّ والسوار»(٣).
وهو الموافق لما في نسخ التفسير المخطوطة، منها رقم: (١٢١٧٦) من مخطوطات المجلس و(١٩٦)، وصورتها:
__________
(١) مجمع البيان٥ / ٤٤٠.
(٢) مجمع البيان ٧ / ٢٤١.
(٣) التفسير المتداول لعلي بن إبراهيم ٢ / ١٠١.
ولم ينقل عنه هذا المعنىٰ أحد من المتقدّمين، بل المنقول عنه هو ما أورده الطبرسي في المجمع.
ووافق ابن العتايقي المجمع، فقال: «قوله: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾، قال العالم: الكفّين والأصابع»(١). وصورته:
وممّا فيه نقص وتفاوت في المتداول وأورده في المجمع بتمامه، قول الطبرسي رحمهالله : «وقيل: إنّ إبراهيم رأىٰ في المنام أن يذبح ابنه إسحاق، وقد كان حجّ بوالدته سارة وأهله. فلمّا انتهىٰ إلىٰ منىٰ رمىٰ الجمرة هو وأهله، وأمر سارة فزارت البيت، واحتبس الغلام...» إلىٰ قوله: «ووضع الكبش مكان الغلام، ونودي من ميسرة مسجد الخيف: ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ بإسحاق ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾ قال: ولحق إبليس بأمّ الغلام، حين زارت البيت، فقال لها: ما شيخ رأيته بمنىٰ؟ قالت: ذاك بعلي... قالت: كذبت! إبراهيم أرحم الناس، فكيف يذبح ابنه؟
__________
(١) مختصر ابن العتايقي: نسخة مجلس الشورىٰ رقم: ١٢٢١٦، ورقة ٩٤.
قال: فوربّ السماء، وربّ [هذه الكعبة] قد رأيته [كذلك]. قالت: ولِمَ؟ قال: زعم أنّ ربّه أمره بذلك. قالت: حقّ له أن يطيع ربّه. فوقع في نفسها أنّه قد أمر في ابنها بأمر. فلمّا قضت نُسُكها أسرعت في الوادي راجعة إلىٰ منىٰ، واضعة يديها علىٰ رأسها، وهي تقول: يا ربّ لا تؤاخذني بما عملت بأمّ إسماعيل! [فلمّا جاءت سارة، وأخبرت الخبر، قامت إلىٰ ابنها تنظر، فرأت إلىٰ أثر السكين خدشاً في حلقه، ففزعت واشتكت، وكانت بدو مرضها الذي هلكت به]. رواه العيّاشي، وعلي بن إبراهيم بالأسناد في كتابيهما»(١). وما بين المعقوفين ليس في التفسير المتداول(٢).
وليس في العتائقي إلّا إشارة مختصرة للذبح وما قيل في المذبوح إسحاق أو إسماعيل عليهماالسلام.
كما أنّه لا وجود للخبر في تفسير العيّاشي المطبوع، وهو ممّا في جزئه المفقود اليوم.
وممّا هو في المجمع ممّا لم يذكر في المتداول وهو في مختصر العتايقي قول الطبرسي في المجمع: «﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ فيها أقوال أيضاً... وثالثها: إنّها الأفلاك يقع فيها أمر الله تعالىٰ، فيجري بها القضاء في الدنيا، رواه علي بن إبراهيم»(٣).
وليست في المتداول، بل قد خلا المتداول عن ذكر الآية رأساً(٤).
وكذلك ليست في النسخ المخطوطة للتفسير المتداول، كنسخة رقم: (١٢١٧٦) للمجلس و(٣٢٢)، وصورته:
__________
(١) مجمع البيان ٨ / ٣٢٥.
(٢) التفسير المتداول لعلي بن إبراهيم ٢ / ٢٢٦-٢٢٧.
(٣) مجمع البيان١٠ / ٢٢٥.
(٤) انظر: التفسير المتداول لعلي بن إبراهيم ٢ / ٤٠٣.
ولا في نسخة الركاوندي من التفسير رقم: (٣٨٨٠) من المجلس (صورة ١٦٥):
لكن ابن العتائقي أثبتها في مختصره كما في نقل المجمع، وصورته من المخطوط رقم: (١٢٢١٦) و(١٤٠):
وكلّ هذا يرتقي من التأييد والشهادة علىٰ التغيير إلىٰ الاطمئنان بالتفاوت بين نسخ المتقدّمين من تفسير القمّي المشار إليه في كلماتهم وبين ما هو متداول اليوم من نسخته الرائجة، بل الموضع الأخير ممّا نقلنا كاشف عن التصرّف بحذف ما يبدوا وكأنّه لم يوافق رأي المختصر للتفسير الأصل.
أوّل من وجدناه ذكر المعنىٰ دون التصريح بكونه من كتاب التفسير:
وأمّا من ذكره دون الإشارة لكونه من التفسير ووجدنا معناه فيه:
فمنهم: الشيخ الصدوق في التوحيد ـ ولو كان لفظه صريحاً بالنقل عن التفسير لكان هو أوّل من بأيدينا أثرهم ممّن ذكر التفسير ونقل عنه ونسبه لصاحبه، وهو ما نرجّحه ـ قال رحمهالله في تعداد معاني الفتنة العشرة التي ذكرها قبلاً: «قد زاد علي بن إبراهيم بن هاشم علىٰ هذه الوجوه العشرة وجهاً آخر فقال: من وجوه الفتنة ما هو المحبّة وهو قوله عزّ وجلّ: ﴿أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ
فِتْنَةٌ﴾ أي: محبّة(١)، والذي عندي في ذلك أنّ وجوه الفتنة عشرة وأنّ الفتنة في هذا الموضع أيضاً المحنة ـ بالنون ـ لا المحبّة ـ بالباء ـ وتصديق ذلك قول النبي صلّىٰ الله عليه وآله وسلّم: (الولد مجهلة محنة مبخلة) وقد أخرجت هذا الحديث مسنداً في كتاب مقتل الحسين بن علي صلّىٰ الله عليهما»(٢).
ومعناها في التفسير المتداول في موضعين(٣):
الأوّل: في مقدّمة التفسير في أمثلة المتشابه، قال: «وأمّا المتشابه فما ذكرنا ممّا لفظه واحد ومعناه مختلف فمنه الفتنة التي ذكرها الله تعالىٰ في القرآن فمنها عذاب وهو قوله: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَىٰ النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ أي: يعذّبون، وقوله: ﴿الْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ وهي الكفر، ومنه الحبّ وهو قوله: ﴿إَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ يعني بها الحبّ، ومنها اختبار وهو قوله: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ أي: لا يختبرون ومثله كثير نذكره في مواضعه، ومنه الحقّ وهو علىٰ وجوه كثيرة، ومنه الضلال وهو علىٰ وجوه كثيرة، فهذا من المتشابه الذي لفظه واحد ومعناه مختلف»(٤).
الثاني: في سورة التغابن، قال: «وقال علي بن إبراهيم في قوله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ أي: يصدق الله في قلبه، فإذا بيّن الله له اختار الهدىٰ ويزيده الله كما قال: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ وقوله: ﴿إَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ أي:
__________
(١) إلىٰ هنا انتهىٰ نقل كلام القمّي.
(٢) التوحيد: ٣٨٨.
(٣) لم نتعرّض لما أثبت في بقية النسخ من التفسير المتداول لعلي بن إبراهيم لعدم الحاجة إليه بعد توافقها معه، وكذا مختصر ابن العتايقي، فإنّه لم يختَرْه بالإيراد في مختصره.
(٤) مقدّمة تفسير القمّي ١ / ٧.
حبّ»(١).
وظاهر لفظ: (قد زاد علي بن إبراهيم بن هاشم علىٰ هذه الوجوه العشرة وجهاً آخر) أنّ القمّي قد ذكر هذه الوجوه أو أكثرها في تفسيره، إلّا أنّ النسخة المتداولة خالية عنها، واكتفىٰ فيها بقول: إنّها علىٰ وجوه كثيرة في الموضع الأوّل، واقتصر علىٰ معنىٰ واحد في الأخير.
ثمّ إنّ ظاهر الشيخ الصدوق نسبة القول للقمّي لا لرواية القمّي، وهو يتوافق مع المقدّمة أو كلام القمّي بين تضاعيف الأخبار.
وهذا الاحتمال ـ أي: كون الصدوق قد نقل قول القمّي من مقدّمة التفسير ـ أحد الشواهد علىٰ نسبة المقدّمة للشيخ القمّي مع احتمال التغيير فيها كالتغيير في التفسير نفسه ـ ويأتي تأييد احتمال أنّ المقدّمة هي لعلي بن إبراهيم القمّي بما نقله الحسن بن سليمان في بصائر الدرجات ـ ويصلح شاهداً لما ذكرنا من أنّ المقدّمة ما هي إلّا كتاب القمّي الناسخ والمنسوخ، الذي احتملنا اختصاره ودمجه مع كتاب تفسير علي بن إبراهيم وحشو التفسير بـ: (تفسير أبي الجارود) وغيره، بل احتملنا أنّ المتصرّف فيهما هو الشيخ الجليل محمّد بن إبراهيم النعماني رحمهالله ممّن روي عنه رسالة المحكم والمتشابه، وله طريق يرويه لـ: (تفسير أبي الجارود) وهو بعينه التفسير المزاد في تفسير القمّي المتداول عن شيخه ابن عقدة.
وفي رسالة المحكم والمتشابه للسيّد المرتضىٰ المأخوذة من تفسير النعماني ذكر وجوهاً للفتنة لا ترقىٰ للعشرة كذلك.
ولمّا بلغنا الكلام فيها وجب إفراد مبحث خاصّ لهذه الرسالة الشريفة لمناسبتين،
__________
(١) تفسير القمّي ٢ / ٣٧٢.
الأولىٰ: ما ذكرناه من شبهها بمقدّمة تفسير القمّي المتداول من وجوه في المتن وتطرّق احتمال تأليفها بقلم الشيخ الجليل النعماني لأسباب وعلل تقدّم ذكرها.
والثانية: إيرادها للمعنىٰ المذكور في كلام الصدوق المنقول عن القمّي رحمهما الله، فنقول:
(مقدّمة تفسير القمّي المتداول وتفسير النعماني ورسالة المحكم والمتشابه ومصنّف سعد بن عبد الله الأشعري)
النظر في رسالة المحكم والمتشابه:
نقل الشيخ المجلسي قدسسره في بحاره رسالة المحكم والمتشابه المنسوبة للسيّد المرتضىٰ رحمهالله ، والمسمّاة بكتاب الآيات الناسخة والمنسوخة في بعض النسخ الخطّية المستقلّة بالرسالة، وهي نسخة مجلس الشورىٰ رقم: (٧٢٥ط) المنسوخة سنة (١٣٠٥هـ)، وصورة الصفحة الأولىٰ منها زيادة للتحقيق:
قال في آخر الصفحة الثانية منها وأوّل الثالثة:
أورد فيها السيّد الشريف ما ذكره النعماني ـ وهو ممّن حدّث عن الكليني بل هو تلميذه الخصّيص ـ في تفسيره(١)، وهو مشابه لحدّ كبير لمقدّمة التفسير ـ وعليك بالتأمّل في صدر تفسير القمّي المتداول ومواضع شتّىٰ منه مع أوّل ما في تفسير النعماني وغيره، ومقارنة الثاني مع الذي بين أيدينا، مع كثرة عبائره ـ أي: المتداول ـ الدالّة علىٰ إرادة الاختصار، بل وتصريحه في آخر المقدّمة باختصار أبواب المقدّمة لا الكتاب الكريم ـ لدرجة يكاد يجزم أنّ ما في التفسير المتداول اليوم مختصر ممّا تألّف منه ما ذكره النعماني في تفسيره، وليس كلام النعماني هناك إلّا خبر عن ابن عقدة، عن أحمد الجعفي، عن ابن مهران، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة، عن أبيه، عن إسماعيل بن جابر، عن الصادق عليهالسلام ، وهو خبر طويل ينقل عنه عليهالسلام ، مع نقل عن سؤالات الشيعة لجدّه أمير المؤمنين عليهالسلام ، وهو يروي عن رسول الله صلىاللهعليهوآله .
ومن الواضح أنّها تخلّلها الشرح والزيادة من النعماني؛ إذ أكثر من قوله: (وسألوه) مفصولاً منه بكلام فيه إيجاز وإطناب، حتّىٰ أتىٰ علىٰ ذكر المجبّرة والمفوّضة
__________
(١) البحار ٩٠ / ١-٩٧.
فقال: «وخالفهم فرقة أخرىٰ في قولهم فقالوا: إنّ الأفعال نحن نخلقها عند فعلنا لها، وليس فيها صنع ولا اكتساب ولا مشيّة ولا إرادة، ويكون ما يشاء إبليس ولا يكون ما لا يشاء، فضادّوا المجبّرة في قولهم وادّعوا أنّهم خلّاقون مع الله، واحتجّوا بقوله: ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ فقالوا: قوله: ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ يثبت خلّاقين غيره، فجهلوا هذه اللفظة، ولم يعرفوا معنىٰ الخلق، وعلىٰ كم وجه هو. فسئل عليهالسلام عن ذلك وقيل له: هل فوّض الله تعالىٰ إلىٰ العباد ما يفعلون؟ فقال: الله أعزّ وأجلّ من ذلك، قيل: فهل يجبرهم علىٰ ما يفعلون؟ قال: الله سبحانه أعدل من أن يجبرهم علىٰ فعل ثمّ يعذّبهم عليه، قيل: أَبَين هاتين المنزلتين منزلة ثالثة؟ فقال: نعم، كما بين السماء والأرض، فقيل: ما هي؟ قال: سرّ من أسرار الله».
وعطفها بقوله: (فسئل عليهالسلام عن ذلك)، وهو لا يناسب أن يكون المسؤول هو أمير المؤمنين عليهالسلام لعدم ظهور تلك الفرقة، وإن أمكن ففيه بُعد، كذلك لا يناسب أن يكون الإمام مقرّراً لمطلب ثمّ مجيباً عن سؤال فيه تكراره(١).
وأبين منه ـ في تخلّل الزيادات بين الأخبار ـ قوله بعدها: «وأمّا عصمة الأنبياء والمرسلين والأوصياء عليهمالسلام فقد قيل في ذلك أقاويل تختلف، قال بعض الناس: هو مانع من الله تعالىٰ يمنعهم عن المعاصي فيما فرض الله عليهم من التبليغ عنه إلىٰ خلقه، وهو فعل الله دونهم، وقال آخرون: العصمة من فعلهم لأنّهم يُحمدون عليها، وقال آخرون: يجوز علىٰ الأنبياء والمرسلين والأوصياء ما يجوز علىٰ غيرهم من الذنوب كلّها، والأوّل باطل...»(٢).
وهو واضح في كونه من كلام غير الإمام عليهالسلام وليس من الرواية.
__________
(١) انظر: البحار ٩٠ / ٨٦.
(٢) البحار ٩٠ / ٨٨.
رسالة سعد بن عبد الله رحمهالله :
كما أنّ الشيخ المجلسي رحمهالله في ذيل الرسالة قال: «أقول: وجدت رسالة قديمة مفتتحها هكذا: حدّثنا جعفر بن محمّد بن قولويه القمّي رحمهالله قال: حدّثني سعد الأشعري القمّي أبو القاسم رحمهالله وهو مصنّفه: الحمد لله ذي النعماء والآلاء، والمجد والعزّ والكبرياء، وصلّىٰ الله علىٰ محمّد سيّد الأنبياء، وعلىٰ آله البررة الأتقياء، روىٰ مشايخنا عن أصحابنا، عن أبي عبد الله عليهالسلام قال: قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: أنزل القرآن علىٰ سبعة أحرف كلّها شافٍ كافٍ: أمر، وزجر، وترغيب، وترهيب، وجدل، وقصص، ومثل. وساق الحديث إلىٰ آخره لكنّه، غيّر الترتيب، وفرّقه علىٰ الأبواب، وزاد فيما بين ذلك بعض الأخبار».
وقد ذكر المجلسي رحمهالله شطراً من رسالة سعد رحمهالله في متفرّقات من مجلّدات البحار، وهي من كتاب ناسخ القرآن ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه لسعد بن عبد الله رحمهالله (٣)، وقد تنبّه للشبه بين هذه الثلاثة المحدّث الخبير النوري في خاتمة المستدرك فقال: «تفسير الشيخ الجليل الأقدم، أبي عبد الله محمّد بن إبراهيم بن جعفر النعماني الكاتب، المعروف بابن زينب، وهو خبر واحد مسند عن أمير المؤمنين عليهالسلام (٤)، في أنواع الآيات وأقسامها، وأمثلة الأقسام، اختصره علم الهدىٰ السيّد المرتضىٰ (٥)، وقف عليه صاحب الوسائل فأخرج ما فيه من الأحكام، ولم أجد في الأصل زائداً منه، ولذا قلّ رجوعنا إليه مع أنّ الكتاب في غاية الاعتبار، وصاحبه شيخ من أصحابنا الأبرار.
__________
(٣) انظر: الذريعة ٢٤ / ٨.
(٤) تقدّم منّا خلافه.
(٥) لم نعثر علىٰ دليل يهدي لهذا المعنىٰ.
ولكن يجب التنبيه علىٰ شيء لا يخلو من غرابة، وهو أنّ العلّامة المجلسي قال في مجلّد القرآن من بحاره: باب ما ورد عن أمير المؤمنين عليهالسلام في أصناف آيات القرآن وأنواعها، وتفسير بعض آياتها برواية النعماني، وهي رسالة مفردة مدوّنة، كثيرة الفوائد، نذكرها من فاتحتها إلىٰ خاتمتها: بسم الله الرحمن الرحيم... وساقها إلىٰ آخرها. ثمّ قال: أقول: وجدت رسالة قديمة مفتتحها هكذا: حدّثنا جعفر بن محمّد ابن قولويه القمّي رحمهالله قال: حدّثني سعد الأشعري أبو القاسم رحمهالله وهو مصنّفه: الحمد لله ذي النعماء والآلاء، والمجد والعزّ والكبرياء، وصلّىٰ الله علىٰ محمّد سيّد الأنبياء، وعلىٰ آله البررة الأتقياء، روىٰ مشايخنا، عن أصحابنا، عن أبي عبد الله عليهالسلام قال: (قال أمير المؤمنين عليهالسلام . أنزل القرآن علىٰ سبعة أحرف كلّها شافٍ كافٍ، أمر، وزجر، وترغيب، وترهيب، وجدل، وقصص، ومثل) وساق الحديث إلىٰ آخره، لكنّه غيّر الترتيب وفرّقه علىٰ الأبواب، وزاد فيما بين ذلك بعض الأخبار، انتهىٰ.
والظاهر أنّ المراد من سعد، هو ابن عبد الله الأشعري، الثقة الجليل المعروف، وعدّ النجاشي من كتبه كتاب ناسخ القرآن ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه، وعليه فيشكل ما في أوّل السند، فإنّ جعفر بن محمّد بن قولويه يروي عن سعد بتوسّط أبيه، الذي كان من خيار أصحاب سعد، فيمكن أن يكون قد سقط من السند قوله: عن أبيه، ثمّ لا يخفىٰ أنّ ما في أوّل تفسير الجليل علي بن إبراهيم، من أقسام الآيات وأنواعها، هو مختصر هذا الخبر الشريف، فلاحظ وتأمّل»(١).
والحاصل: أنّه لا وجه لتوهّم اتّحاد مقدّمة تفسير القمّي ورسالة المحكم والمتشابه من تفسير النعماني إلّا مشابهة الاثنتين في الألفاظ، المدفوع ـ هذا التوهّم ـ
__________
(١) خاتمة المستدرك ١ / ٣٤٧.
بمفارقات كثيرة وزيادات طويلة الذيل عديدة، بل إنّك بعد أن عرفت ووقفت علىٰ كون مقدّمة التفسير ـ حتّىٰ المتداول منه ـ والرسالة وما ذكره النعماني في تفسيره بل وكتاب سعد بن عبد الله كلّها رواية للصادق عليهالسلام يتخلّلها بيان وزيادة من مؤلّفي التصانيف كعادة كثير منهم، يرتفع التوهّم ولا يبقىٰ محلّ له.
قول النعماني في معاني الفتنة:
إذا عرفت الشبه ووحدة السياق بين التفسيرين، فانظر لقول النعماني في بيان معاني الفتنة، قال رحمهالله : «وسألوه عليهالسلام من المتشابه في تفسير الفتنة فقال: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ وقوله لموسىٰ عليهالسلام : ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾، ومنه فتنة الكفر وهو قوله تعالىٰ: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّىٰ جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ .
[وقوله تعالىٰ: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ يعني ههنا الكفر](١) وقوله سبحانه في الذين استأذنوا رسول الله عليهما السلام في غزوة تبوك أن يتخلّفوا عنه من المنافقين فقال الله تعالىٰ فيهم: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ يعني ائذن لي ولا تكفّرني فقال عزّ وجلّ: ﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾. ومنه فتنة العذاب وهو قوله تعالىٰ: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَىٰ النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ أي: يعذّبون، ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ أي: ذوقوا عذابكم، ومنه قوله تعالىٰ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ أي: عذّبوا المؤمنين ومنه فتنة المحبّة للمال والولد كقوله تعالىٰ: ﴿إنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾، أي: إنّما حبّكم لها فتنة لكم.
ومنه فتنة المرض وهو قوله سبحانه: ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ
__________
(١) ما بين المعقوفتين أضافها محقّق هذا الجزء من البحار من تفسير القمّي.
مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ أي: يمرضون ويعتلّون»(١).
وهي ليست بعشرة وجوه إلّا علىٰ التأويل، والظاهر أنّ مجموعها من ألفاظ الخبر الشريف، وفيها تفسير الفتنة بالحبّ.
وليس هناك مصدر يمكن مقارنته بمقدّمة التفسير المتداول أوسع من رسالة المحكم والمتشابه، وهي تفضي بنا للاعتقاد باتّحادها في الجملة مع متن المقدّمة، وأنّ أصلها وأصل الرسالة ورسالة ناسخ القرآن ومنسوخه لسعد بن عبد الله خبر معصومي واحد، اختلفت روايته بمقدار تصرّف الرواة فيه زيادة ونقيصة شرحاً وتفصيلاً ـ كما في الرسالة ـ أو إيجازاً واختصاراً ـ كما في مقدّمة التفسير المتداول ـ كما أنّها تعزّز لدينا احتمال دخالة الشيخ الجليل أبي عبد الله محمّد بن إبراهيم النعماني في تأليف الكتاب المتداول؛ فوجود المقدّمة في المتداول بهذا النحو ومناسبة طبقات المشايخ ـ كشيخه ابن عقدة وغيرهم ـ في التفسير لطبقته ـ كما بيّنّا ـ وانضمام تفسير أبي الجارود برواية ابن عقدة لهذا التفسير، كلّ هذا، لم يكن علىٰ سبيل الصدفة المجرّدة، وليس بعزيز أن يقع ما احتملناه موقع المطابقة للواقع، فقليل من هذه الاحتمالات كافٍ لأن يستقلّ سبباً لصيرورة الاحتمال دعوىٰ قائمة بنفسها، فكيف باجتماع أمور لا تجتمع بحسب العادة إلّا وأن يؤلّف بينها داعٍ ويقرن بينها قارن، إلّا أنّنا نبقيه علىٰ مستواه من الاحتمال دون أن نتجرّأ بالجزم أو نبلغه درجة الاطمئنان والسكون النفسي التامّ، حتّىٰ يتمّ التحقيق منّا أو من غيرنا من المشايخ والعلماء الكرام.
__________
(١) البحار ٩٠ / ١٧-١٨.
(عود علىٰ بدء)
(الشيخ الطبرسي في أعلام الورىٰ (ت ٥٤٨ هـ) وابن شهر آشوب (ت ٥٨٨ هـ) في المناقب)
ومنها ـ أي: من المواضع التي رويت عن القمّي في كتاب له دون ذكر اسم الكتاب، وإن ترجّح أو تعيّن كونه من التفسير ـ ما ذكره الطبرسي (ت ٥٤٨ هـ) في إعلام الورىٰ في الفصل الأوّل من الباب الثالث في (ذكر مبدأ البعث)، قال: «ذكر علي بن إبراهيم بن هاشم ـ وهو من أجلّ رواة أصحابنا ـ في كتابه: أنّ النبي صلّىٰ الله عليه وآله وسلّم، لمّا أتىٰ له سبع وثلاثون سنة كان يرىٰ في نومه كأنّ آتياً أتاه فيقول: يا رسول الله، فينكر ذلك، فلمّا طال عليه الأمر وكان بين الجبال يرعىٰ غنماً لأبي طالب، فنظر إلىٰ شخص يقول له: (يا رسول الله). فقال له: (من أنت)؟ قال: (جبرئيل، أرسلني الله إليك ليتّخذك رسولاً). فأخبر رسول الله صلّىٰ الله عليه وآله وسلّم خديجة بذلك، وكانت خديجة قد انتهىٰ إليها خبر اليهودي وخبر بحيرا وما حدّثت به آمنة أمّه، فقالت: يا محمّد إنّي لأرجو أن تكون كذلك. وكان رسول الله صلّىٰ الله عليه وآله وسلّم يكتم ذلك، فنزل عليه جبرئيل عليهالسلام وأنزل عليه ماء من السماء فقال: (يا محمّد قم توضّأ للصلاة) فعلّمه جبرئيل الوضوء علىٰ الوجه واليدين من المرفق ومسح الرأس والرجلين إلىٰ الكعبين، وعلّمه السجود والركوع. فلمّا تمّ له صلّىٰ الله عليه وآله وسلّم أربعون سنه أمره بالصلاة وعلّمه حدودها، ولم ينزل عليه أوقاتها، فكان رسول الله صلّىٰ الله عليه
وآله وسلّم يصلّي ركعتين ركعتين في كلّ وقت(١).
وكان علي بن أبي طالب عليهالسلام يألفه ويكون معه في مجيئه وذهابه لا يفارقه، فدخل علىٰ رسول الله صلّىٰ الله عليه وآله وسلّم وهو يصلّي، فلمّا نظر إليه يصلّي قال: (يا أبا القاسم ما هذا)؟ قال: (هذه الصلاة التي أمرني الله بها)، فدعاه إلىٰ الإسلام، فأسلم وصلّىٰ معه، وأسلمت خديجة، فكان لا يصلّي إلّا رسول الله، وعلي وخديجة عليهماالسلام خلفه.
فلمّا أتىٰ لذلك أيّام دخل أبو طالب إلىٰ منزل رسول الله صلّىٰ الله عليه وآله وسلّم ومعه جعفر، فنظر إلىٰ رسول الله وعلي عليهماالسلام بجنبه يصلّيان، فقال لجعفر: يا جعفر صِلْ جناح ابن عمّك، فوقف جعفر بن أبي طالب عليهالسلام من الجانب الآخر، فلمّا وقف جعفر علىٰ يساره بدر رسول الله صلّىٰ الله عليه وآله وسلّم من بينهما وتقدّم، وأنشأ أبو طالب في ذلك يقول:
|
إنّ عليّاً وجعفراً ثقتي |
|
عند ملمّ الزمان والكرب |
|
والله لا أخذل النبي ولا |
|
يخذله من بنيّ ذو حسب |
|
لا تخذلا وانصـرا إبن عمّكما |
|
أخي لأمّي من بينهم وأبي |
قال: وكان رسول الله صلّىٰ الله عليه وآله وسلّم يتّجر لخديجة قبل أن يزوّج بها وكان أجيراً لها، فبعثته في عير لقريش إلىٰ الشام مع غلام لها يقال له: ميسرة، فنزلوا تحت صومعة راهب من الرهبان، فنزل الراهب من الصومعة ونظر إلىٰ رسول الله صلّىٰ الله عليه وآله وسلّم فقال: من هذا؟ قالوا: هذا ابن عبد المطّلب. قال: لا ينبغي أن يكون أبوه حيّاً، ونظر إلىٰ عينيه وبين كتفيه فقال: هذا نبي الأمّة، هذا نبي
__________
(١) إلىٰ هنا انتهىٰ ما يقابل نقل ابن شهرآشوب.
السيف. فرجع ميسرة إلىٰ خديجة فأخبرها بذلك، وكان هذا هو الذي أرغب خديجة في تزويجها نفسها منه، وربحت في تلك السفرة ألف دينار. ثمّ خرج رسول الله صلّىٰ الله عليه وآله وسلّم إلىٰ بعض أسواق العرب فرأىٰ زيداً ووجده غلاماً كيّساً فاشتراه لخديجة، فلمّا تزوّجها رسول الله صلّىٰ الله عليه وآله وسلّم وهبته منه، فلمّا نبّئ رسول الله صلّىٰ الله عليه وآله وسلّم وأسلم علي أسلم زيد بعده، فكان يصلّي خلف رسول الله صلّىٰ الله عليه وآله وسلّم علي وجعفر وزيد وخديجة»(١).
ومثله الراوندي في قصص الأنبياء (ت ٥٧٣ هـ) والأربلي (ت ٦٩٣ هـ) في كشف الغمّة(٢) بزيادة بيان منه، بل كلاهما نقلاً عن نفس المصدر وهو المجمع؛ وهو ظاهر من ذكرهم عبارة: (وهو من أجلّ رواة أصحابنا) توصيفاً لعلي بن إبراهيم القمّي.
لكنّ ابن شهرآشوب (ت ٥٨٨ هـ) اكتفىٰ بنقل بعضه الأوّل في المناقب، ودون تصريح أو قرينة تدلّ علىٰ كونه من المجمع، قال: «علي بن إبراهيم بن هاشم القمّي في كتابه: إنّ النبي صلىاللهعليهوآله لما أتىٰ له سبع وثلاثون سنة كان يرىٰ في نومه كأنّ آتياً أتاه فيقول: يا رسول الله، فينكر ذلك، فلمّا طال عليه الأمر كان يوماً بين الجبال يرعىٰ غنماً لأبي طالب، فنظر إلىٰ شخص يقول: يا رسول الله، فقال له: من أنت؟ قال: أنا جبرئيل أرسلني الله إليك ليتّخذك رسولاً، فأخبر النبي خديجة بذلك، فقالت: يا محمّد أرجو أن يكون كذلك، فنزل عليه جبرئيل وأنزل عليه ماء من السماء وعلّمه الوضوء والركوع والسجود، فلمّا تمّ له أربعون سنة علّمه حدود
__________
(١) إعلام الورىٰ ١ / ١٠٢-١٠٣.
(٢) كشف الغمّة ١ / ٨٦-٨٧.
الصلاة، ولم ينزل عليه أوقاتها فكان يصلّي ركعتين ركعتين في كلّ وقت»(١).
وليس فيه ما في المجمع: «وكانت خديجة قد انتهىٰ إليها خبر اليهودي وخبر بحيرا وما حدّثت به آمنة أمّه»، و«وكان رسول الله صلّىٰ الله عليه وآله وسلّم يكتم ذلك»، و«فقال: (يا محمّد قم توضّأ للصلاة)»، و«علىٰ الوجه واليدين من المرفق ومسح الرأس والرجلين إلىٰ الكعبين».
وبما أنّ احتمال تصرّف ابن شهرآشوب بالحذف للاختصار؛ كاحتمال كون الزيادة من الطبرسي للبيان والتوضيح، لا يمكننا الجزم باتّحاد النسخ، ويكون الظاهر هو تعدّد نسخ التفسير ذلك الوقت، كما سيأتي تأييده عند الكلام عن نسخة ابن طاووس من التفسير المروية عن حفيد علي بن إبراهيم(٢)، وإن كنّا لا نرىٰ أنّ هذا تصرّف شائع في الكتب، خاصّة أنّه لا يتميّز عادة لو أدمج بسبك واحد، كما أنّ التصرّف بالاختصار شائع، خاصّة لو نقل المصنّف ما يدلّ عليه في مصنّفه.
لكنّ الأمر الذي يهمّنا هو شأن التفسير المتداول اليوم، وهو لا يوافق أيّ منهما.
ففي تفسير القمّي المتداول لم يذكر منه إلّا هذا: «وقوله: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ فإنّها نزلت بمكّة بعد أن نبّئ رسول الله صلىاللهعليهوآله بثلاث سنين، وذلك أنّ النبوّة نزلت علىٰ رسول الله يوم الإثنين
__________
(١) مناقب آل أبي طالب ١ / ٤١.
(٢) وكان المناسب أن نقابله بما نقله النصيري في تفسيره هداية الأمّة؛ ونتحقّق من مطابقته لما نقله عمّا سمّاه التفسير الصغير لعلي بن إبراهيم القمّي، إلّا أنّنا لم نجد المجلّد الحاوي لتفسير سورة الحجر إلىٰ حين كتابة هذا المقال، مع أنّا سنقرّر أنّ نسخة التفسير الصغير ما هي إلّا واحدة من نسخ مختصرات التفسير المتداول لعلي بن إبراهيم الكثيرة، وعزّزنا مقولتنا بصور المخطوطات الآتي عرضها.
وأسلم علي يوم الثلاثاء، ثمّ أسلمت خديجة بنت خويلد زوجة النبي صلىاللهعليهوآله ، ثمّ دخل أبو طالب إلىٰ النبي صلىاللهعليهوآله وهو يصلّي وعلي عليهالسلام بجنبه، وكان مع أبي طالب عليهالسلام جعفر فقال له أبو طالب: صِلْ جناح ابن عمّك فوقف جعفر علىٰ يسار رسول الله صلىاللهعليهوآله فبدر رسول الله صلىاللهعليهوآله من بينهما فكان رسول الله صلىاللهعليهوآله يصلّي وعلي وجعفر وزيد بن حارثة وخديجة يأتمّون به، فلمّا اتىٰ لذلك ثلاث سنين أنزل الله عليه: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾»(١).
وصدره يوافق المنقول في مختصر العتايقي (ص٧١ـ٧٢) من نسخة مجلس الشورىٰ (١٢٢١٦) مع بعض الاستدراك من العتايقي، وصورته:
__________
(١) تفسير القمّي ١ / ٣٧٨.
(مواضع أخرىٰ ملحقة بالسابق)
ما قاله الشيخ رحمهالله في التبيان:
قال: «وقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾... وقال علي بن إبراهيم وغيره من أهل العلم: كلّ شيء علىٰ العموم يسبّح بحمده حتّىٰ صرير الباب»(١).
وعبارته في المتداول: «وقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ فحرمة كلّ شيء تسبيح الله عزّ وجلّ»(٢).
وعبارة الشيخ هي التي حكاها السمعاني (ت ٤٨٩هـ) في تفسيره عن أبي غياث، قال: «وإن من شيء جماد أو حيّ إلّا يسبّح بحمده، حتّىٰ صرير الباب ونقيض السقف»(٣).
ولم يخترها العتايقي في مختصره، كما أنّ الشيخ الطبرسي لم ينسبها لعلي بن إبراهيم بالخصوص مع أنّه ذكر المعنىٰ نفسه(٤).
ما ذكره السيّد ابن طاووس (ت ٦٦٤هـ) رحمهالله حول نسخته من التفسير:
عدّد السيّد ابن طاووس رحمهالله (ت ٦٦٤ هـ) في أوّل كتابه سعد السعود، ثلاثة فصول خصّها فيما يذكره من الجزء الأوّل والثاني والرابع من أجزاء التفسير(٥)، لكنّه زاد عليها في متن الكتاب فصلاً من الجزء الثالث من التفسير،
__________
(١) التبيان ٦ / ٤٨٢-٤٨٣.
(٢) التفسير المتداول لعلي بن إبراهيم ٢ / ٢٠.
(٣) تفسير السمعاني ٣ / ٢٤٤.
(٤) انظر: مجمع البيان ٦ / ٢٥٥.
(٥) سعد السعود: ١٠.
وقال في الموضع الرابع [كما سيأتي]: «وجميع الكتاب أربعة أجزاء في مجلّدين»(١).
فقال في الموضع الأوّل: «فصل فيما نذكره من المجلّد الأوّل من تفسير علي بن إبراهيم بن هاشم، من الوجهة الثانية من القائمة السادسة من الكرّاس الثالث. وقوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ فقال العالم: هو الذي ابتلاه الله به ممّا أراه الله» إلىٰ قوله: «ولا تنسخ إلىٰ يوم القيامة وهو قول رسول الله صلىاللهعليهوآله: ﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾»(٢). وبينها وبين المتداول تفاوت في عدد من المواضع، يظهر منه إرادة مؤلّف التفسير المتداول الاختصار(٣)، ونقلها ابن العتايقي عن نسخته من تفسير القمّي مطابقة لما نقله السيّد ابن طاووس(٤).
وقال في الموضع الثاني: «فصل فيما نذكره من الجزء الثاني من تفسير علي بن إبراهيم، وهو من جملة المجلّد الأوّل في ثاني الوجهة من القائمة الأولىٰ من الكرّاس التاسعة عشر بلفظه: وأمّا قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، حدّثني علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حنان، عن أبيه، عن أبي جعفر، قال رسول الله صلىاللهعليهوآله : إنّ مقامي بين أظهركم خير لكم ومفارقتي إيّاكم خير لكم، فقام رجل فقال [يا] رسول الله أمّا مقامك بين أظهرنا فهو خير لنا، فكيف يكون مفارقتك لنا خيراً لنا؟ فقال صلىاللهعليهوآله : أمّا مقامي بين أظهركم خير لكم، فإنّ الله يقول: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ [وَهُمْ] يَسْتَغْفِرُونَ﴾، وأمّا
__________
(١) سعد السعود: ٨٧.
(٢) سعد السعود: ٨٣.
(٣) التفسير المتداول لعلي بن إبراهيم ١/ ٥٩.
(٤) مختصر تفسير ابن العتايقي (مخطوط المرعشي ـ نشر الجلالي): ٤٦ (سطر ١٤)، ص٤٧ (سطر ١).
مفارقتي لكم خير لكم، فإنّ أعمالكم تعرض عليّ كلّ إثنين وكلّ خميس، فما كان من حسنة حمدت الله عليها وما كان من سيّئة استغفرت الله لكم»(١).
وفي المتداول: «ثمّ قال: غفرانك اللّهمّ فأنزل الله في ذلك: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ حين قال غفرانك اللّهمّ» إلىٰ أن قال: «قال وحدّثني أبي، عن حنان بن سدير، عن أبيه، عن أبي جعفر عليهالسلام قال: قال رسول الله صلىاللهعليهوآله : مقامي بين أظهركم... فقالوا: يا رسول الله»(٢). الحديث.
وقوله في نقل السيّد ابن طاووس: (حدّثني علي بن إبراهيم) من كلام راوي التفسير، وهو حفيد القمّي في الموضع الآتي أو أحمد بن علي القمّي ابن المؤلّف، أو من أملىٰ عليه القمّي كتابه، ويُقرِّبُ صحّته أنّ القمّي قد أضرّ وسط عمره، ولا بديل له للتأليف إلّا التحديث والإملاء.
وقال في الموضع الثالث في حديث طويل يتعلّق بسورة الحجر: «فصل فيما نذكره من الجزء الثالث من تفسير علي بن إبراهيم، وهو أوّل المجلّد الثاني من الوجهة الثانية من القائمة العاشرة من الكرّاس الثامن عشر من أصل المجلّد، وتقتصر علىٰ المراد منه: وقوله: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ فإنّها نزلت بمكّة بعد أن نبّئ رسول الله بثلاث سنين»، إلىٰ قوله: «والعرب ونفورهم عنه وحفظ أبي طالب له وحمايته عنه»(٣).
وهي في المتداول ببعض التفاوت(٤)، وذكر العتايقي قسماً منها يوافق نقل
__________
(١) سعد السعود: ٨٤.
(٢) التفسير المتداول لعلي بن إبراهيم ١ / ٢٧٧.
(٣) سعد السعود: ٨٦.
(٤) التفسير المتداول لعلي بن إبراهيم ١ / ٣٧٨.
السيّد(١).
وقال في الموضع الرابع: «فصل فيما نذكره من الجزء الرابع من تفسير علي بن إبراهيم، وهو الجزء الثاني من المجلّد الثاني، وجميع الكتاب أربعة أجزاء في مجلّدين، والذي ننقله من الوجهة الثانية من القائمة الثالثة من الكرّاس السابع والثلاثين من الكتاب بلفظه: (وأمّا قوله: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾، فإنّه حدّثني جدّي علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن القاسم بن محمّد، عن سليمان بن داود المنقري، عن حفص ابن غياث، قال: قال أبو عبد الله: يا حفص، والله ما أنزلت... [إلىٰ قوله:] اتّق الله حيث كنت فإنّك لا تستوحش»(٢).
وهي في لفظ المتداول هكذا: «وأمّا قوله: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ فإنّه حدّثني أبي، عن القاسم بن محمّد، عن سليمان بن داود المنقري، عن حفص بن غياث، قال: قال أبو عبد الله عليهالسلام : يا حفص ما منزلة الدنيا من نفسي إلّا بمنزلة الميتة إذا اضطررت إليها أكلت منها، يا حفص إنّ الله تبارك وتعالىٰ علم ما العباد عاملون وإلىٰ ما هم صايرون فحلم عنهم عند أعمالهم السيّئة لعلمه السابق فيهم فلا يغرنّك حسن الطلب ممّن لا يخاف الفوت، ثمّ تلا قوله: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ... الآية﴾» إلىٰ تمام الخبر.
وهذا من المواضع المشكلة؛ فإنه يبرز احتمال تعدّد وتفاوت نسخ التفسير المنقول باختلاف رواة هذه النسخ، كنسخة السيّد هذه على سبيل المثال برواية حفيد القمّي،
__________
(١) مختصر ابن العتايقي (المخطوط ـ المرعشي): ١٥٥.
(٢) سعد السعود: ٨٧-٨٨.
وأخرى عن غيره، وهكذا، فلتكن النسخة المتداولة إحدى تلك النسخ وكلّها يصحّ نسبتها للقمّي، لكن الذي يسقِط هذا الاحتمال هو العلم بالتصرّف في كثير من مواضع التفسير الأصل حتّىٰ أسانيده، على وجه لا يمكن نسبته لعلي بن إبراهيم، وهذا الذي تراه في المتداول من اختصار و الاكتفاء بصدر الآيات، في قبال المنقول في كتاب ابن طاووس عن التفسير من الرواية بلفظها وبتمام الآية، دفع بعض المحققين الأعلام إلى القول بأن التفسير في نسختين مبسوطة ومختصرة، وسمّاهما بالتفسير الكبير والصغير ونسبهما لعلي بن إبراهيم نفسه(١).
وأمّا بشأن حفيده: فإنّا نجد الشيخ الصدوق روىٰ مكثراً عن أحمد بن علي ابن إبراهيم القمّي(٢)، وهو شيخه ترحّم عليه وترضّىٰ. منها ما رواه في معاني الأخبار قال: «حدّثنا أحمد بن علي بن إبراهيم بن هاشم رحمهالله قال: حدّثنا أبي، عن جدّي، عن حمّاد بن عيسىٰ، عن أبي عبد الله عليهالسلام في قول الله عزّ وجلّ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ قال: هو أمير المؤمنين عليهالسلام ومعرفته، والدليل علىٰ أنّه أمير المؤمنين عليهالسلام قوله عزّ وجلّ: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ وهو أمير المؤمنين عليهالسلام في أمّ الكتاب في قوله عزّ وجلّ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾(٣). وهي
__________
(١) منهم المحدّث النوري في المستدرك ٣ / ١٧٠ ب١ من أبواب القبلة ح٤، والميرزا محمّد رضا النصيري مؤلّف تفسير الأئمّة (مخطوط كبير) كما في الذريعة ٢٠ / ١٩١ ر٢٥٢٣، ويأتيك مزيد بيان.
(٢) قال عنه في لسان الميزان ١ / ٢٣٣/ رقم٧٥٣: «أحمد بن علي بن إبراهيم بن الجليل القمّي أبو علي نزيل الري. ذكره ابن بابويه في تاريخ الري، وقال: سمع أباه، وسعد بن عبد الله، وعبد الله بن جعفر الحميري، وأحمد بن إدريس وغيرهم. وكان من شيوخ الشيعة، روىٰ عنه أبو جعفر محمّد بن علي بن بابويه وغيره».
(٣) معاني الأخبار: ٣٣/ ح٣.
عين سند ورواية التفسير المتداول(١).
ولذا فاحتمال الخطأ في قوله: (حدّثني جدّي) وارد، لاستبعاد رواية غير محمّد، عن أبيه. مع عدم وجدان رواية لحفيد علي بن إبراهيم.
وقال في التوحيد: «حدّثنا أحمد بن علي بن إبراهيم بن هاشم رحمهالله ، عن أبيه، عن محمّد بن عيسىٰ، عن يونس بن عبد الرحمن، عن ابن بكير، عن حمزة بن محمّد، عن أبي عبد الله عليهالسلام قال: سألته عن قول الله عزّ وجلّ: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ قال: نجد الخير والشرّ»(٢).
وفي المتداول: «وقال علي بن إبراهيم في قوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ قال: بيّنّا له طريق الخير والشرّ»(٣)(٤).
__________
(١) التفسير المتداول: أوّل سورة الفاتحة، ح٥.
(٢) التوحيد: ٤١١/ ح٥.
(٣) التفسير المتداول لعلي بن إبراهيم ٢ / ٤٢٢ من سورة البلد.
(٤) روىٰ السيّد في سعد السعود أيضاً عن كتاب (تفسير) عن أهل البيت عليهمالسلام خبراً عن علي بن إبراهيم يوافق ما في التفسير المتداول بتفاوت في هذا الأخير، قال رحمهالله في سعد السعود: ١٢٠-١٢١: «فصل: فيما نذكره من تفسير أهل البيت عليهمالسلام قد سقط أوّله وآخره مجلّداً واحداً خطّه عتيق دقيق قالبه الطالبي نحو عشرين كرّاساً أو أكثر، فيه روايات غريبة، نذكر من الوجهة الأوّلة من القائمة الحادية عشرة ما هذا لفظه: (وفي حديث علي بن إبراهيم بن هاشم عن رجاله يرفعه إلىٰ الصادق عليهمالسلام: أنّه لمّا رجع إخوة يوسف إلىٰ أبيهم بقميصه ملطّخاً بالدم، وقالوا نقول: إنّ الذئب قد أكله، فقال لهم أخوهم لاوي وهو أكبرهم سنّاً: نؤمن أنّ أبانا هو إسرائيل الله عزّ وجلّ ابن إسحاق نبي الله ابن إبراهيم خليل الله، أفتظنّون أنّ الله عزّ وجلّ يكتم هذا الخبر عن أبينا؟ قالوا: فما الحيلة، قال بعضهم: نغتسل ونصلّي جماعة، ثمّ نتضرّع إلىٰ الله عزّ وجل أن يخفي هذا الخبر عن يعقوب فإنّه جواد كريم، ففعلوا ذلك وكان سنّة إبراهيم وإسحاق أنّهم لا يصلّون جماعة حتّىٰ يبلغوا أحد عشر رجلاً فيكون واحد إمامهم وعشرة يصلّون خلفه، فقال إخوة
القطع بتفاوت النسخة المتداولة مع نسخ المتقدّمين علىٰ القرن الثامن:
تبيّن أنّ نسخ المتقدّمين ـ في القرن الثامن وما قبلها ـ كانت مختلفة عمّا في أيدينا، متفاوتة في النقل، فيها من الزيادات والامتيازات علىٰ التفسير المتداول الكثير.
ولم نقِف حتّىٰ هذه اللحظة عمّن نقل عن تفسير القرآن لعلي بن إبراهيم القمّي شيئاً يخالف ما في التفسير المتداول إلّا من الذين عاشوا قبل هذه الفترة ـ الفاصلة بابن العتايقي ومختصره وهي القرن الثامن وما قبله ـ وأثناءها، وعدا القليل ممّن سنذكرهم في العناوين التالية.
(نسخ أعلام ما بعد القرن الثامن ـ بعد ابن العتايقي ـ من التفسير)
(النسخ المتأخّرة عن القرن الثامن الموافقة لنسخة التفسير المتداول)
اتّحدت نسخ علمائنا في هذا القرن وما بعده كالسيّد هاشم التوبلاني(١)
__________
يوسف: كيف نصنع ونحن عشرة وليس لنا إمام، فقال لاوي: والله إمامنا فصلّوا كذلك وتضرّعوا إلىٰ الله تعالىٰ وبكوا وسألوا الله عزّ وجلّ أن يخفي عن يعقوب علمه ذلك، ثمّ جاءوا إلىٰ أبيهم في وقت العشاء ومعهم قميص يوسف، فقالوا ما ذكره الله في كتابه: ﴿يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَ تَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَ ما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَ لَوْ كُنَّا صادِقِينَ [فأجابهم يعقوب] بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَ اللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلىٰ ما تَصِفُونَ﴾ ثمّ قال لهم يعقوب ما كان أشفق هذا الذئب علىٰ القميص وأشدّه علىٰ يوسف إذ أكله ولم يخرق القميص». انتهىٰ.وفي التفسير المتداول لعلي بن إبراهيم ١ / ٣٤١ ما نصّه: «في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليهالسلام في قوله ﴿وَجَآؤُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ قال: إنّهم ذبحوا جدياً علىٰ قميصه، قال علي بن إبراهيم: ورجع إخوته فقالوا: نعمد إلىٰ قميصه فنلطّخه بالدم، ونقول لأبينا: إنّ الذئب أكله» الحديث، رواه مرسلاً بتفاوت، ولعلّ التفسير الذي نقل عنه السيّد ابن طاووس نسخة من تفسير القمّي.
(١) نقل السيّد في مدينة المعاجز ٣ / ٤٤٥/ ح١٦، وكذا في موضع من البرهان ٣ / ٥٢٨،
والشيخ الحرّ والمجلسي مع هذه النسخة المتداولة اليوم، وإن كان ثمّة فرق بينها فهو من اختلاف النَّسْخ وممّا لا يؤثّر في المعنىٰ الكلّي للوحدة، ولنكتفي بذكر بعضها لما فيه من ميزة عن غيره.
نسخة السيّد هاشم التوبلاني البحراني (ت ١١٠٧هـ):
فالسيّد التوبلاني قدسسره، نبّه في أوّل تفسيره الكبير البرهان، إلىٰ نسخته من التفسير، وتنبّه إلىٰ نكات عدّة فيه؛ فمنها ما قاله في تعداد مصادر الكتاب وطريقة التأليف: «ثمّ إن لم أعثر في تفسير الآية من صريح رواية مسندة عن أهل البيت عليهمالسلام ، ذكرت ما ذكره الشيخ أبو الحسن علي بن إبراهيم الثقة في تفسيره، إذ هو منسوب إلىٰ مولانا وإمامنا الصادق عليهالسلام »(١).
وهي نفسها عبارته في تفسير الهادي ومصباح النادي، حيث قال: «وإنّي لم أعتمد في كتابي هذا إلّا علىٰ رواية مشايخنا المعتمدين وعلمائنا المعتبرين، فإنْ لم أعثر في الآية علىٰ رواية، اقتصرت علىٰ ما ذكره الشيخ الفقيه أبو الحسن علي بن إبراهيم في تفسيره».
فإنّه رحمهالله قد التزم بأن لا يورد فيه إلّا الروايات المعصومية، أو ما يؤيّدها من مصادر العامّة.
وعبارته صريحة في تردّده في نسبة أخبار الكتاب للصادق عليهالسلام لولا أنّه نسب للصادق عليهالسلام فيرجّح إيراده؛ والذي ثبت لي أنّه وقف علىٰ نسخة من التفسير كان
__________
عن علي بن إبراهيم ما ليس في المتداول، وهو من كتاب تأويل الآيات بلا وهم.
(١) البرهان ١ / ٦-٧.
أوّلها تصريح بأنّه تفسير الصادق عليهالسلام ـ كما يمرّ عليك عند استعراض ما اخترناه من نسخ التفسير المتداول(١) ـ وهي ما عثرنا عليها ضمن مخطوطات مجلس الشورىٰ، وصورة أوّلها:
وقد نقل عنها السيّد في برهانه مقدّمة تفسير القمّي، وهي غير موافقة لنسخ التفسير المتداولة، سقط منها صدر المقدّمة ولم يتدارك.
قال رحمهالله في أوّل تفسيره: «باب في ما ذكره الشيخ علي بن إبراهيم في مطلع
__________
(١) وأشار إلىٰ هذا الأمر المحشّي، علم الهدىٰ علىٰ الأرجح، علىٰ نسخة التفسير المتداول لعلي ابن إبراهيم التي بخطّ الشيخ عبّاس بن خضر النجفي، رقم: ١٤٣٥٩ من مجلس الشورىٰ، والمقصود منها نسخة عثرنا عليها ضمن مخطوطات مجلس الشورىٰ رقم: ١٢١٧٦، يأتي التعرّض لحالها وما يمكن أن يستفاد منها.
تفسيره: قال: بسم الله الرحمن الرحيم تفسير الكتاب المجيد، المنزل من عند العزيز الحميد، علىٰ محمّد النبي الرشيد صلّىٰ الله عليه وآله وسلّم الفعّال لما يريد ، وهو تفسير مولانا أبي عبد الله جعفر بن محمّد الصادق صلوات الله عليه وعلىٰ آبائه وأبنائه وأتباعه وسلّم تسليماً(١).
[قال أمير المؤمنين عليهالسلام: فجاءهم النبي صلىاللهعليهوآله](٢) بنسخة ما في الصحف الأولىٰ، وتصديق الذي بين يديه، وتفصيل الحلال من ريب الحرام، ذلك القرآن فاستنطقوه ولن ينطق لكم، فيه أنباء ما مضىٰ، وعلم ما يأتي إلىٰ يوم القيامة، وحكم ما بينكم، وبيان ما أصبحتم فيه تختلفون، ولو سألتموني لأخبرتكم عنه لأنّي أعلمكم»(٣).
لكنّ الباعث علىٰ هذا التردّد ـ غير ما سبق؛ لأنّه إن كان عالماً بكون الكلام للمعصوم لما احتاج للاعتذار بما ذكر ـ هو ما خالط الكتاب من كلام غير مسند للإمام عليهالسلام ، وهو من القمّي لا من الإمام عليهالسلام ، لذا تجد الكثير، بل غالب المحدّثين والناقلين عن الكتاب يرسلون الكلام علىٰ أنّه رواية معصومية ويرتّبون عليه أحكاماً شرعية، والحال أنّه من تفسير وتبيين صاحب هذا التفسير المتداول تارة، ومن كلام القمّي تارة أخرىٰ، كما بيّنا ونبيّن في تعداد مواطن التصرّف
__________
(١) جاء في هامش النسخة المحقّقة للبرهان، ط الأعلمي ١ / ٧٨: «هذا كلام السيّد البحراني (رضوان الله عليه)، وبعده مقدّمة عليّ بن إبراهيم رحمهالله في تفسيره ١ / ١. ولم يذكر مصنّف البرهان المقدّمة من أوّلها، بل بدأ بخطبة أمير المؤمنين عليهالسلام من آخرها»، وقد تبيّن لك خطأ هذا الاستظهار؛ إذ ما نقله السيّد هو ما كان في نسخته من التفسير.
(٢) ما بين المعقوفين زيادة من محقّق تفسير البرهان من مقدّمة التفسير المتداول لعلي بن إبراهيم، وليس من الأصل، وهناك اختلاف في بعض ألفاظ هذه المقدّمة عمّا في التفسير المتداول.
(٣) تفسير البرهان ١ / ٧٨.
والزيادة والنقيصة فيه.
والذي يهوّن الخطب، ما ذكره الشيخ المحقّق الطهراني أعلىٰ الله مقامه كما أعلىٰ قدمه في التحقيق، وذكرناه محقّقاً ومسنداً بالأدلّة، أنّ مصنّف هذا التفسير المتداول عمد في الغالب لتمييز الرواية من غيرها، وتمييز الروايات من تفسير القمّي عن روايات تفسير أبي الجارود، ويبقىٰ الأمر لخبرة المطالع في الكتاب في تمييز المواضع المبهمة، وقد يحتاج في كثير منها لمراجعة المصادر الشبيهة أو مختصر ابن العتايقي أو تأويل الآيات ممّا نقل عن نسخة التفسير الأصلية.
والحاصل بعد المراجعة والمقارنة: أنّ نسخته من التفسير هي نفس النسخة المتداولة اليوم، وبها أغلاط في عدد من مواضعها، عدا ما ذكرناه من الاختلاف الناشئ عن تفاوت النسخ في الإتقان والضبط.
(النسخ المتأخّرة عن القرن الثامن المختلفة عن المتداول)
وتفرّدت نسختان علىٰ الأقلّ بنقل ما خالف التفسير المتداول:
١ـ نسخة الشيخ حسن بن سليمان الحلّي في مختصر بصائر الدرجات (ق٩ هـ):
أقدمهما نسخة الشيخ الحسن بن سليمان الحلّي(١) من تلامذة الشهيد الأوّل المتوفّىٰ أوائل القرن التاسع، فإنّه نقل في موضعين من كتابه المجموع الحديثي المسمّىٰ بـ: (مختصر البصائر) ما زاده علىٰ بصائر درجات سعد بن عبد الله الأشعري من نسخة التفسير الواصلة له عن شيخه الشهيد الأوّل قدّس الله أسرارهم، وكانت لديه.
__________
(١) انظر: مختصر بصائر الدرجات: ١٦٥ وما بعدها.
نسخة الحلّي ومقدّمة التفسير:
ونقل قبلها عن نسخة التفسير فقال: «قال علي بن إبراهيم: وحدّثني أبي، عن أحمد بن النضر، عن عمرو بن شمر، قال: ذكر عند أبي جعفر صلوات الله عليه جابر، فقال: (رحم الله جابراً، لقد بلغ من علمه أنّه كان يعرف تأويل هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ﴾، يعني الرجعة). ومثله كثير نذكره في مواضعه»(١)، وهي نصّ عبارة مقدّمة المتداول، وهذا ما يقوّي كون المقدّمة أو بعضها للقمّي نفسه، لكنّه لا ينفي وقوع الاختصار فيها في نسخنا المتداولة، وقد مرّ تأييد أنّ المقدّمة للقمّي، وذكرنا قرائن التصرّف في الكتاب والمقدّمة معاً، مع ما سيمرّ عليك قريباً من غيرها.
موضعان يدلّان علىٰ اختلاف نسخة الحلّي عن النسخة المتداولة:
والذي يدلّ علىٰ تغاير نسخته مع نسخة التفسير المتداول اليوم، ما نقله بتفاوت كثير آخر الكتاب، فقال رحمهالله في الموضع الأوّل: «من تفسير القرآن العزيز تأليف علي بن إبراهيم بن هاشم: وأمّا قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ فإنّه قال الصادق عليهالسلام: إنّ الله تعالىٰ أخذ الميثاق علىٰ الناس لله بالربوبية ولرسوله صلىاللهعليهوآله بالنبوّة ولأمير المؤمنين والأئمّة عليهمالسلام بالإمامة، ثمّ قال: ألست بربّكم ومحمّد نبيّكم وعلي إمامكم والأئمّة الهادون أولياءكم، فقالوا: بلىٰ، منهم إقرار باللسان ومنهم تصديق بالقلب، فقال الله عزّ وجلّ لهم: ﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾، فأصابهم في الذرّ من الحسد ما أصابهم في الدنيا، ومن لم يصدّق في
__________
(١) مختصر بصائر الدرجات: ١٦٧.
