تراثنا - العدد[151]

304
/

۱

محتـويات العـدد

* الأحسائيّون ودورهم العلمي في مدينة مشهد الرضا عليه‌السلام.

........................................................ الشيخ محمّد علي الحرز ٧

* تاريخ الحوزات العلمية والمدارس الدينية عند الشيعة الإمامية (حوزة الري) (٣).

................................................. الشيخ عدنان فرحان القاسم ٦٠

۲

* في رثاء النسخ التي أصابها البوار والتلف.

................................................ الشيخ أبو الفضل حافظيّان ١٥٥

* من ذخائر التراث :

* الإفاضة الرحمانية في جواب المسائل الأرجانية للشيخ أحمد بن محمّد بن مال الله الصفّار.

...................................... تحقيق : أحمد عبد الهادي المحمّد صالح ١٩٧

* من أنباء التراث

.............................................................. هيئة التحرير ٢٩٣

*صورة الغلاف : نموذج من مخطوطة الإفاضة الرحمانية في جواب المسائل الأرجانية للشيخ أحمد بن محمّد بن مال الله الصفّار. والمنشورة في هذا العدد

۳

۴

۵
۶

۷

الأحسائيّون ودورهم العلمي في مدينة مشهد الرضا عليه‌السلام

الشيخ محمّد علي الحرز

بسم الله الرحمن الرحيم

مدخل :

درج الشيعة منذ القدم علىٰ مجاورة مقامات الأئمّة (صلوات الله وسلامه عليهم) إمّا لغرض التبرّك بالمكان وقدسيّته ومكانته وكونه من البقاع الطاهرة التي يحظىٰ ساكنها بالخير والبركة في مختلف أصعدة حياته ، أو بهدف أن تكون خاتمته فيها وينال شرف المجاورة في الحياة وبعد الممات ، فتشمله الرحمة والمغفرة ، ولما في المجاورة من الخير الكثير.

فكان من هؤلاء المجاورين من استقام فيها إلىٰ نهاية العمر ، بينما البعض الآخر لحقبة من الزمن إبّان الدراسة والتعلّم أو التدريس والتعليم ، كحال بعض العلماء والفقهاء والفضلاء ، ممّن عاش ردحاً من عمره يعيش الأنس قرب تلك القبور الشريفة.

والشيء الملفت في مختلف البقاع المقدّسة وجود المناخ العلمي والأجواء الروحانية والإيمانية ، ويستتبع حياة العلماء خلق بيئة علمية متنوّعة من الكتابة والتأليف والدراسة والتدريس في مختلف الأبعاد التي هي جزء لا يتجزّأ من حياة

۸
۹

العلماء ، لذا ازدهر النشاط الديني في جميع المراقد المطهّرة مثل الحجاز في مكّة المكرّمة والمدينة المنوّرة ، أو العراق في النجف الأشرف ومدينة كربلاء المقدّسة والكاظمين وغيرها من المراقد الطاهرة في العراق ، أو إيران كمدينة مشهد الرضا عليه‌السلام أو قم المقدّسة حيث قبر السيّدة العظيمة فاطمة المعصومة عليها‌السلام.

فأصبحت تلك البقاع من المراكز العلمية التي يُشدّ إليها الرحال من أجل الدراسة والاستفادة من الأعلام المجاورين فيها للنهل من علومهم وأخذ قسط من بحر معارفهم ؛ لأنّ هذه المراقد في الغالب مقرّ ومركز المرجعيات الدينية لمختلف الأطياف والتوجّهات.

وهذا لا يقلّل من شأن المراكز العلمية الأخرىٰ التي حرص أبناؤها وأعلامها المحلّيين أو الوافدين إليها بجعلها مركزاً علميّاً بارزاً كغيره من المراكز الدينية المختلفة ، إلّا أنّ هذا ليس موضوع حديثنا.

فمدينة مشهد تقع علىٰ مسافة قريبة من مدينة طوس التاريخية ، فهي علىٰ الضفة الجنوبية من نهر كشف رود ، وترتفع (٩٨٥ م) فوق سطح البحر ، يحدّها شمالاً تركمنستان ، وشرقاً مدينة هراة الأفغانية ، وغرباً مدينة شاهرود الإيرانية ، في حين تقع جنوبها مدينة بيرجند ، وهي من كبريات مدن إيران ومن أعظم مدن خراسان. فيها الكثير من الآثار والمزارات والمقامات وأهمّها إطلاقاً مرقد الإمام علي بن موسىٰ الرضا عليه‌السلام ، ولمشهده سمّيت تلك المدينة (مشهد) ، وهي مركز علمي بارز فقد نالت الشرف والخير والبركة العظيمة بوجود مرقد ثامن الأئمّة عليه‌السلام ، فغدت بشرفه وبركته دوحة علمية يتقاطر عليها العلماء والفقهاء من كلّ صوب وحدب ، عامرة بالمدارس الدينية والمراكز العلمية تهفو إليها القلوب لشرفها وشرف من فيها.

وقد تمّ تناول البحث في عدّة نقاط تصبّ في الدور العلمي الأحسائي في

۱۰

مدينة مشهد المقدّسة ، وهي كالتالي :

* الأعلام الأحسائيّون المجاورون للمشهد الرضوي :

وممّن قادهم الشوق والحنين إلىٰ هذه الأرض الزاخرة ؛ الأحسائيّون فقد استقطبت مدينة مشهد عدداً من العلماء الأحسائيّين علىٰ مدىٰ قرون مختلفة ، وكانت الهجرة في أوج قوّتها خلال القرن الحادي عشر الهجري ، الحقبة التي نشطت فيها الحركة العلمية في الأحساء بدرجة كبيرة وانتشر وجودهم علىٰ مختلف البقاع الإسلامية ، وفيها تعدّد دورهم علىٰ مختلف الأصعدة الدينية والعلمية ، وهنا سنحاول أن نعطي لمحة سريعة عنها كنموذج عن هذا الارتباط العلمي بين الأحساء وهذه البقعة المقدّسة.

١ـ الشيخ محمّد بن علي بن أبي جمهور (حدود ٨٣٨ ـ بعد سنة ٩٠٦هـ) :

الشيخ أبو جعفر محمّد بن الشيخ علي بن الشيخ حسام الدين إبراهيم بن الحسن بن إبراهيم بن أبي جمهور الأحسائي(١) ، ويعدّ من أقدم الشخصيّات المعروفة لدينا والأكثر شهرة وبروزاً ممّن جاور العتبة الرضوية ، ولد بالأحساء حدود سنة (٨٣٨هـ) في قرية تدعىٰ بـ : (التيمية) عند جبل المشَقَّر ، في بيت علم ونجابه ، فتربّىٰ علىٰ حبّ العلم والشغفِ به.

دراسته :

تلقّىٰ ابن أبي جمهور علومه علىٰ نخبة من رجال العلم الأفذاذ في داخل الأحساء وخارجها المعروف منهم : والده الشيخ زين الدين علي بن أبي جمهور

__________

(١) كشف البراهين في شرح رسالة زاد المسافرين : ٣٧.

۱۱

الأحسائي ، والسيّد شمس الدين محمّد بن كمال الدين موسىٰ الموسوي الحسيني الأحسائي ، والشيخ حسن بن عبد الكريم الفتّال ، والشيخ علي بن هلال الجزائري.

حتىٰ أصبح الشيخ ابن أبي جمهور واحداً من أبرز وألمع علماء الشيعة ، وقعّد نفسه في مقام الفقهاء والمتكلّمين الكبار.

مؤلّفاته :

خلّف الشيخ محمّد مجموعة كبيرة من المؤلّفات الهامّة تزيد علىٰ الأربعين كتاباً تركت بصمتها الواضحة في مجالات مختلفة كان من أبرزها(١) :

١ـ أسرار الحجّ.

٢ـ الأقطاب الفقهية والوظائف الدينية علىٰ مذهب الإمامية.

٣ـ الأنوار المشهدية في شرح الرسالة البرمكية في فقه الصلاة.

٤ـ بداية النهاية في الحكمة الإشراقية.

٥ـ التحفة الحسنية في شرح الألفية التي ألّفها الشهيد الأوّل في الفقه.

٦ـ زاد المسافرين في أصول الدين.

٧ـ عوالي اللآلي العزيزية في الأحاديث الدينية.

٨ـ الفصول الموسوية في العبادات الشرعية.

٩ـ كاشفة الحال عن أحوال الاستدلال.

__________

(١) راجع : فهرس مصنّفات الشيخ محمّد بن علي بن أبي جمهور الأحسائي ، كشف ببليوغرافي لمصنّفات ابن أبي جمهور المخطوطة والمطبوعة وإجازاته في الرواية وطرقه في الحديث.

۱۲

١٠ـ كشف البراهين في شرح زاد المسافرين في أصول الدين.

١١ـ مسالك الأفهام في علم الكلام.

١٢ـ النور المنجي من الظلام في حاشية مسالك الأفهام.

١٣ـ مُجلي لمرآة المنجي.

١٤ـ البوارق المحسنية لتجلّي الدرّة الجمهورية.

١٥ـ رسالة في النيّة وذمّ الوسواس فيها.

١٦ـ معين الفكر في شرح الباب الحادي عشر.

١٧ـ مناظرة ابن أبي جمهور مع الفاضل الهروي.

١٨ـ درر اللآلي العمادية في الأحاديث الفقهية.

١٩ـ المسالك الجامعية في شرح الرسالة الألفية الشهيدية.

٢٠ـ قبس الاقتداء في شرائط الإفتاء والاستفتاء.

وفاته :

لا يعرف تاريخاً دقيقاً لوفاة الشيخ ابن أبي جمهور سوىٰ أنّه في مطلع القرن العاشر الهجري ، وقد اشتهر بين المؤرّخين أنّ وفاته بعد سنة (٩٠١هـ) حيث وجد آخر ذكر له ، ثمّ جاءت المصادر لتقول إنّ آخر ذكر له كان في تاريخ (٩٠٦هـ) فقد أجاز بذلك التاريخ بالحلّة سنة (٩٠٦هـ) الشيخ علي بن قاسم المشهور بـ : (عذاقة)(١) ممّا يعني أنّه عاش خمس سنوات بعد ذلك التاريخ ، إلّا أنّ صاحب كتاب فهرس مخطوطات مكتبة العتبة العبّاسية المقدّسة ، جاء ليرفع ذلك

__________

(١) فهرست كتاب خطّي كتابخانه مركزي ومركز اسناد آستان قدس رضوي ٢١ / ١٠٤٢ ؛ ضمن كتاب قواعد الأحكام ، نسخ أحمد بن محمّد بن حداد ، ورقم المخطوط : (٢٥١٦).

۱۳

التاريخ ، فقد أشار إلىٰ تاريخ جديد بعد ذلك التاريخ عند التعريف بمخطوطته مناظرة مع الفاضل الهروي ، إحدىٰ مخطوطات العتبة العبّاسية ، إلىٰ أنّ وفاته بعد سنة (٩٠٩هـ) ولعلّه وقع علىٰ مستند بذلك لا نعرفه(١).

مشائخه في الإجازة :

ـ الشيخ علي بن إبراهيم بن أبي جمهور الأحسائي(٢).

ـ السيّد شمس الدين محمّد بن السيّد كمال الدين موسىٰ الحسيني الأحسائي(٣).

ـ الشيخ حرز الدين الأوالي(٤).

ـ الشيخ زين الدين علي بن هلال الجزائري(٥).

ـ الشيخ عبدالله بن فتح الله الواعظ القمي القاساني(٦).

ـ السيّد محمّد بن السيّد أحمد الموسوي الحسيني(٧).

ـ الشيخ حسن بن عبد الكريم الفتَّال النجفي(٨).

__________

(١) فهرس مخطوطات مكتبة العتبة العبّاسية ١ / ١١٣.

(٢) عوالي اللئالي العزيزية في الأحاديث الدينية ١/٦.

(٣) عوالي اللئالي ١/ ٨.

(٤) عوالي اللئالي ١/ ٧.

(٥) الإجازة الكبيرة إلىٰ الشيخ ناصر الجارودي القطيفي : ١٦٧.

(٦) كشف البراهين في شرح رسالة زاد المسافرين : ٤٠.

(٧) الإجازة الكبيرة للسماهيجي : ١٧١.

(٨) عوالي اللئالي ١/ ٨.

۱۴

٢ـ الشيخ يحيىٰ آل بن سليمان الأحسائي(كان حيّاً سنة ٩٩٧هـ) :

من أعلام القرن العاشر الهجري ، ومن بيوت العلم في الأحساء ، ومن رجال العلم البارزين ، من مشيخة الإجازة ، هاجر مع ولده الشيخ إبراهيم إلىٰ مدينة مشهد الرضا ، وهو ممّن عاش في عصر السلطان الشاه طهماسب الصفوي المتوفّي سنة (٩٨٤هـ) كان حيّاً سنة (٩٩٧هـ).

الراوون عنه :

ـ ولده الشيخ إبراهيم بن الشيخ يحيىٰ الأحسائي ، أجازه بالرواية سنة (٩٩٧هـ)(١).

٣ـ الشيخ سالم بن منصور الأحسائي(كان حيّاً سنة ٩٨١هـ) :

الشيخ سالم بن منصور بن راشد بن ناصر بن حسين الأحسائي ، وصف نفسه بقوله : (ساكن الأحساء)(٢) ، من أعلام البلاد في القرن العاشر الهجري ، عاش فيها سنة (٩٨١هـ) وكان قد نسخ بعض الكتب ، وخطّه آية في الجمال والإتقان ، ممّا يؤكّد تمتّعه بموهبة في الخطّ وترتيب الكتب ونسخها ، ولعلّه نسخ الكثير من المخطوطات ولكن للبعد الزمني ضاع معظم منسوخاته ، له ختم بيضاوي جميل رسمه : (يا أمير المؤمنين) ، عرفنا من منسوخاته :

ـ إرشاد الأذهان إلىٰ أحكام الإيمان : للعلّامة الحلّي ، الحسن بن يوسف الحلّي

__________

(١) إحياء الداثر من مآثر من القرن العاشر : ١٥.

(٢) فهرس (دنا) ١ / ٦٦١.

۱۵

(٦٤٨ـ٧٢٦هـ) ، انتهىٰ من نسخه (ليلة الثلاثاء ٢٨ رجب لعام ٩٨١هـ)(١) ، قال في نهايته : «وكان الفراغ من تسويده ضحىٰ يوم الثامن والعشرين من رجب سنة أحدىٰ وثمانون وتسعماية هجرية في المشهد المقدّس الرضوي علىٰ مشرّفه التحية والسلام ، علىٰ يد صاحبه أقلّ عباد الله وأحوجهم إليه ، سالم بن منصور بن راشد ابن ناصر بن حسين الساكن بلدة الأحساء المحروسة ، والله الموفّق»(٢) ، والنسخة عليها حواشٍ وتصحيحات من الناسخ كتبت في (يوم الجمعة غرّة شعبان سنة ٩٨١هـ) عليها تملّك محمّد بن محمود ومصطفىٰ بن ... محمّد علي ، وختمه : (يا أمير المؤمنين) ، وختمه بيضاوي(٣).

٤ـ الشيخ إبراهيم بن يحيىٰ آل بن سليمان الأحسائي(كان حيّاً سنة ٩٩٩هـ) :

من أعلام القرن العاشر الهجري ، ومن بيوت العلم في الأحساء ، فوالده من مشيخة الإجازة ، ومن رجال العلم البارزين ، هاجر مع والده إلىٰ مدينة مشهد الرضا(٤) ، وكان من العلماء المقرّبين من الشاه عبّاس الصفوي المتوفّىٰ سنة (٩٨٤ هـ)(٥) ، وأصحاب الحضوة لديه.

__________

(١) فهرس دنا ١ / ٦٦١.

(٢) أرسل إلينا نسخة من الصفحة الأخيرة سماحة الدكتور المحقّق الشيخ محمّد كاظم رحمتي في ٢٧ ربيع الثاني عام ١٤٣٧هـ.

(٣) الفهرس الموحّد للمخطوطات الإيرانية (فنخا) ٣/٤٠.

(٤) أعلام الأحساء في العلم والأدب من الماضين في سبعة قرون ، ابتداء من عام ٨٠٠هـ ١ / ٤٠.

(٥) مصفّىٰ المقال في مصنّفي علم الرجال : ٥٠٣.

۱۶

أساتذته :

ـ لا نعرف الكثير عن أساتذته سوىٰ أنّه تتلمذ علىٰ والده الشيخ يحيىٰ الأحسائي.

شيخه في الإجازة :

ـ والده الشيخ يحيىٰ الأحسائي ، أجازه بالرواية سنة (٩٩٧هـ)(١).

٥ـ الشيخ جعفر بن محمّد النجّار (كان حيّاً سنة ١٠٣٦هـ)

الشيخ جعفر بن الشيخ محمّد علي بن محمّد بن علي بن إبراهيم بن داود الشهير بـ : (ابن النجّار الأحسائي) ، ويبدو أنّه كان مقيماً في مدينة مشهد مجاوراً للإمام الرضا عليه‌السلام ، من بيت علم وأسرة علمية عريقة ، يحتمل أنّ أصولها تعود لمدينة الهفوف ، فوالده الشيخ محمّد من الأعلام ، وكذلك عمّه الشيخ صالح.

توفّي بعد سنة (١٠٣٦هـ) له بعض التعليقات علىٰ مستنسخاته تبيّن مكانته العلمية وعلوّ شأنه.

نسخ عدداً من الكتب العلمية في مجال اللغة والأصول والفقه ، التي لها الأبعاد العلمية التي محلّ اهتمام رجال العلم ، وخطّه غاية في الجمال وحسن التنسيق ، ممّا يدلّل علىٰ خبرته ومكنته الواسعة في مجال النسخ وكتابة الكتب ، منها :

ـ لبّ الألباب في شرح ملحمة الأعراب : لقاسم بن علي الحريري (٤٤٦ـ ٥١٦هـ) ، وكان الفراغ من نسخها في (٨ صفر لعام ١٠١٣هـ)(٢) ، في مدينة

__________

(١) إحياء الداثر من ما أثر من في القرن العاشر : ١٥.

(٢) فهرس دنا ٨ / ١٠٠٥.

۱۷

مشهد المقدّسة ، قد أوقفها السيّد محمّد باقر السيستاني (محرّم ١١١٤هـ)(١).

ـ تهذيب الوصول إلىٰ علم الأصول : للعلّامة الحلّي ، الحسن بن يوسف الحلّي (٦٤٨ـ٧٢٦هـ) ، وتاريخ الفراغ من النسخ (ليلة ١١ ربيع الأوّل لسنة ١٠١٣هـ)(٢) ، في مدينة المشهد الرضوي(٣) ، قال في نهاية النسخة : «وقع الفراغ من كتابته في يوم الأحد الحادي عشر من شهر ربيع الأوّل سنة الثالثة عشر بعد الألف من الهجرة في المشهد الرضوي علىٰ ساكنه أفضل الصلاة وأكمل التحيّات والتسليمات ، بقلم العبد الذليل الفقير الحقير تراب أقدام المؤمنين ، جعفر بن محمّد ابن علي بن محمّد بن علي بن إبراهيم بن داود الشهير بالنجّار الأحسائي عفا الله عنهم أجمعين» ، علىٰ النسخة قيد تملّك نصّه : «من متملّكات السيّد الحسيب النسيب سلالة آل طه ويس الأمير الأعظم مير جعفر التوني متّعه الله به طويلاً ووفّقه للخيرات وغفر له ولوالديه ولكافّة المؤمنين والمؤمنات (يوم الجمعة ٢٨ شهر رمضان المبارك سنة ١٢٩٢)»(٤).

عليها توقيعات وخطوط وتملّكات متعدّدة ، وهي مليئة بالحواشي والتعليقات المذيّلة برموز مختلفة(٥).

ـ تهذيب الأحكام : شيخ الطائفة محمّد بن الحسن الطوسي (ت ٤٦٠هـ) ، قام

__________

(١) الفهرس الموحّد للمخطوطات الإيرانية (فنخا) ٢٧/٢٦٢.

(٢) الفهرس الموحّد للمخطوطات الإيرانية (فنخا) ٩/٦٥٣.

(٣) فهرست كتاب خطّي كتابخانه مركز يو مركز اسناد آستان قدس رضوي ١٦ / ١١١.

(٤) صورة الصفحة الأخيرة من النسخة الخطّية ، زوّدنا بها السيّد محمّد حسين الرضوي الكشميري ، وهي موجودة في المكتبة الرضوية بمشهد تحت رقم : (٢٨٦٠).

(٥) تهذيب الوصول إلىٰ علم الأصول : ٢٦.

۱۸

سنة (١٠٣٦هـ) بنسخ الكتاب وعليه بعض التعليقات ، من كتاب الطهارة إلىٰ كتاب الحجّ(١).

٦ـ الشيخ منصور بن ناصر الأحسائي (توفّي بعد عام ١٠٥١هـ) :

الشيخ منصور بن ناصر بن منصور بن مادوم الأحسائي ، من أعلام الأحساء خلال القرن الحادي عشر الهجري ، يحتمل أنّه ممّن هاجر إلىٰ بلاد البحرين ، لوجود تملّك له علىٰ بعض الكتب مع بعض علماء البحرين المعروفين(٢) ، كما أقام في مدينة خراسان مجاوراً مشهد الإمام الرضا عليه‌السلام.

إطلاق لقب : (الكاتب) عليه يدلّ علىٰ عنايته بالخطّ وفنونه وأنّه نسخ مجموعة كبيرة من الكتب ، عرفنا منها ، في الفقه :

ـ شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام : للمحقّق الحلّي ، جعفر بن حسن (٦٠٢ـ٦٧٦هـ) ، فرغ من نسخه (ليلة ٢٧ رمضان سنة ١٠٣٥هـ)(٣).

ـ إيضاح الفوائد في شرح مشكلات القواعد : لفخر الدين أبي طالب محمّد بن الحسن بن المطهّر الحلّي (ت ٧٧١ هـ) ، فرغ من نسخه (ظهر يوم الأربعاء ١٦ شعبان سنة ١٠٣٨هـ) في قرية (رقّة) من خراسان مصحّحة ، عليها كلمات نسخ البدل ، عليها بلاغات المقابلة ، عليها حواشٍ بخطّ الناسخ بإمضاء (عميدي) ، من شرح العميدي ، عليها تملّك أحمد بن صالح بن سالم بن طوق القطيفي ، وتملّك

__________

(١) التراث العربي المخطوط في مكتبات إيران العامّة ٣/٥٤٢ ؛ الفهرس الموحّد للمخطوطات الإيرانية (فنخا) ٩/٥٦٠.

(٢) فقد تملّك نسخة من كتاب الدرّة في المنطق ، انظر التملّكات الأحسائية للمخطوطات.

(٣) الفهرس الموحّد للمخطوطات الإيرانية (فنخا) ١٨/٨٥٧.

۱۹

العالم المسدّد الشيخ علي بن الملّا محمّد العريض ، وكتب تملّكه هذا عبد الله بن محمّد ، وتملّك السيّد خليفة بن السيّد علي الأحسائي(١).

ـ الناسخ والمنسوخ : لأبي القاسم جهة الله بن سلامة ، قال الشيخ منصور في آخرها : «فرغ من تسويدها جامعها الفقير إلىٰ الله الغني منصور الأحسائي وذلك اليوم الرابع عشر من شهر شعبان سنة ألف وخمسة وأربعون».

ـ مشارق أنوار اليقين في حقائق أسرار أمير المؤمنين : لرجب بن محمّد الحافظ البرسي (القرن التاسع الهجري) ، نسخ محمّد جعفر بن عبد الله قرميسني في (١٢ ربيع الثاني لعام ١٢٤٤هـ)(٢) ، نسخه من النسخة التي بخطّ الشيخ منصور الأحسائي التي كتبها سنة (١٠٥١هـ) نقلاً عن نسخة المؤلّف التي بخطّه(٣).

٧ـ السيّد حسن بن محمّد الحسيني الجبيلي (كان حيّاً سنة ١٠٧٢هـ) :

السيّد حسن بن السيّد محمّد بن السيّد أحمد الحسيني الجمازي المدني الجبيلي الأحسائي الخراساني التوني الجنابدي ، من أعلام الأحساء الكبار في القرن الحادي عشر ، وينتهي اسمه في بعض المخطوطات بـ : (الحسيني الأحسائي) ، فهو من أصول مدنية قديمة ، ولد في الأحساء ببلدة الجبيل ، كما يعرف في بعض المخطوطات والوثائق بـ : (الجمازي) نسبة إلىٰ الأمير جماز أحد أشراف المدينة المنوّرة ، وهو السيّد جماز بن السيّد مهنا بن جماز بن الأمير قاسم المكنّىٰ أبا فليته بن الأمير مهنا الأعرج ، إلىٰ أن ينتهي نسبه إلىٰ الإمام السجّاد عليه‌السلام (٤).

__________

(١)فهرس مخطوطات مكتبة الإمام الخوئي في النجف الأشرف ١ / ٢٤٣.

(٢) فهرس دنا ٩ / ٥٧١.

(٣) الفهرس الموحّد للمخطوطات الإيرانية (فنخا) ٢٩/٥٠٩.

(٤) أعلام الأحساء : ٢٢٦.

۲۰

هاجر إلىٰ الهند وسكن لحقبة من الزمن ليست بالقصيرة مدينة (أحمد آباد) ، ومدينة (حيدر آباد) ، ثمّ انتقل إلىٰ بلاد فارس وسافر بين مدنها (إصفهان ، وشيراز ، وخراسان) مجاوراً مشهد الإمام الرضا عليه‌السلام ، ثمّ تنقّل إلىٰ (تون) ثمّ إلىٰ (جنابد).

كما أقام لحقبة من الزمن في مدينة شيراز ، آخرها سنة (١٠٧٢هـ).

يعدّ من أجلّاء الأعلام وكبار الفقهاء ، وأحد الدعاة الذين نذروا أنفسهم للإصلاح وهداية الناس ، أمضىٰ معظم حياته متنقّلاً بين مختلف الأصقاع مستغلّا ً ذلك في الدعوة والإرشاد ، كما أنّه نال مرتبة ومكانة علمية عالية بين أعلام عصره ، كانت وفاته بعد عام (١٠٧٢هـ) ويحتمل أن يكون في مدينة شيراز لوجوده بها في هذا التاريخ.

أَوْلىٰ نسخ الكتب عناية خاصّة ، فكان يستفيد من رحلاته وسفراته لبعض الوقت في نسخ وكتابة الكتب التي تنال استحسانه من أمّهات كتب الطائفة وأعلامها الكبار التي تساعده في مهمّته الدعوية والإرشادية ، وخطّه جميل جدّاً ومتقن يميل إلىٰ الخطّ الفارسي ، ويتفننّ فيه فيها وهي :

ـ الرسالة الرضاعية : لمحمّد باقر بن محمّد الميرداماد (ت١٠٤١هـ) ، وقع الفراغ من نسخها (١٤ ربيع الأوّل ١٠٢٩هـ) في مدينة إصفهان(١).

ـ الآداب الدينية للخزانة المعينية : الفضل بن حسن الطبرسي (٤٨٦ـ ٥٤٨هـ) ، وكان الفراغ من نسخه (ليلة الخميس ١٣ صفر ١٠٤١هـ)(٢) ، وقد

__________

(١) الفهرس الموحّد للمخطوطات الإيرانية (فنخا) ١٦/ ٧٠١.

(٢) فهرس دنا ١ / ٣٥ ؛ فهرس مختصر للمخطوطات في مجلس الشورىٰ الإسلامي : ١١.

۲۱

ختمه باسمه هكذا : «بن محمّد الحسيني حسن المدني الأحسائي الخراساني التوني الجنابذي مسكناً ، وذلك في بندر سورت كجرات»(١).

ـ قواعد الأحكام في معرفة مسائل الحلال والحرام : العلّامة الحلّي ، الحسن بن يوسف الحلّي (٦٤٨ـ٧٢٦هـ) ، وقع الفراغ من نسخه وكتابته في (يوم الجمعة ١٠ رجب سنة ١٠٥٨هـ) وقد ختم المخطوطة باسمه : (السيّد الحسن بن محمّد المدني الجبيلي الحسيني)(٢) ، ممّا يشير إلىٰ أنّ مسكنه كان في قرية الجبيل بالأحساء ، ولد فيها من أصول مدنية ، وهي نسخة جيّدة مصحّحه عليها علامات بلاغ(٣).

ـ الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف : السيّد علي بن موسىٰ بن طاووس الحلّي (٥٨٩ـ٦٦٤هـ) ، وكان الفراغ من كتابته ونسخه في (شهر رجب لعام ١٠٦٣هـ)(٤) ، في (حيدر آباد) بالهند(٥).

ـ تنزيه الأئمّة عليهم‌السلام : السيّد المرتضىٰ علي بن الحسين (٣٥٥ـ٤٣٦هـ) فرغ من كتابته (يوم الخميس ٢٨ من شهر محرّم الحرام سنة ١٠٤١هـ) في بندر سورت كجرات بالهند(٦).

ـ تنزيه الأنبياء عليهم‌السلام : السيّد المرتضىٰ علي بن الحسين (٣٥٥ـ٤٣٦هـ) ، وهي

__________

(١) المخطوطة في مكتبة مجلس الشورىٰ الايراني ، فهرس مختصر للمخطوطات في مجلس الشورىٰ الإسلامي : ١١.

(٢) فهرس دنا ٨ / ٢٩١.

(٣) الفهرس الموحّد للمخطوطات الإيرانية (فنخا) ٢٥/٤٥٢.

(٤) فهرس دنا ٧ / ٣٣٦.

(٥) الفهرس الموحّد للمخطوطات الإيرانية (فنخا) ٢٢ /١٩٤.

(٦) المخطوطة في مكتبة مجلس الشورىٰ الايراني : ١٢٥.

۲۲

منسوخة بقلمه فرغ منها (ليلة الخميس ٢٢ محرّم الحرام ١٠٤١هـ)(١) ، في بندر سورت أحمد أباد بالهند ، في (يوم الثلاثاء ٤ رجب المرجّب سنة ١٠٧٢هـ) في دار العلم شيراز(٢) ، كان في الهند ثمّ ذهب إلىٰ شيراز والنسخة معه ، في النسخة علامة بلاغ من السيّد الحسن بن محمّد الحسيني ، قال فيه : «بلغ مقابلة في الجملة في أوقات متعدّدة ، آخرها يوم الثلاثاء رابع من رجب المرجّب من سنة الثانية والسبعين بعد الألف علىٰ يد كاتبه الحقير الضعيف ، حسن بن محمّد الحسيني في دار العلم شيراز»(٣).

٨ـ الشيخ إبراهيم بن عبد الوهّاب الأحسائي (بعد سنة ١٠٩٠هـ) :

الشيخ إبراهيم بن الشيخ عبد الوهّاب بن محمّد بن عبد الوهّاب الأحسائي الشيرازي ، من أعلام الأحساء الكبار ، ومن البيوت العلمية ، ونساخي الكتب ، هاجر مع والده من الأحساء إلىٰ إيران واستوطن (دار العلم) مدينة شيراز وأقام بها ، كما سكن مدينة مشهد المقدّسة ، ونسخ فيها بعض الكتب ، من أساتذته :

ـ الشيخ محمّد بن الحسن الحرّ العاملي لمعاصرته له وكثرة ما نسخ من كتبه ، وقد عبّر عن نفسه بقوله : (تراب أقدام أولي الألباب) وفي نهاية النسخة من تلخيص الأقوال ، قال : (شيخنا ومولانا) ممّا يدلّل علىٰ تلمذته عليه كما هو إشارة علىٰ مقام ومكانة الشيخ الأحسائي الشيرازي وأنّه تلقّىٰ علومه علىٰ كبار أعلام

__________

(١) فهرس مختصر للمخطوطات في مجلس الشورىٰ الإسلامي : ٢٠٨.

(٢) النسخة المخطوطة في مكتبة مجلس الشورىٰ بطهران : ٩٩ ؛ تنزيه الأنبياء والأئمّة عليهم‌السلام : ٢٧.

(٣) النسخة المخطوطة في مكتبة مجلس الشورىٰ بطهران : ١٢٥.

۲۳

الطائفة.

ـ الحسين العيناثي ابن جمال الدين بن يوسف الخاتوني ، الذي نسخ كتاب تلخيص الأقوال في معرفة الرجال ، للسيّد محمّد بن علي بن إبراهيم الحسيني الأسترآبادي (ت ١٠٢٨ هـ) بطلب منه.

ـ والده الشيخ عبد الوهّاب بن محمّد الأحسائي.

ـ الشيخ جعفر بن كمال الدين البحراني ، فمن المحتمل تتلمذه عليه وقربه منه فقد استعار الشيخ جعفر منه كتاب الذريعة إلىٰ أصول الشريعة ، للشريف المرتضىٰ (ت ٤٣٦هـ) ، من نسخ والده الشيخ عبد الوهّاب ، وهي نسخة مصحّحة عليها تعليقات وحواشٍ من الشيخ جعفر بن كمال الدين البحراني ، وقد أخذ النسخة أمانة من ابن الناسخ ومالكها الشيخ إبراهيم بن الشيخ عبد الوهّاب الأحسائي(١).

كما تجدر الإشارة إلىٰ كثرة منسوخاته وتكليفه من قبل العلماء تدلّ علىٰ جودة نسخه وعنايته بالكتابة ، وأنّه امتلك سمعة طيّبة بين الأعلام كناسخ مجيد متقن.

تعرّفنا ممّا نسخ مجموعة من الكتب هي :

ـ تلخيص الأقوال في معرفة الرجال : السيّد محمّد بن علي بن إبراهيم الحسيني الأسترآبادي (ت ١٠٢٨ هـ) ، ذكر الآقا بزرك الطهراني : «كتب بأمر الحسين العيناثي ابن جمال الدين بن يوسف الخاتوني ، كتبها في مشهد خراسان سنة (١٠٨٥هـ) معبّراً عن نفسه : (تراب أقدام أولي الألباب) ، وهو من تلاميذ الشيخ محمّد بن الحسن الحر العاملي (١٠٣٣ـ١١٠٤هـ) ، كما عبّر عنه في آخر تلك

__________

(١) الفهرس الموحّد للمخطوطات الإيرانية (فنخا) ١٦/١١٨.

۲۴

النسخة بقوله : (شيخنا ومولانا ، فإنّه أمر بنسخ تلك النسخة أوّلاً)»(١).

وعن هذه النسخة يقول الآقا بزرك الطهراني في الذريعة ما نصّه : «هي تعليقات كثيرة كتبها بخطّه علىٰ هامش نسختها ، ثمّ إنّ الشيخ إبراهيم بن عبد الوهّاب الأحسائي كتب نسخة من تلخيص الأقوال في المشهد الرضوي بأمر العالم الجليل الشيخ حسن بن جمال الدين يوسف بن خاتون آبادي في (١٠٨٥هـ) وقد نقل جميع تلك الحواشي عن نسخة خطّ المؤلّف إلىٰ نسخته ، وذلك بعد ما رأىٰ الشيخ الحرّ (العاملي) النسخة الأصلية وجزم بأنّها خطّ الشيخ محمّد السبط ، وتوجد نسخة خطّ الأحسائي في (جبع) من جبل عامل عند الشيخ عبد الله بن الشيخ عبد السلام الحرّ»(٢).