الدنيا بالله وبرسوله وبالأئمّة في قلبه وإنّما أقرّ بلسانه إنّه لن يؤمن في الدنيا وبرسوله وبالأئمّة في قلبه وإنّما أقرّ بلسانه، والدليل علىٰ تكذيبهم في الذرّ قول الله عزّ وجلّ لنبيّه صلىاللهعليهوآله: ﴿مَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ﴾ إلّا أنّ الحجّة كانت أعظم عليهم في الذرّ؛ لأنّ الأمر من الله عزّ وجلّ مشافهة»(١).
وهو متفاوت غاية التفاوت مع المتداول، وردت في هذا الأخير مختصرة ومزيداً فيها، قال في المتداول: «وأمّا قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ فإنّه حدّثني أبي، عن النضر ابن سويد، عن يحيىٰ الحلبي عن ابن سنان، قال: قال أبو عبد الله عليهالسلام: أوّل من سبق من الرسل إلىٰ (بلىٰ) محمّد رسول الله صلىاللهعليهوآله وذلك أنّه كان أقرب الخلق إلىٰ الله تبارك وتعالىٰ، وكان بالمكان الذي قال له جبرئيل لمّا أسري به إلىٰ السماء: (تقدّم يا محمّد فقد وطأت موطئاً لم يطأه ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل) ولولا أنّ روحه ونفسه كانت من ذلك المكان لما قدر أن يبلغه، فكان من الله عزّ وجلّ، كما قال الله: ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ﴾ أي: بل أدنىٰ، فلمّا خرج الأمر من الله وقع إلىٰ أوليائه عليهمالسلام ، فقال الصادق عليهالسلام: كان الميثاق مأخوذاً عليهم لله بالربوبية ولرسوله بالنبوّة ولأمير المؤمنين والأئمّة بالإمامة، فقال ألست بربّكم ومحمّد نبيّكم وعلي إمامكم والأئمّة الهادون أئمتكم؟ فقالوا: بلىٰ شهدنا، فقال الله تعالىٰ: ﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي: لئلّا تقولوا يوم القيامة: ﴿إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ فأوّل ما أخذ الله عزّ وجلّ الميثاق علىٰ الأنبياء له بالربوبية وهو قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ﴾ فذكر جملة الأنبياء، ثمّ أبرز أفضلهم بالأسامي، فقال: ومنك
__________
(١) مختصر بصائر الدرجات (ط القديمة): ٢٢٧.
يامحمّد، فقدّم رسول الله صلىاللهعليهوآله لأنّه أفضلهم ومن نوح وإبراهيم وموسىٰ وعيسىٰ ابن مريم، فهؤلاء الخمسة أفضل الأنبياء ورسول الله صلىاللهعليهوآله أفضلهم»(١) الحديث.
وما في البصائر هو الموافق لما في مختصر ابن العتايقي رحمهالله (٢) مع اختصار وعد به في مقدّمة كتابه، وصورته:
وقال في الموضع الثاني بعده: «ومنه: وأمّا قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ فإنّه روىٰ أنّ هذه الواو زايدة في قوله: (ومنك)، وإنّما هو: (منك ومن نوح)؛ لأنّ الله تبارك وتعالىٰ أوّل ما أخذ الميثاق لنفسه علىٰ جميع الخلق أنّه ربّهم وخالقهم، فروي عن العالم عليهالسلام أنّه قال: لمّا قال الله عزّ وجلّ في الذرّ لبني آدم: ألست بربّكم أوّل من أجابه وسبق إلىٰ، بلىٰ رسول الله صلىاللهعليهوآله وهو قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ﴾ فقدّمه كما سبق إلىٰ الإقرار، ثمّ قدّم من سبق بعده فقال: ﴿وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ فقدّم النبي صلىاللهعليهوآله لأنّه
__________
(١) التفسير المتداول لعلي بن إبراهيم ١ / ٢٤٧.
(٢) مخطوط مختصر تفسير القمّي لابن العتايقي، نسخة مجلس الشورىٰ رقم (١٢٢١٦): ٤١.
أفضل هؤلاء الخمسة أولي العزم، وذلك ردّ علىٰ من لم يفضّل النبي صلىاللهعليهوآله علىٰ الأنبياء، ثمّ قدّم بعد هؤلاء الأربعة علىٰ الأنبياء فهم أفضل الأنبياء؛ لأنّه ذكر الأنبياء كلّهم أنّه أخذ عليهم الميثاق في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ﴾ ثمّ أبرز أفضلهم بالأسامي، فقال: ﴿مِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ابْنِ مَرْيَمَ﴾ فلمّا أبرزهم بأسمائهم علمنا أنّهم أفضل الأنبياء. مثل قوله في الملائكة: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ فجبرئيل وميكائيل هم من الملائكة وهم أفضل من الملائكة كلّهم؛ لأنّه سمّاهما.
ومثله في الذنوب في قوله: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾، ثمّ سمّىٰ بعضها، فقال: ﴿وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَىٰ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ فهذه الأمور هي من الفواحش داخلة في جملتها ولكنّها أعظم الفواحش لأنّه ذكرها بأسمائها، والله تعالىٰ أعلم»(١).
ونصّها في المتداول: «وقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ابْنِ مَرْيَمَ﴾ قال: هذه الواو زيادة في قوله: (ومنك) وإنّما هو: (منك ومن نوح) فأخذ الله الميثاق لنفسه علىٰ الأنبياء ثمّ أخذ لنبيّه صلىاللهعليهوآله علىٰ الأنبياء والأئمّة ثمّ أخذ للأنبياء علىٰ رسوله صلىاللهعليهوآله ».
وما في مختصر ابن العتايقي يوافق نقل الحسن بن سليمان الحلّي في مختصر البصائر، وصورته(٢):
__________
(١) مختصر بصائر الدرجات: ٢٢٨.
(٢) مخطوط مختصر القمّي لابن العتايقي (مخطوط الشورىٰ: ١٢٢١٦): ١١٢ من سورة الأحزاب.
٢ـ نسخة السيّد شرف الدين الحسيني الأسترآبادي (ت ٩٦٥هـ) في تأويل الآيات:
واالثانية نسخة فريدة كانت للسيّد شرف الدين الحسيني المتوفّىٰ سنة (٩٦٥هـ) صاحب تأويل الآيات(١)، لم نعثر عليها(٢)، قد تفرّدت بنقل عدد كبير من أخبار تفسير علي بن إبراهيم القمّي، نقل منها السيّد الكثير في كتابه المذكور، منها ما يتّفق مع المتداول، ومنها ما يتفاوت بالزيادة والنقيصة، ومنها ما ليس في المتداول أصلاً.
ومثال الأخير ممّا ليس في المتداول ورواه السيّد الحسيني عن التفسير قوله في تأويل الآيات: «تأويله، ما ذكره علي بن إبراهيم في تفسيره، قال رحمهالله : قوله تعالىٰ: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا﴾ إنّها نزلت في الذين غصبوا حقوق آل محمّد
__________
(١) وهو رحمهالله ممّن اجتمع لديه ما لم يجتمع لغيره، من وفرة النسخ والمؤلّفات، منها نسخة التفسير محلّ البحث، وقسم من تفسير الشيخ محمّد بن العبّاس بن الماهيار (ابن الجحّام)، فنقل منها ما أمكنه وحفظ بذلك أخباراً كثيرة عرض لأصولها الضياع.
(٢) ولو عثر عليها لكانت إحدىٰ نسخ كتاب تفسير القمّي غير المختصرة، وكانت هي المعتمدة.
عليهمالسلام »(١)، وهو الموافق لما في مختصر ابن العتايقي(٢) الآتي.
وليس في المتداول إلّا قوله: «وقوله: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ يعني بعهد من الله وعقد من رسول الله»(٣).
بل إنّ السيّد رحمهالله قد روىٰ في كتابه ما ليس في أيّ نسخة من المتداول وما لم يختَره حتّىٰ العتايقي في مختصره، قال رحمهالله: «قوله تعالىٰ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ تأويله: ما ذكره علي بن إبراهيم رحمهالله في تفسيره، قال: حدّثني أبي، عن النضر بن سويد، عن يحيىٰ الحلبي، عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليهالسلام في قوله: [﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾] قال: طريق الإمامة فاتّبعوه، ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾، أي: طرقاً غيرها، ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾»(٤)، وهذا يدلّ علىٰ أنّ كتاب التفسير لعلي بن إبراهيم كان بحوزته رحمهالله.
٣ـ نسخة الشيخ سليمان الماحوزي (ت ١١٢١هـ):
وقد وقفنا كذلك علىٰ ما يلحق بحكم الأوليين، فيكون نسخة ثالثة للتفسير، وهي نسخة العلّامة الشيخ سليمان الماحوزي (عطّر الله مرقده) يحكيها الشيخ علي في أنوار البدرين(٥) وكذلك المحدّث النوري في خاتمة مستدركه، وفيها نقل لما في
__________
(١) تأويل الآيات ١ / ١٢٢.
(٢) مختصر تفسير القمّي لابن العتايقي (مخطوط): ٦٥.
(٣) التفسير المتداول لعلي بن إبراهيم ١ / ١١٠.
(٤)تأويل الآيات ١/١٦٧.
(٥) أنوار البدرين: ٦٤.
تفسير القمّي ممّا لا أثر له اليوم في المتداول، قال المحدّث النوري رحمهالله عند ترجمة الشيخ ميثم قدسسره : «قد أفرد في شرح حاله بالتأليف المحقّق البحراني الشيخ سليمان وسمّاه: السلافة البهية... ومن غريب ما اتّفق من المنامات في ذلك أنّ بعض المؤمنين من أهل الماحوز ممّن لا سواد له، وهو متمسّك بظاهر الخبر، رأىٰ في المنام أنّ الشيخ كمال الدين مضطجع فوق ساجّة قبره الذي في هلتا، مسجّىٰ بثوب، وقد كشف الثوب عن وجهه قال: فشكوت إليه ما نلقىٰ من الأعراب، فأجابني بقوله تعالىٰ: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ ثمّ سألته عن قوله تعالىٰ: ﴿انْطَلِقُوا إِلَىٰ مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ * انْطَلِقُوا إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ﴾ الآية، فقال: إنّ النواصب ومن يشاكلهم في عقائدهم الفاسدة ينطلقون إلىٰ الرسول صلىاللهعليهوآله وقد كظمهم العطش والحرّ، فيطلبون منه السقيا والاستظلال، فيقول لهم: انطلقوا إلىٰ ما كنتم به تكذّبون ـ يعني عليّاً عليهالسلام ـ فينطلقون إلىٰ علي عليهالسلام فيقول لهم: انطلقوا إلىٰ ظلّ ذي ثلاث شعب، يعني به الثلاثة المتلصصة خذلهم الله، وكان ذلك في سنة (١١٠٢)، ثمّ إنّ الرجل سألني عن هذه الآية، ولم يكن يحضرني ما ورد من أهل البيت عليهمالسلام فيها، فأخبرته بتفاسير، فقال: ألها تفسير غير هذا؟ ففتّشنا تفسير الشيخ الثقة الجليل أبي الحسن علي بن إبراهيم بن هاشم، فوجدت التفسير الذي حكاه عن منامه مرويّاً فيه عنهم عليهمالسلام ، وهو من أغرب المنامات»(١).
ولمّا كان المحدّث النوري يعتقد أنّ التفسير المتداول هو نفس تفسير القمّي بلا تغيير قال: «قلت: الظاهر أنّ قوله: أبي الحسن إلىٰ آخره من سهو قلمه الشريف؛ إذ ليس في تفسير القمّي ما نسبه إليه، ولا نقله أحد عنه، والذي فيه ما
__________
(١) خاتمة المستدرك ٢ / ٤١١.
رواه في ذلك تفسير الثقة محمّد بن العبّاس بن الماهيار، رواه فيه مسنداً عن الصادق عليهالسلام ، علىٰ ما نقله عنه الشيخ شرف الدين في كتاب تأويل الآيات»(١).
وأنت عليم بأنّ الكتاب المتداول للتفسير ما جمع كلّ أخبار أصل تفسير القمّي، وهذا خبر أسقط منه ولم يثبته مؤلّفه فيه، كذا لم يختَره العتايقي في مختصره.
(تفسير القمّي الكبير والصغير)
وقد ادّعىٰ الميرزا محمّد رضا النصيري في كتابه تفسير الأئمّة إلىٰ هداية الأمّة ـ وهو كتاب كبير في مجلّدات كثيرة تبلغ الثلاثين ـ أنّ للقمّي تفسيرين كبير وصغير، وأنّه أودع كتابه تمام أخبار التفسيرين إضافة لتفاسير أخر، وكتابه هذا لا يزال مخطوطاً، وتوجد بعض أجزائه في خزانة مخطوطات مكتبة السيّد المرعشي رحمهالله في قم المقدّسة(٢)، وكذا المكتبة الوطنية والمجلس وسوف نعرض لهما، ووافقه الميرزا النوري في مستدركه(٣)، ونفاه تلميذه الطهراني في ذريعته(٤).
قال المحدّث النوري قدسسره في المستدرك في أبواب القبلة الباب ٢/ ح ٤ نقلاً عن تفسير القمّي المتداول اليوم: «وقال في قوله تعالىٰ: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾، فإنّ هذه الآية متقدّمة علىٰ قوله: ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ وأنّه نزل أوّلاً: ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ ثمّ نزل: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ﴾».
__________
(١) تأويل الآيات ٢ / ٧٥٥.
(٢) انظر: فهرست مخطوطات المرعشي ٣/ ر٨٥٣، و١٢٨٦٧.
(٣) المستدرك ٣ / ١٧٠.
(٤) الذريعة ٢٠ / ١٩١ ر٢٥٢٣.
إلىٰ أن قال: «وتحوّلت القبلة إلىٰ الكعبة، بعدما صلّىٰ النبي صلىاللهعليهوآله ، بمكّة ثلاث عشرة سنة إلىٰ بيت المقدس، وبعد مهاجرته إلىٰ المدينة، صلّىٰ إلىٰ بيت المقدس سبعة أشهر، ثمّ حول الله عزّ وجلّ القبلة إلىٰ البيت الحرام، هكذا فيما عندنا من نسخ التفسير»(١).
ثمّ قال: «قال الشيخ الطبرسي في مجمع البيان: عن البراء بن عازب، قال: صلّيت مع رسول الله صلىاللهعليهوآله ، نحو بيت المقدس ستّة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً، ثمّ صرفنا نحو الكعبة... ورواه علي بن إبراهيم: بإسناده عن الصادق عليهالسلام ، قال: (تحوّلت القبلة إلىٰ الكعبة، بعد ما صلّىٰ النبي صلىاللهعليهوآله بمكّة ثلاثة عشر سنة إلىٰ بيت المقدس، وبعد مهاجرته إلىٰ المدينة، صلّىٰ إلىٰ بيت المقدس سبعة أشهر. قال: ثمّ وجّهه الله إلىٰ الكعبة، وذلك أنّ اليهود وساق كما نقلناه إلىٰ قوله ـ كانوا عليها) والظاهر أنّه أخرجه من غير تفسيره، أو من النسخة الأخرىٰ منه، فإنّ لـ: (تفسيره) نسختين كبيرة وصغيرة(٢)، والله العالم»(٣). انتهىٰ كلامه علا في الخلد مقامه.
وقد تقدّم منّا القول بأنّا وجدنا الرواية في المجمع والمتداول متفاوتة في اللفظ والترتيب، ونقلها ابن العتايقي بتفاوت عن الاثنين إلّا أنّها أقرب للمجمع بتصدير عبارة المجمع وتأخير المتداول للعبارة.
غير أنّ تلميذه الشيخ الطهراني أنكر هذا المعنىٰ فقال في الذريعة عند ذكره لتفسير الأئمّة لهداية الأمّة، للمفسّر والمحدّث النصيري الذي فرغ منه سنة
__________
(١) وهي بعينها في التفسير المتداول لعلي بن إبراهيم.
(٢) وجدت في الفهارس عنوان: (تفسير علي بن إبراهيم الصغير) من طبع دار الكتب الإسلامية (الإيرانية)، لكنّي لم أقف علىٰ نسخته حتّىٰ هذه اللحظة، وأظنّ أنّه أحد المختصرات للتفسير المتداول لعلي بن إبراهيم كما سيمرّ عليك.
(٣) مستدرك الوسائل ٣ / ١٧٠، ب١ من أبواب القبلة ح٤.
(١٠٦٧ هـ): «للمولىٰ المفسّر المحدّث محمّد رضا بن عبد الحسين النصيري الطوسي ساكن إصفهان ومؤلّف كشف الآيات، الذي فرغ منه سنة (١٠٦٧) كما يأتي، وتفسيره هذا كبير يقال إنّه في ثلاثين مجلّداً رأيت مجلّدين منها. أحدهما المجلّد الأوّل وهو مجلّد كبير ضخم بدأ فيه بمقدّمات التفسير فيما يقرب من عشرين فصلاً فيما يتعلّق بالقرآن، ثمّ شرع في تفسير الفاتحة. ثمّ تفسير عدّة آيات من سورة البقرة إلىٰ آخر ﴿وَهُمْ يوْقِنُونَ﴾، أوّله: (أين رتبة الإنسان الذي بُدئ خلقه من طين وأعلىٰ مقام محامد ربّ العالمين وأنّىٰ قدرة المخلوق من سلالة من ماء مهين والعروج علىٰ ذروة وصف من هو فوق وصف الواصفين، كيف نحمده ونحن من الجاهلين). وعلىٰ ظهر هذا المجلّد تملّك ولد المؤلّف بخطّه، كتب أنّه ملكه بالإرث، لكن لم يذكر تاريخه، وتوقيعه: (عبد الله بن محمّد رضا النصيري الطوسي)، وصار هذا المجلّد عند السيّد شبّر بن محمّد بن ثنوان الحويزي النجفي من سنة (١١٦٠) إلىٰ (١١٨٢) كما يظهر من بعض خطوطه عليه في التاريخين، ثمّ انتقل أخيراً إلىٰ العلّامة الشيخ أسد الله الدزفولي الكاظمي صاحب المقابيس، فوقفه وكتب الوقفية عليه بخطّه، رأيته في الكاظمية في مكتبة المرحوم الشيخ محمّد أمين آل الشيخ أسد الله المذكور. وثاني المجلّدين الذين رأيتهما، أيضاً مجلّد ضخم كبير وهو من أوّل سورة التوبة إلىٰ آخر سورة هود رأيته في النجف بمكتبة المرحوم الشيخ محمّد جواد محيي الدين الجامعي، ولا علم لي ببقية مجلّداته غير ما كتبه إلىٰ مولانا الشيخ أبي المجد آقا رضا الإصفهاني من أنّه كان خمسة عشر مجلّداً من هذا الكتاب في المكتبة القزوينية بإصفهان. فأخذ إقبال الدولة ثلاث مجلّدات منها أيّام حكومته بإصفهان ولم يردّها إلىٰ المكتبة، والبقية موجودة فيها، وديدن هذا المفسّر فيما رأيته من أجزاء هذا التفسير علىٰ أن يذكر أوّلاً عدّة آيات مع ترجمتها إلىٰ الفارسية؛ كاتباً للترجمة بالحمرة بين السطور، ثمّ
يشرع في تفسير الآيات علىٰ ما هو المأثور، وترجمة الأحاديث بالفارسية ثمّ تفسيرها بالعربية، ثمّ ذكر ما يتعلّق بتلك الآيات في عدّة فصول؛ منها فصل في فضلها، فصل في خواصّها، فصل في نزولها، إلىٰ غير ذلك، ثمّ يذكر عدّة آيات أخر مع ترجمتها وهكذا، وينقل فيه غالباً عن تفسيري العياشي والبيضاوي، وينقل عن كتاب الاحتجاج، للطبرسي، وعن مكارم الأخلاق، وغيرهما من كتب الحديث، وينقل فيه عن تفسير غياث بن إبراهيم ما رواه هو عن تفسير فرات بن إبراهيم القمّي، وينقل تمام تفسير الإمام العسكري عليهالسلام ، وتمام تفسيري القمّي أصله ومختصره باعتقاده أنّ الأصل والمختصر كلاهما للقمّي، فقال في أوّل المجلّد الأوّل: (إنّي ما تركت من تفسير الإمام العسكري ومن تفسيري أبي الحسن علي ابن إبراهيم بن هاشم القمّي شيئاً لأنّه ذكر في أوّل كتابه الصغير، أنّه مختصر من التفسير المروي عن الأئمّة ممّا ألّفه الشيخ الثقة الصالح أبو الحسن علي بن إبراهيم) فجعل جملة: (ممّا ألّفه)، بياناً للمختصر مع أنّه بيان للتفسير المروي وقد مرّ (في ج١ ص٣٥٥) اختصار تفسير القمّي للكفعمي، ويأتي في الميم مختصر تفسير القمّي أيضاً متعدّداً، ولم ندرِ أنّ أيّ المختصرات كان من مآخذ هذا التفسير، ويأتي أيضاً مختصر تفسير الأئمّة، هذا لمؤلّف أصله وهو فارسي محض في ستّ مجلّدات رأيت بعضه في النجف الأشرف»(١).
وبمراجعة نسخ التفسير وقفنا علىٰ المجلّد الأوّل ـ كما هو مفهرس ـ من مخطوطات مجلس الشورىٰ في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، برقم: (١١٩٥٠)، وهو بخطّ مؤلّفه كما أثبت في أوّله، وصورته:
__________
(١) الذريعة ٤ / ٢٣٦-٢٣٨.
وليس فيها ما نقله الشيخ الطهراني رحمهالله ، ولعلّه قد سبق هذا المجلّد غيره، وفهرس خطأ بأنّه المجلّد الأوّل؛ لكونه يبدأ بتفسير سورة البقرة، وهذا ما نرجّحه
بالنظر لأسلوب المصنّف في جعل المقدّمات الطويلة أوّل السور، ويمكن أن تأخذ مساحة كبيرة لا يبعد أن تستوعب مجلّداً، ويدلّ عليه كلام المحقّق الطهراني في وصفه السابق.
وقال الشخ الطهراني في موضع آخر يعيّن فيه ما نقل منه النصيري الذي حسبه نسخة لتفسير علي بن إبراهيم القمّي: «(٢٥٢٣: مختصر تفسير علي بن إبراهيم) لبعض الأصحاب، ينقل عنه الميرزا محمّد رضا النصيري في تفسير الأئمّة، معتقداً أنّه كأصله للقمّي، حيث قال في أوّل تفسير الأئمّة: إنّي ما تركت من تفسيري أبي الحسن علي بن إبراهيم بن هاشم القمّي شيئاً، لأنّه ذكر في أوّل كتابه الصغير أنّه مختصر من التفسير المروي عن الأئمّة ممّا ألّفه علي بن إبراهيم، فحسب أنّ كلمة (ممّا) بيان للمختصر، يعني أنّ المختصر ممّا ألّفه القمّي، مع أنّه بيان للتفسير المروي المؤلّف للقمّي كما هو ظاهر، فالمختصر هذا تأليف غير القمّي، والله العالم»(١).
وليس في كلامه ـ أي: الطهراني قدسسره ـ دليل نافٍ لاحتمال صحّة مدّعىٰ النصيري.
ولهذا وجب الفحص عن صحّة قول النصيري بمقارنة ما أورده عن التفسيرين وتحصيل شواهد الصحة علىٰ المدّعىٰ.
عرض لموارد نقلها النصيري في تفسيره من التفسير الكبير والصغير:
وقد راجعنا سبع مجلّدات ونسخاً مخطوطة له، نعرض نسختين منها:
أولاهما: مخطوط المكتبة الوطنية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، تحت
__________
(١) الذريعة ٢٠ / ١٩١.
رقم: (٨١٣٩٥٣)، يبدأ بسورة الإسراء وهي سورة بني إسرائيل.
وينقل كثيراً عن تفسيري علي بن إبراهيم كما سمّاهما، ووصفهما بالكبير والصغير.
فمنها: ما في الورقة: (١٠٠) وما بعدها من هذه النسخة، نقل عمّا سمّاه التفسير الكبير لعلي بن إبراهيم القمّي، ثمّ في الورقة: (١٠٦) نقل عن التفسير الصغير، ولنورد صور الصفحات بتمامها زيادة في التحقيق وتسهيلاً للمطالعة والمراجعة حيث لا تتيسّر للكلّ، وهي مرتّبة من الورقة (١٠٠):
ثمّ بدأ في النقل عن التفسير الآخر الذي سمّاه تفسير القمّي الصغير، وهذه صوره مرتّبة من ورقة: (١٠٦).
والثانية: نسخة لأحد مجلّداته الأخر من مجلس الشورىٰ في الجمهورية الإسلامية الإيرانية تحت رقم: (٩١١٢).
قال في صورة الصفحة رقم (٨): «فصل في التفسير والتنزيل: علي بن إبراهيم في تفسيره الكبير في هذه الآية قال: بسم الله الرحمن الرحيم طسم تلك آيات الكتاب المبين، ثمّ خاطب الله نبيّه (ص) فقال نتلوا عليك يا محمّد نبأ
موسىٰ...».
وكلّه موافق لما في المتداول(١)، ولا حاجة لعرض صورته.
ثمّ في صورة الصفحة رقم: (٩) قال: «وفي تفسيره الصغير قال: طسم تلك آيات الكتاب نتلوا عليك يا محمّد من نبأ موسىٰ وفرعون...».
وهذا الأخير متفاوت مع المنقول عن التفسير الكبير ومع ما في المتداول.
وصورة الورقتين أدناه ممّا ذكر فيه نقله عن التفسير الصغير:
__________
(١) التفسير المتداول لعلي بن إبراهيم ٢ / ١٣٤.
وكلاهما ـ مع ما في المتداول ـ متفاوتان مع ما نقله السيّد شرف الدين في تأويل الآيات، قال رحمهالله : «ما ذكره علي بن إبراهيم رحمهالله وهو من محاسن التأويل قال: وروي في الخبر: أنّ الله تبارك وتعالىٰ أحبّ أن يخبر رسول الله صلىاللهعليهوآله بخبر فرعون فقال: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾، ثمّ انقطع خبر موسىٰ، وعطف علىٰ أهل بيت محمّد صلّىٰ الله عليهم، فقال: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَىٰ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾، وإنّما عنىٰ بهم آل محمّد صلوات
الله عليهم، ولو كان عنىٰ فرعون وهامان لقال: (ونري فرعون وهامان وجنودهما ـ منهما ـ ما كانوا يحذرون)، فلمّا قال: (منهم) علمنا أنّه عنىٰ آل محمّد صلىاللهعليهوآله إذا مكّن الله الأرض لهم، وأمّا قوله: ﴿وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا﴾، يعني: الذين غصبوا آل محمّد حقوقهم، وهو مثل قول أمير المؤمنين عليهالسلامفي خطبته يوم بويع له: ألا وقد أهلك الله فرعون وهامان، وخسف بقارون، وإنّما أخبر الله رسوله أنّ ذرّيتك يصيبهم الفتن والشدّة في آخر الزمان من عدوّهم كما أصاب موسىٰ وبني إسرائيل من فرعون. ثمّ يظهر أمرهم علىٰ يدي رجل من أهل بيتك، تكون قصّته كقصّة موسىٰ، ويكون بين الناس ولا يعرف حتّىٰ أذن الله له، وهو قوله تعالىٰ: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾»(١).
والتفاوت والفرق بينه وبين ألفاظ التفسير المتداول كبير، وإن اتّحد المعنىٰ فيهما.
وأمّا مختصر ابن العتايقي فقد اتّحد نقله بما نقله السيّد شرف الدين في تأويل الآيات، وهذه صورته من مخطوط المجلس رقم: (١٢٢١٦)، صورة الصفحات رقم ١٠٠ـ١٠١:
__________
(١) تأويل الآيات ١ / ٤١٤-٤١٥.
(نتيجة المقارنة بين التفسير الصغير والكبير والمتداول)
فالفارق بين الصغير والكبير: أنّ الصغير فيه حذف لإسناد الخبر واختصار بحذف بعض عباراته، مع تصرّف في اللفظ بما هو أخصر منه، ويترجّح لدينا أن تكون من كتب بعض المتأخّرين، الذين اختصروا هذا الكتاب المتداول لعلل شتّىٰ، مرّ عليَّ بعضها زمان متابعة وجمع نسخ التفسير.
وأمّا ما وصفه بالكبير فهو عين المتداول.
ولمّا لم يكن هناك شاهد علىٰ أنّ للقمّي نسخة أخصر من هذه التي بين أيدينا ـ بل قامت الشواهد علىٰ كون المتداول اليوم هو مختصراً عن أصل كبير للتفسير ـ ترجّح ما اختاره المحقّق الخبير الطهراني قدسسره ، وقد مرّ نقل قوله، من أنّ الصغير هو مختصر للتفسير المتداول، وقد دخل الوهم علىٰ النصيري رحمهالله فظنّ أنّه من صنع القمّي نفسه فنسبه إليه.
وللبحث صلة...
التفسير الفقهي المقارن عند السيّد السبزواري
السيّد علي محمود البعّاج
بسم الله الرحمن الرحيم
إنّ التفسير الفقهي وتوضيح الأحكام الشرعية من الكتاب العزيز منهم من أسماه: (أحكام القرآن)؛ ومنهم من قال: (تفسير آيات الأحكام)؛ ومنهم من قال: (فقه القرآن)(١) ،ومهما كانت الأسماء فإنّ تفسير (مواهب الرحمن) للسيّد عبد الأعلى السبزواري يمتاز بمنهجية واسعة شملت فقه القران وأحكامه وغيرها من المعارف، ولذلك حاولنا في هذا البحث تناول هذا التفسير من مختلف جوانبه بما فيها الجانب الفقهي.
المطلب الأوّل
تفسير (مواهب الرحمن)
ينتظم المطلب الأوّل علىٰ ثلاثة عشر مقصداً، فضلا ً عن التقويم وبعض الملحوظات:
*المقصد الأوّل: نظرة عجلى في التفسير:
يندر أن تلحظ فقيهاً أصوليّاً في حوزاتنا العلمية له الباع الطويل في التفسير، أمّا
__________
(١)التفسير المفسّرون ١/١١٥ ؛ التفسير الفقهي بين الإمامية والحنفية:٣٩.
السيّد السبزواري فقد آثر الدرس القرآني وضمّنه خلاصات أفكاره الفلسفيه والفقهية وإضمامات فوّاحة من نورانيّته المباركة، ووقدة نورانية من عرفانيّته، وارتأىٰ البحث المتواضع أنّ ذلك الجهد التفسيري كان بمثابة التأثّر بأستاذه البلاغي النجفي صاحب الآء الرحمن، وكانت انطباعات عديدة حول هذا السِّفرالجليل:
أمتاز المواهب بحسن العرض للمطالب وجودة التبويب للمباحث ووحدة الموضوع وتجانس الأبحاث بينها.
أمّا المنهج العامّ للتفسير من حيث أسلوبه البليغ فهومن السهل الممتنع وذو تراكيب متينة وبلاغة جزلة، وأمّا المنهج الخاصّ الفنّي فقد عقد له الأبحاث التالية:
أوّلاً: البحث القرآني.
ثانياً: البحث الدلالي.
ثالثاً: البحث العقائدي.
رابعاً: البحث الفقهي.
خامساً: البحث العرفاني ـ الأخلاقي.
سادساً: البحث التاريخي، البحث الروائي.
سابعاً: بعض الأبحاث العلمية كالبحث الفلسفي وهكذا.
يتّضح للبحث أنّ مواهب الرحمن من التفاسير الموسوعية وذلك من متبنّيات المفسّر نفسه.
اعتمد السيّد المفسّر في طريقته التفسيرية:
١ـ إيضاح المضمون الأجمالي للنصّ المقدّس.
٢ـ تفكيك المفردات القرآنية.
ولـ: (مواهب الرحمن) قيمة تفسيرية استثنائية، ينظر القرآنيّون والمحدّثون والفقهاء إليها بعمق وإكبار لدقّة مباحثه وتنوّع مطالبه المعرفية والفلسفية والأخلاقية.
أفاد السيّد السبزواري من مصادر تفسيرية قديمة مسبوقة بالتصنيف: العيّاشي، القمّي، الطبرسي، الزمخشري.
تأثّره بالقدامىٰ من المفسّرين، بالطبرسي أكثر من غيره كما ينوّه دائماً بتفسيره ويطلق عليه اختصاراً: (المجمع)، وتأثّره بالمعاصرين من المفسّرين كأستاذه الشيخ البلاغي قدسسره (ت ١٣٥٢هـ) حيث يشير اليه: (قال شيخنا البلاغي) أو يحيل إلىٰ كتبه(١).
يقع التفسير في (١٣) جزءاً منتهياً بسورة الأنعام متضمّناً (٨٤٧) آية.
وأمّا طبعاته:
الطبعة الأولىٰ / في النجف الأشرف.
والطبعة الثانية / في قم المقدّسة.
والطبعة الثالثة / في بيروت.
الطبعة الرابعة / كانت بمطبعة الديواني ببغداد.
الطبعة الخامسة / في دار الكفيل للطباعة والنشر. بإشراف نجله السيّد علي السبزواري.
*المقصد الثاني: التفسير الفقهي عند السيّد السبزواري :
في البحث الفقهي خلال ثنايا التفسير يضمّن السيّد السبزواري وجهات نظره الفقهية ويطرح فيه آراءه الاستدلالية، إنّ التفسير الفقهي المتبنّىٰ من صاحب المواهب هو تفسير (مفاهيمي)(٢) ـ إذا جاز الاصطلاح ـ فهو يعانق
__________
(١) مواهب الرحمن ٧ /١٢٦و ٤/٢٧٠.
(٢) المفهوم: كلّ تصوّر إسلامي يفسّر واقعيّاً كونيّاً أو اجتماعيّاً أو تشريعيّاً، وهي نظرية قائمة في فهم الشريعة ككلّ. ينظر: اقتصادنا: ٣٧٤ـ٣٧٥؛ المدرسة القرآنية: ١٥٩.
مقاصد القرآن العليا، وهو متّجه قرآني أرسىٰ دعائمه السيّد جمال الدين الحسيني المشهور بـ: (الأفغاني) في البدايات التفسيرية له علىٰ صفحات جريدة العروة الوثقىٰ وقد نهج سبيله تلميذه (الشيخ محمّد عبده)، حيث أفاد: إنّ «ذهاب المفسّر إلىٰ فهم المراد من القول وحكمة التشريع في العقائد والأحكام، فالمقصد الحقيقي هو الاهتداء بالأحكام» إنّ ذلك يستدعي التأمّل منّا في نظرية (التفسير المقاصدي) ولعلّ الشهيد الصدر من السبّاقين والدعاة إليها والتنظير لها(١).
وهذا يقودنا إلىٰ دراسة (المعاني الشرعية في مداليل الألفاظ): «فالشرع في مداليل الألفاظ مقدّم علىٰ العرف واللغة لأنّ الحكيم إنّما يخاطب الناس بما يتبادر إلىٰ أفهامهم لا بما هو مسطور في قواميس اللغة فإذا وردت كلمة في آية أو في رواية ووجدنا لمعناها تفسيراً خاصّاً في كتاب الله والسنّة النبوية تحمل الكلمة علىٰ هذا المعنىٰ الخاصّ ويسمّىٰ بالمعنىٰ الشرعي ويُهمل المعنىٰ اللغوي والعرفي»(٢)
*المقصد الثالث: صلة التفسير الفقهي بالتفسير الموضوعي:
إنّ من خصائص المناهج الأثرية التفسيرية الكشف عن مقاصد القرآن. وفي العقود المتأخّرة ظهرت دعوات إلىٰ الاهتمام بـ: (فقه القرآن) باعتباره أحد أوجه التفسير الموضوعي.
والتفسير الموضوعي: «هو جمع الآيات القرآنية المتفرّقة في سور القرآن المتعلّقة بالموضوع لفظاً أو حكماً وتفسيرها حسب المقاصد القرآنية»(٣). وإنّ أوّل من انتهج
__________
(١) لاحظ في ذلك كلّه في: (الإمام محمّد باقر الصدر مفسّراً) ، مقال في مجلّة (قضايا إسلامية) العدد الثاني: ٢٧١-٣٣٤.
(٢) الكاشف ٣ /٢٢٠.
(٣) ينظر: مباحث في التفسير الموضوعي: ١٦، المدرسة القرآنية: ٣٥؛ نفحات القرآن: ٩.
التفسير الموضوعي في أصول العقيدة وفروعها هم الأئمّة من أهل البيت، وهذا مايتّضح من كثرة الآيات القرآنية المستدلّ بها علىٰ موضوع واحد في رواية واحدة(١).
وهناك اتّجاهات ثلاثة في التفسير الفقهي، وهي:
الاتّجاه الأوّل: تفسير الآيات الفقهية حسب ترتيب المصحف الشريف بدون الأخذ بعين الاعتبار (الوحدة الموضوعية) وعلى هذه الطريقة كلّ تفاسير الأحكام عند المذاهب السنّية، إلّا ما خرج عن هذه العمومية نادراً، كتفسير أحكام القرآن للشافعي الذي جمعه البيهقي صاحب السنن، وأمّا حسب ترتيب المصحف: (أحكام القرآن) لأبي بكر الرازي الجصاص الحنفي(٢).
الاتّجاه الثاني: تجمع الآيات في الموضوع (الباب) الواحد وتبحث الواحدة تلو الآخرى، وعادة ما يكون ترتيب هذه الطريقة بترتيب الأبواب الفقهية، أي: بدءاً من كتاب الطهارة وانتهاء بكتاب الحدود والديات، وعلى هذا سار جمع كبير من الفقهاء المفسّرين فمن الإمامية:
أ: الفاضل المقداد السيوري في كنز العرفان في فقه القرآن.
ب: المقدّس الشيخ أحمد الأردبيلي في زبدة البيان في براهين أحكام القرآن.
ج: الفاضل الجواد الكاظمي في مسالك الأفهام.
وأمّا من المذاهب الأخرى: تفسير الشافعي، بجمع البيهقي، ويعبّر عن هذه التفاسير المكتوبة بهذا الاتّجاه بـ: (فقه القرآن)، وهي مصادر فقهية استدلالية إضافة لكونها تفسيرية(٣).
__________
(١)التفسير الفقهي بين الإمامية والحنفية: ٣٦.
(٢) دراسة في التفاسير الفقهية: ٤.
(٣) دراسة في التفاسير الفقهية: ٥؛ التفسير الفقهي بين الإمامية والحنفية: ٣٦.
الاتّجاه الثالث: وهو أشبه بالاتّجاه الثاني ويشترك معه في الروح مع زيادة، وقد سلكه بعض الأعلام في فقه القرآن مؤخّراً(١)، قد ورد أنّه: «تجزئة أبحاث الآية الواحدة على ترتيب الأبواب الفقهية، تحت عناوين متعدّدة، ولا تجمع أبحاثها في مكان واحد، فمثلاً: يستفاد من بحث آية اعتزال النساء في المحيض ثلاثة أحكام، كلّ يبحث تحت عنوان مستقلّ، والأحكام الثلاثة هي:
١ـ حرمة جماع الحائض.
٢ـ حكم وطء المرأة في الدبر.
٣ـ محبوبية الكون على الطهارة.
حيث ورد في ذيل الآية: ﴿فَأْتُوهُنَ مِنْ حَيْثُ أَمَرَکُمُ اللَّهُ إِنَ اللَّهَ يُحِبُ التَّوَّابِينَ وَ يُحِبُ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾، وقد رجّح المعاصرون والمحدثون من المفكّرين والمفسرين والباحثين الاتّجاه الموضوعي، ومنهم:
١ـ عبد الوهاب خلاف(٢).
٢ـ محمّد أمين الخولي(٣).
٣ـ محمّد باقر الإيرواني(٤).
وممّا يجدر ذكره أنّ السمة الغالبة في الأعمّ الأغلب من تفسير المواهب (تجزيئية) فهو تفسير ترتيبي للنصوص القرآنية.
__________
(١) ينظر إجمالاً: دروس في تفسير آيات الأحكام.
(٢) التفسير الفقهي: ٣٨، نقلاً عن أصول الفقه المقارن في ما لا نصّ فيه: ١٧.
(٣) دائرة المعارف الإسلامية، مادّة: (تفسير): ٣٦٨.
(٤) دروس في تفسير آيات الأحكام ١ / ١٢.
*المقصد الرابع: منهجية السيّد السبزواري في فقه القرآن:
الإحالة علىٰ كتبه الأخرىٰ:
لايستبدّ السيّد السبزواري بالمبحث الفقهي، فهو لاينسىٰ وظيفته التفسيرية كونه مفسّراً في مواهبه، ولهذا فهو يحيل الباحث والقارئ بل والدارس إلىٰ كتبه الأخرىٰ مثل مهذب الأحكام، الذي يشير إليه اختصاراً المهذب، ونادراً ما يحيل إلىٰ تهذيب الأصول(١).
نموذج تطبيقي:
في معرض معالجته النصّ القرآني: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً...﴾(٢)، يرصد البحث آلية الإحالة عنده.
الخامس: «الدية في القتل العمدي من مال القاتل نفسه وكذا دية القتل في شبه العمد وأمّا دية القتل في الخطأ فهو علىٰ العاقلة، فيدلّ علىٰ هذا التفصيل الأخبار الكثيرة الواردة عن الأئمّة الهداة كما ذكرنا في كتاب مهذب الأحكام».
الإحالة علىٰ كتب الآخرين:
الإحالة؛ بحدّ ذاتها نعتبرها أسلوباً حداثويّاً دأبت عليه المصنّفات العصرية في أيّامنا هذه ولا يخفىٰ ما فيها من مزايا واختصار، والمفسّر السيّد السبزواري كان ينحو هذا المنحىٰ فإذا استوجب الأمر إيضاحات كثيرة بخصوص (آيات الأحكام) أشار إلىٰ مظانّها الأصيلة. فهو يشير إلىٰ كتب الآخرين لتفصيل ما هو مجمل عنده في المواهب، أو توضيح ما أبهم فيه. وإليك مثال نموذجي من المواهب(٣):
__________
(١) مواهب الرحمن ٩/١٧٤.
(٢) سورة النساء: الآية ٩٢-٩٤.
(٣) مواهب الرحمن ٩/٢١٧.
البحث الفقهي حول آية: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ...﴾(١)، يحصي السيّد إفاداته ومنها: يستفاد من الآية الشريفة استحباب الخروج من أرض يعصىٰ الله فيها ويدلّ عليه قوله تعالىٰ: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ...﴾(٢)، وفي الحديث عن أبي عبد الله: «إذا عصي الله في أرض وأنت فيها فاخرج منها إلىٰ غيرها» المحمول علىٰ الاستحباب، وهل تشمل الآية الكريمة الهجرة من الأرض التي لا يتمكّن فيها من إقامة شعائر الإيمان؟ فيه بحث مذكور في الكتب المفصّلة.
*المقصد الخامس: الإعراض التامّ عن مناقشة المسألة الفقهية:
منهجية متوازنة تتّضح من خلال البحث الفقهي، فهو يتفاعل مع النصّ القرآني هنا بسياقات مختلفة عن بحوثه الأخرىٰ ذلك أنّ التعامل مع (آيات الأحكام) علىٰ عكس الآيات الأخرىٰ ذات طبيعة معّقدة إذ يترتّب الأثر علىٰ معالجتها، فالمعالجة التفسيرية لآيات الأحكام من الصعوبة بمكان، ولكنّ الفقيه السيّد السبزواري تمكّن من إدارة هذه الدراسات بتمكّن وقدرة المجتهد المطلق، وبما أنّ هذه الاعتبارات قد لا تهمّ كثيراً من القارئين، نجد سماحة السيّد يعرض عنها صفحاً، لأنّها تتطلّب استدلالات معمّقة.
*المقصد السادس: الاسترسال في بعض القضايا الفقهية:
لا يميل السيّد السبزواري إلىٰ الإسهاب المملّ في طرح وجهة نظره الفقهية حيال بعض المسائل، فهو يركّز علىٰ الإيجاز غير المخلّ لوضوحها، أو يحيل إلىٰ الكتب الفقهية أو إلىٰ كتابه المهذّب بعد ذلك.
__________
(١) سورة النساء: الآية ٩٥ـ١٠٠.
(٢) سورة العنكبوت: الآية ٥٦.
نموذج تطبيقي
ففي بحثه الفقهي في الآية: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ﴾(١)، بعد ذكر مقدّمات... يقول رحمهالله : «مقتضىٰ قوله تعالىٰ أنّ المناط في الحرمة هو المعارضة مع خلق الله سبحانه وتعالىٰ بإيجاد خلق جديد، فتقتصر الحرمة علىٰ ما كان كذلك، أي: ما يعرض فيه خلق الله عزّ وجلّ، فلا تشمل ما لم يكن كذلك، في الإنسان كان أو في الحيوان أو في النبات، هذا كلّه إن لم يحصل إيذاء أو إسراف وإلّا فالحكم واضح»(٢).
*المقصد السابع: إيضاح بعض المصطلحات الفقهية:
إن رأىٰ السيّد ضرورة للإيفاء بمتطلّبات البحث الفقهي من جميع أبعاده، يُعرّف المصطلحات الفقهية كما في النماذج التطبيقية الآتية:
في سورة النساء: «الوصول إلىٰ حدّ الترخيص وهو: المكان الذي يتوارىٰ عنه جدران بيوت البلد ويخفىٰ عنه أذانه لصدق التلبّس بالسفر عرفاً»(٣).
«(المطلّقات): هو الصنف الخاصّ منهنّ، أي: المدخول بها وغير اليائسة وغيرهما لا تشملهنّ الآية الشريفة»(٤).
*المقصد الثامن: نقل آراء الفقهاء:
في بعض الأحيان يكتفي السيّد المفسّر باستطراد آراء الفقهاء أو الإشارة إلىٰ ذلك وقد رصد البحث كثيراً من هذا:
__________
(١) سورة النساء: الآية ١٢٢.
(٢) مواهب الرحمن ٩/٣٢٨.
(٣) مواهب الرحمن ٨/٢٥٤
(٤) مواهب الرحمن ٤/٢٤؛ منهج السيّد السبزواري: ١٤٦.
نموذج تطبيقي
في بحثه الفقهي حول الآية الكريمة: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾(١). يورد السيّد السبزواري: «استدلّ الفقهاء بقوله تعالىٰ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾، لإثبات الإباحة المطلقة في جميع الأشياء إلّا ما دلّ عليه الدليل بالخصوص علىٰ تحريمه وتمسّكوا بغيره من الآيات المباركة أيضا علىٰ ماسيأتي...»(٢).
*المقصد التاسع: تداخل بحوثه الفقهية مع البحوث الأخرىٰ:
لا يخفىٰ أنّ البحث الروائي مصدر خصيب للبحث الفقهي، فالسنّة المطهّرة ونعني بها السنّة القولية والفعلية والتقريرية للرسول صلىاللهعليهوآله ولآل البيت هي المصدر الثاني من مصادر التشريع، وما اصطلح عليه بـ: (الدليل الفعلي) وتعدّ السنّة شارحة للقرآن لقوله تعالىٰ: ﴿مَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ...﴾، ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾، وهي بذلك تكتسب درجة القوّة والناهضية لأنّها صادرة من الوحي ذاته: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ فغدت السنّة المطهّرة وقبلها الكتاب العزيز خير ما يفسّر القرآن المجيد نفسه، وهو ما عرف بـ: (المنهج الأثري) علىٰ اختلاف في مستوىٰ الدلالة فهي قطعية في تفسير القرآن بالقرآن وهي قطعية أو ظنّية كما هو الحال في الطرق المؤدّية إلىٰ بيان السنّة للأحكام الشرعية(٣).
وكانت الفتاوىٰ الفقهية بعد عصر الغيبة مباشرة عبارة عن روايات فقهية
__________
(١) سورة البقرة: الآية ٢٩.
(٢) مواهب الرحمن ١/١٦٥؛ منهج السبزواري في التفسير رسالة ماجستير: ١٤٤؛ (منهج السيّد عبد الأعلىٰ السبزواري في التفسير) ، مقال في مجلة (قضايا إسلامية) العدد الثاني :٤٨٠-٤٨١.
(٣)( المنهج الأثري في تفسير القرآن الكريم) ، مقال في مجلة (قضايا إسلامية)، العدد الثاني: ٢٨- ٢٩.
أسقطت أسانيدها، وقد قيل في وقتها حديث للفقهاء: إذا أعوزتنا النصوص رجعنا إلىٰ فتاوىٰ ابن بابويه، بل كانت فتاواهم في الغالب نصوص أحاديث مع إسقاط بعض الألفاظ في بعض الحالات(١). إذ قد ألّف الإمامية كتباً فقهية لم تخرج في واقعها عن أن تكون أحاديثاً مبوّبة بحسب أبواب الفقه(٢).
وهنا نبيّن ملمحاً في تداخل البحوث، حيث التشارك في المبحث الفقهي والروائي عند السيّد السبزواري ، والمبحث الفقهي الدلالي، والمبحث الفقهي الأخلاقي العرفاني.
الفقهي ـ الروائي: وكنموذج للبحث الروائي؛ في قوله تعالىٰ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ...﴾، عندما يتطرّق الفقيه المفسّر لبحثه الروائي يورد ما نصّه بعد إيراد رواية من الكافي: «أقول في هذا المضمون روايات كثيرة علىٰ جواز الصلح بظهور علامات الطلاق والفراق وعزم الزوج بذلك باختلاف الدواعي والأسباب، وكلّها في باب التطبيق والجري»(٣).
وفي تعقيبه علىٰ رواية أخرىٰ من الكافي الشريف: «أقول إنّ كلّا ً من النفقه والقسمة واجبان علىٰ الزوج مطلقاً، وإنّ كلّا ً منهما محدّد في الشرع فإذا كان الشرط علىٰ خلاف ذلك يكون فاسداً ـ كما ثبت في محلّه ـ لأنّه إمّا يوجب الضرر أو الحرج أو تغيير ماحدّده الشارع بخلاف ما لو صالحت، من حقّها باختيارها علىٰ شيء كما في ذيل الرواية فلا بأس به»(٤).
الفقهي ـ الدلالي: ربّما يثير السيّد الفقيه إثارات متشابهة فقهية في كلا
__________
(١) الروضة البهية ١ / ٥١.
(٢) أدب المرتضى: ٣٧.
(٣) مواهب الرحمن٩ /٣٩٥.
(٤) المصدر نفسه ٩ /٣٩٥.
المبحثين: الفقهي ـ والدلالي.
نموذج البحث الدلالي: «يدلّ قوله تعالىٰ: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾، علىٰ كمال عطفه وشدّة اهتمامه عزّ وجلّ ببقاء العصمة الأولىٰ، حيث عبّر تعالىٰ: ﴿بِرَدِّهِنَّ﴾ دون غيره، فجعل للزوج حقّ الردّ باعتبار الحالة التي قبل الطلاق فكأنّها لم تقطع، ولا حقّ للمرأة في المعارضة، ولا منافاة في ذلك مع القول بأنّ للزوج حقّاً في المطلّقة، ولسائر الخطّاب حقّ أيضاً، ولكنّ الردّ لا يتحقّق إلّا مع الزوج الأوّل في العدّة» وقد ورد المعنىٰ نفسه في (بحث فقهي) للآية نفسها(١).
الفقهي ـ العرفاني: لقد ذكرنا في بحوث ودراسات أخرىٰ أنّ المنظومة الإسلامية مكوّناتها ثلاث هي:
العقيدة (الفقه الأكبر).
الشريعة: عبادة ومعاملة.
الأخلاق(٢).
ولقد واكبنا السيّد السبزواري سالكاً إلىٰ الله نزّاعاً إلىٰ تهذيب الذات وتقويم الطريقة وتنقية الباطن وتزكية النفس، وقد بصم تفسيره المواهب بهذه المسحة العرفانية وهو ما تجلّىٰ في (بحث عرفاني).
ومن النماذج التطبيقية:
١ـ الصلاة: «الصلاة أهمّ شعيرة من شعائر الإسلام وهي التي توصل العبد بربّه ولمّا كانت الصلاة معراج المؤمن، فلابدّ أن تكون جامعة علىٰ جهات القرب والمحبوبية
__________
(١) مواهب الرحمن ٤ /٣٢؛ منهجية الكليني في الكافي: مقالات مؤتمر الكليني، المجلد الأوّل: ١٠٧.
(٢) منهجية الكليني في الكافي: مقالات مؤتمر الكليني، المجلد الأوّل: ١٠٧.
ومنزّهة عن الجهات المانعة، ومن تلك الجهات المانعة السكر والغفلة والتفكير في الدنيا وحبّها وكلّ ما يشغل القلب بسوىٰ الربّ، فإنّ ذلك كلّه من الجهات المانعة والمبعدة عن ساحة الربّ الرؤوف الرحيم العالم بالأسرار والخفايا»(١).
٢ـ الطلاق: العرفاني الفقيه السيّد السبزواري ، في مفتتح: (بحث عرفاني) حول (آيات الطلاق) ينصّ: «تقدّم بعض ما يرتبط بطلاق الزوج لزوجته وهو أمر مبغوض عند الخالق والمخلوق، وهناك طلاق آخر هو مجموع الكمالات الإنسانية وأهمّ طرق السير والسلوك إلىٰ الله تعالىٰ وتتجلّىٰ أهمّيته في اجتماع (التخلية) من الرذائل و(التحلية) بالفضائل و(التجلية) بصفات الباري عزّ وجلّ فيه، وهو طلاق الدنيا وما سوىٰ الله جلّت عظمته، وهو أيضاً مرّتان: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾»(٢).
*المقصد العاشر: الإفادة من القواعد الفقهية:
القواعد الفقهية: «الأحكام التي تندرج تحت كلّ منهما مجموعة من المسائل الشرعية المتشابهة من أبواب شتّىٰ»(٣).
يشار أنّ سماحة السيّد قد ارتأىٰ للإحاطة التامّة الأسلوب الشمولي حيث يذكر القاعدة الفقهية.
ومن النماذج التطبيقية:
١ـ قاعدة (الصلح جائز بين المسلمين): يستفاد من قوله تعالىٰ: ﴿وَالصُّلْحُ
__________
(١) مواهب الرحمن: ٨ /٢٦٦.
(٢) مواهب الرحمن ٤ /٣٢؛ (منهج السيّد عبد الأعلىٰ السبزواري في التفسير) ، مقال في مجلّة (قضايا إسلامية)، ونفس الكاتب له كتاب بنفس العنوان: (منهج السيّد عبد الأعلىٰ السبزواري في التفسير).
(٣) القواعد و الفوائد: ص١٧، القسم الأوّل.
خَيْرٌ﴾ قاعدة فقهية فيها البركة لعمومها وهي: «جريان الصلح في جميع العقود إلّا ما خرج بالدليل»(١).
٢ـ قاعدة (حرمة الإعانة علىٰ الإثم).
٣ـ قاعدة (الإسلام يجب ماقبله): في تفسيره للنصّ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا﴾(٢)(٣).
*المقصد الحادي عشر: معالجة النصوص غيرالمباشرة من آيات الأحكام:
لقد أحصىٰ الباحثون الأبحاث الفقهية في مواهب الرحمن، فكانت (٦٢) بحثاً، فقد تعرّض لنصوص قرآنية لها علاقة غير مباشرة بـ: (فقه القرآن) نظير ما يأتي:
نماذج تطبيقية:
١ـ في توضيحه الفقهي للآية الكريمة: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللهِ﴾ يذكر سيّدنا المفسّر: «قد استدلّ بالآية الشريفة: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللهِ﴾ علىٰ إباحة الأشياء وحلّيتها وجعلوها أصلاً عبّروا عنه بأصالة الإباحة العقلية والنقلية وقد حرّرنا البحث عنه في كتابنا تهذيب الأصول، فلاوجه للتعرّض هنا بعد ذلك كما استدلّ بها علىٰ أنّ الرزق يطلق علىٰ الحلال فقط؛ لأنّ الأمر يدلّ علىٰ الإباحة في المقام وحيث لايتصوّر الإباحة في الحرام فلا يصدق عليه الرزق»(٤).
٢ـ في بيان الاستدلالات الفقهية فيما يخصّ الآية: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي
__________
(١) مواهب الرحمن ٩ /٤٠١.
(٢) سورة النساء: الآية ١٤٦.
(٣) القواعد والفوائد: ١٧؛ تقديم الروضة البهية ١/١٧٨.
(٤) منهج السيّد السبزواري في التفسير) ، مقال في مجلّة (قضايا إسلامية) العدد الثاني: ٤٨٠.
الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾(١): «استدلّ الفقهاء بقوله تعالىٰ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ لإثبات الإباحة المطلقة في جميع الأشياء إلّا ما دلّ دليل بالخصوص علىٰ تحريمه، وتمسّكوا بغيرها من الآيات المباركة أيضاً ـ علىٰ ما سيأتي ـ بالروايات بل والعقل، وبيّنوا في علم الأصول مايتعلّق بذلك»(٢).
*المقصد الثاني عشر: التفريعات الفقهية والتشقيقات الفتوائية:
يفرّع السيّد السبزواري المفسّر المسألة الفقهية والحكم الشرعي الوارد ضمن نصّ قرآني متعلّق بـ: (فقه القرآن) إلىٰ تفريعات عديدة وتشقيقات كثيرة، خُذ هذه الأمثلة كنموذج:
١ـ في رحاب الآية الكريمة: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً...﴾(٣)، يورد السيّد تفريعاته في (بحث فقهي) ويستفيد من الآيات المباركة الأحكام التالية:
الأوّل: أنّ القتل ينقسم إلىٰ أقسام:
ـ فتارة: القتل العمدي.
ـ وأخرىٰ: القتل الخطائي.
ـ وثالثة: الخطأ الشبيه بالعمد.
الثاني: مقتضىٰ الآيات الشريفة أنّه لا يجوز في الموارد التي تثبت الدية القصاص، وكذا العكس إلّا إذا رضي الطرفان بذلك، فيشمله الأصل والإطلاق والعموم.
الثالث: صريح قوله تعالىٰ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ اعتبار الإيمان بالمعنىٰ الخاصّ
__________
(١) سورة البقرة: الآية ٢٩.
(٢) مواهب الرحمن ١/١٦٥؛ (منهج السيّد عبد الأعلىٰ السبزواري في التفسير) ، مقال في مجلّة (قضايا إسلامية) العدد الثاني: ١٤٤.
(٣) سورة النساء: الآية ٩٢ـ٩٤.
ويكفي الطفل المتولّد من المسلم للإطلاق.
الرابع: لزوم الكفّارة والدية في القتل الخطأ.
الخامس: الدية في القتل العمدي من مال القاتل نفسه.
السادس: المقتول خطأ إن كان من أهل الحرب وهو مؤمن، معاهدين ـ سواء كانوا من أهل الكتاب أم غيرهم ـ لهم عهد، فتجب الكفّارة والدية كما لو قتل في دار الإسلام.
السابع: إنّ الدية لابدّ وأن تؤدّىٰ إلىٰ ورثة المقتول.
الثامن: إنّ الدية حقّ الورثة، فيملكون إسقاطها بالعفو، ولذا حثّ سبحانه وتعالىٰ علىٰ العفو عنها...إلخ(١).
٢ـ وشبيه بما سلف أثناء معالجته للآيات: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ...﴾(٢)(٣).
٣ـ أورد علىٰ آيات الربا وهي (آيات أحكام) اثني عشر تفريعاً، ومنها:
ـ تدلّ الآيات الكريمة علىٰ حرمة الربا.
ـ الربا ممّا اجتمع فيه حقّ الله وحقّ الناس فهو محرّم.
ـ الربا إمّا قرضي أو معاملي.
ـ ظاهر قوله تعالىٰ: ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ سقوط الضمان وهكذا.
ـ إطلاق قوله تعالىٰ: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ يشمل كلّ زيادة ربوية سواء كانت عيناً أم منفعة.
ـ يدلّ قوله تعالىٰ: ﴿مَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ...﴾ علىٰ رفع حكم الربا فيما إذا لم
__________
(١) راجع: مواهب الرحمن ٩/١٧٣ـ١٧٥ (بتصرّف).
(٢) سورة البقرة: الآية ٢٢٨ـ٢٢٩.
(٣) مواهب الرحمن ٤/٢٤ـ٢٥؛ منهج السبزواري في التفسير (رسالة ماجستير): ١٤٥ـ١٤٦.
تبلغه الحجّة الظاهرية... إلخ(١)
*المقصد الثالث عشر: أسلوب العرض:
لقد نأىٰ السيّد السبزواري عن العبارة المغلقة والتركيب المعقّد لما تفرضه المطالب الفقهية، بحيث تحتاج في الكتابة الفقهية التقليدية إلىٰ رؤية تفكيكية، وإنّك لتعجب بعد كلّ هذا كيف أنّ فقيهاً(٢) وسبزواريّاً مولداً وخراسانيّاً نشأة يأتي بهذه المواهب بأحلىٰ صورة وأبهىٰ بيان، بل ويعقد البحوث الأدبية فيها وقد تولّىٰ السيّد السبزواري رسم منهجه بنفسه، وترىٰ هذا المنهج الفقهي في بحوثه كان متّسقاً ومتناغماً مع المنهج الفنّي العامّ في بقية بحوثه التفسيرية.
لاحظ في ذلك مقدّمته: «احترزت عن ذكر العبارات المغلقة والألفاظ الصعبة أو التفصيل الزائد عن الحدّ وحاولت أن أبيّن المعنىٰ بأسهل الألفاظ والكلمات حتّىٰ يعمّ النفع للجميع وتتمّ الحجّة»(٣).
المطلب الثاني
تطبيقات التفسير الفقهي المقارن في مواهب السيّد السبزواري
١ـ عرض السيّد السبزواري إشكالات لغوية (كالدلالات المتضادّة) وانسحاب ذلك علىٰ دلالاتها الشرعية ـ ومنها الدلالة الفقهية، متفاعلاً مع آراء المذاهب الأخرىٰ. وهذا ما نجده في شرحه للآية الكريمة: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ
__________
(١) منهج السيّد السبزواري، مقال في مجلّة (قضايا إسلامية)، العدد الثاني: ٤٧٠ـ٤٧١.
(٢) مواهب الرحمن ١/٧ المقدّمة. ولادته في سبزوار ١٣٢٨هـ، وهجرته إلىٰ النجف ١٣٤٨هـ. ينظر: ألطاف الباري في حياة السيّد السبزواري + (رسالة ماجستير).
(٣) مواهب الرحمن ١ / ٧.
بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ...﴾(١)، وفيها يذكر: «وقروء جمع القرء ويجمع علىٰ الأقراء أيضاً، فعن نبيّنا الأعظم صلىاللهعليهوآله: (اقعدي عن أيّام أقرائك) ومادّة قرء تدلّ علىٰ الجمع والاجتماع ويطلق هذا اللفظ علىٰ نفس الحيض كما مرّ في قول نبيّنا الأعظم صلىاللهعليهوآله كما يطلق علىٰ حالة الانتقال من الحيض إلىٰ الطهر بحسب الوضع كما عن جمع من اللغويّين، ولا يطلق علىٰ نفس الطهر؛ لأنّ المرأة الطاهر التي لا ترىٰ أثر الحيض لا يقال لها ذات قرء فهومن الأضداد»(٢).
بعد ذلك ينتهي الباحث إلىٰ أنّ المقصود منه هو الطهر ويشير إلىٰ بعض آراء العامّة الذاهبة إلىٰ أنّ المقصود منه هو الحيض حيث يعقّب علىٰ القول الأخير: «ولكنّ المناقشة فيه ظاهرة لأنّ اللفظ المشترك إذا وقع في استعمال مقرون بقرينة تدلّ علىٰ إحدىٰ معنييه لا يكون ذلك دليلاً علىٰ أنّه كلّما استعمل فيه هذا المشترك ـ ولو بلا قرينة على التعيين ـ يكون المراد منه ما استعمل فيه مع القرينة، وهو خلاف المحاورات العرفية، ولا يقول به أحد في نظائر المقام، والقرينة في الحديث المروي عن نبيّنا الأعظم صلىاللهعليهوآله في أنّ المراد من الأقراء الحيض ظاهرة، وأمّا قول علي عليهالسلام فهو ـ مضافاً إلىٰ كونه قاصراً سنداً ـ أنّه معارض بغيره ممّا هو أقوىٰ منه من جهات»(٣).
ويختم ذلك بقوله: «والمعنىٰ: أنّ المطلّقات ينتظرن ويمسكن بأنفسهنّ عن قبول الزوج حتّىٰ يرين ثلاثة أطهار»(٤).
__________
(١) سورة البقرة: الآية ٢٢٨ـ٢٢٩.
(٢) مواهب الرحمن ٤/٦ـ٧؛ (منهج السيّد عبد الأعلىٰ السبزواري) ، مقال في مجلّة (قضايا إسلامية)، العدد الثاني:٤٥٩.
(٣) مواهب الرحمن ٤/٧.
(٤) مواهب الرحمن ٤/٧.
٢ـ في ممارسته التفسيرية للنصّ المقدّس: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ حيث يوضّح ذلك: «يدلّ قوله تعالىٰ: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ﴾ بالملازمة علىٰ اعتبار قولهنّ إذا أخبرن ما في أرحامهنّ من الحيض والطهر والحمل.
ولعلّ ما رود في الأحاديث: (إنّ الله فوّض إلىٰ النساء ثلاثة أشياء: الحيض والطهر والحمل) مستفاد من هذه الآية الشريفة، وقد سيق ذلك مساق القاعدة الكلّية، وأجمع الفقهاء علىٰ اعتبار قولهنّ في هذه الثلاثة ما لم يعلم الكذب وهو موافق للقاعدة النظامية المذكورة في الفقه من: أنّ (كلّ من استولىٰ علىٰ شيء فقوله معتبر في ما استولىٰ عليه) ولهذه القاعدة موارد كثيرة في فقه المسلمين»(١).
جاء ذلك في ما طرحه المفسّر في (بحث دلالي). أمّا ما ورد في حقل بحث فقهي، قال: «يدلّ قوله تعالىٰ: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾، علىٰ قبول قولهنّ في إخبارهنّ بما في أرحامهنّ من الحمل والحيض والطهر ولا يختصّ الحكم بخصوص الحمل كما ذكره بعض الفقهاء؛ لأنّ هذا الزجر الشديد يناسب أن يكون علىٰ كتمان الحمل، ولكنّ إطلاق اللفظ يشمل جميع ما ذكر»(٢) وعلىٰ أيّة حال فلا مشاحّة في أمثلة هذا التداخل بين (الدلالي) و(الفقهي).
تعقيب وتقويم:
أ: موافقة تفسيره للقاعدة الكلّية والقاعدة الفقهية من أوجه التقارب في المجالات الفقهية.
ب: استعانته بإجماع الفقهاء، وإطلاق اللفظ هنا دلالة علىٰ عموميّته لجميع
__________
(١) مواهب الرحمن ٤/١٨ـ١٩. (منهج السيّد عبد الأعلىٰ السبزواري) ، مقال في مجلّة (قضايا إسلامية)، العدد الثاني: ٤٧٠و٤٧٦ و٤٧٧.
(٢) مواهب الرحمن ٤/٢٧.
المذاهب.
ج: أبان وأوضح أكثر من ذلك في اصطلاحه (فقه المسلمين).
٣ـ في معالجته التفسيرية لقوله تعالىٰ: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾، أورد: «قد يستدلّ بقوله تعالىٰ علىٰ عدم جواز دخول الكفّار والمشركين في المساجد، بتقريب أنّه إذا استولىٰ عليها المسلمون وحصلت تحت سلطانهم فلا يمكّنون الكافر حينئذٍ من دخولها. والصحيح: أنّ الآية الشريفة وحدها لا تدلّ علىٰ ذلك إلّا بضميمة قوله تعالىٰ: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾، وقول نبيّنا الأعظم: (ألا لا يحجّنّ بعد العامّ مشرك ولا يَطوفَنّ بالبيت عُريان) بعد الإجماع علىٰ عدم الفرق بين المشرك وغيره من الكافرين، وكذا سائر المساجد من هذه الجهة»(١).
٤ـ في تفسيره لقوله تعالىٰ: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾: «الأوّل: جواز صلاة النافلة علىٰ الدابّة أينما توجّهت كما في صحيح حريز عن أبي جعفر عليهالسلام... [ثمّ يستطرد:] وروىٰ مسلم عن ابن عمر: (كان رسول الله صلىاللهعليهوآله يصلّي وهو مقبل من مكّة إلىٰ المدينة علىٰ راحلته حيث كان وجهه)، ورواه في الدرّ المنثور عن جماعة.
الثاني: صحّة صلاة الخوف والتحيّر كما روىٰ زرارة عن الصادق: (لا يدور إلىٰ القبلة) وروىٰ الترمذي عن ابن ربيعة: (كنّا مع النبي صلىاللهعليهوآله في سفر في ليلة مظلمة فلم ندرِ اين القبلة فصلّىٰ كلّ رجل منّا علىٰ حياله، فلمّا أصبحنا ذكرنا ذلك للنبي صلىاللهعليهوآله فنزلت: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾.
الثالث: جواز سجود التلاوة لغير القبلة رواه الصدوق في العلل عن الحلبي عن الصادق عليهالسلام: (يسجدحيث توجّهت الدابّة).
__________
(١) مواهب الرحمن ١/٤٠٣ـ٤٠٤؛ (منهج السيّد عبد الأعلىٰ السبزواري) ، مقال في مجلّة (قضايا إسلامية)، العدد الثاني: ٤٨١ـ٤٨٢.
الرابع: عدم قضاء صلاة الفريضة إذا صلّيت خطأ لغير القبلة، فقد روىٰ في الفقيه عن الصادق...»(١).
إنّ هذا النمط من الاستدلال البيّن والمعزّز بالكتاب الكريم وإردافه بالدليل النقلي المتضمّن مرويّات نبوية أو إمامية من كلا المدرستين، وتعويله علىٰ رواة هم من رموز المذاهب الأخرىٰ وتعقيبها أو توثيقها بمصادر ومراجع المسلمين من غير مذهبه ومجرّد الإشارة إلىٰ السنّة والإجماع والعقل وافية في هذا المقام.
٥ـ وحتّىٰ في البحث الروائي الذي يعدّ من الأبواب الثابته في حقل التفسير عند السيّد السبزواري تتّضح نزعته التقريبية، ومن بعض ذلك: «عن نبيّنا الأعظم صلىاللهعليهوآله فيما رواه الفريقان: (كلّ أمر ذي بالٍ لم يبدء فيه بسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر)»(٢).
ومن نماذجه: تعقيبه علىٰ روايات من الخاصّة والعامّة تشير إلىٰ أنّ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ نزلت في الإمام علي عليهالسلام ، وأنّها متواترة بين المسلمين، ويورد روايتين من بقية المذاهب تشيران إلىٰ شخوص آخرين قائلاً عن الأوّلىٰ: «علىٰ فرض صحّة الرواية لا بأس بكونه من أحد المصاديق ويكون علي عليهالسلام رأس النزول ومنشأه والبقية من باب التطبيق... ويمكن أن يقال بأن يكون للنزول منشأ انبساطي، في هذا السياق اي التطبيق ألّف المفسّر بين الروايات المتواترة بالنسبة إلىٰ نزول الاية (ينفقون اموالهم) وتضاربها مع رواية مضطربة السند بالنحو الذي لحظناه حيث ابدىٰ مهارته في استخلاص قاعدة تطبيقية اسماها (الانبساطية) موضحا ذلك بأنه من الممكن ان يكون
__________
(١) مواهب الرحمن ١/٤٠٤؛ (منهج السيّد عبد الأعلىٰ السبزواري) ، مقال في مجلّة (قضايا إسلامية)، العدد الثاني: ٤٨٢-٤٨٣.
(٢) مواهب الرحمن ١/٢١؛ نقلاً عن: منهج السيّد عبد الأعلىٰ السبزواري، مقال في مجلّة (قضايا إسلامية)، العدد الثاني: ٤٨٦ـ٤٨٨.
للنزول منشأ اولي ثم ينسحب علىٰ آخرين كما هو بالنسبة لنزول الاية الكريمة في الإمام علي وانسحابها علىٰ الآخرين بحسب مراتبهم (فلا منافاة بين هذه الاخبار إذا لوحظ...) يكون بعض افراده هو المنشأ الأوّل وينبسط علىٰ جميع ما يصلح لذلك، فما هو مورد النزول ووجهه في المرتبة الأوّلىٰ هو علي عليهالسلام ، فينطبق علىٰ غيره بحسب المراتب والشأن، إذن لا منافاة بين هذه الاخبار إذا لوحظ النزول بوجه انبساطي كلّي وكان منشأه علياً»(١).
ولا أغالي إن مجّدت المفسّر بأنّه قمّة سامقة في الوسطية وراية عالية في دنيا الاعتدال.
٦ـ ولا يفوت السيّد السبزواري أن يمارس النقد السندي، ففي تعقيبه علىٰ رواية تتحدّث عن مناقشة الإمام الرضا مع المأمون بالنسبة إلىٰ عصمة الأنبياء، عقّب عليها المفسّر السيّد السبزواري : «في سند الحديث علي بن محمّد الجهم، وقد ضعّفه كلّ من تعرّض له فلا اعتبار بمثل هذا الحديث، وسياق المتن يدلّ علىٰ أنّه ليس من الإمام»(٢)
وممّا يلفت النظر ويعزّز الشواهد التقريبية هو تعامله مع مراسيل الطبرسي والعيّاشي والقمّي وحتّىٰ روايات المدرسة الأخرى يمضي بسلام في حقله الروائي المزدحم بالعشرات منها دون أن يطرح أيّ تحفّظ حيالها(٣).
٧ـ الإجماع عند السيّد السبزواري : لقد بيّن فيما مضىٰ أنّ هذا النمط من الاستدلال الفقهي الواضح بالكتاب، وإردافه بالدليل النقلي دون إثقاله بالأدلّة الأصولية والرجالية ومناقشة الآراء: «حتّىٰ في هذا النطاق فإنّ بعض النصوص وظّفت لإثارة النصّ القرآني كرواية حريز وابن ربيعة ومجرّد الإشارة إلىٰ السنّة
__________
(١) منهج السيّد السبزواري في التفسير، مقال في (قضايا إسلامية)، العدد الثاني: ٤٨٦-٤٨٨.
(٢) مواهب الرحمن ١/١٩١. (منهج السيّد عبد الأعلىٰ السبزواري في التفسير)، مقال في مجلّة (قضايا إسلامية)، العدد الثاني: ٤٨٧.
(٣) منهج السيّد السبزواري في التفسير، مقال في مجلّة (قضايا إسلامية)، العدد الثاني: ٤٨٩.
والإجماع والعقل مثل تعقيبه علىٰ آيات الربا بقوله: (تدلّ الآيات الكريمة علىٰ حرمة الربا ويدلّ علىٰ ذلك السنّة الشريفة وإجماع المسلمين ودليل العقل)»(١).
تقويم وملحوظات:
للسيّد السبزواري رأي خاصّ من بين مفسّري الأماميه بخصوص عدد آيات الأحكام ـ من دون تحديد بعدد معيّن من الآيات ـ بما نصّه: «ففي كلّ سورة منه بحار من المعارف، ويتجلّىٰ من كلّ آية منه أنوار من الحقائق، وكيف لا يكون كذلك وقائله لا نهاية لعلمه وكماله، ولا حدّ لعظمته وجلاله. وما حصل من التحديدات إنّما هو من مقتضيات الاستعدادات لا يكون تحديداً فيه»(٢).
وقد أطلقنا علىٰ آلاء الرحمن (تفسير الفقهاء)(٣)، وكما هو واضح أنّ الآلاء هو مجلّدان في التفسير لأستاذه وشيخه محمّد جواد البلاغي، أورد فيه مباحث فقهية وافية وما اتّسم به ذلك التفسير هو منهج (الفقه المقارن).
حذا السيّد السبزواري حذو البلاغي، فجاء (بحث فقهي) من المطالب التخصّصية في مواهب الرحمن، وذلك لعمري هو تأثير الأستاذ في تلميذه وتأثّر التلميذ بشيخه.
لاحَظَنا عدم تخريج المفسّر للنصوص المقدّسة: كتاباً وسنّة واتّضح أنّ الباعث علىٰ ذلك حافظة السيّد المفسّر بحيث أصبحت ملكة راسخة وأصبحت جزءاً من ثقافته(٤).
__________
(١) منهج السيّد السبزواري في التفسير، مقال في مجلّة (قضايا إسلامية)، العدد الثاني: ٤٨٣.
(٢) مواهب الرحمن ١/٦٠.
(٣)(مقاربات في الدرس القرآني عند الشيخ البلاغي) ، مقال في مجلّة تراثنا،العدد ١٣٩: ٨٧.
(٤) أفادنا السيّد علي السبزواري: أنّه كان حافظاً لم تشهد العهود المتأخّرة له نظيراً، فهو يحفظ القرآن الكريم؛ نهج البلاغة؛ وسائل الشيعة، ومطوّلات أخرىٰ: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾.
المصادر
١-أدب المرتضىٰ من سيرته وآثاره: د. عبد الرزاق محيي الدين، بغداد، مطبعة المعارف ط ١، ١٩٥٧ م، العراق.
٢-أصول الفقه المقارن: الشيخ جعفر السبحاني، مؤسّسة الإمام الصادق عليهالسلام ، قم، إيران.
٣-اقتصادنا: السيّد محمّد باقر الصدر، مطبعة النعمان، النجف الأشرف، ١٣٨١هـ، العراق.
٤-ألطاف الباري من نفحات الإمام السيّد السبزواري: السيّد عبد الستّار الحسني، دار القلم، بيروت، لبنان.
٥-الإمام محمّد باقر الصدر مفسراً:صائب عبد الحميد، مقال في مجلة (قضايا إسلامية) ـ العدد الثاني ـ ١٤١٦هـ ـ ١٩٩٥م، قم، إيران.
٦-التفسير الفقهي بين الإمامية والحنفية (مقارنة بين زبدة البيان للأردبيلي وأحكام القرآن للجصّاص): طاهر الغرباوي، نشر: دار المبلّغين، المطبعة: نينوىٰ، الطبعة الأولىٰ، سنة الطبع ١٤٣٨ هـ، قم، ايران.
٧-تفسير الكاشف: الشيخ محمّد جواد مغنية، الطبعة الثانية، بيروت، ١٩٧٨م، لبنان.
٨-التفسيروالمفسّرون: محمّد حسين الذهبي، مكتبة وهبة، القاهرة ١٤٠٩هـ، وطبعة دارالكتب الحديثة، ط ٢ عام ١٩٧٦م، القاهرة، مصر.
٩-دائرة المعارف الإسلامية: حسن الأمين، دار التعارف، بيروت، ٢٠١٥ م، لبنان.
١٠-دراسة في التفاسير الفقهية: السيّد محمّد علي آياذي، مكتب الإعلام الإسلامي، ط١، ايران.
١١-دروس في تفسير آیات الأحكام: الشيخ محمّد باقرالإيرواني، دارالفقه، قم، ط ٣،
١٤٢٨ هـ، ايران.
١٢-الروضة البهيّة في شرح اللمعة الدمشقية: زين الدين الجبعي العاملي (الشهيد الثاني)، منشورات جامعة النجف الدينية، ط ١، ١٣٨٦ هـ، العراق.
١٣-القواعد والفوائد: محمّد بن مكّي العاملي (الشهيد الأوّل)، تحقيق: د. السيّد عبد الهادي الحكيم، مطبعة الآداب، النجف الأشرف، ١٩٨٠ م، العراق.
١٤-مباحث في التفسير الموضوعي: مصطفىٰ مسلم، دمشق، دار القلم، ط ١، عام ١٤١٠ هـ ١٩٨٩ م، سورية.
١٥-المدرسة القرآنیة: السيّد محمّد باقر الصدر، دار التعارف، بيروت، ١٤٠٩ هـ، لبنان.
١٦-مقاربات في الدرس القرآني عند الشيخ البلاغي: علي محمود البعّاج، مقال في مجلّة تراثنا، مؤسّسة آل البیت عليهمالسلام، العدد ١٣٩، ١٤٤٠ هـ، قم، ايران.
١٧-المنهج الأثري في تفسير القرآن الکریم: هدىٰ جاسم أبو طبرة، مقال في مجلّة (قضايا إسلامية)، العدد الثاني ١٤١٦هـ ـ ١٩٩٥م، ايران.
١٨-منهج السبزواري في التفسير: فضيلة فرهود، رسالة جامعية (ماجيستير)، كلّية الفقه ـ جامعة الكوفة، العراق، غير منشورة.
١٩-منهج السيّد عبد الأعلى السبزواري في التفسير: د. عبد الرؤوف عبد الغفور، مقال في مجلّة (قضايا إسلامية) العدد الثاني ١٤١٦ هـ ١٩٩٥ م، إيران.
٢٠-منهجية الكليني في الكافي: علي محمود البعّاج، المؤتمر العالمي لتكريم ثقة الإسلام الكليني، دار الحديث، المجلّد الأوّل، ١٤٢٩ هـ، قم، ايران.
٢١-مواهب الرحمن في تفسير القرآن: السيّد عبد الأعلىٰ الموسوي السبزواري، دارالكفيل للطباعة والنشروالتوزيع، العتبة العبّاسية، ط ٥، سنة ٢٠١٨ م، ١٤٣٩ هـ، كربلاء، العراق.
٢٢-نفحات القرآن: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي، نشر: مؤسّسه أبي صالح للنشر والثقافة، إيران.
منهج التقريظ عند الأحسائيّين
الشيخ محمّد علي الحرز
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدّمة:
يعدّ التقريظ من الفنون الجميلة التي تجسّد أحد أبعاد الحراك العلمي والتواصل بين العلماء في التاريخ، فهي تعطي صورة من أنماط تكاتفهم بعضهم البعض، والتشجيع للقفز خطوات كبيرة نحو الأمام، إلّا أنّه مع الأسف رغم أهمّيته فإنّ المصادر التي تناولته كبحث مستقلّ محدودة وقليلة جدّاً، ممّا صعّب من إمكانيّات البحث والتتبّع، وحتّىٰ طريقة العرض والدراسة، ناهيك أنّ التقريظ لا يؤخذ بالعناية في التحقيق إلّا نادراً، لعدم صلته بموضوع التحقيق، ولا تجد منه إلّا شذرات في بطون الكتب متناثرة هنا وهناك، وخاصّة المخطوطة وليس المطبوعة، ممّا زاد من صعوبة البحث، وذلك أنّ الكتاب المخطوط محاط الوصول له ـ غالباً ـ بمجموعة من العقبات ليس هنا محلّ ذكرها.
وقد حاولت خلال السطور القادمة أن أستعرض التقريظ الأحسائي بما استطعت من قدرة لإعطاء تصوّر للقارئ الكريم عن ولوج الأحسائيّين هذا الفنّ الشيّق والممتع، راجياً من الله التوفيق في ذلك.
ولا أنسىٰ هنا تقديم الشكر لكلّ من ساهم معي في جمع المصادر وخاصّة المؤرّخ
الأستاذ أحمد عبد المحسن البدر، والمحقّق الأستاذ حيدر عبد الرضا الحرز، وكذلك لا أنسىٰ أصحاب الفضل أسرة تحرير مجلّة تراثنا الذين وجدت منه الدعم والتشجيع الدائم، وأخصّ منهم بالشكر سماحة الشيخ العزيز نصير الدين كاشف الغطاء، راجياً لهم الموفّقية.
التقريظ في اللغة والاصطلاح:
يكتب تقريظ، وأيضاً في المصادر: تقريض، يقال: مصدر قَرَّظَ، قريظُ أَميرٍ: مَدْحُهُ، وتَقْريظُ كِتابٍ: وَصْفُ مَحاسِنِهِ وَمَزاياهُ، ونقول: قَرَّظَ فلانًا: مَدَحه وأَثَنَىٰ عليه، وفي القاموس المحيط: تَقْريظ: مَدْحُ الإِنسانِ وهو حَيٌّ بِحَقٍّ أو باطِلٍ.
ـ هما يَتَقَارظانِ المَدْحَ: يَمْدَحُ كلٌّ صاحِبَه. قال ابن الرومي:
|
تغنون عن كلِّ تقريظٍ بفضلكُم |
|
غنىٰ الظباء عن التكحيل بالكَحَل |
أمّا تَقريض: فمصدرها، قَرَّضَ يقال: قَرَّضَ الأَمِيرَ: مَدَحَهُ أَوْ ذَمَّهُ. ويقال: تَقَارَضَ الْجَارَانِ الثَّنَاءَ: أَثْنَىٰ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَىٰ الآخَرِ، وكذلك: تقارَضَ الناسُ الثَّناءَ(١).
ومن خلال هذا الاستعراض اللغوي السريع يظهر أنّ استخدام التقريض والتقْريظ في بعض استخداماتها متشابه وتؤدّي نفس المعنىٰ، إلّا أنّ التقْريظ أكثر وضوحاً وجلاء في المعنىٰ، وأكثر استخداماً من الأخرىٰ في المعاجم اللغوية.
وهو نفس المعنىٰ الاصطلاحي للكلمة، عند قولهم كتب تقريظاً: أي مدحه ووصف مزاياه، وهي غالباً تكتب للحي، لتشجيع الناس وحثّهم بالإقبال علىٰ الكتابة، فهي بمثابة شهادة وإقرار بجودة ما فيه عند المقرظ.
والتقريظ إمّا يكون نثراً بكلمات الثناء والمدح، وإمّا أن يكون شعراً بأبيات تحمل كلمات الحبّ والودّ والثناء.
__________
(١) لسان العرب ٧/٤٥٥.
التقريظ عند الأحسائيّين:
التقريظ أحد الفنون التي كتبها الأحسائيّون علىٰ الكتب شعراً ونثراً، نستعرض بعض الكتب التي قرّظها أعلام أحسائيّون، كنماذج عن فنّ التقريظ لدىٰ الأحسائيّين، وقد تمّ تقسيمها إلىٰ أنواع.
وسوف نتناولها كلّ واحدة علىٰ حدة مستعرضين أمثلة كلّ نموذج من هذه الثلاثة من خلال التراث الأحسائي.
ثمّ نستعرض مجموعة من الأهداف البارزة والخفيّة التي حملها المقرّظ وأراد إيصالها لدىٰ القارئ، بعدها نتناول نقطة مهمّة مرتبطة بالتقريظ وهي: عناصر التقريظ عند الأحسائيّين، ونتناول فيها السمات التي يستعرضها صاحب التقريظ في عملية التشييد بما كتبه المقرّظ له، وهي تجسّد المنهج الذي اتّبعه الأحسائيّون أثناء كتابة التقريظ وهي من النقاط المهمّة في معرفة المسلك الذي اتّبعه الأحسائيّون فيه.
أشكال التقريظ عند الأحسائيّين:
اتّبع الأحسائيّون في التقريظ عدّة طرق يمكن استعراضها من خلال التالي:
التقريظ الشعري:
ونعني به التقريظ الذي كتب على هيئة أبيات شعرية.
وتختلف شخصيّة المقرَّظ له فقد يكون أستاذاً أو تلميذاً، أو من الأصدقاء أوأصحاب المكانة الاجتماعية والدينية المعروفة في المجتمع، ومن نماذجه ما يلي:
ما كتبه الشيخ محمّد علي البغلي الأحسائي من التقريظ الشعري علىٰ أرجوزة الشيخ عبد الله الحويزي المسمّاة بـ: (الكوكب الدرّي)، قال فيها(١):
__________
(١) مجلّة تراثنا: العدد ٨ / ٢٢٢؛ ديوان البغلي: ١١١.
|
لقد جلّ هذا النظم عن صفة الشعر |
|
ولكنّه الحلو الحلال من السحرِ |
|
فلله درّ الشيخ حيث أتىٰ بها |
|
وأبرزها من قالب النّظم من نثرِ |
|
أتانا بها أرجوزة عربية |
|
مهّذبة الأخلاق طيّبة النشرِ |
|
مطالعها شبه الدراري ثواقباً |
|
تجلّ عن التشبيه والوصف بالدرِّ |
|
إذا كتبت بالحبر أشرق نورها |
|
عليه فأضحىٰ وهو أسنىٰ من التّبرِ |
|
وإن طرقت سمع اللبيب رأيته |
|
يميل كما مال النزيف من الخمر |
|
يقولون صِفها فأنت بوصفها |
|
خبير وما من وصفها لك من عذر |
|
فقلت هي الشمس المنيرة أشرقت |
|
علىٰ الليل حتّىٰ فرّ من طلعة الفجر |
|
تري (زبدة)(١) الشيخ البهائي بعدها |
|
تفوق علىٰ كتب الأصول مدىٰ الدهر |
__________
(١) زبدة الأصول للشيخ الفقيه محمّد بن الحسين العاملي، الشيخ البهائي (٩٥٣-١٠٣٠هـ).
|
لقد ألهبت عقلاً من النظم كاملاً |
|
بهيّاً وكانت قبلُ عاطلة النحر |
|
وإن جاءنا بالمعجزات أخو الحجىٰ |
|
فما يصدر الأعجاز إلّا من الصدر |
|
فيا ربّ زده في العلوم بصيرة |
|
وضاعف له فيما كتبت من الأجر |
|
وألحقه في الإسلام في كلّ حلبة |
|
من السبق يا مولاي وأشدد به أزري |
|
فلا زال عبد الله شيخاً مهذّباً |
|
وهمّته تعلو علىٰ هامة النسر |
|
ولا زال شمساً يستضاء بنوره |
|
وبدر علا يجلي به حندس الفكر |
|
ولا برحت أرض العراق بذكره |
|
معطّرة الآفاق باسمة الثغر |
كتب الشيخ عبد الله بن علي بن عبد الله الوايل الأحسائي الصائغ (حدود ١٣٠٠هـ)، قصيدة في تقريظه علىٰ كتاب للشيخ عبد علي بن الشيخ خلف آل عصفور (ت ١٣٠٣هـ)، وشجّر أوائل الأبيات باسم الكتاب وأواخرها باسمه من أسفلها إلىٰ أعلاها و اسم الكتاب من أوّلها إلىٰ آخرها(١):
__________
(١) ديوان الوايل المسمّىٰ بـ: (الدرر الفاخرة في مدح ورثاء العترة الطاهرة) ١/٤٥٥.
|
ألقت إليك قيادها الأحكام |
|
ياعالماً خضعت له الأعلام |
|
زنت الطروس بنثر درُّ مباحث |
|
للدين والدنيا ضيا ونظام |
|
هبةٌ أتتك من الإله سنيّةٌ |
|
عن نيلها كم زلَّت الأقدام |
|
ألفاك ربّك أهلها فحباك ما |
|
دانت له العظماء والأعظام |
|
رُبّيت في حجر الفضائل والتقى |
|
بمهود عزّ زانها الأكرام |
|
أصبحت فيها واحد الدهر الذي |
|
عن مثله أمُّ العلاء عقام |
|
لعُلاك طأطأت الشراف رؤوسها |
|
خجلاً فأنت هُمامُها المِقدَام |
|
أظهرت من علم الشريعة غامضاً |
|
يُنبي بأنّك للعلوم إمام |
|
ونقيّة من كلّ عيب فهو ذا |
|
شرقاً وغرباً نورها بسّام |
|
ظهرت علومك في البلاد فما بقي |
|
لضيائهن من الضلال ظَلام |
|
أظمت قلوب حواسديك مثلما |
|
أروي بسلسل ربّها الإسلام |
|
رُقّت معانيها فكفّ صوابها |
|
ينضیٰ به للحاسدين حسام |
|
وبدت علىٰ الإرقام وهي حوالك |
|
لكن أضاء بنورها الإرقام |
|
ثمر المعارف من جناها يانعٌ |
|
جنياً به تتنافس الأفهام |
|
ملؤُ المسامِع والقلوب لأنّها |
|
لذوي الهداية في الوجود قوام |
|
أخذت بأطراف الفخار کما بها |
|
ألقيٰ إليك من العلوم زمام |
|
رشقت شياطين العناد بأسهم |
|
منها لها صرف الحمام زوام |
|
أنّىٰ تلمّ بهنّ وهي ثواقبٌ |
|
لرجومها وبها لها الإعدام |
|
لا سِيم بالنقصان بدر كمَالها |
|
عمر المدىٰ وبدالة الإتمام |
|
العالمُ العَلمُ الأديب ومن له |
|
للمعتفين القصد والإلمام |
|
فكّاك أعناق القضا إن أُرتجت |
|
أبوابها يوماً ولدّ خِصام |
|
كهف اللهيف وكنز جمّ فضائل |
|
رفعت لها فوق السها أعلام |
|
أنشي له هذا الكتاب فأرّخوا |
|
(درّ نضيد بالجلال يسام) |
|
رُح أيّها العلم الخطير مؤيّداً |
|
بالنصر قد تعمت بك الأحكام |
الأديب النحوي اللغوي الشيخ عبد الوهّاب بن أحمد المشاري المالكي الأحسائي الأصل، الهندي مسكناً ومدفناً. كان مقيماً في بمبي وقد أثري فيها ثروة طائلة. وهو شاعر مُجيد، فمن شعره قوله، مقرّضاً به ومؤرّخاً کتاب التبصرة للشيخ أبي بكر بن محمّد بن عمر الملّا الحنفي الأحسائي (١١٩٨ـ١٢٧٠هـ)(١):
|
ذكر الحمىٰ فجرت مدامعه دماً |
|
حتّىٰ همي يا سعد ما وبل السما |
|
وأثرتم يا صادحات الورق لي |
|
شوقاً مقيماً في الحشا قد خيَّما |
|
وأطلتم هجري فهلّا رحمة |
|
يا ساكني دار الحطيم وزمزما |
__________
(١) منتظم الدرّين في تراجم علماء وأدباء الأحساء والقطيف والبحرين ٣/٢٤.
|
بالله رقّوا وابعثوا لي في الكرىٰ |
|
أشباحكم في جنـــح ليــل أظلـمـا |
|
واملوا به تلخيص من شهدت له |
|
أعداؤه بالفضل إذ يتقدّما |
|
لله درُّ مؤلّفٍ وملخّص |
|
ومنمّق ومقرّضٍ إذ ترجما |
|
وعلىٰ المشفّع قلت في تاريخه |
|
(أزكىٰ السلام بضوء ما ودق همی) |
|
|
١٣٠٥هـ |
وأيضاً ما كتبه الشيخ محمّد بن الشيخ حسين الصحّاف، الذي هاجر إلىٰ الكويت مع عائلته وبعض أبناء عمومته، فأقام بها وشيّد المسجد المعروف الآن باسم: (مسجد الشيخ محمّد الصحّاف) وكان للصحّاف دور كبير في الترويج للشيخ محمّد حسين والدعوة لمرجعيّتة، وعندما صنّف الشيخ محمّد حسين أبو خمسين رسالته العملية نخبة الأبرار، ووصلت نسخة منها إلىٰ الكويت، تفجّرت قريحة الشيخ محمّد الصحّاف ابتهاجاً بها وأنشأ القصيدة التالية مقرّظاً(١):
|
صدرتْ رسالةُ نخبة الأبرار |
|
تزهو بنشـرِ العلمِ في الأقطارِ |
|
وردَتْ ففاحَ علىٰ البرايا نشـرُها |
|
بشذا نسيمِ أريجِها المعطارِ |
|
نُشرتْ علىٰ ورق النَّضارِ فأسفرَتْ |
|
بتبلُّجٍ كالصبحِ في الإِسفارِ |
__________
(١) الشيخ باقر أبو خمسين علم وعطاء وأدب: ٣٣.
|
ياحيِّ طلعـتَها البهيَّـة إذ بدتْ |
|
مثلَ الشموسِ وزينةَ الأقمارِ |
|
بزغتْ علىٰ فلكِ القلوبِ فأبصـرتْ |
|
منها القلوبُ مطالعَ الأنوارِ |
|
قد أبهرتْ أهلَ الحجىٰ بجواهرٍ |
|
رُقمتْ بهِ من بحرِهِ التيّارِ |
|
هي شمسُ فضلٍ أجلبتْ في أرضِنا |
|
أرضِ القوابلِ باكرَ الأثمارِ |
|
طالت بيمنىٰ اليمن والبشـرىٰ على |
|
هامِ السماكِ وكوكبِ الدوّارِ |
|
نِعمَ الوسيلةُ في مراقي معالمِ |
|
الأحكامِ من علاّمة الأسرارِ |
|
العالمِ العلامِ شيخِ الملّة |
|
الشَّهْبا مقيمِ شريعةِ الأطهارِ |
إلىٰ أن يقول فيها:
|
لو هامتْ الأوهامُ حولَ جلالِـهِ |
|
لم يُدرِكوا مِنهُ سوىٰ الآثارِ |
|
ياغايةَ السؤلِ بلْ يامُنتهىٰ |
|
الآمالِ في الإيرادِ والإصدارِ |
|
فإليكَ مـنّي ياسميَّ المصطفىٰ |
|
عُذراً تهادىٰ في بُرودِ وقارِ |
|
فاعطف علينا بالقبولِ بفضلِكم |
|
يامعدنَ الإفضالِ والإيثارِ |
التقريظ النثري:
شكل من أشكال التقريظ يعتمد علىٰ الكلام المنثور والذي هو أشبه بالمقدّمة في المنهج المتّبع اليوم، يبيّن فيه محاسن الكتاب أو الرسالة التي تمّ التقريظ لها وأبعاد القوّة فيها، ومن نماذج هذا التقريظ ما يلي:
١ـ مشجرة الأنساب نقلاً عن بحر الأنساب (أنساب)
تأليف: مجهول
وهو أقدم تقريظ أحسائي عرفناه، يعود تاريخه إلىٰ القرن التاسع الهجري،
وهو ما كتبه الشيخ محمّد بن علي بن أبي جمهور الأحسائي (بعد سنة ٩٠٦هـ)، يقول الشيخ آقا بزرك الطهراني: «أنّه رأىٰ مخطوطة نفيسة جدّاً، التحرير (شهر شعبان ٦٠٧هـ) وفي أوّل النسخة تقريظ مبسوط حُكّ منه السطر الأخير الذي فيه توقيع المقرّظ وتاريخه، وفي ذيل هذا التقريظ: قرَّظه الشيخ محمّد بن علي بن إبراهيم بن أبي جمهور الأحسائي بما فيه إطراء الكتاب والحُكم بصحّته، وجواز الأخذ منه والجزم باعتباره الحاصل له من مطالعة الكتاب من أوّله إلىٰ آخره، وكتب جميع ذلك بخطّه في المشهد الرضوي في (٩ ربيع الأوّل ٨٩٥ هـ)»(١).
٢ـ كشف الالتباس عن موجز أبي العبّاس
تأليف: الشيخ مفلح بن حسن بن راشد الصيمري (ت ٩٠٠هـ).
أوّله: «الله أحمد علىٰ سوابغ أنعامه وترادف آلائه وإكرامه وتتابع فضله ودوامه وأشكره علىٰ حالتي عفوه وانتقامه».
نسخها الشيخ إبراهيم بن محمّد بن مسلم بن محمّد بن الحسن البحراني في (٢٧ جمادىٰ الآخر ١٠٥٩هـ)(٢).
علىٰ النسخة عدد من التقاريظ منها للمؤلّف، وابنه الشيخ حسين والشيخ ناصر السماهيجي، ومنها ما كتبه الشيخ محمّد بن أحمد الأحسائي، وهو عبارة عن أبيات شعرية في مدح الكتاب وأهمّيته(٣).
__________
(١) فهرس مصنّفات الشيخ محمّد بن علي بن أبي جمهور الأحسائي، كشف ببليوغرافي لمصنّفات ابن أبي جمهور المخطوطة والمطبوعة وإجازاته في الرواية وطرقه في الحديث: ٢٦٤.
(٢) التراث العربي المخطوط في مكتبات إيران العامّة ١٠ / ٢٧٩ .
(٣) الفهرس الموحّد للمخطوطات الإيرانية (فنخا) ٢٦ / ٢٥٤، ٢٥٥؛ التراث العربي المخطوط في مكتبات إيران العامّة ١٠ / ٢٧٩.
[مكتبة آية الله المرعشي النجفي، رقم المخطوط: ١/١٠٣٣٢]
٣- مجموع فقهي(ثلاث رسائل) وهي: (فقه)
أ: أحكام نكاح من فقد زوجها في السفر والحضر: شرع فيه مصنّفه في (أوّل صفر سنة ١١٦٥هـ) وفرغ منه (آخر شهر صفر سنة ١١٦٥هـ).
ب: جواز العزل عن المرأة الحرّة الدائمة: وقد فرغ منه مصنّفه أيضاً سنة (١١٦٥هـ).
ج: الرسالة الحينية المفيدة للناظرين في حكم الصوم المنذور المقيّد بالسفر للمسافرين: وهو كذلك فرغ منها سنة (١١٦٥هـ).
تأليف: الشيخ عبد النبي بن محمّد مفيد الشيرازي (ت ١١٩١هـ).
وقد كتب التقريظ الشيخ علي بن حسين الحرز الأحسائي (كان حيّاً سنة ١١٥٦هـ)، علىٰ مجموع خطّي يضمّ ثلاث مخطوطات فقهية(١).
يوجد علىٰ النسخة تقريظ وحواشٍ من الشيخ علي بن حسين بن حرز الأحسائي، مذيّلة بكلمة: «منه أيّده الله» وذلك سنة (١١٦٥هـ)(٢).
٤ـ التكملة في شرح التبصرة (فقه)
الشيخ محمّد جعفر بن محمّد علي بن الوحيد البهبهاني (١١٧٨ـ١٢٥٩هـ)(٣).
__________
(١) مجلّة نسخة بزوهى: العدد ٣، مقال: فهرست مجموع خطّي كتابخانة علّامه طباطبايي دانشكاه شيراز، الكاتب: محمّد بركت: ٧٥ .
(٢) مجلّة نسخة بزوهى: ٧٥ .
(٣) الشيخ محمّد جعفر بن محمّد علي بن الوحيد البهبهاني (١١٧٨ هـ - ١٢٥٩ هـ). من الأعلام الفقهاء وهو حفيد المجدّد الأصولي الوحيد البهبهاني، وله العديد من المؤلّفات في الفقه والعلوم الحوزوية المختلفة، وقد احترق الكثير منها في الحريق الذي حصل في مكتبة حفيده إمام الجمعة أبي علي في كرمانشاه في شوّال سنة ١٣٥٢ هـ.
شرح مزجي علیٰ کتاب التبصرة الأصل للعلّامة الحلّي، والشرح للملّا محمّد جعفر البهبهاني.
أوله: «الحمد لله القدير الذي هو لكلّ شيء فعّال، والجواد الذي لا لديه الآمال... فيقول العبد الجاني محمّد جعفر بن محمّد علي بن محمّد باقر الحائري مولداً، الإصفهاني نسباً، البهبهاني شهرةً...».
قيد تملّك للشيخ أحمد بن محمّد الدمستاني، في (٩ شوّال ١٢٤٨هـ) ونصّه: «قد انتقل هذا الكتاب بالبيع الصحيح الشرعي إلىٰ نوبة العبد الجاني أحمد بن محمّد بن أحمد الدمستاني البحراني، وكان شراؤها في النجف الأشرف تاريخ تاسع من شهر شوّال سنة ١٢٤٨، الألف والمائتين والثامنة والأربعين من الهجرة النبوية علىٰ مهاجرها أفضل التحية والله الموفّق والمعين».
علىٰ النسخة قيد تملّك للشيخ محسن المنصوري الجزائري في (٢٧ ذو القعدة سنة ١٢٤٨هـ) ونصّ التملّك: «قد انتقل بالبيع الصحيح الشرعي إلىٰ نوبة العبد الجاني الفاني محسن ابن الشيخ محمّد ابن حاجي حسين بن عبد الله بن حسين بن عبد الله بن جبران بن سالم بن برزم بن شيبه المنصوري الجزائري أصلاً ونسباً والنجفي مسكناً ومدفناً، فقد اشتريته قبل دخول السنة التاسعة بثلاثة أيّام من العشرة الخامسة في المائة الثالثة من الألف الثاني من الهجرة»، وختمه بيضاوي: (محسن بن محمّد).
كتب الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي تقريظاً علىٰ أوّل النسخة، وذلك في سنة (١٢٣٥هـ) والشيخ البهبهاني من علماء مدينة كرمانشاه:
ونصّه: «بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رافع درجات العلماء ومفضل مدادهم علیٰ دماء الشهداء وصلّیٰ الله علیٰ محمّد وآله الأمناء وورثة الأنبياء.
أمّا بعد فقد عرض عليّ الأخ الوفي، والخلّ الصفي حسن السيرة، وصافي السريرة کتاباً وضعه شرحاً للتبصرة فأجلت فيه جائلتي، وأمعنت فيه فکرتي
فوجدته مشتملاً علیٰ عبارات محرّره ومعانٍ محبّرة ومفاهيم مقرّرة واستنباطات مقدّرة، فلعمري لقد کان لمن استعمله إرشاداً وتبصرة ولمن استعان بقواعده منتهیٰ تحرير التذکرة ونهاية مدارك معتبرة، ولعمري أنّه کافٍ في الاستبصار ووافٍ للفقيه في الاعتبار أعان الله به الطالبين السالکين في منهج المسترشدين وجعله زاداً خالصاً مبلغاً في الاستعداد ليوم الدين.
وکتب العبد المسکين أحمد بن زين الدين الأحسائي، والحمد لله ربّ العالمين وصلّیٰ الله علیٰ محمّد وآله الطاهرين.
ختمه: (أحمد زين الدين)»(١).
[مكتبة آية الله الحكيم العامّة في النجف الأشرف، رقم المخطوط(٢)]
٥ـ تكملة نقد الرجال (رجال)
تأليف: الشيخ عبد النبي بن علي بن أحمد الكاظمي (ت ١٢٥٦هـ)(٣).
أوّله: «الحمد لله الذي رفع قدر العلماء، وفضّل مدادهم علىٰ دماء الشهداء... وبعد فيقول العبد الجاني... لا يخفىٰ إنّ من أجلّ العلوم».
آخره: «إلّا أنّ إبراهيم ما صرّح بتوفيقه. وخبره قد يسمّىٰ بالصحيح، ويمكن تصحيحه من طريق آخر فافهم، وهذا ما يسّر لنا جلّ جلاله... ونسأله أن يجعله خالصاً لوجه، والحمد لله ربّ العالمين».
فرغ من تأليفه مصنّفه (ثالث ربيع الأوّل سنة ١٢٤٠هـ) وهو تكملة لكتاب
__________
(١) حصلنا علىٰ صورة التقريظ من قناة عقائد علىٰ التلغرام.
(٢) لم نتعرّف على رقم المخطوط.
(٣) التراث العربي في خزانة مخطوطات مكتبة آية الله العظمىٰ المرعشي النجفي: رقم المخطوط: ٣١٥٨ .
نقد الرجال، لمصطفىٰ التفرشي، فكتب عليه الشيخ أحمد بن زين الأحسائي تقريظاً في أوّل الكتاب، ولم نتمكّن من الحصول علىٰ نسخة منه.
يقع المخطوط في: (١٩٥ص) بمقاس صفحات: (١٥.٥×٢٠سم).
[مكتبة آية الله العظمىٰ المرعشي النجفي: رقم المخطوط:٢/ ٣١٥٨](١)
٦ـ عجائب الأسرار (سيرة)
تأليف: الشيخ محمّد حسين بن علي أكبر البافقي اليزدي (ت ١٢٨٨ هـ)(٢).
وهو تقريظ للشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي، علىٰ كتاب تلميذه والكتاب في ذكر عزاء سيّد الشهداء أبي عبد الله الحسين عليهالسلام، قال المصنّف: «قال المؤلّف عفىٰ الله عنه: إنّي قد أرسلت هذه الخطب من بلدة دار العبادة المسمّاة بـ: (يزد)، إلىٰ بلدة (كرمانشاه)، عند شيخنا العارف سلّمه الله، لأن تصل إلىٰ نظره، فينظر إلىٰ صحّته وسقمه، فلمّا أتاني بها رأيت أنّه ـ سلّمه الله ـ كتب في آخر تلك الخطب بخطّه، ثمّ زين آخره بخاتمه».
ونصّ التقريظ:
«بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد الله الذي وفّقني لتتبّع أنوار اليقين بعين الخاشعين فوجدت الحقّ المبين ومقاليد الجنان للسالكين فـ: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾، ولعمري لقد بذلت جهدك في نصرتهم حتّىٰ كنت مع الشهداء الذين بذلوا مهجهم دون سيّدهم جعلنا الله وإيّاكم معهم في الدنيا والآخرة، وممّن يقيم مآتمهم وعزاءهم وينشر
__________
(١) الفهرس الموحّد للمخطوطات الإيرانية (فنخا) ٩/١٣٤.
(٢) أعلام مدرسة الشيخ الأوحد في القرن الثالث عشر الهجري: ٣٧٥.
ذكرهم وثناءهم فسعيك عندهم مشكور، واسمك لديهم بنسبك وحسبك مذكور، فلا تخلي محبّك من خالص الدعاء عند إقامة العزاء فإنّه مستجاب عند ربّ الأرباب، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وكتبه العبد المسكين أحمد بن زين الدين».
٧ـ استيفاء المهمّات (فقه)
تأليف: الشيخ علي بن محمّد الرشتي (القرن الثالث عشر).
وهو كتاب فقهي استدلالي فيه نقل أقوال الفقهاء المتقدّمين والمتأخّرين.
أوّله: «الحمد لله ربّ العالمين... كتاب النكاح وأقسامه ثلاثة، القسم الأوّل في النكاح الدائم».
كما إنّ من تقاريظ الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي ما كتبه علىٰ الكتاب، وعلىٰ النسخة تقريظ من الشيخ جعفر كاشف الغطاء، وختمه: (رقّ الصادق جعفر)، فوثّقه الشيخ أحمد بن زين الدين علىٰ التقريظ، وختمه بيضاوي: (أحمد ابن زين الدين)(١).
ويقع في (٢٧٦) صفحة، في كلّ صفحة (٢٢) سطر، بمقاس صفحات: (١٥× ٢١سم).
٨ـ الرسالة الحسينية (فقه)
تأليف: الشيخ حسن بن محمّد علي (القرن الثالث عشر).
أوّله: «الحمد لله ربّ العالمين... إنّي قد وفقت علىٰ هذه الرسالة المسمّاة بالرسالة الحسينية في الاعتقادات ومراتب التوحيدات والمعارف الحقّية».
__________
(١) الفهرس الموحّد للمخطوطات الإيرانية (فنخا) ٣/٣٧٠ .
علىٰ الرسالة تقريظ ملّا علي بن عبد الله السمناني، كما كتب الشيخ أحمد بن زين الدين تقريظاً عليه، وقد فرغ منه مؤلّفه في (٢٢ جمادىٰ الثاني ١٢٣٨هـ) فكتب له الشيخ أحمد تقريظاً مؤيّداً، كما كتب له السيّد كاظم الرشتي تقريظاً آخر(١).
[مكتبة المشايخ في كرمانشاه: ٦ـ٢٥٨]
٩ـ شوارع الهداية في شرح الكفاية (فقه)
تأليف: محمّد إبراهيم بن محمّد حسن الكرباسي (١١٨٠ـ١٢٦٢هـ).
أوّله: «الحمد لله المتفرّد بالقدم والكمال المتمجّد بالجلال والجمال... وبعد فإنّ العلوم أشرف الأمور بهجة وجمالاً وأعلاماً، وأعظمها مرتبة وكمالاً وأسناها وأكمل العبادات أجراً وذخراً وأوفاها».
نسخ السيّد علي بن قاسم الطباطبائي الزورائي، فرغ من نسخه في (ليلة الأربعاء ٢٧ شوّال ١٢٣٢هـ).
في أوّل صفحة تقريظ من الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي (١١٦٦ـ ١٢٤١هـ)، والشيخ جعفر بن خضر كاشف الغطاء (١١٥٦ـ١٢٢٨هـ). وأبيات في تقريظ الكتاب من الشيخ محمّد تقي أحمدي بياتي النجفي المشهور بـ: (ملّا كتاب)(٢)، كما عليه وقف الخزانة المجتهدية(٣).
يقع المخطوط في (٣٠٧ ص) في كلّ صفحة (٢١) سطراً، بمقاس: (١٨×٢٨) سم.
[إمام جمعة زنجان، رقم النسخة: ١١٢]
__________
(١) الفهرس الموحّد للمخطوطات الإيرانية (فنخا) ٨/١٠٢٥.
(٢) فهرس مخطوطات مكتبة آية الله العظمىٰ المرعشي النجفي ١٥ / ١٣٨ .
(٣) الفهرس الموحّد للمخطوطات الإيرانية (فنخا) ٢١ /٢٠٦.
١٠ـ جواهر العقول في تقرير قواعد الأصول (أصول الفقه)
تأليف: الشيخ محمّد تقي ابن الشيخ أحمد الأحسائي.
نسخة بخطّ المؤلّف، وعليها تقريظ والده الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي، بخطّه(١):
«بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، وصلّىٰ الله علىٰ محمّد وآله الطاهرين.
أمّا بعد فيقول العبد المسكين أحمد بن زين الدين الهجري الأحسائي: إنّه قد عرض عليّ الولد الأغرّ ذي الشرف وخير خلف وقرّة عين بلا مَين جعلني الله من كلّ مكروه فداه، وبلّغه من رغائب الدارين ما يتمنّیٰ بحقّ محمّد وآله الهداة، كتاب أملاه وسمّاه جواهر العقول، وهو لَعمري كما سمّاه، ولقد أقرّ الناظر وأسرّ الخاطر ووقع من ضميري موقع القبول لاشتماله علىٰ أصول الفروع، وفروع الأصول وموافقته علىٰ ما يقتضيه المقام من مطالب العلماء الأعلام من أحكام الحلال والحرام فشكرت سعيه. شکر الله سعيه وحمدت فهمه ووعيه حيث جرىٰ فيه علىٰ المراد، جعله الله له من أفضل الزاد إلىٰ يوم المعاد إنّه علىٰ كلّ شيء قدير وبالإجابة جدير.
وكتب بيد أبيه الداعي له بإصلاح الأحوال وبلوغ الآمال العبد المسكين أحمد بن زين الدين حامداً مصلّياً مسلّماً مستغفراً»(٢).
١١ـ تقريظ كتاب لوامع الأنوار للملا علي البرغاني (منوّع)
«بسم الله الرحمن الرحيم، إنّ الولد الروحاني الآخوند الملّا حسن المذكور
__________
(١) الذريعة إلىٰ تصانيف الشيعة ٢٦ / ٢٦٣.
(٢) جواهر العقول في تقرير القواعد والأصول: ٧.
بلّغه الله الأماني، أرسلت إليه هذه المسائل ليجيب عنها فأجاب أيّده الله بما لو كنت أنا المجيب، أجبت به شكر الله سعيه ورفع شأنه وعلا قدره ومكانه وكتب العبد المسكين أحمد بن زين الدين والحمد لله ربّ العالمين».
١٢ـ تقريظ علىٰ كتاب البرغاني (كلام)
تقريظ كتبه الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي علىٰ رسالة لتلميذه البرغاني، وكان التلميذ قد بعث بالرسالة إلىٰ أستاذه طالباً منه إبداء الرأي والتأكّد من صحّة مضامينها، فقال في رسالته:
«بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله والصلاة والسلام علىٰ رسول الله وآله صلّىٰ الله عليه وآله.
أمّا بعد سلام الله تعالىٰ وبركاته عليكم يا شيخنا ومقتدانا ويا حجّة الله تعالىٰ بعد الحجج علينا وبعد، قد مَنّ الله تعالىٰ عليّ بحضرتكم والدخول ببابكم والاستماع بكلماتكم كلمات الله، قال عليهالسلام: من استمع إلىٰ ناطق فقد عبده، الحديث. وقد كان دعائي والله منذ عشرة سنين أو أزيد أن يرزقني الله تعالىٰ بالأخذ من جنابكم، الحمد لله الذي منّ عليّ باستجابة دعائي وأستدعي من الله بالنسبة إلىٰ جنابكم ما استدعىٰ البصري منه تعالىٰ بالنسبة إلىٰ مولانا الصادق عليهالسلاممن تعطّف القلب وبعد الوريقة ما استفدت من جنابكم في يوم الأحد وجمعت جملة من الروايات المتعلّقة به وأسأل من جنابكم سؤال العبد الذليل بأن تعطّف عليّ بالنظر إليها بما أصبت وأخطأت...».
فكان جواب الشيخ أحمد الأحسائي وتقريظه علىٰ الرسالة كالتالي:
«بسم الله الرحمن الرحيم قد نظرت فيما كتبت سابقاً وفي هذا، ولقد أحسنت وأجدت وأصبت ما خاطب الله سبحانه أنبياءه وأولياءه لأنفسهم ممّا أمرهم أن يتهيّأوا به للقائه يوم يلقونه فاسلك فيما علّمك الله بواسطتهم طريقتهم وهي
أن... الأوّل يستخرجونه لخواصّهم ولأنفسهم يذكرون الله تعالىٰ به ويسبّحونه وأمّا مثل هذا فإنّما يستخرجونه لأنفسهم ولا يطلعون خواصّهم عليه ويبخلون به عليهم وعلىٰ القرطاس، فلا يكتبونه لئلّا يطّلع عليه من لا يحتمله فيكفر به ويكفّرهم؛ لأنّ هذا ليس من العلم ولا من السبعة الألواح من التوراة؛ لأنّ التوراة نزلت علىٰ محمّد وآله عليهمالسلامفي تسعة ألواح وأمره أن يظهر سبعة ويخفي اثنين [... كلام غير واضح] وهذا من مكتوب في الاثنين، فاعرف مثل هذا ولا تكتبه واذكر قوله عليهالسلام: ألا ومن أذاع سرّنا أذاقه الله حرّ الحديد فافهم واحفظ واكتم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته وكتب أحمد بن زين الدين».
١٣ـ مخازن جواهر أسرار التنزيل (كلام)
تأليف: الميرزا حسن كوهر.
قال الميرزا علي بن موسىٰ الحائري: «إنّ نسخة اللمعات، التي تلقّيناها من بيت (حجّة الإسلام)، الذي مرّ ذكره في خاتمة المخازن كانت مطرّزة مصدّرة بتقريظ ملمّع بإجازة من أستاذ مصنّفه الأعظم الناموس الإلهي الشيخ الأوحد الأحسائي ـ أعلىٰ الله مقامه ـ ولم يصرّح فيه أنّ التقريظ علىٰ اللمعات، أو المخازن أو كليهما».
وهذا نصّ التقريظ(١):
«بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، الحمد لله ربّ العالمين وصلّىٰ الله علىٰ محمّد وآله الطاهرين.
أمّا بعد: فيقول العبد المسكين أحمد بن زين الدين الهجري الأحسائي: إنّه قد عرض عليّ الابن الأعزّ، العالم العامل، المؤتمن الوفي، الملّا حسن بن علي الشهير
__________
(١) مخازن جواهر أسرار التنزيل: ٤٨.