ـ من لا يحضره الفقيه : الشيخ محمّد بن علي بن بابويه ، الشيخ الصدوق (٣١١ـ٣٦١هـ) ، نسخه من الجزء الثاني إلىٰ الرابع ، وقد فرغ من كتابته (٢٩ جمادىٰ الأوّل لسنة ١٠٦٩هـ) وقد ختمه بقوله : «نسخه إبراهيم بن عبد الوهّاب ابن محمّد الأحسائي الشيرازي»(٣) ، والنسخة عليها بلاغات وتعليقات من الناسخ(٤).

ـ من لا يحضره الفقيه : الشيخ محمّد بن علي بن بابويه ، الشيخ الصدوق (٣١١ـ٣٦١هـ) ، كما قام بعمل نسخة أخرىٰ من كتاب من لا يحضره الفقيه ، وهي نسخة مصحّحة عليها حواشٍ وبلاغات من الناسخ ، فرغ منها في (الليلة الثانية

__________

(١) أعلام الأحساء : ٢٩.

(٢) الفهرس الموحّد للمخطوطات الإيرانية (فنخا) ١١ / ٤٩٣.

(٣) فهرست كتاب خطّي كتابخانه مركزي ومركز اسناد آستان قدس رضوي ١٤ / ٥٧٤.

(٤) الفهرس الموحّد للمخطوطات الإيرانية (فنخا) ٢٦ /٧٦.

۲۵

سلخ رمضان لعام ١٠٨٤هـ)(١) ، في مدينة المشهد الرضوي(٢).

ـ أوضح المسالك إلىٰ ألفية ابن مالك : عبد الله بن يوسف ابن هشام (٧٠٨ـ ٧٦١هـ) ، فرغ من نسخه وكتابته (ليلة الأربعاء ١٢ شعبان سنة ١٠٨٧هـ)(٣) ، في أوّل النسخة قيد أمانة : «من السيّد أبي القاسم الرشتي وفّقه الله لدی الأثيم عبد الرحيم الشوشتري أمانة»(٤).

كما نسخ مجموع خطّي يضمّ مجموعة من مصنّفات الحرّ العاملي صاحب وسائل الشيعة ، نسخها في عصر المؤلّف ، ولعلّها إبّان تتلمذه عليه ، وهو من موقوفات الحاجّ ميرزا محمّد حسن الرشتي ، كما يوجد عليها في تاريخ (١٩ محرّم ١٢٤١هـ) تملّك عبد الله بن أحمد بن زين الدين الأحسائي(٥) ويضمّ :

ـ التنبيه بالمعلوم من البرهان علىٰ تنزيه المعصوم عن السهو والنسيان : الشيخ محمّد بن الحسن الحرّ العاملي (١٠٣٣ـ١١٠٤هـ) ، انتهىٰ من نسخه في عصر المؤلّف ، في (شهر ربيع الأوّل لعام ١٠٩٠هـ) وقد قابل النسخة وصحّحها ، وعليها بلاغ(٦) ، والنسخة من موقوفات الحاجّ الميرزا محمّد حسن الرشتي ، كما عليها ملكية عبد الله بن أحمد بن زين الدين الأحسائي في تاريخ (١٩ محرّم ١٢٤١

__________

(١) فهرس دنا ٨ / ٥٢٨.

(٢) فهرس مخطوطات مكتبة آية الله العظمىٰ الكلبايكاني ١ / ٣١٠ـ٣١٢ ؛ الفهرس الموحّد للمخطوطات الإيرانية (فنخا) ٢٦ /٩١.

(٣) نسخة المخطوط من مكتبة مجلس الشورىٰ الأيراني ، فهرس مختصر للمخطوطات في مجلس الشورىٰ الإسلامي : ٩٥.

(٤) فهرس المخطوطات في مكتبة مجلس الشورىٰ ٢٤ / ٩٤.

(٥) فهرس مخطوطات مركز إحياء التراث الإسلامي ٢/ ٣٠٢.

(٦) فهرس دنا ٣ / ٣٤٦.

۲۶

هـ) كما يوجد عليها ختم (أحمد بن عبد الله ١٢٣٤) ، وكان ممّن تملّكها محمّد بن عبد الكريم الطباطبائي(١).

ـ كشف التعمية في حكم التسمية : الشيخ محمّد بن الحسن الحرّ العاملي (١٠٣٣ـ١١٠٤هـ) ، فرغ من نسخ الكتاب في عصر المؤلّف (غرّة جمادىٰ الأوّل ١٠٩٠هـ)(٢) ، وهي من موقوفات الحاجّ الميرزا محمّد حسن الرشتي ، علىٰ النسخة في تاريخ (١٩ محرّم ١٢٤١ هـ) ملكية عبد الله بن أحمد بن زين الدين الأحسائي ، كما عليه ملكية محمّد بن عبد الكريم الطباطبائي(٣).

ـ نزهة الأسماع في حكم الإجماع : الشيخ محمّد بن الحسن الحرّ العاملي (١٠٣٣ـ١١٠٤هـ) ، انتهىٰ من كتابته في (آواخر جمادىٰ الأوّل لعام ١٠٩٠هـ)(٤) في حياة المؤلّف ، والنسخة مقابلة ومصحّحة من قبل الناسخ ، عليه تملّك عبد الله ابن أحمد بن زين الدين الأحسائي في (١٩ محرّم ١٢٤١هـ) كما عليها ختم (أحمد ابن عبد الله) في (١٢٣٤هـ) وشكل ختمه مكعّب ، كما عليه ختم : (الملك لله) ، وختم آخر : (محمّد بن عبد الكريم الطباطبائي) بشكل بيضاوي ، أوقف النسخة محمّد حسن الرشتي(٥).

__________

(١) فهرس مخطوطات مركز إحياء التراث الإسلامي : رقم المخطوط : ٦٧٢ ؛ الفهرس الموحّد للمخطوطات الإيرانية (فنخا) ١٢ /٢٦٥.

(٢) معجم المخطوطات النجفية : ٧٣٠.

(٣) فهرس مخطوطات مركز إحياء التراث الإسلامي : رقم المخطوط : ٦٧٢ ؛ الفهرس الموحّد للمخطوطات الإيرانية (فنخا) ٢٦ /٢٦٠.

(٤) فهرس دنا ١٠ / ٦٤٧.

(٥) الفهرس الموحّد للمخطوطات الإيرانية (فنخا) ٣٣ /٢٩٢.

۲۷

ـ الجواهر السنية في الأحاديث القدسية : الشيخ محمّد بن الحسن الحرّ العاملي (١٠٣٣ـ١١٠٤هـ) ، فرغ من كتابته سنة (١٠٩٠هـ)(١).

ـ مجموعة رسائل الحرّ العاملي : الشيخ محمّد بن الحسن الحرّ العاملي (١٠٣٣ـ ١١٠٤هـ) ، دوّن ذكر تاريخ النسخ والكتابة(٢).

٩ـ السيّد شمس الدين بن محمّد الحسيني (المتوفّىٰ بعد سنة ١٠٩٥هـ) :

السيّد شمس الدين بن السيّد محمّد بن السيّد أحمد بن السيّد علي بن السيّد محمّد بن السيّد أحمد الحسيني الجبيلي الأحسائي المدني ، وهو يكتب اسمه تارة (شمس الدين محمّد) ، وتارة : (شمس الدين بن محمّد) ، ولعلّ الراجح هو الثاني أن يكون اسمه شمس الدين ووالده يدعىٰ محمّد.

من أعلام الأحساء ، ومن الفقهاء الكبار له مصنّفات ومؤلّفات في المجالات الفقهية والأخلاقية والطبّية ، وهو من بيت علم وفقاهة ، فقد ضمّت أسرته العلمية التي كانت تقطن بلدة الجبيل العديد من العلماء والفقهاء الذين سيرد ذكر بعضهم خلال الصفحات القادمة ، كما يحتمل أن يكون والده (السيّد محمّد) أيضاً من رجال العلم والفضيلة.

هاجر من الأحساء إلىٰ المدينة المنوّرة ، ثمّ إلىٰ مدينة مشهد وأقام بها ردحاً من الزمن ، وصنّف بها بعض رسائله ، وأقام بعض دروسه سنة (١٠٨٣هـ) ومنها إلىٰ مدينة شيراز الإيرانية حيث نسخ كتاباً للعلّامة الحلّي ، كما أجاز هداية الله بن محمّد

__________

(١) مخطوطات الحديث النبوي الشريف وعلومه في دار صدّام للمخطوطات : ٢٣٢.

(٢) فهرس دنا ٥ / ٦٦٣.

۲۸

زمان الشريف في المدرسة (المحبّية) بشيراز (١٧ رجب سنة ١٠٩٥هـ)(١) ، ممّا يعني أنّ حياته إلىٰ بعد هذا التاريخ.

قام بنسخ عدد من الكتب المختلفة خلال الربع الأخير من القرن الحادي عشر نذكر منها :

ـ الربع المجيب : لمؤلّف مجهول ، في علم الهيئة ، فرغ من نسخه في (رجب سنة ١٠٧٤هـ)(٢).

ـ إزاحة العلّة عن شرف حقيقة العزلة : للناسخ نفسه السيّد شمس الدين بن محمّد الحسيني الأحسائي(٣) ، ولعلّها النسخة الأصلية من الرسالة ، جاء في مقدّمتها : «بسم الله ، أحمد الله الذي يلهم أولياءه طريقة المعارف والاعتبار. فبناء علىٰ ذلك وفّق الله العبد الفقير شمس الدين محمّد الحسيني لإملاء هذه الرسالة الموسومة بـ : (إزاحة العلّة عن شرف حقيقة العزلة).

وفي خاتمتها : «والعذر عند ذوي الألباب مقبول ، وفرغ من تسويدها مؤلّفها شمس الدين ابن محمّد الحسيني (رحمه الله) بمشهد مولاه علي موسىٰ الرضا في (١٢ ربيع الأوّل ١٠٨٣هـ)»(٤).

ـ مختلف الشيعة في أحكام الشريعة : للعلّامة الحلّي ، الحسن بن يوسف الحلّي (٦٤٨ـ٧٢٦هـ) ، فرغ من بيان الصوم منه في (٢٠ رمضان لعام ١٠٨٨هـ) في

__________

(١) مصادر الحديث والرجال مسرد ببليو غرافي لعشرة من أهمّ مصادر الحديث الرجال عند الشيعة الإمامية : ١٣٦.

(٢) الفهرس الموحّد للمخطوطات الإيرانية (فنخا) ١٦/٢٦٥.

(٣) فهرس دنا ١ / ٦٩٧.

(٤) الفهرس الموحّد للمخطوطات الإيرانية (فنخا) ٣/ ١٥٦.

۲۹

مدينة شيراز الإيرانية ، وقد دوّن نسبه فيه هكذا : (شمس الدين بن محمّد بن أحمد ابن علي بن محمّد بن أحمد الحسيني الأحسائي المدني) وفرغ من القسم المتعلّق بالإرث في غرّة ذي الحجّة من العام نفسه(١).

ـ كشف الأخطار في طبّ الأئمّة الأطهار : للناسخ نفسه السيّد شمس الدين بن السيّد محمّد الحسيني الأحسائي ، فرغ من نسخه سنة (١٠٨٩هـ) في مدينة شيراز(٢).

ـ تلخيص الأقوال في معرفة الرجال : للسيّد محمّد بن علي بن إبراهيم الحسيني الأسترآبادي (ت ١٠٢٨ هـ) ، وهو بلا تاريخ نسخ ، شارك في نسخه مع زين العابدين بن محمّد علي قاضي بافقي(٣).

ـ الرعاية في شرح البداية في علم الدراية : للشيخ زين الدين بن علي الشهيد الثاني (٩١١ـ٩٦٥هـ) ، وقد شارك في كتابته ضمن مجموع خطّي الشيخ زين العابدين بن محمّد علي قاضي بافقي(٤).

* أبعاد النشاط العلمي :

وهي الجوانب العلمية المختلفة التي ساهم فيها أعلام الأحساء إبّان وجودهم في مدينة مشهد الرضوية وهي كالتالي :

أوّلاً : الدراسة والتدريس :

الدراسة والتدريس أهمّ أبعاد حياة العلماء والتي لا تنقطع من حياته طالما

__________

(١) فهرس دنا ٩ / ٢٨٤ ؛ الفهرس الموحّد للمخطوطات الإيرانية (فنخا) ٢٨/٧٣٧.

(٢) فهرس مخطوطات المكتبة الوطنية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية : ١٨٥.

(٣) فهرس مخطوطات مكتبة جامعة طهران ١٦ / ٤٠٣.

(٤) فهرس المخطوطات في المكتبة المركزية في جامعة طهران ١٦ / ٤٠٣.

۳۰

لديه القدرة علىٰ الأخذ والعطاء ، فهي المدد الذي يغذّيه والمسؤولية التي يراها واجباً لابدّ أن يؤدّيه لمن هم دونه ، وقد حفلت الحياة العلمية الأحسائية في مدينة مشهد بالدرس والتدريس ، فكان ممّن نشط في الجانب التدريسي الشيخ محمّد بن أبي جمهور فتتلمذ عليه فيها السيّد محسن بن السيّد محمّد بن فادشاه الحسيني الرضوي المشهدي القمّي (ت ٩٣١هـ) ، وهو أخصّ طلّابه وأقربهم إليه ، قال في شأنه :

«في سنة ثمان وسبعين وثمان مائة مجاوراً لمشهد الرضا عليه‌السلام ، وكان منزلي بمنزل السيّد الأجلّ والكهف الأظلّ محسن بن محمّد الرضوي القمّي ، وكان من أعيان أهل المشهد وأشرافهم ، بارزاً علىٰ أقرانه بالعلم والعمل ، وكان هو وكثير من أهل المشهد يشتغلون معي في علم الكلام والفقه»(١).

وفي هذا الكلام إشارة واضحة وقوية إلىٰ أنّ الشيخ ابن أبي جمهور كان خلال القرن التاسع الهجري في المشهد الرضوي وكان له حلقة درس في الفقه وعلم الكلام ويحضرها أعداد كبيرة من رجالات العلم فيها.

كما تتلمذ عليه في مشهد وقد خصّه بإجازة سنة (٨٩٧هـ) السيّد شرف الدين محمود بن السيّد علاء الدين بن السيّد جلال الدين الطالقاني الكاشاني.

ودرس علىٰ يديه حينها الشيخ شمس الدين محمّد بن صالح الغروي الحلّي ، وقد نال منه عدّة إجازات منها سنة (٨٩٦هـ).

وما هؤلاء إلّا النخبة من تلاميذه الذين أجازهم وإلّا كما أشار في إجازته للسيّد الرضوي بوجود درس له يحضره الكثير في الفقه وعلم الكلام.

__________

(١) مُجلي مرآة المنجي في الكلام والحكمتين والتصوّف ١ / ١٦.

۳۱

وممّن قام بالتدريس في مدينة مشهد الشيخ يحيىٰ الأحسائي ، حيث تتلمذ علىٰ يديه ولده الشيخ إبراهيم وقد خصّه بإجازة ، وهو كما يظهر من الشخصيّات العلمية اللامعة ممّا جعله ينال القرب من السلطان الصفوي الشاه طهماسب.

والتدريس أحد أبرز معالم حياة العلماء والتعريف بمكانتهم الدينية والعلمية من خلال النخب التي تحضر درسه وبحوثه فتعكس منزلة الأستاذ العلمية ، فكان سبباً في حرص الشاه علىٰ احتوائه وجعله من المقرّبين منه.

ومنهم السيّد شمس الدين بن السيّد محمّد بن السيّد أحمد الحسيني الجبيلي الأحسائي المدني ، الذي هاجر إلىٰ مدينة مشهد وأقام بها ردحاً من الزمن ، وبها صنّف بعض رسائله ، وأقام بعض دروسه سنة (١٠٨٣هـ).

وكذلك ممّن تشرّف بالمجاورة الشيخ محمّد بن الشيخ علي بن الشيخ إبراهيم ابن الشيخ محمّد بن الشيخ حسين بن الشيخ عيسىٰ آل عيثان القاري الأحسائي(١).

عالم جليل القدر وأديب شاعر كان من كبار العلماء في القرن الثاني عشر ، وأوائل القرن الثالث عشر ، كانت نشأته في قرية القارة ، فدرس علىٰ أعلامها ثمّ هاجر إلىٰ البحرين ودرس علىٰ العلّامة الشيخ حسين بن الشيخ محمّد البحراني ، بعدها سافر إلىٰ إيران واستقرّ بمدينة شيراز وأقام بها إلىٰ حين وفاته سنة (١٢١٨هـ).

وفي سنة (١١٧٧هـ) انتقل الشيخ محمّد للعيش بمدينة مشهد مجاوراً للإمام علي بن موسىٰ الرضا عليه‌السلام ، وفيها تملّك شرح الصحيفة السجّادية ، للسيّد نعمة

__________

(١) شمس الشموس أستاذ المراجع آية الله العظمىٰ الشيخ محمّد آل عيثان الأحسائي : ٦٤.

۳۲

الله الجزائري ، فقد كتب علىٰ ظهر النسخة : «هذا الكتاب شرح الصحيفة السجّادية تأليف السيّد الأجلّ سيّدنا السيّد نعمة الله بن سيّد عبد الله الحسيني الجزائري رحمه‌الله ، ملك الأقلّ تراب نعال العلماء العاملة محمّد بن علي بن إبراهيم ابن عيثان الأحسائي بالاشتراء الشرعي في المشهد المقدّس الرضوي ، علىٰ ساكنه الصلاة والسلام والإكرام ، وذلك عام مجاورتي به (رجب سنة ١١٧٧هـ»(١).

وقد صحبه في إقامته بمشهد تلامذته وطلّابه ، ممّا يعني أنّ الدرس لم يتوقّف حتّىٰ في حال هجرته وإقامته لمدّة سنة في مشهد الرضا.

ثانياً : الكتابة والتأليف :

تشير المصادر التاريخية إلىٰ وجود عدد من المصنّفات المرتبطة بمدينة مشهد لعدد من أعلام الأحساء تعرّفنا علىٰ عدد منها نذكرها علىٰ سبيل المثال :

ـ المشهدية في الأصول الدينية والاعتقادات الحقّية بالدلايل اليقينية : للشيخ محمّد بن علي ابن أبي جمهور الأحسائي (ت٩٠٦هـ).

ـ الأنوار المشهدية في شرح الرسالة البرمكية في فقه الصلاة اليومية : للشيخ محمّد بن علي ابن أبي جمهور الأحسائي (٨٣٨ـ٩٠٦هـ)(٢).

ـ الأعلام الجليّة في شرح الألفية المشهدية : الشيخ حسين بن علي بن الحسين ابن أبي سروال الأحسائي فرغ منه (٩٥٠هـ)(٣).

__________

(١) كتابخانه مجلس الشورىٰ مخطوط رقم : (١٢٩٤٢) ، وقد حصلنا علىٰ بعض صفحات المخطوط من الباحث القدير المحقّق الدكتور محمّد كاظم رحمتي.

(٢) معجم المؤلّفات الشيعية في الجزيرة العربية ١ / ٢٤٦.

(٣) فهرست كتاب خطّي كتابخانه مركزي ومركز اسناد آستان قدس رضوي ٢١ / ١١٢٠.

۳۳

ـ مؤلّفات متفرّقة : للسيّد علي بن أحمد بن محمّد بن إبراهيم الحسيني المشهدي الأحسائي (كان حيّاً سنة ٩٥٩هـ)(١).

ثالثاً : نسخ الكتب :

برز عدد كبير من نسّاخي الكتب الأحسائيّين في مدينة مشهد المقدّسة نتناول نماذج وعيّنات من هؤلاء الأعلام ، وكان نسخهم إمّا بطلب أو من أجل الدرس ومذاكرة العلم ، أو الاطّلاع والثقافة الدينية.

فمن النسّاخين الشيخ سالم بن منصور بن راشد الأحسائي ، فقد نسخ أثناء زيارته لمرقد ثامن الأئمّة كتاب إرشاد الأذهان إلىٰ أحكام الإيمان ، للعلّامة الحلّي ، الحسن بن يوسف الحلّي (٦٤٨ـ٧٢٦هـ) ، انتهىٰ من نسخه (ليلة الثلاثاء ٢٨ رجب لعام ٩٨١هـ)(٢) ، قال في نهايته : «وكان الفراغ من تسويده ضحىٰ يوم الثامن والعشرين من رجب سنة أحدىٰ وثمانون وتسعماية هجرية في المشهد المقدّس الرضوي علىٰ مشرّفه التحية والسلام علىٰ يد صاحبه أقلّ عباد الله وأحوجهم إليه سالم بن منصور بن راشد بن ناصر بن حسين الساكن بلدة الأحساء المحروسة ، والله الموفّق»(٣) ، والنسخة عليها حواشٍ وتصحيحات من الناسخ كتبت في (يوم الجمعة غرّة شعبان سنة ٩٨١هـ)(٤).

__________

(١) مجلّة الموسم : (العدد ٩ـ١٠) عام ١٩٩١م ـ ١٤١١هـ ، ذكرىٰ الشيخ ميرزا محسن العباد الفضلي الأحسائي ، مقال الدكتور : عبد الهادي الفضلي : ٤٢٤.

(٢) فهرس دنا ١ / ٦٦١.

(٣) أرسل إلينا نسخة من الصفحة الأخيرة سماحة الدكتور المحقّق الشيخ محمّد كاظم رحمتي في ٢٧ ربيع الثاني عام ١٤٣٧هـ.

(٤) الفهرس الموحّد للمخطوطات الإيرانية (فنخا) ٣/٤٠.

۳۴

ومنهم الشيخ إبراهيم بن عبد الوهّاب الأحسائي بعد سنة (١٠٩٠هـ) ، فقد نسخ كتاب من لا يحضره الفقيه ، الشيخ محمّد بن علي بن بابويه ، الشيخ الصدوق (٣١١ـ٣٦١هـ) ، وهي نسخة مصحّحة عليها حواشٍ وبلاغات من الناسخ ، فرغ منها في (الليلة الثانية سلخ رمضان لعام ١٠٨٤هـ)(١) ، في مدينة المشهد الرضوي(٢).

ونسخ الشيخ جعفر بن محمّد بن علي الشهير بالنجّار الأحسائي كتاب تهذيب الوصول إلىٰ علم الأصول ، للعلّامة الحلّي ، الحسن بن يوسف الحلّي (٦٤٨ ـ٧٢٦هـ) ، وتاريخ الفراغ من النسخ (ليلة ١١ ربيع الأوّل لسنة ١٠١٣هـ)(٣) ، في مدينة المشهد الرضوي(٤) ، قال في نهاية النسخة : «وقع الفراغ من كتابته في يوم الأحد الحادي عشر من شهر ربيع الأوّل سنة الثالثة عشر بعد الألف من الهجرة في المشهد الرضوي علىٰ ساكنه أفضل الصلاة وأكمل التحيّات والتسليمات ، بقلم العبد الذليل الفقير الحقير تراب أقدام المؤمنين ، جعفر بن محمّد بن علي بن محمّد ابن علي بن إبراهيم بن داوود الشهير بالنجّار الأحسائي عفىٰ الله عنهم أجمعين».

ومنهم الشيخ منصور بن ناصر بن منصور بن مادوم الأحسائي ، من أعلام الأحساء خلال القرن الحادي عشر الهجري ، أقام في مدينة خراسان مجاوراً مشهد الإمام الرضا عليه‌السلام.

__________

(١) فهرس دنا ٨ / ٥٢٨.

(٢) فهرس مخطوطات مكتبة آية الله العظمىٰ الكلبايكاني ١ / ٣١٠ـ٣١٢ ؛ الفهرس الموحّد للمخطوطات الإيرانية (فنخا) ٢٦ /٩١.

(٣)الفهرس الموحّد للمخطوطات الإيرانية (فنخا) ٩/٦٥٣.

(٤) فهرست كتاب خطّي كتابخانه مركز يو مركز اسناد آستان قدس رضوي ١٦ / ١١١.

۳۵

وأطلاق لقب (الكاتب) عليه يدلّ علىٰ عنايته بالخطّ وفنونه وأنّه نسخ مجموعة كبيرة من الكتب ، عرفنا منها ، في الفقه :

ـ شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام : المحقّق الحلّي ، جعفر بن حسن (٦٠٢ـ٦٧٦هـ) ، فرغ من نسخه (ليلة ٢٧ رمضان سنة ١٠٣٥هـ)(١).

ـ إيضاح الفوائد في شرح مشكلات القواعد : لفخر الدين أبي طالب محمّد بن الحسن بن المطهّر الحلّي (ت ٧٧١ هـ) فرغ من نسخه (ظهر يوم الأربعاء ١٦ شعبان سنة ١٠٣٨هـ) في قرية (رقّة) من خراسان مصحّحة ، عليها كلمات نسخ البدل ، عليها بلاغات المقابلة ، عليها حواشٍ بخطّ الناسخ(٢).

رابعاً : الإجازة الروائية :

وهو من أثرىٰ الأبعاد العلمية الأحسائية التي حفلت بالعديد من الإجازات الهامّة والمهمّة نستعرض عدداً من الإجازات الرضوية الأحسائية كعيّنات :

ـ أجازة الشيخ محمّد بن أبي جمهور السيّد محسن بن محمّد الرضوي(٣) :

«بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد الله الذي أنقذنا من حيرة الجهالة ، وضلالة الغواية ، بما هدانا به من معالم طريقي الدراية والرواية ، وعلمنا بهما ما أرشدنا إلىٰ نور الهداية وسبيل الولاية ، وأوضح لنا بالبيّنات ما أوصلنا إلىٰ مساعي ذوي النهاية حتّىٰ صرنا باتّباعهم وولايتهم من المبعدين عن مهاوي الشقاية والعماية ، والصلاة علىٰ نبيّنا

__________

(١) الفهرس الموحّد للمخطوطات الإيرانية (فنخا) ١٨/٨٥٧.

(٢) فهرس مخطوطات مكتبة الإمام الخوئي في النجف الأشرف ١ / ٢٤٣.

(٣) بحار الأنوار ١٠٥/٥.

۳۶

محمّد المخصوص بالمقام المحمود والرعاية ، والحوض المورود في يوم القيامة للسقاية وآله المشهورين بالنصّ والعصمة والوقاية ، وأصحابه الموفين له بالوعود والعهود والحماية ، صلاة دائمة من غير نهاية ولا بداية.

وبعد. فقد سمع منّي مُؤلَّفي هذا ، وهو كتاب غوالي اللآلي العزيزية في الأحاديث الدينية ، من أوّله إلىٰ آخره ، السيّد الحبيب ، النسيب النقيب ، الطاهر العلوي ، الحسيني الرضوي ، خلاصة السادات والأشراف ، ومفخر آل عبد مناف ، ذو النسب الصريح العالي ، والحسب الكامل المتعالي ، المستغني عن الإطناب في الألقاب ، بظهور شمس الفضائل والفواضل والأحساب ، العالم بمعالم فقه آل طه وياسين ، والقائم بمراضي ربّ العالمين ، مكمّل علوم المتقدّمين والمتأخّرين ، وإنسان عين الفضلاء والحكماء والمحقّقين ، والراقي بعلوّ همّته علىٰ معالي السادات الأعظمين ، غياث الإسلام والمسلمين ، السيّد محسن(١) ابن المرحوم المغفور ، السيّد العالم العامل ، الحافظ المجوّد ، صدر الزهّاد وزين العباد ، رضي الملّة والدين محمّد بن ناد شاه الرضوي المشهدي ، أدام الله تعالىٰ معالي سعادته ، وربط بالخلود أطناب دولته ، ولا زالت أيّامه الزاهرة تميس وتختال في حلل البهاء والكمال ، بحقّ محمّد المفضال وآله الأطهار خير آل.

وقد رويت له الكتاب المذكور ، وجميع ما هو فيه مزبور ومسطور ، بطريق السماع منّي حال قراءته عليه ، وهو يسمعه عنّي الذي هو أعلىٰ طرق الرواية ، وأحقّ ما يحصل به الدراية ، وكان سماعه سماع العالم العارف ، وتلقّيه له تلقّي

__________

(١) هو السيّد محسن بن السيّد محمّد الرضوي القمّي المشهدي ، من أجلّة تلاميذة الشيخ محمّد بن أبي جمهور (ت : ٩٣١هـ).

۳۷

الفاهم الواقف علىٰ ما اشتمل عليه من أسرار الروايات الصادرة عن أطايب البريّات النبي والأئمّة البررة الهداة ـ عليه وعليهم أكمل الصلوات وأشرف التحيّات ـ.

وقد سأل وقت سماعه منّي وروايته عنّي عن جميع مشكلاته ، وفحص بذهنه الذكي عن ساير معضلاته ومبهماته ؛ فأجبته عن كلّ ما سأل عنه وفحص عن معناه بجواب شافٍ ، وأوضحت له ما تغطّىٰ عليه بإيضاح حسن وافٍ ، وبيّنت له ما خفي منه ببيان كامل ضافٍ ، وأمليت له علىٰ بعض الأحاديث ... حاشية شافية مختصرة كافية ، من أوّل الكتاب إلىٰ آخره ، موضّحة عن المشكلات ، مبيّنة لساير المعضلات ، جامعة بين ما فيها من المتعارضات ، مشتملة علىٰ محاسن التقريرات ، بما سنح حال الرواية من الفكر المشوّش بالمخاطر المغرقة للخاطر ، في وقت كان لنا بنا عن الاستقصاء قاصر.

وأجزت [له] أن يروي عنّي جميع ما سمعه منّي من الكتاب بما اشتمل عليه من الروايات والحاشية الوافية منها بجميع المبهمات ، وما حوته من حلّ تلك بطريقي إلىٰ من رويت عنه بالأسانيد المذكورة في الكتاب المنتهية إلىٰ الأئمّة السادات الأطياب ، المحبوبين إلىٰ ربّ الأرباب ؛ فليروِ ذلك عنّي إليَّ وسماعه منّي لمن أحبّ وشاء فإنّه أهل لذلك ومستحقّه ، وليكن في ذلك مراعياً لشرايط الرواية عند أهل الرواية ، راعياً له حقّ الرعاية ، محتاطاً متحرّياً لي وله ، ليكون من أهل المعرفة والدراية ، ومن المحامين عن الدين بحسن الوقاية والحماية.

والتمست منه أن لا ينساني ولا يخلوني من دعواته في أوقات خلواته وعقيب صلواته ، ولا ينساني من الذكر الجميل في أغلب حالاته ، ليكون من حمّال العلم ورعاته ، أعانه الله وإيّانا علىٰ العلم والعمل ، وجنّبنا وإيّاه من الخطأ والزلل ـ وهو

۳۸

حسبنا ونعم الوكيل ، ونعم المولىٰ ونعم النصير ـ وكان ذلك في أوقات متفاوتة ، ومجالس متعدّدة متباعدة.

وقع بالاتّفاق القدري آخرها في منتصف شهر ذي القعدة الحرام من أواخر شهور سنة سبع وتسعين وثمان مائة هجرية علىٰ صاحبها السلام والتحية ، بالمشهد المقدّس الرضوي ، حفّت به الألطاف الإلهية ، وعلىٰ مشرّفها أفضل الصلاة والتحية.

وكتب المجيز الفقير إلىٰ الله العفوّ الغفور ، محمّد بن علي بن إبراهيم بن أبي جمهور الأحسائي ـ عفىٰ الله عن سيّئاته ، ووالديه وجميع إخوانه ـ وكنت يومئذٍ مجاوراً في عتبة الإمام الرضا ـ عليه وعلىٰ آبائه وأجداده أفضل الصلوات وأكمل التحيّات ، وصلّىٰ الله علىٰ سيّدنا محمّد وآله وصحبه الأخيار وسلّم تسليماً ـ ويحقّ لي أن أتمثّل بهذين البيتين فإنّهما موافقان لحالي :

لعمر أبيك ما نسب المعلّىٰ

إلىٰ كرم وفي الدنيا كريم

ولكنّ البلاد إذا اقشعرّت

وصوّح نبتها رعي الهشيم»

ـ ومن روائع إجازاته القيّمة ، إجازته للسيّد محمود بن السيّد علاء الدين بن السيّد جلال الدين الطالقاني(١) بعد أن تتلمذ عليه في مدينة مشهد المقدّسة :

«بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي جعل من جملة طرق المسلمين وهداية المؤمنين والوسيلة إلىٰ حبل الله المتين والموصل إلىٰ المنهل المعين سنن المرسلين ، سيّما سنّة سيّد البشر وشافع يوم المحشر محمّد بن عبد الله بن عبد المطّلب بن عبد مناف الصادق

__________

(١) فهرس مصنّفات الشيخ محمّد بن علي بن أبي جمهور : ٢٩٦.

۳۹

المطهّر ، عليه وعلىٰ آله من الصلوات أكملها ، ومن التحيّات أفضلها ، وسنّة آله المطهّرين أهل الوراثة والخلافة من بعده الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.

وبعد ، قد وفّق الله العظيم ذو المنّ الجسيم والفضل العميم صاحب الرياسة والسيادة الذي تسنّم من الشرف علىٰ أعلىٰ معاقده واستعلىٰ من المجد علىٰ أرفع مقاعده ، إنسان شخص الكلام والكمال وإنسان عين الفضائل والإفضال السيّد الأجلّ والكهف الأظلّ ، العالِم العامل والحبْر الهمام الكامل ، مقرّر المعقول والمنقول ، الخائض في بحر الفروع والأصول ، الذي له الأخلاق والسيرة الحسنة المرضية ، فاق بالسهم المعلّىٰ والطالع البهي المجلي ، السيّد الأكمل الأعلم التقي النقي الأروع الأعظم ، الجامع لجوامع الفضائل والشّيم ، شرف الدين محمود ابن السيّد الحسيب النسيب السيّد علاء الدين ابن المرحوم المبرور السيّد جلال الدين الطالقاني مولداً والقاشي محتداً ، أن قرأ عليّ جملة من كتب الأصحاب أصولها وفروعها ، وهي نهاية المرام ، والتهذيب ، ومبادئ الوصول ، والتنقيح ، وإيضاح القواعد ، والقواعد ، والتحرير ، وشرح التجريد من الكلام ، وأمور العامّة من المواقف ، وشرح الطوالع ، للأصفهاني ، والمجلّد الأوّل من الطبرسي ، والخلاف ، والنهاية ، وشرحي النظم ، وكتاب الرجال ، وشرح مفتاح السيّد ، والمطوّل. وهذه للسنّة القويمة والطريقة المستقيمة في ضمن هذا الكتاب ، وهو كتاب اللآلي العزيزية في الأحاديث النبوية والإمامية من تصانيفي ، من أوّلها إلىٰ آخرها ، قراءة تشهد بفضله وغزارة علمه وجودة فهمه وقوّة حزمه.