بكوهر أحسن الله أحواله، وبلّغه آماله في مبدئه ومآله بحرمة محمّد وآله رسالة شريفة، تشتمل علىٰ جلّ طرق السداد في أصول الصواب والرشاد، من أحوال المبدأ والمعاد تهدي إلىٰ الحقّ وإلىٰ طريق مستقيم، قد سبق فيها من كان قبله، وقصر عن شأوها من رام مباهاتها بعده.
ولعمري لقد نطق بلساني، ووعي من معانيها بفهم جناني، ووضع أساسها وأركانها ببيان رَوْعي وأركاني. فشكرت الله وله الفضل والمنّة، حيث أحيىٰ ببيانه هذا ما انمحىٰ من الحقّ والسنّة، ولما دخل عليّ من السرور بما وهبه له من الحكمة والنور إلىٰ يوم النشور والحمد لله ربّ العالمين. وقد أجزت له أحسن الله توفيقه أن يروي عنّي جميع مقرّراتي ومسموعاتي، وجميع ما جرىٰ به قلمي، وفاه به کلمي من جميع ما وضع من العلوم من المنثور والمنظوم من علوم الأصوليّين، وما ابتنىٰ عليها من الفروع المتعلّقة بأحوال النشأتين، مشترطة عليه ما اشترط عليّ من التثبّت والاحتياط، وسلوك طريق التقوىٰ، والانقطاع إلىٰ الله تعالىٰ في كلّ حال، وأن لا ينساني من الدعاء في مظانّ الإجابة في حياتي ومماتي والحمد لله وحده وصلّىٰ الله علىٰ محمّد وآله الطاهرين».
١٤ـ العقائد الجعفرية (عقائد)
تأليف: الشيخ جعفر بن خضر كاشف الغطاء (١١٥٦ـ١٢٢٨ هـ).
أوّله: «الحمد لله الذي اختُصّ بالأزلية والقدم، وأبرز نور الممكنات من ظلمة العدم، وجعل شريعة محمّد بين الشرايع كمنار علىٰ علم، وفضله علىٰ جميع من تأخّر من الأنبياء أو تقدّم...».
آخره: «وبعضها يلزم منها العصيان دون الكفر، وهو منقسم إلىٰ تلك الأقسام، فمن أراد تمام المعرفة، فليرجع إلىٰ بعض العارفين ليقف علىٰ حقيقة
ذلك، والله وليّ التوفيق».
كما يوجد عليها تقريظ للسيّد العلّام محمّد مهدي بحر العلوم، وهي نسخته الخاصّة من المخطوط.
وكتب علىٰ النسخة الشيخ حسين بن الشيخ محمّد آل عيثان (ت١٢٤٥هـ)، أيضاً تقريظاً هو: «هذه الدرر المنثورة، واللآلي المنضّدة المسطورة خرجت من خزاين حاوي رتبتي العلم والعمل، السامي قدراً علىٰ الزهرة والمريخ والمشتري وزحل، الطود الذي لا تطمىٰ غواديه، والحمىٰ الذي لا يستباح جانبه، والشكل الذي يعقم موجيه وشانبه(١)، والكامل الذي كمل فكامل سواه منقوص، ومن استوعب عموم المحامد، فكلّ عامٍّ سواه منقوص، المبرّز في حلية المعقول والمنقول، ومن استخرج من لجّة مجرّة الفروع من الأصول، ربّ الفضل وأصله، وبيت قصدت المجد وأهله، علّامة العلماء، والبحر الذي لا ينتهي، ولكلّ لجٍّ ساحل، الأوحد الأبهر، والمجد المفخر، شيخنا الشيخ جعفر حرسه الله تعالىٰ وأدام أفاداته، ولا زال لواؤه منشوراً علىٰ رؤوس تلامذته. آمين آمين. لا أرضىٰ بواحدة حتّىٰ أضيف إليها ألف آميناً»(٢).
التقريظ المزجي:
نوع من أنواع التقريظ يكتب فيه المقرّظ في تعليقه علىٰ الرسالة المقدّمة له نثراً وشعراً، وقد ترك لنا التاريخ بعض النماذج الأحسائية لهذا النوع من التقريظ وهي كما يلي:
__________
(١) لعلّ المقصود: شانئه.
(٢) موقع مركز النجف الأشرف للتأليف والتوثيق والنشر.
شرح القصيدة المعروفة بـ: (البرهانية):
وهذا تقريظ للشيخ صالح بن سيف بن حمد العتيقي الحنبلي الأحسائي علىٰ كتاب زميله وصديقه الذي انتقل معه في صحبة أستاذهما الشيخ محمّد بن عبد الله بن فيروز إلىٰ الزبير سنة (١٢٠٦هـ) الشيخ محمّد بن علي بن سلّوم التميمي الحنبلي (ت ١٢٤٦هـ) علىٰ كتابه شرح القصيدة المعروفة بـ: (البرهانية) نظمها الشيخ محمّد البرهاني الشافعي، وعنوان الرسالة: (الفواكة الشهيّة في حلّ المنظومة المسمّاة بالقلائد البرهانية)(١):
«الحمد لله الذي فرض علىٰ العلماء بيان العلوم الشرعية، ورفع قدرهم فلذا كانت رتبتهم بين الخلائق رتبة عَلِيّة، وجعلهم ورثة الأنبياء وحملة الشرع وقدوة البرية، وخصّ منهم ما يشاء بما يشاء من العلوم الفرضيّة، والصلاة والسلام علىٰ سيّدنا محمّد القائل: (أفرَضُكُمْ زَيدٌ بنُ ثابت). وعلىٰ آله وأصحابه الذين فضْلُهم بين الخلائق ظاهر ثابت. فمن أحبّهم فـبَـذْرُ الخير في قلبه ثابت. ومن أبغضهم فهو الشقيّ والأعمال بالنـيّة، صلاة وسلاماً لا يحيط بها عدّ العادِّين. ولا حساب الحاسبين. وعلىٰ جميع التابعين. ومن تبعهم علىٰ الطريقة المرضية، ما تركت عبادة الأوثان. وقسمت عطايا الرحمن. وغرقت في حبّ الملك الديّان. النفوس العَلِيّة، وما تباين الليل والنهار. وتوافق السـرّ والجهار. وتداخلت أحوال الاستبشار. وتناسبت العطايا السرمديّة، وبعد.
فقد وقفت علىٰ هذا الشرح المفيد علىٰ التحقيق، وسرّحت طِرْفَ طَرْفي في رياض روضه الأنيق، فوجدت عباراته تنتظم كالدرر، وتدقيقاته يعجز عنها
__________
(١) نوادر المخطوطات السعودية نماذج لمجموعة من نوادر المخطوطات المحفوظة بدارة الملك عبد العزيز: ٣٨٢، وانظر: موقع العتيقي .
صحيح الفكر، مطابقة للمقصود أتمّ مطابقة، وموافقة للمراد أحسن موافقة، وجامعة كلّ صحيح المعاني، ودانية كلّ قطوفها من تداني، وحمدت الله الذي يسّر في هذا الزمن، المشحون بثورانِ البدع واشتعال الفتن؛ إذ بذلك تخمد الفكرة، وتتوالىٰ الهموم عشيّة وبكرة، من يحلّ عويص المشكلات، ويوضح ما خفي منها بواضح الدلالات؛ فلقد أحكمت أيدي مؤلّفه ببرود الفوائد، وأتىٰ فيه بما يعجز عن حلّه الجهبذ الناقد، فيا له من شرح لطيف امتزج امتزاج الروح بالبدن، وصدحت بلابل القبول له علىٰ فنن، وفيه أقول:
|
شَرْحٌ لَطِيفٌ جَامِعٌ لمقاصِدِ |
|
وفَرائِدٍ مَقرُونةٍ بشَواهِدِ |
|
فإذا نظَرْتَ بهِ رأيتَ عَجائباً |
|
وغَرائباً مَشْحُونةً بفَوائِدِ |
|
وإذا تأمَّلتَ التَّقَاسِيمَ التي |
|
جُمِعَتْ بهِ دَلَّتْ بأعَظمِ شَاهِدِ |
|
أنْ لا مَثيلَ ولا شَبيهَ لهُ |
|
إذاً بلطائفٍ ومَحَاسِنٍ وزَوائِدِ |
|
فأعِيذُ (مُنْشِئَهُ) العَظيمَ مماثلاً |
|
بحْرَ العلوم مُبيدَ كُلّ معانِدِ |
|
ذا المَكْرُماتِ وصَاحبَ الفَضْلِ الذي |
|
ما مِثلُهُ في الناسِ أعظمُ ماجدِ |
|
عَينُ الزمانِ أَخُ الصفَا بحرُ الوَفَا |
|
طَلِقُ المحيّا خَيرُ خِلٍّ عَابِـدِ |
|
الشيخُ ذا المجْدِ الأثِيلِ محمّداً |
|
أعني ابنَ سلُّوم المفيدَ لقاصِدِ |
|
مِنْ شَرِّ كُلِّ أذِيَّةٍ أو فِتْنَةٍ |
|
أو مَكْرِ (كُلِّ) كَائدٍ أو حَاسِدِ |
|
لا زالَ مَرْفوعَ الجنابِ مُطَهَّراً |
|
مَحْمُودَ أفعَالٍ وأشرفَ حَامِدِ |
|
فلقد أجادَ بمَا أتَىٰ في شَرْحِهِ |
|
ولقد أفادَ لغائِبٍ أَوْ شَاهِدِ |
|
فاللهُ يُعلـي قَدْرَهُ ويُجِلّهُ |
|
وَسْطَ الجِنَانِ تَنعُّماً بنَواهِـدِ |
|
قَدْ قَالَ ذلكَ مخلِصٌ بوِدَادهِ |
|
ما شَابَهُ كَدَرٌ وليسَ بحاقِدِ |
|
وهْو ابنُ سَيفٍ صَالحٌ مِنْ ودِّهِ |
|
إرْثٌ لهُ فيما مَضـَىٰ مِنْ وَالِدِ |
|
ذاكَ العَتيق الحنبليّ بلا خَفَا |
|
يَرجُو بظَهْرِ الغَيْبِ دَعوَةَ مَاجِدِ |
|
ثمّ الصّلاةُ مَعَ السَّلامِ مُكَرَّراً |
|
يُهْدَىٰ لأفضَلَ رَاكِعٍ أو سَاجِدِ |
|
طَهَ الحبِيبِ وآلِهِ وصِحابِهِ أهْلِ |
|
العُلَىٰ وفضَائلٍ ومَحَامِدِ» |
وعلىٰ النسخة عدد من التقاريظ كتبت عليها وهي علىٰ الترتيب التالي:
الأوّل: الشيخ محمّد بن الشيخ عبد الله بن فيروز الحنبلي النجدي الأحسائي (بأبيات من بحر الرجز).
الثاني: الشيخ محمّد بن محمّد العدساني الشافعي الأحسائي (بقطعةٍ نثرية).
الثالث: الشيخ عبد العزيز بن الشيخ صالح بن حسين الموسىٰ الأحسائي المالكي (بمقدّمة نثرية ثمّ قصيدة شعرية).
الرابع: الشيخ صالح بن الشيخ سيف العتيقي الحنبلي الأحسائي (بنثرٍ وشعر).
الخامس: محمّد بن عبد الله السويدي البغدادي (قرّضها بكلمات مؤرّخة ٢٠ شعبان ١٢٢٥هـ).
تاريخ التقريظ: فالتقدير الأرجح أنّه في (١٢١٣هـ).
اسم الناسخ: سليمان بن عبد العزيز بن دامغ، وذلك في (ليلة الجمعة ٢١ رجب ١٢٧٥هـ).
المصدر: المخطوط محفوظٌ بمكتبة (عنيزة الوطنية ـ القصيم)، ومنه صورة بإدارة المخطوطات والمكتبات بوزارة الأوقاف بالكويت برقم: [٥٣]. وثيقتنا عبارة عن الورقتين: [١١٠ـ١١١] من الكتاب في آخره(١).
__________
(١) موقع أسرة العتيقي.
الشهاب الثاقب أو قارعة القوارع في إبطال أدلة الركن الرابع:
تأليف: الشيخ محمّد بن أبي طالب النائيني.
تقريظ للشيخ عبد الله بن الشيخ علي الأصبعي الأحسائي، والكتاب يقع في (٢٦٥) صفحة، وهو كتاب باللغة الفارسية كتب سنة (١٢٧٧هـ) فقال الأصبعي الأحسائي فيه: «قلت هذه الأبيات تقريظاً علىٰ هذه الرسالة المسمّاة بـ: (الشهاب اللامع في إبطال أدلّة الركن الرابع) تصنيف جناب من أبان طرق الرشاد بثاقب فهمه وأوضح سبله ببيان علمه بحر العلوم معقولها ومنقولها، وحبر الشريعة فروعها وأصولها شمس الأعاظم وبدرها ورأس المكارم وصدرها ذي القريحة الوقّادة، والبصيرة النقّادة، مولانا العالي علىٰ هامّ المجرّة والسُّها وأطال برتبة ليس وراءها منتهىٰ، المرقوم اسمه العالي أعلاه لطلب به مولاه ورزقه ما يتمنّاه في آخرته وأُولاه وأنا الأقلّ الجاني عبد الله بن الشيخ علي الأصبعي الأحسائي عفىٰ عنهما بمنّه وكرمه وهي هذه:
|
أجلت الطرف في ردّ بليغِ |
|
فأعجبني وليس له مثيل |
|
هو النهج القويم بلا مراءٍ |
|
وقول (الخان)(١) مردود عليل |
|
ولا عجب إذ ما ظلّ يعزى |
|
لمولىٰ نهجه ظلّ ظليل(٢) |
__________
(١) المقصود محمّد كريم خان صاحب القول بالركن الرابع في مدرسة الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي.
(٢) مشكوة: العدد (٧٥٠)، عدد بهار (١٣٧٥هـ.ش) مقال كتاب ونقد: تتمّة مقالة شروح شرائع الإسلام، بقلم: سيّد أحمد تويسركاني: ٢٢٤.
منهج التقريظ عند علماء الأحساء:
عندما يكتب التقريظ فإنّ الكاتب يرمي إلىٰ إيصال رسالة ما للقارئ، والتقاريظ الأحسائية رغم قلّة ما استطعنا الحصول عليه منها خاصّة نصوص التقريظ التي من خلالها نستطيع تشكيل رؤية حول الغرض الذي من أجله كُتِبَ التقريظ، ومع ذلك خرجنا ببعض النقاط الهامّة المرتبطة بكتابة التقريظ لدىٰ علماء الأحساء:
١ـ الإشادة بالمصنّف ومكانته:
تميّز بعض الأعلام بقدرته العلمية ومتانة عطائه؛ من حيث الدقّة وسعة الاطّلاع، خاصّة إذا كان الكاتب من الفقهاء الأعلام المشهود لهم بالدقّة العلمية والغزارة في البحث، لذا غالباً التقريظ هنا يتضمّن الثناء علىٰ المؤلّف أكثر ممّا هو يدور حول الكتاب والمصَنَّف، في إشارة لضرورة اقتناء كتب هذا العلم للوثاقة والثقة بجميع ما يترشّح عن قلمه من مؤلّفات ومصنّفات.
ويندرج تحت هذا الصنف من التقاريظ ما كتبه الشيخ حسين بن الشيخ محمّد العيثان حول رسالة العقائد الجعفرية، لمرجع الطائفة الشيخ جعفر كاشف الغطاء، أو بعض ما كتبه الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي علىٰ بعض المصنّفات، حيث أشاد بالمؤلّف واثنىٰ علىٰ الكاتب بالكلام الجميل الذي ينمّ عن الإعجاب وتميّز قلمه.
٢ـ إطراء الكتاب والثناء عليه:
وهذا بمثابة الدعاية للكتاب وتميّز مضامينه عن غيره من الكتب، وهو أمر يلجأ إليه بعض الطلّاب بطلب التقريظ من أستاذه أو من المتخصّص وصاحب
الاطّلاع الواسع من الأعلام، بأن يطّلع علىٰ الكتاب أو الرسالة ويبدي فيها رأيه، أو ممّن يثق بقلمهم واطّلاعهم للشهادة لما بذل فيه وسعه من جهد وعمل بحثي وعلمي، وقد يأتي التقريظ كتعبير عن الإعجاب بالكتاب بعد صدوره، فيبادر بكتابة تقريظ إطراء وثناء بالكتاب وكاتبه.
وفي المجال الشعري والأدبي ما كتبه الشيخ محمّد بن علي البغلي في المدح والثناء علىٰ أرجوزة الشيخ عبد الله الحوزيزي وذكر ما فيها من سمات جميلة وبارزة، وقد أشرنا لها سابقاً، حيث قال فيها:
|
لقد جلّ هذا النظم عن صفة الشعر |
|
ولكنّه الحلو الحلال من السحرِ |
|
فلله درّ الشيخ حيث أتىٰ بها |
|
وأبرزها من قالب النظم من نثرِ |
فقد أشاد بالمضامين الأدبية للأرجوزة وذكر محاسنها وأنّها تضمّنت البعد البلاغي العالي الذي يشبه السحر جمالاً وخيالاً، وأنّه يعسر مجاراتها بل هي فوق الوصف والتشبيه والإحاطة بما فيها من جمال.
ولعلّ عدداً من التقاريض الأحسائية تندرج ضمن هذا الصنف، ومنها بعض ما كتبه الشيخ الأحسائي لبعض تلاميذه.
ومن النماذج الجميلة ما كتبه الشيخ محمّد حسين الصحّاف الأحسائي، تقريظاً علىٰ صدور الرسالة العملية للمرجع الديني الشيخ محمّد بن حسين أبو خمسين الأحسائي المعروفة بـ: (نخبة الأبرار)، وقد أشرنا لها سابقاً، حيث قال فيها:
|
صدرتْ رسالةُ «نخبة الأبرار» |
|
تزهو بنشرِ العلمِ في الأقطارِ |
|
وردَتْ ففاحَ علىٰ البرايا نشرُها |
|
بشذا نسيمِ أريجِها المعطارِ |
|
نُشرتْ علىٰ ورق النَّضارِ فأسفرَتْ |
|
بتبلُّجٍ كالصبحِ في الإِسفارِ |
فقد أطرىٰ الرسالة وأثنىٰ علىٰ ما فيها من معارف وعلوم أذهلت العقول وأخذت بالألباب، وأنّ انتظارها طال حتّىٰ جاء الفرج، فأظهر الفرح والسرور بوصولها الكويت، وهذا من نوع تقريظ التلميذ علىٰ نتاج الأستاذ، وهي ليست تصديق علىٰ صحّة ما جاء فيها، بقدر ما هو تعبير عن فضلها وأهمّيتها والأثر الذي أحدث صورها في النفوس.
٣ـ الشهادة بصحّة مضامين الكتاب:
تختلف الكتب في قيمتها من حيث المتانة والضعف، والصحّة والخطأ، وتقييمها والشهادة بأحقّية ما فيها تحتاج إلىٰ شهادة ممّن لديه خبرة ودراية بموضوع الكتاب سواء بالتصنيف في نفس الحقل، أو الاطّلاع الواسع بنوع العلم.
وقد شهدت بعض المصنّفات التي قرّضها الأحسائيّون شهادة بصحّة مضامين الكتاب ودقّة ما فيه وأنّه يستحقّ القراءة والمطالعة، ومن هذا الصنف ما كتبه الشيخ محمّد بن أبي جمهور علىٰ كتاب: (مشجرة الأنساب).
ومنها ما سطّره الشيخ أحمد بن زين الدين حول كتاب: (تكملة شرح التبصرة) للشيخ محمّد جعفر البهبهاني وقد أشرنا لها سابقاً، حيث قال: «عرض عليّ الأخ الوفي، والخلّ الصفي حسن السيرة، وصافي السريرة کتاباً وضعه شرحاً للتبصرة فأجلت فيه جائلتي...».
ومثل هذه الكلمات تعدّ بمثابة التصديق للكتاب من شخصية تملّك الرؤية والبصيرة العلمية، تشجّع لمن يرىٰ التقريظ علىٰ اقتنائه والاستفادة منه، ليس فقط للمتعلّم والسائر علىٰ الدرب، بل حتّىٰ للفقيه فإنّه يجد فيه الفائدة والنفع، ومثل هذه الأمور تعدّ من مرتكزات كتابة التقريظ وغاياته.
وكذلك ما كتب الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي علىٰ كتاب: (عجائب الأسرار)، فإنّ التقريظ كتب وطلب لا من أجل الإطراء علىٰ الكتاب فقط، وإنّما بالدرجة الأولىٰ للشهادة بصحّة ما فيه وخلوّه من اللبس والاشتباه، وهذا لوقع الاطمئنان لدىٰ الكاتب والقارئ.
فقد قال المصنّف الشيخ محمّد حسين بن علي أكبر البافقي اليزدي (ت قبل ١٢٨٨هـ): «أرسلت هذه الخطب من بلدة دار العبادة المسمّاة بـ: (يزد)، إلىٰ بلدة (كرمانشاه)، عند شيخنا العارف سلّمه الله، لأن تصل إلىٰ نظره، فينظر إلىٰ صحّته وسقمه».
فكان ردّ الشيخ الأحسائي ينصبّ في نفس الغاية بكلام شافٍ ووافٍ: «الحمد الله الذي وفّقني لتتبّع أنوار اليقين بعين الخاشعين، فوجدت الحقّ المبين ومقاليد الجنان للسالكين فـ: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾، ولعمري لقد بذلت جهدك في نصرتهم حتّىٰ كنت مع الشهداء الذين بذلوا مهجهم دون سيّدهم جعلنا الله وإيّاكم معهم في الدنيا والآخرة».
٤ـ تشجيع الكتابة والعطاء:
يتضمّن التقريظ هدفاً وغرضاً لا يشار له ولكن يفهم من خلال المعنىٰ والمحتوىٰ، وهو الإشارة إلىٰ أهمّية الكتابة والبحث والمطالعة ونشر العلم وبذله
للآخرين، ففي التقريظ يفهم من إبراز مضامينه والتأكيد علىٰ معانيه والإشادة بالجهد الذي بذله الكاتب سواء شعراً أو نثراً إلىٰ تحفيز الآخرين علىٰ السير وفق الخطّ والمسلك الذي خاضه الكاتب.
ومثل هذه الأمور تعدّ من الصفات الجميلة التي حملها صاحب التقريظ تجاه الطبقة الواعية وذات الكفاءة في المجتمع ببذل العلم وإخراجه للآخرين عبر الكتابة والعطاء، بل وتعدّ دافعاً للكتابة مرّة أخرىٰ للمُقرّظ له.
عناصر التقريظ عند الأحسائيّين:
هناك أبعاد وجوانب مختلفة يتناولها التقريظ وتشكّل عناصره ومضامينه، أو نستطيع التعبير عنها الجهات التي جعلها كاتب التقريظ تمثّل عناصر القوّة في الرسالة أو الديوان الشعري المكتوب ومن خلال السطور القادمة سنستعرض شطراً من هذه الجوانب التي تشكّل الأبعاد العلمية والتي اتّخذها الأحسائيّون في كتابة التقريظ:
١ـ وصف المقرَّظ والإشادة بأخلاقه:
وإليك بعض ممّا قاله الشيخ البغلي، وهو يطري ويمدح الشيخ الشاعر الحويزي، ووصفه بأجمل الصفات:
|
فلا زال عبد الله شيخاً مهذّباً |
|
وهمّته تعلو علىٰ هامة النسر |
|
ولا زال شمساً يستضاء بنوره |
|
وبدر علا يجلي به حندس الفكر |
وهنا ذكر سمتين من سمات الشيخ الشاعر الحويزي، هي الأخلاق
والتهذيب، والهمّة العالية التي تعادل تحليق النسور رفعة ومكانة.
وممّا كتبه الشيخ عبد الله بن علي الوايل وهو يبدي الفرح بكتاب الشيخ عبد علي بن خلف، وأنّه الكتاب صدر من أحد قمم الأخلاق المشهود لهم بالفضل والفضيلة والسمات الرفيعة فقال:
|
رُبّيت في حجر الفضائل والتقىٰ |
|
بمهود عزّ زانها الأكرام |
|
أصبحت فيها واحد الدهر الذي |
|
عن مثله أمُّ العلاء عقّام |
|
لعُلاك طأطأت الشراف رؤسها |
|
خجلاً فأنت هُمامُها المِقدَام |
٢ـ تبيين نوع الكتاب:
رغم العنوان الذي يضعه المصنّف فقد لا يكون حاوياً ولا كاشفاً عن مضامين الرسالة بشكل جلي، فيأتي التقريظ لإيضاح فحوىٰ الرسالة والإشادة بما فيه، أو يتضمّن تشييداً بالغاية التي كتبت الرسالة من أجلها، وأنّ الهدف سامٍ ومن الغايات التي تسعد به القلوب وتسرّ به الخواطر، منها ما كتبه الشيخ أحمد ابن زين الدين الأحسائي في تقريظه علىٰ رسالة: (عجائب الأسرار) لليزدي: «بذلت جهدك في نصرتهم حتّىٰ كنت مع الشهداء الذين بذلوا مهجهم دون سيّدهم جعلنا الله وإيّاكم معهم في الدنيا والآخرة، وممّن يقيم مآتمهم وعزاءهم وينشر ذكرهم وثناءهم فسعيك عندهم مشكور، واسمك لديهم بنسبك وحسبك مذكور».
وينصبّ في نفس الغرض والهدف ما كتبه أيضاً الشيخ أحمد بن زين الدين علىٰ رسالة الميرزا حسن كوهر المعروفة بـ: (اللمعات والمخازن)، وقد أشرنا لها سابقاً، حيث قال فيها: «الملّا حسن بن علي الشهير بكوهر أحسن الله أحواله، وبلّغه آماله في مبدئه ومآله بحرمة محمّد وآله، رسالة شريفة، تشتمل علىٰ جلّ طرق السداد في أصول الصواب والرشاد...».
فكما نلحظ إنّ التقريظ هو أشبه بفهرس مختصر للرسالة يتعرّف القارئ له بفحوىٰ الرسالة وأهمّ مضامينها دارجاً في ذلك شهادة بصحّة مضامينها وأنّها حقّقت الغاية التي كتبت من أجلها في إرشاد وتعليم القارئ لها.
٣ـ وصف أثر المقرَّظ علىٰ نفس المقرِّظ:
ومنها ما كتبه الشيخ أحمد بن زين الدين علىٰ رسالة: (لوامع الأنوار) للملّا علي البرغاني: «إنّ الولد الروحاني الآخوند الملّا حسن المذكور بلّغه الله الأماني أرسلت إليه هذه المسائل ليجيب عنها، فأجاب أيّده الله بما لو كنت أنا المجيب أجبت به شكر الله سعيه ورفع شأنه وعلا قدره ومكانه».
فقد عبّر الشيخ الأحسائي من خلال التقريظ عن ارتياحه للملّا حسن وأنّه قد أنجز عمله علىٰ أكمل وجه ووصل الغاية العلمية وقارب الهدف المنشود، وأنّه عنه في غاية الرضا، وهذا يعدّ من الأساليب المتّبعة في التقريظ لإيصال رسالة في ذهن القارئ وخلق تصور عن الرسالة لديه وشخصية من كتب لأجله التقريظ.
٤ـ مدح المؤلّف والدعاء له:
ومن هذا الدعاء والتمنّي بالخير لناظم القصيدة، فما كتبه الشيخ محمّد علي البغلي، داعياً للشيخ الحويزي في خاتمة تقريظه حيث قال:
|
فيا ربّ زده في العلوم بصيرة |
|
وضاعف له فيما كتبت من الأجر |
|
وألحقه في الإسلام في كلّ حلبة |
|
من السبق يا مولاي وأشدد به أزري |
٥ـ البعد العلمي في شخصية المُقرَّظ:
ومن نماذجه ما كتبه الشيخ عبد الله الوايل الأحسائي للشيخ عبد علي آل عصفور، فقد أشاد بعلم الشيخ آل عصفور وأجزل له الثناء العلمي حيث قال:
|
ألقت إليك قيادها الأحكام |
|
يا عالماً خضعت له الأعلام |
|
زنت الطروس بنثر درّ مباحث |
|
للدين والدنيا ضيا ونظام |
|
هبةٌ أتتك من الإله سنيّةٌ |
|
عن نيلها كم زلّت الأقدام |
وهذا من الأبعاد المهمّة التي يتناولها المُقرِّضون في شخصية المُقرَّظ له فهذا النتاج هو نتيجة معرفة عالية وعلم جمّ يستحقّ الإشادة به والثناء عليه، وإبراز بعض من معالمه، وأنّه يشكل إضافة للساحة المعرفية في وقته.
الخاتمة:
من خلال العرض السريع لمنهج التقريظ عند الأحسائيّين ننتهي بمجموعة من النتائج الهامّة:
ـ إنّ التقريظ عند الأحسائيّين من الفنون العلمية الضاربة في القدم والتي ترجع إلىٰ القرن التاسع الهجري، وربّما قبل ذلك.
ـ اتّخذ التقريظ الأحسائي أشكالاً متعدّدة بين النثر والشعر والمزجي.
ـ تميّز بعض العلماء بكثرة تقريظهم للكتب والرسائل كالشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي.
ـ في التقريظ الأحسائي عناصر متعدّدة وأغراض مختلفة بين إطراء الرسالة، ومدح صاحب الرسالة أو الديوان، والتركيز علىٰ الجانب العلمي وكذلك البعد الأخلاقي في الشخصية، كما نجد إشارات أحياناً للهمّة العالية.
ـ امتدّ التقريظ بين الداخل الأحسائي والتواصل مع الأعلام في إيران والعراق والبحرين وغيرها من المناطق ممّن ربطهم معهم حراك علمي.
نماذج من التقريظ الأحسائي
المصادر
١-أعلام مدرسة الشيخ الأوحد في القرن الثالث عشر الهجري: أحمد عبد الهادي المحمّد صالح، دار المحجّة البيضاء: بيروت، الطبعة الأولىٰ:١٤٢٧هـ - ٢٠٠٦م.
٢-التراث العربي المخطوط في مكتبات إيران العامّة: السيّد أحمد الحسيني، الناشر دليل ما: قم المقدسة، الطبعة الأولىٰ: ١٤٣١هـ - ٢٠١٠م.
٣-التراث العربي في خزانة مخطوطات مكتبة آية الله العظمىٰ المرعشي النجفي: جمع وإعداد: السيّد أحمد الحسيني، نشر مكتبة آية الله العظمىٰ المرعشي النجفي: قم، الطبعة الأولىٰ (د.ت).
٤-جواهر العقول في تقرير القواعد والأصول: الشيخ محمّد تقي أحمد الأحسائي، تحقيق: مجموعة من الفضلاء، إشراف: الشيخ توفيق ناصر البوعلي، مؤسّسة الأحقاقي للتحقيق والطباعة والنشر: الكويت، الأبرار للطباعة والنشر: بيروت، الطبعة الأولىٰ: ١٤٣٨هـ - ٢٠١٧م.
٥-ديوان البغلي: الشيخ محمّد بن علي البغلي الأحسائي (ت ١٢٧٠هـ)، مبرّة إبراهيم طاهر البغلي: الكويت، الطبعة الأولىٰ: ١٤٢٢هـ - ٢٠٠١م.
٦-ديوان الوايل المسمّىٰ بـ: (الدرر الفاخرة في مدح ورثاء العترة الطاهرة): الشيخ عبد الله الوايل الأحسائي، تحقيق: الشيخ جعفر الهلالي، مؤسّسة أمّ القرىٰ: قم، الطبعة الأولىٰ: ١٤١٨هـ - ١٩٩٧م.
٧-الذريعة إلىٰ تصانيف الشيعة: آقا بزرك الطهراني، دار الأضواء: بيروت، الطبعة الثالثة: ١٤٠٣هـ - ١٩٨٣م.
٨-الشيخ باقر أبو خمسين علم وعطاء وأدب: محمّد علي الحرز، (د.ن)، الطبعة الثانية١٤٣٢هـ - ٢٠١١م.
٩-الفهرس الموحّد للمخطوطات الإيرانية (فنخا): إعداد: مصطفىٰ الدرايتي، نشر: سازمان اسناد وكتابخانه ملي جمهورى إسلامىٰ: قم، الطبعة الأولىٰ: ١٣٩٠هـ. ش.
١٠-فهرس مصنّفات الشيخ محمّد بن علي بن أبي جمهور الأحسائي: عبد الله غفراني، جمعية ابن أبي جمهور الأحسائي لإحياء التراث، دار المحجّة البيضاء: بيروت، الطبعة الأولىٰ: ١٤٣٤هـ - ٢٠١٣م.
١١-لسان العرب: جمال الدين محمّد بن مكرم بن منظور، دار صادر: بيروت، الطبعة الأولىٰ: ١٤١٠هـ - ١٩٩٠م.
١٢-مخازن جواهر أسرار التنزيل: الميرزا حسن الشهير بكوهر، شرح وتحقيق: توفيق ناصر البوعلي، مؤسّسة الأحقاقي: الكويت، الطبعة الأولىٰ: ١٤٣٤هـ - ٢٠١٣هـ.
١٣-منتظم الدرّين في تراجم علماء وأدباء الأحساء والقطيف والبحرين: محمّد علي بن أحمد التاجر، تحقيق: الشيخ ضياء بدر آل سنبل، مؤسّسة طيبة لإحياء التراث: قم، الطبعة الأولىٰ: ١٤٣٠هـ.
١٤-نوادر المخطوطات المحفوظة بدارة الملك عبد العزيز: إعداد: أيمن بن عبد الرحمن الحنين، سعد محمّد آل عبد اللطيف، دارة الملك عبد العزيز: الرياض، الطبعة الأولىٰ: ١٤٣٢هـ.
المجلّات:
١ـ مجلّة تراث كربلاء: مجلّة تصدر عن العتبة العبّاسية المقدسة، السنة السادسة، المجلّد السادس، العدد :الرابع (٢٢)، ربيع الثاني ١٤٤١هـ / كانون الأوّل ٢٠١٩م، مقال: قراءة في شعر مرتضىٰ الوهّاب (التأريخ الشعري والتقريظ نموذجاً)، أ.م.د. سها صاحب القريشي.
٢ـ مجلّة تراثنا: مؤسّسة آل البيت، العدد الثاني والثالث، السنة الثانية، (٨)، ربيع الثاني- رمضان، ١٤٠٧هـ، مقال: من التراث الأدبي المنسي في الأحساء الشاعر الشيخ محمّد بن علي البغلي، الشيخ جعفر الهلالي.
٣ـ مجلّة مشكوة: مجلّة فصلية، تصدر عن أستانة قدس رضوي، العدد: (٧٥٠)، عدد بهار (١٣٧٥هـ.ش) مقال كتاب ونقد: تتمّة مقالة شروح شرائع الإسلام، بقلم: سيّد أحمد تويسركاني.
٣ـ مجلّة الموسم: تصدرها أكاديمية الكوفة في هولندا، المجلّد: ١٠٧، الدكتور عبد الهادي الفضلي رؤىٰ في فكره وإنجازاته، مقال: منهج الدكتور الفضلي في التقريظ، الشيخ الدكتور عبد الله اليوسف.
٤ـ مجلّة نسخه بزوهى، مجلّة فصلية، سنة ١٣٨٥هـ، ش، العدد (٣)، مقال: فهرست مجموع خطّي كتابخانة علّامة طباطبايي دانشكاه شيراز، الكاتب: محمّد بركت.
تاريخ الحوزات العلمية والمدارس الدينية عند الشيعة الإمامية
(تاريخ الحوزة العلمية في الري)
(١)
الشيخ عدنان فرحان القاسم
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾(١).
المدخل:
تعدّ الري من المدن القديمة في إيران، وهي مدينة واسعة مترامية الأطراف ولها نواحٍ وتوابع كما يصفها البلدانيّون في كتبهم المعجمية.
شهدت هذه المدينة حركة علمية واسعة، وظهر فيها علماء كبار يشدّ إليهم الرحال؛ انتشر صيتهم فيها وفي البلدان المجاورة لها، فحملوا زادهم العلمي إلىٰ البلدان البعيدة عنها، فحدّثوا في خراسان وبغداد وغيرها من البلدان الأخرىٰ.
__________
(١) سورة التوبة: ١٢٢.
وتحتفظ كتب السير والتراجم بأسماء كثير من العلماء ممّن يحمل لقب (الرازي) من بين علماء عصرهم وفي مختلف الشؤون المعرفية، فكان (الطبيب الرازي) و(الحكيم الرازي) و(الفقيه الرازي) و(المحدّث الرازي).
كما أنّ لهذه المدينة مدارس علمية كثيرة، سكنها ودرَس ودرَّس فيها كبار العلماء والفضلاء، وتركوا للأجيال آثارهم العلمية المدوّنة في الحديث والفقه والأصول والتفسير... وغيرها من العلوم والمعارف الدينية والإنسانية.
كما أنّ هذه المدينة كغيرها من المدن الإسلامية، تعرّضت إلىٰ نكبات سياسية وعسكرية أثّرت كثيراً علىٰ سير تكاملها العلمي والثقافي.
فلابدّ لنا ونحن نؤرّخ لتاريخ الحوزات العلمية، من وقفة سريعة عند هذه الحوزة ومعالمها الأساسية؛ وضمن فصول وبحوث مختصرة، متّخذين المنهج العلمي الذي اتّخذناه في تدوين المقالات السابقة من هذه السلسلة(١)، معتمدين في ذلك علىٰ ما هو متاح لنا من المصادر والمراجع والدراسات الرصينة حول هذه المدينة التاريخية العريقة وحوزتها العلمية المعطاءة.
وقد تتداخل أحداث ووقائع هذه المدينة وحوزتها العلمية مع مدينة أخرىٰ مجاورة؛ بل ملاصقة لها وهي مدينة (طهران)، حتّىٰ أنّهما في الوقت الحاضر تعدّان بمثابة المدينة الواحدة، حيث امتدّ البناء والعمران في هذه المدينة المترامية الأطراف.
ولهذا يعدّ البحث عن تاريخ الحوزة العلمية في طهران امتداداً وفي طول البحث عن تاريخ الحوزة العلمية في مدينة الري، حيث تشترك كلا الحوزتين في
__________
(١) في مجلّة تراثنا: الأعداد: ١١٧ـ١١٨، و١١٩ـ١٢٠ و١٢١ـ١٢٢، و١٤٣.
تاريخهما العلمي والثقافي، وكذلك في مصادر ومراجع البحث عن تاريخهما، وتشترك مع هاتين الحوزتين حوزة ثالثة لا تقلّ عنهما أهمّية وهي حوزة قزوين المجاورة لهما؛ والتي تشترك مع حوزتي الري وطهران في عمقها التاريخي والعلمي والحضاري، ونظراً لقدم حوزة مدينة الري، فسوف نبدأ بسرد تاريخها ثمّ نثنّي بتاريخ حوزة قزوين، ومن بعدها نعرّج علىٰ حوزة طهران، مع بيان المشتركات الكثيرة التي تجمع بينها.
والله وليّ التوفيق والسداد
الفصل الأوّل
مدينة الري
المبحث الأوّل: نشأة مدينة الري:
تحدّث الجغرافيّون والبلدانيّون عن مدينة الري بإسهاب وتفصيل، فبيّنوا حدودها الجغرافية، وسماتها الحضارية والمعيشية، بالإضافة إلىٰ توجّهات سكّانها العقائدية والمذهبية...
قال الحموي في المعجم بعد أن زار الري وسجّل مشاهداته: «الرَيّ: بفتح أوّله وتشديد ثانيه... وهي مدينة مشهورة من أمّهات البلاد وأعلام المدن، كثيرة الفواكه والخيرات... وإنّي رأيتها وهي مدينة عجيبة الحسن، مبنية بالآجر المنمّق المحكم الملمّع بالزرقة، مدهون كما تدهن الغضائر في فضاء من الأرض...»(١).
وقد حكىٰ الإصطخري في المسالك والممالك: «إنّها كانت أكبر من إصفهان وليس بالجبال بعد الري أكبر من إصبهان... [ثمّ أضاف:] والري مدينة ليس بعد بغداد في المشرق أعمر منها؛ وإن كانت نيسابور أكبر عرصة منها... وهي مدينة مقدارها فرسخ ونصف في مثله... وللري قرىٰ كبار كلّ واحدة أكبر من مدينة»(٢).
وكان فتح الري في عهد عمر بن الخطّاب علىٰ يد عمّار بن ياسر سنة (٢٠ هـ) وقيل في سنة (١٩ هـ)(٣).
__________
(١) معجم البلدان ٣ /١١٧ـ١١٨.
(٢) معجم البلدان ٣ / ١١٧)؛ عن المسالك والممالك ١/٧١ـ٧٣.
(٣) معجم البلدان ٣ / ١١٧ـ١١٨.
روىٰ في فتوح البلدان عن الكلبي عن أبي مخنف قال: «إنّ عمر بن الخطّاب كتب إلىٰ عمّار بن ياسر وهو عامله علىٰ الكوفة بعد شهرين من فتح نهاوند يأمره أن يبعث عروة بن زيد الخيل الطائي إلىٰ الري ودستبي في ثمانية آلاف ففعل، وسار عروة إلىٰ هناك فجمعت له الديلم وأمدّهم أهل الري فقاتلوه، فأظهره الله عليهم فقتلهم واستباحهم؛ وكانت وقعة عروة كسرت الديلم وأهل الري، وصالحه أيضاً أهل دستبي الرازي، وكانت دستبي قسمين؛ قسماً رازيّاً وقسماً همذانيّاً»(١).
والذي يبدو من تاريخ بلاد الري أنّ هذه البلاد قد فُتحت أكثر من مرّة؛ فقد روىٰ البلاذري عن يحيىٰ بن ضريس قاضي الري، قال: «لم تزل الري بعد أن فتحت أيّام حذيفة تنتقض وتفتح حتّىٰ كان آخر من فتحها قرضة بن كعب الأنصاري في ولاية أبي موسىٰ الكوفة لعثمان، فاستقامت، وفي زمن خلافة علي عليهالسلام ، ولّىٰ علي عليهالسلام يزيد بن حجبة بن عامر الري ودستبي فكسر الخراج فحبسه فخرج فلحق بمعاوية»(٢).
ومهما يكن من أمر فتح بلاد الري، فإنّها توسّعت كثيراً في عصر الدولة العبّاسية، وزادت مواردها المالية وكثر خراجها وانتعش اقتصادها.
فقد روي عن جعفر بن محمّد الرازي، قال: «لـمّـا قدم المهدي ـ العبّاسي ـ الري في خلافة المنصور، بنىٰ مدينة الري التي بها الناس اليوم وجعل حولها خندقاً وبنىٰ فيها مسجداً جامعاً، وجرىٰ ذلك علىٰ يد عمّار بن أبي الخصيب، وكتب اسمه علىٰ حائطها، وتمّ عملها سنة (١٥٨ هـ)... ولم تزل قطيعة الري
__________
(١) المصدر نفسه ٣ /١١٨؛ فتوح البلدان: ٣١٥.
(٢) فتوح البلدان: ٣١٥.
اثني عشر ألف ألف درهم حتّىٰ اجتاز بها المأمون عند منصرفه من خراسان يريد مدينة السلام، فلقيه أهلها وشكوا إليه أمرهم وغلظ قطيعتهم فأسقط عنهم منها ألفي ألف، وأسجل بذلك لأهلها، وحكىٰ ابن الفقيه عن بعض العلماء قال: في التوراة مكتوب الري باب من أبواب الأرض وإليها متجر الخلق، وقال الأصمعي: الري عروس الدنيا وإليه متجر الناس»(١).
وكانت ولاية الري ودستبي تابعة للكوفة إداريّاً وعسكريّاً وماليّاً، وأمر تنصيب واليها من صلاحيّات والي الكوفة، وفي حينها «كان ـ والي الكوفة ـ عبيد الله بن زياد، قد جعل لعمر بن سعد بن أبي وقّاص؛ ولاية الري إن خرج علىٰ الجيش الذي توجّه لقتال الحسين بن علي (رضي الله عنه) فأقبل يميل بين الخروج وولاية الري والقعود، وقال:
|
أأتركَ ملك الري والري رَغَبَةٌ |
|
أم أرجع مذموماً بقتل حُسَين |
|
وفي قتله النار التي ليس دونها |
|
حجابٌ وملكُ الري قُرةُ عَين |
فغلبه حبّ الدنيا والرياسة حتّىٰ خرج فكان من الحسين (رضي الله عنه) ما كان»(٢).
وفي كتاب أحسن التقاسيم للمقدسي، عند التعريف بمدينة (الري) قال: «وهذه المدينة أهلكت عمر بن سعد الشقي حتّىٰ قتل الحسين بن علي عليهالسلام ، ثمّ اختارها مع النار حيث يقول: أخزاه الله...» ثمّ ذكر البيتين كما هنا إلّا قوله: «والري رغبتي»(٣).
__________
(١) معجم البلدان ٣ / ١١٨؛ وعنه مجالس المؤمنين ١ / ١٨١.
(٢)معجم البلدان ٣ / ١١٨.
(٣) انظر: أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم: ٢٩٠؛ وللتوسّع انظر: مقتل الحسين: ١٩٧ـ١٩٨
ومدينة الري في الوقت الحاضر مدينة واسعة مترامية الأطراف تقع في الجنوب الغربي من مدينة طهران، وملاصقة لها حيث امتدّ العمران بين المدينتين فأصبحتا بمثابة المدينة الواحدة، فبعد أن كانت طهران تعدّ من قرىٰ الري بينهما نحو فرسخ، كما يقول الحموي في المعجم(١): أصبحت الآن من توابع طهران ومن أطرافها الجنوبية.
* أهمّية الري:
ومن مجمل ما كتبه الحموي وغيره من البلدانيّين حول الري يظهر لنا أهمّية هذه المدينة جغرافيّاً وحضاريّاً واقتصاديّاً، والتي يمكن أن نلخّصها بما يلي:
أوّلاً: موقعها الجغرافي:
حيث إنّها الإقليم الرابع وأمّ البلاد الإيرانية وتتوسّط البلاد جغرافيّاً، وإنّها من أمّهات البلاد وأعلام المدن، ولها قرىٰ كبار، كلّ واحدة أكبر من مدينة.
ثانياً: إنّها مدينة عامرة:
«وليس بعد بغداد في المشرق أعمر منها» حيث امتدّ العمران واشتبك البناء والعمارة فيها منذ القدم حتّىٰ سمّيت بشيخ البلاد، وقد ساهم كثير من الملوك والأمراء في تجديد البناء والعمران فيها، وتوسّع العمران فيها حتّىٰ أصبحت تشتمل ـ بحسب بعض المصادر القديمة ـ علىٰ ثلاثة آلاف مسجد، وألفين وسبعمائة وخمسين منارة بالإضافة إلىٰ أرقام كبيرة أخرىٰ في عدد مدارسها،
__________
نهضة كربلاء والعزّة الحسينية: ٤٣٣ وما بعدها؛ تاريخ الكوفة: ٢٦٤ وما بعدها.
(١) معجم البلدان ٤ / ٥١ ـ ٥٢.
وحمّاماتها، وخانات نزول المسافرين إليها...(١).
ثالثاً: كثرة خيراتها وازدهار تجارتها:
وقد تحدّثت كتب الخراج(٢) عن مقدار خراجها ونقل عنها الحموي في المعجم كما مرّ سابقاً، ويحدّثنا الطبري عن كثرة الغنائم التي غنمها جيش المسلمين عند فتحها يقول: «وأفاء الله علىٰ المسلمين بالري نحواً من ما في المدائن»(٣). ولهذا كانت هذه البلاد مطمع الطامعين والمتهالكين علىٰ حكّام الدنيا من أمثال عمر بن سعد الذي نقل عنه: «أأترك ملك الري والري منيتي...».
رابعاً: أهمّيتها السياسية:
لهذه المدينة أهمّيتها السياسية فقد اتّخذها الديالمة ولسنين متمادية عاصمة لدولتهم، ومن قبلهم اتّخذها أبو مسلم المروزي مركزاً لتجميع القوىٰ العسكرية، ووقعت فيها قضايا وحوادث سياسية كثيرة لها أهمّيتها التاريخية والسياسية(٤).
خامساً: إنّها مدينة العلم والعلماء:
فقد برز في هذه المدينة علماء كبار يشدّ إليهم الرحال في مختلف شؤون المعرفة، وقد ذكر أسماء بعضهم الحموي في المعجم فقال: «ومن أعيان من ينسب إليها ـ أي: الري ـ أبو بكر محمّد بن زكريّا الرازي الحكيم صاحب الكتب
__________
(١) انظر: الفهرست لمنتجب الدين الرازي، مع تعليقات المحدّث الأرموي: ٣٠٧ـ٣٠٩.
(٢) انظر: الخراج والنظم المالية للدولة الإسلامية: ٥٠٣.
(٣) انظر: تاريخ الطبري، حوادث سنة اثنتين وعشرين ١ / ١٥٠ ـ ١٥١.
(٤) انظر: الفهرست لمنتجب الدين، تعليقات الأرموي: ٣٠٩.
المصنّفة، مات بالري بعد منصرفه من بغداد في سنة (٣١١ هـ)، ومحمّد بن عمر ابن هشام أبو بكر الرازي، الحافظ المعروف بالقماطري، سمع وروىٰ وجمع... وعبد الرحمن بن محمّد بن إدريس أبو محمّد بن أبي حاتم الرازي أحد الحفّاظ، صنّف الجرح والتعديل فأكثر فائدته، رحل في طلب العلم والحديث فسمع بالعراق ومصر ودمشق... وقال أبو يعلىٰ: أخذ عبد الرحمن بن أبي حاتم علم أبيه وعلم أبي زرعة وصنّف منه التصانيف المشهورة في الفقه والتواريخ واختلاف الصحابة والتابعين وعلماء الأمصار، وكان من الأبدال، ولد سنة (٢٤٠ هـ) ومات سنة (٣٢٧ هـ)... وإسماعيل بن علي بن الحسين بن محمّد بن زنجوية أبو سعد الرازي المعروف بالسمّان الحافظ، كان من الكثيرين الجوّالين، سمع من نحو أربعة آلاف شيخ... مات في (الرابع والعشرين من شعبان سنة ٤٤٥ هـ)، وكان معتزليّاً، وصنّف كتباً كثيرة، وكان فيه دين وورع، ومحمّد بن عبد الله بن جعفر بن عبد الله بن الجنيد أبو الحسن الرازي... ويعرف في الري بأبي الرستاقي، سمع ببلده وغيره، وأقام بدمشق وصنّف، وكان حافظاً ثقة مكثراً، وأبو زرعة أحمد بن الحسين بن علي بن إبراهيم بن الحكم الحافظ الرازي...(١) وغيرهم الكثير ممّن لم يذكرهم الحموي وغيره، إلّا أنّ ممّا يؤسف له أنّ الحموي لم يذكر من أعيان ومحدّثي الشيعة اسم أحد، مع أنّه يعترف بأنّ الشيعة هم الغالبية في الري».
وممّا ينبغي أن نشير إليه أنّ الري وضواحيها كانت بمثابة الكهف الحصين للشيعة والتشيّع وخاصّة في القرن الثالث الهجري وما بعده، واتّخذ منها أمراء
__________
(١) معجم البلدان ٣ / ١٢٠ـ١٢١.
الشيعة وعلماؤها مركزاً لنشر فكر أهل البيت عليهمالسلام (١).
والسؤال الذي يطرح نفسه، لماذا لم يكتب للري تاريخ مفصّل كما كتب للحواضر الإسلامية الأخرىٰ، مثل تاريخ بغداد للخطيب البغدادي، وتاريخ دمشق الكبير لابن عساكر، وتاريخ حلب لابن عديم، وتاريخ واسط، وتاريخ القاهرة... وغيرها من المدن التي لم يكن بعضها بأهمّية مدينة الري؟
قد يكون السبب أنّ أغلبية سكّانها كانوا من الشيعة ولهذا طمس وأخفي تاريخها من قبل علماء المذاهب الأخرىٰ، أو لم يكن لديهم الرغبة في إظهار تاريخها وتاريخ علمائها!
ولكن يبقىٰ السؤال، لماذا لم يبادر علماء الشيعة أنفسهم لكتابة هذا التاريخ؟
ونقول في جواب هذا السؤال: إنّ للشيخ الأقدم منتجب الدين أبي الحسن علي ابن عبيد الله بن بابويه الرازي صاحب كتاب الفهرست ـ وهو من أبرز أعلام الري في القرن الخامس الهجري ـ مصنّفاً بعنوان: تاريخ الري، كما نصّ علىٰ ذلك تلميذه أبو القاسم عبد الكريم بن محمّد بن عبد الكريم القزويني الرافعي (٦٢٣هـ) في كتابه التدوين في تاريخ قزوين حيث قال في ترجمة أستاذه منتجب الدين: «وكان يسوّد تاريخاً كبيراً للري، فلم يقض له نقله إلىٰ البياض، وأظنّ مسوّدته ضاعت بموته»(٢).
ويعلّق السيّد عبد العزيز الطباطبائي في مقدّمته التحقيقية للفهرست بعد أن ينقل قول الرافعي فيقول: «أقول: بل لم تضِع بموته ولا بعد موته، ولعلّه بيّضه أيضاً، وكان موجوداً في القرن الثامن، فقد نقل عنه السبكي المتوفّىٰ سنة (٧٧١هـ) في
__________
(١) فهرست منتجب الدين، التعليقات: ٣١٠؛ وانظر المقدّمة التحقيقية لكتاب المحاسن.
(٢) التدوين في تاريخ قزوين ١/٤٥٥.
طبقات الشافعية الكبرىٰ: (ج٧ ص٩٠) ترجمة أبي الفضائل سعد ابن محمّد المشّاط.
وبقي أيضاً إلىٰ القرن التاسع وحصل عليه الحافظ ابن حجر العسقلاني المتوفّىٰ سنة (٨٥٢ هـ)، ونقل عنه في لسان الميزان كثيراً من تراجم أعلام السنّة والشيعة، بل نقل عنه من تراجم أعلام الشيعة جماعة لم يذكرهم المنتجب في فهرسته، فرأينا أن ننقلها ونجعلها ملحقاً في آخر الفهرست، كما نقل ابن حجر في لسان الميزان عن فهرست المنتجب أيضاً كثيراً، وربّما أطلق وقال: ذكره ابن بابويه...»
ثمّ يضيف المرحوم الطباطبائي: «والأسف أنّا إلىٰ الآن لم نظفر بتاريخ الري لابن بابويه، ولا بتاريخ الري لأبي سعد منصور بن الحسين الآبي المتوفّىٰ سنة (٤٢١ هـ)، المذكور في الذريعة(١) وفي كشف الظنون(٢)».
ويختم السيّد الطباطبائي تعليقه بقوله: «ويبدو أنّ تلميذه الرافعي تبع أثر شيخه المنتجب واقتدىٰ به؛ فألّف هو أيضاً تاريخاً كبيراً لوطنه قزوين وسمّاه التدوين»(٣).
«وقد ذكر السيّد جلال الدين الأرموي شواهد كثيرة لكتابي تاريخ الري لأبي سعد بن منصور الآبي، وتاريخ الري للشيخ منتجب الدين الرازي»(٤).
المبحث الثاني: دخول الإسلام والمذاهب الإسلامية إلىٰ الري:
يحدّثنا الحموي في معجمه عن الاتّجاه المذهبي لأهل الري، فيقول: «وكان
__________
(١) الذريعة ٣ / ٢٥٤.
(٢) كشف الظنون: د/الترجمة رقم٣٧٦.
(٣) الفهرست لمنتجب الدين: ٤٥ـ٤٦، مقدّمة الطباطبائي.
(٤) انظر: الفهرست لمنتجب الدين: ٣١٠ وما بعدها، المقدّمة والتعليقات علىٰ الكتاب.
أهل الري أهل سُنّة وجماعة إلىٰ أن تغلّب أحمد بن الحسن المارداني عليها فأظهر التشيّع وأكرم أهله وقرّبهم، فتقرّب إليه الناس بتصنيف الكتب في ذلك، فصنّف له عبد الرحمن بن أبي حاتم كتاباً في فضائل أهل البيت عليهمالسلام وغيره، وكان ذلك في أيّام المعتمد وتغلّبه عليها سنة (٢٧٥ هـ)، وكان قبل ذلك في خدمة كوتكين بن ساتكين التركي، وتغلّب علىٰ الري وأظهر التشيّع بها واستمرّ إلىٰ الآن»(١).
وفي كتاب النقض أو نقض الفضائح أو مثالب النواصب للشيخ المتكلّم الواعظ الجليل نصير الدين عبد الجليل بن أبي الحسين بن أبي الفضل القزويني في النصف الثاني من القرن السادس الهجري(٢)؛ «ورد شرح مفصّل لوضع شيعة الري وبيان للأماكن المتواجدين فيها وتحديد لمواضع سكناهم وتوزيعهم الجغرافي في تلك البقاع...»(٣). وسوف يأتينا الحديث عنها لاحقاً.
وخلاصة ما يذهب إليه الحموي هو التسليم بأنّ الأغلبية الساحقة في الري هم الشيعة، وينتشر التشيّع في أغلب القرىٰ التابعة للمركز (الري) إلّا في قرية واحدة تعرف بقرية (قوهه) والتي كانوا يسمّونها لذلك (قوهه خران) ويعود السبب في ذلك ـ علىٰ رأي بعض الباحثين ـ لأنّ أهل الري وطبرستان لم يتقبّلوا الإسلام إلّا بنوعه الشيعي دون المذهب الحكومي السنّي، وقد حفظ لنا النجاشي أنموذجاً من دخولهم في الإسلام الشيعي في ترجمة (محمّد بن همّام)(٤).
__________
(١) معجم البلدان ٣ / ١٢١.
(٢) انظر: الذريعة إلىٰ تصانيف الشيعة ٣ / ٧٢ و ٢٤ / ١٧٢ ـ ١٧٣.
(٣) انظر: الفهرست لمنتجب الدين الرازي: ١٢٩، برقم: ٢٧٧.
(٤) انظر: الذريعة ٢٤ / ١٧٧ الهامش.
قال النجاشي في ترجمة محمّد بن أبي بكر همّام بن سهل الكاتب الأسكافي: «شيخ أصحابنا ومتقدّمهم، له منزلة عظيمة، كثير الحديث، قال أبو محمّد هارون بن موسىٰ رحمهالله : حدّثنا محمّد بن همّام، قال: حدّثنا أحمد بن مابنداذ، قال: أسلم أبي أوّل من أسلم من أهله، وهداه الله إلىٰ الحقّ، فكان يدعو أخاه سهيلاً إلىٰ مذهبه فيقول له: يا أخي اعلم أنّك لا تألوني نصحاً، ولكنّ الناس مختلفون، فكلّ يدّعي أنّ الحقّ فيه، ولست أختار أن أدخل في شيء إلّا علىٰ يقين، فمضت لذلك مدّة وحجّ سهيل، فلمّا صدر من الحجّ قال لأخيه: الذي كنت تدعوني إليه هو الحقّ! قال: وكيف علمت ذاك؟
قال: لقيت في حجّي عبد الرزّاق بن همّام الصنعاني؛ وما رأيت أحداً مثله، فقلت له علىٰ خلوة: نحن قوم من أولاد الأعاجم وعهدنا بالدخول في الإسلام قريب وأرىٰ أهله مختلفين في مذاهبهم، وقد جعلك الله من العلم بما لا نظير لك فيه في عصرك ولا مثل، وأريد أن أجعلك حجّة فيما بيني وبين الله عزّ وجلّ، فإن رأيت أن تبيّن لي ما ترضاه لنفسك من الدين لأتّبعك فيه وأقلّدك؛ فأظهر لي محبّة آل رسول الله صلىاللهعليهوآلهوتعظيمهم والبراءة من عدوّهم والقول بإمامتهم، قال أبو علي: أخذ أبي هذا المذهب عن أبيه عن عمّه، وأخذته عن أبي»(١).
ويحدّثنا الحموي عن بعض مشاهداته لمدينة الري والصراع المذهبي الذي أدّىٰ إلىٰ خرابها، فيقول: «وكانت ـ أي: الري ـ مدينة عظيمة خرب أكثرها، واتّفق أنّني اجتزت في خرابها سنة (٦١٧ هـ)، وأنا منهزم من التتر، فرأيت حيطان خرابها قائمة ومنابرها باقية، وتزاويق الحيطان بحالها لقرب عهدها بالخراب إلّا أنّها خاوية علىٰ عروشها، فسألت رجلاً من عقلائها عن السبب في ذلك فقال: أمّا السبب فضعيف
__________
(١) رجال النجاشي: ٣٧٩ ـ ٣٨٠.
ولكن الله إذا أراد أمراً بلغه، كان أهل المدينة ثلاثة طوائف: شافعية وهم الأقلّ، وحنفية وهم الأكثر، وشيعة وهو السواد الأعظم، لأنّ أهل البلد كان نصفهم شيعة، وأمّا أهل الرستاق فليس فيهم إلّا شيعة وقليل من الحنفيّين ولم يكن فيهم من الشافعية أحد، فوقعت العصبية بين السنّة والشيعة فتضافر عليهم الحنفية والشافعية وتطاولت بينهم الحروب حتّىٰ لم يتركوا من الشيعة من يُعرف، فلمّا أفنوهم وقعت العصبية بين الحنفية والشافعية ووقعت بينهم حروب كان الظفر في جميعها للشافعية، هذا مع قلّة عدد الشافعية إلّا أنّ الله نصرهم عليهم... فهذه المحالّ الخراب التي ترىٰ هي محالّ الشيعة والحنفية، وبقيت هذه المحلّة المعروفة بالشافعية وهي أصغر محالّ الري ولم يبقَ من الشيعة والحنفية إلّا من يخفي مذهبه...»(١).
هذا ما ذكر الحموي في المعجم وقد ردّه القاضي التستري في مجالس المؤمنين، مستنداً إلىٰ ما قاله صاحب كتاب النقض حول الشافعية في كتابه.
قال التستري: ولا يخفىٰ أنّ ما كتبه ياقوت في سبب خراب الري عن بعض العقلاء خلاف الظاهر، وكأنّما وقع هذا القول موضع القبول منه لاتّحادهم في المذهب لأنّ ياقوت شافعي أيضاً؛ ولذا يؤنسه أن تكون العلّة في خراب الري كما ذكره صاحبه، لكنّ الوجه الذي ذكره صاحب النقض يدلّ علىٰ أنّ الشافعية أقلّ وأذلّ من أن يكونوا طرفاً في الخصام مع الحنفية في ولاية الري، وكان الحنفية يتّحدون مع الشيعة علىٰ إذلال الشافعية، والذي صيّر هؤلاء طعمة للذلّ والخذلان أنّهم قلّة لا يعتدّ بها أوّلاً.
ثمّ هم أتباع الأشعري بالأصول وهم مجبّرة، وهذا الاعتقاد فرض عليهم
__________
(١) معجم البلدان ٣ / ١١٧.
الذلّ والاستعباد؛ وكم من مرّة أجبروهم علىٰ التنصّل من مذهبهم والإقرار ببطلانه علىٰ المنبر.
وفي كتاب النقض ورد شرح مفصّل لوضع شيعة الري وبيان للأماكن المتواجدين فيها وتحديد لمواضع سكناهم وتوزيعهم الجغرافي في تلك البقاع(١).
وأكثرية الشيعة في الري علىٰ اتّباع المذاهب الأخرىٰ من المسلّمات التي لم يستطِع أن ينكرها حتّىٰ صاحب كتاب فضايح الروافض إلّا أنّه حاول أن يقلّل من أهمّية هذه الكثرة في ميزان قبول الحقّ، فنجده يعرِّض بشيعة الري فيقول: «ليس المفروض اتّباع مذهب البلد؛ بل مذهب الحقّ، ولمّا كان الأكثرية من الناس في الري روافض لا ينبغي أن يغترّ المغترّ بذلك لأنّ الحقّ لا يقاس بالأعداد».
فيقول صاحب النقض في جوابه: «هذا القول من القائل محض مكابرة لأنّ قوماً من الصحابة أمثال سلمان وأبي ذرّ والمقداد وعمّار وجابر وأبي أيّوب وخزيمة وزيد(٢) متّفقون علىٰ إمامة أمير المؤمنين عليهالسلام، يقولون: لا اعتبار بهذه القلّة والمرجع المعتبر كثرة المهاجرين والأنصار، يقولون هذا ثمّ هم ينقضون ما يقولون إذ لم يعتبروا كثرة التشيّع في أهل الري، ويقولون لا اعتبار بالكثرة ولا اعتماد عليها، وينفي هذا المسكين ما قاله في الأوّل في قوله الآخر وأبطله.
وهذا عينه هو مذهب الشيعة حيث لا يقيمون للكثرة أو القلّة في معرفة الحقّ وزناً، إنّما المرجع في ذلك هو العقل والنظر والمعرفة؛ فالمحقّ محقّ وإن كان
__________
(١) مجالس المؤمنين ١ / ١٨٣.
(٢) المراد: (أسامة بن زيد) لأنّ زيداً استشهد في وقعة مؤتة في عصر رسول الله صلىاللهعليهوآله فالإطلاق من قبيل ذكر اسم الأب وإرادة الابن، مثل جرير، وطبري.
واحداً، والمبطل مبطل وإن نيّف علىٰ المائة ألف، إنّ الحقّ لا يعرف بالرجال وإنّما الرجال يعرفون بالحقّ»(١).
ومهما يكن من أمر، فإنّ انتشار التشيّع في الري وتوابعها من المدن والنواحي الأخرىٰ له أسباب موضوعية كثيرة سوف نتوقّف عندها لاحقاً.
المبحث الثالث: تاريخ التشيّع في الري:
شهدت مدينة الري ـ وخلال فترة زمنية امتدّت لما يقارب سبعة قرون من الزمن ـ تغييراً عقائديّاً مذهبيّاً وتحوّلت فيه هذه المدينة، تدريجيّاً من النزعة الناصبية (نصب العداء لأهل البيت عليهمالسلام ) وخُتم بالتشيّع الإمامي... وكان هذا التحوّل منبثقاً عن ظروف داخلية وأسباب طبيعيّة(٢).
ولهذا التحوّل المذهبي والعقدي (من النصب إلىٰ الولاء) مسيرة تاريخية طويلة، ولها أسبابها الموضوعية، وعلىٰ رأسها النظام السياسي الحاكم وولاة العهد الأموي؛ إذ كانوا في الغالب وخلال فترة تسعين سنة من العهد الأموي (٤١ـ ١٣٢هـ) ذوو نزعات أموية، وجهدوا في تربية الناس علىٰ أساس معتقداتهم الدينية، ومنهم كثير بن شهاب، والذي نصّب حاكماً علىٰ الري من قبل المغيرة بن شعبة والي الكوفة، والذي قال ابن الأثير فيه: «كان يكثر من سبّ علي علىٰ منبر الري»(٣)، وعُرف عن هذا الرجل سوابقه السيّئة في نزعته الناصبية... فإنّ وجود أمثال هؤلاء الحكّام في الري أدّىٰ إلىٰ طغيان الروح المعادية لأهل البيت عليهمالسلام
__________
(١) مجالس المؤمنين ١ / ١٨٥ ـ ١٨٦؛ وانظر: كتاب النقض: ٤٩٣ـ٤٩٤.
(٢) الشيعة في إيران: ١٨١، بتصرّف.
(٣) الكامل في التاريخ ٣ / ٤١٣ ـ ٤١٤.
فيها(١) والناس علىٰ دين ملوكهم.
وعلىٰ ضوء هذا السبب يمكن أن نوجّه الروايات التي ورد فيها الذمّ للريّ وأهلها، منها الرواية التي ينقلها ابن الأسكافي في المعيار والموازنة والتي يذكر فيها ثلاثة مدن بوصفها مدناً ناصبية قائلاً: «بلدان النصب: الشام والري والبصرة»(٢) ومن المعروف أنّ ابن الأسكافي كان معتزليّاً ولم يكن من الشيعة الإمامية(٣).
ومنها الروايات المنسوبة لأهل البيت عليهمالسلام والتي تذمّ أهل الري وتشير إلىٰ الاتّجاهات والميول غير الشيعية القائمة هنالك، منها:
يقول ابن الفقيه الهمداني؛ ورد في أخبار آل محمّد أنّ الري ملعونة؛ وهي علىٰ بحر عجاج وتربتها تربة ديلمية تأبىٰ أن تقبل الحقّ(٤).
وروىٰ الحموي في المعجم عن الإمام الصادق عليهالسلام في أهل الري: «الري وقزوين وساوه ملعونات مشؤومات»(٥).
وفي رواية أخرىٰ عن الإمام الصادق عليهالسلام في أهل الري: «... وأهل مدينة تدعىٰ الري هم أعداء الله وأعداء رسوله وأعداء أهل بيته، يرون حرب أهل بيت رسول الله صلىاللهعليهوآله جهاداً»(٦).
__________
(١) الشيعة في إيران: ١٨٢.
(٢) المعيار والموازنة: ٣٢.
(٣) انظر: الشيعة في إيران: ١٨٣.
(٤) المصدر نفسه: ١٨٤، عن مختصر البلدان: ٢٧٢ وانظر: معجم البلدان: ٣ ٣ / ١١٩.
(٥) معجم البلدان: ٣ / ١١٨، عن الكافي .
(٦) بحار الأنوار: ٥ / ٢٧٩ و ٦٩ / ٢١٢؛ الخصال: ٩٦.
ويمكن أن يشير قول الإمام: «يرون حرب أهل بيت رسول الله...» بنحو من الأنحاء إلىٰ مشاركة ثلّة من أهل الري وإلىٰ دورها في واقعة كربلاء، وقد وافق عمر بن سعد علىٰ قيادة الحرب ضدّ أهل بيت رسول الله صلىاللهعليهوآله طمعاً في حكومتها(١).
هذه نماذج من الروايات التي تحدّثت عن الري وأهلها بشكل سلبي؛ وهي تعود إلىٰ القرن الثاني الهجري، وفي عصر لم يكن التشيّع منتشراً في هذا البلاد؛ وفي مقابل ذلك نجد روايات أخرىٰ، صدرت في نفس الفترة الزمنية تكيل المدح لأهل قم وساوه(٢)، وهذا يعني أنّ هنالك نزعة موالية لأهل البيت عليهمالسلام في هذين البلدين، في مقابل النزعة المعادية للتشيّع في الري.
ومهما يكن من أمر الري في مرحلتها الأولىٰ إلّا أنّه ينبغي أن لا نغفل أنّ عدداً من محبي أهل البيت عليهمالسلام كانوا موجودين في هذه المدينة إبّان العصر الأموي أيضاً، وقيل: إنّ منهم مَن كان في صفوف أنصار زيد بن علي ومبايعيه، ونقل لنا التاريخ أنّ عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر سيطر علىٰ الجبل (الري) وإصفهان وفارس والدينور ونهاوند سنة (١٢٧ هـ)، بيد أنّ حكومته لم تستمرّ طويلاً(٣).
المبحث الرابع: عوامل انتشار التشيّع في الري:
انتشر التشيّع في الري تدريجيّاً بعد القرن الثاني ووصل إلىٰ أوج انتشاره وتجذّره في نهاية القرن السادس الهجري والربع الأوّل من القرن السابع، بعد أنعاشت هذه البلدة وأهلها في بدايات تكوينها المذهبي، حالة من القطيعة مع فكر
__________
(١) الشيعة في إيران: ١٨٤.
(٢) انظر: مجالس المؤمنين للشوشتري ١ / ٩١ ـ ٩٤.
(٣) الشيعة في إيران: ١٨٤ـ١٨٥، نقلاً عن مقاتل الطالبيّين: ١٣٢؛ ونثر الدرر ١/٤٢٧.
أهل البيت وتعاليمهم وفضائلهم.
ولهذا التحوّل والانتشار الواسع للتشيّع أسباب موضوعية يمكن إيجازها بمايلي:
العامل الأوّل: سقوط الدولة الأموية؛ وظهور حديث فضائل أهل البيت عليهمالسلام :
بسقوط الدولة الأموية سنة (١٣٢ هـ)، رفع الخطر ـ نسبيّاً ـ عن المحدّثين والرواة، حيث كانت هذه الفئة تعيش تحت وطأة الحاكم الأموي وسياساته في حجب نشر روايات الفضائل لأهل البيت عليهمالسلام ، ونشر الروايات المختلقة والموضوعة في فضائل المناوئين لهم، فانطلق هؤلاء الرواة في نشر فضائل أهل البيت في عموم البلدان التي دخلها الإسلام بصيغته وصبغته الأموية، ومنها بلاد الري، ويعدّ: «نقل فضائل أهل البيت عليهمالسلام أوّل خطوة لإلغاء النزعة الناصبية، كما أنّه تمهيد لمراحل مقبلة في بثّ التشيّع»(١).
وقد ذكر الذهبي أنموذجاً لراوي يدعىٰ (عبد الله بن عبد القدّوس) قال عنه: «كان شافعيّاً، وجميع أحاديثه في فضائل أهل البيت»(٢).
ونقرأ في ترجمة ابن إسحاق صاحب السيرة أنّه قدم إلىٰ الري، وقرأ سيرته علىٰ البعض (حدَّث بالري وأملىٰ)، واتُّهم بالتشيّع(٣).
العامل الثاني: اتّصال بعض أهل الري وساكنيها بالأئمّة عليهمالسلام :
«وما ظهر من تشيّع أصيل بالري في أواخر القرن الثاني الهجري يتمثّل في
__________
(١) الشيعة في إيران: ١٨٥.
(٢) تاريخ الإسلام ١٦ / ٢٢١ ـ ٢٣٠.
(٣) انظر: مقدّمة كتاب السيرة النبوية ١ / ١٤ـ١٥؛ سيرة ابن إسحاق: ١٣٠.
اتّصال بعض أهلها وساكنيها بأئمّة الشيعة عليهمالسلام وأوّل رواية تحدّثت عن الاتّصال نقلت لنا اتّصال أحد شيعة الري بالإمام الكاظم عليهالسلام ، ودلّت الرواية علىٰ أنّ حاكم آنذاك كان من الشيعة أيضاً...»(١).
العامل الثالث: أصحاب الأئمّة من أهل الري:
عندما نعود إلىٰ أسماء أصحاب الأئمّة عليهمالسلام نلاحظ أنّ بينهم ممّن يلقّب بالرازي، وتبدأ القائمة بأصحاب الإمام الكاظم عليهالسلام إلىٰ بعض وكلاء الإمام المهدي عليهالسلام ، «وهؤلاء إمّا كانوا من أهل الري، أو أنّهم أقاموا فيها برهة فلقّبوا بذلك اللقب»(٢).
ففي رجال النجاشي نجد:
١ـ بكر بن صالح الرازي... روىٰ عن أبي الحسن موسىٰ عليهالسلام .
٢ـ بكر بن عبد الله بن حبيب المُزني... يسكن الري(٣).
وفي مسند الإمام الكاظم عليهالسلام للشيخ العُطاردي ذكر من أصحاب الإمام الكاظم عليهالسلام والرواة عنه، مّمن لقّب بالرازي:
١ـ الحسين بن محمّد الرازي الأشناني... يروي عنه الصدوق في كتبه ويصفه بالعدل.
٢ـ علي بن عثمان الرازي، من رواة الإمام أبي الحسن الأوّل كما في جامع الرواة.
٣ـ عمرو بن عثمان الرازي، وهو مشترك بين جماعة من أهل الحديث
__________
(١) الشيعة في إيران: ١٨٥؛ وانظر: بحار الأنوار ٤٨ / ١٧٦ ح ١٦؛ وأعلام الدين: ٩٢.
(٢) الشيعة في إيران: ١٨٦.
(٣) رجال النجاشي: ١٠٩، برقم: ٢٧٦ و ٢٧٧.
المعاصرين للإمام الكاظم(١).
وفي مسند الإمام الرضا للمؤلّف نفسه؛ ذكر من أصحاب الإمام الرضا عليهالسلام ممّن لقّب بالرازي:
١ـ أبو الحسين الرازي.
٢ـ حسن بن عبد الله الرازي.
٣ـ عبد الله بن محمّد الرازي(٢).
وهكذا نجد من أهل الري من اتّصل بالإمام الجواد والإمام الهادي ‘(٣).
وجاء في رجال النجاشي ضمن ترجمة سهل بن زياد قال: «سهل بن زياد أبو سعيد الآدمي الرازي، كان ضعيفاً في الحديث... وكان أحمد بن محمّد بن عيسىٰ يشهد عليه بالغلوّ والكذب وأخرجه من قم إلىٰ الري وكان يسكنها، وقد كاتب أبا محمّد العسكري عليهالسلام علىٰ يد محمّد بن عبد الحميد العطّار للنصف من شهر ربيع الآخر سنة خمس وخمسين ومائتين... له كتاب التوحيد... وله كتاب النوادر»(٤).
ويعدّ السيّد عبد العظيم الحسني من أبرز أصحاب الأئمّة والرواة عنهم في هذه الحقبة من عصر التشيّع في بلاد الري، حيث عدّ في أصحاب الإمام الرضا، والإمام الجواد، والإمام الهادي عليهمالسلام (٥)، وقد أثنوا عليه كثيراً، وله ترجمة واسعة في
__________
(١) مسند الإمام الكاظم ٣ / ٣٦٦ و ٤٧٠ و ٤٨٣.
(٢) مسند الإمام الرضا ٢ / ٥١٥ و ٥٢٥ و ٥٧٣.
(٣) انظر: مسند الإمام الجواد: ١٢٨ وص٣١٢ وص٣٣٠؛ مسند الإمام الهادي: ٣١٧ وص٣٢٠ وص٣٣٣.
(٤) رجال النجاشي: ١٨٥.
(٥) انظر: رجال الطوسي: ٣٨٧؛ رجال النجاشي: ٢٤٧.
كتب التراجم سوف نتوقّف عندها؛ باعتباره مَعْلَماً من معالم التشيّع في بلاد الري.
وهكذا نصل إلىٰ عصر الغيبة الصغرىٰ، حيث نجد اتّصال الإمام عليهالسلام بشيعته بواسطة وكلائه في البلدان، ومنها بلاد الري وشيعتها؛ فقد ورد اسم أبي الحسين محمّد بن جعفر بن محمّد بن عون الأسدي (ت ٣١٢ هـ) كأحد الوكلاء في بلاد الري غير المباشرين للإمام الغائب المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف ، قال عنه النجاشي: «محمّد بن جعفر بن محمّد بن عون الأسدي أبو الحسين الكوفي، ساكن الري... كان ثقة صحيح الحديث، إلّا أنّه روىٰ عن الضعفاء...»(١).
وجاء في كتاب الغيبة للشيخ الطوسي، عن صالح بن أبي صالح قال: «سألني بعض الناس في سنة تسعين ومائتين قبض شيء [للإمام] فامتنعت من ذلك، وكتبت استطلع الرأي، فأتاني الجواب: بالري محمّد بن جعفر فليدفع إليه الأموال، فإنّه من ثقاتنا»(٢).
نكتفي بهذه الإشارات الموجزة حول الرواة من أصحاب الأئمّة ممّن ينتسبون إلىٰ بلاد الري ويلقّبون بالرازي، ولم نكن في استقصاء عددهم وأسمائهم ورواياتهم في كتب الحديث المشهورة عند الشيعة وخاصّة الكتب الأربعة، فقد كفانا بعض الباحثين مؤونة ذلك(٣).
العامل الرابع: السيّد عبد العظيم الحسني ودوره في انتشار التشيّع في الري:
قال النجاشي في ترجمته: «عبد العظيم بن عبد الله بن علي بن الحسن بن زيد
__________
(١) رجال النجاشي: ٢٧٣، برقم: ١٠٢٠.
(٢) غيبة الطوسي: ٤١٥.
(٣) انظر: الشيعة في إيران: ١٨٩.
ابن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهمالسلام ، أبو القاسم.
له كتاب خطب أمير المؤمنين عليهالسلام قال: أبو عبد الله الحسين بن عبيد الله... حدّثنا أحمد بن محمّد... البرقي قال: كان عبد العظيم ورد الري هارباً من السلطان، وسَكَن سَرَباً(١) في دار رجل من الشيعة في سِكّة الموالي، وكان يعبد الله في ذلك السَّرَب، ويصوم نهاره ويقوم ليله، وكان يخرج مستتراً فيزور القبر المقابل لقبره، وبينهما طريق، ويقول: (هو قبر رجل من ولد موسىٰ بن جعفر عليهالسلام ).
فلم يزل يأوي إلىٰ ذلك السَّرَب، ويقع خبره إلىٰ الواحد بعد الواحد من شيعة آل محمّد عليهمالسلام ، حتّىٰ عرفه أكثرهم...»(٢).
ليس لدينا تاريخ دقيق لسنة وصوله إلىٰ الري والذي يبدو ومن خلال ما نقله صاحب كتاب منتقلة الطالبية أنّ هروب الحسني كان من طبرستان إلىٰ الري، حيث قال: «بالري أبو القاسم عبد العظيم بن عبد الله بن علي بن الحسن بن زيد ابن الحسن، من ناقلة طبرستان، وهو المحدّث الزاهد، صاحب المشهد في الشجرة بالري، وقبره يزار»(٣).
ولابدّ أن يكون في العقد الخامس من القرن الثالث الهجري، في العصر الذي كان ولاة الدولة الطاهرية يضطهدون الناس... وذكر الصاحب بن عبّاد أنّه سكن في ساربانان، وكانت ساربانان في سكّة الموالي ـ وهي نقطة التقاء المناطق
__________
(١) السَّرَب: الطريق، ويقال: خَلِّ سِرْبَهُ، أي: طريقه. (لسان العرب: مادّة سرب، والسَّرَب، بفتحتين، بيتٌ في الأرض؛ مختار الصحاح: مادّة سرب).
(٢) رجال النجاشي: ٢٤٧، برقم: ٦٥٣.
(٣) انظر: منتقلة الطالبية: ١٥٦ ـ ١٥٧.
الجغرافية الخاضعة للمذهب الحنفي، والشافعي والشيعي(١).
وقد وردت روايات كثيرة في فضله وفضل زيارته، وكان الإمام الهادي عليهالسلام يُرجع شيعته إليه، كما في رواية أبي حمّاد الرازي الذي وفد علىٰ الإمام الهادي في سامراء وطرح عليه بعض مسائله وأجابه الإمام عنها، ثمّ قال له الإمام عليهالسلام : «يا حمّاد، إذا أشكل عليك شيء من أمر دينك بناحيتك، فسَل عنه عبد العظيم بن عبد الله الحسني، واقرأه منّي السلام»(٢).
ولا نعرف بدقّة سنة وفاة السيّد الحسني، ولكنّ القدر المسلّم أنّه توفّي قبل استشهاد الإمام علي الهادي عليهالسلام ، ولهذا نجده عليهالسلام يشير إلىٰ فضيلة زيارة قبر عبد العظيم علىٰ ذلك الرجل الذي زار الإمام الحسين بن علي عليهالسلام وقد تحمّل الشدائد والصعاب من أجل ذلك، فقال له الإمام ـ كما في الرواية ـ: «أما لو زرت قبر عبد العظيم عندكم كنت كمن زار الحسين عليهالسلام بكربلاء» وورد في زيارته: «السلام عليك أيّها السبط المنتجب المجتبىٰ، السلام عليك يا من بزيارته ثواب زيارة سيّد الشهداء»(٣).
فنرىٰ ورود عدد من الروايات في فضيلة زيارته، ومن المحتمل أنّها استهدفت لفت أنظار الشيعة إلىٰ الري، بل إلىٰ السكنىٰ فيها(٤).
ومهما يكن من أمر؛ فقد كان وجود السّيد عبد العظيم الحسني في الري مَعْلَماً علىٰ وجود التشيّع في تلك المدينة، كما كان ممهّداً لنموّ الدعوة الشيعية هناك،
__________
(١) الشيعة في إيران: ١٨٨؛ وانظر: منتقلة الطالبية: ١٥٧.
(٢) انظر: مستدرك الوسائل ١٧ / ٣٢١.
(٣) انظر: مفاتيح الجنان: ٨١٣.
(٤) الشيعة في إيران: ١٨٨.
ولمّا توفّي أصبح قبره مركزاً للشيعة، وكان له أثره في استقطاب الشيعة القاطنين في تلك المناطق(١).
يقول الشيخ حرز الدين في مراقد المعارف ضمن ترجمة السيّد عبد العظيم: «مرقده بالري في إيران ويُعرَف موضع دفنه قديماً أنّه دفن عند شجرة التفّاح في بستان عبد الجبّار بن عبد الوهّاب، واليوم مرقده غني عن التعريف بشيء، وله مشهد مجلّل مشيَّد بأنواع العمارات والزخرفة، وصحن عامر فيه الغرف والإيوانات، تدفن فيه الوجوه العلمية والأدبية والسياسية...»(٢).
العامل الخامس: حكومة أبي الحسن مادراني ودورها في امتداد التشيّع في الري:
وإذا تجاوزنا عصر بدايات ظهور التشيّع إلىٰ عصر امتداده وتوسّعه نجد ذلك في حكومة أبي الحسن مادراني أو مادرائي، وهو ما أشار إليه ياقوت بقوله: «وكان أهل الري أهل سنّة وجماعة إلىٰ أن تغلّب أحمد بن الحسن المادراني عليها، فأظهر التشيّع وأكرم أهله، وقرّبهم، فتقرّب إليه الناس بتصنيف الكتب في ذلك... وتغلّب علىٰ الري وأظهر التشيّع بها واستمرّ إلىٰ الآن».
ولم نجد ترجمة وافية للمادراني، سوىٰ ما ذكره الشيخ القمّي في الكنىٰ والألقاب باسم: (أحمد بن الحسن المادراني) ونقل كلام صاحب كتاب مجالس المؤمنين حول التشيّع في بلاد الري، والذي بدوره نقل كلام الحموي في المعجم،
__________
(١) المصدر نفسه: ١٨٧.
(٢) مراقد المعارف ٢ / ٥٢.
ثمّ قال في ضبط الكلمة: «والمادراني ـ بفتح الدال المهملة بعد الألف وبعدها الراء ـ هذه النسبة إلىٰ مادرانا، والظاهر أنّه من أعمال البصرة»(١).
إلّا أنّ المحقّق جلال الدين الأرموي قد جمع الأخبار المتعلّقة بالمادراني وعلاقته بكوتكين بن ساكتين التركي من سنة (٢٥٥ هـ) إلىٰ سنة (٢٧٦ هـ)، ثمّ استقلاله بالري بنفسه، وجمع بعض الأدلّة والشواهد حول تشيّع المادراني(٢).
ومهما يكن من أمر فإنّ عصر أيّام حكومة المادراني كان عصر امتداد التشيّع وتوسعته في بلاد الري، لا عصر بدايته فحسب(٣).
العامل السادس: العلويّون ودورهم في نشر التشيّع في الري:
شهدت المدن الإيرانية عامّة ومدينة الري خاصّة هجرة مكثّفة للعلويّين من الجزيرة العربية إليها؛ والتي بدأت من أواخر القرن الثاني الهجري واستمرّت إلىٰ القرن الثالث.
يقول المرعشي: «يَمَّم السادة تلك الأرجاء بعد ولاية العهد التي فوضّها المأمون إلىٰ الإمام الرضا عليهالسلام ، وكان للإمام واحد وعشرون أخاً آخر، ووصل هؤلاء الأخوة وبنو أعمامهم من السادة الحسينيّين والحسنيّين إلىٰ الري والعراق... [(عراق العجم) ثمّ أضاف:] إنّهم تفرّقوا في جبال الديلم طبرستان، بعدما بلغهم خبر استشهاد الإمام علي بن موسىٰ الرضا عليهالسلام »(٤).
__________
(١) الكنىٰ والألقاب ٢ / ٦٠٣.
(٢) انظر: مقدّمة كتاب المحاسن: صفحة: مب إلىٰ نب.
(٣) انظر: الشيعة في إيران: ١١٨.
(٤) انظر: الشيعة في إيران: ١٩١؛ نقلاً عن تاريخ طبرستان ورويان ومازندران: ٢٧٧ـ٢٧٨.
ولابدّ أن يكون أحد هؤلاء الأخوة حمزة بن موسىٰ بن جعفر عليهمالسلام ، الذي موضع قبره في الري، وعندما قدم السيّد عبد العظيم إلىٰ الري منتصف القرن الثالث الهجري، كان يزور ذلك القبر، ثمّ أصبح مزاراً للسنّة وللشيعة علىٰ الدوام(١).
وكان هؤلاء العلويّون المهاجرون إلىٰ الري ـ والذين وصل عددهم إلىٰ ٦٦ مهاجراً بحسب إحصائية منتقلة الطالبية(٢) ـ من الشيعة أو من الزيدية ويعيشون حالة التقية أحياناً وفي الوقت نفسه كانوا يدافعون عن فضائل أهل البيت عليهمالسلام ، وقال عبد الجليل الرازي في كتاب النقض: «والعلوي الصريح لا يكون إلّا إماميّاً شيعيّاً وإلّا فهو زيدي»(٣).
وكان لهؤلاء السادة العلويّين مكانتهم وسمعتهم الطيبة ولهم تأثيرهم الاجتماعي والديني، وكان لهم إسهام واضح في نشر التشيّع وفضائل أهل البيت في بلاد الري، وما جاورها من البلدان، كما أنّ بعضهم قد أحكم قبضته السياسية علىٰ الري في فترات متقطّعة من القرن الثالث الهجري(٤).
العامل السابع: التبادل العقائدي والثقافي بين قم والري:
من الأسباب الرئيسية لانتشار التشيّع في الري مجاورتها لمدينة (قم) والتي كانت ولا زالت القلعة الحصينة للشيعة والتشيّع، «وكان اتّصال قم بالري
__________
(١) الشيعة في إيران: ١٩٢.
(٢) منتقلة الطالبية: ١٥١ وما بعدها.
(٣) الشيعة في إيران: ١٩٢، وانظر: كتاب النقض: ٢٤٠ وص٢٤٣، بتصحيح ميرجلال الدين محدّث الارموي.
(٤) انظر: تاريخ إيران، از إسلام تا سلاجقه ٤ / ١٨٠.
باعثاً علىٰ إيجاد الأفكار الشيعية الإماميّة»(١).
ولم يقتصر تأثير قم المذهبي علىٰ مدينة الري فقط وإنّما امتدّ واتّسع ليشمل مدناً أخرىٰ مثل (آوه أو آبه) وهي من المدن المعروفة بنزعتها الشيعية القويّة، ونقل الحموي عن الميمندي شعراً يدلّ علىٰ تشيّع أهالي آبه؛ قال: أنشدني القاضي أبو نصر أحمد بن العلاء الميمَندي:
|
وقائلةٍ أتبغض أهل آبه |
|
وهم أعلام نظم والكتابة |
|
فقلت إليك عنّي إنّ مثلي |
|
يعادي كلّ من عادىٰ الصحابة(٢) |
وقال القزويني: «أهل آبه كلّهم شيعة»(٣)، وهكذا مدن أخرىٰ مثل كاشان، وفراهان، ومهاباد، وتفرش، وغيرها من المدن القريبة من قم والتي انتقل التشيّع إليها.
والكثير من علماء الري ومحدّثيهم كانت دراستهم وأسانيد أحاديثهم تعود إلىٰ قم وحاضرتها العلمية، ومن هؤلاء العلماء والمحدّثين الكبار الشيخ محمّد بن يعقوب الكليني الرازي (ت ٣٢٩ هـ) صاحب الكافي، أقدم موسوعة حديثية عند الشيعة، «فإنّ الرواة القمّيين والرازيّين يشكّلون زهاء تسعين بالمائة من أسناده، ولا غرو فإنّ معظم مشايخه كانوا من القمّيين كمحمّد بن يحيىٰ العطّار، وعلي بن إبراهيم القمّي، وأحمد بن إدريس الأشعري...»(٤).
__________
(١) الشيعة في إيران: ١٩٣.
(٢) معجم البلدان ١ / ٥٢.
(٣) آثار البلاد وأخبار العباد: ٢٨٣ ـ ٢٨٤.
(٤) الشيعة في إيران: ١٣٢.
وهكذا الأمر بالنسبة إلىٰ الشيخ محمّد بن علي الصدوق (٣٨١ هـ) والذي انتقل من قم إلىٰ الري واتّخذ منها مسكناً ومدفناً.
وقد تحدّثنا عن مدينة قم وأهلها وحوزتها في المجلّد السادس من موسوعة تاريخ الحوزات العلمية.
وبيّنا هناك بأنّ نشأة الشيخ الصدوق كانت في مدينة (قم) والتي كانت تمثّل إحدىٰ المراكز العلمية المهمّة للتشيّع بعد مدينة بغداد... وإنّه سافر إلىٰ بلاد الري بطلب من حاكمها ركن الدولة البويهي ورغبة من أهلها، وأقام هناك، فالتفّ حوله جماهير أهلها يأخذون عنه أحكامهم، وتحلّق حوله ذوو الفضل منهم، فأفاض عليهم من علومه ومعارفه، وأخذ هو عن شيوخ البلد ـ الري ـ في الحديث من أمثال: البردعي، والصائغ، والرازي، والقطّان... وغيرهم. وقبره بالري بالقرب من قبر عبد العظيم الحسني في بقعة شرّفت به، وأضحت مزاراً يلجأ إليه الناس ويتبرّكون به(١).
ومهما يكن من أمر، فإنّ الري، قد تعدّ الوريث العلمي والمذهبي لمدينة قم بعد أفول نجم الأشعريّين فيها في منتصف القرن الرابع الهجري وما بعدها إلىٰ الغزو المغولي الذي خرّب قم وما جاورها من البلدان... ففي هذه الفترة والتي تمتدّ إلىٰ منتصف القرن الخامس، قامت الري بمقام الريادة المذهبية والعلمية، وبرز فيها علماء كبار وخلّفت لنا إرثاً علميّاً، كما سوف يأتينا لاحقاً.
العامل الثامن: الدولة البويهية ودورها في امتداد التشيّع بالري:
شهدت الدولة العبّاسية في منتصف القرن الثالث الهجري وما بعدها من
__________
(١) تاريخ الحوزات العلمية، الحوزة العلمية في قم ٦ / ٦٤ـ٦٥، ٧٠.
سني حكمها ضعفاً كبيراً وعجزاً واضحاً في إدارة دولة كبيرة مترامية الأطراف، يخاطب خليفتها السحاب المتراكم: «أين ما تمطري فخراجك عندي»(١). ونتيجة لذلك ظهرت دويلات متعدّدة مستقلّة عن المركز والخلافة في مختلف المناطق الجغرافية السياسية للخلافة.
«فقد كانت فارس تحت سيطرة علي عماد الدولة (البويهي)، والري وإصفهان والجبل تحت سيطرة ركن الدولة (البويهي)؛ وكان الحمدانيّون يسيطرون علىٰ الموصل وديار بكر والجزيرة، وأمّا مصر والشام فقد كان يحكمها محمّد بن الطغنج، فيما كانت الأندلس بيد عبد الرحمن بن محمّد الأموي، وخراسان بيد نصر بن أحمد الساماني، واليمامة والهجر والبحرين بيد أبي طاهر القرمطي، وطبرستان تحت سيطرة الديالمة، أمّا الخليفة العبّاسي فلم يكن بيده شيء سوىٰ بغداد وعدد من المناطق في العراق»(٢).
وما كان بيد الخليفة من بغداد وغيرها كان يتحكّم به الأتراك ووزراؤهم وقادتهم العسكريّين، ولم يكن الخليفة سوىٰ ديكور وشاخص يتحكّم به هؤلاء، وإن حاول التمرّد عليهم كان مصيره القتل أو السجن أو تسميل العينين(٣).
والدولة البويهية؛ هي إحدىٰ الدويلات الشيعية التي حكمت في ظلّ الدولة العبّاسية، واستمرّ حكمها من سنة (٣٠٢ هـ) حتّىٰ سنة (٤٤٠ هـ)، ليشمل رقعة جغرافية كبيرة بسطوا فيها نفوذهم وسلطتهم السياسية في عراق العجم
__________
(١) تنسب هذه المقولة لهارون الرشيد الخليفة العبّاسي المعروف.
(٢) أطلس الشيعة: ٢١٤، ترجمة نصير الكعبي وسيف علي.
(٣) للتوسّع انظر: تاريخ الأمم الإسلامية، الدولة العبّاسية.
والعرب، انطلاقاً من شيراز ثمّ إصفهان وفارس وخوزستان والري، ثمّ توجّهوا إلىٰ بغداد وبسطوا نفوذهم فيها حيث دخل معزّ الدولة البويهي أحمد بن بويه بجيشه إلىٰ بغداد سنة (٣٣٤ هـ) وعزلوا خليفة العبّاسيّين المستكفي بالله، ونصبوا محلّه المطيع لله خليفة للمسلمين(١).
ويعود أصول البويهيّين و(آل بويه) إلىٰ الديلم حيث تصف بعض المصادر التاريخية هذه الأسرة بعبارة (الديلم أو الديالمة) وهنالك رأي آخر يُرجع أصول الأسرة إلىٰ بلاد (فارس) وإنّ آل بويه نسبوا إلىٰ الديلم لأنّهم سكنوا بلاد الديلم(٢).
وقد رجّح بعض المؤرّخين انتساب (آل بويه) إلىٰ الملك الساساني بهرام كور، بينما رأىٰ آخرون: «إنّها محاولة لتمجيد هذه الأسرة»(٣).
وأمّا مذهب البويهيّين الديني: فيذهب بعض الباحثين إلىٰ أنّ المذهب الديني لآل بويه هو المذهب الشيعي الزيدي: «تبعاً للاتّجاه العامّ الذي كان سائداً في بلاد الديلم والذي تطوّر مع بروز الحركات العلوية في تلك البلاد... حتّىٰ وصل إلىٰ الداعية الزيدي ناصر الأطروش حيث تبلور علىٰ يديه بصورة واضحة الاتّجاه الديني لهذه المنطقة وفق المذهب الزيدي... حيث شهدت بلاد الديلم والجبل ـ وهي الناحية التي انطلق منها آل بويه ـ سيادة عامّة للمذهب الزيدي»(٤).
__________
(١) أطلس الشيعة: ٢١٤.
(٢) تأريخ العراق في العهد البويهي: ٢٥.
(٣) انظر: دائرة المعارف الإسلامية الشيعية ٥ / ٢٦٠، مقالة (بويه) بقلم محمد حسن آل ياسين.
(٤) تاريخ العراق: ٢٦ ـ ٢٧.
إلّا أنّ هذا الرأي ليس له ما يدعمه؛ إذ لم يظهر علىٰ سلوك أمرائهم وأتباعهم خلال فترة سيطرتهم علىٰ الحكم سواء في فارس أو العراق أي توجّه نحو المذهب الزيدي، ولم يكن المذهب الزيدي له أتباع ينتمون إليه في تلك البلدان إلّا نزر يسير لا يعتدّ به.
وهنالك رأي آخر يذهب إليه بعض آخر من الباحثين ويتلخّص في أنّ مذهب البويهيّين كان في بدايته هو المذهب الشيعي الزيدي، وبما أنّ المذهب الإمامي الاثني عشري هو أقرب المذاهب إلىٰ المذهب الزيدي، وأنّ أعداد المنتمين إلىٰ مذهب الإمامية تشكّل قاعدة ـ جماهيرية ـ مهمّة ومساعدة، وخاصّة في بغداد، وبناء علىٰ هذا: «ومن منطلق دراسة الحسابات السياسية للزعماء البويهيّين، لم يكن هناك ما يمنع من انتقال هؤلاء إلىٰ المذهب الاثني عشري...»(١).
وفي مقابل هذين الرأيين هنالك رأي آخر: يرىٰ بأنّ ـ البويهيّين ـ كانوا شيعة إمامية من أوّل أمرهم... وذلك استناداً إلىٰ حضور الشيعة الإمامية في طبرستان منذ أوّل أيّام انتشار الإسلام هناك...(٢).
وقد حشّد أصحاب هذا الرأي شواهد مذهبية كثيرة تدلّ علىٰ تشيّع آل بويه بل ومغالاتهم في التشيّع، وخاصّة في عصر معزّ الدولة البويهي؛ ومن هذه الشواهد المذهبية:
١ـ إقامة مراسم عيد الغدير وإعلان الاحتفال العامّ في ذلك اليوم.
__________
(١) انظر: تاريخ الدولة البويهية: ٢٨٢.
(٢) أطلس الشيعة: ٢١٩.
٢ـ إقامة مراسم العزاء في عاشوراء.
٣ـ سكّ نقودهم ومسكوكاتهم وهي تحمل عبارات مثل: (علي ولي الله) بجنب (محمّد رسول الله).
٤ـ كتابه نقوش تحمل أسماء الأئمّة الاثني عشر علىٰ بعض جدران معبد برسيبولس (تخت جمشيد) في شيراز.
٥ـ نشاطهم العمراني الواسع في العتبات المقدّسة في العراق، واهتمامهم الكبير بالمظاهر والشعائر الشيعية.
٦ـ علاقاتهم الطيّبة ودعمهم لعلماء الشيعة الكبار من أمثال ابن الجنيد الأسكافي والذي اختاره معزّ الدولة البويهي مرجعاً وفقيهاً للدولة، وكذلك دعوة ركن الدولة البويهي للشيخ محمّد بن علي الصدوق القمّي للقدوم إلىٰ الري والسكن فيها، ودعمه اللامحدود له، كذلك احترامهم الكبير ودعمهم للشيخ محمّد بن محمّد بن النعمان المعروف بالشيخ المفيد.
هذه الشواهد وأمثالها تدلّ بوضوح علىٰ تشيّع البويهيّين الإمامي الاثني عشري، فإنّ هذه الإجراءات لا تتناسب مع معتقدات الزيدية المتّسمة بالوسطية(١).
هذه هي الآراء والاتّجاهات المتعدّدة حول مذهبية آل بويه؛ إلّا أنّ الواقع السياسي لدولة (آل بويه) وفترة حكمهم والذي امتدّ لأكثر من قرن من الزمن يحكي لنا تقديم مصلحتهم السياسية في السلطة علىٰ انتمائهم المذهبي، «فقد كانت دولة البويهيّين، علىٰ الرغم من هويّتها المعلنة؛ دولة بلا قومية محدّدة، أو اتّجاه مذهبي خاصّ... فعلىٰ الرغم من وضوح الانتماء الشيعي للأسرة البويهية،
__________
(١) انظر: المصدر نفسه: ٢١٩ بتصرّف.
إلّا أنّ ذلك لم يفرض عليهم حدوداً واضحة بين الزيدية والاثني عشرية من جهة، ولا بين هذين المذهبين وسائر المذاهب السنّية من جهة أخرىٰ، فقد كانت ممارسات هؤلاء ـ باستثناء معزّ الدولة ـ مورد إجماع المذاهب، بل سلكت في بعض الأحيان طريقاً يتعارض مع المذهب المفترض انتماؤهم إليه، خصوصاً مع عضد الدولة البويهي، من حيث استبعاده لبعض وجهاء الشيعة منه وتقريب بعض وجهاء وعلماء السنّة»(١).
وقد اسْتُثني ـ مُعِزّ الدولة البويهي ـ من هذا الاتّجاه العامّ للأمراء البويهيّين، حيث اندفع في بداية عهده لإبراز تشيّعه حتّىٰ المغالاة، ويبدو أنّ ذلك كان طريقة في سبيل كسب الشيعة إلىٰ جانبه.
وخلاصة الأمر: أنّ الدولة البويهية قد سارت علىٰ صيغة وسطية جديدة في إدارة السلطة والدولة كان البعد السياسي هو الغالب فيها، ولم تلتزم كثيراً بحدود التشيّع المذهبي في سياستها(٢).
ينقل التنوخي في نشوار المحاضرة عن بعض القرامطة أنّهم قالوا: «لو فطنّا لما فطن له ابن بويه الديلمي لاستقامت أمورنا؛ وذلك أنّه ترك المذاهب جانباً وطلب الغلبة والملك، فأطاعه الناس»(٣).
ولكن علىٰ الرغم من هذا التوجّه الذي سار عليه أمراء الدولة البويهية في
__________
(١) الدولة البويهية: ٢٧ ـ ٢٨؛ انظر للتوسّع: تجارب الأمم ٢ / ٣٩٩ـ٤٠٢؛ تاريخ المؤسّسة الدينية: ١٦ وما بعدها.
(٢) الدولة البويهية: ٢٨.
(٣) نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة ٤ / ٧١.
سياستهم وإدارتهم للدولة، فإنّهم كان لهم دور كبير في انتشار التشيّع في البلدان التي حكموها ومنها بلاد الري.
«إذ كانت مدينة الري ولسنين طويلة إحدىٰ الحواضر الثقافية في العالم الإسلامي، وعندما كان الصاحب بن عبّاد يتولّىٰ وزارة البويهيّين فيها، جعل منها حاضرة علمية وثقافية... والفترة البويهية هي الفترة التي حقّقت فيها الحضارة الإسلامية مجدها وذروتها، ولم يخلق هذا المجد سوىٰ التسامح المذهبي الذي اتّخذه البويهيّون في التعامل مع جميع الفرق والطوائف، حتّىٰ مع وجود بعض الصراعات والمصادمات المذهبية...»(١).
وإلىٰ جانب السياسة البويهية في الحكم نجد في هذه الفترة من الحكم البويهي ازدهاراً ثقافيّاً وفكريّاً للحضارة الإسلامية ـ من ناحية أخرىٰ ـ مهّد لانتشار التشيّع بشكل واسع خلال القرن الرابع إلىٰ منتصف القرن الخامس الهجريّين؛ ويذهب أحد الباحثين في تاريخ الحضارة إلىٰ أبعد من ذلك إذ يرىٰ أنّ القرن الرابع هو قرن الشيعة، فيقول: «إنّ نجاح آل بويه في خلق أجواء فكرية ثقافية موائمة علىٰ امتداد مائة وثلاثة عشر عام؛ سنحت الفرصة للشيعة لتوسيع دائرة أفكارهم بحرّية نسبية؛ وتدوين وتقديم عقائدهم وأحاديثهم كتباً ورسائل، وقد شهدت هذه الحقبة تنظيم النشاط العلمي لكثير من العلماء الشيعة مثل الشيخ الصدوق، والشيخ المفيد بوجه عامّ، فكلاهما كان يتمتّع بدعم الدولة البويهية، وتعدّ مقدّمة الشيخ الصدوق علىٰ كتابه عيون أخبار الرضا دليلاً علىٰ العلاقة
__________
(١) أطلس الشيعة: ٢١٩.
الوطيدة القائمة بينه وبين وزير البويهيّين الشيعي، الصاحب بن عبّاد...»(١).
وحقيقة انتشار التشيّع في القرن الرابع الهجري قد أشار إليه بعض المؤرّخين منهم المقريزي في خططه حيث يشير إلىٰ تزامن ظهور البويهيّين في بغداد، وصعود الفاطميّين في مصر، فيقول: «فانتشرت مذاهب الرافضة في عامّة بلاد المغرب، ومصر، والشام، وديار بكر، والكوفة، والبصرة، وبغداد، وجميع العراق، وبلاد خراسان، وماوراء النهر، مع بلاد الحجاز واليمن، والبحرين...»(٢).
وعزا الذهبي في تاريخه هذا التوسّع والانتشار إلىٰ الدولة البويهية، موجّهاً تهمة الرفض إلىٰ الأمراء البويهيّين جميعاً(٣).
ومهما يكن من أمر، فممّا لا شكّ فيه أنّ الدعم البويهي كان علىٰ جانب كبير من الأهمّية للحفاظ علىٰ التشيّع وبثّه، وإن كان التواجد الشيعي في بغداد ـ والري ـ قبل البويهيّين وبعدهم تواجداً حاسماً وراسخاً، ولكن في ظلّ غيابهم كان من السهولة الفتك بالشيعة وإحراق مكتباتهم كما حصل بعد سقوط الدولة البويهية ومجيء السلاجقة إلىٰ السلطة(٤).
__________
(١) المصدر نفسه: ٢١٩.
(٢) المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار المعروف بالخطط المقريزية ٤ / ١٩١.
(٣) انظر: تاريخ الإسلام ٢٦ / ٤٠.
(٤) أطلس الشيعة: ٢١٩.
الفصل الثاني
أدوار حوزة الري العلمية
تمهيد:
تبيّن لنا ممّا سبق بأنّ التشيّع في بلاد الري تشيّع قديم؛ يتزامن من دخول الإسلام إلىٰ هذه البلاد في بداية العقد الثالث من القرن الأوّل الهجري، ثمّ تمدّد وتوسّع التشيّع في هذه البلاد نتيجة تظافر جملة من العوامل أشرنا إلىٰ بعضها، حتّىٰ وصلت إلىٰ أوج تكاملها مع ظهور الدولة البويهية وبسط نفوذها علىٰ هذه المنطقة؛ بعد انتهاء دور الأشعريّين وسلطتهم العلمية في مدينة قم في القرن الرابع الهجري، ثمّ فترة الانتعاش والتوسّع في عصر الدولة البويهية والذي امتدّ إلىٰ سنة (٤٢١ هـ)، ثمّ فترة الذي أصاب هذه الحاضرة العلمية والتي امتدّت من زوال الدولة البويهية وحكم الغزنويّين والسلاجقة إلىٰ هجوم المغول عليها وعلىٰ مدينة كاشان سنة (٦٢١ هـ) وما رافق ذلك من التخريب والقتل العامّ الذي طال كلا المدينتين (قم وكاشان) وغيرها من المدن المجاورة(١) إلىٰ قيام الدولة الصفوية سنة (٩٠٦ هـ) ثمّ من زوال الدولة الصفوية إلىٰ قيام الجمهورية الإسلامية، ثمّ حوزة الري في الوقت الحاضر.
فالحوزة العلمية في الري امتداد للحوزة العلمية في قم بعد أفول نجم
__________
(١) للتوسّع انظر: الكامل في التاريخ ١٢ / ٤١٩ ـ ٤٢٠.
الأشعريّين، ثمّ مشاركتها حوزة بغداد في ركودهما النسبي وذلك بعد تسنّم السلاجقة لزمام الأمور السياسية في كلتا الحاضرتين وذلك في القرنين الخامس والسادس الهجريّين، ما عدا حوزة الحلّة العلمية والتي كانت الحوزة الفاعلة والرئيسية خلال القرنين السادس والسابع الهجريّين(١).
ولم تكن مدينة الري ـ وعلىٰ طول تاريخها ـ خالية من العلماء وحلقات الدرس والإفادة؛ فمنذ دخول نور الإسلام إليها؛ وفدها بعض الصحابة من حَمَلة العلم، وتخرّج من حلقات درسها كبار العلماء والأساتذة كما أشرنا إلىٰ ذلك سابقاً ضمن ما أشار إليه الحموي في المعجم، ومع ظهور التشيّع في هذه الديار؛ والذي سبق ظهور الدولة البويهية ظهر علماء كبار من الفقهاء والمحدّثين نشير إلىٰ بعض منهم فيما يأتينا من البحث؛ ومع ظهور الدولة البويهية، ومع الاستقرار الأمني والدعم النسبي تنامت هذه الحوزة وازدهرت؛ وعلىٰ ضوء ذلك يمكن تقسيم أدوار حوزة الري إلىٰ عدّة أدوار رئيسية بحسب الظروف الموضوعية التي مَرّت بها.
الدور الأوّل
دور التأسيس لحوزة الري القديمة في عصر الدولة البويهية
ويبدأ هذا الدور من عصر الشيخ محمّد بن يعقوب الكليني المتوفّىٰ سنة (٣٢٩ هـ) ويستمرّ إلىٰ سقوط الري بيد التتار وتخريبها سنة (٦١٦ هـ).
ويمكننا تحديد ملامح هذا الدور من خلال ما كتب عن معاصريها وعلمائها
__________
(١) انظر: تاريخ الحوزات العلمية ٦ / ٧٧ ـ ٧٩.
في كتب التراجم والسير، والفهارس وفي ثنايا كتب التاريخ العامّ والخاصّ لبلاد الري، وما حوتها من معلومات متناثرة وقليلة توضّح لنا بعض الملامح العامّة لحوزة الري العلمية لفترة زمنية تمتدّ إلىٰ ما يقارب القرنين من الزمن.
ومن أهمّ ما وصلنا من تراث هذه المرحلة كتاب الفهرست للشيخ الأقدم منتجب الدين أبي الحسن علي بن عبيد الله بن بابويه الرازي من أعلام القرن السادس الهجري.
وكذلك كتاب بعض مثالب النواصب في نقض فضائح الروافض المعروف بـ: (نقض) للشيخ نصير الدين أبي الرشيد عبد الجليل الرازي القزويني، وهو أيضاً من أعلام القرن السادس الهجري.
وتأتي أهمّية كتاب الفهرست أنّ مؤلّفه «أرّخ فيه لأكثر من سبعمائة علم من الأعلام من عصر أبي جعفر شيخ الطائفة محمّد بن الحسن الطوسي المتوفّىٰ سنة (٤٦٠ هـ) حتّىٰ عصره، وهذه الفترة تقلّ فيها مصادر التراجم، ولذا أصبح هذا الفهرست مع شدّة اختصاره موضعاً لعناية المؤلّفين في هذا الموضوع»(١) هذا من جهة.
ومن جهة أخرىٰ يعدّ كتاب الفهرست بمثابة: (مرآة التشيّع في الري)(٢).
إذ نظّم هذا الفهرس بالري، وهو يحتوي علىٰ معلومات مهمّة عن علماء الشيعة في القرن الخامس والسادس... وألّفه تلبية لطلب أحد نقباء الري، وذلك أنّه كان يرىٰ أنّ أحداً لم يصنّف فهرساً بعد الشيخ الطوسي(٣).
__________
(١) تقديم لكتاب فهرست منتجب الدين الرازي: ٣.
(٢) الشيعة في إيران: ٢١٦.
(٣) المصدر نفسه: ٢١٦.
ومن جهة ثالثة نجد في فهرست الشيخ منتجب الدين «الكثير من المعلومات المتناثرة ضمن تراجم بعض الأعلام، وبعضها معلومات حسّية قد عاصرها مؤلّف الفهرست بنفسه، وهذه المعلومات القيّمة تتعلّق بجوانب مذهبية وفكرية وثقافية بالإضافة إلىٰ الإشارة إلىٰ الآثار العلمية؛ والتي دوّنت حول الإمامة، والفقه، والعلوم القرآنية، والتي دوّنت باللغة العربية بالإضافة إلىٰ بعض الآثار المدوّنة باللغة الفارسية...»(١).
وهنالك فوائد كثيرة أخرىٰ نجدها في هذا الكتاب تعكس لنا أهمّية هذا الكتاب علىٰ وجازته؛ ولهذا حظي الكتاب ومؤلّفه: «بالإطراء والثناء البالغ في كتب الطبقات ومعاجم الرجال وفي متون الإجازات منذ عصره حتّىٰ الآن من أعلام الخاصّة والعامّة، ويذكرونه بكلّ تبجيل ويصفونه بالحفظ والأمانة والوثاقة»(٢).
هذا وقد حُقّق كتاب الفهرست وقدّم له وعلّق عليه بحواشٍ مهمّة كلا ً من السيّد جلال الدين المحدّث الأرموي، والسيّد عبد العزيز الطباطبائي، والذي قدّم للكتاب مقدّمة وافية قال في آخرها: «... وكان منتجب الدين [ناجحاً] في عمله حيث كان في إيران وتجوّل في ربوعها وكان ذا صلة بأبناء الطائفة في أرجائها، فسجّل أسماء وأحيىٰ ذكر رجال تفرّد هو بتدوينهم، ولولا أنّه سجّل ذكرهم الخالد لم نهتدِ إلىٰ شيء من ذلك، فهؤلاء أصحاب التراجم والمعاجم الذين ألّفوا في هذا المعنىٰ كلّهم عيال عليه آخذين منه ناقلين عنه... إذ تراهم عبر
__________
(١) المصدر نفسه: ٢١٧.
(٢) انظر: مقدّمة السيّد عبد العزيز الطباطبائي لكتاب فهرست منتجب الدين الرازي: ٨ وما بعدها.
القرون واردين منهله وناسكين منهجه مقتصرين في التراجم التي نقلوها عن فهرست المنتجب علىٰ ما ورد في الفهرست ولم يضيفوا إلىٰ كثير منها كثير معلومات، وهذا يدلّنا علىٰ أهمّية هذا الفهرست وأصالته فيما سجّل وقيّد وجمع وخلّد بحيث لو لم يتصدّ لها لحرمنا منها»(١).
وأمّا كتاب عبد الجليل الرازي القزويني الموسوم بـ: (بعض مثالب النواصب في نقض بعض فضائح الروافض) والمعروف بـ: (النقض)، فهو أيضاً كتاب موسوعي دوّن فيه مؤلّفه كثيراً من المعلومات المهمّة.
يقول عنه أحد الباحثين: «يحتوي كتاب النقض علىٰ أغنىٰ المعلومات عن الوضع الديني لمدينة الري، بل يحتوي علىٰ معلومات فذّة فريدة في هذا الحقل»(٢).
والمتصفّح لكتاب النقض يجد فيه معلومات كثيرة تتعلّق بمنتصف القرن السادس الهجري، ويحتوي كذلك علىٰ معلومات دقيقة عن بعض الشخصيّات الشيعية، كما وأنّه يعكس لنا بعض النشاطات والممارسات الثقافية للشيعة في الري، كما أنّه يأتي بمعلومات مهمّة عن الجغرافية المذهبية لمدينة الري والأحياء الشيعية هناك، وكذلك يتحدّث عن بعض الحواضر والأحياء الشيعية بالتفصيل...»(٣). فضلاً عن كون الكتاب من الكتب الكلامية القديمة وكتب باللغة الفارسية في القرن السادس الهجري(٤).
__________
(١) المصدر نفسه: ٤٩ بتصرّف.
(٢) الشيعة في إيران: ٢٢٢.
(٣) المصدر نفسه: ٢٢٢ ـ ٢٢٤.
(٤) مقدّمة كتاب النقض: ١٣.
ولأهمّية كتاب النقض، ومكانة مؤلّفه فقد أثنىٰ عليه العلماء والباحثون بأعلىٰ كلمات الثناء والتبجيل، وحظي مؤلّفه بمؤتمر تكريمي كبير في مدينة الري تحت عنوان: (تكريم الشيخ عبد الجليل القزويني الرازي) تحدّث فيه كبار المحقّقين والباحثين والعلماء وسلّطوا الأضواء علىٰ هذه الشخصية الفذّة، كذلك أزيح الستار عن مجموعة من مؤلّفاته ومنها كتاب النقض.