وقد سأل في خلال قراءته وأوان مباحثته عمّا أشكل واستعضل لديه ، فأجبته بالجواب الوافي والكشف اللائح الشافي ، مع قصر باعي وقلّة متاعي ، وقد أجزت

۴۰

للسيّد المذكور ـ دام ظلّه ـ رواية ما ذكرت من الكتب وهذه السنّة عنّي عن شيخي ، عن مشايخي رضوان الله عليهم ، عن أئمّة الهدىٰ ، عن النبي المصطفىٰ عليهم الصلاة والسلام ، عن جبرئيل ، عن ربّ السماء.

فليروِ ذلك لمن شاء وأحبّ ، محتاطاً مُتحرّياً لي وله علىٰ الشرائط المعتبرة عند أهل الرواية ، فإنّه أهل لذلك ومستحقّه ، فاشترطت عليه ـ زيد عمره ـ أن لا ينساني في خلواته وعقيب صلواته من الدعاء الصالح للأُولىٰ والعُقبىٰ ، وأن يلاحظ ما أوصيه به من رعاية العلم وحامليه.

وعليك برعاية العِلم والقيام بخدمته ، وإيّاك وتدنّسه بالطمع والخرق فتهلك بذلك حرمته ، كما قال بعض العارفين : العلم من شرطه لمن خدمه أن يجعل الناس كلّهم خدمه ، وأوجب صونه عليه كما يصون من عاش عِرضه ودمه ، فصُنه يا أخي كلّ الصيانة ، وأقِم جاهه من الاجتهاد في الديانة.

وعليك بالجدّ في طلبه وتحصيله ، ولا تملّ من السؤال عنه لتكميله ، فقد روي عنه صلّىٰ الله عليه وآله وسلّم أنّه قال : (لو علم الناس ما في العلم لطلبوه ولو بسفك المهج).

وقال أيضاً : (طلب العلم فريضة علىٰ كلّ مسلم ومسلمة).

وقال أيضاً : (اطلبوا العلم ولو بالصين).

وقال أيضاً : (يا علي ، من لا يعلم ، خرج إذا سأل عمّا لا يعلم).

وإيّاك وكتمان العلم ومنعه من المتعلّمين ، فقد قال الله تعالىٰ : ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَه(١).

__________

(١) سورة آل عمران : الآية ١٨٧.

۴۱

وقال رسول الله صلّىٰ الله عليه وآله وسلم : (إذا ظهرت البِدَع في أمّتي فليظهر العالم علمه ، فمن لم يفعل فعليه لعنة الله).

وقال أيضاً : (من كتم علماً نافعاً ألجمه الله بِلِجام من نار).

وقال علي عليه‌السلام : (ما أخذ الله علىٰ الجهّال أن يتعلّموا حتّىٰ أخذ علىٰ العلماء أن يعلِّموا).

وإيّاك أن تبذله في محلّ المنع ، وإنّه عند الكلّ مذموم ، قال سيّد البشر صلّىٰ الله عليه وآله وسلم : (لا تُؤتُوا الحِكمة غير أهلها فتظلموها).

وقال أيضاً : (لا تُلقوا الدرّ بأفواه الكِلاب).

وقال بعض أهل الفحص [الطويل] :

ومن منح الجهال علماً أضاعه

ومن منع المستوجبين فقد ظلم

وعليك بكثرة الدرس والمُذاكرة ، فإنّ العلم ميّت وإحياؤه الدرس ، والدرس ميّت وإحياؤه المُذاكرة. قال جعفر بن محمّد الصادق عليه‌السلام : (تلاقوا وتحادثوا وتذاكروا ، فإنّ في المذاكرة إحياء أمرنا ، رحم الله أمْرأً أحيا أمرنا).

وعليك بالحفظ والتذكار فإن خير العلم ما حواه الصدر. قال بعضهم [البسيط] :

إنّي لأكره علماً لا يكون معي

إذا خلوت به في جوف حمّام

فكن في جميع الأحوال مراعياً له مُقبلاً عليه ، فإنّ آفة العلم النسيان ، ولا تتّكل علىٰ جمعه في الكتب ، فإنّه موكّل ضايع ، كما قيل [البسيط] :

لا تفرحنّ بجمع العلم في كتب

فإنّ للكتب آفات تفرّقها

النار تحرقها والماء يغرقها

واللبث يمزقها واللصّ يسرقها

وإذا أنعم الله عليك بتلك النعمة الجليلة واقتناء تلك الفضيلة ، حافظ معها

۴۲

علىٰ تقوىٰ الله وترك محارمه ، لأنّ ارتكاب معاصيه موجبة لزوال النعم ، كما قيل :

إذا كنت في نعمة فارْعَهَا

فإنّ المعاصي تزيل النعم

وداوم عليها بشكر الإله

فإنّ الإله شديد النِّقم

وقال النبي صلّىٰ الله عليه وآله وسلم : (أدِم الطهارة يدم عليك الرزق).

وأوصيك بما يتعلّق بأستاذك ومعلّمك ، وهو أن تعلم أوّلاً أنّه دليلك وهاديك ومرشدك وناديك ، بل هو القائم بإصلاحك والساعي بهدايتك وصلاحك ، والذي كدّ نفسه في دلالتك إلىٰ الطريق حتّىٰ عرفت مسلك الحقّ بالتحقيق ، وصرت من أهل الهداية والتوفيق ، فهو الأب الحقيقي والمربّي المعنوي والمنُعِم الثاني ، فقم بحقّه كلّ القيام ، ونوِّه بذكره بين الأنام ، وأكثر في احترامه الاهتمام ، تسلم من العقوق الذي هو من الجرائم العظام.

وكُن مطيعاً لأمره ونهيه ، لما قال سيّد العالمين : (من علّم شخصاً مسألة ملك رقّه ، فقيل له : أبيعه؟ قال : لا ، ولكن يأمره وينهاه).

واستفتِه منه ، فإنّه مأمور بأمره منهي بنهيه ، وقد ورد برعاية حقوق الشيخ وعدّها ، وهي إذا دخلت مجلسه فقم بالسلام ، وخُصّه بالتحية والإكرام ، وتجلس أين انتهىٰ بك المجلس ، وتحتشم مجلسه ، فلا تشاور فيه أحداً ، ولا ترفع صوتك علىٰ صوته ، ولا تغتب أحداً بحضرته. ومتىٰ سُئِل عن شيء فلا تجِب أنت حتّىٰ يكون هو الذي يجيب ، وتقبل عليه وتُصغي إلىٰ قوله وتعتقد صحّته ، ولا تردّ قوله ، ولا تكرّر السؤال عند ضجره ، ولا تُصاحب له عدوّاً ، ولا تعادي له وليّاً ، وإذا سألته عن شيء فلم يجبْك فلا تعيد السؤال ، وتعوده إذا مرض ، وتسأل عن خبره إذا غاب ، وتشهد جنازته إذا مات.

فإذا فعلت ، علم الله أنّك إنّما قصدته لتستفيد منه تقرّباً إلىٰ الله وطلباً لمرضاته ،

۴۳

وإذا لم تفعل ذلك كنت حقيقاً أن يسلبك الله العِلم وبهاءه.

وهذه وصيّتي إليك والله وكيلي عليك ، وهو حسبي ونعم الوكيل. كتبه المجيز الفقير إلىٰ الله الغني محمّد بن علي بن إبراهيم بن أبي جمهور الأحساوي».

ـ كما من الإجازات المشهدية إجازة الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي للسيّد محمّد تقي بن مير عبد الحي المشهدي الكاشاني(١).

وفي هذه البقعة المباركة أجاز السيّد الجليل الشهيد الثالث ـ المجاور بالمشهد الرضوي ـ الميرزا محمّد مهدي الحسيني الموسوي الأصفهاني (ت ١٢١٨هـ) ، الشيخ عبد المحسن اللويمي (ت١٢٤٥هـ) ، في مشهد الرضا عليه‌السلام.

ـ كما كتب الشيخ عبد المحسن بن الشيخ محمّد اللويمي الأحسائي السيرجاني إجازة مبسوطة لعدد من تلاميذه ووقوفهم عنده في طريق زيارتهم للإمام الرضا عليه‌السلام وهم :

١ـ الشيخ أحمد بن الحاجّ محمّد مال الله الصفّار الخطّي الأحسائي.

٢ـ الشيخ سليمان بن الشيخ أحمد الحسين آل عبد الجبّار القطيفي (ت ١٢٦٦هـ).

٣ـ الشيخ عبد الحسين بن الشيخ ناصر الأحسائي القاري.

٤ـ الشيخ علي بن الشيخ عبد المحسن اللويمي.

٥ـ الشيخ علي بن الشيخ مبارك آل حميدان الخطّي الجارودي (ت ١٢٦٦هـ).

٦ـ الشيخ محمّد بن مشاري الجفري الأحسائي.

__________

(١) مستجيزين ومجازين أز شيخ أحمد أحسائي (١١٦٦ـ١٢٤١هـ) : ٢٢٧.

۴۴

وقد جمعهم في إجازة واحدة جاء فيها(١) :

أوّل الإجازة محذوف بحسب منتظم الدرّين ، إلىٰ أن يقول :

«فضممتهم إلىٰ جناحي ، ورضعتهم بالعلم صباحي ورواحي ، فنالوا حظّاً وافراً من المعقول ونصيباً من المنقول.

الشيخ الأواه والأخ في الله الجليل النبيل التقي النقي أحمد بن الموفّق المسدّد الحاجّ محمّد بن مال الله الخطّي.

والعالم العامل الفاضل ، والنجم الزاهر عبد الحسين بن المرحوم المبرور ناصر الأحسائي القاري.

والشيخ العالم والعامل الفاضل الأمجد محمّد بن مشاري الجفري.

والولد السارّ البارّ مهجة القلب ، وقرّة العين علي بن عبد المحسن ، أحسن الله له الحال بمحمّد وآله.

والشيخ الفاضل الموفّق إن شاء الله للعلم والعمل الشيخ سليمان بن الشيخ أحمد بن الشيخ حسين بن عبد الجبّار.

والموفّق للسداد والرشاد عمدة علماء هذا الزمان الشيخ علي بن العالم الفاضل المحدّث الشيخ مبارك بن علي آل حميدان القطيفي مدّ الله له في العمر السعيد والعيش الرغيد.

وأفادوا أكثر ممّا استفادوا ، بحيث ظهر جدّهم واجتهادهم وقابليّتهم واستعدادهم ، وإعراضهم عن مزخرفات الأهواء ، وتمسّكهم بالسبب الأقوىٰ واختيارهم ما هو أقرب للتقوىٰ ، وأهليّتهم لنقل الحديث وروايته بل نقده

__________

(١) أعلام هجر ٢ / ٤٦٨.

۴۵

ودرايته ...

[إلىٰ أن قال :] فمن ذلك ما أخبرني به عدّة من الأفاضل الكرام وجماعة من العلماء الأعلام ، ممّن قرأتُ عليهم أو سمعتُ منهم أو استجزتُ منهم.

منهم شيخنا المبرور المحبور خدين الولدان والحور ، الشيخ حسين بن الشيخ محمّد بن الشيخ أحمد بن الشيخ إبراهيم بن عصفور ، عن والده ، وعن عمّيه الشيخ يوسف ، والشيخ عبد علي ...).

ومن مشائخي الأعلام من أجاز لي الرواية في سنة (١٢٠٩) : السيّد الميرزا محمّد مهدي الموسوي الشهرستاني بحقّ روايته عن الشيخ يوسف صاحب الحدائق.

ومن مشائخي المقدّسين الشيخ أحمد ابن الشيخ حسن بن محمّد بن علي بن خلف بن إبراهيم بن ضيف الله البحراني الحويصي الدمستاني ، وهو أوّل من أجاز لي الرواية ، وقد اجتمعت معه في رجوعي من مكّة المشرّفة بـ : (غرّة محرّم الحرام سنة ١٢٠٥هـ).

ومن مشائخي الشيخ محمّد بن علي بن إبراهيم بن عيثان الأحسائي عن مشائخ الشيخ حسين العلّامة.

ومنهم السيّد الجليل الشهيد الثالث ـ المجاور بالمشهد الرضوي الميرزا محمّد مهدي الحسيني الموسوي الإصفهاني.

ومنهم الفاضل الجليل النبيل الشيخ جعفر الصادق ـ المجاور بالنجف ـ بحقّ روايته عن السيّد محمّد مهدي الطباطبائي.

ومنهم الملّا محمّد علي ابن الآقا محمّد باقر البهبهاني الساكن بـ : (كرمانشاه).

[إلىٰ أن قال في آخرها :] فليروِ عنّي جميع ما يجوز لي روايته ممّا قرأته أو سمعته

۴۶

أو أجيز لي روايته أو كتب به إليّ أو وجدته ، أو صنّفته من كتب أو نظمته من شعر أو أنشأته من خطبة أو رسالة أو فصل وعظي.

[إلىٰ أن قال :] وممّا استفدته في النحو شرح العوامل الجرجانية ، وشرح الرسالة الآجرومية ، وكفاية الطلّاب المودعة بدائع الإعراب ، نظماً وشرحاً ، وفي التجويد لعلم القراءة رسالة مغنية عن جميع ما ذكره علماء التجويد في مؤلّفاتهم متفرّقاً ، والتحفة في تعزية أهل العصمة ، والرسائل الثلاث في الصلاة ، والصغيرة والوسطىٰ والكبيرة ، ووفاة النبي يحيىٰ عليه‌السلام ، ووفاة الإمام الكاظم عليه‌السلام ، ووفاة الإمام الحسن عليه‌السلام ، وجامع الأصول عن أهل الأصول ، والنهج القويم والصراط المستقيم ـ أسأل الله التوفيق لإتمامه ـ فقد برز منه مجلّد في الأصولين ، ومجلّد في الصلاة ، ورسالتان في معرفة أحوال الرجال من الرواة الذين لم يعرف لهم حال ... وله أيضاً إجازته الكبرىٰ التي اقتبسنا منها ما تقدّم ، وأربعين حديثاً»(١).

خامساً : المناظرات العلمية :

رغم أنّ المصادر لا تخدم في العديد من المناظرات العلمية وما خلّفته من أثر علمي ، ولكن تركت لنا واحدة من أعظم المناظرات العلمية الأحسائية كان بطلها شيخنا الأحسائي محمّد بن علي ابن أبي جمهور ، وهي مناظرة حقيقة جديرة بالدراسة والتحليل وتشخيص الفنّ وأصوله المبني علىٰ الاحترام للطرف الآخر وأن اختلفت معه في الرأي والفكر والمنهج ، وقد تجلّت خلالها شخصيّة ابن أبي جمهور من قوّة الحجّة ، وحضور المعلومة ، وسرعة البداهة ، والتأثّر من المنهج الفلسفي في الجدل وتطبيق قواعده العلمية والمنطقية ، وقد عرفت في الأوساط

__________

(١) منتظم الدرّين في تراجم علماء وأدباء الأحساء والقطيف والبحرين ٣ / ١١.

۴۷

العلمية بـ : (مناظرة الغروي والهروي) ، وقد جرت بينه وبين أحد علماء هراة(١) يعرف بـ : (الفاضل الهروي) ، وقد جرت المناظرة بمدينة مشهد المقدّسة (٨٧٨هـ) وعمره حينها أربعون سنة ، في الحقبة التي كان ابن أبي جمهور مجاوراً :

يقول الشيخ ابن أبي جمهور عليه الرحمة ، وهو يحكي قصّة المناظرة ، والتي نورد شطراً يسيراً منها من أماكن متفرّقة علىٰ لسانه دون الخوض في المجادلات العميقة والمطوّلة لخروجها عن هدف المقال والغرض منه ، وقد جرت أحداثها في ثلاثة مجالس ، وهي طويلة تقع في (٨٠) صفحة(٢) :

«سألتني أطال الله بقاءك عمّا كان بيني وبين الهروي في بلاد خراسان من المجادلات في المذهب وما ألزمته به من الحجج.

فاعلم أنّي كنت في سنة ثمان وسبعين وثمانمائة مجاوراً بمشهد الرضا عليه السلام ، وكان منزلي بمنزل السيّد الأجلّ والكهف الأظلّ السيّد محسن بن محمّد الرضوي القمّي ، وكان من أعيان المشهد وسراتهم بارزاً علىٰ أقرانه بالعلم والعمل ، وكان هو وجماعة يشتغلون معي في علم الكلام والفقه.

فأقمنا علىٰ ذلك مدّة ، فورد علينا من الهراة خال السيّد محسن ، وكان مهاجراً فيها لتحصيل العلم فقال : إنّ السبب في ورودي عليكم ما ظهر عندنا في الهراة من شهرة هذا الشيخ الغروي المجاور في المشهد وظهور فضله في العلم والأدب فقدمت لأستفيد من علومه وخلفي رجل من أهل (كيش ومكران) كان من مدّة عشرين سنة متوطّناً في الهراة مصاحباً لعلمائها يطلب فنون العلم ، وقد صار الآن

__________

(١) هي مدينة أفغانية في محافظة هراة الأفغانية تقع غربي أفغانستان يمرّ بها نهر هریرود.

(٢) مناظرة الغروي والهروي ، ومجادلتها في أمر الخلافة حال اجتماعهما بمشهد الإمام علي الرضا عليه‌السلام.

۴۸

مبرّزاً في كثير من الفنون كالصرف والنحو والمنطق والمعاني والبيان وعلم الكلام والأصول والفقه وغير ذلك ، وهو عامّي المذهب ، وله مجادلات مع أهل المذاهب وقوّة إلزام للخصوم في الجدل ، وقد سمع بذكر هذا الشيخ الغروي فجاء بقصد زيارة الإمام الرضا عليه‌السلام وقصد ملاقاة هذا الشيخ للجدال معه ، وها هو علىٰ الأثر يقدم غداً أو بعد غدٍ فما أنتم قائلون؟

فذاكرني السيّد بما قاله خاله مستطلعاً رأيي في ذلك وقال : إذا قدم هذا الرجل فلابدّ أن يكون ضيفاً لنا ، لأنّه جاء مع خالي وخالي ضيف ، ولا يحسن منّا أن نضيّف أحد المتصاحبين ونترك الآخر ، وإذا وجد في الضيافة التقىٰ معك وتحصل المجادلة بينكما ، لأنّه ما أتىٰ ألّا لهذا الغرض ، فما أنت قائل؟ أتحبّ ملاقاته أم لا ، فنحتال عليه ونردّه عنّا؟

فقلت للسيّد إنّي أستعين بالله عليه وأرغب في جداله ، وأرجو أن يغلبه الحقّ بفرجه ويقهره بنوره ، فإنّ الحقّ لا يغلب ، فقال السيّد : ذلك الذي نرغبه ونودّه.

فلمّا كان بعد يوم من قدوم خال السيّد جاء الهروي إلىٰ المدرسة ، فعلم السيّد وخاله بوصوله فذهبا إليه وجاءا به إلىٰ المنزل وعمل له السيّد وليمة دعا إليها كافّة طلبة العلم وجماعة من الأشراف والسادات ، فحصلت بيني وبينه الملاقاة في منزل السيّد وجرت بيننا المجادلة في ثلاثة مجالس ، وها أنا أذكرها علىٰ الترتيب كما وقعت :

المجلس الأوّل :

في منزل السيّد يوم الضيافة بحضور الطلبة والأشراف فكان أوّل ما تكلّم به معي بعد التحية أن قال :

ما اسمك أيّها الشيخ؟ فقلت : محمّد.

فقال : من أيّ بلاد العرب؟ فقلت : من بلاد هجر المشهورة بالأحساء بلاد

۴۹

العلم والدين.

فقال : وما مذهبك؟

فقلت : تسألني عن مذهبي في الأصول أم الفروع؟

فقال : عن كليهما. فقلت : أمّا مذهبي في الأصول فما قام لي عليه الدليل وصحّ عندي بالبرهان ، وأمّا الفروع : فلي فقه منسوب لأهل البيت عليهم السلام.

فقال : إذن أنت إمامي المذهب. فقلت : نعم.

فقال : إنّ الإمامية يقولون : إنّ علي بن أبي طالب إمام بعد رسول الله بلا فصل فقلت : نعم وأنا كذلك أقول.

فقال : أقِم البيّنة علىٰ هذه الدعوىٰ. فقلت : أنا لا أحتاج إلىٰ بينة ولا دليل علىٰ هذه الدعوىٰ.

فقال : ولِمَ؟ فقلت : لأنّك لا تنكر إمامة علي أصلاً فأنا وأنت متّفقان علىٰ إمامته ولا نزاع بيننا حتّىٰ أحتاج البيّنة ، ولكن أنت تدّعي الواسطة بين الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآلهوبين وصيّه علي عليه‌السلام ، وأنا أنفي الواسطة ، فأنا نافٍ وأنت مثبت ، والدليل أنّما يطلب من المثبت لا من النافي ، فإقامة الدليل عليك أيّها الشيخ الفاضل لا علي ، اللّهمّ إلّا أن تنكر إمامة علي أصلاً ورأساً فتخرق الإجماع ، ويلزمني حينئذٍ إقامة الدليل.

فقال : أعوذ بالله أنا لا أنكر إمامته ، ولكن أقول : إنّه الرابع بعد ثلاثة قبله.

فقلت : إذن أنت المحتاج إلىٰ إقامة الدليل علىٰ صحّة دعواك ، لأنّي لا أوافقك علىٰ إثبات هذه الوسائط التي تدّعيها ، فضحك الأشراف والحاضرون من الطلبة وقالوا : إنّ الغروي لمصيب والحقّ أحقّ بالاتّباع ؛ لأنّك أنت المدّعي وهو المنكر ،

۵۰

فأقِم الدليل علىٰ مدّعاك ، لأنّ البيّنة علىٰ المدّعي.

فلمّا لزمته الحجّة قال : الأدلّة علىٰ مدّعاي كثيرة.

فقلت : لا أريد منك إلّا دليلاً واحداً ...

ولمّا وصلنا في المجادلة إلىٰ هذا الحدّ حضرت المائدة فانقطعت بحضورها المجادلة ، وبعد أن شرعنا في الأكل عرضت لي فكرة الحديث المروي عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله : «من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية».

فقلت للشيخ الهروي : يا ملّا إجازة ، نعم ، فقلت : ما تقول في الحديث المروي عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآلهأهو صحيح أم لا؟ وذكرت له الحديث ، فقال : بل صحيح متّفق علىٰ صحّته.

فقلت : فمن إمامك إذن؟

فقال : ليس الحديث علىٰ ظاهره ، بل المراد بالإمام القرآن وتقديره من مات ولم يعرف إمام زمانه الذي هو القرآن مات ميتة جاهلية.

فقلت : إذن يلزم أن يكون تعلّم القرآن واجباً عينيّاً علىٰ كلّ مكلّف وذلك لم يقل به أحد ، ولو كان الأمر كذلك لكان أغلب المسلمين يموتون علىٰ الجاهلية.

فقال : ليس القرآن كلّه ، بل الفاتحة وسورة ، لأنّهما شرط في صحّة الصلاة فهما واجبتان علينا بالإجماع فمن جهلهما يكون جاهليّاً.

فقلت : إنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآلهأضاف الإمام إلىٰ الزمان فقال : (من مات ولم يعرف إمام زمانه) فتخصيص الإمام بالزمان دليل علىٰ اختصاص أهل كلّ زمان بإمام يجب عليهم معرفته ، ومع القول بأنّ الفاتحة وسورة لا فائدة في هذا التخصّص حينئذٍ ، فلا يكون هذا التأويل مطابقاً لمعنىٰ الحديث.

فقال بعض الأشراف وجماعة الحاضرين من الطلبة : صدق الشيخ ، إنّ هذه

۵۱

الإضافة في هذا الحديث تقتضي تخصيص أهل زمان بإمام تجب عليهم معرفته ، ومن مات قبل معرفته مات جاهليّاً والتأويل بالفاتحة وسورة ينافي ذلك ، لأنّهما واجبتان علىٰ أهل كلّ زمان.

فانقطع الهروي ، ثمّ رجع فقال : أنا وأنت في الإمامة سواء في هذا الزمان ، وكلّ منّا لا إمام له.

فقلت : حاشا لله ليس الأمر كما زعمت ، بل أنا لي إمام في زماني هذا أعتقد إمامته وأعرفه حقّ معرفته وقامت لي الأدلّة علىٰ ذلك ، وأنت لست كذلك فيما أنا وأنت سواء.

فقال : إنّ إمامك الذي تعتقده لا تشاهده ولا تعرف مكانه ، ولا تنتفع به في دينك ، ولا تأخذ عنه فتاويك ، فكان الأمر فيّ وفيك سواء.

قلت : كلّا إنّ الحديث لم يتضمّن وجوب معرفة مكان الإمام ولا وجوب أخذ الفتاوىٰ عنه شخصيّاً ، إنّما تضمّن وجوب معرفته وأنا بحمد الله قد عرفته ، وقامت لي الأدلّة القاطعة علىٰ وجوده ووجوب إمامته واتّباعه ، وأنا أرجو في وقت ظهوره ملاقاته لي ولسائر الأمّة ، هذا الذي وجب عليّ بمقتضىٰ الحديث ، لأنّه لم يقُل من لم يأخذ الفتاوىٰ عن إمام زمانه ولا قال : من لم يعرف مكان إمام زمانه ، وأنا والحمد الله قد عرفته وأنت تعتقد أنّه لا إمام لك ، وأنّ الزمان الذي أنت فيه خالٍ عن الإمام ، فأنت لا تعرف إمامك أصلاً ، وأنا أعرف أنّ لي إماماً ، فكيف تقول أنا وأنت سواء ولسنا بمتساويين؟

فقال : أنا في طلبه وتحصيلي معرفته ، وقد ذكر لي أنّ في اليمن رجلاً يدّعي الإمامة وأنا أريد الوصول إليه لأعرفه وأتّبعه إن كانت دعواه صحيحة.

فقلت له : إذن أنت لا إمام لك فأنت جاهلي ولا يصحّ لك أن تتّبع هذا

۵۲

المدّعي إلّا أن تترك مذهبك وترجع إلىٰ غيره ، لأنّ هذا المدّعي ليس من أهل السنّة ، بل هو من الزيدية ، فإن كنت من الزيدية صحّ لك ذلك ، وإن كنت من أهل السنّة فأهل السنّة لا يعتقدون وجود الإمام في كلّ وقت ولا يوجبون وجوده علىٰ كلّ حال ، فسكت ولم يردّ جواباً ، وفرغ الحاضرون من الأكل ورفعت المائدة وودّعنا الحاضرون وتفرّقوا وخرج الهروي في جملتهم.

المجلس الثاني :

كان يوم العيد العاشر من ذي الحجّة فاتّفق أنّ السيّد محسن ـ أدام الله أيّامه ـ خرج من المنزل وكنت معه بقصد زيارة الإمام الرضا عليه‌السلام وزيارة الإخوان في ذلك اليوم الشريف ، فجئنا وزرنا الإمام الرضا عليه‌السلام ، وبعد الفراغ من زيارته دخلنا مدرسة السلطان شاهرخ التي هي مجاورة للحضرة الشريفة وكان فيها جماعة من الطلبة ساكنون ، فقصدناهم إليها للسلام عليهم ومعايدتهم ، فدخلنا وكان رجل مدرّس اسمه الملّا غانم فوجدناه جالساً في المدرسة ومعه جماعة من أهل العلم وغيرهم من عوامّ أهل مشهد وغيرهم ووجدنا الملّا الهروي معهم ، فسلّمنا علىٰ الحاضرين وعلىٰ الهروي وجلسنا معهم ، فخاضوا في الأحاديث والحكايات والمذكرات في العلم فجرىٰ بينهم أشياء كثيرة ..».

نكتفي بهذا القدر من المناظرة لتحقيق غرضنا منها ، والتي ضمّت شطراً من المجلس الأوّل ، وبداية الحديث في المجلس الثاني ، ونحيل بالرجوع إلىٰ المناظرة لمن أراد التفصيل والاستزادة.

خاتمة :

في الاستعراض السريع تناولنا صوراً ونماذج من العلاقة العلمية بين الأحسائيّين ومدينة مشهد الرضا عليه‌السلام ، ممّا يكشف عن الارتباط الديني والنفسي

۵۳

بهذا الإمام ومرقده الشريف ، وإنّ العلاقة اتّخذت أشكالاً مختلفة كشفنا جزءاً منها ، والخلاصة التي ننتهي إليها :

١ـ قدم الهجرة الأحسائية والمجاورة لمرقد الإمام الرضا عليه‌السلام ، وعلىٰ أقلّ تقدير منذ القرن التاسع الهجري.

٢ـ تعدد الإسهام الأحسائي بحيث تناول جميع المجالات العلمية.

٣ـ إنّ الهجرة الأحسائية وتنوّعها بحاجة إلىٰ مزيد بحث وتتبّع لما تركته من أثر في أرض الهجرة ولم يكن وجودهم عالة علىٰ البيئة الجديدة.

۵۴

۵۵

۵۶

۵۷

۵۸

المصادر

القرآن الكريم.

١ ـ الإجازة الكبيرة إلىٰ الشيخ ناصر الجارودي القطيفي : الشيخ عبد الله بن صالح السماهيجي البحراني ، تحقيق : الشيخ مهدي العوازم القطيفي ، مطبعة علمية : قم المقدّسة ، الطبعة الأولىٰ : ١٤١٩هـ.

٢ ـ إحياء الداثر من مآثر من القرن العاشر : محمّد محسن المدعو آقا بزرك الطهراني ، تحقيق وتعليق : د. محمّد كاظم رحمتي ، موقوفه ها : قم ، الطبعة الأولى : ١٣٩٥هـ.ش.

٣ ـ أعلام الأحساء في العلم والأدب من الماضين في سبعة قرون ، ابتداء من عام ٨٠٠هـ : (د.ن) ، جواد بن حسين آل رمضان ، الطبعة الأولى : ١٤٢٢هـ / ٢٠٠١م.

٤ ـ بحار الأنوار : الشيخ محمد باقر المجلسي ، مؤسّسة أهل البيت عليهم‌السلام : بيروت ، الطبعة الأولى : ١٤١٠هـ ـ ١٩٩٠م.

٥ ـ التراث العربي المخطوط في مكتبات إيران العامّة : السيّد أحمد الحسيني ، الناشر دليل ما : قم المقدّسة ، الطبعة الأولى : ١٤٣١هـ ـ ٢٠١٠م.

٦ ـ تنزيه الأنبياء والأئمّة عليهم‌السلام : السيّد علي بن الحسين المرتضىٰ ، تحقيق : فارس حسون كريم ، بوستان كتاب : قم ، الطبعة الأولى : ١٤١٨هـ.

٧ ـ تهذيب الوصول إلىٰ علم الأصول : العلّامة الحلّي ، جمال الدين أبي منصور الحسن بن يوسف بن مطهّر (٦٤٨ـ٧٢٦هـ) ، تحقيق : السيّد محمّد حسين الرضوي الكشميري ، منشورات مكتبة الإمام علي : لندن ، الطبعة الأولى : ١٤٢١هـ ـ ٢٠٠١م.

٨ ـ شمس الشموس : أستاذ المراجع آية الله العظمىٰ الشيخ محمّد آل عيثان الأحسائي : أحمد عبد المحسن البدر ، دار المحجّة البيضاء : بيروت ، الطبعة الأولى : ١٤٣٢هـ ـ ٢٠١١م.

۵۹

٩ ـ عوالي اللئالي العزيزية في الأحاديث الدينية : الشيخ محمّد بن علي بن إبراهيم بن أبي جمهور الأحسائي ، مطبعة سيّد الشهداء : قم المقدّسة ، الطبعة الأولى : ١٤٠٣هـ ـ ١٩٨٣م.

١٠ ـ فهرس (دنا) : مصطفىٰ درايتي ، مكتبة موزة ومركز اسناد مركز شورىٰ إسلامي : مشهد ، الطبعة الأولى : ١٣٨٩هـ. ش.

١١ ـ الفهرس الموحّد للمخطوطات الإيرانية (فنخا) : إعداد : مصطفىٰ الدرايتي ، نشر سازمان اسناد وكتابخانه ملّي جمهوري إسلامي : قم ، الطبعة الأولى : ١٣٩٠هـ. ش.

١٢ ـ فهرس مختصر للمخطوطات في مجلس الشورىٰ الإسلامي : السيّد محمّد الطباطبائي البهبهاني ، كتابخانة موزة ومجلس الشورى : طهران ، الطبعة الأولى : ١٣٨٦هـ. ش.

١٣ ـ فهرس مخطوطات المكتبة الوطنية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية : السيّد عبد الله أنوار ، المكتبة الوطنية : طهران ، الطبعة الأولى : ١٣٦٥هـ. ش.

١٤ ـ فهرس مخطوطات مركز إحياء التراث الإسلامي : السيّد جعفر والسيّد صادق الحسيني الأشكوري ، نشر مركز إحياء التراث الإسلامي : قم ، الطبعة الأولى : ١٣٨٣ش ـ ١٤٢٦هـ.

١٥ ـ فهرس مخطوطات مكتبة العتبة العبّاسية : السيّد حسن الموسوي البروجردي ، مكتبة مخطوطات العتبة العبّاسية المقدّسة : كربلاء ، الطبعة الأولىٰ : ١٤٣١هـ ـ ٢٠١٠م.

١٦ ـ فهرس مخطوطات مكتبة جامعة طهران : حسن ره آورد ، مكتبة جامعة طهران : طهران ، الطبعة الأولىٰ : ١٣٣٣هـ. ش.

١٧ ـ فهرس مصنّفات الشيخ محمّد بن علي بن أبي جمهور الأحسائي ، كشف ببليوغرافي لمصنّفات ابن أبي جمهور المخطوطة والمطبوعة وإجازاته في الرواية وطرقه في الحديث : عبد الله غفراني ، جمعية ابن أبي جمهور الأحسائي لإحياء التراث ، دار المحجّة البيضاء : بيروت ، الطبعة الأولىٰ : ١٤٣٤هـ ـ ٢٠١٣م.

١٨ ـ فهرست كتاب خطّي كتابخانه مركز يو مركز اسناد آستان قدس رضوي : محمّد وفادار مرادي ، كتابخانه مركزي ومركز اسناد آستان قدس رضوي : مشهد ، الطبعة الأولى : ١٣٨٠هـ.

١٩ ـ فهرست كتاب خطّي كتابخانه مركزي ومركز اسناد آستان قدس رضوي : براتعلي غلامي

۶۰

مقدّم ، كتابخانه مركزي ومركز اسناد آستان قدس رضوي ، مشهد ، الطبعة الأولىٰ : ١٣٨١هـ.