وفي لقاء سماحة آية الله السيّد علي الخامنئي بالمتصدّين لإقامة المؤتمر قال: «إنّ العمل الذي أنتم بصدده والخاصّ بالمرحوم عبد الجليل القزويني الرازي، يعدّ بنظري في ذروة الأعمال اللائقة والضرورية. لقد كان القزويني الرازي رجلاً مبرّزاً وشخصية كبيرة في الجانب العلمي والجانب الأدبي، فضلاً عن أنّ كتابه (النقض) كان مبيّناً لعقائد ومعارف أهل البيت والشيعة؛ وجاء ردّاً علىٰ ما كتبه أحد النواصب، فقد كان مملوءاً بالاستدلالات المنطقية سهلة الفهم لدىٰ الجميع، وهو شيء قيّم جدّاً، يضاف إليه كونه نصّاً أدبيّاً متيناً؛ بمعنىٰ أنّه نثر محكم وقوي جدّاً من نصوص القرن السادس الهجري... والمطّلع علىٰ اللغة الفارسية والأدب الفارسي والنثر الفارسي سوف يستحسن هذا الكتاب...»(١).
كما أنّ كلا الكتابين، الفهرست والنقض، قد حظيا باهتمام المحدّثين والمحقّقين الكبار فعملوا علىٰ تحقيقهما ونشرهما بطبعات منقّحة.
يقول المحقّق الكبير السيّد أحمد الإشكوري في مقدّمته لكتاب الفهرست بتحقيق المرحوم السيّد عبد العزيز الطباطبائي: «لقد طبع هذا الفهرست بكامله في المجلّد الخامس والعشرين من الطبعة القديمة من بحار الأنوار والجزء الخامس
__________
(١) سايت: KHAMENEI.IR.
بعد المائة من الطبعة الحديثة منه... ولكن لم يخصّ النصّ بالعناية التامّة ولم يخرج محقّقاً تحقيقاً تسكن النفس إليه؛ كان تحقيق هذا الفهرست مدرجاً في قائمة أعمال (مجمع الذخائر الإسلامية) وهيّأت بدايات للعمل فيه، إذ علمت أنّ فضيلة العلّامة المحقّق المتتبّع السيّد عبد العزيز الطباطبائي، قد قابله بعدّة نسخ وكتب عليه تعاليق مفيدة، وبعد مراجعته في طبع نسخته أذن في طبعها، علىٰ أن يعيد النظر فيها ويكمل تعاليقها كما بدأ...»(١).
وطبعة دار الأضواء لـ: فهرست منتجب الدين يحتوي علىٰ مقدّمة مهمّة للسيّد الطباطبائي رحمهالله سلّط فيها الأضواء علىٰ المؤلّف وكتابه، والنسخ التي اعتمدها في تحقيق الكتاب(٢).
كما حظي كتاب الفهرست باهتمام المحقّق الكبير المرحوم السيّد جلال الدين الأرموي المحدّث، فقام بتحقيق الكتاب وقدّم له مقدّمة رائعة، وأضاف إليه تعليقات قيّمة، وطبع الكتاب بإشراف الدكتور السيّد محمود المرعشي، ضمن منشورات مكتبة المرعشي النجفي في مدينة قم(٣).
وأمّا كتاب النقض، فقد حظي هو الآخر باهتمام المحقّقين ومؤسّسات التحقيق والنشر، فقام بتحقيقه والتعليق عليه نفس محقّق كتاب الفهرست السيّد جلال الدين الأرموي المحدّث بتوصية من أستاذه في الأدب الفارسي؛ العلّامة محمّد القزويني، والأستاذ الدكتور عبّاس إقبال آشتياني؛ فحقّق الكتاب بمقابلته
__________
(١) مقدّمة كتاب فهرست منتجب الدين الرازي: ٣ ـ ٤.
(٢) انظر: مقدّمة كتاب فهرست منتجب الدين الرازي: ٥ وما بعدها.
(٣) انظر: الفهرست: المقدّمة وما بعدها.
علىٰ خمس نسخ خطّية في (٧٤٣ صفحة) وذلك سنة (١٣٧١ هـ) الموافق لسنة (١٣٣١ ش)، وبعد فترة زمنية طويلة أعاد المحقّق النظر في الكتاب بعد توفّر نسخ خطّية جديدة منه، فطبع الكتاب سنة (١٣٥٨ ش) اعتماداً علىٰ ثلاث عشرة نسخة خطّية منه، وألحق به مجلّدين بعنوان تعليقات وتوضيحات وشروح.
واعتمد أعضاء مؤتمر الشيخ عبد الجليل القزويني الرازي علىٰ الطبعة الثانية من تحقيق السيّد جلال الدين الأرموي مع إخراج جديد وطبعة جديدة ألحق بها تلخيصاً لتعليقات وتوضيحات المحقّق الأرموي، فطبع الكتاب ضمن مؤلّفات الشيخ القزويني الرازي والتي نشرها مؤتمر التكريم سنة (١٣٩٠ ش) في (١٢٥٠صفحة)(١).
وبالنظر لما يمتاز به هذان الكتابان من امتيازات كثيرة قد لا نجدها في المصادر الأخرىٰ، فسوف نعتمد عليهما كمصدرين أوّليّين من مصادر هذا الكتاب لتدوين هذه المرحلة والدور الأوّل من أدوار تاريخ الحوزة العلمية في الري.
أوّلاً: من أبرز علماء هذا الدور:
تعدّ بلاد الري من أقدم المراكز الحضارية والتمدّن الإنساني في إيران، ويمتدّ عمر تمدّنها وحضارتها لآلاف السنين، وعرف أهلها منذ التاريخ القديم بصفة التحضّر والمدنية والفنون الراقية.
وبعد الفتح الإسلامي لهذه المدينة سنة (٢٢ هجرية) توسّعت فيها معالم
__________
(١) انظر: كتاب النقض، المقدّمة: ١٥.
العمران والتمدّن والحضارة حتّىٰ أصبحت من المدن الآهلة بالسكّان وبلغ عدد سكّانها في ذلك الوقت بحسب بعض الإحصائيّات ما يقارب المليوني نسمة(١).
ومن الطبيعي أن تنشط الحركة العلمية في ضوء هكذا تمدّن وحضارة منفتحة، وتظهر فيها حركة علمية وحوزة متمكّنة علميّاً لمختلف المذاهب الإسلامية، لها شخصيّاتها ورموزها العلمية الكبيرة، وخاصّة في القرون الإسلامية الرابعة والخامسة والسادسة، وإلىٰ سقوطها بيد المغول سنة (٦١٦ هـ).
وقد أشرنا سابقاً إلىٰ بعض أعلام السنّة بحسب ما دوّنه ياقوت الحموي في معجمه، والذي يأخذ عليه أنّه لم يذكر ولا اسم علم واحد من أعلام التشيّع في هذه البلاد!
ولهذا سوف نذكر أبرز أعلام الشيعة في حوزة الري في القرون الرابع والخامس والسادس.
١ـ ثقة الإسلام الشيخ الكليني الرازي (ت ٣٢٨ أو ٣٢٩ هـ):
هو: محمّد بن يعقوب بن إسحاق؛ الكليني، الرازي، ويعرف أيضاً بالسلسلي البغدادي، أبو جعفر الأعور(٢).
ينتسب إلىٰ بيت طيّب الأصل في كلين، قرية من قرىٰ الري، أخرج عدّة من أفاضل رجالات الفقه والحديث منهم خاله علّان الكليني، وكان هو شيخ الشيعة في وقته بالري ووجههم، ثمّ سكن بغداد في درب السلسلة بباب الكوفة،
__________
(١) انظر: عجائب المخلوقات: ٢٢٦؛ آثار البلاد للقزويني: ٣٧٥؛ معجم البلدان ٣/١١٦.
(٢) انظر: رجال النجاشي: ٣٧٧ ـ ٣٧٨، برقم: ١٠٢٦؛ فهرست الطوسي: ٢١٠ ـ ٢١١، برقم: ٦٠٢؛ الرجال: ٤٣٩، برقم: ٦٢٧٧.
وحدّث بها سنة (٣٢٧ هـ)، وقد انتهت إليه رئاسة فقهاء الإمامية في أيّام المقتدر، وقد أدرك زمان سفراء المهدي عليهالسلام ، وهو المروّج المجدّد لرأس المائة الرابعة.
وكان مجلسه مثابة لأكابر العلماء الراحلين في طلب العلم، وكانوا يحضرون حلقته لمذاكرته، ومفاوضته والتفقّه عليه(١).
وقد ذكرنا ترجمته بتفاصيلها في موسوعتنا(٢).
٢ ـ الصاحب بن عبّاد (ت ٣٨٥ هـ):
وهو: إسماعيل بن عبّاد بن عبّاس بن عبّاد بن أحمد بن إدريس الطالقاني الوزير كافي الكفاة أبو القاسم الصاحب؛ صاحب كتاب المحيط والجوهرة في اللغة، أخذ الأدب عن ابن فارس وابن العميد، وعدّه ابن شهر آشوب من الشعراء المجاهرين، وله عشرة آلاف بيت ـ من الشعر ـ في أهل البيت عليهمالسلام ، وقد ألّف ـ الشيخ الصدوق ـ كتاب عيون أخبار الرضا في شرح إحدىٰ قصائده، وألّف الثعالبي يتيمة الدهر في أحواله وأحوال شعرائه...
ولأجله ألّف الحسن بن محمّد بن الحسن القمّي كتاب تاريخ قم سنة (٣٧٨ هـ) وأطراه في أوّله في سبع صحائف وذكر فضل والده عبّاد وأنّه كان وزير ركن الدولة ـ البويهي ـ إلىٰ سنة (٣٦٦ هـ)(٣).
وفي أعلام الزركلي: «الصاحب بن عبّاد... وزير غلب عليه الأدب فكان من نوادر الدهر علماً وفضلاً وتدبيراً وجودة رأي، استوزره مؤيّد الدولة ابن بويه
__________
(١) مقدّمة الكافي ١ / ٢٧؛ الطبقات ١ / ٣١٤.
(٢) تاريخ الحوزات العلمية ٢ / ١٣٥ وما بعدها.
(٣) الطبقات ١ / ٦٢ ـ ٦٣.
الديلمي، ثمّ أخوه فخر الدولة، ولقّب بالصاحب لصحبته مؤيّد الدولة من صباه، فكان يدعوه بذلك، ولد في الطالقان من أعمال قزوين وإليها نُسب، وتوفّي بالري ونقل إلىٰ إصبهان فدفن فيها»(١).
وللصاحب ابن عبّاد خدمات جليلة للإسلام والمذهب، وله ترجمة واسعة في كتب التراجم والسير، وقد اقتبسنا من سيرته باقة عطرة دوّنّاها في موسوعتنا(٢).
٣ ـ الشيخ محمّد بن علي بن الحسين الصدوق (ت ٣٨١ هـ):
قال الطهراني في ترجمته: «محمّد بن علي بن الحسين بن موسىٰ بن بابويه الصدوق أبو جعفر القمّي نزيل الري، المتوفّىٰ بها سنة (٣٨١ هـ)... وهو صاحب من لا يحضره الفقيه أحد الأصول الأربعة للشيعة، ألّفه في قبال: من لا يحضره الطبيب للرازي.
قال الطوسي في الفهرست والرجال: (... كان جليلاً حافظاً للأحاديث بصيراً بالرجال ناقداً للأخبار لم يرَ في القمّيين مثله في حفظه وكثرة علمه، له نحو من ثلاثمائة مصنّف، وفهرسة كتبه معروفة).
وقال النجاشي: (شيخنا وفقيهنا ووجه الطائفة بخراسان، وكان ورد بغداد سنة (٣٥٥ هـ) وسمع منه شيوخ الطائفة، وهو حدث السنّ، وله كتب كثيرة...)»(٣).
__________
(١) الأعلام ١ / ٣١٦.
(٢) انظر: تاريخ الحوزات العلمية حوزة إصفهان ٧ / ٨٠ وما بعدها.
(٣) الطبقات ١ / ٢٨٧ ـ ٢٨٨؛ انظر: فهرست الطوسي: ٢٣٧، برقم: ٧١٠؛ رجال الطوسي: ٤٣٩، برقم: ٦٢٧٥.
وللشيخ الصدوق رحمهالله خدمات جليلة للإسلام والمذهب، وله ترجمة واسعة في كتب التراجم والسير، بالإضافة إلىٰ ما فصّله المعاصرون في مقدّمة بعض كتبه المطبوعة.
وقد اقتبسنا من سيرة هذا الفقيه والمحدّث الكبير بعض الشذرات المتناثرة ودوّنّاها في أكثر من موضع من كتاب تاريخ الحوزات العلمية(١)، فلتراجع في محلّها.
٤ـ محمّد بن عبد الرحمن بن قبة الرازي (من علماء القرن الرابع):
قال النجاشي في ترجمته: «... أبو جعفر، متكلّم، عظيم القدر، حسن العقيدة، قوي في الكلام، كان قديماً من المعتزلة، وتبصّر وانتقل.
له كتب في الكلام، وقد سمع الحديث، وأخذ عنه ابن بطّة، وذكره في فهرسته الذي يذكر فيه من سمع منه، فقال: سمعت من محمّد بن عبد الرحمن بن قبة، له كتاب في الإمامة، وكتاب المستثبت نقض كتاب أبي القاسم البلخي، وكتاب الردّ علىٰ الزيدية، وكتاب الردّ علىٰ أبي علي الجبائي، وكتاب المسألة المفردة في الإمامة».
ومن طريف ما ينقله النجاشي في ترجمته لابن قبة، هذه الحكاية التي سمعها حيث يقول: «سمعت أبا الحسين بن المَهلوس العلوي الموسوي رضي الله عنه يقول في مجلس الرضي أبي الحسن محمّد بن الحسين بن موسىٰ، وهناك شيخنا أبو عبد الله محمّد بن محمّد بن النعمان رحمهم الله أجمعين؛ سمعت أبا الحسين السُوسَنجردي رحمهالله ـ وكان من عيون أصحابنا وصالحيهم المتكلّمين، وله كتاب في الإمامة معروف به، وكان قد حجّ علىٰ قدميه خمسين حجّة ـ يقول: مضيت إلىٰ
__________
(١) انظر: تاريخ الحوزات العلمية ٢ / ١٥٦ وما بعدها، و ج٦ / ص٦١ وما بعدها، وج٨ / ص٨٩ وما بعدها.
أبي القاسم البلخي إلىٰ بلخ، بعد زيارتي الرضا عليهالسلام بطوس، فسلّمت عليه، وكان عارفاً بي، ومعي كتاب أبي جعفر ابن قِبة في الإمامة، المعروف بـ: (الإنصاف) فوقف عليه ونقضه بـ: (المسترشد في الإمامة) فعدت إلىٰ الري فدفعتُ الكتاب إلىٰ ابن قِبة فنقضه بـ: (المستثبت في الإمامة)، فحملته إلىٰ أبي القاسم فنقضه بـ: (نقض المستثبت) فعدت إلىٰ الري فوجدت أبا جعفر قد مات رحمهالله »(١).
لم تحدّد كتب التراجم سنة وفاة ابن قبة بدقّة، إلّا أنّ الطهراني ترجم له في الطبقات ضمن أعلام القرن الرابع الهجري(٢).
٥ـ أحمد بن محمّد بن يعقوب بن مسكويه الرازي (٤٢١ هـ):
وهو «أبو علي الخازن الرازي الإصفهاني المتوفّىٰ بها في (٩/صفر /٤٢١هـ)؛ اتّخذه أبو الفضل محمّد بن الحسين الشهير بابن العميد المتوفّىٰ (٣٦٠ هـ) خازناً لكتبه ـ فعرف بالخازن ـ ومن كتبه: الفوز الأصغر، والفوز الأكبر، وتهذيب الأخلاق، وتجارب الأمم... وجاويدان خرد، ونزهت نامه علائىٰ، ألّفها لعلاء الدولة الديلمي»(٣).
وفي أعلام الزركلي: «أحمد بن محمّد بن يعقوب مسكويه، أبو علي: مؤرّخ بحّاث، أصله من الري وسكن إصفهان وتوفّي بها، اشتغل بالفلسفة والكيمياء والمنطق مدّة، ثمّ أوسع بالتاريخ والأدب والإنشاء، وكان قيّماً علىٰ خزانة كتب ابن العميد، ثمّ كتب عضد الدولة ابن بابويه، فلقّب بالخازن، ثمّ اختصّ ببهاء
__________
(١) رجال النجاشي: ٣٧٥ رقم ١٠٢٣؛ وانظر: مجالس المؤمنين ٢ / ١٢٢.
(٢) انظر: الطبقات، نوابغ الرواة في رابعة المئات ١ / ٢٧٧.
(٣) الطبقات النابس في القرن الخامس ٢ / ٢٨ (بتلخيص).
الدولة البويهي وعظم شأنه عنده...»(١).
ولمسكويه أو ابن مسكوية ترجمة واسعة في كتب السير والتراجم والأدب، وهو من العلماء المخضرمين الذين عاشوا أواخر القرن الرابع وأوائل القرن الخامس، وقد وصف هو نفسه العصر الذي عاش فيه بأنّه عهد (مشايخ الملوك)(٢).
وقد ذكرنا ترجمته بتوسّع في المجلّد السابع من موسوعتنا ضمن تاريخ حوزة إصفهان، باعتباره من الشخصيّات العلمية اللامعة فيها(٣).
٦ـ أحمد بن الحسين بن عبد ربّه أبو علي القطّان الرازي (ق ٤):
وهو من مشايخ الشيخ الصدوق المتوفّىٰ (٣٨١ هـ)، وقد أكثر من الرواية عنه في الأمالي، قال الصدوق في الباب (٤٨) حديث: (١) من كتاب كمال الدين حدّثنا أحمد بن الحسن القطّان ـ وكان شيخاً لأصحاب الحديث ببلدة الري ـ المعروف بأبي علي ابن عبد ربّه عن أحمد بن يحيىٰ بن زكريّا القطّان(٤).
وقد كرّر الصدوق عبارة: «وكان شيخاً لأصحاب الحديث ببلدة الري» في أسانيد كثيرة من كتبه.
٧ـ أحمد بن علي الرازي أبو العبّاس (ق ٤):
قال الطوسي في الفهرست: أحمد بن علي الخضيب الأيادي، يكنّىٰ أبا العبّاس، وقيل أبا علي الرازي... له كتاب الشفاء والجلاء في الغيبة حسن،
__________
(١) الأعلام ١ / ٢١١ ـ ٢١٢.
(٢) تجارب الأُمم ٦ / ٢٧٨.
(٣) انظر: تاريخ الحوزات العلمية تاريخ حوزة إصفهان ٧ / ٩٩ وما بعدها.
(٤) الطبقات ١ / ٢٣ ـ ٢٤؛ انظر: كمال الدين: ٢ / ٢٥٣، ١ / ٦٧؛ أمالي الصدوق: ٤٣٥.
وكتاب الفرائض، وكتاب الآداب...(١).
٨ـ أحمد بن فارس بن زكريّا الرازي القزويني (ت ٣٩٠ أو ٣٩٥ هـ):
قال الطهراني في الطبقات: «أحمد بن فارس بن زكريّا بن محمّد بن حبيب أبو الحسين الرازي القزويني، إمام اللغة وصاحب مجمل اللغة المتوفّىٰ بالمحمّدية سنة (٣٩٥ هـ)، وكتب فقه اللغة لتلميذه الصاحب بن عبّاد، وأرّخ اليافعي وفاته (٣٩٠ هـ) وتبعه علىٰ ذلك ابن العماد، دفن في الري مقابل مشهد القاضي علي بن عبد الضرير الجرجاني، كما في معجم الأدباء، وقد رأىٰ ياقوت ما كتبه ابن فارس في سنة (٣٩١ هـ) بيده علىٰ كتاب الفصيح»(٢).
قال عنه الصدوق في كمال الدين: «سمعت شيخاً من أصحاب الحديث يقال له أحمد بن فارس الأديب يقول: سمعت بهمدان حكاية، حكيتها كما سمعتها لبعض إخواني، فسألني أن أثبته بخطّي... فذكر له حكاية راشد الذي رأىٰ الحجّة»(٣).
ولابن فارس ترجمة واسعة في كتب التراجم والسير العامّة، فقد ترجم له ابن النديم في الفهرست، وابن خلّكان في الوفيّات، والسيوطي في بغية الوعاة، والثعلبي في يتيمة الدهر، والزركلي في الأعلام(٤) وغيرهم.
__________
(١) فهرست الطوسي: ٧٦، برقم: ٩١؛ الطبقات ١ / ٣٤.
(٢) انظر: معجم الأدباء ١ / ٤١٦.
(٣) إكمال الدين وإتمام النعمة: ٤٨٠، الحديث رقم ٢٠، الباب ١١، ذكر من شاهد القائم ورآه وكلّمه؛ الطبقات ١ / ٣٧ ـ ٣٨.
(٤) الأعلام ١ / ١٩٣.
وذكره باختصار شديد الشيخ الطوسي في الفهرست(١)، ولم يذكره في الرجال، وكذلك لم يذكره النجاشي في رجاله.
وذكر المحقّق: شهاب الدين بن عمرو جوانب مشرقة كثيرة في ترجمته المفصّلة لابن فارس في مقدّمته التحقيقية لكتاب معجم مقاييس اللغة(٢).
٩ـ أبو حاتم الرّازي (ت ٣٢٢ هـ):
هو: أحمد بن حمدان بن أحمد الورسافي الليثي أبو حاتم الرازي. قال الزركلي في الأعلام: «من زعماء الإسماعيلية وكتّابهم، له تصانيف منها: الإصلاح وأعلام النبوّة في مذهبهم، والزينة وفقه اللغة والمصطلحات ويقع في خمسة مجلّدات...».
قال ابن حجر العسقلاني: ذكره ابن بابويه في تاريخ الري، وقال: «كان من أهل الفضل والأدب والمعرفة باللغة وسمع الحديث كثيراً، وله تصانيف، ثمّ أظهر القول بالإلحاد وصار من دعاة الإسماعيلية، وأضلّ جماعة من الأكابر»(٣).
وكتاب تاريخ الري لمنتجب الدين الرازي من أعلام القرن السادس الهجري من الكتب المفقودة، فلا يمكن لنا أن نتأكّد من المعلومة التي نقلها العسقلاني عنه(٤).
١٠ـ الشيخ الثقة أبو بكر أحمد بن الحسين بن أحمد النيسابوري الخزاعي (ق ٥):
قال نجيب الدين في الفهرست: «... نزيل الري، والد الشيخ الحافظ عبد
__________
(١) فهرست الطوسي: ٨٣، برقم: ١٠٩.
(٢) انظر: معجم مقاييس اللغة، المقدّمة التحقيقية: ٣٠ ـ ٣٥.
(٣) الأعلام ١ / ١١٩؛ انظر: لسان الميزان ١ / ١٦٤.
(٤) انظر: مقدّمة السيّد عبد العزيز الطباطبائي لفهرست منتجب الدين: ٤٥ ـ ٤٦.
الرحمن عدل عين، قرأ علىٰ السيّدين المرتضىٰ والرضي والشيخ أبي جعفر رحمهم الله» له الأمالي في الأخبار أربع مجلّدات، وكتاب عيون الأحاديث والروضة في الفقه، والسنن والمفتاح في الأصول، و المناسك، أخبرنا بها الشيخ الإمام السعيد، ترجمان كلام الله تعالىٰ جمال الدين أبو الفتوح الحسين بن علي بن محمّد بن أحمد الخزاعي الرازي النيسابوري عن والده عن جدّه عنه»(١).
وذكر صاحب الرياض الميرزا عبد الله أفندي ضمن ترجمة الشيخ أبي الفتوح الرازي، ما ملخّصه: «... من أجلّة علماء الإمامية وعظمائهم، وكان أصله من نيسابور ونزل أجداده بالري وأقاموا بها... وكان هو رحمهالله وولده الشيخ الإمام تاج الدين محمّد وولده وجدّه القريب، وجدّه الأعلىٰ الشيخ (أبو بكر أحمد) وعمّه الأعلىٰ وهو الشيخ عبد الرحمن بن الشيخ (أبي بكر أحمد) المذكور، كلّهم من مشاهير العلماء... وبالجملة هؤلاء سلسلة معروفة من علماء الإمامية، ولكلّ واحد منهم تأليفات جياد وتصنيفات عديدة حسان»(٢).
١١ـ أبو الطيب الرازي (ق ٤):
قال الطهراني في ترجمته: «من أجلّة المتكلّمين، له كتب كثيرة في الإمامة والفقه وغيرهما من الأخبار، وله كتاب في (زيارة الإمام الرضا) وفضله ومعجزاته نحواً من مائتي ورقة، وكان أستاذ أبي محمّد العلوي»(٣).
__________
(١) فهرست أسماء علماء الشيعة ومصنّفيهم: ٧، برقم: ١.
(٢) رياض العلماء ٢ / ١٥٦ ـ ١٥٨، تحقيق: السيّد أحمد الحسيني.
(٣) الطبقات ١ / ١٣.
١٢ـ أحمد بن إبراهيم الكليني، المعروف بعلّان الكليني (ق ٤):
خيّر فاضل من أهل الري كما في رجال الطوسي(١).
أقول: علّان الكليني المشهور خال محمّد بن يعقوب الكليني هو علي بن محمّد بن إبراهيم كما يظهر من النجاشي(٢)، وعن الخلاصة؛ أنّه محمّد بن إبراهيم المعروف بعلّان الكليني(٣).
أقول ولعلّ الذي ذكره النجاشي شخص آخر وليس هو علّان المشهور خال ثقة الإسلام الكليني.
١٣ـ علي بن محمّد بن إبراهيم (ق ٤):
قال النجاشي في ترجمته: «علي بن محمّد بن إبراهيم بن أبان الرازي الكليني المعروف بـ: (علّان) يكنّىٰ أبا الحسن، ثقة عين، له كتاب أخبار القائم عليهالسلام ، أخبرنا محمّد قال: حدّثنا جعفر بن محمّد قال، حدّثنا علي بن محمّد، وقتل علّان بطريق مكّة، وكان استأذن الصاحب عليهالسلام في الحجّ، فخرج، (توقّف عنه في هذه السنة) فخالف»(٤).
والملاحظ، أنّ النجاشي لم ينصّ علىٰ أنّ (علّان) هذا هو خال الشيخ الكليني، فلعلّه شخص آخر يحمل نفس اللقب.
ولعلّ خان علّان الشهير ـ والذي كان الشيخ أبو الفتوح الرازي يعقد مجلس
__________
(١) انظر: رجال الطوسي: ٤٠٧، برقم: ٥٩٢٠.
(٢) انظر: رجال النجاشي: ٢١٠، برقم: ٦٨٢.
(٣) الطبقات ١ / ١٨.
(٤) رجال النجاشي: ٢١٠ ـ ٢١١، برقم: ٦٨٢.
درسه فيه ـ منسوب إلىٰ علّان الكليني المذكور في كتب الرجال، وكان معاصراً للكليني؛ بل هو خاله(١).
١٤ـ الشيخ نصير الدين عبد الجليل الرازي القزويني (ق٦ هـ):
ذكره معاصره منتجب الدين في الفهرست فقال: «الشيخ الواعظ نصير الدين عبد الجليل بن أبي الحسين بن أبي الفضل القزويني، عالم فصيح ديّن، له كتاب بعض مثالب النواصب في نقض بعض فضائح الروافض، وكتاب البراهين في إمامة أمير المؤمنين عليهالسلام ، وكتاب السؤالات والجوابات، سبع مجلّدات، وكتاب مفتاح التذكير، وكتاب تنزيه عائشة»(٢).
وممّا لا شكّ فيه أنّ ترجمة منتجب الدين في الفهرست مختصرة ومقتضبة جدّاً، إلّا أنّها مهمّة لمعاصرتها لصاحب الترجمة، ولهذا نجد كلّ من تأخّر عنه من الرجاليّين قد أخذ عنه ونقل عين عبارته.
ولهذا استدرك محقّق كتاب الفهرست السيّد جلال الدين الأرموي المحدّ بترجمة مفصّلة ووافية ضمن تعليقاته القيّمة علىٰ كتاب الفهرست، بالإضافة إلىٰ مقدّمته وتعليقاته علىٰ كتاب بعض مثالب النواصب الشهير بكتاب نقض، وقد اشتهر مؤلّفه به؛ والذي ألّفه بالفارسية بأمر السيّد المرتضىٰ الكبير شرف الدين أبي الفضل محمّد بن علي الديباجي، وهو من مشايخ منتجب الدين بن بابويه ووالده
__________
(١) رياض العلماء ٢ / ١٦١.
(٢) فهرست منتجب الدين الرازي: ١٢٩، برقم: ٢٧٧، وعنه أمل الآمل ٢ / ١٤٣؛ وعنه أيضاً الطبقات ٣ / ١٥٤ ـ ١٥٥.
أبي القاسم يحيىٰ الذي ألّف الشيخ منتجب الدين الفهرست باسمه(١).
وللمترجَم له حضور واسع في كتب التراجم والسير، ولعلّ أقدم من ترجم له بعد منتجب الدين الرافعي في كتابه التدوين في ذكر أخبار قزوين حيث قال: «عبد الجليل بن أبي الحسين بن أبي الفضل أبو الرشيد القزويني يعرف بالنصير، واعظ أصولي، له كلام عذب الوعظ ومصنّفات في الأصول، توطّن الري وكان من الشيعة»(٢).
يبقىٰ أن نشير إلىٰ أنّ مؤلّف أصل كتاب بعض فضائح الروافض لم يظهر من مطاوي ذلك الكتاب، بل أخفىٰ اسمه وحاله ومذهبه عمداً، ولكن قد علم من الخارج علىٰ ما صرّح به بعض علمائنا أنّ مؤلّفه هو: شهاب الدين التواريخي الرازي من بني مشّاط، وهم كانوا من علماء الشافعية، ومشّاط الملعون هذا أبو الفضائل مشّاط الذي ألّف كتاب زلة الأنبياء، كما ألّف السيّد المرتضىٰ كتاب تنزيه الأنبياء ـ في ردّه ـ علىٰ ما صرّح بذلك الشيخ عبد الجليل المذكور في أوائل كتاب المثالب المشار إليه(٣).
وقد أشرنا سابقاً إلىٰ أهمّية كتاب النقض باعتباره من الوثائق التاريخية المهمّة في القرن السادس.
١٥ـ الشيخ منتجب الدين علي بن عبيد الله بن بابويه الرازي (ق ٦):
قال في الطبقات: «هو الشيخ منتجب الدين علي بن الشيخ موفّق الدين عبيد الله بن الشيخ شمس الإسلام أبي محمّد الحسن المدعو بحسكا، ابن الحسين بن
__________
(١) الطبقات ٣ / ١٥٤ ـ ١٥٥؛ انظر: الذريعة ٢٤ / ١٧٢.
(٢) انظر: تعليقات المحدّث الأرموي علىٰ كتاب الفهرست: ٢٥٥ وما بعدها.
(٣) رياض العلماء ٢ / ١٦١.
الحسن بن الشيخ الفقيه الحسين أخي الشيخ الصدوق الذي توفّي سنة (٣٨١ هـ) ابن أبي الحسن علي المتوفّىٰ سنة تناثر النجوم سنة (٣٢٩ هـ) ابن الحسين ابن موسىٰ بن بابويه القمّي.
وهو صاحب كتاب الفهرست المشهور الذي أكثرنا النقل عنه في هذا الجزء؛ ذكره تلميذه الرافعي في التدوين في تاريخ قزوين وقال: إنّه ولد (٥٠٤ هـ) وقرأت عليه (٥٨٤ هـ) وتوفّي بعد (٥٨٥ هـ)؛ وله تأريخ الري نقل عنه في لسان الميزان ترجمة أحمد بن محمّد ابن نصر الرازي السمسار، فقال: ذكره ابن بابويه في تأريخ الري عن جعفر بن الحسن بن شهريار القمّي، روىٰ عنه علي بن محمّد القمّي»(١).
وللمترجَم له ترجمة واسعة في كتب التراجم، كما أنّ محقّق كتاب الفهرست السيّد جلال الدين الأرموي رحمهالله دوّن له ترجمة مفصّلة ضمن مقدّمته علىٰ كتاب الفهرست(٢).
كما أنّ المحقّق السيّد عبد العزيز الطباطبائي رحمهالله والذي قام بتحقيق كتاب الفهرست ـ كما أشرنا سابقاً إلىٰ ذلك ـ قد دوّن ترجمة وافية للشيخ منتجب الدين، تناول فيها جوانب كثيرة من حياته ونشاطه وآثاره العلمية، ونوّه بأهمّية كتاب الفهرست من بين كتب الرجال.
وقد أشرنا سابقاً إلىٰ أهمّية الفهرست وكونه من المصادر الأوّلية المهمّة لأحداث ورجال القرن السادس الهجري.
__________
(١) الطبقات ٣ / ١٩٦.
(٢) انظر: فهرست منتجب الدين، مقدمة السيّد جلال الارموي: ٨ ـ ٣١.
١٦ـ أبو الفتوح الرازي (ق ٦هـ):
قال منتجب الدين في ترجمته: «الشيخ الإمام جمال الدين أبو الفتوح الحسين ابن علي بن محمّد الخزاعي الرازي؛ عالم واعظ مفسّر ديّن، له تصانيف منها التفسير المسمىٰ رَوْضُ الجِنان وروح الجنان في تفسير القرآن عشرين [عشرون] مجلّداً و رُوح الأحباب ورَوح الألباب في شرح الشهاب، قرأتهما عليه»(١).
«وهو الشهير بأبي الفتوح الرازي، المدفون بجوار قبر عبد العظيم بالري... وهو من مشايخ ابن شهر آشوب (ت ٥٨٨ هـ) كما صرّح بإجازته له في أوّل المناقب(٢)، ومن مشايخ منتجب بن بابويه، ويروي عن جماعة منهم: والده علي بن محمّد بن أحمد وأبو علي الطوسي، وأبو الوفاء عبد الجبّار بن عبد الله، والقاضي الحسن الأسترآبادي، والمفيد بن عبد الرحمن النيشابوري وغيرهم»(٣).
وذكر الميرزا عبد الله في الرياض فأثنىٰ عليه فقال: «الفاضل العالم الفقيه المفسّر المعروف بأبي الفتوح الرازي صاحب التفسير الفارسي الكبير المشهور، من أجلّة علماء الإمامية وعظمائهم، وكان أصله من نيسابور ونزل أجداده بالري وأقاموا بها... وكان والده وجدّه أيضاً من مشاهير العلماء، ويروي هو عن والده عن جدّه عن والد جدّه... وبالجملة هؤلاء سلسلة معروفة من علماء الإمامية، ولكلّ واحد منهم تأليفات جياد وتصنيفات عديدة حسان، وأمّا تفسيره الفارسي
__________
(١) فهرست منتجب الدين الرازي: ٤٥، برقم: ٧٨؛ وعنه أمل الآمل ٢ / ٩٩ وص٣٥٦؛ معالم العلماء: ١٤١.
(٢) انظر: مناقب آل أبي طالب ١ / ١٢.
(٣) الطبقات ٣ / ٧٩.
فهو من أجلّ الكتب وأفيدها وأنفعها، وقد رأيته فرأيت منه بحراً طمطاماً، وأدرجه الأستاد ـ يقصد المجلسي الثاني ـ أيّده الله في بحار الأنوار وكذلك شرح الشهاب... وقد نسب إليه بعض متأخّري العلماء كتاب تفسير آخر بالعربي أيضاً، وقد صرّح نفسه في أوّل تفسيره الفارسي الكبير بأنّه وعد لأصحابه بتفسيرين أحدهما بالفارسية والآخر بالعربية... فالظاهر أنّه ألّفه أيضاً»(١).
١٧ـ الشيخ سديد الدين محمود بن علي بن الحسن الحمصي الرازي (ق ٦ هـ):
قال منتجب الدين في الفهرست: «علّامة زمانه في الأصولين، ورع ثقة، له تصانيف، منها: التعليق الكبير والتعليق الصغير والمنقذ من التقليد والمرشد إلىٰ التوحيد المسمّىٰ بالتعليق العراقي والمصادر في أصول الفقه و التبيين والتنقيح في التحسين والتنقيح وبداية الهداية ونقض الموجز للنجيب أبي المكارم، حضرت مجلس درسه سنين، وسمعت أكثر هذه الكتب بقراءة من قرأ عليه»(٢).
والشيخ سديد الدين من علماء أواخر القرن السادس الهجري، وينقل الشيخ الطهراني ما حكي في جنّة النعيم عن البهجة لابن طاووس: أنّه في أواخر عمره نزل همدان، فبنىٰ له الحاجب جمال الدين مدرسة تسمّىٰ بالجمالية أو (الحاجبية) في (جمادىٰ الأولىٰ / سنة ٦٠٠) فيظهر منه بقاؤه إلىٰ أوائل المائة السابعة(٣).
وفي ضبط كلمته (الحمصي) ونسبتها إلىٰ المترجم له اختلاف كثير بين العلماء؛
__________
(١) رياض العلماء ٢ / ١٥٨ ـ ١٦٠.
(٢) فهرست منتجب الدين الرازي: ١٦٤، برقم: ٣٨٩؛ وعنه أمل الآمل ٢ / ٣١٦؛ الطبقات ٣ / ٢٩٥.
(٣) الطبقات ٣ / ٢٩٥؛ انظر: روضات الجنّات ٧ / ١٦٢.
فضبطها بعضهم بالمهملتين نسبة إلىٰ (حِمص) بكسر الحاء، البلد المعروف في بلاد الشام الواقع بين حلب ودمشق... فلعلّ أصله كان من الري ثمّ صار حمصيّاً أو بالعكس! وينقل عن الشيخ البهائي أنّه منسوب إلىٰ (حِمص) قرية بالري وهو الآن خراب، وبعضهم قال: إنّ (الحمصي) نسبة إلىٰ (الحُمّص) الحبّ المعروف لأنّه كان يتعاطىٰ بيع الحمّص... فاستطال عليه فترك حرفته واشتغل بالعلم..! ولصاحب الروضات كلام طويل في «ضبط هذه النسبة المشتبه علىٰ الطائفة مؤدّاها والمنحصر في فرد هذا الرجل... مجراها...» وانتهىٰ إلىٰ أنّه (حُمُضي) بضمّتين وبعد جولة طويلة في الحماض والتحميض والمستحمض... انتهىٰ إلىٰ أنّ المترجم له هو: محمود ابن علي الحُمُّضي بضمّتين مشدّدة، متكلّم شيخ الفخر الرازي. ثمّ قال: وهذا من جملة فرائد فوائد كتابنا هذا فليلاحظ، وليحتفظ وليتقبّل ولا يغفل(١).
١٨ـ أبو عبد الله جعفر بن محمّد الدوريستي (ق ٥):
قال منتجب الدين في ترجمته: «الشيخ الجليل أبو عبد الله جعفر بن محمّد الدوريستي، ثقة عين عدل، قرأ علىٰ شيخنا المفيد أبي عبد الله محمّد بن محمّد بن النعمان الحارثي البغدادي المعروف بابن المعلّم، وعلىٰ السيّد الأجلّ المرتضىٰ علم الهدىٰ أبي القاسم علي (قدّس الله أرواحهم).
وله تصانيف منها: كتاب الكفاية في العبادات، وكتاب عمل يوم وليلة وكتاب الاعتقاد؛ أَخبرنا بها الشيخ الإمام جمال الدين أبو الفتوح الحسين بن علي
__________
(١) روضات الجنّات ٧ / ١٦٣ ـ ١٦٤، وللتوسّع انظر: تعليقة المحقّق جلال الدين الأرموي علىٰ كتاب فهرست منتجب الدين الرازي: ٤٢٨ ـ ٤٣٣، برقم: ٣٨٩.
الخزاعي عن الشيخ المفيد عبد الجبّار المقرئ الرازي عنه رحمهالله »(١).
وأضاف المحقّق السيّد الطباطبائي في هامش ترجمته من الفهرست معلومات قيّمة جاء فيها: «هو جعفر بن محمّد.. الرازي الدوريستي العبسي من ذرّية حذيفة بن اليمان، ولد سنة (٣٨٠ هـ) وبقي إلىٰ سنة (٤٧٣ هـ).
قال فيه المحدّث النوري في الخاتمة: «العالم الجليل المعروف بيته آباءً وأبناءً بالفقاهة والفضل».
قال في النقض: سمع الحديث الكثير، وصنّف في أنواع من العلوم، معظَّماً للغاية، وكان الوزير نظام الملك الطوسي يقصده من الري إلىٰ دوريست في كلّ أسبوعين مرّة؛ يقرأ عليه ويسمع منه الحديث ويتبرّك بأنفاسه، وهو علم مشهور من أعلام الطائفة، وأسرته مشهورة بالعلم والفضل والعفاف والأمانة خلفاً عن سلف...»(٢).
ثمّ يضيف السيّد المحقّق: «أقول: فلا ريب أنّ هذا الشيخ رحمهالله كان مقيماً بقريته (دوريست) بعد عودته من العراق؛ و(دوريست) علىٰ فرسخين من الري غربيّها ويقال لها الآن (طَرَشت) بفتحتين، بحيث كان يقصده نظام الملك في كلّ أسبوعين مرّة يذهب إليه من الري يقرأ عليه ويرجع.
فالمترجَم له قد ولد سنة (٣٨٠ هـ) في بيت علم وفقه وحديث، فتخرّج علىٰ أبيه الذي كان من تلامذة الصدوق، ثمّ رحل إلىٰ بغداد فقرأ علىٰ الشيخ المفيد والسيّدين الرضي والمرتضىٰ، وشيخ الطائفة أبي جعفر الطوسي... ثمّ قفل إلىٰ
__________
(١) فهرست منتجب الدين الرازي: ٣٧، برقم: ٦٧؛ عنه أمل الآمل ٢ / ٥٣ ـ ٥٤.
(٢) النقض: ١٥٧؛ عنه المحدّث النوري في خاتمة المستدرك.
بلاده وتوطّن في مسقط رأسه مناراً للهدىٰ وعلماً للأمّة مدرّساً ومصنّفاً، وقرأ عليه ناس كثير وتخرّج به خلق منهم... ومن كتبه الحسنىٰ ينقل عنه ابن طاووس في مصنّفاته، والرد علىٰ الزيدية ينقل عنه الطبرسي في أعلام الورىٰ»(١).
١٩ـ الشيخ الإمام (الجدّ) شمس الإسلام الحسن بن الحسين بن بابويه القمّي الشهير بـ: (حسكا) (ق ٥):
قال منتجب الدين في ترجمته: «... نزيل الري المدعو (حسكا)، فقيه، ثقة، قرأ علىٰ شيخنا الموفّق أبي جعفر (قدّس الله روحه) جميع تصانيفه بالغري علىٰ ساكنه السلام، وقرأ علىٰ الشيخين سلّار بن عبد العزيز وابن البرّاج جميع تصانيفهما، وله تصانيف في الفقه منها: كتاب العبادات وكتاب الأعمال الصالحة وكتاب سير الأنبياء والأئمّة أخبرنا بها الوالد عنه رحمهالله »(٢).
«والمترجَم له جدّ الشيخ منتجب الدين صاحب الفهرست، وكان الصدوق عمّه الأعلىٰ، وهذه السلسلة كلّهم فضلاء علماء فقهاء أجلّاء»(٣).
٢٠ـ أحمد بن محمّد بن نصر الرازي السمسار (ق ٥ هـ):
قال ابن حجر في لسان الميزان ما لفظه: «ذكر ابن بابويه في تأريخ الري عن جعفر بن الحسن بن شهريار القمّي، روىٰ عنه علي بن محمّد القمّي ومراده
__________
(١) انظر: مقدّمة كتاب فهرست منتجب الدين، للسيّد عبد العزيز الطباطبائي: ٣٧ ـ ٣٩؛ انظر: الطبقات ٣ / ٤٤ ـ ٤٥؛ الكنىٰ والألقاب ٢ / ٢٢٨.
(٢) فهرست منتجب الدين الرازي: ٤٢ ـ ٤٣، برقم: ٧٢؛ عنه أمل الآمل ٢ / ٦٤.
(٣) رياض العلماء ١ / ١٣٨ـ١٣٩ وص١٧١، وحسكة: مخفّف من حسن كيا، وهو بمعنىٰ المقدّم بلغة أهل جيلان وطبرستان وأضرابهم.
بابن بابويه هو منتجب الدين»(١).
٢١ـ محمّد بن مسلم بن أبي الفوارس الرازي (ق ٦ هـ):
قال الطهراني في ترجمته: «صاحب كتاب الأربعين الذي وجده ابن طاووس في الخزانة النظامية العتيقة ببغداد مكتوباً عليه أنّه من جمع الشيخ الصالح أبي عبد الله محمّد بن مسلم بن أبي الفوارس الرازي، ونقل عنه في كتاب اليقين عدّة أحاديث. ويظهر من أسانيده أنّه يروي عن جمع من العلماء الثقات الأعلام منهم: السيّد زين الدين بن علي بن الإمام ضياء الدين بن فضل الراوندي، ومنهم الشيخ الإمام منتجب الدين أبو جعفر محمّد بن أبي مسلم بن أبي الفوارس الرازي...»(٢).
٢٢ـ الشيخ المفسّر أبو سعيد إسماعيل بن علي بن الحسين السمّان (ق ٥ هـ):
قال منتجب الدين في ترجمته: «... ثقة، وأيّ ثقة، حافظ، له البستان في تفسير القرآن عشر مجلّدات، وكتاب الإرشاد في الفقه، والمدخل في النحو، والرياض في الأحاديث، وسفينة النجاة في الإمامة، وكتاب الصلاة، وكتاب الحجّ، والمصباح في العبادات، والنور في الوعظ.
أخبرنا بها السيّدان المرتضىٰ والمجتبىٰ ابنا الداعي الرازي الحسيني عن الشيخ الحافظ النيسابوري عنه»(٣).
__________
(١) لسان الميزان ١/٣٥؛ عنه الطبقات ٢/٢٦؛ استدراك علىٰ فهرست منتجب الدين للطباطبائي: ٢٠٥ برقم: ٥٥٢.
(٢) طبقات أعلام الشيعة ٣ / ٢٨٨ ـ ٢٨٩.
(٣) فهرست منتجب الدين الرازي: ٨، برقم: ٢؛ عنه الرياض ١ / ٩١؛ أمل الآمل ٢ / ٣٩.
وأضاف الشيخ الطهراني في ترجمته: «أنّه يروي عن المفيد عبد الرحمن بن أحمد النيسابوري الرازي تلميذ الشريفين والطوسي؛ فصاحب الترجمة في طبقتهم، ترجمه مؤلّف لسان الميزان(١) وذكر أنّه من مشايخ الخطيب البغدادي، ونقل أقوالاً في وفاته (٤٤٣ و٤٤٥ و٤٤٧)، ونقل أنّه يروي عن ثلاثة آلاف وستّمائة شيخ، ونقل كلام ابن بابويه أنّه ثقة وأي ثقة»(٢).
وللمترجَم له ترجمة واسعة في تاريخ دمشق لابن عساكر نقل منها السيّد الطباطبائي في ذيل ترجمته(٣).
٢٣ـ الشيخ أسعد بن سعد بن محمّد الحَمامي الرازي:
فقيه صالح، قرأ علىٰ الشيخ الإمام الجدّ شمس الإسلام الحسن بن الحسين ابن بابويه رحمهم الله.
وفي هامش أمل الآمل: «الحمامي.. نسبة إلىٰ الـحَـمـام كسحاب: طائر برّي يألف بالبيوت، قاله في القاموس... والحماميّون محدّثون»(٤).
٢٤ـ الفقيه الثقة معين الدين أميركا ابن أبي اللجيم بن أميرة المصدّري العجلي (ت ٥١٤ هـ):
مناظر حاذق وجه، أستاذ الشيخ رشيد الدين عبد الجليل الرازي المحقّق،
__________
(١) انظر: لسان الميزان ١ / ٤٢١.
(٢) الطبقات ٢ / ٣٢.
(٣) انظر: فهرست منتجب الدين بتعليق الطباطبائي: ٨ هامش رقم ٢.
(٤) فهرست منتجب الدين الرازي: ١٤، برقم: ١٣؛ عنه أمل الآمل ٢/٣٢؛ الرياض ١/٨١.
وله تصانيف في الأصول منها: التعليق الكبير، والتعليق الصغير، والحدّ، ومسائل شتّىٰ، أخبرنا بها الشيخ الإمام رشيد الدين عبد الجليل عنه»(١).
وجاء في كتاب التدوين للرافعي ما ترجمته: «أمير كا... روىٰ الأشجّيات الموضوعات عن الحسين ابن المظفّر الحمداني... عن الأشج، توفّي ابن أبي اللجيم سنة أربعة عشر وخمسمائة.
وقال رضي الدين ابن طاووس في ضيافة الإخوان: والمراد بالأشجّيات الأحاديث المروية عن أبي سعيد الأشجّ وهو شيخ بالكوفة قبل الثلاثمائة».
وقال السيّد الأمين في الأعيان: «وكانوا يلقّبون الكبار (كيا) تعظيماً؛ وهي لفظة فارسية معناها العظيم»(٢).
وقال السيّد الطباطبائي: وبيت العجلي من الأسر العلمية الشيعية في قزوين فيهم العلم والأدب والزعامة... وذكر الرافعي جماعة كثيرة من هذه الأسرة في كتاب التدوين في أخبار أهل العلم بقزوين(٣).
٢٥ـ الشيخ بابويه بن سعد بن محمّد بن الحسن بن الحسين بن بابويه (ق ٦):
وصفه منتجب الدين بقوله: «فقيه صالح، مقري، قرأ علىٰ شيخنا الجدّ شمس الإسلام الحسن بن الحسين بن بابويه [الملقّب بحسكا] وله كتاب حسن في الأصول والفروع سمّاه الصراط المستقيم، قرأته عليه»(٤).
__________
(١) فهرست منتجب الدين الرازي: ١٥ ـ ١٦، برقم: ١٥.
(٢) تعليقات فهرست منتجب الدين لجلال الدين الأرموي: ١٧٦.
(٣) المصدر نفسه: ١٥ هامش رقم ١.
(٤) فهرست منتجب الدين: ٢٨، برقم: ٥٥؛ الطبقات ٣ / ٣٠.
وذكر السيّد الطباطبائي في ذيل ترجمته: «ترجم له ابن حجر في لسان الميزان، وقال: من فقهاء الشيعة، ذكر ابن أبي طي وقال: كان بيته بيت العلم والجلالة وله مناقب».
وشمس الإسلام ابن عمّ أبيه وجدّه الحسن ابن عمّ الصدوق، وذكر الشهيد الثاني في كتاب الرعاية ومَثَلَ به في رواية الأبناء عن الآباء نسقاً إلىٰ خمسة آباء(١).
٢٦ـ السيّد التقي بن أبي طاهر بن الهادي الحسني النقيب الرازي:
فاضل، ورع، قرأ علىٰ الأجلّ المرتضىٰ ذي الفخرين المطهّر أعلىٰ الله درجته(٢).
٢٧ـ السيّد سراج الدين المسمّىٰ تاج الدين بن محمّد بن الحسين الحسني الكسيكي (ق ٦):
قال عنه منتجب الدين في الفهرست: صالح محدّث(٣).
ترجم له ابن حجر في لسان الميزان، وقال: ذكره ابن بابويه في رجال الشيعة وقال: كان صالحاً في نفسه، ثمّ نقل عن يحيىٰ بن حميد القمّي، قال: انقطع (تاج) إلىٰ علم الحديث والفقه، وتميّز بين رجال الشيعة والسنّة، وكان خبيراً بحديث أهل البيت وله رحلة إلىٰ العراق. ثمّ أضاف: وكان اجتماعي به بعد سنة أربعين وخمسمائة ورافقته في الحجّ، فقال لي إنّ قبر فاطمة بين المنبر والحجرة(٤).
__________
(١) المصدر نفسه: ٢٨؛ انظر: لسان الميزان ٢ / ١؛ الرعاية في علم الهداية: ١٢٥؛ تنقيح المقال ١ / ١٦٠؛ معجم رجال الحديث ٣ / ٢٦٢.
(٢) فهرست منتجب الدين: ٣٢، برقم: ٦٢؛ عنه رياض العلماء ١ / ٩٩.
(٣) المصدر نفسه: ٣٢ـ٣٣، وص٦٣.
(٤) المصدر نفسه: ٣٢ والهامش، برقم: ٦٣.
٢٨ـ الشيخ نجيب الدين زيدان بن أبي دلف الكليني الساكن بخانقاه قوهدة العليا:
عالم عارف(١).
٢٩ـ الشيخ معين الدين أبو المكارم سعد بن أبي طالب بن عيسىٰ المتكلّم الرازي المعروف بالنجيب (ق ٦):
قال عنه في الفهرست: «عالم مناظر، له تصانيف منها سفينة النجاة في تخطئة النفاة، وكتاب علوم العقل، ومسألة الأحوال، ونقض مسألة الرؤية لأبي الفضائل المشّاط والموجز»(٢).
وأضاف الشيخ الطهراني في ترجمته: «أقول: يروي عن صاحب الترجمة الشيخ أبو عبد الله محمّد بن مسلم بن أبي الفوارس الرازي في كتابه الأربعين الذي نقل عنه ابن طاووس في كتاب اليقين... فصاحب الترجمة في طبقة ابن شهر آشوب المتوفّىٰ (٥٨٨ هـ)»(٣).
٣٠ـ الشيخ المفيد أبو محمّد عبد الرحمن بن أحمد بن الحسين النيسابوري الخزاعي:
قال عنه منتجب الدين: «شيخ الأصحاب بالري، حافظ واعظ ثقة، سافر في البلاد شرقاً وغرباً، وسمع الأحاديث عن المؤالف والمخالف، وله تصانيف
__________
(١) فهرست منتجب الدين الرازي: ٨٣، برقم: ١٨٢، وقوهدة: قرية من توابع الري.
(٢) المصدر نفسه: ٨٧، برقم: ١٨٥؛ عنه أمل الآمل ٢ / ١٢٥.
(٣) الطبقات ٣ / ١٢١.
منها: سفينة النجاة في مناقب أهل البيت، والعلويّات، والرضويّات، والأمالي، وعيون الأخبار مختصرات في المواعظ والزواجر.
أخبرنا بها جماعة منهم: السيّدان المرتضىٰ والمجتبىٰ ابنا الداعي الحسيني وابن أخيه الشيخ الإمام جمال الدين أبو الفتوح الخزاعي عنه رحمهم الله.
وقد قرأ علىٰ السيّدين علم الهدىٰ المرتضىٰ وأخيه الرضي والشيخ أبي جعفر الطوسي، والمشايخ سالار وابن البرّاج والكراجكي رحمهم الله جميعاً»(١).
٣١ـ الشيخ المفيد عبد الجبّار بن عبد الله بن علي المقرئ الرازي (ق ٦):
قال منتجب الدين في ترجمته: «فقيه الأصحاب بالري، قرأ عليه في زمانه قاطبة المتعلّمين من السادة والعلماء، وهو قد قرأ علىٰ الشيخ أبي جعفر الطوسي جميع تصانيفه، وقرأ علىٰ الشيخين سالار وابن البرّاج، وله تصانيف بالعربية والفارسية في الفقه، أخبرنا بها الشيخ الإمام جمال الدين أبو الفتوح الخزاعي رحمهم الله»(٢).
وأضاف الشيخ الطهراني معلومات قيّمة علىٰ ترجمته فقال ما ملخّصه: «عبد الجبّار... الشيخ المفيد أبو الوفاء المقري الرازي... صورة إجازة الشيخ الطوسي في سنة (٤٥٥ هـ) له وللشيخ أبي محمّد الحسن بن الحسين بن بابويه المعروف بـ: (حسكا)، جدّ الشيخ منتجب الدين، ولولده أبي علي الطوسي ولأبي عبد الله محمّد بن هبة الله الورّاق منقولة في الرياض(٣) عن خطّ الشيخ الطوسي، وهو من
__________
(١) فهرست منتجب الدين الرازي: ١٠٨، برقم: ٢١٦؛ عنه أمل الآمل ٢ / ١٤٧.
(٢) المصدر نفسه: ١٠٨، برقم: ٢٢٠.
(٣) انظر: رياض العلماء ٣ / ٦٦ ـ ٦٩.
تلاميذ الشيخ الطوسي الذين بقوا إلىٰ المائة السادسة، وأورد ابن طاووس رواية عن صاحب الترجمة بمدرسته بالري في سنة (٥٠٣ هـ) في كتابه مهج الدعوات»(١).
وفي الرياض: «الشيخ المفيد أبو الوفا... النيسابوري ثمّ الرازي، الفاضل العالم الكامل العلّامة، تلميذ الشيخ الطوسي ومن في طبقته، ويروي عنهم، وكان رحمهالله نيسابوري الأصل، وصار متوطّناً بالري، وقد يعبّر عنه بعبد الجبّار المقرئ فلا تظننّ التعدّد... وقد وجدت علىٰ ظهر نسخة من تبيان الشيخ الطوسي إجازة منه بخطّه الشريف للشيخ أبي الوفا عبد الجبّار هذا...»(٢).
٣٢ـ عبد الجبّار بن علي بن منصور (ق ٦):
قال الطهراني في ترجمته: الشيخ الفقيه النقّاش الرازي، المجاز من شيخه علي بن محمّد بن الحسين القمّي علىٰ ظهر الأمالي للصدوق، الذي كتبه صاحب الترجمة بخطّه، وفرغ منه في يوم الإثنين (٥ ذي القعدة ٥٠٧ هـ)، ثمّ قرأه علىٰ شيخه المذكور فكتب عليه الشيخ إجازة مختصرة تاريخها (١٥ محرّم ٥٠٨ هـ) ولفظ الإجازة هكذا: «سمع منّي هذا الكتاب من أوّله إلىٰ آخره وهو أمالي الشيخ الفقيه أبي جعفر بن بابويه بقراءته عَلَيّ وعارضه بنسختي وصحّحه بجهده وطاقته صاحبه الشيخ الفقيه الجليل الزاهد أبو مسعود عبد الجبّار بن علي بن منصور النقّاش الرازي أيّده الله تعالىٰ ومتّعه به، كتبه علي بن محمّد بن الحسين
__________
(١) انظر: الطبقات ٢ / ١٠٣ و ٣ / ١٥٢.
(٢) رياض العلماء ٣ / ٦٦ وما بعدها.
القمّي بخطّه في منتصف محرّم سنة (٥٠٨ هـ)، والنسخة المنقولة عن خطّ المجيز موجودة في مكتبة البروجردي في النجف»(١).
٣٥ـ الشيخ أبو محمّد عبد الباقي بن محمّد بن عثمان الخطيب البصري (ق ٦):
قال في الفهرست: «شيخ من وجوه أصحابنا، ثقة، ورد الري وقرأ عليه المفيد عبد الرحمن النيسابوري تصانيفه، منها: الحجج والبراهين في إمامة مولانا أميرالمؤمنين وأولاده الأحد عشر أئمّة الدين ـ صلوات الله عليه وعليهم أجمعين ـ والمُذَهّب في المَذْهَب ورسائل البصرة وكتاب الدلائل»(٢).
٣٦ـ الشيخ العالم أبو سعيد عبد الجليل بن عيسىٰ بن عبد الوهّاب الرازي:
متكلّم، فقيه متبحّر، أستاد الأئمّة في عصره، وله مقامات (مقالات) ومناظرات مع المخالفين، مشهورة، وله تصانيف أصولية(٣).
وأضاف الحرّ العاملي في الأمل بعد أن أورد ما قاله نجيب الدين في الفهرست، قال: وهذا الشيخ الجليل من مشايخ ابن شهر آشوب، يروي عن أبي علي الطوسي، وقد ذكر في معالم العلماء فقال: «شيخي الرشيد عبد الجليل بن عيسىٰ بن عبد الوهّاب الرازي، له كتاب مراتب الأفعال ونقض كتاب التصفّح عن أبي الحسين ولم يتمّه»(٤) انتهىٰ...(٥).
__________
(١) الطبقات ٣ / ١٥٣.
(٢) فهرست منتجب الدين الرازي: ١١٠، برقم: ٢٢٥؛ عنه الرياض ٣ / ٦٤.
(٣) المصدر نفسه: ١١١، برقم: ٢٢٧.
(٤) معالم العلماء: ١٤٥.
(٥) أمل الآمل ٢ / ١٤٥؛ انظر: الطبقات ٣ / ١٥٥ ـ ١٥٦.
٣٧ـ الشيخ المحقّق رشيد الدين أبو سعيد عبد الجليل ابن أبي الفتح مسعود بن عيسىٰ المتكلّم الرازي (ق ٦):
قال في الفهرست: «أستاذ علماء العراق في الأصوليّين، مناظر ماهر حاذق، له تصانيف منها: نقض التصفّح لأبي الحسين البصري، والفصول في الأصول علىٰ مذهب آل الرسول، وجوابات علي بن أبي القاسم الأسترآبادي المعروف ببلقمران، وجوابات الشيخ مسعود الصوابي، ومسألة في المعجر، ومسألة في الإمامة، ومسألة في المعدوم، ومسألة في الاعتقاد، ومسألة في نفي الرؤية، شاهدته وقرأت بعضها عليه»(١).
٣٩ـ الشيخ زين الدين أبو الحسن علي بن محمّد الرازي المتكلّم (ق ٦):
أستاذ علماء الطائفة في زمانه، وله نظم رائق في مدائح آل الرسول (عليه وعليهم السلام) ومناظرات مشهورة مع المخالفين، وله مسائل في المعدوم والأحوال، وكتاب الواضح، ودقائق الحقائق، شاهدته وقرأت عليه(٢).
٤٠ـ أحمد بن علي بن إبراهيم بن هاشم بن خليل القمّي أبو علي نزيل الري:
ذكره ابن بابويه في تاريخ الري وقال: سمع أباه وسعد بن عبد الله وعبد الله ابن جعفر الحميري وأحمد بن إدريس وغيرهم، وكان من شيوخ الشيعة، روىٰ
__________
(١) فهرست منتجب الدين: ١١٠ برقم: ٢٢٦؛ عنه أمل الآمل ٢/١٤٤؛ الطبقات ٣/١٥٥.
(٢) المصدر نفسه: ١١٣ ـ ١١٤، برقم: ٢٣٥؛ عنه أمل الآمل ٢ / ١٦٧، وص٢٠٠؛ الرياض ٣ / ٢٩٤.
عنه أبو جعفر محمّد بن علي بن بابويه(١).
٤١ـ السيّد الجليل الثقة إسماعيل بن حيدر بن حمزة العلوي العبّاسي:
صالح محدّث، روىٰ عنه أيضاً المفيد عبد الرحمن(٢).
وينقل السيّد عبد العزيز الطباطبائي في هامش الصفحة نفسها عن لسان الميزان: «ترجم له ابن حجر في لسان الميزان، وقال: إسماعيل بن حيدرة ابن حمزة العلوي من شيوخ الشيعة، ذكره ابن بابويه وقال: كان سيّداً جليلاً، روىٰ عنه عبد الجبّار النيسابوري»(٣).
ثمّ يعقّب السيّد علىٰ ذلك بقوله: «وأظنّه ترجمه الباخرزي في الخريدة (١/٤١٨) في شعراء الري وكنّاه أبا المحاسن، ويعلم منه أنّ أباه حيدر كان قاضيّاً بها، وكان ابنه إسماعيل في ديوان الرسائل بها ومات قبل أبيه فأورد له شيئاً من شعره، وعند ورود الباخرزي إلىٰ الري كان إسماعيل مريضاً ولم يتّفق لقاؤه ومات في تلك الأيّام والباخرزي كان بالري في سنة (٤٣٤ هـ)»(٤).
وللبحث صلة...
__________
(١) فهرست منتجب الدين: ٢٠٤ ـ ٢٠٥ (مستدركات السيّد عبد العزيز الطباطبائي) عن ابن حجر، لسان الميزان ١ / ٧٣٤.
(٢) المصدر نفسه: ١٢، برقم: ٨.
(٣) المصدر نفسه: ١٢ الهامش رقم: (١)، عن لسان الميزان ١ /، برقم: ١٣٥٩.
(٤) المصدر نفسه: ١٢ الهامش.
مقدمة التحقيق
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمین وصلّیٰ الله علیٰ سیّدنا محمّد وآله الطاهرین ولعنة الله علیٰ أعدائهم أجمعین.
ویظهر أنّ هذا تقریر دروس آیة الله العظمیٰ السیّد محمّد كاظم الطباطبائي الیزدي(١) كتبه آیة الله العظمیٰ السیّد محمّد باقر الموسوي الدرچه اى رحمة الله علیهما.
السیّد محمّد كاظم الطباطبائي الیزدي:
آیة الله العظمیٰ السيّد محمّد كاظم الطباطبائي اليزدي (١٢٥٣ـ١٣٣٧) قال العلّامة السیّد حسن الصدر في ترجمته: «السيّد محمّد كاظم الطباطبائي اليزدي نزيل النجف الأشرف، سيّد علماء الإمامية اليوم، ومرجع الشيعة، وحافظ الشريعة، فقيه كامل، طويل الباع في الفقه والأصول، حسن التفريع في الفروع الفقهية، متبحّر في المسائل الشرعية، له أنظار دقيقة، وتأسيسات في العِلْمَين رشيقة.
__________
(١) من مصنّفات آیة الله العظمیٰ السیّد محمّد كاظم الطباطبائي الیزدي كتاب اجتماع الأمر والنهي، وبتوفیق الله حقّقته وترجمته إلیٰ الفارسیة ولخّصته بالفارسیة. وسیطبع إن شاء الله.
انتهت إليه رئاسة الإمامية في العصر الحاضر، لا أجلّ ولا أوقع في النفوس منه عند عامّة الإمامية في مشرق الدنيا ومغربها.
له تأليفات حسنة مطبوعة بإيران مرّات منها:
١ـ تعليقاته علىٰ كتاب المكاسب لشيخنا العلّامة.
٢ـ رسائل عدّة في مسائل متعدّدة في الفقه والأصول.
٣ـ وأحسن مؤلّفاته العروة الوثقىٰ في الفروع عملها لعمل المقلّدين، وهي من أحسن كتب الفروع والمتون الفقهية.
كان دام بقاه هاجر من بلده يزد إلىٰ إصفهان لتحصيل العلم، ولازم فيها درس أستاذه حجّة الإسلام الشيخ الفقيه الماهر الحاجّ الشيخ محمّد باقر بن المحقّق الشيخ محمّد تقي صاحب الحاشية، حتّىٰ صدّقه وأجازه وشهد له بالكمال، فهاجر إلىٰ النجف الأشرف، وحضر درس الشيخ الفقيه الشيخ راضي ابن الشيخ محمّد آل شيخ جعفر النجفي، ولازم عالي مجلس درس سيّدنا الأستاذ العلّامة الميرزا محمّد حسن الشيرازي إلىٰ أن هاجر السيّد الأستاذ إلىٰ سامراء، فاستقلّ بعده بالتدريس والاشتغال لنفسه، وأخذ في تحقيق الحقائق، وتدقيق الدقائق، خائضاً في العلم بغاية جهده، ومنتهىٰ كدّه ووكده، وكنت حينئذٍ في النجف فلم أرَ مثله في بذل الجهد، وكثرة الكدّ، والجدّ في الاشتغال، حتّىٰ ملك من العلم زمامه، وكشف من الفقه لثامه، ولم يضيّع الله سبحانه له تعبه وجهاده في الدين، فأعطاه ما يعطي المقرّبين الراسخين. كثّر الله في أئمّة الشيعة أمثاله، وأدام لهم وجوده وإفاداته.
وقد فاجأنا نعيه، وأنّه توفّي (ليلة الثلاثاء في الساعة السادسة منها، ثامن وعشرين شهر رجب سنة ١٣٣٧، سبع وثلاثين وثلاثمائة بعد الألف الهجرية)
وأقيمت له المآتم والفواتح في سائر البلاد، وأحزن فقده الإسلام والمسلمين حتّىٰ أهل السنّة ببغداد، فرضي الله عنه وأرضاه.
وكان مولده سنة (ستّ وخمسين ومائتين بعد الألف) فيكون عمره اثنتين وثمانين سنة تقريباً إذا حسب سنة التولّد وسنة الوفاة، ودفن في الإيوان الكبير ممّا يلي باب الطوسي»(١).
وقال العلّامة السيّد محسن الأمين: «السيّد محمّد كاظم اليزدي ابن السيّد عبد العظيم الكسنوي النجفي الطباطبائي الحسني الشهير باليزدي.
ولد في كسنو قرية من قرىٰ يزد علىٰ مسافة ثلاثين ميلاً منها سنة (١٢٤٧) وكسنو اسم بنت يزدجرد آخر سلاطين الفرس الذي فرّ هارباً فقتل في طاحونة وكانت القرية لها فسمّيت باسمها وتوفّي في النجف بذات الرئة وداء الجنب بين الطلوعين من (يوم الثلاثاء ٢٨ رجب سنة ١٣٣٧) ودفن في مقبرته المعروفة خلف جامع عمران في المشهد العلوي. ينتهي نسبه إلىٰ إبراهيم الغمر بن الحسن ابن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهالسلام .
كان فقيهاً أصوليّاً محقّقاً مدقّقاً انتهت إليه الرئاسة العلمية وكان معوّل التقليد في المسائل الشرعية عليه، وقبض علىٰ زعامة عامّة الإمامية وسوادهم وجبيت إلیه الأموال الكثيرة ممّا يقلّ أن يتّفق نظيره... نشأ علىٰ العمل في الزراعة مع أبيه ثمّ عزم علىٰ طلب العلم علىٰ الكبر، فقرأ في يزد المبادئ العربية وسطوح الفقه والأصول ثمّ خرج إلىٰ إصفهان فأخذ عن الشيخ محمّد باقر الإصبهاني ابن الشيخ محمّد تقي صاحب حاشية المعالم والحاجّ محمّد جعفر الآبادهي وفي سنة
__________
(١) تكملة أمل الآمل ٥ /٤٧٣ـ٤٧٤.
(١٢٨١) هاجر إلىٰ النجف مع الشيخ محمّد تقي الشهير بآقا نجفي والشيخ محمّد حسين والشيخ محمّد علي الإصبهانيّين أبناء أستاذه المتقدّم الشيخ محمّد باقر، وفي هذه السنة توفّي الشيخ مرتضىٰ الأنصاري فلم يتسنّ له الأخذ عنه وأخذ عن الفقيهين الشيخ مهدي الجعفري والشيخ راضي النجفي الشهير وعن الميرزا الشيرازي قبل خروجه إلىٰ سامراء وانصرف إلىٰ التدريس والتأليف وكان لغويّاً متقناً فصيحاً قيّماً بالعربية والفارسية ينظم وينثر فيهما، جيّد النقد قويّ التمييز. وكان يصلّي جماعة في الصحن الشريف ويأتمّ به الخلق الكثير ويحضر درسه نحو (٢٠٠) تلميذ.
صنّف: ١ـ العروة الوثقىٰ رسالة في العبادات للمقلّدين فيها فروع كثيرة جيّدة الترتيب أفرز فيها كلّ فرع علىٰ حدة بعنوان: (مسألة)، وجعل لأعداد مسائلها أرقاماً فسهّل التناول منها وأقبل الناس عليها ـ ونُسِخَت نجاة العباد ـ طُبعت مرّتين بالعربية وطبع معها بعض أبواب المعاملات وزيد في الطبعة الثانية كتاب الحجّ ـ لم يتمّ ـ وترجمت إلىٰ الفارسية وطبعت باسم: (الغاية القصوىٰ) وعلّق عليها بعد وفاته كلّ من نصب نفسه للتقليد وجملة منها طبعت مع التعليق، وبذلك تكون قد طبعت ما يزيد عن خمس مرّات ولها تتمّة في جملة من أبواب المعاملات مع الاستدلال طبعت بعد وفاته في جزئين صغيرين فيهما القضاء والربا والوقف والعدد والهبة. ٢ـ حاشية المكاسب: مطبوعة. ٣ـ كتاب التعادل والتراجيح: مطبوع. ٤ـ رسالة في اجتماع الأمر والنهي: مطبوعة. ٥ـ رسالة في الظنّ المتعلّق بأعداد الصلاة وكيفية الاحتياط: مطبوعة. ٦ـ رسالة في منجزات المريض. ٧ـ أجوبة المسائل: مجلّد ضخم طبع بعضه. وفي أيّامه ظهر أمر المشروطة في إيران وأعقبها خلع السلطان عبد الحميد في تركيا، وكان هو ضدّ المشروطية
وبعض العلماء يؤيّدونها كالشيخ ملّا كاظم الخراساني وغيره، وتعصّب لكلّ منهما فريق من الفرس، وكان عامّة أهل العراق وسوادهم مع اليزدي خصوصاً من لهم فوائد من بلاد إيران لظنّهم أنّ المشروطية تقطعها وجرت بسبب ذلك فتن وأمور يطول شرحها، وليس لنا إلّا أن نحمل كلّا ً منهما علىٰ المحمل الحسن والاختلاف في اجتهاد الرأي...
وقد اضطرب لموت المترجم جمهور العراقيّين وسوادهم في أنحاء العراق وأقيمت مآتم لا تكاد تحصر لكثرتها في العراق وإيران وحضر مأتمه في إيران أحمد شاه واشترك في مأتمه الفريقان ببغداد. وكان ظهور أمره بعد وفاة الميرزا الشيرازي كغيره من رؤساء عصره، فإنّهم لم يرأسوا إلّا بعد وفاته وكثيرون أقاموا مجلس الفاتحة للميرزا أمّا هو فذهب إلىٰ مسجد السهلة ولم يصنع فاتحة فقلّده كثير من العوامّ لذلك. وكان يحضر مجلس درسه في أوّل الأمر جماعة لا يبلغون العشرة كنّا نراهم ونحن ذاهبون إلىٰ درس الخراساني وجمهور الطلبة منحاز إلىٰ درس الشيخ ملّا كاظم ثمّ تمادت به الأمور وكثر حضّار مجلس درسه. وهو أوّل من عيّن الخبز يوميّاً للطلبة وعيالاتهم»(١).
وفي أحسن الودیعة: «العالم الفاضل الفقیه والعارف الكامل الوجيه فخر الأعاظم والبحر المتلاطم السیّد الأستاذ والمولیٰ العماد السیّد محمّد كاظم بن عبد العظیم الطباطبائي نسباً الیزدي بلداً ومنشأً والإصفهاني تحصیلاً والغروي مسكناً ومدفناً... وقد هاجر بعد بلوغه إلیٰ إصفهان فسكن بها مدّة من الزمان متلمّذاً علیٰ فقهائها الأركان وعلمائها الأعیان كالعلّامتین الآیتین الأعلمین الشقیقین
__________
(١) أعیان الشیعة ١٠ /٤٣.
عمَّي أبي صاحبي الروضات ومباني الأصول والعلّامة الماهر نجل الشیخ محمّد تقي صاحب الحاشیة الشیخ محمّد باقر»(١).
وفي منار الهدىٰ: «السیّد كاظم الیزدي صاحب العروة الوثقىٰ في الفقه المتداول بأيدي الطلّاب اليوم. عالم فاضل جليل متبحّر فقيه. سمعت من أستاذي الشيخ محمّد تقي القمشئي الإصفهاني الساكن بالنجف الأشرف قال: سمعت من جناب السيّد يقول: نظرت في الجواهر من أوّل الطهارة إلىٰ آخر الديات سبع مرّات»(٢).
السیّد محمّد باقر الموسوي الدرچه اى:
السیّد محمّد باقر بن مرتضیٰ الموسوي الدرچه اى من نسل السیّد المیر لوحي السبزواري فقیه أصولي متبحّر وأستاد ماهر تلمّذ في إصفهان عند الشیخ محمّد باقر النجفي نجل صاحب هدایة المسترشدین والمیزرا محمّد حسن الإصفهاني الهزارجریبي وغیرهما وفي النجف الأشرف عند المیرزا محمّد حسن الشیرازي والمیرزا حبیب الله الرشتي وغیرهما. توفّي في (٢٨ ربیع الآخر من سنة ١٣٤٢ق) في حمّام درچه وانتقل بدنه إلیٰ إصفهان ودفن في تكیة الكازروني(٣).
وقال المعلّم الحبیب آبادي في شأنه ما معرّبه: «وكان من أعاظم العلماء ومن المدرّسین المعروفین في أصول الفقه بإصفهان»(٤).
__________
(١) أحسن الودیعة: ١٥٥ـ١٥٦.
(٢) منار الهدیٰ: ٢١٠.
(٣) ولمزید البیان راجع: رجال ومشاهیر إصفهان:٢٤٣ـ٢٤٤؛ مقالات مبسوطه:٧٥، حاشیة (٢٨). نقل عنها في: زندگی نامه حضرت آیة الله چهارسوقی: ٢٠٣ـ٢٠٤.
(٤) بالفارسية: «از علماء عظيمالشان ومدرّسين معروف إصفهان در اصول فقه بود». مكارم
وقال الشیخ الجلیل آقا بزرك الطهراني في شرح أحواله: «هو السيّد محمّد باقر ابن السيّد مرتضىٰ الدرچه اي الإصفهاني عالم ورع وفاضل جليل.
درچه بيازىٰ: قرية كبيرة ودرچه عابد قرية صغيرة وهما في بلوك لنجان من توابع إصفهان والمترجم وإخوته من الكبيرة وهم من ولد السيّد محمّد لوحي معاصر العلّامة المجلسي الأوّل هاجر المترجم الىٰ النجف مع العلّامة الميرزا محمّد حسين النائيني فتلمّذ علىٰ الشيخ حبيب الله الرشتي وكتب كثيراً من تقريراته وعاد إلىٰ إصفهان فصار من أئمّة الجماعة الموثّقين واشتغل بالتدريس في مدرسة نيماورد إلىٰ أن توفّي (يوم الجمعة ٢٨- ع ٢- ١٣٤٢) ودفن بتكية الكازروني في تختفولاذ»(١).
وقال في الذریعة: «المدرس في مدرسة نيماورد والموثّق عند عامّة الناس، هاجر إلىٰ العتبات مع آية الله النائيني وقرأ في النجف علىٰ العلّامة الميرزا حبيب الله الرشتي»(٢).
وجاء في موسوعة طبقات الفقهاء: «محمّد باقر بن مرتضىٰ بن أحمد بن مرتضىٰ الموسوي، الدرچهي الإصفهاني (١٢٦٤ـ١٣٤٢هـ): فقيه إماميّ، أصوليّ، مدرّس. تتلمذ علىٰ أبي المعالي الكلباسي الإصفهاني. وقصد النجف، فحضر علىٰ: السيّد حسين الكوهكمري، وحبيب الله الرشتي، وعاد إلىٰ إصفهان، فولّي التدريس في مدرسة (نيماورد)»(٣).
__________
الآثار ٥ /١٧٧٩.
(١) طبقات أعلام الشیعة ١٣ /٢٢٤.
(٢) الذریعة إلیٰ تصانیف الشیعة ٤ /٣٧٢.
(٣) موسوعة طبقات الفقهاء ١٤ /٩٩٨، القسم الثاني.
ومن أساتذته:
١ـ المیرزا محمّد حسن المجدّد الشیرازي.
٢ـ المیرزا حبیب الله الرشتي.
٣ـ السیّد حسین الترك الكوهكمري(١).
٤ـ الآخوند الخراساني.
٥ـ السیّد محمّد كاظم الطباطبائي الیزدي.
٦ـ الشیخ محمّد حسین الكاظمیني(٢).
__________
(١) جاء في تكملة أمل الآمل ٢ /٤٣٩: «السيّد حسين الترك الكوهكمري النجفي، حجّة الإسلام المعروف بالحاجّ سيّد حسين الترك، أحد أركان الدهر في علمي الفقه والأصول، انتهت إليه رياسة التدريس بعد أستاذه شيخنا العلّامة المرتضىٰ الأنصاري، وكان مرجعاً في التقليد لأهل قفقازيا وتركستان وآذربيجان وجلّ أهل إيران، كان يحضر درسه أكثر من ثمانمائة من الفضلاء والعلماء، وأشهر تلامذته ومقرّري بحثه الشيخ حسن المامقاني المتقدّم ذكره، والفاضل الشرابياني الآتي ذكره في المحمّدين إن شاء الله تعالى».
(٢) راجع: طبقات أعلام الشیعة ١٤ /٦٥: «الشيخ محمّد حسين الكاظمي ١٢٣٠ـ١٣٠٨. هو الشيخ محمّد حسين بن الشيخ هاشم بن الشيخ ناصر بن الشيخ حسين الكاظمي النجفي مجتهد مؤسّس مدرّس من أعاظم فقهاء عصره ومشاهير علمائه. ولد في الكاظمية في (١٢٣٠) ونشأ بها فتعلّم المبادئ وقرأ مقدّمات العلوم علىٰ لفيف من العلماء والفضلاء؛ ثمّ هاجر إلىٰ النجف الأشرف فأتمّ المقدّمات وحضر علىٰ أبطال العلم ومشاهير المدرّسين يومذاك، كالشيخ حسن كاشف الغطاء صاحب أنوار الفقاهة، والشيخ محمّد حسن صاحب الجواهر، والشيخ جواد ملّا كتاب، والشيخ محسن خنفر، والشيخ المرتضىٰ الانصاري وغيرهم». وراجع: میزان الفقاهة ٣ /٣٩١ تقریر في صلاة المسافر من درس المحقّق الكاظمي المذكور بقلم المحقّق الدرچه اى.
٧ـ المولیٰ لطف الله المازندراني(١).
٨ـ الشیخ هادي الطهراني(٢).
٩ـ المیرزا أبو المعالي الكلباسي(٣).
__________
(١) راجع: طبقات أعلام الشیعة ١٧ /٩٢، قال الشیخ آقا بزرك: «الآخوند ملّا لطف الله الأسكي اللاريجاني النجفي (...- ١٣١١) علّامة فقيه متبحّر ورع تقيّ، كان من أجلّة الفقهاء والأصوليّين والمدرّسين المبرّزين، زاهداً ورعاً تقيّاً مرتاضاً مجاهداً. تتلمذ علىٰ العلّامة الشيخ محمّد حسن صاحب الجواهر سنين، وأيضاً علىٰ آية الله العلّامة الأنصاري وكتب تمام دورة الأصول».
(٢) ذكرناه في مقالتنا: (میزان الفقاهة ومؤلّف آن).
(٣) الشيخ الميرزا محمّد أبو المعالي الكلباسي ١٢٤٧ـ١٣١٥: وهو ابن الشيخ الحاجّ محمّد إبراهيم الكلباسي الإصفهاني عالم جليل ومجتهد كبير ومصنّف خبير ولد بإصفهان في شعبان (١٢٤٧) وتلمّذ بها علىٰ السيّد محمّد بن عبد الصمد الشهشهاني والسيّد حسن المدرّس الإصفهاني وغيرهما حتّىٰ برع وكمل، فمن آيات فضله واجتهاده رسائله الأصولية الخمسة عشر المطبوعة، وله تصانيف كثيرة منها: رسالة في الاستخارات طبعت في أوّل القرآن الرحلي في (١٣١٦)؛ والبشارات في شرح أصول الفقه في مائة وعشرين ألف بيت؛ وله رسائل كثيرة في تراجم جملة من الرواة؛ وله رسائل كثيرة في المسائل الفقهية منها: رسالة في النيّة وأخرىٰ في وجوب الطهارة وثالثة في الصلاة في الماهوت ورسائل أخر في الصلاة في حمام الوقف وفي تفطير الغبار والدخان وفي الرجوع إلىٰ الكفاية وفي الحجّ وفي استيجار العبادة وفي الشرط ضمن العقد وفي المعاطاة وفي الإسراف وفي أصوات النساء وفي التداوي بالمسكر وشرح مبحث الوضوء من [الكفاية] للسبزواري وشرح الخطبة الشقشقية ورسالة في زيارة عاشوراء ورسالة في التربة الحسينية طبعتا معاً ورسالة في سند الصحيفة السجّادية ورسالة في الجبر والتفويض ورسالة في شبهة الاستلزام ورسالة في الجهة التقييدية وأجزاء في التفسير وحواشي علىٰ القرآن من سورة
١٠ـ المیرزا محمّد باقر صاحب روضات الجنّات.
١١ـ المیرزا محمّد حسن النجفي الإصفهاني الهزارجریبي(١).
وذكروا من تلامذته:
١ـ السیّد أبو الحسن الموسوي الإصفهاني(٢).
٢ـ السیّد حسین الطباطبائي البروجردي(٣).
٣ـ السیّد جمال الدین الگلپایگاني(٤).
٤ـ الشیخ محمّد إبراهیم بن عبد الرحیم الكلباسي الإصفهاني(٥).
٥ـ المولیٰ محمّد جواد بن عبّاس الصافي الگلپایگاني(٦).
__________
النساء إلىٰ سورة المعارج ومختصر في الحساب ومجموع يبلغ ثلاثين ألف بيت ونقد مشيخة من لا يحضره الفقيه ورسالة في تزكية الرواة طبعا معاً في مجلّد كبير ورسالة في لفظ: (ثقة) المتداول بين علماء الرجال. وكانت وفاته بعد طلوع الفجر من (يوم الأربعاء السابع والعشرين من شهر صفر من شهور سنة ١٣١٥ خمس عشرة وثلاثمائة وألف). وصفه في تكملة أمل الآمل بأنّه: عالم عامل، فاضل متبحّر، دقيق فكور نابع، كثير التتبّع، حسن التحرير، كثير التصنيف، كثير الاحتياط، شديد الورع، كامل النفس، عالم ربّاني، منقطع إلىٰ العلم، لا يفتر عن التحصيل ساعة، لم يكن في عصرنا أشدّ منه انكباباً علىٰ الاشتغال. راجع: طبقات أعلام الشیعة ١٣ /٧٩ـ٨٠؛ تكملة أمل الآمل ٦ /٣٣٢ـ٣٣٧.
(١) وهو أستاذ الآخوند عبدالكریم الگزي، رحمة الله علیهما.
(٢) نگاهی كوتاه به خاندان وزندگی آیة الله سیّد أبو تراب مرتضوی درچه ای: ١٨.
(٣) موسوعة طبقات الفقهاء ١٤ /٢١٣ـ٢١٤، القسم الأوّل.
(٤) موسوعة مؤلّفي الإمامیّة ٨ /٢٧٠.
(٥) مؤلّفین كتب چاپی ١ /٨١.
(٦) مؤلّفین كتب چاپی ٢ /٤٢١.
٦ـ الشیخ إسماعیل بن محمّد حسن المعزي الإصفهاني(١).
٧ـ الشیخ محمّد الرشتي(٢).
٨ـ السیّد مرتضیٰ الزواره اى(٣).
٩ـ الحاجّ ملّا هاشم القزویني(٤).
١٠ـ أبو القاسم بن عبد الرزّاق الإصفهاني(٥).
١١ـ جلال الدین الهمائي(٦).
١٢ـ السیّد محمّد الصدر الشهشهاني(٧).
١٣ـ أسد الله بن محمّد حجّت(٨).
١٤ـ حسين بن محمود بن جواد الموسوي المسجد حكيمي الإصفهاني(٩).
١٥ـ الشیخ محمّد رضا فرقاني الجرقویه اى(١٠).
١٦ـ السیّد محمّد رضا الخراساني(١١).
__________
(١) موسوعة مؤلّفي الإمامیة ٤ /٢٧٦. ونجله آیة الله الشیخ أبو الفضل بن إسماعیل المعزّي الإصفهاني، فقیه ثقة من الصلحاء والأبرار، أخذتُ منه معالم دیني.
(٢) طبقات أعلام الشیعة ١٧ /١٨١.
(٣) طبقات أعلام الشیعة ١٧ /٣٤٤.
(٤) طبقات أعلام الشیعة ١٧ /٥٧٣.
(٥) موسوعة مؤلّفي الإمامیّة ٢ /٢٢.
(٦) موسوعة مؤلّفي الإمامیّة ٨ /١٩٢.
(٧) طبقات أعلام الشیعة ١٧ /٢٩٧.
(٨) موسوعة مؤلّفي الإمامیّة ٤ /٥٣.
(٩) موسوعة طبقات الفقهاء ١٤ /٩٤٣، القسم الثاني.
(١٠) موسوعة طبقات الفقهاء ١٤ /٧١٣، القسم الثاني.
(١١) خاطرات آیة الله مستجابي ٢ /٤٢.
١٧ـ الشیخ علي مشكات(١).
١٨ـ الشیخ محمّد رضا حسام الواعظین(٢).
١٩ـ الحاجّ ملّا علي العاشق آبادي(٣).
٢٠ـ السیّد حسن الچهارسوقي(٤).
٢١ـ الحاجّ السیّد عبد الحسین الطیّب صاحب أطیب البیان في تفسیر القرآن(٥).
ومن آثاره حاشیة النخبة(٦) للحاجي محمّد إبراهیم الكلباسي وحاشیة مناسك الحجّ(٧) للشیخ الأنصاري كتاب میزان الفقاهة في (٢٦) مجلّداً وحاشیة علیٰ بعض مباحث هدایة المسترشدین(٨).
الرسالة ومنهجنا في تحقیق الرسالة:
هذه الرسالة بحقّ في مسألة الشروط یسمّیٰ بـ: (شروط صحّة الشرط) ویظهر أنّه من درس آیة الله العظمیٰ السیّد محمّد كاظم الطباطبائي الیزدي رحمة
__________
(١) وهو عالم فاضل مرقده في أوّل (گلستان شهداء إصفهان) عند صهره الشهید آیة الله السیّد أبي الحسن الشمس آبادي الإصفهاني، وسمعت من آیة الله الحاجّ الشیخ أسد الله الجوادي الإصفهاني حفظه الله أنّ أستاذه آیة الله الشیخ علي مشكات تلمّذ عند آیة الله العظمیٰ السیّد محمّد باقر الموسوي الدرچه اى.
(٢) خاطرات آیة الله مستجابي ١ /٢٧٤ـ٢٧٥.
(٣) مزارات إصفهان: ٢٦٩.
(٤) زندگانی حضرت آیة الله چهارسوقي: ٨٠.
(٥) راجع: نگاهی كوتاه به خاندان وزندگی آیة الله سیّد أبو تراب مرتضوی درچه ای: ٢٠.
(٦) راجع: میزان الفقاهة ١٩ /٥٣ وبعد.
(٧) راجع: میزان الفقاهة ١٩ /٣١٣ وبعد.
(٨) راجع: نگاهی كوتاه به خاندان وزندگى آیة الله سیّد أبو تراب مرتضوى درچه اى: ١٦.
الله علیه من تقریر آیة الله العظمیٰ السیّد محمّد باقر الموسوي الدرچه اى. أسقطوه من میزان الفقاهة وقالوا: إنّها من المسائل الأصولیة(١)، ولكن من المعلوم أنّها من المسائل الفقهیة من فقه المعاملات بحثوا عنها في كتاب الخیارات(٢).
وعزمنا علیٰ تحقیقها ونشرها كي لا تضیع، والله وليّ التوفیق. طلبنا الرسالة من فضیلة السیّد أحمد بن محمّد علي الموسوي الدرچه اى فأرسال صورة الرسالة إلینا فنشكره حفظه الله.
وعملنا في تحقیق الرسالة:
١ـ تنضید الرسالة ومقابلتها وتصحیحها وتقویم النصّ.
٢ـ تقطیع النصّ وتعیین رؤوس المطالب.
٣ـ تخریج الآیات والروایات وأقوال العلماء.
٤ـ شرح بعض الكلمات والمصطلحات.
٥ـ شرح بعض المطالب الغامضة في الرسالة.
وأخيراً أودّ تقديم جزيل الشكر إلى أخي حجّة الإسلام الشيخ أحمد حلبيان، حيث ساعدني في تحقيق هذه الرسالة.
__________
(١) راجع: میزان الفقاهة ١٢، هامش ص٤١.
(٢) راجع: المكاسب ٦ /١٥.
صورة الصفحة الأولى من المخطوطة
صورة الصفحة الأخيرة من المخطوطة
نصّ الرسالة
[بسم الله الرحمن الرحیم الحمد لله ربّ العالمین، وصلّیٰ الله علیٰ سیّدنا محمّد وآله الطیّبین الطاهرین، ولعنة الله علیٰ أعدائهم إلیٰ یوم الدین](١).
[شرائط صحّة الشرط]:
فاعلم(٢) أنّه یشترط في صحّة الشرط في ضمن العقد أمور(٣):
[الشرط الأوّل كونه مقدوراً]:
منها أن یكون مقدوراً علیٰ من اشترط علیه، وقد یعبّر عن هذا بتعبیر آخر لعلّه یثمر: وهو أنّه لا بدّ أن یكون ممّا یجوز اشتراطه عرفاً، فخرج ما لا یكون كذلك كما إذا اشترط صفة لا یقدر علیٰ تسلیم العین موصوفاً بها، كما إذا اشترط أن یكون الأمَة مثلاً ممّا تحمل بعد سبعة أشهر، أو اشترط عملاً لا یقدر علیٰ تلك
__________
(١) جئنا بهذه الخطبة من أوّل كتاب الزكاة لآیة الله العظمیٰ السیّد محمّد باقر الموسوي الدرچه اى. فراجع: میزان الفقاهة ٣ /٢١٣.
(٢) في المخطوطة كتب فوق الصفحة الأولی: (مقدار یكجزو در مسئلة شرط فاسد از تقریر درس آقا سیّد محمّد كاظم).
(٣) راجع: كتاب المكاسب ٦ /١٥ وبعد؛ وحاشیة المكاسب للسیّد الطباطبائي الیزدي ٣ /٢٥٢ وبعد؛ ومیزان الفقاهة ١٥ /٣١٢ وبعد.
العمل كجعل الزرع سنبلاً، أو اشترط فعل الغیر إذا صدر من نفس ذلك الغیر كجعل الله الزرع سنبلاً؛ لأنّ الإنسان لا یقدر علیٰ فعل الغیر، نعم له تحصیل مقدّماته وهو غیر ما اشترط علیه.
[اشتراط عمل مقدور أو وصف حالي غیر معلوم في العقد]:
ثمّ لا یخفیٰ أنّ الفرد الأظهر ممّا یجوز اشتراطه في العقد أن یشترط عملاً كان للمشترط علیه وكان قادراً علیه، فقالوا أیضاً بجواز اشتراط وصف حاليّ لا یعلم تحقّقه في المبیع، كما إذا باع حنطة الموجود المعیّن الخاصّ وشرط علیه أن یكون أبیضاً.
بل قالوا ـ كما قیل ـ: إنّه لو ذكر بطریق الوصف أیضاً یرجع إلیٰ الشرط ویأتي علیه أحكام الشرط.
وقالوا أیضاً بجواز اشتراط حكم من أحكام الله من قبیل: رقّیة ولد الأمة أو العبد في النكاح، ومن قبیل: اشتراط الإرث في عقد المتعة، إلّا أنّه قد أشكل في جواز اشتراط وصف الحالي أو الحكم من حیث إنّ الشرط كما حقّق في محلّه عبارة عن الإلزام والالتزام، فلابدّ أن یكون متعلّقه ممّا یقبل الإلزام والالتزام.
وبعبارة أخری: قوله صلّیٰ الله علیه وآله وسلّم: «المؤمنون عند شروطهم»(١) معناه كما یقولون ظاهراً أنّه یجب علیٰ المؤمنین الوفاء بالتزاماتهم فالظاهر منه عدم شموله لما لا یقدر علیٰ الوفاء به.
__________
(١) راجع: تهذیب الأحكام ٧ /٣٧١؛ بحار الأنوار ٧٢ /٩٦ . وفي الكافي ٥ /٤٠٤، نقل عن رسول الله صلىاللهعليهوآله: «المسلمون عند شروطهم».
[اشتراط الوصف الحالي أو الحكم في العقد]:
وإذا عرفت ذلك فنقول: إنّه لا یقدر علیٰ الوفاء في اشتراط الوصف الحالي أو الحكم.
أمّا الحكم؛ فلأنّ حكم الله لا یكون إثباته ورفعه علیٰ یده حتّیٰ یكون قادراً علیٰ الوفاء، والشيء إنّما یصیر مقدوراً إذا كان الإنسان قادراً علیٰ إیجاده وعدم إیجاده ولیس كذلك فیما نحن فیه؛ لأنّه لا یقدر علیٰ رفع حكم الإرث بعد ثبوته فلا یكون قادراً علیٰ إثباته أیضاً.
وأمّا الوصف الحالي فنقول: إن لم یكن الوصف موجوداً فیه فلا یقدر علیٰ الوفاء قطعاً وإن كان الوصف المشترط فیه موجوداً فلا مانع فیه من حیث إنّه یصیر مؤكداً لمقتضیٰ العقد، فیجب دفع الحنطة الموجودة تارة لأجل قوله تعالی: ﴿أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾(١) وتارة لأجل قوله (صلّیٰ الله علیه وآله وسلّم): «المؤمنون عند شروطهم»(٢).
وفیه: أنّ الشرط لیس هو دفع الحنطة الأبیض مثلاً؛ وذلك لأنّ الدفع فعل، وقد تقدّم أنّه لا إشكال في اشتراط فعل العاقد في العقد، بل الشرط هو كون الحنطة بنفسه أبیضاً، وهذا المعنیٰ لیس بید الإنسان حتّیٰ یقبل الوفاء، ففي صورة الانطباق لا یصدق الوفاء.
مع أنّه قلنا بعدم القدرة علیٰ الوفاء في صورة التخلّف، وهذا المقدار یكفي
__________
(١) سورة المائدة: ١.
(٢) تهذیب الأحكام ٧ /٣٧١.
في عدم شمول قوله (صلّیٰ الله علیه وآله وسلّم): «المؤمنون عند شروطهم»(١) له واجب أمّا عن الحكم فباعتبار أنّ الإرث أو الرقّیة ممّا یقبلان الإلزام والالتزام عرفاً مع قطع النظر عن جمیع الأحكام، وإذا قبل الإلزام والالتزام فیقول الروایة دالّة بوجوب الوفاء ووجوب الوفاء هنا ثبوت الإرث أو الرقّیة؛ لأنّه المشترط علیه.
أقول: لا یخفیٰ أنّ الشرط لیس هو إعطاء الإرث حتّیٰ یكون قابلاً للوفاء وعدم الوفاء، بل الشرط هو الحكم الوضعي ككونه رقّاً أو صیرورة الزوجة مورّثاً والحكم الوضعي بعدما ثبت بنفس الالتزام فلا یكون قابلاً لعدم الوفاء به، فیصیر هو خارجاً عن القدرة، بل لا یكون قادراً علیٰ الوفاء أیضاً؛ لأنّه بنفسه ثبت لا أنّه وفیٰ به(٢).
وأمّا اشتراط الوصف الحالي فأجیب عنه: بأنّ الشرط هنا راجع إلیٰ الوصف فإذا تخلّف فیرجع إلیٰ حكم تخلّف الوصف وهو الخیار.
وأجیب ثانیاً: بأنّه وإن لم یكن ذلك التزام حقیقة، إلّا أنّ ذلك من الالتزامات العرفیة.
فأورد علیه بأنّ إطلاق العرف الالتزام علیٰ ذلك إنّما هو من باب التسامح وإلّا فمرادهم أنّه لو لم یكن الوصف كما ذكره فإمّا أن یغرمه أو یرفع الید عن
__________
(١) تهذیب الأحكام ٧ /٣٧١.
(٢) جاء في هامش المخطوطة: وقد یجاب بأنّ الشرط وإن كان هو الحكم الوضعي إلّا أنّه قابل للو[فاء] بعدم الامتناع فیصیر وفاؤه راجعاً إلیٰ الحكم التكلیفي فتأمّل.
المعاملة، لا أنّ المقصود هو الالتزام حتّیٰ یعمل علیٰ طبق ما التزم به.
أقول: لا یخفیٰ أنّه لو كان كذلك فیصیر شرطاً حقیقة لا عرفاً.
وثالثاً: بأنّ الشرط هنا لیس هو بمعنیٰ الالتزام وإنّما هو بمعنیٰ مطلق الجعل.
إن قلت: إنّه لا دلیل علیٰ جواز مطلق الجعل في العقد؛ لأنّ قوله (صلّیٰ الله علیه وآله وسلّم): «المؤمنون عند شروطهم»(١) أنّما یدلّ علیٰ خصوص مورد یكون قابلاً للوفاء.
قلنا: إنّ الدلیل لیس منحصراً في ذلك، بل الدلیل إطلاق ما تدلّ من الروایة التي یكون مضمونه قریب بهذه العبارة من أنّه یجوز الاشتراط إلّا بما أحلّ حراماً أو حرّم حلالاً.
وأورد علیه:
أوّلاً: بأنّ الأدلّة الدالّة علیٰ صحّة الاشتراط في العقود إمّا هو قوله (صلّیٰ الله علیه وآله وسلّم): «المؤمنون عند شروطهم»(٢) أو ما یدلّ علیٰ أنّه لا یجوز الاشتراط بما یحرّم حلالاً أو بالعكس.
أمّا الأوّل فقد عرفت عدم شموله لما نحن فیه؛ لأنّه(٣) أخذ وجوب الوفاء فیه.
وأمّا الثاني فلو كان الشرط مطلق الجعل فیدلّ إطلاق مفهومه علیٰ ما نحن فیه إلّا أنّ ذلك الإطلاق وارد مورد حكم آخر.
__________
(١) تهذیب الأحكام ٧ /٣٧١.
(٢) تهذیب الأحكام ٧ /٣٧١.
(٣) في المخطوطة: لان.
نعم، ما نقل من الروایة من أنّه یجوز الاشتراط إلّا بما أحلّ اه فهو وارد في روایة مرسلة. مع أنّه قیل: إنّ الظاهر أنّ ذلك یكون منقولاً بالمعنیٰ ولیست الروایة كذلك.
وثانیاً نقول: إنّ مطلق الجعل أیضاً یحتاج إلیٰ الوفاء فلیس مطلق الجعل غیر الالتزام.
لایقال: إنّه یمكن الوفاء بأن یجعل أنّه لو لم یكن الحنطة أبیضاً فیكون له الخیار.
لأنّا نقول: إنّ الخیار من أحكام الشرط، وإلّا فنفس الشرط هو إنّما یكون إذا كان قابلاً بالوفاء بنفس ما اشترط ثبوته كما إذا شرط عملاً فَیفي بنفس ذلك العمل أو یشترط كونه أبیضاً فَیفي بكونه أبیضاً.
اللّهمّ إلّا أن نبني ذلك علیٰ مذهب النراقي.
[توضیح مسلك المحقّق النراقي]:
توضیحه: إنّ المشهور یقولون: «إنّ الشرط التزام علیٰ حدة مغایر لنفس العقد»، وأمّا النراقي یقول: «إنّ الشرط عبارة عن تقیید العقد بصورة عدم مخالفة الشرط»(١)،
__________
(١) یمكن أن یكون المنظور ما جاء في عوائد الأیّام: ١٢٨ حیث قسّم المحقّق المولیٰ أحمد النراقي الشرط إلیٰ الشرط النحوي والشرط الأصولي والشرط اللغوي، ثمّ قال في تعریف الشرط الأصولي: «والثاني: الشرط الأصولي، وهو ما يلزم من عدمه عدم المشروط، ولا يلزم من وجوده وجوده، وهو يكون مضافاً إلىٰ شيء لا محالة، كشرط الصلاة، وشرط اللزوم، وشرط الوجوب، وغيرها». ثمّ قال: «ويمكن أن يكون استعمال
فعلیٰ هذا لا مانع من ذلك(١).
ثمّ لا یخفیٰ أنّ الدلیل علیٰ هذا الشرط أمّا بناء علیٰ ما قیل من: «أنّه لا بدّ أن یكون ممّا یجوز الاشتراط به عرفاً»، فواضح؛ لأنّه بعد عدم جواز الاشتراط به عرفاً یخرج عن مصادیق الالتزام فلا یدلّ علیٰ صحّته قوله (صلّیٰ الله علیه وآله وسلّم): «المؤمنون عند شروطهم»(٢).
وأمّا بناء علیٰ ما قال المشهور من: «أنّه لا بدّ أن یكون مقدوراً للمشترط
__________
لفظ الشرط في (الشرط ضمن العقد) باعتبار المعنىٰ الثاني، بناءً علىٰ ما هو المشهور والمعروف منهم في مسائل البيع من أن بقاء استمرار العقد ولزومه موقوف علىٰ أن يسلّم الشرط لمشترطه، فإن لم يسلّم له، يفيد التخيير بين فسخ العقد المشروط فيه وإمضائه، سواء شرط ذلك في ضمن العقد أيضا أم لا، فيكون الشرط ممّا ينتفي العقد بانتفائه. وهذا وإن لم يكن مجمعاً عليه، بل ولا مشهوراً في جميع العقود، ولكن يمكن أن يكون الإطلاق بالاعتبار المذكور، وأطلق فيما لا ينتفي استمرار العقد بانتفاء الشرط، أو أطلقه من لا يرىٰ الخيار بعدم سلامة الشرط لمشترطه تطفّلاً من باب التجوّز». ومن المعلوم أنّ هذا المعنیٰ الثاني غیر مأخوذ فیه الإلزام والالتزام، بل نوع تقیید للزوم العقد. ولكن من المعلوم أنّه رحمه الله طرح هذا المعنیٰ ممّا احتمل أن یكون المراد في عنوان: (الشرط في ضمن العقد)، كما أنّه طرح المعنیٰ الثالث للشرط وقال: الثالث: «الشرط اللغوي، وهو ما يلزم به الغير ويلتزم به، ومصدره: بمعنىٰ الإلزام والالتزام». ثمّ قال: «ويمكن أن يكون استعماله باعتبار المعنىٰ الثالث، حيث إنّ كلّ ما يشترط في ضمن العقد، فهو ممّا التزمه المتعاقدان، أو أحدهما في ضمن العقد».
(١) یعني لا مانع من اشتراط الوصف الحالي، حیث إنّ الاشتراط من مقولة التقیید لا من مقولة الالتزام.
(٢) تهذیب الأحكام ٧ /٣٧١.
علیه»، فنقول هذا علیٰ قسمین؛ لأنّه تارة لا یكون مقدوراً له بوجه من الوجوه كالطیران إلیٰ السماء فوجه عدم صحّته عدم القدرة علیٰ تسلیمه، وتارة یكون ممّا یحتمل تحقّقه كفعل الغیر فحینئذٍ یلزم إناطة العقد بما لم یكن منوطاً بإرادة المشترط علیه فیلزم الغرر في العقد وسیأتي إن شاء الله أنّ البیع الغرري باطل.
[بناء العلماء علیٰ صحّة اشتراط الوصف الحالي دون الوصف الاستقبالي]:
ثمّ لا یخفیٰ أنّ بناء العلماء علیٰ الصحّة فیما لو اشترط الوصف الحالي ككون العبد أسوداً أوكون الحنطة أبیضاً كما سبق، وقالوا أیضاً بعدم الصحّة فیما لو اشترط الوصف التي یأتي في المستقبل ككون الأمة تلد في المستقبل مع أنّ في كلیهما یحتمل التخلّف فیأتي الغرر.
وقد أجاب الشیخ عن ذلك بأنّه في المثال الأوّل یرجع الشرط إلیٰ الوصف فكأنّه بنیٰ العقد علیٰ تحقّقه بخلاف المثال الثاني؛ فلأنّه لم یبنِ(١) العقد علیٰ تحقّقه، مع أنّه أنیط العقد به فیلزم الغرر.
وأورد علیٰ الشیخ: بأنّ مجرّد البناء علیٰ تحقّق الوصف بعد احتمال عدم تحقّقه لا یخرجه عن الغرر إذا أنیط العقد به، وحینئذٍ نقول: لو كان إجماع في البین فنأخذ به تعبّداً ولو لم ینطبق مع القواعد وإلّا فنقول في كلا المثالین إنّه لو حصل الوثوق بحصول الوصف فیخرج عن الغرریة، وإلّا فلا یجوز في كلا المثالین.
[الشرط الثاني لصحّة الشرط أن یكون فیه غرض معتدّ به]:
الثاني: أن لا یكون ممّا لیس فیه غرض معتدّ به وقد اشترط نظیر ذلك في
__________
(١) في المخطوطة: لم یبنی.
نفس البیع. والدلیل علیٰ ذلك فیما نحن فیه واضح؛ لأنّ ذلك یوجب لعدم صدق الالتزام والإلزام به عرفاً، وعلیٰ فرض التسلیم لا یشمله قوله (صلّیٰ الله علیه وآله وسلّم): «المؤمنون عند شروطهم»(١).
ثمّ لا یخفیٰ أنّه لا فرق بین أن لا یكون الغرض المعتدّ به في نوع شيء أو كان الغرض المعتدّ به في نوعه ولكن لم یكن بالنظر إلیٰ خصوص المشروط له.
[الشرط الثالث لصحّة الشرط أن لا یكون مخالفاً للكتاب والسنّة]:
الثالث: من شرائط الشرط في ضمن العقد أن لا یكون مخالفاً للكتاب والسنّة أو یكون موافقاً لهما.
لا یخفیٰ أنّ هنا عنوانین:
أحدهما: أن یكون سائغاً یعني لا یكون المشروط محرّماً فیجوّزه بالشرط أو یوجبه. ودلیل ذلك ما دلّ علیٰ أنّ المؤمنین عند شروطهم إلّا ما أحلّ حراماً.
وثانیهما: هذا العنوان الذي ذكرناه وهو أعمّ من الأوّل.
فذكر الأوّل غیر محتاج إلیه بعد ذكر العنوان الثاني.
لا یقال: إنّ الأخبار ذكرهما عنوانین(٢).
لأنّا نقول: إنّ بناء الأخبار علیٰ أنّها یذكر الحكم العامّ فیها تارة بعمومه وتارة یذكر لبعض أنواعه ولكن ذلك مخالف لطریقة التصنیف. والأخبار لم یكن علیٰ وجه التصنیف، ولا یخفیٰ أنّ الدلیل علیٰ اشتراط ما ذكرنا هي الأخبار
__________
(١) تهذیب الأحكام ٧ /٣٧١.
(٢) هكذا جاء في المخطوطة.
الذي ادّعي تواترها، فنحن غیر محتاجین إلیٰ التعرّض لسندها.
نعم یجيء التكلّم في أنّ تلك الأخبار مؤكّدة بحیث لو لم تكن تلك الأخبار لكان الحكم كذلك وكان الحكم موافقاً للأصل أو أنّها مؤسّسة(١)؟
فنقول: هنا عنوانین:
الأوّل: أن یكون عنوان المستحبّ موجباً لاستحباب فعل المحرّم كما لو كان فعل الزناء موجباً لإدخال السرور في قلب المؤمن.
الثاني: أن یكون ما یوجب العناوین الثانویة من قبیل العقود أو الشرط في ضمنها وأمر الوالد والنذر إلیٰ غیر ذلك مخالفاً للكتاب.
إذا عرفت ذلك فنقول: لا إشكال فیما لوكان دلیل الاستحباب أو العنوان الثانوي مغییٰ بعدم إیجابه لتحلیل محرّم كما فیما نحن فیه، وكذلك لو كان دلیلهما مجملاً ویكون دلیل المحرّم مطلقاً، وكذلك لا إشكال فیما لو كان دلیل المحرّم مغییٰ بغایة أو كان مجملاً وكان العنوان الثانوي مطلقاً، وكذلك لو كان كلاهما مجملین؛ لأنّه لابدّ من الرجوع إلیٰ الأصول العملیة أو القواعد.
وإنّما الإشكال في صورة كانا مطلقین، فنقول: أمّا دلیل المستحبّ فظاهر أنّه منصرف عن صورة یوجب فعل المحرّم أو ترك الواجب، وأمّا العنوان الثانوي فنقول لا إشكال في أنّه یوجب لإیجاب المستحبّ والمكروه والمباح أو تحریمها، وإنّما الإشكال في أنّه یوجب لإیجاب المحرّم أو لتحریم الواجب أم لا؟
فنقول: لا یخفیٰ أنّ بناء العلماء علیٰ عدم العمل بالعناوین الثانویة في تلك الموارد فحینئذٍ نقول: إنّ مقتضیٰ القاعدة وإن كان العمل علیٰ طبق التعارض
__________
(١) في المخطوطة: مؤسّس.
والمعارضة إلّا أنّ الإجماع قائم علیٰ خلافه، بل الأولیٰ أن نقول: إنّ أدلّة العناوین الثانویة كأدلّة المستحبّة منصرف عن هذه الصورة.
[المراد بمخالفة الكتاب]:
فممّا ذكرنا ظهر أیضاً أنّ المراد بمخالفة الكتاب أن یدلّ الكتاب علیٰ وجوبه بطریق الإطلاق أو علیٰ تحریمه كذلك، فیوجب العنوان الثانوي لغیر الوجوب والحرمة ووجه عدم الجواز واضح؛ إذ الحرام ما نهي عن فعله علیٰ كلّ حال بخلاف المكروه فإنّه مثلاً لم ینهَ عنه كذلك إلّا أنّه یظهر من بعض الأخبار عدم جواز اشتراط خلاف ما دلّ الكتاب علیٰ جوازه. فقال الشیخ: إنّ هذا الخبر یصیر دلیلاً علیٰ أنّ خصوص ذلك المباح ممّا لا یقبل اللزوم، فتأمّل.
لا یخفیٰ: أنّ الظاهر أنّ المراد من الكتاب هو القرآن المجید ومن السنّة ما وصل إلینا من النبي (صلّیٰ الله علیه وآله وسلّم) إلّا أنّه ورد في روایة أنّه (صلّیٰ الله علیه وآله وسلّم) قال: «فما بال أقوام(١) یشترطون شروطاً لیست في [كتاب الله؟ ما كان من شرط لیس في](٢) كتاب الله عزّ وجلّ فهو باطل»(٣) اه.
مع أنّه (صلّیٰ الله علیه وآله وسلّم) قال ذلك في حكم ولاء المعتق ولیس هو في ظاهر الكتاب، فلذا حمل الكتاب علیٰ المكتوب من الله تعالیٰ وهو أعمّ من السنّة.
__________
(١) في صحیح البخاري ٣ /٢٩: ما بال رجال.
(٢) ما بین المعقوفتین أضفناه من المصدر.
(٣) صحیح مسلم ٤ /٢١٤.
وأورد علیه أنّه لو فرضنا أنّه لم یمكن فهم حكم ذلك من الآیات، فلا أقلّ أنّه یفهم حكمه من بعض العمومات(١).
ولو أغمضنا عن جمیع ذلك فنقول: لابدّ أن یحمل لفظ الكتاب في خصوص هذه الروایة علیٰ هذا المعنیٰ.
ثمّ إنّ هنا كلاماً آخر في أنّ المعیار علیٰ أنّه یلزم أن یكون الشرط موافقاً للكتاب أو لم یكن مخالفاً له، ویظهر الثمرة فیما لم یكن حكمه في كتاب الله. وقد یقال: إنّ كلّ شيء حكمه موجود في كتاب الله ولو في عموماته من مثل قوله تعالی: ﴿خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً﴾(٢).
أقول: لا یخفیٰ أنّ هذا التوجیه مخالف لما ورد في الروایة: «فما كان من شروط(٣) لیس في كتاب الله عزّ وجلّ فهو باطل»(٤) ولذا حكم ببطلان اشتراط الولاء في العقد.
اعلم: أنّ الظاهر من قوله (علیه السلام): «ما خالف الكتاب»، هو المشروط، والظاهر بل الصریح من قوله (علیه السلام) «ما أحلّ حراماً»، هو الشرط.
__________
(١) في المخطوطة: «ولو من مثل: ﴿خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً﴾. أقول: فیه: أنّ [ذلك] العموم یدلّ علیٰ خلاف ما استشهد له». ثمّ شطب علیه.
(٢) سورة البقرة: ٢٩.
(٣) في المصدر: ما كان من شرط.
(٤) عن رسول الله صلىاللهعليهوآله: «ما بال أقوام يشرطون شروطاً ليست في كتاب الله، كلّ شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، كتاب الله أحقّ، وشروطه أوثق». راجع: كتاب الخلاف ٣ /١٥٨.
ثمّ إنّه بالنسبة إلیٰ ما خالف الكتاب تارة یأتي الكلام في أنّه یمكن أن یكون نفس الشرط ممّا خالف الكتاب أم لا؟ وتارة یأتي الكلام في إمكان إرادة الشرط المخالف والمشروط المخالف من قوله (علیه السلام): «إلّا كلّ شرط خالف كتاب الله عزّ وجلّ فلا یجوز»(١) اه أم لا؟
[المقام الأوّل: یمكن أن یكون نفس الشرط مخالفاً للكتاب؟]:
أمّا المقام الأوّل فیتصوّر علیٰ وجهین:
الأوّل: أن یكون المشروط حلالاً إلّا أنّه نفس الشرط والالتزام بعدم ارتكاب المحلّل یكون حراماً، ویمكن أن یحمل علیٰ ذلك ما دلّ(٢) علیٰ عدم جواز
__________
(١) راجع: كتاب من لا یحضره الفقیه ٣ /٢٠٢ . فیه: «رَوَىٰ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سِنَانٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) قَالَ: الْمسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ إِلَّا كُلَ شَرْطٍ خَالَفَ كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَلَا يَجُوز».
(٢) راجع: تفسیر العیّاشي ١ /٢٤٠. فیه: عن ابن مسلم عن أبي جعفر ع قال قضىٰ أمير المؤمنين ع في امرأة تزوّجها رجل ـ وشرط عليها وعلىٰ أهلها إن تزوّج عليها امرأة وهجرها، أو أتىٰ عليها سرية فإنها طالق ـ فقال: شرط الله قبل شرطكم، إن شاء وفي بشرطه وإن شاء أمسك امرأته ـ ونكح عليها وتسرّىٰ عليها ـ وهجرها إن أتت سبيل ذلك، قال الله في كتابه: ﴿فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنىٰ وَثُلاثَ وَرُباعَ﴾، وقال: أحل لكم: ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، وقال: ﴿وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيّاً كَبِيراً﴾
وفي الوافي ٢٢ /٥٥١: عن عاصم، عن محمّد بن قيس، عن أبي جعفر (علیه السلام) في رجل تزوّج امرأة وشرط لها إن هو تزوّج عليها امرأة أو هجرها أو اتّخذ عليها سرية فهي طالق، فقضىٰ في ذلك: «أنّ شرط الله قبل شرطكم، فإن شاء وفىٰ لها ما يشترط وإن شاء
اشتراط عدم التزویج والتسرّي(١) ویبعده استشهاد الإمام لذلك بإباحتهما في الكتاب؛ لأنّ الظاهر من هذا الكلام أنّه بصدد إعطاء القاعدة.
وقد یجاب عن ذلك بأنّ استشهاد الإمام یكون قرینة علیٰ أنّ الآیة تدلّ علیٰ نوع إباحة لا یقبل الالتزام بالترك.
وفیه: أنّ الاستشهاد یكون قرینة أنّه مع قطع النظر عن كلامه (علیه السلام) یدلّ علیٰ ذلك مع أنّه مع قطع النظر عن ذلك لا یدلّ إلّا علیٰ الإباحة المطلقة.
الثاني أن نقول: إذا كان المشروط حراماً فیكون الالتزام بارتكابه حراماً، ویكفي هذا في كونه مصداقاً للشرط الذي هو بنفسه یكون حراماً.