٢٠ ـ كشف البراهين في شرح رسالة زاد المسافرين : الشيخ محمّد بن أبي جمهور الأحسائي ، تحقيق : الشيخ وجيه بن محمّد المسبح ، مؤسّسة أمّ القرىٰ للتحقيق والنشر : بيروت ، الطبعة الأولىٰ : ١٤٢٢هـ.

٢١ ـ مُجلي مرآة المنجي في الكلام والحكمتين والتصوّف : الشيخ محمّد بن علي بن أبي جمهور الأحسائي ، تحقيق : رضا يحيىٰ بور فارمد ، جمعية ابن أبي جمهور الأحسائي لإحياء التراث ، دار المحجّة البيضاء ـ بيروت ، الطبعة الأولىٰ : ١٤٣٤هـ ـ ٢٠١٣م.

٢٢ ـ مخطوطات الحديث النبوي الشريف وعلومه في دار صدّام للمخطوطات ، ناصر النقشبندي ، وزارة الثقافة والإعلام ، دائرة الآثار والتراث : بغداد ، الطبعة الأولى : ١٩٨٨م.

٢٣ ـ مصادر الحديث والرجال مسرد ببليو غرافي لعشرة من أهمّ مصادر الحديث الرجال عند الشيعة الإمامية ، السيّد أحمد الحسيني ، منشورات دليل ما : قم ، الطبعة الأولى : ١٤٣٢هـ ـ ٢٠١١م.

٢٤ ـ مصفّىٰ المقال في مصنّفي علم الرجال : آقا بزرك الطهراني. دار العلوم : بيروت. الطبعة الثانية : ١٤٠٨هـ ـ ١٩٨٨م.

٢٥ ـ معجم المؤلّفات الشيعية في الجزيرة العربية : حبيب آل جميع ، مؤسّسة البقيع لإحياء التراث : بيروت ، الطبعة الأولىٰ : ١٤٠٧هـ ـ ١٩٩٧م.

٢٦ ـ مناظرة الغروي والهروي ، ومجادلتها في أمر الخلافة حال اجتماعهما بمشهد الإمام علي الرضا عليه‌السلام : إدارة خيابان المجيدية : تبريز ، الطبعة الأولى : ١٣٣١هـ.

٢٧ ـ منتظم الدرّين في تراجم علماء وأدباء الأحساء والقطيف والبحرين : محمّد علي بن أحمد التاجر ، تحقيق : الشيخ ضياء بدر آل سنبل ، مؤسّسة طيبة لإحياء التراث : قم ، الطبعة الأولى : ١٤٣٠هـ.

المجلات :

ـ مجلّة الموسم (العدد ٩ـ١٠) عام ١٩٩١م ـ ١٤١١هـ ، ذكرىٰ الشيخ ميرزا محسن العباد الفضلي الأحسائي ، مقال الدكتور : عبد الهادي الفضلي.

۶۱

تاريخ الحوزات العلمية والمدارس الدينية عند الشيعة الإمامية

(تاريخ الحوزة العلمية في الري)

(٣)

الشيخ عدنان فرحان القاسم

لقد تناولنا في القسم الأوّل والثاني من مقالتنا هذه نشوء مدينة الري وأهمّيّتها الجغرافية والسياسية والعلمية ، ودخول الإسلام لها والعوامل التي أدّت إلىٰ انتشار التشيّع فيها ، ودور السيّد عبد العظيم الحسني ، وأدوار حوزة الري العلمية ، وأهمّ والشخصيّات والأسر العلمية فيها ، ونستأنف البحث هنا ...

الدور الثالث

الانبعاث والتأسيس المجدّد من قيام الدولة الصفوية إلىٰ قيام الجمهورية الإسلامية

المبحث الأوّل‌ : الحوزة العلمية في الري في عصر الدولة الصفوية‌ :

بعد تسنّم الدولة الصفوية للسلطة توحّدت المدن الإيرانية تحت قدرة وسلطنة هذه الدولة والتي ظهرت سنة (٩٠٧هـ) وامتدّ حكمها إلىٰ سنة (١١٣٥هـ) حيث انتهىٰ حكمها بسقوط عاصمتها بيد الغزاة الأفغان ضمن تفاصيل ذكرنا بعضها ضمن هذه الموسوعة(١).

__________

(١) انظر : تاريخ الحوزة العلمية في إصفهان ٧ / ٢٣١ ، وما بعدها.

۶۲

وكانت مدينة الري إحدىٰ هذه المدن التي بسطت الدولة الصفوية نفوذها عليها.

وفي عهد حاكمية الشاه الصفوي طهماسب الأوّل ، ورثت طهران ـ وهي إحدىٰ نواحي الري ـ المكانة التاريخية لمدينة الري ، إلّا أنّ الري بقيت تحتفظ باسمها ، وتسمّىٰ المنطقة عامّة بما فيها طهران باسم بلاد الري ، إلّا أنّها فقدت مركزيّتها تدريجيّاً ، ولم تبقَ كسابق عهدها التاريخي ، ومع بداية القرن الثالث عشر الهجري ، وبعد أن اتّخذ القاجار طهران عاصمة لدولتها ولإيران سنة (١٢٠٣هـ) دارت أيّام النسيان علىٰ الري وماضيها التليد وأصبحت يشار إليها كقرية من القرىٰ أو ناحية من النواحي التابعة للعاصمة ويطلق عليها (ناحية عبد العظيم الحسني)(١) ؛ وبقيت الري أو ناحية عبد العظيم الحسني علىٰ هذه الحالة رغم امتداد العمران فيها ، وكثافة سكّانها.

ولقد انصبّ اهتمام الدولة الصفوية علىٰ المدن المقدّسة عامّة ، ومدينة الري خاصّة كمدينة فيها بعض الأضرحة المقدّسة علىٰ الجانب العمراني بشكل واضح جدّاً ، ولهم في هذا المجال مآثر وآثار عظيمة في أغلب المدن المقدّسة ، والتي تحوي علىٰ مراقد للأئمّة وأولادهم والسادة والعلماء وأقيمت آلاف الأبنية التاريخية القيّمة في أنحاء إيران كافّة ؛ ووقف عليها العديد من الموقوفات(٢).

ومن الآثار العمرانية والمدنية والعلمية في مدينة الري التي يمكن الإشارة إليها ما يلي‌ :

أوّلاً‌ : جانب العمران والبنيان‌ :

فقد تمّ بناء قبّة السيّد حمزة بن موسىٰ بن جعفر عليهم‌السلام المدفون إلىٰ جانب

__________

(١) دانشنامه ري ٢ / ٢٦٣.

(٢) انظر : أطلس الشيعة : ٢٠٣ و٢٩٣.

۶۳

السيّد عبد العظيم الحسني في الري في بقعة واحدة ، وكذلك أولو عناية خاصّة بمقبرة السيّد الحمزة ؛ إذ يعتقد الصفويّون أنّهم من سلالة السادة الموسويّين ؛ وأنّهم من أولاد السيّد حمزة بن موسىٰ(١).

ثانياً‌ : إحداث سوق الري التاريخي‌ :

ففي سنة (٩٥٠هـ) كتب المتولّي علىٰ ضريح السيّد عبد العظيم الحسني رسالة إلىٰ الشاه طهماسب الصفوي يطلب منه المساعدة في إيجاد مكان مناسب لتوفير ما يحتاجه الزوّار من طعام ، فأمر الشاه ببناء (٢٤) دكّاناً بجانب الحرم ، ثمّ توسّع البناء بمرور الزمن يشكّل بمجموعه سوق الري التاريخي الشهير(٢).

ثالثاً‌ : بناء صحن ورواق السيّد عبد العظيم الحسني‌ :

وتمّ ذلك أيضاً في عصر الشاه طهماسب الصفوي ابن الشاه إسماعيل الصفوي سنة (٩٤٤هـ) ، ثمّ أكمل البناء وتوسّع علىٰ أيدي ملوك الدولة القاجارية وبواسطة المحسنين(٣).

وكان الشاه طهماسب من أوائل الملوك الصفويّين الذين عملوا علىٰ تعمير وتوسعة حرم السيّد عبد العظيم الحسني ، وأصدر بذلك (فرماناً) يذكر فيه ضرورة الاهتمام بالأضرحة المقدّسة لأهل البيت عليهم‌السلام ، وإيقاف نفائس الأموال عليهم ، وبالأخصّ المرقد الزكي ، والمشهد الحلي لحضرة السيّد عبد العظيم الحسني ...(٤).

__________

(١) دانشنامه ري ١ / ٣٧٥.

(٢) المصدر نفسه ١ / ٢٠١.

(٣) اختران فروزان ري وطهران : ٤٤.

(٤) انظر : دانشنامه شهر ري ١ / ٩ نقلاً عن : فرامين واسناد آستانه ري : ٥٨.

۶۴

كما أنّه كان يعتقد بكرامات السيّد عبد العظيم الحسني ؛ ولهذا كان يكثر من زيارته ؛ وفي سنة (٩٥٢هـ) انتشر وباء الطاعون في مدينة تبريز عاصمة الدولة الصفوية قبل انتقالها إلىٰ إصفهان ، التجأ الشاه إلىٰ قبر السيّد عبد العظيم وطاف حول قبره مستشفعاً به.

وفي سنة (٩٥٠هـ) أمر الشاه ببناء محجّر (شبّاك) حول صندوق قبر السيّد الحسني ، وأصدر بذلك أوامره السلطانية ، وبيّن فيها : أن يكون هذا الشبّاك من الخشب الصلب المحكم ؛ وأن يكون في غاية المتانة كي لا تصل أيدي الزوّار إلىٰ صندوق قبر السيّد.

وبعد الشاه طهماسب قام الشاه عبّاس الصفوي بنفس الدور الذي كان يقوم به سلفه ؛ وكان أيضاً يعتقد بكرامات صاحب القبر السيّد الحسني ، ولهذا عندما أصيب بمرض عضال يأس من علاجه كبار الأطبّاء ، التجأ إلىٰ القبر الشريف للسيّد عبد العظيم طلباً للشفاء ، وبقي بجوار القبر حتّىٰ شفي من مرضه ثمّ عاد إلىٰ قزوين عاصمة الدولة الصفوية في حينها(١).

رابعاً‌ : تأسيس مكتبة خاصّة بجانب حرم السيّد عبد العظيم الحسني‌ :

وفي العصر الصفوي تمّ تأسيس مكتبة تخصّصية بجانب الحرم ومقبرة السيّد عبد العظيم الحسني ، وأوقف عليها كثيراً من الكتب الخطّية والمصاحف الشريفة الخطّية النفيسة.

وقد تأسّست هذه المكتبة في عصر الشاه طهماسب الصفوي ، وبسعي وجهود من متولّي حرم السيّد عبد العظيم ، وأصبحت بعد فترة من الزمن من المكتبات

__________

(١) دانشنامه شهر ري ١ / ١٠ نقلاً عن دائرة معارف تشيّع ١ / ٨١.

۶۵

الكبرىٰ المرجعية ؛ وقد أهدىٰ لهذه المكتبة كثير من الكتب الخطّية والمصاحف النفيسة النادرة من قبل ملوك وأمراء الدولة الصفوية ، منها نسخة خطّية من كتاب منتقلة الطالبية ، لمؤلّفه السيّد أبي إسماعيل علي بن إبراهيم بن طباطبا.

وفي سنة (١٠٣٧هـ) أوقف الشاه عبّاس الصفوي مجموعة نفيسة من الكتب تبلغ عددها (١٢٠) كتاباً ، لم يبقَ منها الآن سوىٰ ثلاثة كتب ، واستمرّت هذه المكتبة في ازدهارها وعطائها العلمي إلىٰ أواخر القرن الثالث عشر الهجري ؛ أي إلىٰ أواسط عصر الدولة القاجارية ، حيث قام الميرزا إبراهيم ابن أمين السلطان بإنشاء مدرسة إلىٰ جانب الحرم أطلق عليها اسم المدرسة الأمينية ، وأنشأ إلىٰ جنبها مكتبة عامّة ، إلّا أنّه لا يوجد في الوقت الحاضر أثر لهذه المدرسة والمكتبة(١).

خامساً‌ : بناء المدارس الدينية‌ :

تشير بعض المصادر التاريخية إلىٰ بناء مدرسة في الري عصر الدولة الصفوية وهي‌ : مدرسة حرم السيّد عبد العظيم ؛ والتي عرفت بعد ذلك بالمدرسة العلمية (البرهانية) نسبة إلىٰ مجدّد بنائها الشيخ علي أكبر برهان ، كما سوف يأتينا تفاصيل ذلك لاحقاً.

وتعدّ هذه المدرسة من أقدم مدارس الري العلمية ، وكانت تقع في القسم الشمالي من الصحن الكبير وخلف المسجد الجامع ، وكانت من المدارس العلمية الدينية الفاعلة لا نعرف بدقّة تاريخ بناء هذه المدرسة إلّا أنّ وجود صخرة تعريفية في مدخل المدرسة من جهة السوق الكبير تشير إلىٰ أن تعمير هذا المدرسة قد تمّ سنة (١٢٠٦هـ) بواسطة مهدي قولي خان ، وفي عصر محمّد خان قاجار(٢) ،

__________

(١) دانشنامه ري ١ / ٣٩ ـ ٤٠.

(٢) دانشنامه رى ١ / ٣٩ ـ ٤٠.

۶۶

ممّا يعني أنّ المدرسة قد بنيت قبل هذا التاريخ ، أي يصل إلىٰ عصر الدولة الصفوية ، بل إنّ بعضهم ينصّ علىٰ بنائها في عصر السلاجقة(١).

سادساً‌ : تأسيس متحف السيّد عبد العظيم الحسني‌ :

كانت ولا زالت الهدايا الكثيرة تهدىٰ لحرم السيّد الحسني من قبل الملوك والأمراء والحكّام ؛ وبعض هذه الهدايا ممّا كان يستدعي حفظها في مكان آمن ، وعرض نفائسها علىٰ الزائرين للاطّلاع عليها.

ولهذا أمر الشاه طهماسب الصفوي سنة (٩٥٠هـ) ببناء خزانة محكمة في مكان مناسب لحفظ هذه الهدايا ؛ فتمّ هذا الأمر في عصره ، وحفظت في هذا المتحف جملة من الآثار القيّمة من العصر الصفوي والعصور السابقة واللاحقة لها ، والتي يشاهدها زائر هذا المتحف في العصر الحاضر(٢).

سابعاً‌ : تعيين المتولّين لحرم السيّد عبد العظيم الحسني‌ :

لقد كان لمقام السيّد عبد العظيم الحسني والقبور المجاورة له تولية خاصّة تقوم بوظائف معيّنة في حفظ وصيانة الأموال الموقوفة علىٰ الحرم وتقديم بعض الخدمات اللازمة للزائرين.

واستمرّت هذه التولية عبر القرون من حين ظهور هذه القبور الشريفة مروراً بحكّام آل بويه والسلاجقة ؛ وكان المتولّي عادة يكون من العلويّين والنقباء في الري ، وقد حفظ لنا التاريخ أسماء بعضهم.

__________

(١) انظر : دانشنامه شهر ري ١ / ٢١٢.

(٢)دانشنامه شهر ري ١ / ٤١ ـ ٤٢.

۶۷

وكان انتخاب المتولّي يتمّ من قبل أرباب الوقف أنفسهم ليكون نائباً عنهم أو متولّياً للأموال التي أوقفوها علىٰ الحرم ، ولم يكن للملوك والأمراء دور يذكر في هذا التعيّين.

وفي عصر الدولة الصفوية ، وتحديداً في عصر الشاه طهماسب الصفوي أصبح منصب المتولّي للبقاع والأماكن المقدّسة من المناصب الإدارية التي يصدر فيها حكم إداري من قبل الشاه الصفوي نفسه وتحدّد من خلال هذا الحكم الصلاحيّات التي ينبغي علىٰ المتولّي أن يقوم بها(١).

ومن أشهر من تولّىٰ أمر التولية في حرم السيّد عبد العظيم الحسني ، هو السيّد شرف الدين محمّد بن علي بن محمّد بن أحمد ، والذي يتّصل نسبه بالإمام السجّاد علي بن الحسين عليه‌السلام ؛ وقد قام بأمر التولية طغرل بيك السلجوقي ، وبعد وفاته سنة (٥٢٩هـ) انتقلت أمور التولية إلىٰ أولاده وأحفاده وإخوته ... وأصبحت هذه الأسرة الشريفة تتوارث أمر تولية الحرم.

وقد جاء اسم السيّد شرف الدين في الفرمان الذي أصدره الشاه طهماسب سنة (٩٦١هـ) والذي حدّد فيه شروط الوقف والواقفين والمتولّين والخدّام ... حيث ذكر الفرمان جانباً من الأموال الموقوفة علىٰ الحرم والذي كان يتولّىٰ أمرها السيّد شرف الدين ومن بعده أولاده وأحفاده.

كما أنّ صاحب النقض الشيخ عبد الجليل الرازي قد ذكر السيّد شرف الدين بإعزاز وإكرام ولقّبه بلقب رئيس النقباء والسادات في الري(٢) واستمرّت أمور

__________

(١)دانشنامه شهر ري ١ / ٤٢.

(٢) انظر : النقض : ٣ ، ٤٨ ، ٤٣٧ ؛ دانشنامه ري ١ / ٤٢.

۶۸

التولية بعد الدولة الصفوية كما سوف يأتينا لاحقاً.

من علماء الري في عصر الدولة الصفوية‌ :

عاصر سنيّ الدولة الصفوية مجموعة من علماء الري منهم‌ :

١ـ نظام الدين القرشي الساوجي (كان حيّاً سنة ١٠٤٠هـ)‌ :

قال الطهراني في ترجمته‌ : «محمّد بن كمال الدين حسين بن نظام الدين ؛ نزيل مشهد عبد العظيم بالري ، من أجلّاء تلامذة البهائي ، وتمّم كتابه الجامع العبّاسي بعد وفاة البهائي بأمر الشاه عبّاس (٩٩٦ـ١٠٣٨هـ) ، وله في الرجال نظام الأقوال ، الموجود ومرّ ولده محسن المدرّس في مشهد عبد العظيم بالري ، وحفيده محمّد صالح بن محسن القائم مقام أبيه ذكرته في الكواكب المنتشرة».

ترجمه في حرف النون من الرياض وذكر أنّه توفّي عن أربعين سنة بعد موت الشاه عبّاس (م ١٠٣٨هـ) بقليل ، وتوجد بخطّه عدّة رسائل منها‌ : ترجمة عقائد الصدوق باسم : (تحفة) و (أركان الإيمان) لأحمد ابن فهد ومختصر التحفة الكلامية كتابته سنة (١٠١٢هـ)(١).

٢ـ محسن القرشي الساوجي ابن نظام الدين محمّد بن الحسين (ق١١)‌ :

كان والده صاحب نظام الأقوال في علم الرجال ، تلميذ البهائي والمتمّم لكتابه الجامع العبّاسي بعده.

__________

(١) طبقات أعلام الشيعة الروضة النضرة في علماء المائة الحادية عشرة ٨ / ٦١٨ ؛ الذريعة ٢٠ / ٢٥٠٨ ؛ انظر : رياض العلماء ٧ / ٢٧١ـ٢٧٤.

۶۹

وصاحب الترجمة كان معاصراً لصاحب الرياض (حدود ١٠٦٦ـ١١٣٠هـ) وتلميذ الملّا خليل بن الغازي القزويني ، وصار مدرّساً رسميّاً في مدرسة والده بقرية عبد العظيم بالرّي ، وبها توفّي أيّام تدريسه عن قرب سبعين سنة ، وخلّف ابنه الفاضل محمّد صالح ، ترجمه صاحب الرياض مفصّلاً اختصرنا منه. وذكرت ولده في الكواكب المنتشرة(١).

٣ ـ محمّد صالح الساوجي‌ :

وهو صالح الشريف بن محسن ابن نظام الدين محمّد بن الحسين القرشي الساوجي ، كان جدّه نظام الدين (٩٩٨ـ١٠٣٨هـ) صاحب نظام الأقوال ، تلميذ البهائي (ت ١٠٣٠هـ) ، ووالده محسن كان تلميذ الخليل بن غازي القزويني (١٠٠١ـ١٠٨٩هـ) الذي تولّىٰ التدريس بعد موت البهائي في مشهد عبد العظيم بالري ، ولتحريمه الجمعه عزله الشاه ونصب مكانه نظام الدين ؛ لقصّة طويلة كما قال صاحب الرياض(٢) ، لكنّ نظام مات عن أربعين سنة في (١٠٣٨هـ).

فجلس مكانه ابنه محسن ، وبقي علىٰ ذلك طويلاً ، وعمّر قرب سبعين سنة حتّىٰ عاصره صاحب الرياض المؤلّف (١١٠٦ـ١١١٧هـ) ، قال ـ أي : صاحب الرياض في ترجمته ـ وتوفّي أيّام تدريسه بها وخلّف ابنه الفاضل محمّد صالح ـ يعني صاحب الترجمة ـ مدرّساً في مقامه(٣).

ثمّ أضاف الطهراني‌ : «أقول ؛ ومن تصانيف صاحب الترجمة‌ : الدرّة العلوية

__________

(١) طبقات أعلام الشيعة : ٨ / ٤٩٢١ ـ ٤٩٣ ، و : ج٩ ص٦٣٣ ؛ الذريعة ٢٤ / ٩٩٥ ؛ انظر : رياض العلماء ٧ / ٢٧١ـ٢٧٤.

(٢) انظر : رياض العلماء ٢ / ٢٦١.

(٣) لم نجد في كتاب رياض العلماء ترجمة له ، لأنّ المطبوع من الرياض لا يحتوي على حرف الميم.

۷۰

في الإمامة ، مرتّباً علىٰ مقدّمة وثلاثة أبواب وخاتمة ، كتبه باسم الشاه سلطان حسين (١١٠٦ـ١١٣٥هـ) موجود عند عبّاس القمّي في مشهد خراسان ، وعند محمّد علي الأردوبادي في النجف ، فرغ منه سنة (١١٢١هـ)»(١).

ومن تصانيفه‌ : الحديدة الحسينية في قطع لسان أعوان الأموية ، وترجمته بالفارسية الموسوم بـ : (القمعة الحسينية)(٢).

٤ـ الميرزا إبراهيم الرازي‌ :

من علماء عصر الشاه عبّاس الثاني (١٠٥٢ـ١٠٧٨هـ) رأيت بخطّه فوائد نقلها عن العقد الطهماسبي ، كتبها في مجموعة التذكارات التي استدعىٰ صاحبها وهو الميرزا محمّد مقيم كتابدار الشاه المذكور عن نيف وثلاثين رجلاً من علماء عصره أن يكتبوا بخطوطهم فوائد فيها ليكون تذكاراً له ؛ وتواريخ الخطوط من (١٠٥٥ إلىٰ ١٠٦١هـ) ، ومنهم محمّد تقي المجلسي (الأوّل) ، ومحمّد علي الأسترآبادي ، وعبد الرزاق اللاهيجي ، وعبد الله التوني وأخوه أحمد ، والآقا حسين الخوانساري ، والجيلاني ، وحسين بن عبد الصمد ابن أخي البهائي وغيرهم ، والمجموعة في كتب مدرسة (سبهسالار) الجديدة بطهران(٣).

٥ـ إبراهيم الرازي‌ :

«ابن محمّد حسين الحسيني ، رأيت بخطّه المزار من التهذيب ، وقد فرغ منه

__________

(١) طبقات أعلام الشيعة ٩ / ٣٧٢ـ٣٧٣.

(٢) طبقات أعلام الشيعة ، الكواكب المنتشرة في القرن الثاني بعد العشرة ٩ / ٣٧٢ ؛ انظر : الذريعة ٦ / ٢٣٨٠ و ٨ / ٣٧٧ و ٢٢ / ٦٣٥٣.

(٣) طبقات أعلام الشيعة ٨ / ٧ ؛ انظر : الذريعة ٤ / ٦٦.

۷۱

(١٠٧١هـ) عند الشيخ علي القمّي في النجف عليه آثار علمه وفضله»(١).

٦ـ إدريس الرازي‌ :

«ابن كلب علي ، كتب قطعة من الوافي ، للفيض الكاشاني في (١٠٩١هـ) معبّراً عن نفسه بـ : (تراب أقدام طلبة العلم) ، توجد نسخة في خزانة علي محمّد النجف آبادي»(٢).

٧ـ أمين أحمد الرازي (من علماء القرن الحادي عشر)‌ :

«وهو أمين بن أحمد ، المؤرّخ ؛ مؤلّف كتاب : (هفت إقليم) في (١٠٠٢هـ)».

قال في تأريخه‌ :

گر از تو كس سؤال تاريخ كند

تصنيف أمين أحمد رازي گو

كان والده أحمد والياً في الري من قبل الشاه طهماسب (٩٣٠ـ٩٨٤هـ) وابنه سلطان محمّد (٩٨٥ـ٩٩٦هـ) وتوفّي في عصره ، وعمّه (هجري طهراني) وابن عمّه (شاپور رازي) كُلّهم شعراء ذكروا في الذريعة(٣).

٨ـ محمّد تقي الرازي‌ :

«ابن محمّد رضا صاحب الرسالة النوروزية ، ألّفها باسم الشاه صفي الصفوي (١٠٣٨ـ١٠٥٢هـ) ... نقل عنها في الرياض» في ترجمة السيّد علي بن عبد الكريم بن عبد الحميد ، وقال في موضع آخر بعد ذكر إبراهيم النيشابوري

__________

(١) طبقات أعلام الشيعة ٨ / ٧.

(٢) المصدر نفسه ٨ / ٣٩.

(٣) المصدر نفسه ٨ / ٥٥ ؛ انظر : الذريعة ٩ / ٤٩٠ ، ١٢٩١ و ٢٥ / ٢٢٩.

۷۲

(١٠١٢هـ) ورسالته النيروزية ، أنّ مسألة عيد النوروز صارت مطرحاً لآراء الفضلاء ، ومعركة عظيمة بينهم حتّىٰ صنّفوا فيها رسائل مستقلّة ، فذكر الآقا رضي القزويني ، ورضي الدين محمّد المستوفي ، ومحمّد حسين أبا الحسن القايني ؛ والظاهر أنّ صاحب الترجمة أحدهم ... ومن آثار هذا العالم الأديب الحكيم الفلكي الرياضي ... رسالته في الكبيسة ، الموجودة بقلمه ، كتب بخطّه علىٰ ظهرها رسالة كبيسة ، تصنيف داعي تقي رازي ، أوّله : « ... سبحانك لا علم لنا إلّا ما علّمتنا ... چنين گويد فقير مذنب راجي ابن محمّد رضا محمّد تقي رازي ...» وفرغ من كتابته في إصفهان في شعبان (١٠٤٤هـ) والنسخة ضمن مجموعة اشتراها الأميني أخيراً في إصفهان كما بخطّه علىٰ ظهر المجموعة وهي اليوم من موقوفة مكتبة أمير المؤمنين في النجف يبقىٰ أن نشير بأنّ المترجم له من تلامذة العلّامة المجلسي صاحب البحار(١).

٩ـ محمّد سليم الرازي (من أعلام القرن الحادي عشر)‌ :

«العلم الفاضل الحكيم الماهر ، صاحب الملتقطات ، الفارسي الذي كتبه سنة (١٠٦٦هـ) ، وهو شبه الكشكول مشحون من الطرائف ومشتمل علىٰ كثير من غوامض مسائل أكثر العلوم العقلية والنقلية ، ومعه شرح لغز القانون. ذكر سيّدنا (أي : السيّد حسن الصدر) في التكملة (أي : تكملة أمل الآمل للحرّ العاملي) أنّه رأىٰ لصاحب الترجمة شرح الصحيفة الكاملة ، وصرّح في الشرح بأنّه من تلاميذ سلطان العلماء المشهور بخليفة سلطان (١٠٠١ ـ ١٠٦٤هـ).

__________

(١) طبقات أعلام الشيعة ٨ / ٩٨ ـ ٩٩ ؛ انظر : الذريعة ١٧ / ٢٦٠ و ٢٤ / ٢٠٥٣ ؛ تلامذة المجلسي : ٨٤ ؛ مجلّة تراثنا ١٧ / ١٣٤.

۷۳

قال الطهراني‌ : «أقول‌ : ورأيت الشرح في خزانة مولانا الحاجّ محمّد حسن (كبّة) طاب ثراه ، يقرّب من عشرين ألف بيت ، ولا أدري إلىٰ من انتقل بعد وفاته.

أحال في دعاء الصباح والمساء إلىٰ ملتقطاته ، وصرّح في دعاء الهلال ، أنّه من أهل الري» وفي الدعاء الخمسين أنّه تلميذ خليفة سلطان ، وترجمه عبد النبي القزويني في التتميم مختصراً ، وقال‌ : عندنا شرح الصحيفة المنسوبة إليه(١).

١٠ـ أبو القاسم الرازي‌ :

«نزل الغري السري ، كان من العلماء من تلاميذ البهائي (م ١٠٣٠هـ) والمجازين منه ، وهو من مشايخ المولىٰ محمّد علي الأسترآبادي صهر محمّد تقي المجلسي (١٠٠٣ـ١٠٧٠هـ) ؛ كما ذكره محمّد شفيع بن محمّد علي المذكور في إجازته للسيّد محمّد حيدر المكّي العاملي في (١١١٧هـ) ، وذكر تاريخ هذه الإجازة وله المجاز وهو رضي الدين بن محمّد حيدر ، فيما كتب من الإجازة للميرزا أحمد الخاتون آبادي في (١١٥٤هـ) ، ووصفه في هذه الإجازة بقوله السيّد النبيل الفقيه الماهر النبيه أبي القاسم الرازي نزيل الغري ...»(٢).

١١ـ قوام الدين الرازي الطهراني (ت ١٠٩٣هـ)‌ :

«صاحب كتاب عين الحكمة الفارسي والعربي ، كان من تلاميذ رجب علي التبريزي (م ١٠٨٠هـ) المعاصر للشاه عبّاس الثاني [الصفوي].

__________

(١) طبقات أعلام الشيعة ٨ / ٢٤٨ ـ ٢٤٩ ؛ انظر : تكملة أمل الآمل ٥ / ١٤٠ ، برقم : (٢٣٥٣) ؛ تتميم أمل الآمل : ١٧٧ ، برقم : (١٣٠) ، باسم آقا سليم الرازي.

(٢) طبقات أعلام الشيعة ٨ / ٤٤٨ ؛ الذريعة ١ / ٩٩٥.

۷۴

مات قرب (١٠٩٣هـ) وله رسالة فارسية في اشتراك الوجود لفظاً تبعاً لمختار أستاذه رجب علي ، طبعت بتحقيق جلال الدين الآشتياني في مجموعة منتخبات حكماى إلهى إيران ، ونشرته الجمعية الفرنسية الإيرانية بطهران عام (١٩٧٥ م ؛ ج ٢ ، ص ٤١٠ ـ ٤٤٨) في سبعة فصول.

وقد طعن عليه صاحب الرياض ، بعد الطعن علىٰ أستاذه رجب علي بالجهل ، قال‌ : (وأمّا تلميذه المير قوام الدين ، فهو أسوء حالاً منه ؛ بل رحمه‌الله علىٰ النبّاش الأوّل ... ومؤلّفاته فارسيّة ، حيث لم يكن قادراً علىٰ تأليف العربية مثل أستاذه ، وقد أدرج فيها مطالب باطلة محشوّة بالحكمة علىٰ طريقته) وهذا من ديدن الأفندي في أحكامه علىٰ العرفاء والفلاسفة»(١).

١٢ـ محمود الرازي‌ :

«الذي كتب بخطّه وصايا افلاطن(٢) في مجموعة التذكارات ، التي استدعي صاحبها وهو الميرزا محمّد مقيم كتابدار الشاه عبّاس الثاني من علماء عصره النيف والثلاثين ، فكتبوا فوايد جليلة ومنهم صاحب الترجمة ...»(٣).

١٣ـ محمّد بن يوسف ، أمير غياث الدين الشكرابي الرازي :

عالم وشاعر وحاكم شرعي في خراسان عصر الشاه إسماعيل الصفوي ، وله

__________

(١) طبقات أعلام الشيعة ٨ / ٤٦٠ ؛ الذريعة ١١ / ٤٨٧ ؛ انظر : رياض العلماء ٢ / ٢٨٥ ، وأعتقد أنّ قسماً من الترجمة ليست بقلم الشيخ الطهراني نفسه ، وإنّما لمحقّق كتاب الطبقات ، ولد المؤلّف الدكتور علي نقي المنزوي.

(٢) وهي فصل من آداب العرب والفرس لمسكويه الرازي م ٤٢١ هـ ، طبع بتحقيق الدكتور عبد الرحمن بدوي في (١٩٥٣م.

(٣) طبقات أعلام الشيعة ٨ / ٥٥١.

۷۵

في مدينة شكراب وهي من توابع دماوند الري (قصران).

بدأ دراسته عند عمّه الأمير فخر الدين ، وبعد ذلك التحق بحلقة درس مولانا سيف الدين التفتازاني ، وخلال فترة زمنية قليلة أصبح من علماء زمانه.

قلّده الشاه إسماعيل الصفوي منصب القضاء الشرعي في خراسان ، ثمّ أضاف إليه منصب الأمارة فيها ، وكان يعدّ من الشعراء في زمانه(١).

١٤ـ محمّد الرازي‌ :

«مغيث الدين بن شمس الدين محمّد الحسيني ؛ من العلماء الأعلام ، سافر إلىٰ محروسة برهانپور برهة ، رأيت بخطّه نسبه وتملّكه لكتاب الدروس أيّام إقامته في برهانپور في شوّال (١٠٨٧هـ) وصكّ خاتمه الكبير (مغيث الدين محمّد الحسيني)»(٢).

١٥ـ محمّد بن شكر الله الوراميني الرازي‌ :

القاضي والشاعر ، كلّ من سادات ورامين وكلانتر الري ، ثمّ انخرط في خدمة سلاطين الدولة الصفوية ، وهو أخو القاضي عطاء الله ، قاضي الشاه طهماسب ، وكانت له وظائف رسمية في ورامين والري(٣).

المبحث الثاني‌ : الحوزة العلمية في الري عصر الدولة القاجارية‌ :

مرّ بنا سابقاً الإشارة إلىٰ الدولة القاجارية ضمن حديثنا عن تاريخ الحوزة العلمية في خراسان ، حيث قلنا هناك‌ : «بعد فترة طويلة من الاضطرابات

__________

(١) انظر : دانشنامه ري ٢ / ١٦٢ ، نقلاً عن كتاب هفت إقليم ٣ / ٨٧ ؛ آتشكده آذر : ١٠٧٨.

(٢) طبقات أعلام الشيعة ٨ / ٥١٧.

(٣) انظر : الذريعة ٩ / ٣ / ٨٧٢.