وأورد علیه: أنّه یلزم أن یكون المرتكب لحرام هنا مستحقّاً لعقابین، بل جمیع المعاصي یلزم أن یكون كذلك؛ لأنّ ارتكابها لا یخلو عن قصد المحرّم وقصد المحرّم لم یكن أهونَ من الالتزام بالمحرّم.
أقول: فیه:
__________
أمسكها واتّخذ عليها ونكح عليها».
(١) «التَسرّي لغةً: اتّخاذ السُرِّيّة، يقال تسرّىٰ الرجل جاريته وتسرّىٰ بها واستسرّها إذا اتّخذها سرية، وهي الأمة المملوكة يتّخذها سيّدها للجماع، وهي في الأصل منسوبة إلىٰ السِّرِّ بمعنىٰ الجماع، غير أنّهم ضمّوا السين تجنُّباً لحصول اللبس، فرقاً بينها وبين السرِّية وهي الحرّة يتزوّجها الرجل سرّاً. وقيل: هي من السرّ بمعنىٰ الإخفاء؛ لأنّ الرجال كثيراً ما كانوا يتّخذون السراري سرّاً، ويخفونهنّ عن زوجاتهم الحرائر، وقيل: هي من السُّر بمعنىٰ السرور، وسمّيت الجارية سُريّة لأنّها موضع سرور الرجل؛ ولأنّه يجعلها في حال تسُرّها من دون سائر جواريه». راجع: موسوعة الفقه الإسلامي المقارن ٥ /١١٠.
أوّلاً: أنّه لا وجه لمقایسة القصد بالالتزام؛ لأنّ المراد بالالتزام هو الذي(١) نشأ من فعل خارجي كما لابدّ من ذلك بالنسبة إلیٰ الشرط في ضمن العقد ولو كان الفعل الخارجي هو الإشارة.
وثانیاً: أيّ مانع بعد ما ثبت أنّ ارتكاب المحرّم غیر الالتزام وهما فعلان خارجیّان(٢) أن یعاقب علیٰ كلّ واحد منهما(٣)؟
[المقام الثاني: هل یجوز إرادة الشرط والمشروط معاً؟]:
وأمّا الثاني وهو أنّه یجوز إرادة الشرط والمشروط معاً أم لا؟
فنقول: إنّه قد یقال: إنّ الشرط الذي یكون مخالفاً للكتاب تارة یقال: إنّه مخالف للكتاب باعتبار أنّ مشروطه یكون مخالفاً للكتاب، وتارة باعتبار أنّ نفس الشرط یكون مخالفاً للكتاب، فعلیٰ هذا نقول: إنّه عند تلفّظه بقوله: «شرطاً یخالف الكتاب»(٤) إمّا أنّه یكون نظره إلیٰ لحاظ الأوّل أو الثاني ولا یمكن أن
__________
(١) في المخطوطة: التي.
(٢) في المخطوطة: فعلین خارجیین.
(٣) في الهامش منه رحمه الله: «إلّا أنّه لا دلیل علیٰ كونه محرّماً وإن لم یكن ممّا ... حرمته أیضاً ... إلّا عدم الدلیل...». بعض الكلمات ذهبت من الهامش.
(٤) في كتاب من لا يحضره الفقيه ٣ /٢٢٩: رَوَىٰ حَمَّادٌ عَنِ الْحَلَبِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) فِي رَجُلَيْنِ اشْتَرَكَا فِي مَالٍ فَرَبِحَا رِبْحاً وَكَانَ مِنَ الْمَالِ دَيْنٌ وَعَيْنٌ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ أَعْطِنِي رَأْسَ الْمَالِ وَالرِّبْحُ لَكَ وَمَا تَوِيَ فَعَلَيَّ فَقَالَ: «لَا بَأْسَ بِهِ إِذَا اشْتَرَطَا وَإِنْ كَانَ شَرْطاً يُخَالِفُ كِتَابَ اللَّهِ رُدَّ إِلَىٰ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ».
یكون نظره إلیٰ اللحاظین(١) كما ذكر نظیر ذلك في أوّل حجّیة القطع فیما لو قال: الخبر كالقطع بالنسبة إلیٰ القطع الطریقي والموضوعي وقد ناقشت هناك(٢) في ذلك ونقول هنا: إنّه لا مانع من إرادة المعنیٰ الأعمّ من المعنیٰ المجازي والحقیقي وهو مطلق ما خالف الكتاب بطریق عموم المجاز سواء كان الشرط أو المشروط.
أقول: لا یخفیٰ أنّه لیس هنا مقام عموم المجاز؛ لأنّ المفروض أنّ لفظ الشرط استعمل في معناه وحینئذٍ إمّا أن یقدّر لفظ الشيء ویراد منه المشروط ویكون موصوفاً لقوله (علیه السلام): «یخالف الكتاب»(٣)، وإمّا أن لا تقدّر (شيء) وتقول: إنّه صفة لقوله (الشرط). فبناء علیٰ المعنیٰ الأوّل یكون ما خالف هو المشروط، وبناء علیٰ الثاني یكون هو الشرط.
إن قلت: بناء علیٰ المعنیٰ الثاني الشرط یتّصف بكونه مخالفاً باعتبار أنّ مشروطه یكون مخالفاً وباعتبار نفسه أیضاً.
قلت: فذلك لیس من عموم المجاز وإنّما هو من استعمال اللفظ في المعنیٰ الحقیقي والمجازي(٤).
__________
(١) في المخطوطة: الیٰ للحاظین.
(٢) راجع: حاشیة فرائد الأصول للسیّد الطباطبائي الیزدي ١ /٥٧ و٥٨ـ٥٩.
(٣) في كتاب من لا يحضره الفقيه ٣ /٢٢٩: رَوَىٰ حَمَّادٌ عَنِ الْحَلَبِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) فِي رَجُلَيْنِ اشْتَرَكَا فِي مَالٍ فَرَبِحَا رِبْحاً وَكَانَ مِنَ الْمَالِ دَيْنٌ وَعَيْنٌ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ أَعْطِنِي رَأْسَ الْمَالِ وَالرِّبْحُ لَكَ وَمَا تَوِيَ فَعَلَيَّ فَقَالَ: «لَا بَأْسَ بِهِ إِذَا اشْتَرَطَا وَإِنْ كَانَ شَرْطاً يُخَالِفُ كِتَابَ اللَّهِ رُدَّ إِلَىٰ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ».
(٤) جاء في الهامش: «لأنّ المستعل هو لفظ الشرط لا یخالف...». آخره ذهب من الهامش.
[في عدم جواز اشتراط عدم التزویج والتسرّي]:
ثمّ لا یخفیٰ أنّه بناء علیٰ جواز إرادة المعنیین وأنّ نفس الاشتراط یمكن أن یكون مخالفاً للكتاب فحینئذٍ یحمل ما دلّ علیٰ عدم جواز اشتراط عدم التزویج والتسرّي علیٰ ذلك لو لم نقل إنّ الاستشهاد بالآیة لا ینافي ذلك كما سبق.
وأمّا لو قلنا بمنافاة الاستشهاد لذلك أو أنّه لا یمكن إرادة اللحاظین(١) في قوله (علیه السلام): «شرطاً یخالف الكتاب»(٢) فحینئذٍ لابدّ أن یقّدر أنّه لا یجوز أن یشترط تحریم التزویج والتسرّي، فتأمّل.
[ في روایة الحلبي وروایة إسحاق بن عمّار]:
ثمّ اعلم أنّ الظاهر أنّ معنیٰ الظاهر البدوي من قوله (علیه السلام): «من اشترط شرطاً یخالف كتاب الله تعالیٰ»(٣) اه. أنّه لو كان حكم شيء في كتاب الله تعالیٰ أحد الأحكام الخمسة فأنت شرطت غیر ما كان في الكتاب، فذلك غیر
__________
(١) في المخطوطة: ارادة للحاظین.
(٢) في كتاب من لا يحضره الفقيه ٣ /٢٢٩: رَوَىٰ حَمَّادٌ عَنِ الْحَلَبِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) فِي رَجُلَيْنِ اشْتَرَكَا فِي مَالٍ فَرَبِحَا رِبْحاً وَكَانَ مِنَ الْمَالِ دَيْنٌ وَعَيْنٌ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ أَعْطِنِي رَأْسَ الْمَالِ وَالرِّبْحُ لَكَ وَمَا تَوِيَ فَعَلَيَّ فَقَالَ: «لَا بَأْسَ بِهِ إِذَا اشْتَرَطَا وَإِنْ كَانَ شَرْطاً يُخَالِفُ كِتَابَ اللَّهِ رُدَّ إِلَىٰ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ».
(٣) في كتاب من لا يحضره الفقيه ٣ /٢٢٩: رَوَىٰ حَمَّادٌ عَنِ الْحَلَبِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) فِي رَجُلَيْنِ اشْتَرَكَا فِي مَالٍ فَرَبِحَا رِبْحاً وَكَانَ مِنَ الْمَالِ دَيْنٌ وَعَيْنٌ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ أَعْطِنِي رَأْسَ الْمَالِ وَالرِّبْحُ لَكَ وَمَا تَوِيَ فَعَلَيَّ فَقَالَ: «لَا بَأْسَ بِهِ إِذَا اشْتَرَطَا وَإِنْ كَانَ شَرْطاً يُخَالِفُ كِتَابَ اللَّهِ رُدَّ إِلَىٰ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ».
جائز سواء كان شرطك مخالفاً لما في الكتاب صریحاً كما لو كان حكمه في الكتاب هو الإباحة، فأنت شرطت وجوبه أو حرمته مثلاً أو بالعكس(١) أو شرطت خلاف ما هو لازم الحرمة أو الوجوب، كما لو كان حكمه في الكتاب هو الإباحة فأنت ألزمت علیه فعله أو تركه أو بالعكس.
إن قلت: لم أدخلت ما یدلّ علیٰ خلاف الكتاب التزاماً في معنیٰ الروایة؟
قلت: لأنّه یشمله خلاف كتاب الله عرفاً لو لم نقل إنّه یتبادر خصوص ذلك؛ لأنّ بناءهم علیٰ أن لا یشترطون نفس الحكم في ضمن العقود وأیضاً معنیٰ الظاهر البدوي من قوله علیه السلام: «إلّا ما أحلّ حراماً أو حرّم حلالاً»(٢) أن لا یجوز اشتراط حلّیة شيء كان حراماً أو شرطت جواز ارتكابه مثلاً وأن لا یجوز اشتراط التزام ترك ما كان حلالاً أو التزام حرمته كما سبق تفصیله.
إلّا أنّه لو أبقینا الروایتین علیٰ ظاهرهما لزم أن لا یجوز اشتراط شيء من الشروط أصلاً وأبداً.
وقد یقال: إنّ الوجوب والحرمة أو ما كان حكمه في الكتاب هو الوجوب أو الحرمة لما لم یكن لهما یعني الوجوب والحرمة إلّا طرف واحد فاشتراط خلافه شرط محلّل للحرام ومحرّم للحلال ومخالف للكتاب والسنّة بخلاف غیر الوجوب
__________
(١) كتب أوّلاً: «أو كنایة وبالالتزام». ثمّ شطب علیه وجاء بما في المتن یعني: «أو شرطت خلاف ما هو لازم الحرمة أو الوجوب».
(٢) في تهذيب الأحكام ٧ /٤٦٧: عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُوسَىٰ الْخَشَّابِ عَنْ غِيَاثِ بْنِ كَلُّوبٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ (علیه السلام) أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ (علیه السلام) كَانَ يَقُولُ: «مَنْ شَرَطَ لِامْرَأَتِهِ شَرْطاً فَلْيَفِ لَهَا بِهِ فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ إِلَّا شَرْطاً حَرَّمَ حَلَالاً أَوْ أَحَلَّ حَرَاماً».
والحرمة من الأحكام، وإذا كان كذلك فلا بأس بالأخذ بظاهر الروایتین.
وأورد علیٰ ذلك أنّا نریٰ أنّهم (علیهم السلام) قالوا بعدم جواز الالتزام بطرف واحد في كثیر من المباحات التي دلّت الكتاب علیٰ إباحتها.
وأجیب عن ذلك:
أوّلاً: أنّه كلّ مورد یمكن لنا أن لا نلتزم بما كان من هذا القبیل فنحن لا نلتزم به ونردّه. وأمّا لو لم یمكننا ردّه فإمّا أن نؤوّله(١) ونرجعه إلیٰ ما لا یخالف ما ذكرنا كما ستریٰ»(٢) بعض التأویلات وذكر الشیخ أیضاً بعضها، وإمّا أن نخصّص ما دلّ علیٰ عدم جواز شرط مخالف للكتاب وهو أبعد الوجوه، ولذا قال الشیخ(٣) في أوّل عنوان هذا الشرط أنّه ممّا لا یرتاب في ضعفه(٤).
[تقسیم الأحكام إلیٰ ما یتغیّر وما لا یتغیّر في كلام الشیخ الأنصاري]:
ثمّ لو سلّمنا جمیع ذلك وقلنا بعدم تمامیة ما ذكرنا فنقول: إنّه وجه هنا بتوجیهات لابدّ من الأخذ بأحدها أو أن یوجّه بتوجیه آخر.
الأوّل: ما یذكره الشیخ(٥) ونقل أنّه منقول عن الشیخ أو الشیخ جعفر الكبیر وهو أنّ الأحكام علیٰ قسمین: قسم لا یتغیّر بشيء من العناوین الثانویة وقسم یتغیّر ویتبدّل موضوعه بوقوعه تحت العناوین الثانویة.
__________
(١) في المخطوطة: نؤله.
(٢) ویحتمل سیجيء.
(٣) الشیخ مرتضیٰ الأنصاري.
(٤) راجع: كتاب المكاسب ٦ /٢١ـ٢٢.
(٥) راجع: كتاب المكاسب ٦ /٢٦ـ٢٧ و٣٣.
فالأوّل لا یجوز اشتراط خلافه بخلاف الثاني.
إلّا أنّه أشكل بناء علیٰ ذلك في الشرط المحرّم للحلال؛ لأنّ المباحات التي یحرّمها بالشرط یكون أغلبها أو جمیعها ممّا كان یتغیّر موضوعه بوقوعه في ضمن الشرط(١).
[المعیار في تشخیص ما یتغیّر من الشروط عمّا لا یتغیّر]:
ثمّ قد یقال: إنّ المعیار في تشخیص ما یتغیّر عمّا لا یتغیّر أنّ ما یتغیّر علیٰ قسمین؛ لأنّه تارة لیس الدلیل إلّا بصدد بیان المقتضي للحكم لولا المانع ولم یكن بصدد الحكم الفعلي وهذا الدلیل لا یمكن إثبات الحلّیة الفعلیة به لأنّ المفروض أنّه لیس بصدد بیان المقتضي، وكلّ حكم ثبت علیٰ خلافه لیس مخالفاً للكتاب لو كان الحكم كتابیّاً مثلاً. ومثال ذلك كما لو قال: (الملح حلال) أو (لحم الغنم حلال) إلیٰ غیر ذلك وعلمنا من هذا الكلام أو من الخارج أنّه [بصدد] بیان صرف المقتـ[ـضي](٢) وتارة یكون بصدد الحكم الفعلي إلّا أنّه یصرّح أنّ هذا لو لم یأتِ أحد الموانع، فهنا یمكن التمسّك بالإطلاق ما لم یثبت الغایة بخلاف القسم الأوّل، فإنّه لیس دلیل اجتهادي في البین، بل لابدّ من التمسّك بالأصل العملي
__________
(١) جاء في الهامش: «وحاصل الإیراد أنّه [یظهر] من الخبر أنّ الشرط المـ[ـحرّم] للحلال له أفراد كثـ[ـیرة] مع أنّه لا یبق علیٰ... له فرد نعم اشتراط ترك الواجبات... أنّه من أفراد...». بعض الكلمات ذهبت من الهامش.
(٢) «وعلمنا من هذا الكلام أو من الخارج أنّه [بصدد] بیان صرف المقتـ[ـضي]» أتينا بهذا الكلام من الهامش إلیٰ المتن.
وهو قاعدة المقتضي والمانع كما سبق. وممّا ذكرنا علم حكم لا یتغیّر أیضاً.
[إیرادات علیٰ الشیخ الأنصاري]:
وإذا عرفت ما ذكرنا فاعلم أنّه أورد علیٰ الشیخ من وجوه:
الأوّل: إنّ ما ذكره من أنّ قوله (علیه السلام): «أو محرّم للحلال» بصدد بیان میزان وقاعدة كلّیة مع أنّه لم یوجد له مورد إلّا بما ذكره الشیخ من التوجیه في مثل التزویج والتسرّي الواردین في الروایة مع أنّه یحتمل فیه وجه آخر ذكره الشیخ أیضاً.
ففیه: إنّ هذا الإیراد یتمّ لو قلنا باختصاص الروایة بالأحكام التكلیفیة، وأمّا لو عمّمناها للوضعیة أیضاً فنقول: أمثلة ذلك كثیرة كما لو اشترط عدم أحد(١) الخیارات كخیار المجلس مثلاً أو اشترط توریث المتمتّع بها إلیٰ غیر ذلك.
الثاني: أنّه لیس بأیدینا ما نعیّن أنّه أيّ واحد من الأحكام كان دلیله بصدد بیان المقتضي أو بیان الحكم، وأنّه ممّا یتغیّر أو لا یتغیّر وهذا بنفسه دلیل علیٰ بطلان ذلك(٢) التوجیه وإلّا یلزم الإحالة علیٰ المجهول.
الثالث: لو فرضنا أنّا علمنا أنّ الحكم الفلاني ممّا لا یتغیّر، وأنّ الحكم الفلاني ممّا یتغیّر بسبب العناوین الثانویة فحینئذٍ ضرب قاعدة في البین لبیان ذلك یكون هجناً(٣)؛ لأنّه لغو أن یقول إنّ الحكم الذي لا یتغیّر بسبب الشرط أو غیر ذلك
__________
(١) في المخطوطة: احدی.
(٢) في المخطوطة: تلك.
(٣) في المخطوطة ما یشبه: هجینا.
من العناوین إذا(١) اشترطه یكون باطلاً. فتدبّر جیّداً.
[الأصل في المسألة عند الشكّ في قابلیة الحكم للتغییر]:
ثمّ اعلم أنّه بناء علیٰ تمامیة ما ذكره الشیخ من التوجیه فنقول: إن علم ما یتغیّر عمّا لا یتغیّر فنعم المطلوب، وأمّا لو صار مجهولاً فیقول الشیخ(٢) من أنّه لابدّ من الرجوع إلیٰ قوله (صلّیٰ الله علیه وآله): «المؤمنون عند شروطهم»(٣).
إن قلت: لا شكّ أنّه خرج عن هذا العموم ما كان مخالفاً في الواقع والمفروض أنّ ما نحن فیه مشكوك مخالفته، فیكون الشبهة مصداقیة فكیف تتمسّك لها بالعموم؟
قلت: سلّمنا ذلك إلّا أنّه نجري أصالة عدم المخالفة فیثبت عدم المخالفة واقعاً.
«ومرجع(٤) هذا الأصل إلیٰ أصالة عدم ثبوت هذا(٥) الحكم علیٰ وجه لا
__________
(١) في المخطوطة: اذاشترطه.
(٢) راجع: كتاب المكاسب ٦ /٣١.
(٣) راجع: تهذیب الأحكام ٧ /٣٧١؛ بحار الأنوار ٧٢ /٩٦ . وفي الكافي ٥ /٤٠٤، نقل عن رسول الله صلىاللهعليهوآله: «المسلمون عند شروطهم».
(٤) جاء في الهامش: «وإنّما قال: (ومرجع ذلك) اه [لأنّ] أصالة عدم المخالفة... له حالة سابقة لأنّ [المفروض] أنّ الشرط لم یكن قبل... موجوداً حتّیٰ لا [یكون] مخالفاً وبعد وجود... أیضاً مشكوك مخالفتـ[ـه]»... هكذا. وبعض الكلمات ذهبت من الهامش.
(٥) في المخطوطة: هذالحكم.
یقبل تغیّره بالشرط»(١) وحاصله أنّ الأصل عدم ثبوت الحكم بهذه الكیفیة لا عدم ثبوته من حیث هو. انتهیٰ.
وأورد علیه أنّ أصالة عدم ثبوت الحكم بهذه الكیفیة معارض بأصالة عدم ثبوت الحكم علیٰ كیفیة أخریٰ.
نعم لو لم یكن أثر(٢) إلّا لعنوان أحد المتعارضین كما لو كان الأثر الشرعي محمولاً علیٰ فعل خصوص عنوان المخالفة وعدمها ولم یكن للموافقة أثر شرعي وفرضنا أنّ ذي الأثر كان أمراً وجودیّاً فحینئذٍ تجري أصالة عدم المخالفة فیثبت صحّة الشرط؛ لأنّ المفروض أنّ الفساد یكون أثراً للمخالفة، والصحّة أثر لعدمها ولیس لعنوان الموافقة أثر شرعي.
وممّا ذكرنا ظهر أنّ الإیراد بأنّ الأصل متعارض مندفع عن الشیخ؛ لأنّ الأثر الشرعي إنّما هو لخصوص المخالفة وأمّا ترتّب الأثر(٣) فهو أثر نفس الاشتراط.
وأورد علیٰ كلام الشیخ أیضاً بأنّ المفروض أنّك تقول: «الأصل عدم ثبوت الحكم بهذه الكیفیة»، فیترتّب علیه أنّه غیر مخالف وعدم المخالفة یكون أثراً عقلیّاً فیكون مثبتاً(٤).
__________
(١) كتاب المكاسب ٦ /٣١.
(٢) في المخطوطة: اثرا.
(٣) في هامش المخطوطة: «أي أثر الشرط... الاثر الاشتراط... الموافقة». بعض الكلمات ذهبت من الهامش.
(٤) جاء في الهامش: «ولا یخفیٰ أنّه لو قلنا باعتبار [الـ]ـأصل المثبت لا نقول باعتباره في أمثال
[جواز التمسّك بالعامّ مع عدم العلم بالمراد من المخالفة والموافقة وعدمه]:
ثمّ هذا كلّه علیٰ فرض صحّة كلام الشیخ من أنّا نعلم بأنّ المراد بالمخالفة هو مخالفة حكم لا یتغیّر والمراد بعدم المخالفة مخالفته لحكم یتغیّر أو عدم المخالفة أصلاً وإنّما الاشتباه في بعض المصادیق أهذا من القسم الأوّل أو الثاني؟
وأمّا لوقلنا: بأنّه لا نعلم المراد من المخالفة والموافقة أیضاً، نعم نعلم أنّ بعض الموارد من المخالفة قطعاً فحینئذٍ فكلّ مورد شككنا أنّه من المخالفة أو الموافقة فنقول: إنّ بعض الأدلّة تدلّ بإطلاقه علیٰ صحّة جمیع الشرایط مثل قوله (صلّیٰ الله علیه وآله وسلّم): «المؤمنون عند شروطهم»(١) ونظائر ذلك وبعض الأدلّة تدلّ علیٰ صحّة الشروط إلّا ما خالف الكتاب أو أحلّ حراماً، فحینئذٍ نقول: لو بنینا علیٰ صحّة التمسّك بالعامّ المخصّص بالمجمل إذا كان للمخصّص قدر متیقّن فیجوز التمسّك بالعموم هنا، بل وكذلك یجوز التمسّك بالعموم لو لم نقل كذلك باعتبار أنّ بعض العمومات وإن كان مخصّصاً بالمخصِّص المتّصل المجمل وأوجب ذلك لعدم انعقاد ظهور للعامّ في أوّل المرتبة إلّا أنّ بعض العمومات لم یتّصل بها مخصّص مجمل، نعم علمنا من الخارج بورود مخصّص مجمل وهذا المخصّص لمّا كان منفصلاً لم یمنع من انعقاد ظهور للعامّ فنتمسّك بالعمومات التي لم یتّصل المخصّص بها.
__________
ما نحن فیه».
(١) راجع: تهذیب الأحكام ٧ /٣٧١؛ بحار الأنوار ٧٢ /٩٦ . وفي الكافي ٥ /٤٠٤، نقل عن رسول الله صلىاللهعليهوآله: «المسلمون عند شروطهم».
نعم، لو قلنا: إنّه إذا كان العمومات علیٰ القسمین وعلمنا من الخارج أنّ المراد من كلا العامّین شيء واحد وكان أحد العامّین ممّا لم ینعقد له ظهور فحینئذٍ ندّعي أنّ بناء العرف علیٰ عدم التمسّك بالعامّ التي لم یكن المخصّص متّصلاً به أیضاً، فلا یجوز التمسّك بالعموم. فتأمّل.
وعلیٰ فرض عدم جواز التمسّك بالعموم في الشبهة المفهومية(١) كما نحن فیه فیكون حكمه حكم الشبهة المصداقية(٢) كما سبق التحقیق فیه(٣).
[القول بجواز الأخذ بظاهر الروایات]:
وقد یقال: إنّه نأخذ بظاهر الروایات ولا إشكال فیه أیضاً.
بیان ذلك: أنّك قد عرفت أنّ الظاهر من الروایات أنّ كلّ حكم ثبت في
__________
(١) في المخطوطة: المفهومی.
(٢) في المخطوطة: المصداقی.
(٣) ومن هنا جاءت في المتن هذه العبارة: «ثمّ قد عرفت سابقاً أنّ تلك القاعدة مؤكّدة ولیست مؤسّسة وأنّا نقول: أنّه بناء علیٰ كون الأخبار مؤكّدة هل یكون لوجودها أثر لا یترتّب بدون الأخبار أم لا؟ وبیان ذلك یتوقّف علیٰ توضیح أصل المطلب، فنقول قد عرفت أنّ عناوین المستحبّة، أخبارها منصرفة عن الواجبات والمحرّمات وعمّا یلزم فعله أو تركه بسبب العناوین الثانویّة من قبیل النذر والشرط وأمر الوالد وغیر ذلك وكذلك أدلّة المكروهات والمباحات منصرفة عن تلك الموارد. وأمّا أدلّة العناوین الثانویة كالشرط مثلاً فهي منصرفة عن صورة یوجب إلزام فعل الحرام أو ترك الواجب أو یوجب رفع الأحكام الوضعیة الثانیة فحینئذٍ لو كان قوله (صلّیٰ الله علیه وآله وسلّم): (المؤمنون عند شروطهم) منصرفة إلیٰ ما لم یعلم مخالفته مع الكتاب أو لم». ثمّ شطب علیه.
الكتاب والسنّة ومذكور فیهما فلا یجوز اشتراط خلافه سواء كان الحكم من الوضعیّات أم لا.
فحینئذٍ نقول: أمّا بالنسبة إلیٰ الأحكام الوضعیة فكلّ مورد جوّزوا اشتراط خلاف ما في ظاهر الكتاب والسنّة فلابدّ إمّا أن نمنعه إن لم یكن صحّة تلك الشرط إجماعیّاً وإلّا فإمّا أن نؤوّله(١) أو نخصّص بالإجماع القاعدة الدالّة علیٰ عدم جواز الشرط(٢) المخالف للكتاب.
وأمّا بالنسبة إلیٰ غیر الأحكام الوضعیة فنقول: لا یخفیٰ أوّلاً أنّ المراد ممّا خالف أو حرّم الحلال هو المشروط لا الشرط لوجوه:
الأوّل: لو كان المراد هو الشرط فیلزم أن یكون جمیع الشروط إمّا محلّلاً لحرام أو بالعكس ومخالفاً للكتاب فینحصر شروط الصحیحة في اشتراط فعل الواجب أو ترك الحرام؛ لأنّ في غیرهما لیس إلزام مع أنّ الشرط یوجب الإلزام، فكلّ ما سویٰ ذینك الشرطین یوجب تحریم حلال أو تحلیل حرام ویكون مخالفاً للكتاب. وأمّا لو كان المراد هو المشروط فلیس اشتراط أحد طرفي المباح والمكروه والمستحبّ تحریم حلال مثلاً؛ لأنّ ما یكون محرّماً هو الشرط وأمّا المشروط فنفس الفعل والترك ولیس الإلزام مأخوذاً في المشروط وإنّما هو في الشرط فینحصر كون المشروط محلّلاً أو محرّماً باشتراط ترك الواجب وفعل الحرام؛ لأنّ هذین مع قطع النظر عن الإلزام یكون محلّلاً أو محرّماً(٣).
__________
(١) في المخطوطة: نؤله.
(٢) في المخطوطة: شرط.
(٣) هنا جاء في المتن: «أقول: وفیه أنّ المشروط لیس محرّماً علیٰ هذا ولو في الأحكام
الثاني: أنّ الأمر دائر بین أن یكون المراد من ما خالف أو ما أحلّ أو حرّم هو الشرط أو المشروط، والقدر المتیقّن هو المشروط ولو كان الشرط مراداً أیضاً یلزم استعمال اللفظ الواحد في أكثر من معنیٰ كما تقدّم.
أقول: ولا یخفیٰ أنّه قد تقدّم أنّ الظاهر ممّا خالف الكتاب هو المشروط.
نعم الظاهر ممّا أحلّ أو حرّم هو الشرط، وعلیٰ هذا فلیس المشروط قدراً متیقّناً فلابدّ للتمسّك به بخصوص الدلیل الأوّل.
[فرض كون الأخبار مؤكّدة]:
ثمّ لا یخفیٰ أنّه قد تقدّم أنّ تلك الأخبار یمكن أن یقال إنّها مؤكّدة وعلیٰ هذا فلابدّ من أن نتأمّل من أنّه هل یثمر وجود هذه الأخبار بناء علیٰ المعنیٰ الأخیر أو غیر ذلك من المعاني؟
فنقول: إنّ الأدلّة الدالّة علیٰ صحّة الشرط كسائر الأدلّة الدالّة علیٰ اعتبار العناوین الثانیة من قبیل العقود وأمر الوالد والنذر وغیر ذلك یكون أدلّتها منصرفة عن إلزام فعل الحرام أو ترك الواجب كما قد عرفت أنّ العناوین(١) المستحبّة مثلاً لا یوجب استحباب ما كان حراماً بالذات كالخمر إذا صار موجباً لقضاء حاجة مؤمن أو بالعناوین الثانیة، كما لو وجب فعل شيء بالنذر أو تركه فلا یثبت ضدّه لدخوله تحت العناوین المستحبّة من كونه موجباً لقضاء حاجة أو غیر ذلك لانصراف أدلّته عن تلك الصورة، وإذا كان أدلّة الشروط منصرفة عن
__________
الوضعیّة، نعم لو كان الشرط هو أن یلتزم بتحریم أكل اللحم فیكون المشروط وهو تحریم أكل اللحم محرّماً». ثمّ شطب علیه.
(١) في المخطوطة: عناوین.
اشتراط فعل الحرام أو ترك الواجب فإمّا أن یكون منصرفة عن كلّ ما كان واجباً أو حراماً في الواقع أو عن كلّ ما علم وجوبه أو حرمته، بناء علیٰ الأوّل لو لم یكن في البین الأخبار الدالّة علیٰ فساد شرط المحرّم لحلال والمحلّل لحرام والمخالف للكتاب أیضاً لم نأخذ بشرط علمنا بأنّه مخالف للكتاب بأن علمنا أنّ مشروطه حرام مثلاً، وأمّا لو شككنا في حرمته فهنا وإن نبني علیٰ إجراء البراءة من حیث حرمته إلّا أنّ ذلك لا یوجب دخوله تحت قوله (صلّیٰ الله علیه وآله وسلّم): «المؤمنون عند شروطهم»(١) بعد فرض انصرافه عمّا كان محرّماً في الواقع ولیس لنا قاعدة توجب(٢) إدخاله تحت العامّ(٣).
وأمّا لو كان في البین الأخبار الدالّة علیٰ فساد شرط مخالف للكتاب في الواقع أیضاً یكون مثل أن لم یكن كما لا یخفیٰ، وبناء علیٰ الثاني من أنّ الأدلّة
__________
(١) راجع: تهذیب الأحكام ٧ /٣٧١؛ بحار الأنوار ٧٢ /٩٦ . وفي الكافي ٥ /٤٠٤، نقل عن رسول الله صلىاللهعليهوآله: «المسلمون عند شروطهم».
(٢) في المخطوطة: یوجب.
(٣) جاء في الهامش: «إن قلت: أنّه بناء علیٰ هذا الفرض أنت تشكّ في حرمته ولذا تشكّ في كون الشرط مخالفاً مثلاً وعلیٰ هذا فلا مانع من استصحاب عدم حرمة هذا الشيء فیثبت عدم مخالفتـ[ـه] فیثبت صحّة الشرط.
قلت: فیه أوّلاً: أنّ عدم المخالفة لیس أثراً لعدم الحرمة، بل المخالفة اعتبار ینتزع من ملاحظة فعل المشترط بالنسبة إلیٰ حكم الشارع.
وثانیاً: أنّه علیٰ فرض المحال لو كان أثره لكان أثراً غیر شرعي فیكون مثبتاً.
بل قد عرفت سابقاً أنّ الصحّة لیست أثراً لعدم المخالفة وإنّما الأثر الشرعي في البین هو خصوص الفساد وهو أثر الشرط المخالف فبعدم المخالفة یرتفع الفساد من بینهم لا [محالة] فتأمّل».
منصرفة عن صورة علم مخالفته للكتاب فنقول: إن كان الأخبار بأنّ الشرط المخالف فاسد موجوداً في البین، فإن قلنا: «إنّ تلك الأخبار أیضاً منصرفة إلیٰ صورة علم المخالفة»، فلا تعارض في البین، وأمّا لو یشمل صورة كان مخالفاً في الواقع فحینئذٍ لابدّ في مورد الشكّ من التوقّف من حیث دخول الفرد المشكوك تحت عموم المستثنیٰ أو المستثنیٰ منه، وأمّا لو لم یكن تلك الأخبار موجودة، فلابدّ من الحكم بصحّة الشرط واقعاً، ولا یخفیٰ أنّه لا منافاة(١) بین أن یكون علّة صدور الحكم من الشارع هو ما كان علّة في نظر العقل، ومع ذلك یكون حكم الشارع بإطلاق كلامه أكثر أفراداً ممّا حكم به العقل ولا مانع من العمل علیٰ طبقه؛ لأنّ بعض الأفراد لم یحكم بها العقل لعدم إحراز المناط فیها.
[الحمد لله وليّ التوفیق الذي وفّقنا لتحقیق هذه الرسالة من تراثنا الفقهي في (٥ جمادیٰ الأولیٰ ١٤٤٢ في أوّل لیلة من الشتاء) في مدینة إصفهان ببیت أبینا خیر الحاجّ الحاجّ مصطفیٰ ابن آقا بزرك عبد الخالق حلبیّان. ونهدي ثواب تحقیق هذه الرسالة إلیٰ الإمام الكریم حسن بن علي بن أبي طالب الإمام المجتبیٰ علیه وعلیٰ جدّه وأبیه وأمّه وأخیه أفضل الصلاة والسلام].
__________
(١) في المخطوطة: منافات.
المصادر
القرآن الكريم
١-أحسن الودیعة في تراجم مشاهیر مجتهدي الشیعة: السیّد محمّد مهدي الموسوي الإصفهاني الكاظمي، تعلیق: السیّد عبد الستّار الحسني البغدادي، مؤسّسة تراث الشیعة، قم، الطبعة الأولیٰ، ١٤٣٧.
٢-أعیان الشیعة: السیّد محسن الأمین، تحقیق: السیّد حسن الأمین، دار التعارف للمطبوعات، بیروت، الطبعة الأولیٰ، ١٤٠٣.
٣-بحار الأنوار: العلاّمة محمّد باقر بن محمّد تقي المجلسي، دار إحیاء التراث العربي، بيروت،١٤٠٣ .
٤-تفسیر العیّاشي: محمّد بن مسعود بن عیّاش السلمي السمرقندي، تحقیق: السیّد هاشم الرسولي المحلّاتي، المطبعة العلمیة، طهران، ١٣٨٠.
٥-تكملة أمل الآمل: السيّد حسن الصدر، تحقيق: حسين علي محفوظ، عبد الكريم الدبّاغ ، عدنان الدبّاغ، دارالمؤرّخ العربي، بيروت، ١٤٢٩.
٦-تهذیب الأحكام: الشیخ محمّد بن الحسن الطوسي، تحقیق: السیّد حسن الموسوي الخرسان، دار الكتب الإسلامیة، طهران، ١٤٠٧.
٧-حاشیة فرائد الأصول: السیّد محمّد كاظم الطباطبائي الیزدي، تقریر: الشیخ محمّد إبراهیم الیزدي النجفي، تحقیق: صادق سیبویه الحائري، إشراف: محمّد حسین سیبویه الحائري،
مؤسّسة الخوئي الإسلامیة، قم، ١٤٣٢.
٨-حاشیة كتاب المكاسب: السیّد محمّد كاظم الطباطبائي الیزدي، تحقیق: الشیخ عبّاس بن محمّد آل سباع القطیفي، مؤسّسة طیبة لإحیاء التراث، قم، ١٤٢٩.
٩-خاطرات آیة الله مستجابي: السیّد مرتضیٰ المستجاب الدعواتي، مركز أسناد انقلاب إسلامى، تهران، ١٣٩٩ ش.
١٠-الذريعة إلىٰ تصانيف الشيعة: الشيخ آقا بزرك الطهراني، دار الأضواء، بيروت، ١٤٠٣.
١١-رجال ومشاهیر إصفهان: میر سیّد علي جناب، تصحیح: رضوان پورعصار، سازمان فرهنگى تفریحى شهرداری إصفهان، ١٣٨٥ش.
١٢-زندگانی حضرت آیة الله چهارسوقى: السیّد محمّد علي الروضاتي، مؤسّسة كتابشناسي شیعه، قم، ١٣٩٦ ش.
١٣-صحیح البخاري: محمّد بن إسماعیل البخاري، دار الفكر للطباعة والنشر، ١٤٠١.
١٤-صحیح مسلم: مسلم بن الحجّاج النیشابوري، دارالفكر، بیروت.
١٥-طبقات أعلام الشيعة: الشيخ آقا بزرك الطهراني، مع تعاليق السيّد عبد العزيز الطباطبائي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ١٤٣٠.
١٦-عوائد الأیّام: أحمد بن محمّد مهدي النراقي، مكتب الإعلام الإسلامي، قم، ١٣٧٥ش.
١٧-الكافي: الشيخ محمّد بن يعقوب الكليني، تصحيح: علي أكبر الغفّاري ومحمّد آخوندي، دار الكتب الإسلامية، طهران، ١٤٠٧.
١٨-كتاب الخلاف: محمّد بن الحسن الطوسي، تحقیق: محمّد مهدي نجف، السیّد جواد الشهرستاني، السیّد علي الخراساني، إشراف: مجتبیٰ المحمّدي العراقي، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسین بقم المشرّفة، ١٤٠٧.
١٩-كتاب من لایحضره الفقیه: محمّد بن علي الصدوق، تحقیق: علي أكبر الغفاري، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسین بقم المشرّفة، ١٤١٣.
٢٠-مؤلفین كتب چاپی فارسی وعربى: خان بابا مشار، ١٣٤٠ ش.
٢١-مزارات إصفهان: السیّد مصلح الدین المهدوي، تحقیق: أصغر منتظر القائم، نشر جامعة إصفهان، ١٣٨٧ ش.
٢٢-مكارم الآثار: الشيخ محمّد علي المعلّم الحبيب آبادي، مع تعاليق السيّد محمّد علي الروضاتي ، نفائس مخطوطات إصفهان، ١٣٦٤ ش.
٢٣-المكاسب: الشيخ مرتضىٰ الأنصاري، مجمع الفكر الإسلامي، قم.
٢٤-منار الهدیٰ في الأنساب: محمّد حسین الأعلمي الحائري، تحقیق: أحمد الحائري الأسدي، مكتبة العلّامة ابن فهد الحلّي، كربلاء، الطبعة الثانیة، ١٤٣٢.
٢٥-موسوعة الفقه الإسلامي المقارن: إشراف: السیّد محمود الهاشمي الشاهرودي، مؤسّسة دائرة معارف الفقه الإسلامي طبقاً لمذهب أهل البیت عليهمالسلام ، قم، ١٤٣٢.
٢٦-موسوعة طبقات الفقهاء: اللجنة العلمية في مؤسّسة الإمام الصادق عليهالسلام ، قم ، ١٤١٨.
٢٧-موسوعة مؤلّفي الإمامیة: اللجنة العلمیة في مجمع الفكر الإسلامي، قم، ١٤٢٨.
٢٨-میزان الفقاهة: السیّد محمّد باقر الموسوي الدرچه اى، إعداد: السيّد صادق الحسيني الأشكوري، مجمع الذخائر الإسلامیة، قم، ١٤٣٩.
٢٩-نگاهی كوتاه به خاندان وزندگی عالم جلیل القدر فقیه أهل بیت ومفسّر قرآن آیة الله سیّد أبو تراب مرتضوی درچه اى: السیّد مصطفیٰ شریعت الدرچه اى، طبع نشاط، ١٣٧٠ش.
٣٠-الوافي: محمّد محسن الفیض الكاشاني، تحقیق: السیّد ضیاء الدین العلّامة، مكتبة الإمام أمیر المؤمنین عليهالسلام ، إصفهان، ١٤٠٦.
من أنباء التراث
هيئة التحرير
|
كتب صدرت محقّقة * مشكاة الأنوار في إثبات رجعة محمد وآله الأطهار عليهمالسلام. تأليف: الشيخ محمد بن الشيخ عبد علي بن الشيخ محمد بن عبد الجبّار القطيفي البحراني (ت ١٢٥٠هـ). كتاب اعتقادي جمع فيه المؤلّف الروايات القائلة بالرجعة لبعض من وافاه الأجل من سالف المؤمنين نصرةً للإمام الحجّة المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف تأكيداً علىٰ عظمة سرّ وجوده عليهالسلام كي تؤكّد علىٰ رجعة سائر المعصومين بأمر الباري إلىٰ الحياة لتحقيق رسالة السماء وإرساء قواعد الهداية وهذا من |
|
مختصّات الطائفة الشيعية الاثني عشرية اعتماداً منهم علىٰ آيات الكتاب الحكيم وما تشير إليه الروايات الواردة عن أئمّة الهدىٰ عليهمالسلام يحتوي الكتاب علىٰ مفهوم الرجعة ووقوعها في هذه الأمّة، ورتّبه المصنّف رحمهالله في ثلاثة أبواب، الأول: فيه عشر مسائل، منها: ثبوت إمامة الإمام الثاني عشر عليهالسلام ، علّة غيبة الإمام عليهالسلام ، غيبة الإمام عليهالسلام ، علامات الظهور... الباب الثاني: في الكلام عن الرجعة وإثباتها ودفع الشبهات، وفيه: مقدّمة في بيان معنىٰ الرجعة، وعشرة فصول، منها: ذكرالأدلّة العقلية لثبوت الرجعة، رجوع الأئمّة عليهمالسلام كلّهم، ذكر بعض الآیات |
|
والروايات الدالّة علىٰ رجعتهم عليهمالسلام ، في إثبات الختم لشريعة محمد صلىاللهعليهوآله . الباب الثالث: في نقل كيفية أحوال القائم عجل الله تعالى فرجه الشريف وبعض المسائل المهمّة. تحقيق: حامد عبد الرحمن الطائي. الحجم: وزيري. نشر: مجمع الإمام الحسين عليهالسلام التابع للعتبة الحسينية ـ كربلاء ـ العراق. * سبيكة اللجين في الفرق بين الفريقين. تأليف: السيّد ميرزا علي السيّد ميرزا محمّد جمال الدين العلوي قدسسره (ت ١٢٧٥هـ). كتاب أصولي تناول به المصنّف تحرير جملة من الفروق المعنوية الواضحة والخفیّة بين الأخبارية والأصولية وذلك استجابة منه لبعض أصفيائه، كما قدّم المحقّق دراسة بيّن فيها مدىٰ التطوّر العلمي عند علماء الشيعة من خلال تحقيقة لهذا السِّفر. اشتمل الكتاب علىٰ: مقدّمة |
|
التحقيق، وحياة المصنّف، مقدّمة المؤلّف، الفرق الأوّل انسداد باب العلم وانفتاحه، الفرق الثاني التعدّي من الكتاب والسنّة إلىٰ العقل والإجماع، الفرق الثالث تقسيم الأحكام إلىٰ واقعية وظاهرية، الفرق الرابع في عدد الأدلّة: الفرق الخامس حجّية البراءة الفرق السادس في أصل الأشياء هل هو الإباحة أو الاحتياط، الفرق السابع في حجّية الاستصحاب، في حقيقة الإجماع. تحقيق: د. السيّد ضرغام الموسوي. الحجم: وزيري. نشر: منشورات دار الحسين عليهالسلام ـ العراق. * تقويم المحسنين في معرفة الساعات والشهور والسنين. تأليف: الحكيم العارف محسن بن مرتضىٰ المشهور بالفيض الكاشاني (ت ١٠٩١ هـ). كتاب يعرّف لنا علم النجوم |
|
وكيفية استخدامه من قبل أئمّتنا عليهمالسلام ووضّح فيه شهور السنة وأسماءها، وكذلك، الأيّام والفصول. وقد وردت هذه الأصناف في أحاديث أهل البيت عليهمالسلام . وكذلك ذكرالمؤلّف أحاديث أهل البيت عليهمالسلام التي تخبر عن سعادة الأيّام ونحوستها. تحقيق: الشيخ علي الشريعتي. الحجم: وزيري. نشر: مجمع الإمام الحسين عليهالسلام التابع للعتبة الحسينية ـ كربلاء ـ العراق. * شرح القصيدة اللامية لسيّدنا ومولانا أبي طالب عليهالسلام . تأليف: الشيخ حيدر قلي السردار الكابلي. الكتاب شرح لقصيدة أبي طالب عليهالسلام التي شرحها مجموعة من الشرّاح لأهمّيتها ومضامينها العالية بيتاً بيتاً، والتي ذكر بعض الشرّاح أنّها تدلّ علىٰ إيمان أبي طالب عليهالسلام ونفي الشرك عنه |
|
وأنّه من المؤمنين. اشتمل الكتاب علىٰ ترجمة الشارح وآثاره، أمير المؤمنين وشعر أبي طالب عليهالسلام ، القصيدة اللامية وما حولها، شروحها وترجماتها، شرح القصيدة اللامية بيتاً بيتاً. الحجم: وزيري. تحقيق: محمّد مهدي صباحي الكاشاني. نشر: مؤسّسة أبي طالب للتحقيق والنشر. * الإمام الحسين عليهالسلام وأصحابه ج (١ـ ٤). تأليف: الشيخ فضل علي القزويني (ت ١٣٦٧ هـ). تناول فيه المؤلّف في: الجزء الأوّل منذ عزم عليهالسلام علىٰ الخروج إلىٰ العراق والمناطق التي مرّ بها في طريقة من مكّة إلىٰ كربلاء وخطبه، وما جرىٰ في يوم عاشوراء والوقائع المتأخّرة عن مقتله عليهالسلام . |
|
الجزء الثاني خصّصه للأنصار من أهل بيته وبقية الأصحاب. الجزء الثالث: خصّصه للنساء من أهل بيته ونساء الأنصار اللواتي حضرن في واقعة الطفّ. الجزء الرابع: فهارس الكتاب كاملاً. تحقيق: السيّد أحمد الحسيني الأشكوري. الحجم: وزيري. نشر: مجمع الإمام الحسين عليهالسلام التابع للعتبة الحسينية، كربلاء ـ العراق. * الإمامة الكبرىٰ والخلافة العظمىٰ (١-٣). تأليف: السيّد محمّد حسن القزويني (١٢٩٦ـ١٣٨٠هـ). يتحدّث المؤلّف في هذا الكتاب عن خلافة رسول الله صلىاللهعليهوآله ، ويشتمل علىٰ مجموعة كبيرة من الأدلّة علىٰ خلافة أميرالمؤمنين عليهالسلام بعد رسول الله صلىاللهعليهوآله مباشرة وبلا فصل، وكما يحتوي علىٰ أجوبة مناسبة علىٰ بعض |
|
النقاشات التي أوردها بعض أعلام المذاهب الأخرىٰ بما له علاقة بالمعتقدات الشيعية وخصوصاً خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهالسلام . اشتمل الكتاب علىٰ أربعة مقاصد، الأوّل في مقدّمة الكتاب، والمقصد الثاني في الإمامة، والمقصد الثالث في شرائط الإمامة، والمقصد الرابع في أدلّة خلافة أمير المؤمنين بلا فصل. تحقيق: السيّد جعفر محمّد كاظم القزويني. الحجم رقعي. نشر: دارالمجتبىٰ، قم ـ إيران. * الصحيفة السجّادية الثالثة. جمع: الميرزا عبد الله بن عيسىٰ (ت ١١٣٠هـ). جمع فيه المؤلّف هذه الأدعية من طريقه وسنده الخاصّ وتحتوي الصحيفة علىٰ (٢١) دعاء. في الأوّل إذا مجّد ربّه واستقصىٰ في الثناء علىٰ الله تعالى. الثاني دعاء في التحميد وللجيران |
|
وفي الكرب والإقالة وغيره من الأدعية العابرة عن مولانا الإمام زين العابدين عليهالسلام ، ويحتوي الكتاب علىٰ (٢٠٤) صفحة. تحقيق: فارس حسون كريم. الحجم: وزيري. نشر: مجمع الإمام الحسين عليهالسلام التابع للعتبة الحسينية ـ كربلاء ـ العراق. كتب صدرت حديثاً * الإمام الحسن المجتبىٰ في مرآة الكتب. تأليف: محمّد باقر الأنصاري. عمليّة تحقيقية قام بها المؤلّف لإحصاء ما ألّف في الإمام السبط الأكبر الحسن المجتبىٰ عليهالسلام ليبيّن من خلال الكتاب اهتمام واعتناء الباحثين والمحقّقين بحياة الإمام الحسن المجتبىٰ عليهالسلام وخاصّة المرحلة العصيبة من الفترة الزمنية التي مرّ بها عليهالسلام بعد خلافة أبيه الإمام علي بن أبي طالب |
|
عليهالسلام التي أسفرت عن مضاضة صلحه عليهالسلام مع معاوية ومظلوميّته وقتل شيعته واستشهاده، قدّم المؤلّف في مقدّمته المراحل الخمس لحياة الإمام السبط الأكبر عليهالسلام ثمّ ذكر باكورة ما ألّف حول الإمام المجتبىٰ عليهالسلام وهو أبو صادق سليم بن قيس الهلالي الكوفي (ت ٧٦هـ) ثمّ تناول ذكر اثنين وعشرين مصنّفاً بدءاً بمقتل الإمام الحسن عليهالسلام لأبي مخنف في نظرة تاريخية حول ما ألّف عنه، ثمّ يعطي إحصائية متعلّقة بـ: ببلوغرافية الإمام الحسن المجتبىٰ عليهالسلام. والإحصائية التي اشتمل عليها الكتاب من كتب عبرية وفارسية ولغات أخرىٰ غيرها كالإنجليزية والإسبانية والتركية والأردو مزوّدة بالصور المأخوذة عنها. والجدير بالذكر أنّ الكتاب جاء باللغة الفارسية، وقد تمّ تعريبه علىٰ يد إسماعيل الضيغم. الحجم: وزيري. |
|
نشر: دار الكفيل في العتبة الحسينية، كربلاء ـ العراق. * مخاطبات النبي صلىاللهعليهوآله لعلي عليهالسلام. تأليف: محمد علي رسولي آراكي. من الكتب الروائية جمع فيه الكاتب ما صدر عن النبي الأكرم صلىاللهعليهوآله من كلمات ومخاطبات توجّه بها إلىٰ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهالسلام في الكتب الروائية، فكان مجموع ما حصل عليه ٨٠٠ خطاباً، ثمّ قام بتنظيم الروايات علىٰ موضوعات، بعد ذلك رأىٰ أن يترجمها إلىٰ اللغة الفارسية لتكثر الفائدة منها. اشتمل الكتاب علىٰ تسعة فصول في: كلمات النبي صلىاللهعليهوآله لعلي عليهالسلام في حروب الإسلام، إخبار النبي لعلي بما يجري بعده، وصايا النبي لعلي عند وفاته، خصائص علي وفاطمة والحسنين عليهماالسلام، علي والأئمّة الاثني عشر، فضل شيعة علي، حبّ علي علامة الإسلام والإيمان وبغضه علامة الكفر والنفاق، |
|
حبّ علي علامة طيب المولد، و بغضه علامة خبث المولد، وصايا متنوّعة من النبي صلىاللهعليهوآله لعلي عليهالسلام . الحجم: وزيري. نشر: مؤسّسة انتشارات عصر الظهور، قم ـ إيران. * المرجعية الدينية ودورها في بناء الدولة العراقية. تأليف: الشيخ عماد الكاظمي. تناول الكتاب المواقف والرؤىٰ في فتاوىٰ آية الله الشيخ محمد تقي الشيرازي قدسسره ، والمرجع الأعلىٰ سماحة آية الله السيّدعلي السيستاني (دام ظلّه الشريف). اشتمل الكتاب علىٰ فصلين، الأوّل: فتوىٰ الجهاد في ثورة العشرين وإسهاماتها في تأسيس الدولة العراقية؛ والفصل الثاني: قد تضمّن فتوىٰ الجهاد الكفائي لسماحة السيّد علي السيستاني (دام ظلّه) ودورها في الحفاظ علىٰ الكيان العراقي ووحدته |
|
أرضاً وشعباً، والكتاب هو بحث قدّمه الشيخ الدكتور عماد الكاظمي للمؤتمر العلمي الدولي الأوّل للبحوث، الذي أقامته العتبة العبّاسية ضمن فعّاليات مهرجان فتوىٰ الدفاع المقدّسة الثقافي الثالث. تناول الكتاب دور المرجعية الدينية في بناء الدولة العراقية بين الماضي والحاضر، وبيان أثر مداد العلماء ودماء الشهداء. الحجم: وزيري. نشر: مركز تراث كربلا ـ كربلاء ـ العراق. * المعاهدة بين الإمام الحسن عليهالسلام ومعاوية بن أبي سفيان. تأليف: فاضل الفراتي. دراسة تاريخية يستعرض بها الأحداث التي داهمت الأمّة في عهد عثمان بن عفّان حتّىٰ آل الأمر إلىٰ تمرّد معاوية بن أبي سفيان علىٰ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهالسلام ومحاربته له، |
|
كما استعرض الأسباب التي أدّت إلىٰ صلح الإمام الحسن المجتبىٰ عليهالسلام مع معاوية بن أبي سفيان، وقد جاءت هذه الدراسة من خلال قراءة في نصوص أهل السنّة ليكون الأمر أسلم عقلاً وأنزه أسلوباً في معرفة الحقيقة وتقبّلها. الحجم: وزيري. نشر: مركز الإمام الحسن عليهالسلام للدراسات التخصّصية، النجف ـ العراق. * الخمس في الشريعة الإسلامية (مشروعيته وأحكامه). تأليف: الشيخ محمّد مهدي نجف. يعدّ الخمس من الفرائض المالية العبادية التي جعلها الله تبارك وتعالىٰ خالصة لنبيّه صلىاللهعليهوآله ولذرّيته إكراماً لهم وتنزيهاً عن أخذ الزكاة والصدقات، وقد تناول المؤلّف هذه الفريضة بدراسة مقارنة بين المذاهب الإسلامية تثبيتاً لمشروعيّتها والإجماع عليها بين |
|
المسلمين وردّاً لمن ظنّها من مفتعلات الشيعة الإمامية. اشتمل الكتاب علىٰ: المقدّمة، تاريخ تشريع الخمس، الخمس في الكتاب، الخمس في السنّة، معنىٰ الغنيمة، الفرق بين الغنيمة والفيء، في معنىٰ الأنفال، معنىٰ الركاز، من هم ذوي القربىٰ، وجوب الخمس وما يجب فيه، خمس الغنائم، المعادن التي يجب فيها الخمس، نصاب خمس المعادن، خمس الكنز، خمس ما يحصل بالغوص، خمس المال المختلط بالحرام، خمس الأرض التي اشتراها الذمّي من المسلم، خمس ما يفضل عن الموؤنة السنوية، الأصناف المستحقّة للخمس، أقوال الفقهاء عن كيفية تقسيم الخمس، الشروط التي يتحقّق فيها الخمس، ما يشترط عند إخراج الخمس، مصرف خمس الركاز والمعادن. الحجم: رقعي. نشر: المؤلّف ـ قم ـ إيران. * الدور الريادي للإمام الصادق |
|
عليهالسلام في تدوين العلوم ونشرها. تأليف: الشيخ ليث العتابي. تطرّق الكاتب لأهمّية ودور الإمام الصادق عليهالسلام في هذا الجانب المهمّ والحسّاس من تاريخ الإسلام، وحاول التركيز على جهود أئمّة أهل البيت عليهمالسلام وبالخصوص الإمام الصادق عليهالسلام في مجال تدوين العلوم ونشرها، وبالتالي إرساء قواعد المدرسة الإسلامية الكبرىٰ. يقول الكاتب: «إنّ الذي حثّني لكتابة هذا البحث هو قلّة التركيز علىٰ هذا الجانب المهمّ في شخصية الإمام الصادق عليهالسلام بشكل خاصّ، وعدم التفصيل في هذا الموضوع بما يتلاءم والمكانة الحقيقية للإمام الصادق عليهالسلام ، فإنّ إغفال دور الإمام الصادق عليهالسلام في وضع أسس وقواعد الكثير من العلوم من قبل المحسوبين علىٰ المدرسة الإسلامية فضلاً عن غيرهم يدعو للحزن والأسىٰ، فنجد مثلاً أنّ كتباً حديثية مشهورة ومعروفة تغفل |
|
عن عمد أحاديث وردت عنه عليهالسلام ، ومن أمثلة هذه الكتب: (صحيح البخاري أو الجامع الكبير) وغيره من كتب الصحاح والمسانيد المشهورة. كذلك الحال بالنسبة للعلوم الأخرىٰ، فمظلومية أهل البيت عليهمالسلام باقية ما بقيت الدنيا، وتتجلّىٰ هذه المظلومية في عدّة جوانب منها: أن ينسب لغيرهم ما قاموا به من فضل وخدمات للإسلام المحمّدي الأصيل، وللإنسانية جمعاء. ومن الصعوبات التي واجهتها أثناء كتابة هذا البحث وبالدرجة الأولىٰ هو قلّة الوقت، يأتي من بعده قلّة المصادر والمراجع في هذا الموضوع خصوصاً، وعدم تناوله في معظم الكتابات بشكل واسع وتفصيلي ومختصّ». اشتمل الكتاب علىٰ: مقدّمة وأربعة |
|
فصول؛ الأوّل في: مولده، اسمه، نسبه، كناه، ألقابه، نشأته، شهادته. أمّا الفصل الثاني فكان في: الدور السياسي للإمام الصادق عليهالسلام ، ثورة زيد بن علي، ثورة محمّد ذي النفس الزكية، الوعي المرحلي. والثالث في: منع التدوين التاريخي من قبل السلطة، دور الإمام الصادق عليهالسلام في عملية التدوين، علوم الإمام الصادق عليهالسلام ، آثار التدوين العلوم الصرفة. أمّا الفصل الرابع فكان في: منهج الإمام الصادق عليهالسلام في عملية التدوين، خطوات علىٰ طريق التدوين، مدرسة الإمام الصادق عليهالسلام الكبرىٰ، ميّزات التراث الفكري لمدرسة الإمام الصادق عليهالسلام . الحجم: وزيري. نشر: قسم الشؤون الفكرية والثقافية في العتبة العلوية، النجف ـ العراق. |