۷۶

والفوضىٰ السياسية التي سادت إيران منذ مقتل نادر شاه الأفشاري سنة (١١٦٠هـ) وتوالي الأمراء الأفشار من بعده ؛ ظهرت الدولة القاجارية سنة (١١٩٣هـ) واستمرّت في الحكم إلىٰ سنة (١٣٤٤هـ).

والقاجار : اسم لطائفة من الطوائف التركية والتي تسكن في إيران ، وكانت تناصر الدولة الصفوية وتقاتل في صفوف قوّاتها المسلّحة الخاصّة وتشكّل قوّة ضاربة عُرفت تاريخيّاً بـ : (القزل باش).

والدولة القاجارية : هي الدولة التي أسّسها محمّد خان قاجار رسميّاً سنة (١١٩٣هـ) ، وتوالىٰ علىٰ حكمها مجموعة من الشاهات ومن القبيلة نفسها إلىٰ سنة (١٣٤٤هـ)(١).

وخلال قرن ونصف من عمر الدولة القاجارية ، شهدت إيران تحوّلات كثيرة علىٰ المستوىٰ السياسي والاجتماعي والعلمي والأدبي(٢) ، لا يهمّنا كثيراً الدخول في تفاصيلها ، وسوف تأتي الإشارة إلىٰ بعض الوقائع التي لها ارتباط بالحوزة العلمية وبعض علمائها.

واتّخذت الدولة القاجارية من مدينة طهران عاصمة لدولتها ، ونقلت إليها كلّ نشاطها السياسي والاقتصادي والثقافي ؛ وذلك في سنة (١٢٠٣هـ) وأصبحت مدينة الري من توابع العاصمة طهران ، وضمن حدودها الجغرافية.

وحظيت الري باهتمام ملوك الدولة القاجارية والأمراء بسبب وجود مزار السيّد عبد العظيم الحسني ، ومزار السيّد حمزة بن الإمام موسىٰ بن جعفر عليهم‌السلام ؛ ولهذا انصبّ اهتمامهم علىٰ تعمير وتوسعة هذا المزار وتقديم بعض الخدمات

__________

(١) انظر : لغتنامه ٣٨ / ١٦ ، وما بعدها ؛ الفقيه والسلطان : ٢١٥.

(٢) انظر : تاريخ الحوزات العلمية ، الحوزة العلمية في خراسان ٨ / ٢٨١.

۷۷

اللازمة لزوّاره وساكني أطرافه.

فبدأ الإعمار في زمن الملك فتح علي شاه الذي أصدر أوامره بصناعة شبّاك فضّي للضريح ، وتمّ تعمير وتزيين الإيوان الجنوبي للحرم بواسطة الميرزا آقا خان النوري ، الصدر الأعظم ، والملقّب بـ : (اعتماد السلطنة) وذلك في عصر الملك ناصر الدين شاه ؛ والذي أصدر أمره الملكي سنة (١٢٧٠هـ) بتذهب قبّة المرقد بالإضافة إلىٰ تعميرات أخرىٰ(١).

وهكذا استمرّت حركة الإعمار والتوسعة والتزيين طيلة فترة الحكم القاجاري ، وقد دوّن بعض الرحّالة والمستشرقين مشاهداتهم عن مظاهر هذا الإعمار والتوسعة في كتب الرحلات التي دوّنوها أثناء سفرهم إلىٰ الري ، والتي عرفت بـ : (سفرنامه) والتي كتبت في أزمنة مختلفة من عمر الدولة القاجارية مثل‌ : سفرنامه سيف الدولة ، وسفرنامه مدام كارلاسرنا ، وكارنامه ليدي شل زوجة الوزير البريطاني المفوّض في إيران في عصر ناصر الدين شاه ، وكذلك سفرنامه ارنست اورسل(٢).

كذلك كان لهذه الدولة بعض الاهتمام بالحوزة العلمية وعلمائها ، حيث تشير بعض المصادر التاريخية إلىٰ بناء مدرسة دينية في الصحن المعروف بـ : (صحن باغ طوطى) والذي يقع في الشمال الغربي للحرم ، ومؤسّس هذه المدرسة شخص اسمه الميرزا إبراهيم خان ابن أمين السلطان الصدر الأعظم في حكومة ناصر الدين شاه وعرفت المدرسة بـ : (المدرسة الأمينية).

واستمرّت هذه المدرسة إلىٰ سنة (١٢٩٩هـ) ثمّ عطّلت وألحقت غرفها بمقبرة

__________

(١) للتوسّع ، انظر : دانشنامه ري ١ / ١٠ ، وما بعدها ، نقلاً عن المآثر والآثار : ٨٩.

(٢) دانشنامه ري ١ / ١١ـ١٣.

۷۸

الحرم ، حيث دُفن في غرفها كبار الأشراف ورجال الدولة والشخصيات السياسية ، وكان لهذه المدرسة مكتبة تحتوي علىٰ نسخ خطّية ثمينة أوقفها باني المدرسة عليها(١).

وتشير بعض المصادر أيضاً إلىٰ وجود مدرسة حوزوية أخرىٰ في هذا العصر ، وهي المدرسة الشهيرة بمدرسة (برهان العلمية) أو مدرسة السيّد عبد العظيم ، وتقع في القسم الشمالي من الصحن الكبير القديم وخلف المسجد الجامع ، وهي من أقدم المدارس الدينية في الري ، وكانت من المدارس الفاعلة ؛ ولا يعرف بدقّة تاريخ بناء هذه المدرسة ، ولكن بحسب بعض الألواح الصخرية والتي كانت مثبّتة في مدخل المدرسة والتي تشير إلىٰ إعادة ترميم المدرسة في عصر محمّد خان قاجار وتاريخ التعمير يعود إلىٰ سنة (١٢٠٦هـ) ، وأمّا باني المدرسة فهو مهدي قلي خان.

وتحوّلت هذه المدرسة وبمرور الزمن إلىٰ خربة حتّىٰ قيّض الله لها رجلاً من المحسنين يدعىٰ الشيخ علي أكبر برهان ، وكان من أئمّة الجماعة في مسجد ميرزاد ، ومن الوجهاء المحسنين ، وساهم في بناء كثير من المدارس والمساجد ، فقام بتعميرات أساسية وتجديد في بناء المدرسة وذلك سنة (١٣٦٢هـ) ، ودرس في هذه المدرسة كثير من طلّاب العلم ، كما أنّ كثيراً من الأساتذة والمدرّسين المشهورين قد درسوا فيها ، منهم‌ : الشيخ محمّد رضا البروجردي ، مصحّح شرح نهج البلاغة(٢). وقد تمّ بناء المدرسة من جديد في عصر الجمهورية الإسلامية كما سوف يأتينا لاحقاً.

وأمّا تولية حرم السيّد عبد العظيم والمزارات المجاورة له ؛ فقد تحدّثنا عن استحداث هذه التولية في عصر الدولة الصفوية ، وذكرنا أسماء بعض من تولّىٰ

__________

(١) انظر : دانشنامه ري ١ / ٢٩ ، و٤٠ ، نقلاً عن كتاب : عبد العظيم الحسني ، مسنده وحياته : ٣٦٦ ؛ المآثر والآثار ١ / ١١٤.

(٢) دانشنامه ري ١ / ٣٩ ـ ٤٠ ؛ انظر : عبد العظيم الحسني : ٣٢٦.

۷۹

منصب المتولّي كمنصب رسمي يصدر أمر تعيينه بأمر ملكي.

وفي عصر الدولة القاجارية استحدثت مناصب متعدّدة لتولية الحرم وعيّن في هذه المناصب شخصيّات عرفت بمكانتها الاجتماعية والسياسية‌ ، منهم‌ :

١ـ الميرزا إسماعيل خان أمين الملك ، وعيّن في منصب خزان الختم المقدّس.

٢ـ أمير زاد حسين قلي خان وعيّن في منصب ناظم التولية ونائب الحكومة.

٣ـ الميرزا حبيب الله ، وعيّن بمنصب كليدار ، وهكذا عيّن الكثير في المناصب الخدمية والإدارية(١).

من علماء الري في عصر الدولة القاجارية‌ :

في عصر الدولة القاجارية تحوّل النشاط الفكري والثقافي والحوزوي إلىٰ طهران التي اتّخذتها الدولة القاجارية عاصمة لها ، وسوف يأتي الحديث عن طهران وحوزتها ضمن تأريخ حوزة طهران العلمية.

إلّا أنّ هنالك ـ بنصّ الأعلام ـ جماعة ممّن وفدوا إلىٰ مدينة الري ويحملون لقب الرازي تركّز نشاطهم في مدينة الري من خلال قيامهم بالتدريس والخطابة وصلاة الجماعة والإسهام في حلّ بعض القضايا والمشاكل الاجتماعية ، وبعضهم انتقل إلىٰ طهران بعد أن دَرَسَ مقدّمات العلوم في الري ؛ وفيما يلي ذكر بعض من هؤلاء الأعلام ممّن يحمل لقب الرازي‌ :

١ـ اندرماني(٢) ، الميرزا محمود‌ :

جاء في ترجمته‌ : «أحد أعلام العلماء وأئمّة الجماعة المحترمين في مدينة الري ،

__________

(١) دانشنامه ري ١ / ٤٧ ـ ٤٨ ؛ للتوسّع انظر : المآثر والآثار ١ / ٣٩٢ ، ٤٠٥.

(٢) اندرمان ، قرية تابعة للري ، دُفن بجوارها السيّد أبو الحسن العريضي.

۸۰

وقد اتّخذ من الزاوية المقدّسة في المسجد الذي عرف باسمه في محلّة سرتخت محلّا ً لإقامة صلاة الجماعة وأداء الوظائف الدينية والشرعية ، وبقي علىٰ هذا الحال حتّىٰ انتقل إلىٰ جوار ربّه ، ودُفن بجوار مرقد السيّد عبد العظيم الحسني»(١).

٢ـ الميرزا السيّد حسن معيني‌ :

وهو صهر حفيد العلّامة الملّا علي الكني ، وهو الذي صلّىٰ صلاة الجماعة بعد وفاة الميرزا محمود اندرماني في مسجده ، وقام بمهمامّ التبليغ والوظائف الشرعية ، حتّىٰ انتقل إلىٰ مدينة الكاظمين سنة (١٣٢٦هـ) وتوفّي ودُفن فيها رحمه‌الله (٢).

٣ـ الربيعي ، الملّا محمّد بن الملّا ربيع‌ :

من أجلّاء العلماء وأئمّة الجماعة في الزاوية المقدّسة من الصحن المطهّر للسيّد عبد العظيم الحسني ؛ ووالده الملّا ربيع الشاه عبد العظيمي رحمه‌الله ، كان من علماء الدين في منطقة الري وليس لدينا معلومات عنه.

ولد الملّا محمّد الربيعي في الري سنة (١٢٣٧ ش) وتلقّىٰ دراسة المقدّمات عند والده وبعض علماء الري ، ثمّ انتقل إلىٰ طهران وسكن في المدرسة الفخرية في منطقة (المروي) والتي كانت بمثابة مركز تجمّع علماء طهران وإيران ، فأكمل دراسة السطوح العالية ثمّ التحق بدرس العلّامة المحقّق الميرزا حسن الآشتياني ، واستفاد منه كثيراً فقهاً وأصولاً ، وبعد أن أكمل دراسته عاد إلىٰ وطن (الري) لأداء وظائفه الشرعية والاجتماعية وإقامة صلاة الجماعة في صحن السيّد عبد

__________

(١) أختران فروزان ري وطهران : ٤٠٦ ؛ گنجينه دانشمندان ٤ / ٦١٩.

(٢) أختران فروزان ري وطهران : ٤٠٦.

۸۱

العظيم ، والتدريس في المدرسة البرهانية ، والمدرسة الأمينية ، وتوفّي سنة (١٣٠٩ ش) عن عمر ناهز (٧٢) سنة ودُفن في مقبرة درباني في صحن السيّد الحسني(١).

٤ـ الآخوند الملّا محمّد المجتهد الأندرماني الرازي‌ :

من مشاهير علماء الري المقيمين في طهران ، ومن المدرّسين في مدرسة مروي ، وتولّىٰ أمر تولية المدرسة لفترة من الزمن شهدت خلالها ازدهاراً وتطوّراً وأصبحت من أهمّ مدارس طهران الدينية ، وكان له مقام الفضل والجلال والاحترام عند الدولة القاجارية ، وعامّة أبناء الأمّة ، ومن الزاهدين والمعرضين عن الدنيا ، وكانت تصله أموال كمساعدات مالية من الشاه القاجاري فيقوم بتقسيمها بين الفقراء ، وتنقل عنه في هذا المجال قصص كثيرة ، وينقل أنّ الشيخ مرتضىٰ الأنصاري كان يرىٰ في الآخوند الأندرماني أسوة للمتّقين(٢).

٥ـ السيّد حسين بن السيّد الاثني عشري الاعتمادي‌ :

وهو من العلماء الأبرار الأخيار في مدينة الري ؛ ولد في مدينة الري سنة (١٣١٨هـ) ؛ تربّىٰ في حجر والده والذي كان من رؤساء الآستانة المقدّسة لحرم السيّد عبد العظيم الحسني ، تلقّىٰ التعليم في المدارس الرسمية ، ثمّ التحق لدراسة المقدّمات بالمدرسة المحمّدية في طهران ، وفي سنة (١٣٣٩هـ) هاجر إلىٰ مدينة قم ودرس السطوح العالية عند كبار أساتذتها من أمثال الأديب الطهراني ، والميرزا محمّد الهمداني ، وآية الله المرعشي النجفي ، وحضر دروس البحث الخارج عند آية

__________

(١) المصدر نفسه : ١٦٥ ؛ گنجينه دانشمندان ٤ / ٦٢٢ ـ ٦٢٣.

(٢) گنجينه دانشمندان ٤ / ٦١٩ ؛ اختران فروزان : ٤٠٥ ؛ دانشنامه ري ١ / ١٨٥ ـ ١٨٦.

۸۲

الله عبد الكريم الحائري ، وآية الله الحجّة ، وآية الله الخوانساري.

عاد إلىٰ مدينة الري سنة (١٣٦٢هـ) وقام بوظائفه ومسؤوليّاته الدينية في إمامة الجامعة في حرم السيّد عبد العظيم ، كذلك التبليغ الديني وتفسير القرآن والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

أصيب بسكتة قلبية وهو علىٰ منبر الخطابة وتوفّي علىٰ إثرها وذلك في الخامس من شعبان سنة (١٣٨٤هـ) ودُفن في الرواق القريب من باب الحرم الشريف.

ترك من الآثار العلمية‌ : تفسير الاثني عشري في (١٤) مجلّداً ، ورسالة في الأخبار ، وأخرىٰ في أصول العقائد(١).

٦ـ السيّد حسن اثني عشري (صاحب زماني)‌ :

هو أخو السيّد حسين السابق ترجمته ، وقد خلّف المرحوم في صلاة الجماعة وتبليغ المعارف الدينية في مسجد الشيخ محمّد تقي بافقي ، حتّىٰ وفاته في السابع من صفر سنة (١٣٩٠هـ) ودُفن في مقبرة العائلة في حرم السيّد عبد العظيم بجوار والده وأخيه.

وكان المرحوم كأخيه قد درس مقدّمات العلوم الإسلامية في مسقط رأسه عند علماء الري ومدرّسيها ، ثمّ شدّ رحاله إلىٰ مدينة قم وأنهىٰ فيها دراسة السطوح العالية علىٰ يد كبار أساتذتها ومراجعها من أمثال آية الله المرعشي النجفي ، وآية الله السيّد البروجردي ، وغيرهم.

٧ـ الشيخ محمّد رضا البروجردي‌ :

وهو ابن العالم الجليل والزاهد النبيل الشيخ حسن الخاتمي البروجردي ، ومن

__________

(١) گنجينه دانشمندان ٤ / ٦١٧ ـ ٦١٨ ؛ اختران فروزان : ٦٧ ـ ٦٩.

۸۳

العلماء البارزين في الري ، ومن المعاصرين للشيخ محمّد شريف الرازي وأصدقائه.

ترجم له الرازي في الگنجينه فقال عنه‌ : «ولد سنة (١٣٤١هـ) في بروجرد ، ودرس أوّليات ومقدّمات العلوم فيها ، ثمّ ارتحل إلىٰ مدينة قم ودرس فيها قسماً من السطوح العالية وفي سنة (١٣٦١هـ) شدّ الرحال إلىٰ النجف الأشرف ، وأقام في النجف الأشرف مدّة ستّة سنوات ، حضر خلالها عند كبار المدرّسين حتّىٰ نال درجة الاجتهاد من كبار العلماء في النجف أمثال آية الله الشيخ كاظم الشيرازي ، وآية الله الشيخ محمّد رضا البروجردي ، وآية الله الشيخ محمّد علي الكاظميني صاحب التقريرات(١).

عاد إلىٰ قم وقام بالتدريس الفقه والأصول ، وفي سنة (١٣٧٠هـ) انتقل إلىٰ الري بدعوة من أستاذه الرازي ، وتولّىٰ التدريس في المدرسة البرهانية»(٢).

٨ـ الشيخ هادي التبريزي‌ :

ذكره الرازي ضمن تراجم علماء الري وقال فيه‌ : «من العلماء الأبرار في مدينة الري ، ولد في أذربيجان ودرس فيها المقدّمات والسطوح ، ثمّ هاجر إلىٰ النجف الأشرف وبقي فيها سنوات طوال ينهل من محضر آياتها العظام من أمثال آية الله الشيخ محمّد حسن المامقاني ، وآية الله الآخوند الخراساني ، والعلّامة الطباطبائي اليزدي ، وشيخ الشريعة الإصفهاني ، وغيرهم من أعلام عصره ، فتدرّج في مسالك العلوم العالية حتّىٰ وصل إلىٰ درجة الاجتهاد.

__________

(١) گنجينه دانشمندان ٤ / ٦١٨ ـ ٦١٩ ؛ اختران فروزان : ٦٩.

(٢) المصدر نفسه ٤ / ٦٢١ ـ ٦٢٢.

۸۴

عاد إلىٰ إيران بصحبة أستاذه العلّامة آية الله محمّد حسن المامقاني في عصر مظفّر الدين شاه قاجار ، وبعد أداء الزيارة عاد مع أستاذه إلىٰ النجف الأشرف وبعد وفاة أستاذيه المامقاني والآخوند الخراساني ، عاد إلىٰ إيران واستقرّ في تبريز ، وتصدّىٰ لحركة الشيخية في مدن اسكو وميلان ، وعمل علىٰ إرشاد الناس وهدايتهم وتوعيتهم ، إلّا أنّه تعرّض للتضييق والإهانة ، فأجبر علىٰ ترك أذربيجان ويلقي رحل سفره في مدينة الري مجاوراً للسيّد عبد العظيم الحسني في زاويته المقدّسة ، وكان يقيم الصلاة في الحرم ويقوم بمهمّة إرشاد الناس وتبليغ الأحكام ، حتّىٰ توفّي في شهر رمضان (١٣٧١هـ) عن عمر ناهز الثمانين عاماً.

عاش رحمه‌الله حياة الزهد والإعراض عن الدنيا ، وكان يتجنّب أن يعتاش علىٰ الحقوق الشرعية فاتّخذ له محلّ كسب يعتاش منه»(١).

٩ـ الشيخ حسن الشاه عبد العظيمي (ت ١٣٥٠هـ)‌ :

عرّفه الرازي فقال‌ : «عمدة العلماء المرحوم الشيخ حسن من العلماء والفقهاء والأصوليّين والمتبحّرين في زمانه ، تتلمذ علىٰ المرحوم العلّامة الكبرىٰ آية الله السيّد حسين الكوهكمري ودوّن الكثير من تقريرات درسه ، وله كتاب كبير في أصول الفقه باسم : (الذخيرة) ، ورغم مقامه العلمي الرفيع وفقاهته إلّا أنّه لم ينَل حظّه من الرئاسة والتدريس ، توفّي بعد أستاذه الكوهكمري سنة (١٣٥٠هـ)»(٢).

١٠ـ الشيخ محمّد علي شاه عبد العظيمي (ت في حدود ١٣١٢هـ)‌ :

«عالم ربّاني ، وزاهد سبحاني ، ومن العلماء المعمّرين ، وقد انزوىٰ عن الناس

__________

(١) گنجينه دانشمندان ٤ / ٦٢٣ ـ ٦٢٤.

(٢) المصدر نفسه ٤ / ٦٢٤ ؛ اختران فروزان : ٢١٠.

۸۵

في مدينة الري واتّخذ العبادة والسلوك إلىٰ الله طريقاً له ، وكان يقيم صلاة الجماعة في بيته ويقتدي به نفر من الثقاة.

والمرحوم من المعاصرين للشيخ الأنصاري في النجف الأشرف ، وكان يشار إليه بالفقاهة والورع والأخلاق الحسنة ، توفّي في حدود سنة (١٣١٢هـ) ودُفن بجوار الكبار الثلاثة في حرم السيّد عبد العظيم»(١).

١١ـ السيّد محمّد علي بن السيّد ميرزا محمّد بن الميرزا جان المعروف بميرزا هدايت الله الحسيني الشاه عبد العظيمي النجفي (ت ١٣٣٤)‌ :

ذكره الرازي في كتابه وقال‌ : «سيّد العلماء والمجتهدين آية الله العظمىٰ في العالمين ... الفقيه ، الورع السيّد محمّد علي ... ولد في (السابع عشر من شهر جمادىٰ الأولىٰ سنة ١٢٥٨هـ) في مدينة الري ، وأكمل فيها أوّليات العلوم وقسماً من مقدّماتها ، ثمّ هاجر إلىٰ النجف الأشرف وله من العمر أربع عشرة سنة وذلك سنة (١٢٧٢هـ) ، أكمل فيها السطوح العالية وحضر بعدها عند الشيخ الأنصاري لسنوات متمادية ، ثمّ التحق بدرس الفقه والأصول عند آية الله الشيخ الخليلي ، كذلك حضر درس المجدّد الشيرازي قبل انتقاله إلىٰ سامراء ، وبعد وفاة أستاذه الخليلي ـ هاجر المترجم له ـ إلىٰ سامراء ليلتحق بدرس أستاذه المجدّد الشيرازي ، ومن هذين العلمين وصل درجات سامية في العلم والاجتهاد والإخلاص ، ثمّ عاد إلىٰ النجف الأشرف ، واكتسب شهرة عظيمة في العلم والتقوىٰ والمقامات المعنوية العالية ، وكان يحظىٰ باحترام ، وكان يقتدي بصلاته عامّة الناس وأهل العلم.

__________

(١) المصدر نفسه ٤ / ٦٢٥ ؛ اختران فروزان : ٢١١.

۸۶

توفّي رحمه‌الله في (شهر رمضان سنة ١٣٣٤هـ) في مدينة طويريج وفي منزل ولده آية الله السيّد محمّد حسين ، والذي كان مرجعاً للناس في المدينة ، وكان المرحوم عائداً من كربلاء بعد أداء الزيارة ، نقل جثمانه إلىٰ النجف الأشرف ودُفن في صحن إيوان الذهب.

له آثار علمية كثيرة مطبوعة ومخطوطة(١) ، كما أنّه خلّف ذرّية صالحة أغلبهم من أهل الفضل والعلم»(٢).

١٢ـ الشيخ محمّد طاهر بن الملّا محمّد كاظم الإصفهاني الشاه عبد العظيمي (ت ١٣١٠هـ)‌ :

«فقيه جليل وعالم متبحّر ، ولادته في إصفهان ، وفيها درس المقدّمات ثمّ هاجر إلىٰ النجف الأشرف وأكمل فيها دراسته حتّىٰ نال درجة الاجتهاد من ثلاثة من أساتذته ، وهم‌ : الملّا محمّد فاضل الإيرواني ، والميرزا حبيب الله الرشتي والشيخ زين العابدين المازندراني.

عاد إلىٰ إيران وألقىٰ رحل إقامته في مدينة الري ، فقام بوظائفه الشرعية من التدريس والإمامة ونشر الأحكام الشرعية حتّىٰ وفاته سنة (١٣١٠هـ)»(٣).

١٣ـ الشيخ مهدي فاضل اندرماني (ت ١٣٣٢ ش)‌ :

وهو ابن العالم الجليل الملّا علي الأندرماني ، من علماء الري الأتقياء.

__________

(١) انظر : گنجينه دانشمندان ٤ / ٦٢٦ ؛ طبقات أعلام الشيعة ١٦ / ١٥٣١ـ١٥٣٤ ؛ أختران فروزان : ١٥٠.

(٢) گنجينه دانشمندان ٤ / ٦٢٥ ـ ٦٢٧ ؛ اختران فروزان : ١٤٨ ـ ١٥٢.

(٣) المصدر نفسه ٤ / ٦٢٧ ؛ اختران فروزان : ١٦١.

۸۷

ولد في سنة (١٢٥٥هـ) في مدينة الري ، وتلقّىٰ دروس المقدّمات فيها عند المرحوم محمّد رضا قلي ، وأكمل السطوح الوسطىٰ في مدرسة السيّد نصر الدين ، والسطوح العالية في مدرسة مروي ، عند المدرّسين الكبار في عصره من أمثال‌ : الميرزا مسيح طالقاني والحاجّ الشيخ محمّد معزّ الدولة وآخرين ، ثمّ انتقل إلىٰ حوزة مشهد العلمية وحضر عند آياتها العظام من أمثال الشيخ مرتضىٰ الآشتياني ، وآية الله الشيخ محمّد الكفائي وآية الله الشيخ محمّد النهاوندي ، والأديب النيشابوري ، ثمّ عاد إلىٰ طهران والري ودرس في مدارسها إلىٰ وفاته سنة (١٣٣٢هـ) ودُفن بجنب السيّد حمزة في حرم السيّد عبد العظيم الحسني ؛ له آثار علمية في الفقه والأصول غير مضبوطة(١).

١٤ـ السيّد رضا الفيروزآبادي (ت ١٣٨٥هـ)‌ :

وهو‌ : «سيّد العلماء العاملين آية السيّد رضا بن السيّد الجليل هاشم بن السيّد عبد الكريم الفيروزآبادي ؛ عالم جليل خدوم ، ومن مشاهير العلماء المتّقين والمتفانين ليلاً ونهاراً في تقديم الخدمات الاجتماعية للطبقات المحرومة والمستضعفة ، مع أخلاق عالية رفيعة ، كانت ولادته سنة (١٢٩٠هـ) في قرية فيروزآباد من توابع مدينة الري ؛ ووفاته سنة (١٣٨٥هـ) بعد أن ناهز عمره الثامنة والتسعون عاماً.

درس المقدّمات والسطوح عند كبار الأساتذة في عصره في مدينتي طهران والري ، ومن أساتذته آية الله السيّد علي أكبر تفرشي ، وآية الله السيّد ريحان الله الكشفي البروجردي ، وغيرهم.

__________

(١) المصدر نفسه ٤ / ٦٣٠ ؛ اختران فروزان : ٢٠٩.

۸۸

هاجر إلىٰ النجف الأشرف وتلقّىٰ دروسه فيها عند الميرزا حسين الخليلي الطهراني ، والآخوند محمّد كاظم الخراساني ، وحضر في كربلاء درس السيّد إسماعيل الصدر ، ثمّ عاد إلىٰ إيران واستقرّ في مسقط رأسه فيروزآباد وكان يؤدّي وظائفه الدينية والشرعية من صلاة الجماعة وتعليم الأحكام فيها.

وفي أوائل عصر المشروطة انتخب من قبل أهالي الري وطهران لعضوية المجلس الوطني ، ولعدّة دورات ، فكان من المدافعين عن حقوق الأمّة في المجلس ، ولكنّه كان يمتنع عن استلام راتبه الشهري من المجلس ، حتّىٰ اجتمع مبلغ كبير من رواتبه في صندوق الرواتب ؛ فأخذ إجازة شرعية من آية الله الشيخ محمّد تقي البافقي اليزدي ، ومن مراجع آخرين لاستلامها وَصَرفها في بناء مستشفىٰ في مدينة الري ، وبقي إلىٰ آخر عمره يرعىٰ أوضاع المرضىٰ في هذه المستشفىٰ وكان يزور المرضىٰ ويتفقّد أحوالهم في أقسام المستشفىٰ المختلفة في منتصف الليل.

وللسيّد الفيروزآبادي خدمات إنسانية جليلة في مجال رعاية المرضىٰ والأيتام ، بالإضافة إلىٰ بناء المساجد والمدارس الدينية. توفّي في السابع من شهر ربيع الثاني سنة (١٣٨٥هـ) ودُفن في مقبرته الخاصّة بالقرب من المستشفىٰ والمسجد الجامع المعروف بالفيروزآبادي»(١).

١٥ـ الشيخ محمّد حسين الواسعي (ت ١٣٨٩هـ)‌ :

ذكره الرازي في كتابه وقال‌ : «حجّة الإسلام والمسلمين الشيخ محمّد حسين ابن العالم الجليل الآخوند عبد الواسع القائيني ، من العلماء المحترمين المعاصرين

__________

(١) گنجينه دانشمندان ٤ / ٦٣١ ـ ٦٣٢ ؛ اختران فروزان : ٣٠٥ ـ ٣٠٨ ؛ دانشنامه ري ٢ / ٩٠ ـ ٩١.

۸۹

في مدينة الري.

ولد في قائين وبدأ بها دروسه الحوزوية عند خاله المرحوم (قاضي) والذي كان من العلماء الناسكين الزاهدين ، ثمّ حضر درس البحث الخارج عند السيّد حسين فقيه المعروف بـ : (إمام) وهو من طلّاب الآخوند الخراساني البارزين ، هاجر إلىٰ مدينة مشهد المقدّسة وحضر عند كبار آياتها العظام ومدرّسيها ، ارتحل بعدها إلىٰ قم وحضر درس آية الله البروجردي ، وكان أستاذه البروجردي يوليه عناية خاصّة.

وفي سنة (١٣٢٨ ش) انتقل إلىٰ مدينة الري ، وقام بوظائفه الدينية والتبليغية حيث كان يقيم صلاة الجماعة في مسجد (ملك أفضلي) ويدرّس مادّة الفقه الإسلامي في المدرسة البرهانية ؛ حتّىٰ وفاته سنة (١٣٨٩هـ) ونقل جثمانه إلىٰ مدينة قم ، ودُفن في مقبرة دار السلام»(١).

١٦ـ السيّد حسن المعيني (ت ١٣٦٣هـ)‌ :

قال عنه معاصره الرازي‌ : «حجّة الإسلام والمسلمين السيّد ميرزا سيّد حسن ابن السيّد الجليل السيّد طاهر المعيني ، من العلماء البارزين ومن المعاصرين المعروفين في مدينة الري.

ولد سنة (١٣٠٩هـ) في الري ـ وكان والده من أمناء ورؤساء الآستانة المقدّسة للسيّد عبد العظيم الحسني ـ أكمل المقدّمات الأوّلية في الري ، ثمّ ارتحل إلىٰ طهران ودرس فيها السطوح الوسطىٰ والنهائية عند كبار أساتذة طهران منهم‌ : الشيخ آقا بزرك ساوجي ، والمرحوم آية الله الشيخ محمّد علي اللواساني ، وآية الله الميرزا محمّد علي شاه آبادي.

__________

(١) گنجينه دانشمندان ٤ / ٦٥٠ ـ ٦٥١.

۹۰

وفي سنة (١٣٤٣هـ) هاجر إلىٰ قم وحضر درس الشيخ عبد الكريم الحائري ، وآية الله الخوانساري وكسب منهم التأييد بفضله وعلمه وجامعته.

عاد إلىٰ مدينة الري سنة (١٣٥٤هـ) وتوجّه إليه عامّة الناس ، وكان يقيم صلاة الجماعة والتبليغ للأحكام الشرعية والعقائدية ، حتّىٰ أيّام كهولته»(١) ، توفّي في الري سنة (١٣٦٢هـ) عن عمر بلغ تسعين عاماً ودُفن في مقبرة الكاشي في الري.

١٧ـ السيّد مرتضىٰ الموسوي خادم (ت ١٣٦٣هـ)‌ :

ترجم له معاصره الرازي في كتابه فقال‌ : «سيّد الأعلام وسلالة السادات الكرام ... السيّد مرتضىٰ بن السيّد محمّد بن العالم المتّقي السيّد مراد ... من السادات الكبار في مدينة الري ، وكان من خدّام حرم السيّد عبد العظيم الحسني.

ولد سنة (١٢٨٠هـ) في مدينة الري في بيت عزّ وتقوىٰ ، وسار علىٰ خطىٰ والده في خدمة السيّد الكريم ـ عبد العظيم الحسني ـ وكان علىٰ درجة عالية من الطهارة والتقوىٰ ولهذا تعلّقت به قلوب أهل الري بشدّة وكانوا يلتمسون منه الدعاء لهم إيماناً منهم بالاستجابة.

توفّي رحمه‌الله سنة (١٣٦٣هـ) بعد أن عمّر أكثر من ثمانين سنة ، ودُفن في صحن السيّد الحسني بين الحرمين ، عند مقبرة ناصر الدين شاه»(٢).

١٨ـ السيّد محمّد علي الموسوي (توفّي بعد سنة ١٣٨٢هـ)‌ :

وهو : «العالم التقي والفاضل المتّقي ، السيّد محمّد علي بن السيّد علي نقي بن

__________

(١) المصدر نفسه ٤ / ٦٤١ ـ ٦٤٢ ؛ اختران فروزان : ١٠٤ ؛ سالنامه ري ٢ / ٢٣٨.

(٢) گنجينه دانشمندان ٤ / ٦٤٣ ـ ٦٤٤ ؛ اختران فروزان : ٨٣ ـ ٨٤ ، وذكر سنة وفاته ١٣٦٩هـ.

۹۱

السيّد كبير ابن السيّد أحمد بن هادي الموسوي ؛ ولد في (الثالث من شوّال ١٣٣١هـ) في مدينة (كرمارود الموت) درس مقدّمات العلوم في تنكابن عند الشيخ جعفر المشايخي ، وفي سنة (١٣٤٩هـ) انتقل إلىٰ قم وأكمل فيها دراسة السطوح عند كبار أساتذتها ، ثمّ شدّ رحاله إلىٰ النجف الأشرف ، وحضر عند أساطين أعلامها من أمثال‌ : آية الله الإصفهاني ، والعالم الربّاني الشيخ مرتضىٰ الطالقاني وآية الله الميرزا أبو الحسن المشكيني ، ثمّ عاد إلىٰ قم ، ومكث فيها طويلاً ، حضر خلالها عند آياتها العظام الثلاثة‌ : آية الله الحجّة وآية الله الخوانساري وآية الله الصدر ، وكان خلالها يدرس المتون الفقهية والأصولية لطلّاب حوزة قم.

وفي سنة (١٣٨٢هـ) انتقل إلىٰ مدينة الري مجاوراً للسيّد الكريم عبد العظيم الحسني إلّا أنّه اختار العزلة والانزواء ، وكان مصداقاً لمقولة : (كونوا أحلاس بيوتكم) ، وكان يدرّس في بيته مجموعة من الطلّاب دروس الفقه والأصول والمعقول»(١).

المبحث الثالث‌ : الحوزة العلمية في الري في عصر الدولة البهلوية الشاهنشاهية‌ :

تعدّ فترة حكم الدولة البهلوية الشاهنشاهية والتي لم تتجاوز العقود الستّة من الزمن ، من أحلك الفترات السياسية التي شهدتها إيران عامّة ، والحوزة العلمية خاصّة ، إذ أسّس دكتاتورية فردية «وأقام ـ الشاه رضا ـ نظاماً مركزيّاً اعتمد فيه علىٰ رجال الجيش ، ولجأ إلىٰ الإرهاب والعنف في المعاملة مع علماء الحوزة العلمية في إيران»(٢).

__________

(١) گنجينه دانشمندان ٤ / ٦٤٦ ـ ٦٤٧.

(٢) المرجعية الدينية : ٢٣٧.

۹۲

وبعد عقدين من الزمن أزيح رضا شاه بهلوي عن الحكم ، وحلّ محلّه ولده محمّد رضا شاه ، وحكم لما يقارب (٣٨) سنة ؛ ولم تكن فترة حكم محمّد رضا شاه ، تختلف عن حكم والده رضا شاه ، فقد «واصل سياسة عدم المصالحة مع الحوزة العلمية طوال فترة حكمه ...»(١).

لقد انعكست الأوضاع السياسية الضاغطة علىٰ الحوزات العلمية والعلماء والأساتذة والفضلاء والطلّاب في إيران ، وكان للحوزات الكبرىٰ في قم وإصفهان ومشهد النصيب الأوفر من ظلم واستبداد النظام الحاكم ومؤسّساته القمعية(٢).

ولم تسلم حوزة الري في العهد الپهلوي من شرر النظام الحاكم ، وطالها الإهمال والتهميش ... إلّا أنّها واصلت مسيرتها ببط‏ء واستطاعت أن تحافظ علىٰ وجودها نسبيّاً.

وفيما يلي ملخّص لما يمكن تدوينه من تاريخ حوزة الري في عصر الدولة البهلوية‌ :

أوّلاً‌ : من علماء الري في هذا العصر‌ :

١ـ السيّد نوري الدين الحسيني الميلاني (ت ١٤٢٥هـ)‌ :

ترجم له معاصره محمّد الرازي فقال في ترجمته‌ : «الحاجّ السيّد نور الدين ابن آية الله العظمىٰ السيّد محمّد هادي الميلاني ـ والمترجم له ابن المرجع السيّد عبد

__________

(١) المصدر نفسه : ٢٣٧.

(٢) للتوسّع انظر : تاريخ إيران دوره پهلوى از رضا شاه تا انقلاب إسلامى ، از مجموعه تاريخ كمبريدج ، به سرپرستى پيتراوري ، ترجمه إلى الفارسية : مرتضى ثاقب فر ، دفتر دوم از جلد هشتم ، چاپ نخست ، ١٣٨٨ش.

۹۳

الهادي الميلاني ـ ولد في (١٤ شوّال سنة ١٣٣٦هـ) في النجف الأشرف ، وفي سنة (١٣٥٥هـ) انتقل إلىٰ كربلاء ، وفي سنة (١٣٩٣هـ) أبعد عن العراق ليستقرّ في مدينة الري ، بجوار السيّد عبد العظيم الحسني.

درس مقدّمات العلوم والسطوح عن كبار أساتذة عصره ، ثمّ درس الكتابة عند والده ، والرسائل عند آية الله زين العابدين كاشاني ، والمكاسب عند آية الله حسن الطباطبائي كذلك حضر دروس الفلسفة عند الميرزا غلام حسين التبريزي ، وغيرهم.

وحضر درس البحث الخارج عند والده ، وعند آية الله السيّد الخوئي ، وكان له نشاط اجتماعي وسياسي وتبليغي واسع ومؤثّر في داخل العراق وخارجه ؛ كما أنّه أسّس مكتبة الإمام الحسين عليه‌السلام العامّة في كربلاء»(١).

وللمترجم له آثار علمية منها تقريرات دروس أساتذته ، وشرح للزيارة الجامعة الكبيرة ، وديوان شعر ، ومجموعة متفرّقة من البيانات والخُطب ... كلّها مخطوطة. توفّي في شهر صفر سنة (١٤٢٥هـ) عن عمر ناهز السادسة والثمانين ودُفن في مقبرة شيخان قم(٢).

٢ـ السيّد علي غيوري (ت ١٣٩٣ ش ـ ١٤٣٤هـ)‌ :

ولد المترجم له في نجف آباد ـ من توابع مدينة إصفهان ـ من عائلة فقيرة ، يعمل والده في الكسب اليومي ، في سنّ الخامسة عشر توجّه سيراً علىٰ الأقدام إلىٰ مدينة إصفهان لتلقّي العلوم الإسلامية في حوزتها العلمية ؛ وبعد فترة من الزمن

__________

(١) گنجينه دانشمندان ٤ / ٦٤٧ ـ ٦٤٩.

(٢) دانشنامه ري ١ / ٣٦٥ ـ ٣٦٦.

۹۴

شدّ الرحال إلىٰ مدينة قم ، وفيها تشرّف بلبس العمامة والتحق بحركة (فدائيان إسلام) والتي كان يقودها السيّد نوّاب صفوي.

وفي سنة (١٣٢٧ ش) التحق بحلقة درس السيّد الإمام الخميني ، وأصبح من طلّابه. كان له دور فاعل ومؤثّر في الثورة الإسلامية ، وكان من الساعين لتأمين الغطاء المالي للمجاهدين والمبارزين لنظام الشاه البهلوي ، وكان أيّام إضراب عمّال شركة النفط في مدينة الري يموّل المعتصمين بالمساعدات المالية والرواتب.

وبعد انتصار الثورة الإسلامية كان له حضور فاعل في مفاصل الحياة الدينية والسياسية وكان عضو جمعية العلماء ، وعضو مجلس خبراء القيادة ، وأسّس مدرسة القائم الدينية في قم ، وكان عضو هيئة أمناء آستانة السيّد عبد العظيم الحسني وإمام جمعة الري ، وممثّل الإمام ثمّ القائد في الهلال الأحمر ، توفّي سنة (١٣٩٣ ش ـ ١٤٣٤هـ) ودُفن في صحن السيّد عبد العظيم الحسني(١).

٣ـ محمّد باقر كمره‏اي (پژوهش) (ت ١٤١٦هـ)‌ :

وهو عالم الدين والفقه محمّد باقر بن الحاجّ محمّد والذي ولد في قرية (در كمره) من توابع منطقة خمين ، وتلقّىٰ علومه الأوّلية عند والده الشيخ محمّد والذي كان من فضلاء حوزة إصفهان العلمية ، ثمّ ارتحل إلىٰ مدينة أراك ومنها إلىٰ مدينة قم ، وحضر درس آية الله الشيخ عبد الكريم الحائري سنة (١٣٤١هـ).

كذلك حضر عند السيّد أبي الحسن الإصفهاني ، وعند الميرزا النائيني فترة إبعادهم من العراق إلىٰ قم سنة (١٣٤٢هـ).

ثمّ انتقل إلىٰ إصفهان وحضر عند أساتذتها ، ومنها شدّ رحال السفر إلىٰ

__________

(١) المصدر نفسه ٢ / ٦٩ ـ ٧٠.

۹۵

النجف الأشرف سنة (١٣٤٩هـ) ومكث فيها إلىٰ سنة (١٣٥٨هـ) ليعود بعدها إلىٰ إيران ، ويتّخذ من مدينة الري سكناً له إلىٰ آخر عمره الشريف.

له آثار علمية كثيرة منها تقريرات دروس أساتذته في قم والنجف الأشرف في الفقه والأصول لم تطبع ، وله حاشية علىٰ مكاسب الشيخ الأنصاري ، ورسالة في المكاسب المحرمة ، وغيرها الكثير من المؤلّفات والتي أغلبها باللغة الفارسية وبعضها بالعربية.

توفّي في (الخامس من محرّم سنة ١٤١٦هـ) عن عمر ناهز الخامسة والتسعين عاماً ، ودُفن في صحن حرم السيّد عبد العظيم الحسني(١).

٤ـ محمّد باقر بن محمّد تقي الرازي الإصفهاني (١٣٠١هـ)‌ :

«محدّث ، ومن طلّاب المحدّث النوري صاحب المستدرك ، ودرس عند صاحب الجواهر الشيخ محمّد حسن النجفي ، وحضر درس الشيخ مرتضىٰ الأنصاري والشيخ حسن كاشف الغطاء.

توفّي سنة (١٣٠١هـ) ، وله آثار علمية منها‌ : شرح نظم اللآلي ، والإعسار والرجعة في النكاح»(٢).

٥ـ السيّد مهدي بن السيّد جواد الموسوي (فضيلت)‌ :

ترجم له معاصره وزميله الرازي فقال‌ : «حجّة الإسلام ومبلّغ الأحكام السيّد مهدي بن المرحوم السيّد جواد الموسوي ، من الفضلاء المروّجين للدين ،

__________

(١) دانشنامه ري ٢ / ١٢٨ ـ ١٢٩.

(٢) المصدر نفسه ٢ / ١٥٤ ، عن تراجم الرجال ٢ / ٦٠٣ ؛ ريحانة الأدب ٣ / ٤٠٢.

۹۶

ومن أئمّة الجماعة المعاصرين في مدينة الري.

ولد سنة (١٣٤٥هـ) في مدينة الري ، وأكمل دروس المرحلة الابتدائية الرسمية في مسقط رأسه ثمّ هاجر إلىٰ مدينة قم لتحصيل العلوم العربية والأدبية والدراسة في حوزتها العلمية ، فدرس المقدّمات والسطوح علىٰ يد أساتذة الحوزة ، ودرس المتون الفقهية والأصولية ، وحضر بعض دروس البحث الخارج عند السيّد البروجردي ، وفي سنة (١٣٧٠هـ) عاد إلىٰ الري للقيام بواجباته الدينية والاجتماعية والتربوية ، فقام بتأسيس مدرسة للأطفال بدعم وتشجيع من آية الله بهجت لتربية وتعليم الأولاد الصغار وتنشأتهم النشأة الإسلامية الصحيحة.

وكان يقيم صلاة الجماعة في مسجد مسلم بن عقيل بالإضافة إلىٰ تبليغ الأحكام الشرعية.

أقول‌ : إنّ السيّد الموسوي (فضيلت) من الطلبة الأخيار والعلماء الأبرار ومن المروّجين لأحكام الإسلام في مدينة الري ، وله مكانة واحترام ومحبّة عند عامّة الناس في الري وإنّي أشهد بأنّ معرفتي وصداقتي بهذا الشخص تمتدّ إلىٰ ما يقارب الأربعين سنة لم أرَ منه إلّا الورع والتقوىٰ ؛ وإنّه من أهل التوسّل والولاية»(١).

والمترجم له كان من المعاصرين للرازي وكان حيّاً عند ترجمته.

٦ـ محمّد تقي البافقي (ت ١٣٦٥هـ)‌ :

ترجم له معاصره الرازي ضمن علماء الري ، فقال‌ : «المرحوم المبرور آية الله المجاهد العالم المتّقي الشيخ محمّد تقي بن الحاجّ محمّد باقر التاجر البافقي اليزدي ،

__________

(١) گنجينه دانشمندان ٤ / ٦٤٣.

۹۷

وهو من العلماء المجاهدين الكبار ، ومن أهل الورع والتقوىٰ في عصرنا الحاضر ، والأب الروحي لكاتب هذه الترجمة ، وله حقّ عظيم علىٰ الحوزة العلمية في قم ، ولولا جهوده الحثيثة وسعيه لإقناع آية الله عبد الكريم الحائري بالانتقال إلىٰ قم وتأسيس الحوزة العلمية فيها ، لما تأسّست هذه الحوزة المباركة.

ولد المترجم له سنة (١٣٩٢هـ) في مدينة بافق من توابع مدينة يزد ، من أمّ علوية ووالد متديّن ، انتقل إلىٰ مدينة يزد للدراسة الحوزوية ، وقضىٰ فيها عدداً من السنين ، وقف خلالها وبشجاعة إلىٰ جانب الحقّ والحرّية فأبلغ إعلان المرحوم آية الله الطباطبائي اليزدي ضدّ النظام البهلوي الحاكم ، ممّا أدّىٰ إلىٰ ملاحقته وتتبّع أثره لإلقاء القبض عليه ، إلّا أنّه هرب ليلاً مشياً علىٰ الأقدام وقطع المسافات الطوال حتّىٰ وصل إلىٰ النجف الأشرف.

وفي النجف الأشرف جمع بين العمل كاسباً لتأمين معيشته ، وبين الحضور عند أساطين العلماء والمجتهدين حتّىٰ نال درجة الاجتهاد ؛ فحضر درس الأصول عند الآخوند الخراساني ، ودرس الفقه عند الفقيه اليزدي ، ولسنوات متعدّدة.

عاد إلىٰ قم سنة (١٣٣٧هـ) وكان له دوره في انتقال الشيخ الحائري من حوزة آراك إلىٰ قم وتأسيس حوزتها العلمية(١) ؛ وبذل جهده إلىٰ جانب المؤسّس الحائري في تقديم المساعدات للطلّاب وترتيب أمورهم وترغيبهم بالدراسة والتحصيل.

وفي سنة (١٣٤٦هـ) ونتيجة لمواقفه الجهادية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أبعد قسراً إلىٰ طهران ، وحلّ رحاله في مدينة الري مواصلاً خدماته الدينية والاجتماعية حتّىٰ وفاته في جمادىٰ الأولىٰ سنة (١٣٦٥هـ) فشيّع تشييعاً مهيباً

__________

(١) انظر : تاريخ الحوزات العلمية : المجلّد السادس تاريخ حوزة قم ٦ / ١٠٩ـ١١٠.

۹۸

وحمل إلىٰ قم ودُفن في مقبرة آية الله الحائري»(١).

٧ـ علي أكبر برهان (ت ١٣٧٩هـ)‌ :

ترجم له معاصره ورفيق دربه الشيخ الرازي في كتبه : آثار الحجّة ، وگنجينه دانشمندان ، وأختران فروزان ، والمترجم له طهراني المولد وعرف بـ : (الطهراني).

إلّا أنّه ترك أثراً كبيراً في حوزة الري ، واقترن باسمه ، وهذا الأثر لا زال قائماً مخلّداً صاحبه متجسّداً في المدرسة (البرهانية) أو المدرسة العتيقة وهي من أشهر مدارس الري وأقدمها ؛ وبهذه المناسبة نورد ترجمته ضمن علماء حوزة الري العلمية.

ولد المترجم له في طهران سنة (١٣٢٤هـ) ودرس المقدّمات وقسماً من السطوح الأوّلية عند السيّد محمّد قصير والشيخ علي الرشتي وحجّة الإسلام الأسترآبادي.

شدّ رحاله إلىٰ النجف الأشرف وبقي فيها فترة ثلاث سنوات حضر فيها درس الميرزا محمّد العراقي وحجّة الإسلام مرتضىٰ الطالقاني ؛ ليعود بعدها إلىٰ قم ويدرس كتابي الكفاية والمكاسب عند آية الله الشيخ محمّد علي الحائري ، وآية الله الخوانساري ، كذلك حضر لمدّة درس آية الله عبد الكريم الحائري.

ولإكمال دراسته عاد إلىٰ النجف الأشرف مرّة أخرىٰ وحضر الدروس العالية ـ البحث الخارج ـ عند آية الله السيّد أبو القاسم الخوئي ، وآية الله الإصفهاني.

عاد إلىٰ طهران سنة (١٣٥٨هـ) ، ليقوم بواجباته الدينية والاجتماعية في التبليغ والإرشاد.

__________

(١) گنجينه دانشمندان ٤ / ٦١٩ ـ ٦٢١ ؛ انظر : آثار الحجّة أو تاريخ ودائرة المعارف حوزه علميه قم ١ / ٣١ ـ ٣٦ ؛ وللمؤلّف أيضاً كتاب في سيرة الشيخ البافقي عنوانه (التقوى وما أدريك ما التقوى) لم نطّلع عليه.

۹۹

كان المترجم له يحظىٰ بثقة المراجع الكبار ، ولهذا أوكلت إليه وكالة مطلقة من المرجع آية الله السيّد أبو الحسن الإصفهاني وبعض من المراجع في النجف الأشرف ، ومن قبل المرجع آية الله الحجّة في قم.

كذلك المترجم له يحمل إجازة الاجتهاد من كبار مراجع عصره ، وهم آية الله الإصفهاني وآية الله محمّد كاظم الشيرازي ، وآية الله السيّد محمود الشاهرودي.

لقد قدّم الشيخ البرهان الكثير من الخدمات الإنسانية والاجتماعية والدينية وذلك من خلال المؤسّسات التي سعىٰ حثيثاً في تشييدها ، كالمدارس ورياض الأطفال والمدارس الدينية والمساجد.

وله أيضاً آثار علمية كثيرة تمثّلت في كتب ورسائل وتعليقات في مختلف العلوم والمعارف الدينية.

توفّي رحمه‌الله في سفر الحجّ سنة (١٣٧٩هـ) ودُفن في مقابر جدّة(١).

٨ـ الشيخ سلطان العلماء الكني (توفّي بعد سنة ١٣٧٣هـ)‌ :

وهو نجل المرحوم حجّة الإسلام الشيخ جواد الكني ، وسبط المرحوم آية الله الملّا علي الكني ؛ الرئيس المطلق في عصر ناصر الدين شاه.

ولد في مدينة الري وأكمل فيها المقدّمات والسطوح الأوّلية ، بعدها هاجر إلىٰ قم وأكمل بها السطوح النهائية عند الميرزا الهمداني وغيره ؛ وحضر بعض دروس الفقيه عبد الكريم الحائري.

وفي سنة (١٣٤٧هـ) سافر مع والده إلىٰ مكّة المكرّمة لأداء مناسك الحجّ ، وبعد عودته من الحجّ ورد النجف الأشرف ، واستفاد من محضر درس آية االله

__________

(١) كتاب آثار الحجّة ٢/٢٦٠ـ٢٦١ ؛ اختران فروزان : ٦٤ـ٦٥ ؛ گنجينه دانشمندان ٤/٣٩٥.

۱۰۰

الإصفهاني ، وآية الله العراقي ، وبعد وفاة العراقي انقطع إلىٰ آية الله الإصفهاني.

وفي سنة (١٣٧٣هـ) عاد إلىٰ إيران وسكن في مدينة الري ، وانشغل بإقامة صلاة الجماعة في حرم السيّد عبد العظيم(١).

ثانياً‌ : تولية حرم السيّد عبد العظيم الحسني‌ :

في العصر البهلوي الأوّل والثاني ؛ استمرّ أمر تولية آستانة حرم السيّد عبد العظيم في أسرة المير سيّد حسين خاتم المجتهدين ، فتولّاها ثلاثة من سادات هذه الأسرة وهم‌ :

١ـ الميرزا هداية الله : وهو ابن السيّد حسن وتولّىٰ الأمر بعد والده ، ثمّ انتقلت منه إلىٰ ولده السيّد أحمد ، وهو صاحب القصّة المعروفة في حكمه ضدّ الشاه (رضا خان) في الاختلاف علىٰ الأراضي الزراعية في منطقة سوادكوه ، فحكم لصالح الفلاحين في المنطقة(٢).

٢ـ السيّد أحمد هدايتي : ابن الميرزا هداية الله ، وقد اختار لنفسه لقب (هدايتي) وتولّىٰ الأمر في عصر البهلوي الثاني (محمّد رضا شاه) بعد والده.

٣ـ الدكتور السيّد محمّد علي هدايتي : ابن السيّد أحمد ، وهو آخر متولٍّ من عائلة الميرزا السيّد حسين خاتم المجتهدين ، وتولّىٰ الأمر في أواخر عصر الشاه محمّد رضا ، بعد وفاة والده ، وكان يحتفظ بكلّ الوثائق والأسانيد التاريخية والتي تتعلّق بحرم السيّد عبد العظيم ، وقد جمعها ونشرها في كتاب بعنوان : (آستانه ري) وهي من المصادر المهمّة في تاريخ الري ، وحرم السيّد عبد العظيم.

__________

(١) آثار الحجّة ٢ / ٢٨٤.

(٢) انظر : دانشنامه ري ١ / ٤٨.

۱۰۱

وبالسيّد محمّد علي هدايتي ، انتهت أمور التولية ؛ فقد اتّخذت الدولة الشاهنشاهية قراراً بعزل كلّ المتولّين للأماكن والبقاع المقدّسة والمراقد ، وبعض المساجد ، وقد كان الكثير من هؤلاء المتولّين قد توارثوا أمر التولية من آبائهم وأجدادهم ، فعملت الدولة علىٰ : «إدارة الأوقاف والأمور الخيرية من قبلها ، وسلب إدارتها منهم»(١).

وبقي حرم السيّد عبد العظيم من دون تولية خاصّة ، وإنّما يدار من قبل إدارة الأوقاف بشكل رسمي وتمّ عزل كلّ القائمين علىٰ أمور هذه المراقد ، والأماكن والمساجد ... وبقي الأمر علىٰ هذه الحالة حتّىٰ انتصار الثورة وقيام الجمهورية الإسلامية(٢) ، وسوف يأتي الحديث عن ذلك لاحقاً.

ثالثاً‌ : المدارس الدينية الحوزوية في الري عصر الشاهنشاهية‌ :

لقد تعرّضت الحوزات العلمية والمدراس الدينية في هذا العصر المظلم إلىٰ أنواع من الظلم والاستبداد من قبل النظام الحاكم ومؤسّساته القمعية ، ومن جملة ما قامت به هو مصادرة المدارس الدينية ، وإلغاء وقفيّتها وتوليتها وتسليمها إلىٰ سيطرة الإدارات الحكومية مثل إدارة المعارف وإدارة الأوقاف ؛ وشمل هذا الإجراء المدارس العلمية في الحوزات الكبرىٰ في إصفهان ، وخراسان ولم يستثنِ من هذا الوضع إلّا بعض المدارس القليلة(٣) ، ولهذا تشتّت طلّاب هذه المدارس وأساتذتها ؛ فلم يبقَ لهذه الحوزات ومدارسها إلّا بعض الآثار التي تدلّ عليها.

وكان لحوزة الري ومدرستها العلمية الوحيدة نفس مصير المدارس الدينية

__________

(١) انظر : تاريخ ايران : ٣٥.

(٢) انظر : دانشنامه ري ١ / ٤٨.

(٣) انظر : تاريخ الحوزات العلمية ٨ / ٣٣٨ وما بعدها.

۱۰۲

في الحوزات الأخرىٰ.

فلم يشهد العصر البهلوي أيّ إضافة عينية إلىٰ حوزة الري العلمية ، من حيث المدارس الحوزوية ، أو من حيث المؤسّسات التعليمية الدينية الأخرىٰ كالمساجد والمكتبات وغيرها ، بل إنّ أمر إغلاق المدارس الدينية وتسليمها لإدارة المعارف شمل مدرسة (البرهان) والتي يعود تاريخها إلىٰ العصر السلجوقي ومن أبنية الشاه طغرل بك السلجوقي ، آخر ملوك الدولة السلجوقية ، ولهذا عرفت هذه المدرسة الدينية بـ : (المدرسة العتيقة).

وقد تمّ تعمير هذه المدرسة في عصر الدولة القاجارية في فترة حكم (محمّد شاه قاجار) ، وسمّيت بـ : (المدرسة العظيمية) أو (مدرسة الشاه عبد العظيم).

«وفي عصر رضاخان ؛ والذي كان يقتدي بـ : (آتا ترك) ويلغي كلّ شيءٍ له علاقة بالدين والمذهب ، أصدر أوامره القسرية بتوحّد الأزياء وإلغاء زيّ رجال الدين والمنع من ارتداء العمّة وكذلك مصادرة المدارس العلمية في طهران ، ومشهد والري ، ومناطق أخرىٰ وتسليمها إلىٰ عديمي الثقافة ، وإفراغ هذه المدارس من الدارسين فيها ، وتحويلها إلىٰ مدارس رسمية ابتدائية أو إعدادية أو ثانوية ، فتحوّلت هذه المدرسة إلىٰ مدرسة رسمية فيها ستّة صفوف دراسية ابتدائية وسمّيت بـ : (المدرسة الطاهرية).

ثمّ عطّلت هذه المدرسة وتحوّلت تدريجيّاً إلىٰ مقبرة من مقابر الحرم ، إلّا أنّه في عصر (رضا شاه) استطاع الشيخ علي أكبر برهان أن يخلّص هذه المدرسة من الأوقاف ومن القائمين علىٰ الحرم ، ويجدّد بناءها ويفتتحها سنة (١٣٦٤هـ)

۱۰۳

بحضور مجموعة من العلماء الأعلام»(١).

وفي عصر الجمهورية الإسلامية تمّ تجديد بنائها كما سوف يأتينا لاحقاً.

رابعاً‌ : جانب العمران والبناء‌ :

لا توجد أيّ مؤشّرات تاريخية تشير إلىٰ إضافة عمرانية أو توسعة وتسمية بنائية في مدينة الري وخاصّة حرم السيّد عبد العظيم وما جاورها في هذا العصر ؛ بل إنّ حركة العمران والبناء في الحرم والآستانة قد توقّفت وأصيبت بالشلل الكامل نتيجة سلب صلاحيّات التولية والأوقاف الخاصّة والعامّة من متولّيها ، وتسليمها إلىٰ إدارة الأوقاف التابعة للدولة ، وكلّ ما قدّمه الشاه محمّد رضا لمدينة الري وحرم السيّد هو تشييد بناء مجلّل ضخم لقبر والده (رضا خان)! والذي توفّي في منفاه جنوب أفريقيا ونقل جثمانه إلىٰ القاهرة ودُفن هناك بشكل مؤقّت.

فقد أوعز الشاه محمّد رضا إلىٰ المهندس محسن فروغي وهو أستاذ الهندسة المعمارية وعميد كلّية الفنون الجميلة بجامعة طهران ، وهو الذي أشرف علىٰ بناء القصر الملكي الشهير بقصر (نياوران) وبناية كلّية الحقوق بجامعة طهران ... فكلّف بالإشراف علىٰ بناء ضخم ليكون قبراً لوالده ، وتمّ اختيار مدينة الري ، وبالجانب الغربي من حرم السيّد عبد العظيم الحسني ، مكاناً للمقبور (رضا خان) فتمّ نقل الجثمان بموكب ملكي مجلّل ومراسم وتشريفات ضخمة من القاهرة إلىٰ إيران ليودع في هذا المكان الضخم والذي شغل مساحة واسعة (٩٠٠٠) متر مربّع من الأرض وتتكوّن البناية من طابقين وبنىٰ إلىٰ جانبه متحف يختصّ بالتحف الشاهنشاهية وبقي ضريح الشاه (رضا خان) فترة حكم ابنه الشاه محمّد

__________

(١) انظر : آثار الحجّة ٢ / ٢٦٠ ؛ اختران فروزان : ٦٤ ، وما بعدها ؛ دانشنامه ري ١ / ٢١٢.

۱۰۴

رضا ، وقد افتتح هذا الصرح الضخم سنة (١٩٥٠ م) الموافق (١٣٢٩ ش) ، وخرّب بأمر الحاكم الشرعي الشيخ صادق الخلخالي سنة (١٩٧٩ م الموافق ١٣٥٩ ش) ولم يعثر علىٰ جسد رضا خان في حينه ، وفي سنة (١٣٩٧ ش) تمّ العثور علىٰ مومياء جسد (رضا خان) في نفس المكان.

هذا كلّ ما قدّمه النظام البهلوي لحوزة الري ومدينتها وحرمها الذي يضمّ رفات كبار السادات والعلماء والمحدّثين ، نعم ؛ لم يقدّم شيئاً يذكر ، أو يسجّل في السجلّ التاريخي لهذه المدينة(١).

نعم المكان الذي شغله المقبور (رضا خان) تحوّل بعد إزالته إلىٰ مدرسة دينية باسم حوزة السيّد عبد العظيم كما سوف يأتينا لاحقاً.

وعلىٰ أيّ حال ؛ فكلّ ما أنشأه من عمران وتوسعة وتشييد في مدينة الري عامّة وحوزتها العلمية خاصّة يعود بعضه إلىٰ عصر الدولتين الصفوية والقاجارية وقليل منها يعود إلىٰ ما قبل هاتين الدولتين.

وأمّا التوسعة الشاملة والعمران والبناء والإضافة فإنّها تعود إلىٰ عصر الجمهورية الإسلامية كما سوف يأتينا في فصل لاحق.

نكتفي بهذا المقدار من تاريخ حوزة الري في عصر الدولة البهلوية الشاهنشاهية ، وهو عصر يمكن أن نطلق عليه بعصر الانكماش أو الانحسار ، أو التضيق والتشديد ... ولكن علىٰ الرغم من ذلك استطاعت هذه الحوزة المقاومة والحفاظ علىٰ ما تبقّىٰ من كيانها رغم شدّة وقسوة الظروف التي لازمتها طيلة

__________

(١) للتوسّع انظر : خاطرات آية الله خلخالي ، بالفارسية ، دو جلد ، جلد أول ، أيام مبارزه ، تهران ، نشر سايه ، ١٣٨٤ ش.

۱۰۵

فترة هذه الأسرة الحاكمة ، والتي امتدّ سنيّ حكمها إلىٰ ستّة عقود من الزمن حكم خلالها اثنان فقط من هذه الأسرة وهما (رضا خان) وولده (محمّد رضا).

ويعود الفضل في بقاء حوزة الري إلىٰ صبر وتفاني علمائها ، وطلابها ورعاية المراجع الكبار لها ، وعنايتهم بها ، من خلال وكلائهم ومعتمديهم.

الدور الرابع

الحوزة العلمية في الري في عصر الدولة الإسلامية‌

كان انتصار الثورة الإسلامية ، وقيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية سنة (١٩٧٩م ـ ١٣٥٧ ش) بمثابة الانبعاث المجدّد والولادة الجديدة للحوزات العلمية في إيران عامّة ، ولحوزة الري خاصّة.

لم تكن الثورة الإسلامية في إيران مجرّد تغيير لنظام الحكم من الملكية الاستبدادية ، إلىٰ الجمهورية الإسلامية والتي يحكمها الإسلام والقوانين المستمدّة منه ؛ وإنّما كانت هذه الثورة بمثابة الانقلاب الكامل في القيم الاجتماعية والسياسية ، بل وحتّىٰ الدينية ، وتحوّل كبير ساهم في تحقيقه كلّ فئات المجتمع وشارك في إحداث كلّ الحركات الطلّابية والعمّالية ، والإسلامية ضمن تظاهرات مليونية كانت نتيجتها إسقاط أكبر وأقوىٰ دكتاتورية في المنطقة.

لقد كانت الثورة الإسلامية في إيران أوّل ثورة ناجحة أدّت إلىٰ حكم الإسلام السياسي في المنطقة ؛ ولم تسبقها أيّ ثورة شعبية في العالم ، بل إنّ كلّ حركات التحرّر اللاحقة لها قد تأثّرت بها بشكل وبآخر.

ولقد كان لحوزة الري وعلمائها إسهام في مفاصل هذه الثورة حال نشوبها وبعد انتصارها ، وسجّل لها حضور متميّز وبصمات واضحة ، فاعتقل من اعتقل

۱۰۶

منهم ، وأبعد من أبعد ، كما مرّت الإشارة إلىٰ بعض ذلك.

أدّىٰ هذا الإسهام وهذه الجهود أن أعطت ثمارها يانعة زاهية غنية في عطائها فكانت مرحلة جديدة في عمر هذه الحوزة المباركة ليمكن أن نسمّيها بـ : (مرحلة الانبعاث والتأسيس المجدّد) حيث خرجت من حالة الانكماش والانحسار إلىٰ هذه المرحلة الجديدة.

وفيما يلي فهرسة لأوضاع حوزة الري في دورها الأخير ؛ والتحوّلات التي شهدتها خلال هذه الفترة‌ :

أوّلاً‌ : تولية حرم السيّد عبد العظيم‌ :

مرّ بنا سابقاً وضع تولية وإدارة الحرم ، حيث انتهىٰ الأمر في العصر البهلوي إلىٰ إلغاء أمور التولية وسلبها من المتولّين الشرعيّين في المساجد والمراقد ، والأضرحة ، والمؤسّسات التعليمية ... وتسليمها إلىٰ إدارة الأوقاف التابعة للدولة ؛ وبقي حرم السيّد عبد العظيم والمنشآت التابعة له من دون تولية خاصّة إلىٰ حين انتصار الثورة الإسلامية وقيام الجمهورية الإسلامية ، عندها أمر السيّد الإمام الخميني رضي الله عنه ، تسليم إدارة الحرم لهيئة إدارية تتولّىٰ أمور التولية حتّىٰ يتمّ تعيين تولية جديدة ، وتمّ ذلك واستملت الهيئة الإدارية الجديدة إدارة الحرم ، ثمّ صدر لاحقاً الحكم للشيخ أحمد مولائي بتشكيل هيئة أمناء ، وتشكّلت هيئة الأمناء ، وترأّسها الشيخ أحمد المولائي.

استمرّت هيئة الأمناء بعملها برئاسة الشيخ أحمد مولائي وقدّمت بعض الخدمات العمرانية خلال فترة تولّيها.

وفي سنة (١٣٦٨ ش) شكّل السيّد الخامنئي لجنة لدراسة واقع حرم السيّد عبد العظيم ؛ وبعد فترة من عمل هذه اللجنة رفعت تقريرها المفصّل للسيّد

۱۰۷

الخامنئي ، فأصدر حكمة بتعيين آية الله الشيخ محمّد محمّدي ري شهري لتولية حرم السيّد عبد العظيم الحسني ، مع توصيات بتوسعة الحرم وإنشاء المؤسّسات الخدمية والتعليمية ، ونشر العلوم والمعارف الإسلامية وخدمة المحرومين والمستضعفين(١).

وبتولّي الشيخ الري شهري(٢) أُمور التولية بدأت حركة الإعمار والتوسعة والبناء وبوتيرة متسارعة وكلّ ما نراه من إعمار وتوسعة حديثة للحرم يعود إلىٰ هذه الفترة ؛ ولا يمكن لنا أن ندخل في تفاصيل المنجزات التي تحقّقت مع التولية الجديدة في عصر الجمهورية الإسلامية وإنّما نذكر منها ما يخصّ الحوزة العلمية في الري وما يلامس الحركة العلمية والثقافية والفكرية.

١ـ إنشاء كلّية الحديث ، وجامعة القرآن والحديث‌ :

وهي من أهمّ المؤسّسات التعليمية التي أنشأت بعد انتصار الثورة الإسلامية ، إذ قبل تأسيس هذه الكلّية لم يكن للحديث وعلومه في النظام التعليمي العالي ، إلّا لجنة علمية جامعية ، ولكن وبسعي وجهود تولية الآستانة ، ارتقىٰ معارف علم الحديث من مجرّد لجنة علمية وتخصّص إلىٰ (كلّية للحديث) والتي ارتقت بدورها إلىٰ (جامعة للقرآن والحديث).

وكلّية علوم الحديث من مؤسّسات التعليم العالي الأهلية ؛ وافتتحت سنة (١٣٧٨ ش) بإجازة رسمية صادرة من الهيئة العليا للثورة الثقافية ، وتعمل كأحد الأقسام في مؤسّسة دار الحديث العلمية الثقافية.

__________

(١) دانشنامه ري ١ / ٥٠.

(٢) سوف نذكر ترجمة مختصر للشيخ المحمّدي الري شهري لاحقاً.

۱۰۸

وقد حدّدت لهذه الكلّية أهداف ومخرجات أساسية أدرجت ضمن قانون ونظام التأسيس منها‌ :

أ : إعداد وتخريج أساتذة متخصّصين في علوم الحديث والمعارف الدينية.

ب : إعداد المحقّقين والخبراء في مجال البحث والتحقيق الإسلامي في فروع علم الحديث.

ج : إعداد المبلّغين للمعارف الإسلامية لداخل البلد ولخارجه من خلال البيوت والمراكز الثقافية.

د : استقبال الراغبين في الدراسة والتحقيق في علوم الحديث من البلدان الإسلامية.

هـ : تهيئة الظروف المناسبة لارتقاء المستوىٰ العلمي والثقافي للعاملين في مؤسّسات الدولة.

و : اكتشاف المواهب الخلّاقة ، وتهيئة مستلزمات مواصلة دراسات العليا في مجال إعداد المتخصّصين في الحديث والتبليغ والتحقيق(١).

وشيّدت كلّية الحديث بناية كبيرة علىٰ أرض مساحتها (٥٧١٥ متر مربّع) وبلغ تراكم البناء (٨٠٠/٧ متر مربّع) بالقرب عن مرقد السيّد عبد العظيم الحسني في مدينة الري ، ومن أهمّ ما تحتويه هذه المؤسّسة التعليمية ، وجود مكتبة تخصّصية لعلوم الحديث ، تضمّ نفائس المخطوطات في علوم الحديث ، المركز الكومبيوتري ، مركز تعليم اللغة ، مركز الرصد النجومي ، قاعات كبيرة للاجتماعات ، مجموعة الألعاب الرياضية ، القسم الداخلي لسكن ومبيت الطلّاب

__________

(١) انظر : دانشنامه ري ١ / ٦٢.

۱۰۹

بالإضافة إلىٰ القسم الإداري والتعليمي.

افتتحت هذه الكلّية في الرابع عشر من شهر رجب (١٤٢٠هـ) الثاني من شهر آبان سنة (١٣٧٨ ش) بحضور كبار الشخصيّات الرسمية والعلمائية.

وفي سنة (١٣٨٥ ش) افتتح فرع آخر لكلّية الحديث في مدينة قم ، واستحدث لها بناء جديد ضمن مجموعة أبنية مؤسّسة دار الحديث.

وفي سنة (١٣٩٢ ش) حصلت دار الحديث علىٰ موافقة وزارة التعليم العالي في الجمهورية الإسلامية لتحويل (كلّية الحديث) إلىٰ (جامعة القرآن والحديث) وتضمّ فروع الحديث ، والفقه ، والحقوق ، وعلم النفس الإسلامي ... وافتتح لها فروع من المدن الإيرانية الكبرىٰ مثل‌ : إصفهان ، ومشهد ، وبرديس طهران(١).

٢ـ توسعة متحف الآستانة المقدّسة‌ :

أشرنا سابقاً إلىٰ تأسيس متحف السيّد عبد العظيم الحسني في عصر الدولة الصفوية لحفظ النفائس والهدايا الكثيرة التي كانت تهدىٰ لضريح السيّد الحسني ، والتي تكاثرت بمرور الزمن ، والذي يبدو تأريخيّاً أنّ هذا المتحف قد تحوّل بمرور الزمن إلىٰ مجرّد (مخزن) لحفظ الأعيان النفيسة والثمينة ، وكانت عرضة للتلف والضياع ؛ بالإضافة إلىٰ حرمان الزوّار من الاطّلاع ومشاهدة هذه النفائس وبعضها تحف فنّية تجلّىٰ فيها الفنّ والزخرفة والنقوش الإسلامية بأحلىٰ صورها عبر التاريخ ؛ ولهذا كانت الآستانة المقدّسة بحكم الفاقدة للمتحف.

ومن هنا أقدمت تولية الحرم علىٰ استحداث بناء بمساحة واسعة وتتوفّر فيه المواصفات والمعايير المعروفة في المتاحف ، ويتكوّن من ثلاثة أدوار ، ويقع في

__________

(١) المصدر نفسه ١ / ٦١ ـ ٦٣.

۱۱۰

الضلع الجنوبي الشرقي وبالقرب من المصلّىٰ الكبير.

افتتح هذا المتحف رسميّاً في الثامن من آبان سنة (١٣٨١ ش)(١).

٣ـ تأسيس مكتبة الري‌ :

وعلىٰ مساحة واسعة وبتراكم بناء يصل إلىٰ (٣٢٥٠ متر مربّع) تمّ تأسيس مكتبة الري ، وتضمّ المكتبة أقساماً متعدّدة منها مخازن ومستودعات لحفظ الكتب ، ومنها صالونات كبيرة مجهّزة بأحدث الوسائل للمطالعة.

وقد شملت المكتبةَ التوسعةُ الجامعة للآستانة المقدّسة فخصّص لها مساحة واسعة تبلغ (٥٣٠٠ متر مربّع).

٤ـ تعمير وتوسعة وبناء المدارس الدينية (مدرسة البرهان أنموذجاً)‌ :

من أهمّ وأقدم المدارس العلمية الدينية في مدينة الري وحوزتها العلمية هي مدرسة (البرهان) والتي أشرنا إليها سابقاً بمناسبات متعدّدة ، لقد مرّت هذه المدرسة بأطوار متعدّدة من حيث البناء والتعمير ، والتي كان آخرها ما قام به المرحوم الشيخ علي أكبر برهان سنة (١٣٦٤هـ) ، من تعمير شامل للمدرسة وافتتاحها ، إلّا أنّها قد أهملت بعد ذلك كما بيّنا سابقاً في ترجمة المرحوم الشيخ برهان.

وفي هذا العصر المبارك تمّ إحياء هذه المدرسة علىٰ مساحة تقدّر بـ : (٥٢٥٠ متر مربّع) وفي مكانها القديم بجوار السوق القديم ، ومقبرة السيّد (إمام زاده طاهر) في مدينة الري قرب حرم السيّد عبد العظيم الحسني ، وتتألّف البناية الجديدة لمدرسة البرهان من ثلاثة طوابق تشمل كلّ ما تحتاجه المدرسة وطلّاب

__________

(١) المصدر نفسه ١ / ٦٩ ـ ٧٠.

۱۱۱

من مستلزمات ضرورية(١).

٥ـ تأسيس دار الحديث‌ :

وهي مؤسّسة علمية ثقافية تفي بالتحقيق في علم الحديث ، أسّسها متولّي آستانه السيّد عبد العظيم الحسني في الري آية الله الشيخ محمّد المحمّدي الري شهري في مدينة الري ، إلّا أنّ بنايتها تقع ضمن مجموعة جامعة القرآن والحديث ، وتشتمل علىٰ بناية من أربعة طوابق ، وعلىٰ مساحة تقدير (٣٦٠٠٠ متر مربّع) ، وتحتوي علىٰ مركز تحقيقات ، صالونات كبيرة للاجتماعات والمؤتمرات ، مصلّىٰ ، بالإضافة إلىٰ الأمور الترفيهية والخدمية(٢).

ولهذه المؤسّسة نتاج علمي ممتاز في مجال علم الحديث ، والتحقيق ، والنشر والتوزيع.

٦ـ تأسيس مجموعة مدارس الكوثر‌ :

وهي مجموعة تعليمية ثقافية تأسّست لجبران وسدّ النقص الحاصل في الفضاء التعليمي في جنوب العاصمة طهران ومدينة الري ، وخاصّة للطلّاب النابهين والذين عندهم الاستعداد الذهني الخلّاق وينتمون إلىٰ العوائل الفقيرة المستضعفة.

وقد خصّص من بناية هذه المجموعة قطعة من الأراضي الموقوفة علىٰ حرم السيّد عبد العظيم تقدّر بـ : (١٧٠٠٠ متر مربّع) وتمّ بناء الأقسام الأولىٰ والثانية والثالثة ، وافتتحت الدراسة الرسمية فيها للمقاطع الدراسية الابتدائية والمتوسّطة للذكور والإناث وتشتمل البناية علىٰ ثلاثة طوابق ، وستّة عشر قاعة دراسية ،

__________

(١) المصدر نفسه ١ / ٧٠.

(٢) دانشنامه ري ١ / ٧٨.

۱۱۲

بالإضافة إلىٰ صالون الاجتماعات ، والمصلّىٰ ، والمكتبة وسائر الملحقات الخدمية الأخرىٰ (١).

٧ـ خدمات أخرىٰ :

وللتولية الكريمة لمرقد السيّد عبد العظيم خدمات تأسيسية كثيرة لا يمكن لنا استيعابها في هذا المختصر بالتفصيل ؛ منها‌ :

أ : توسعة الحرم ومراقد السادة والعلماء المدفونين فيها.

ب : بناء المساكن للمستضعفين.

ج : بناء مركز الكوثر الطبّي.

د‌ : استحداث دار للضيافة ... وغيرها الكثير(٢).

ثانياً‌ : تأسيس مديرية الحوزة العلمية في الري والمدارس التابعة لها في الري‌ :

مع انتصار الثورة الإسلامية وتأسيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية ، انصبّ الاهتمام علىٰ أمور الحوزات العلمية لتعويض ما فاتها من سنوات التضييق والمحاصرة ممّا أدّىٰ إلىٰ ركودها ، أو اضمحلال بعضها وانتهائها ، فتأسّست مديرية الحوزات العلمية في مدينة قم المقدّسة باعتبارها مركزاً للحوزة العلمية ، وكذلك أصبح للحوزات العلمية في المدن الإيرانية مديريات ترتبط بمديرية الحوزة العلمية في قم ، وحظيت بعض المديريات الحوزوية في المدن الكبرىٰ كإصفهان ، ومشهد بمديرية مستقلّة عن قم.

وكان لحوزة ري العلمية نصيبها من هذا الاهتمام فتأسّست مديرية حوزة

__________

(١) المصدر نفسه ١ / ٧٦.

(٢) للتوسّع انظر : المصدر نفسه ١ / ٣٨ وما بعدها.

۱۱۳

الري العلمية من أجل تنظيم السير الدراسي والعلمي والإداري فيها ، فبدأ عمل هذه المديرية بحوزتين وهما‌ :

١ـ حوزة السيّد عبد العظيم الحسني العلمية‌ :

وهي الحوزة التي شيّدت علىٰ المساحة التي كان يشغلها قبر المقبور (رضا خان) والذي هدّم في بدايات انتصار الثورة الإسلامية كما أشرنا إلىٰ ذلك سابقاً ، حيث أنشئ مكانها هذا الصرح العلمي باسم حوزة الري العلمية ، أو (حوزة الشاه عبد العظيم) أو (مدرسة السيّد عبد العظيم العلمية) ، وفي سنة (١٣٦٦ ش) افتتحت هذه المدرسة وتمّ قبول حدود (٧٠) طالب علم فيها في عامها الدراسي الأوّل ومنذ تاريخ افتتاحها إلىٰ الآن انتسب إلىٰ هذه المدرسة وتخرّج منها في حدود (١٥٢٥) طالب علم ، ولا زالت مستمرّة في عطائها العلمي والثقافي والفكري.

ولهذه المدرسة إمكانية التوسّع في القبول ، إذ يمكنها أن تستوعب أكثر من (٣٠٠) طالباً ، من خلال بنايتها الواسعة والتي تحتوي علىٰ كلّ الإمكانات التربوية والتدريسية والرفاهية والسكنية.

وتشتمل هذه المدرسة مساحة من الأرض تقدّر بـ : (١١٥٠٠ متر مربّع) بالإضافة إلىٰ مساحة (٦٥٠٠ متر مربّع) من الأرض تحيط بها وتابعة لها ، فتكون المساحة الكلّية (١٨٠٠٠ متر مربّع) وهي مساحة واسعة وفضاء علمي كبير.

تحتوي بناية المدرسة علىٰ (٦٨) صفّاً دراسيّاً ، و (٤٥) غرفة لسكن الطلّاب في القسم الداخلي ، بالإضافة إلىٰ مكتبة كبيرة ، وصالة مطالعة ، ومنشآت خدمية وإدارية ورفاهية أخرىٰ.

ويبلغ عدد الطلّاب والدارسين في هذه المدرسة في الوقت الحاضر (١٢٠)

۱۱۴

طالب علم ، ينتظمون في ستّ مراحل دراسية ، كما ويبلغ عدد أساتذتها ومدرّسيها (١٨) أستاذاً ومدرّساً من ذوي الاختصاص والتجربة الواسعة في مجال تخصّصهم.

٢ـ حوزة البرهان العلمية‌ :

وهي من الحوزات العلمية القديمة في بلاد الري ، ويرجع زمان تأسيسها إلىٰ عصر الدولة السلجوقية ... وقد تحدّثنا سابقاً عن هذه المدرسة وعن مؤسّسها الثاني الشيخ علي أكبر برهان والتي سمّيت المدرسة باسمه.

والذي نضيفه إلىٰ ما سبق أنّ هذه المدرسة قد تولّىٰ أمرها وإدارتها المرحوم حجّة الإسلام والمسلمين رفيعي إمام جمعة الري في حينه ، وذلك في أوائل أيّام انتصار الثورة الإسلامية ، واستمرّت هذه التولية إلىٰ سنة (١٣٦٨ ش).

وبعد وفاة الشيخ الرفيعي ، تولّىٰ أمرها الشيخ تاج آبادي بتكليف من متولّي آستانه السيّد عبد العظيم الحسني.

وفي سنة (١٣٧٠ ش) هُدّم البناء القديم لهذه المدرسة وشيّد في محلّه بناء جديداً وبمواصفات جديدة ، وتحوّل طلّاب المدرسة مؤقّتاً إلىٰ مدرسة السيّد عبد العظيم إلىٰ حين إكمال بناء المدرسة ، والتي بنيت علىٰ مساحة تقدّر في حدود (٥٠٠٠ متر مربّع) ـ خمسة آلاف متر مربّع ـ وافتتحت سنة (١٣٨٨ ش)(١).

وممّا لا شكّ فيه أنّ هناك مدارس دينية فرعية أخرىٰ لرجال في مدينة الري وتابعة لحوزتها العلمية الحديثة ، ولكن من أرّخ لهذه الحوزة اكتفىٰ بذكر هاتين المدرستين ، ولم يذكر غيرها! بل إنّ بعضهم لم يذكر حوزة الري ضمن تعريفه

__________

(١) موقع الحوزة : hewzah.net ؛ انظر : مجلّة المحدّث : العدد ٤ ، بهمن واسفند ١٣٨٥ ش.

۱۱۵

الإجمالي ببعض الحوزات العلمية(١).

ومهما يكن من أمر فإنّ المدارس العلمية في الري كغيرها من المدارس الدينية في الحوزات العلمية الأخرىٰ يكون القبول فيها من خلال القبول المركزي الذي تجريه سنويّاً مديرية الحوزة العلمية في قم علىٰ مرحلتين : التحريري ، والشفهي (المقابلة) وبعد توفّر الشروط الأخرىٰ وقبول الطالب في الامتحانين يتمّ تنسيبه إلىٰ الحوزة التي يرغب بالدراسة فيها أو التي تكون قرب محلّ سكناه(٢).

التعليم النسوي في حوزة الري العلمية‌ :

٣ـ مدرسة السيّد عبد العظيم الحسني ـ قسم النساء‌ :

نظراً للدور المتميّز الذي قامت به المرأة في انتصار الثورة الإسلامية ، ومن أجل رفع مستواها المعنوي والعلمي والثقافي ، فقد أولاها قائد الثورة الإسلامية ومؤسّس الجمهورية الإسلامية السيّد الإمام الخميني رحمه‌الله عناية فائقة ؛ وما تأسيس وتوسعة الحوزات العلمية للنساء وفي كافّة المدن الإيرانية إلّا مصداق من مصاديق هذه العناية وهذا الاهتمام الكبير.

وفي مدينة الري ، وبجوار مرقد السيّد عبد العظيم الحسني عليه‌السلام ومراقد السادة الأطهار المجاورين له ؛ تأسّست مدرسة السيّد عبد العظيم للدراسات الدينية الحوزوية للأخوات وذلك سنة (١٣٧٢ ش).

__________

(١) انظر : دانشنامه ري ١ / ٣٧٩ و ٣٨٩ ؛ حوزه‏هاى علميه : ٤٣٠ ؛ تبارنامه حوزه وروحانيت : ١٠٧ وما بعدها.

(٢) انظر : سايت الحوزة : Hozeh@Abdulazim.com.

۱۱۶

وفي سنة (١٣٧٩) تمّ تبنّي هذه المدرسة بشكل رسمي من قبل مركز مديرية الحوزات للأخوات ، فواصلت مسيرتها العلمية والثقافية والتحقيقية بشكل واسع.

عدد طالبات هذه المدرسة الحوزوية في الوقت الحاضر (٣٤٦) طالبة ، يتوزّعن علىٰ المراحل الدراسية ؛ ففي مرحلة الدراسات الأوّلية البكالوريوس (١٥٤) طالبة ، بعضهنّ حضورها كامل ، والبعض الآخر حضورها جزئي ، وقد تخرّج من المدرسة بعد إكمال مرحلة الدراسة الأوّلية (٢٥٠) طالبة ، ومن هذا العدد من واصل دراساته العليا (الماجستير) وقد نوقشت رسائل (١٣٣) طالبة ، وقبلت رسائلهنّ ، وفي حدود (٥٣) طالبة لا زلن في مرحلة تدوين رسائلهنّ.

وتشتمل هذه المدرسة علىٰ بنايتين متجاورتين وكلّ بناية تتكوّن من طابقين ، وتشتمل علىٰ القسم الإداري والتعليمي والخدمي ، وتبلغ المساحة الكلّية لأرضية البنايتين في حدود (٢١٠٠ متر مربّع) بالإضافة إلىٰ حدود (٥٠٠ متر مربّع) مساحة خضراء تحيط بها.

وتتمّ الدراسة في هذه المدرسة علىٰ مرحلتين‌ :

الأولىٰ : مرحلة دراسة البكالوريوس ، ومدّتها خمس سنوات تدرس الطالبة خلالها الموادّ الدراسية المقرّرة ضمن الوحدات الدراسية البالغة (١٩٠) وحدة دراسية ، وتنتهي ببحث التخرّج ، والدراسة حضورية تمام الوقت المقرّر لها بحسب توزيع الوقت إداريّاً.

الثانية‌ : مرحلة دراسة الماجستير ، وتُقبل فيها الطالبات بعد توفّر شرائط القبول واجتياز الامتحان والتقييم العلمي التحريري والشفهي ، وشرائط أخرىٰ تحدّدها إدارة المدرسة ، ومدّة الدراسة في هذه المرحلة بحسب نظام وزارة التعليم العالي ، وتدرّس فيها الاختصاصات التالية‌ : (الفقه والأصول) و (التفسير وعلوم

۱۱۷

القرآن) و (علم الكلام) و (الفلسفة) و (التاريخ)(١).

٤ـ مدرسة الزهراء عليها‌السلام العلمية للنساء‌ :

وهي من مدارس الحوزة العلمية في الري ، قسم التعليم النسوي ، وتقع في مدينة الري شارع قم باتّجاه حرم السيّد عبد العظيم الحسني ، مؤسّس هذه المدرسة ومتولّيها المرحوم الشيخ رمضان زماني (ت ١٤٣٩هـ) ، وهي تابعة في نظامها التعليمي لمديرية الحوزات العلمية قسم التعليم النسوي في قم ، ويتمّ قبول الطالبات فيها عن طريق القبول العامّ والذي يتمّ سنويّاً علىٰ مرحلتين (التحريري ، والشفهي) وللمدرسة نظام تعليمي دقيق يتدرّج فيه الطالب من مرحلة الدراسة الأوّلية (البكالوريوس) إلىٰ مرحلة الدراسات العليا (الماجستير والدكتوراه) وضمن التخصّصات والفروع العلمية التي أقرّتها وزارة التعليم العالي والبحث العلمي.

ثالثاً‌ : من أبرز علماء الري في عصر الدولة الإسلامية‌ :

لقد شهدت الحوزة العلمية في الري وعلىٰ مدىٰ تاريخها الطويل حضور علماء كبار ، ومحدّثين عظام ، وفقهاء وأصوليّين ومفسّرين ... قدّموا للإسلام والمسلمين ، وللحوزات العلمية كثيراً من الخدمات ، وخلّفوا للأجيال كثيراً من الآثار العلمية ، وعيون الكتب التراثية.

وقد ذكرنا سابقاً أسماء نخبة من أعلام علماء حوزة الري العلمية وبمختلف مراحلها التاريخية ، ولم يكن بالإمكان استيعابهم جميعاً في هذا المختصر ، وهنا نذكر بعض الأعلام ممّن كان لهم دور مؤثّر وفاعل في حوزة الري في عصر الثورة

__________

(١) انظر : سايت الحوزة : www.hossna.com ـinf@hossna.com.

۱۱۸

الإسلامية ، والجمهورية الإسلامية‌ :

١ـ آية الله الشيخ محمّد المحمّدي الري شهري (معاصر)‌ :

وهو محمّد بن إسماعيل المحمّدي الري شهري. ولد في عام (١٣٦٥هـ) بمدينة الري غرب العاصمة طهران ، أنهىٰ دراسته الابتدائية عام (١٣٧٩هـ) ، ثمّ دخل مدرسة برهان العلمية في مسقط رأسه ، ثمّ سافر عام (١٣٨٠هـ) إلىٰ مدينة قم ليواصل دراسته الحوزوية ، حيث أكمل دراسته فيها وفي بداية انتصار الثورة الإسلامية في إيران ، وخلال دراسته قضىٰ فترة قصيرة في مدينة مشهد ، ومدينة النجف الأشرف.

حضر عند كبار مراجع قم وأساتذتها في الفقه والأصول والعلوم الأخرىٰ ، ومن أساتذته‌ :

ـ الشيخ مرتضىٰ الحائري اليزدي.

ـ الشيخ حسين وحيد الخراساني.

ـ السيّد الگلپايگاني.

ـ الشيخ محمّد فاضل اللنكراني.

ـ الشيخ محمّد علي الأراكي ... وغيرهم.

له الكثير من المؤلّفات والكتب منها‌ : ميزان الحكمة ، الحج والعمرة ، أصول المعرفة وغيرها ، كما أنّه تقلّد مناصب كبيرة في الجمهورية الإسلامية ...(١).

__________

(١) انظر سايت : arabic.tebyan.net.

۱۱۹

٢ـ الشيخ رمضان علي زماني (ت ١٤٣٩هـ)‌ :

ولد في بلدة نجف آباد من توابع إصفهان سنة (١٣٠٧هـ) ، وأكمل فيها دروس المقدّمات الأوّلية ، ثمّ هاجر إلىٰ طهران وأكمل فيها دراسته الحوزوية.

كان له دور كبير في تأسيس المشاريع الخدمية والإنسانية والعلمية ، حيث أسّس أربع مدارس حوزوية ، منها مدرسة الزهراء للنساء والتي تولّىٰ توليتها إلىٰ حين وفاته.

كذلك أسّس أربع دور لتحفيظ وتلاوة القرآن الكريم ، بالإضافة إلىٰ تأسيس مؤسّسات ما يعرف بـ : (صناديق القرض الحسنة) وهي عبارة عن مشاريع خيرية لتقديم القروض والمساعدات للمحتاجين والفقراء ، تولّىٰ إمامة الجماعة في مسجد باقر العلوم في منطقة سرتخت في الري ، واستمرّ في إقامة صلاة الجماعة في هذا المكان لفترة طويلة ناهزت (٦٠) سنة.

كان رحمه‌الله من المشاركين الفاعلين في أحداث الثورة الإسلامية في إيران ، وله دور كبير في ترسيخ وتجذير أسس ومفاهيم هذه الثورة المباركة من خلال خطبه ومواعظه ، وأسّس من أجل هذا الأمر ما يعرف بـ : (مكتب الهادي) لنشر الوعي الثوري في صفوف الأمّة ، فكان هذا المكتب بمثابة مركز إشعاع للثوّار والمجاهدين.

جعل من بيته مأوىٰ لرجال الثورة أيّام تصاعد تحرّكها في طهران والمدن الأخرىٰ ، فنزل في بيته آية الله السيّد علي الخامنئي ، وآية الله الشيخ هاشمي رفسنجاني ، والسيّد الشهيد هاشمي نژاد ، وآية الله الخزعلي وغيرهم.

ورغم كونه من رجال الثورة الإسلامية ، ويحمل في صدره الكثير من ذكرياته في أفراحها وأحزانها ، وله علاقات واسعة برجالها ، إلّا أنّه لم يتصدَّ لأيّ مسؤولية رسمية طيلة حياته ، حيث توفّي في (الأوّل من محرّم ١٤٣٩هـ) عن عمر ناهز

۱۲۰

التسعين عاماً ودُفن في حرم السيّد عبد العظيم(١).

٣ـ محمّد شريف الرازي (ت ١٤٢٠هـ)‌ :

وهو المؤرّخ وصاحب الآثار العلمية القيّمة ، ولد في (شهر رمضان سنة ١٣٤٠هـ) في مدينة الري ، وكان والده الملّا الآخوند علي جان من وعّاظ مدينة الري ، وتوفّي وعمْر المترجَم له لم يتجاوز الثالثة عشر سنة من عمره ، ممّا اضطرّ للعمل والكسب اليومي لتأمين معيشته ، ومع هذه الظروف درس في المدارس الرسمية وأكمل المقدّمات الأوّلية الحوزوية في الري ، ثمّ شدّ رحاله إلىٰ قم سنة (١٣٥٧هـ) ، فأكمل فيها دراسة السطوح ، وحضر الدروس العالية في الفقه والحكمة ، عند كبار أساتذتها من أمثال آية الله المرعشي النجفي ، وآية الله السيّد الگلپايگاني ، والسيّد روح الله الخميني.

وفي سنة (١٣٦٢هـ) رحل إلىٰ النجف الأشرف وحضر درس آية الله السيّد أبو الحسن الإصفهاني ، والشيخ غلام حسين الأردبيلي ، إلّا أنّه لم يمكث طويلاً في النجف الأشرف ، إذ عاد منها سنة (١٣٦٣هـ) ليحطّ رحاله في مدينة مشهد وحوزتها العلمية ، ليعود بعدها إلىٰ قم ويمكث فيها لمدّة عشر سنوات ، حضر خلال دروس الآيات العظام‌ : الحجّة ، والكوهكمري ، والسيّد البروجردي ، ليعود بعدها إلىٰ وطنه مدينة الري ، ويساهم في تأسيس المدرسة البرهانية مع آية الله علي أكبر برهان ، ويشترك معه في إدارتها والتدريس فيها.

وبعد خمس سنوات من سكنه في الري ، عاد إلىٰ مدينة قم ليتفرّغ للكتابة والتأليف والقيام بمهمّة التبليغ في الداخل والخارج.

__________

(١) انظر : سايت : fkrda.fr/٠٠٣oh ؛ گنجينه دانشمندان ٤ / ١٢٩.

۱۲۱

ومن آثاره العلمية‌ :

ـ كتاب آثار الحجّة : أرّخ فيها لحوزة قم المقدّسة من تاريخ حضور مؤسّسها الشيخ عبد الكريم الحائري سنة (١٣٤٠هـ) إلىٰ حين وفاته ويقع الكتاب في مجلّدين مع ملحق.

ـ كتاب گنجينه دانشمندان : في تسع مجلّدات أرّخ فيها للعلماء المعاصرين في العراق وإيران.

ـ كتاب زندگاني حضرت عبد العظيم الحسني وأبناء الأئمّة المجاورين لمدفنه.

ـ كتاب اختران فروزان ري وتهران : أرّخ فيه لعلماء الري وطهران وخاصّة المعاصرين فيها.

ـ كتب أخرىٰ في تراجم العلماء وبعض المواضيع العقائدية والأخلاقية.

توفّي رحمه‌الله في السابع من المحرم سنة (١٤٢٠هـ) عن عمر بلغ الثمانين عاماً ، عاصر خلالها نهاية الدولة القاجارية ، وظهور وسقوط الدولة البهلوية ، ثمّ انتصار وقيام الدولة الإسلامية. دُفن رحمه‌الله بعد تشييع مهيب في مقبرة شيخان في قم(١).

٤ـ آية الله السيّد مهدي لاله زاري (معاصر)‌ :

ترجم له معاصره محمّد الشريف الرازي في كتابه فقال‌ : «آية الله سيّد العلماء والمجتهدين حجّة الإسلام والمسلمين آية الله الحاجّ السيّد مهدي لاله زاري ، من العلماء البارزين المعروفين المعاصرين في طهران ، ومن المقيمين في الزاوية المقدّسة

__________

(١) دانشنامه ري ١/ ٤٩٦ ـ ٤٩٨ ، وقد ترجم لنفسه في كتابه آثار الحجّة ٢ / ٣٩٣ ـ ٣٩٩ ، وكان عمره في حينها لم يتجاوز ٣٣ سنة ، وله ترجمة في دائرة معارف التشيّع ١ / ١٠.

۱۲۲

من مدينة الري».

ولد سماحته في طهران سنة (١٣٢٤هـ) ودرّس فيها مقدّمات العلوم والسطوح عند الشيخ مهدي النوري ، والميرزا طاهر تنكابني ، ثمّ هاجر إلىٰ النجف الأشرف في عصر الفقيه آية الله العظمىٰ السيّد محمّد تقي الشيرازي إلّا أنّه عاد إلىٰ إيران بعد فترة قصيرة.

ثمّ هاجر مجدّداً إلىٰ النجف الأشرف سنة (١٣٤٢هـ) ، فحضر درس الأصول عند المرحوم آية الله المشكيني ، وحضر ولمدّة (١٢) سنة درس المرحوم آية الله العظمىٰ الإصفهاني ، وآية الله آقا ضياء الدين العراقي ، وآية الله الشيخ كاظم الشيرازي.

ثمّ عاد إلىٰ إيران سنة (١٣٦٠هـ) وحطّ رحاله في طهران وانشغل بأداء وظائفه الدينية والاجتماعية والروحية ؛ وفي سنة (١٣٧٠هـ) هاجر مجدّداً إلىٰ النجف الأشرف ومكث فيها مدّة لا تتجاوز السنتين ، ليعود بعدها إلىٰ إيران ، مرجّحاً السكن في مدينة الري ؛ مجاوراً للسيّد عبد العظيم الحسني ؛ ومنذ أن حلّ في هذه المدينة وهو مشغول بأداء الوظائف الدينية والروحية ، وكان ولا زال إلىٰ الآن يقوم بأداء الخدمات الجليلة والآثار الخالدة لأبناء هذه المدينة وزائريها.

أقول ـ ولا زال الكلام للرازي ـ : إن آية الله لاله زاري من العلماء العاملين والفضلاء الكاملين ، والفقهاء الناطقين ؛ وله خدمات جليلة في إيجاد وتأسيس وبناء المساجد والمدارس ، بالإضافة همّته العالية في التبليغ من خلال منبره الجذّاب والمؤثّر والنافذ إلىٰ قلوب الناس ، وهو أوّل عالم دين متنفّذ في مدينة الري ، وكثير من أهالي هذه المدينة ومدينة طهران يكنّون له الاحترام ولهم به إرادة ومحبّة روحية عميقة.

له آثار وباقيات صالحات كثيرة في مدينتي طهران والري نذكر منها‌ :

ـ تأسيس وبناء مدرسة آية الله لاله زاري في مدينة الري بدعم وتمويل من آية

۱۲۳

الله البروجردي.

ـ إدارة الحوزة العلمية في مدينة الري.

ـ تأسيس وبناء مسجد خاتم النبيّين في شارع المظفّري في مدينة الري.

ـ بناء مسجد لاله زاري بجانب مدرسته العلمية.

ـ بناء الكثير من المساجد في مدينة طهران وأطرافها.

وللمترجَم له آثار علمية لا زالت مخطوطة‌ :

منها‌ : تقريرات الأصول ، لأستاذه آية الله المشكيني.

ومنها‌ : تقريرات المحقّق النائيني في مباحث الألفاظ.

ومنها‌ : تقريرات الأصول لأستاذه العراقي.

ومنها‌ : تقريرات الفقه لأستاذه الإصفهاني ؛ بالإضافة إلىٰ رسالته العملية(١).

٥ـ الميرزا حسن ظهيري (معاصر)‌ :

«وهو حجّة الإسلام والمسلمين الحاجّ الميرزا حسن ظهيري إمام الجماعة في مسجد سليمان في مدينة الري ، ومن علماء وفضلاء هذه المدينة.

من مواليد طهران ، وأكمل فيها دروسه الأوّلية ثمّ هاجر إلىٰ العراق وقضىٰ مدّة من الزمن متنقّلاً ما بين النجف الأشرف وكربلاء ، حضر فيها عند كبار الأساتذة والآيات العظام فقهاً وأصولاً ، وبعد وفاة المرحوم آية الله العظمىٰ السيّد الإصفهاني سنة (١٣٦٦هـ) عاد إلىٰ طهران وقام بالتدريس في مدرسة مروي العلمية.

وفي حدود سنة (١٣٧٦هـ) انتقل إلىٰ مدينة الري ، وانشغل في إمامة الجماعة

__________

(١) گنجينه دانشمندان ٤ / ٦٣٠ ـ ٦٣١.

۱۲۴

في مسجد سليمان ، والتبليغ والدعوة إلىٰ الله من خلال المحراب والمنبر ...»(١).

ولم يذكر الشيخ الرازي سنة وفاة الميرزا الظهيري ، كما أنّه ذكر مجموعة من فضلاء وعلماء مدينة الري ممّن يقومون بإمامة الجماعة في مساجدها ويقدّمون الخدمات الدينية والاجتماعية للناس ، وهم من المعاصرين له ؛ إذ لم يذكر سنيّ وفاتهم ، ولا ندري هل امتدّ بهم العمر إلىٰ عصر الجمهورية الإسلامية أم أنّهم ارتحلوا إلىٰ الله قبل هذا التاريخ ، ومن هؤلاء‌ :

١ـ حجّة الإسلام الحاجّ السيّد علي غيوري إصفهاني ، إمام جماعة مسجد سه راه سليمان :

٢ـ حجّة الإسلام خدائي تبريزي إمام جماعة مسجد ظهير آباد.

٣ـ حجّة الإسلام كاظمي إصفهاني إمام جماعة مسجد أمير المؤمنين شارع (٢٤) متري.

٤ـ حجّة الإسلام محمّدي إصفهاني إمام جماعة مسجد صاحب الزمان أقدسية.

٥ـ حجّة الإسلام موسوي إمام جماعة خليل الرحمن.

٦ـ حجّة الإسلام شاهرودي إمام جماعة مسجد ولي آباد.

٧ـ حجّة الإسلام الحاجّ السيّد محمّد مبلّغ الخراساني إمام جماعة مسجد كوي پاچنار.

٨ـ حجّة الإسلام السيّد كاظم شبستري إمام جماعة مسجد حجّتية.

٩ـ حجّة الإسلام تقوي بهبهاني إمام جماعة مدرسة لاله زاري.

١٠ـ حجّة الإسلام الميرزا باقر رفيعي الأراكي إمام جماعة مسجد حضرت

__________

(١) گنجينه دانشمندان ٤ / ٦٢٨ ـ ٦٢٩.

۱۲۵

أبو الفضل شارع آرديوان.

وغيرهم الكثير من العلماء والفضلاء ممّن يقيمون صلاة الجماعة في مساجد مدينة الري المختلفة نتحفّظ عن ذكر أسمائهم(١).

وينبغي أن نشير إلىٰ أنّ الكثير من فضلاء الري وعلمائها قد انشغلوا خلال هذه الفترة بأداء الوظائف الاجتماعية والدينية والسياسية في مدينة طهران العاصمة ، والتي عُرفت بكثرة مساجدها وحسينيّاتها وتعدّد مجالس الوعظ والإرشاد وإحياء المناسبات الدينية فيها ؛ بالإضافة إلىٰ انشغالهم بالتدريس في مدارسها ومعاهدها الدينية ، كما سوف يأتينا الحديث عن ذلك ضمن تاريخ الحوزة العلمية في طهران.

٥ـ من خصائص ومعطيات الحوزات العلمية في الري‌ :

لقد شاركت حوزة الري العلمية وعبر تاريخها الطويل الكادح بقية الحوزات العلمية في كثير من الخصائص والمعطيات ؛ وكان بينها وبين تلك الحوزات قواسم مشتركة كثيرة.

إلّا أنّ لحوزة الريّ خصائصها ومعطياتها التي امتازت بها ، عن شقيقاتها من الحوزات العلمية ، ويمكن أن نشير إلىٰ بعض من هذه الخصائص والمعطيات ضمن نقاط محدّدة مختصرة‌ :

أوّلاً‌ : من خصائص حوزة الري العلمية‌ :

١ـ ارتباطها الوثيق بالأئمّة عليهم‌السلام :

إحدىٰ السمات البارزة لحوزة الري ، وخاصّة في بداية تكوينها ، التواصل

__________

(١) المصدر نفسه ٤ / ٦٢٩.

۱۲۶

والارتباط الوثيق بين الرواة والمحدّثين في هذه البلاد مع الأئمّة عليهم‌السلام قبل عصر الغيبة ، حيث تشير كتب الرجال إلىٰ وجود هذا التواصل من عصر الإمام الباقر إلىٰ عصر الإمام الحجّة عليهم‌السلام قبل عصر الغيبة(١). واستمرّت هذه العلاقة من خلال هجرة الكثير من السادة العلويّين إلىٰ الري في عهد الأئمّة وبعدها ، وكان من بين هؤلاء المهاجرين كثير من الرواة الشيعة منهم السيّد عبد العظيم الحسني أحد أحفاد الإمام الحسن المجتبىٰ ، وأحد أصحاب الإمام الجواد عليهما‌السلام (٢).

٢ـ التواصل والتبادل الثقافي مع المراكز العلمية في العالم الإسلامي‌ :

وهذه سمة وخصوصية أخرىٰ تسجّل لحوزة الري ، حيث كان التواصل مستمرّاً بين هذه الحوزة ومنذ أوّل نشأتها وتكوينها ، فكانت علىٰ تواصل مع حوزة قم وحوزة بغداد والكوفة والنجف والمدن الأخرىٰ ، من خلال تبادل الخبرات وسفر العلماء من الري إلىٰ هذه الحوزات من أمثال الشيخ محمّد بن يعقوب الكليني ، الذي سافر واستقرّ في بغداد وتوفّي فيها ، وكذلك سفر الشيخ محمّد بن علي الصدوق إلىٰ قم ، والسفرات الكثير التي قام بها الشيخ منتجب الدين الرازي صاحب كتاب الفهرست وغيرهم(٣).

٣ـ الانفتاح علىٰ أتباع المذاهب الأخرىٰ :

من أواسط القرن الثالث الهجري ، وإلىٰ القرن التاسع منه عاش في مدينة الري الكثير من أتباع المذاهب الإسلامية الأخرىٰ ، بل وحتىٰ من أتباع الديانات

__________

(١) انظر : رجال الطوسي : ١٢٦.

(٢) انظر : رجال النجاشي : ٢٤٧ ـ ٢٤٨.

(٣) انظر : رجال النجاشي : ٤١٣ ؛ تاريخ بغداد ٥ / ٤٤٧.

۱۲۷

المختلفة ، وكانوا يعيشون في هذه المدينة بسلام ؛ وكان هنالك تعايش ووئام وانسجام بينهم وسمة النقاش وتبادل وجهات النظر مع بعضهم البعض هي السمة السائدة عندهم(١).

هذه أهمّ الخصائص التي امتازت بها حوزة الري العلمية في مرحلتها الأولىٰ.

ثانياً‌ : المعطيات العلمية لحوزة الري‌ :

فكما أنّ لحوزة الري خصائص جليلة تختصّ بها ، كذلك لهذه الحوزة العريقة معطيات علمية كبيرة بنيغي التوقّف عندها والتنويه بها‌ :

أ : مدرسة الحديث في حوزة الري‌ :

تعدّ الري وحوزتها العلمية من أهمّ مراكز نشر الحديث عند الشيعة الإمامية ، وقد عرفت هذه الحوزة ، وسابقتها حوزة قم العلمية ، بالحوزات الحديثة عند الشيعة الإمامية ، وبرز فيها كبار المحدّثين الشيعة ، كان من أبرزهم الشيخ محمّد ابن يعقوب الكليني (ت ٣٢٩هـ) والشيخ محمّد بن علي الصدوق (ت ٣٨٠هـ) صاحب كتاب من لا يحضره الفقيه ، ومؤلّفات أخرىٰ كثيرة اعتمد في تدوينها علىٰ أحاديث أهل البيت عليهم‌السلام.

ورواية الحديث عن الأئمّة عليهم‌السلام في حوزة الري قديمة تعود إلىٰ عصر الإمام الباقر عليه‌السلام ومن بعده من أئمّة عصر الحضور ، وتستمرّ إلىٰ عصر الغيبة الصغرىٰ وبدايات عصر الغيبة الكبرىٰ ، حيث بلغ عدد الرواة الشيعة من الري (٨٨) راوياً حتّىٰ القرن الرابع الهجري ، منهم (٥١) راوياً في عصر الحضور و (٣٧) راوياً في

__________

(١) انظر : دانشنامه جهان إسلام ١٤ / ٣٧٣ ؛ وعنه دانشنامه ري ١ / ٣٨٤.

۱۲۸

عصر الغيبة الصغرىٰ(١).

وكان للمحدّثين في حوزة قم تأثير كبير علىٰ حركة رواية الحديث في الري ، لقربهما ووجود التبادل الثقافي والفكري والعلمي بين الحوزتين.

وتطوّرت حركة الحديث في الري من الرواية الشفهية إلىٰ مرحلة التدوين فظهرت مبكّراً مدوّنات وأسانيد ومجاميع حديثية في القرن الرابع الهجري ؛ مثل مدوّنات أبي محمّد الحسن بن أحمد العجلي (من أعلام القرن الرابع) والموسومة بـ : (المثاني والجامع) وكان أحمد العجلي من كبار المحدّثين الإمامية في الري كما أنّ والده وجدّه كانا أيضاً من المحدّثين كما مرّ سابقاً في ترجمتهم المختصرة(٢).

ثمّ جاء دور المحدّث الكبير الشيخ الثقة محمّد بن يعقوب الكليني الرازي (ت ٣٢٩هـ) في الري ، حيث كان له دور ممتاز ومبتكر ؛ إذ عمل علىٰ تدوين الحديث موضوعيّاً وتحت عناوين مبتكرة ، وكلّ من جاء من بعده وعمل علىٰ تدوين الحديث سار علىٰ منهجه وطريقته.

وكان للشيخ محمّد بن علي الصدوق (ت ٣٨٠هـ) دور كبير أيضاً في تدوين الحديث وإبراز علوم الحديث من قبيل إبراز علل الحديث ، وتوظيف الحديث في مباحث العقائد والإلهيات ، والمناظرات والجدل العقائدي.

ولمدرسة الحديث في الري خصوصيات اتّسمت بها ، منها‌ :

١ـ إبراز المباحث العقائدية والكلامية ومباحث الإلهيات بالاستناد إلىٰ الأحاديث المروية عن الأئمّة عليهم‌السلام ، ومن خلال مراجعة كتاب الكافي للكليني يظهر لنا مدىٰ سعي هذا المحدّث في إبراز الجانب العقلي في العقائد الإسلامية

__________

(١) انظر : مجلّة علوم الحديث : العدد ١٢ ، مقال بعنوان : محدّثان وعلماي رازي.

(٢) انظر : رجال النجاشي : ١٢٦ ؛ رجال ابن داود : ١٠٣.

۱۲۹

بالاستناد إلىٰ تعاليم الأئمّة المروية في أحاديثهم ، ونموذج ذلك نجده في كتاب العقل والجهل ، وكتاب الحجّة من الكافي ، حيث يظهر لنا نظام عقلاني منسجم ومترابط أساسه أحاديث الأئمّة عليهم‌السلام.

وهذه الطريقة العلمية في إبراز العقائد بالاستناد إلىٰ الأحاديث المروية ، نجدها عند الشيخ الصدوق الثاني ، حيث أبعد مرويّات الغلّات عن أحاديث أهل البيت عليهم‌السلام.

٢ـ ومن الخصوصيّات الأخرىٰ لمدرسة الحديث في الري قلّة الوسائط في الروايات ، فنجد الأسانيد قصيرة ، حيث تروىٰ الروايات بواسطتين أو ثلاثة عن الأئمّة عليهم‌السلام ، كما نجد ذلك جليّاً في ثلاثيات الشيخ الكليني حيث يروي عن المعصوم بثلاث وسائط.

٣ـ تدوين أوّل دائرة معارف حديثية ؛ وهو ما تجلّىٰ في جهد الشيخ الكليني (رضوان الله عليه) حيث قام بتدوين وتنظيم وتبويب أحاديث أهل البيت عليهم‌السلام وفق منهج ونظام فكري شيعي مبتكر وليس له نظير سابق.

وكانت موارده التي استند إليها في تدوين كتابه ، الأحاديث المروية عن الأئمّة في مدرسة الكوفة وقم والري ، مع الحذر والدقّة في التعامل مع الأحاديث المدسوسة والموضوعة والتي فيها خلل عقائدي أو فكري.

٤ـ استفادة المحدّثين الشيعة من المحدّثين السنّة ، وإفادة المحدّثين السنّة من المحدّثين الشيعة ، بمعنىٰ التبادل الثقافي بين المدرستين وبين المذهب الشيعي والمذاهب السنّية ؛ وهذا ما اتّسمت به حوزة ومدرسة الري في علم الحديث في القرن الرابع الهجري ؛ وقد يكون من أسبابه كثرة الشيعة في القرن الرابع الهجري وما بعده ، هذا التبادل الثقافي والعلمي في مجال الحديث أسهم في توسّع الشيعة

۱۳۰

وكثرة مدارسهم ومراكزهم العلمية ...

٥ـ نشر الحديث في المواضيع والعلوم الأخرىٰ غير الحديثية ، وهذا ما نلاحظه في منهج الشيخ أبي الفتوح الرازي في تفسيره بالفارسية روض الجنان ، حيث وظّف أكثر من (٢٠٠٠) حديث في مجال المعارف القرآنية في تفسيره الكبير ، وهي محاولة رائدة في نشر الحديث ومعارفه في العلوم الأخرىٰ ؛ وقد أدّىٰ منهج أبي الفتوح إلىٰ نفوذ الحديث الشيعي إلىٰ العلوم الأخرىٰ كعلم الكلام والفقه.

هذا أهمّ ما يمكن أن نسجّله من خصوصيات لعلم الحديث في مدرسة الري(١)(٢).

ب : بحوث علم الكلام في حوزة الري العلمية‌ :

لقد شهدت مدينة الري حضوراً مكثّفاً وكبيراً لأتباع المذاهب المختلفة وخاصّة المذاهب الكلامية منها ، ممّا أدّىٰ إلىٰ رواج علم الكلام والجدل والمناظرات العقائدية والكلامية في حوزة هذه المدينة وبين علمائها.

والذي يستعرض المجتمع الديني في الري في القرنين الرابع والخامس يجد بوضوح تنوّعاً في مكوّناته المذهبية ، الفقهية والكلامية والدينية ، فكان يقطن هذه المدينة المترامية الأطراف ـ في حينها ـ المعتزلة ، والحنابلة ، والشافعية ، والشيعة الإسماعيلية ، بالإضافة إلىٰ اليهود والنصارىٰ وغيرهم من أتباع الديانات الأخرىٰ ، ويروّجون لعقائدهم ومتبنّياتهم الفكرية بحرّية كاملة ، فكانت تعقد

__________

(١) انظر : دانشنامه ري ١ / ٢٤١ وما بعدها.

(٢) وللتوسّع انظر : مدرسة الحديث في مدينة الري منذ نشأتهاحتى نهاية القرن الرابع الهجري ، طبعة دار الكتاب الثقافي ـ الأُردن ، اربد ، ٢٠١٦ م.

۱۳۱

مجالس المناظرة والجدل والإفادة في المساجد والمدارس وأماكن تجمّع الناس ، وكان علماء اليهود والنصارىٰ ومن أجل إثبات صحّة ما يعتقدون به يعقدون مجالس المناظرة والجدل مع علماء المسلمين ، فكانت مناظرة العالم اليهودي المعروف بـ : (رأس الجالوت) مع العالم الشيعي المعروف : (الصاحب بن عبّاد) حول موضوع إعجاز القرآن ... وانتصار الصاحب عليه(١).

كذلك هنالك مناظرات الداعية الإسماعيلي أبي حاتم الرازي في الري ، مع محمّد ابن زكريا الرازي في مباحث النبوّة ، والذي نتج عنه كتاب أعلام النبوّة.

وكانت المتبنّيات الفكرية عند الشيعة الإمامية الاثنا عشرية ؛ وخاصّة مباحث الإمامة وغيبة الإمام المهدي عليه‌السلام سوقاً رائجة من الاعتراض والجدل والمناقشة مع المتكلّمين من علماء المعتزلة والزيدية ؛ وكان علماء الشيعة ومتكلّموهم يتصدّون بشرح وتوضيح متبنّياتهم الفكرية والعقائدية ، وردّ الشبهات التي ترد عليهم من خصومهم ، ومن هؤلاء العلماء الشيخ ابن قبة الرازي (ت ٣١٩هـ) والذي كان معتزليّاً قبل تحوّله إلىٰ التشيّع ، قد دوّن عدّة كتب تعكس مباحث هذه المناظرات العقائدية(٢).

ونجد كذلك الشيخ محمّد بن علي الصدوق (ت ٣٨٠) يسهم في الردّ علىٰ الشبهات حول الإمام المهدي في كتابه الموسوم بـ : (كمال الدين وإتمام النعمة) ، وهكذا أسهم علماء آخرون في هذا المجال وقد ذكرناهم مع مؤلّفاتهم سابقاً.

وينبغي أن نشير بأنّ المباحث الكلامية والجدل العقائدي وطرح الشبهات وردّها استمرّ في حوزة الري إلىٰ القرن السادس الهجري ، ولعلّ أوسع وأهمّ ما

__________

(١) انظر : معجم الأدباء ٢ / ٦٨٢.

(٢) انظر : تطوّر مبانى فكرى تشيّع در سه قرن نخستين : ٢١٥ ـ ٢٢٤.

۱۳۲

كتب في هذه الفترة كتاب نقض أو ردّ مثالب النواصب ، للشيخ عبد الجليل الرازي المتوفّىٰ سنة (٥٦٠ هـ)(١).

٣ـ التفسير وعلوم القرآن‌ :

للقرآن الكريم وتفسيره الأولوية من بين العلوم الإسلامية عند الشيعة الإمامية عامّة ، وفي حوزة الري العلمية خاصّة ، وكان للرواة الأوائل من مدينة الري قدم سبق في تدوين معارف القرآن وثواب تلاوته ، فقد ألّف محمّد بن حسّان الرازي ، وهو من أصحاب الإمام الهادي عليه‌السلام كتاباً بعنوان : (ثواب القرآن ، وثواب إنّا أنزلناه)(٢) ، كما أنّ الشيخ الصدوق قد جعل محورية مؤلّفاته العقائدية كـ : (رسالة الاعتقاد) والقرآن الكريم ومعارفه ؛ وكان يُنَّظر الأصول علىٰ أساس محورية تعاليم أهل البيت عليهم‌السلام والقرآن الكريم.

مع هذا كلّه نجد من كان يثير الشبهات ضدّ الشيعة ويتّهمهم بعدم الاهتمام اللازم بالقرآن وعلومه أو القول بتحريفه ، ممّا دعا الشيخ محمّد بن أحمد بن الجنيد الأسكافي الرازي ـ وهو من كبار فقهاء وعلماء الشيعة ـ إن يُدوّن أكثر من رسالة في علوم القرآن منها‌ : رسالة : (أمثال القرآن) ورسالة أخرىٰ بعنوان‌ : (إيضاح خطأ من شنّع علىٰ الشيعة في أمر القرآن)(٣).

كما أنّ ما قام به أبو سعد منصور بن الحسين الآبي في كتابه : (نثر الدرر) من

__________

(١) انظر : دانشنامه جهان إسلام ١٤ / ٣٧٥ ـ ٣٧٦ ؛ وللتوسّع انظر : دانشنامه ري ١ / ٢٤٧ ـ ٢٥٣.

(٢) انظر : رجال النجاشي : ٣٣٨.

(٣) الذريعة ٢ / ٣٤٧ ؛ رجال النجاشي : ٣٨٨.

۱۳۳

خلال تنظيم فهرست موضوعي لآيات القرآن الكريم ، يعدّ من الأعمال المبتكرة في ذلك الزمان(١).

وقد ذكرنا سابقاً أسماء بعض أعلام الري ممّن كانت لهم آثار ومدوّنات في القرآن الكريم وعلومه ، وعلىٰ رأس هؤلاء المفسّر الكبير أبو الفتوح الرازي ، وتفسيره الشهير بـ : (روض الجنان)(٢).

٤ـ علوم اللغة العربية وآدابها‌ :

كانت الدراسات اللغوية من الدروس الأساسية في حوزة الري العلمية ، وكان الأدباء في هذه الحوزة ومن خلال التحقيق في العلوم اللغوية كالصرف والنحو الفصاحة والبلاغة والبديع والبيان ، وكذلك التعمّق في كتب الأدب نثراً وشعراً ، يزيّنون مجالسهم العلمية ويرفعون من شأنها ، وكانت دراساتهم الأدبية واللغوية توظّف في الدرس القرآني من خلال إظهار جمالية لغة القرآن وفصاحته وبلاغته.

وشهدت حوزة الري في القرنين الرابع والخامس ظهور علماء ولغويّين وأدباء وشعراء قلّ نظيرهم في الحوزات العلمية الأخرىٰ ، من أمثال أحمد بن فارس (ت ٣٩٥هـ) صاحب كتاب معجم مقاييس اللغة والذي كان أستاذاً لمجد الدولة البويهي ، والصاحب بن عبّاد في علوم اللغة والأدب.

وشهدت الري حضور ابن العميد والصاحب بن عبّاد كوزراء مشهورين في عصر الدولة البويهية ، وهما من مشاهير الأدباء في الأدب العربي في عصرهم ، كما كان لابن مسكويه المؤرّخ والشاعر والأديب حضوره المتميّز في حوزة الري العلمية.

__________

(١) الذريعة ٢ / ٣٤٧ ؛ رجال النجاشي : ٣٨٨.

(٢) فهرست منتجب الدين : ٣٧ ـ ٤٥.

۱۳۴

كما يعدّ الشاعر الأديب كمال الدين بندار بن أبي النصر الرازي (ت ٤٠١هـ) من أدباء وشعراء الري ومتمكّناً من النظم باللغتين العربية والفارسية(١) ، وهنالك الكثير من الشعراء والأدباء ممّن كانت تزخر بهم حوزة الري العلمية ، ولهم آثار شعرية وأدبية ولغوية وصلنا بعضها ؛ منها‌ : ديوان الصاحب بن عبّاد ، وكتب ابن مسكوية ، وابن العميد ؛ ويكفي أن يكون كتاب مقاييس اللغة ، لابن فارس علىٰ رأسها(٢).

٥ـ التاريخ والتدوين التاريخي‌ :

ومن بين علماء حوزة الري في قرونها الأولىٰ من خاض غمار البحث والتدوين التاريخي ، وظهر فيها بعض المؤرّخين الكبار ممّن لهم مدوّنات تأريخية ، وعلىٰ رأسهم ابن مسكويه الرازي ، صاحب التأليف التاريخي المهمّ : (تجارب الأمم وتعاقب الهمم) وهو من عيون كتب التاريخ ، ويتناول تاريخ الحضارات الإنسانية وفيه لمحات اجتماعية مهمّة جدّاً(٣).

وفي تراجم بعض علماء حوزة الري إشارات إلىٰ بعض العناوين التاريخية ، فقد جاء في ترجمة أبي سعد الآبي عنوان كتاب اسمه : (تاريخ الري)(٤).

وكذلك للشيخ منتجب الدين الرازي صاحب الفهرست كتاب بعنوان : (تاريخ الري) ولكن لم يصلنا ، ولكن ابن حجر العسقلاني في كتاب : (لسان

__________

(١) انظر : دانشنامه جهان إسلام ١٤ / ٣٧٤ ـ ٣٧٥.

(٢) انظر : معجم مقاييس اللغة : المقدّمة.

(٣) طبع هذا الكتاب بتحقيق ومقدّمة الدكتور أبو القاسم إمامي ، وطبع في ٨ مجلّدات من قبل دار سروش ، طهران ، ١٤٢٢ـ٢٠٠١ م.

(٤) انظر : معجم الأدباء ٢ / ٦٩٠.

۱۳۵

الميزان) جعله من موارده في كتابه(١).

٦ـ الفقه‌ :

وكان للدرس الفقهي حضوره الواسع في حوزة الري العلمية ، وبرز فيها فقهاء كبار كان لهم دورهم في التدريس والتأليف والتربية والتعليم ، وقد حفلت كتب التراجم بأسماء بعضهم مع الإشارة إلىٰ آثارهم الفقهية ومن هؤلاء الشيخ ابن الجنيد الأسكافي (ت ٣٨١هـ) وهو من الفقهاء الكبار وينتسب إلىٰ الري ، إلّا أنّه انتقل إلىٰ بغداد واشتهر في حوزتها ، وله من المؤلّفات أكثر من (٥٠) رسالة علمية في الفقه وعلوم القرآن ، وله كتاب : (تهذيب الشيعة لأحكام الشريعة) وكتاب : (الأحمدي في الفقه المحمّدي) ـ وكلا الكتابين من الآثار الشيعية المفقودة ـ وهما من كتب الفقه الاستدلالي أو الفقه المقارن ، وجاء في الثناء علىٰ الكتابين وعلىٰ مؤلّفهما ، الكثير من الثناء والتبجيل(٢).

كذلك من فقهاء الري وأعلامها ابن قِبة الرازي المتكلّم المعروف ، وله في الفقه أيضاً باع طويل ، وله رأي في حجّية خبر الواحد وظّفه في مجال الاستنباط الفقهي ، وعرفت في الأوساط الفقهية بـ : (شبهة ابن قِبة) ، وهنالك أسماء لامعة أخرىٰ في هذا المجال ، ذكر بعضهم الشيخ الطوسي في الرجال ، والشيخ منتجب الدين في الفهرست(٣) ومرّ بنا ترجمة بعض منهم.

هذه أهمّ المعطيات العلمية لحوزة الري في مجال تدوين العلوم وتدريسها

__________

(١) انظر : لسان الميزان ١ / ٣٢٥ ـ ٣٣٥ و ٣ / ٧٤ ، ٨٣ ، ٨٥.

(٢) انظر : رجال النجاشي : ٣٨٨ ؛ فهرست الشيخ الطوسي : ١٣٤.

(٣) انظر : رجال الطوسي : ٣٧٧ ؛ فهرست منتجب الدين الرازي : ٤٩ ، ٥٣ ، ٨٣ ، ٩٤.

۱۳۶

والتأليف والتصنيف فيها من قبل أعلامها من الفقهاء والمحدّثين والمفسّرين واللغويّين والمؤرّخين والمتكلّمين.

أماكن التعليم والإفادة في حوزة الري‌ :

وقد أشرنا سابقاً إلىٰ أماكن التعليم في حوزة الري ، والتي تتلخّص في‌ :

١ـ المساجد ؛ وقد عرفت الري بكثرة مساجدها في القرن الأوّل حتّىٰ أوصلها بعض المؤرّخين إلىٰ ثلاثة آلاف مسجد(١) ، لأتباع المذاهب الإسلامية المتعدّدة ، وكان للشيعة عدد كبير من هذه المساجد ، تمارس فيها طقوسها العبادية وتعقد فيها حلقات الدروس والمباحثات العلمية.

٢ـ المدارس العلمية في الري‌ :

وكثرة المدارس ومعاهد التعليم في الري من الأمور التي سبق وإن تحدّثنا فيه بإسهاب وعددنا المدارس مع المؤسّسين لها حيث أوصلها بعض الباحثين إلىٰ (٢٠) مدرسة ، وفي العصر الحديث أضيف إلىٰ أسماء تلك المدارس ، أسماء مدارس أخرىٰ منها مدرسة السّيد عبد العظيم للرجال ، ومدرسة بنفس الاسم للتعليم النسوي ، وهنالك أيضاً مدرسة أخرىٰ باسم مدرسة الزهراء عليها‌السلام.

٣ـ المكتبات الخاصّة والعامّة‌ :

واشتهرت مدارس الري بمكتباتها الكبيرة والتخصّصية ، فكانت لكلّ مدرسة مكتبتها الخاصّة بها ، فكانت بمثابة المنهل العلمي لطلّابها في المطالعة والكتابة والتصنيف والتأليف ، بل والتدريس والمباحثات العلمية.

__________

(١) انظر : الكامل في التاريخ ٩ / ١١٠ ؛ الوافي بالوفيات ٢١ / ٢٢.

۱۳۷

ومن هذه المكتبات عرفت مكتبة مدرسة رشيد الزركلي ومدرسة الشاه غازي.

وسجّل لنا تاريخ هذه المنطقة وجود مكتبات عامّة لشخصيّات علمية لامعة مثل مكتبة ابن العميد ، ومكتبة ركن الدولة البويهي ، وكان أمينها ابن مسكويه الرازي ، وكانت مكتبة الصاحب بن عبّاد من أشهر مكاتب الري ، وكان عدد كتبها من الكثرة بحيث تحتاج إلىٰ حمل (٤٠٠) جمل لنقلها ، وأوصل بعضهم عدد كتبها إلىٰ (٢١٧٠٠٠) مجلّد من الكتب ، وفي العصر السلجوقي كانت هنالك مكتبة شرف الدين محمّد نقيب النقباء في الري ، وكانت بمثابة المعهد العلمي لتلقّي العلوم والمعارف(١).

وأمّا المكتبات العامّة في حوزة الري الحديثة ، فلقد أشرنا سابقاً إلىٰ مكتبة حرم السيّد عبد العظيم الحسني وما شهدت هذه المكتبة من توسّع وإضافات ، كذلك مكتبة دار الحديث ، ومكتبة جامعة الحديث ، ومكتبة الإمام الخميني العامّة في الحرم بالإضافة إلىٰ المكتبات العامّة في النواحي التابعة لمدينة الري الحديثة ، يضاف إليها مكتبات مجمع الشيخ الصدوق الثقافي ، وهي مكتبة ضخمة تشغل مساحة واسعة وتحتوي علىٰ خزانة كتب كبيرة ، وأيضاً مكتبة مجتمع الشهيد رحيمي الثقافي(٢).

وهذه المكتبات بقسميها الخاصّ والعامّ تشكّل روافد معرفية لطلّاب العلوم الدينية ، ولطلّاب الجامعات ، والمحقّقين والباحثين ، وهي وجه حضاري لمدينة الري.

__________

(١) انظر : دانشنامه جهان إسلام ١٤ / ٣٧٤ ؛ للتوسّع انظر : ري باستان ٥٣٢ ، وما بعدها.

(٢) انظر : دانشنامه ري ٢ / ١١٢ ـ ١١٦ ، ١٥١ ـ ١٥٢.

۱۳۸

ثالثاً‌ : المعطيات السياسية لحوزة الري‌ :

لعلّ الموقع الجغرافي المتميّز لبلاد الري ، وتوسّطها لبلاد فارس ، ووقوعها علىٰ الطريق الرئيسي الرابط بين الشرق والغرب والشمال والجنوب ، بالإضافة إلىٰ تنوّع اتّجاهات أهلها المذهبية والدينية والاجتماعية ... كلّ هذه الخصوصيّات أهّلتها للعب أدوار تاريخية كبيرة في المجالات العلمية والدينية والمذهبية وأن يكون لها دورها السياسي في التاريخ القديم والمعاصر.

لقد كان للشيعة الأوائل حضورهم في الري أواخر الدولة الأموية ، وكان لهم نصيبهم من المشاركة في نهضة زيد بن علي سنة (١٢٠هـ)(١).

وفي بدايات عصر الدولة العبّاسية وإبّان ظهورها في سنة (١٣٢هـ) أصبحت الري بمثابة معسكر تعبئة للشيعة.

وفي بداية القرن الثالث الهجري شهدت الري هجرة مكثّفة للسادة العلويّين إليها وبجوارها وأغلب أولئك المهاجرين كانوا من الشيعة المعارضين للسلطة العبّاسية(٢) وبعضهم من الشيعة الإمامية الاثني عشرية كالسيّد عبد العظيم الحسني.

وشهدت الري في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري ، حركة انقلاب علىٰ السلطة العبّاسية ، حيث استولىٰ علىٰ السلطة أحمد بن الحسن المارداني وذلك سنة (٢٧٥هـ) ، حيث استطاع أن يبسط نفوذه في الري ، وإظهار التشيّع ، وإكرام الشيعة وحمايتهم أمنيّاً وعقائديّاً وفكريّاً ؛ حيث استطاع الشيعة في عصره من إظهار عقيدتهم

__________

(١) انظر : مقاتل الطالبيّين : ١٣٢.

(٢) انظر : منتقلة الطالبية : ١٥١ ـ ١٦٧.

۱۳۹

فألّف عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي كتاباً في فضائل أهل البيت عليهم‌السلام (١).

وكان أوج الحضور السياسي للشيعة في عصر الدولة البويهية ، والتي عرفت بالتشيّع وحكمت من سنة (٣٣٥هـ) إلىٰ سنة (٤٢٠هـ) ، ولمدّة (٨٥) سنة تقريباً ؛ حيث أصبحت الري في هذه الفترة من أشهر مراكز الحكم لهذه الدولة ؛ وبسبب الحماية السياسية والأمنية التي وفّرها أمراء آل بويه وبعض وزرائهم ؛ تحوّلت الري إلىٰ مركز استقطاب وتجمّع رئيسي للشيعة ، وشهدت حوزة الري أوج نشاطها العلمي والتدريسي ، وعقدت مجالس المناظرات والمجادلات العقائدية بمشاركة علماء المذاهب الأخرىٰ ، بحضور ركن الدولة البويهي كما مرّ سابقاً.

وكان لكافي الكفاة ، الصاحب بن عبّاد الوزير المقرّب من فخر الدولة الديلمي الحاكم البويهي دوره السياسي والعلمي الكبير والمؤثّر في هذا المجال.

ولعب نفس الدور المؤثّر الوزير أبو سعد منصور بن الحسين الآبي (ت ٤٢٢هـ) وزير مجد الدولة البويهي(٢).

إلّا أنّ هذا الوضع السياسي المستقرّ لم يستمرّ بعد عصر البويهيّين ؛ فقد جاء الغزنويّون من بعدهم ، وشنّ محمود الغزنوي حملة عسكرية علىٰ الري سنة (٤٢٠هـ) وألحق ضرراً كبيراً بالحوزة العلمية ومكتباتها ومدارسها ومعاهدها العلمية والتربوية ، ولاحق علمائها وقتل الكثير منهم بتهمة الباطنية والقرمطية(٣) ، فكانت هذه الفترة فترة انحسار سياسي وعلمي لحوزة الري.

إلّا أنّ فترة الحكم الغزنوي لم تدُم طويلاً ، إذ جاء من بعدهم السلاجقة ،

__________

(١) انظر : معجم الأدباء ٢ / ٩٠١.

(٢) انظر : دانشنامه جهان إسلام ١٤ / ٣٧١ ـ ٣٧٢.

(٣) انظر : الكامل في التاريخ ٩ / ٣٧٢.

۱۴۰

فحصل انفراج نسبي للشيعة علىٰ المستوىٰ العلمي والسياسي ، ولا يعود الفضل في هذا الانفراج النسبي إلىٰ العامل المذهبي ، فالسلاجقة لم يكونوا من الشيعة ، وإنّما هم من السنّة الأتراك ، وما صدر منهم في بغداد من أفعال ضدّ الشيعة يدلّ علىٰ نظرتهم السلبية اتّجاه الشيعة.

إلّا أنّ سياستهم وتعاملهم مع الشيعة في الري اختلفت عمّا هي عليه في بغداد ، ويعود الفضل في ذلك إلىٰ المنهج الوسطي التقريبي المعتدل الذي سلكه علماء الشيعة في هذه الفترة ، والذي امتدّ إلىٰ نهاية حكم السلاجقة ؛ لقد ابتعد علماء الشيعة عن التطرّف المذهبي والتشدّد ، واتّخذوا من التقية ، والسلوك الوسطي المعتدل منهجاً لهم ؛ ممّا أدّىٰ إلىٰ كسب ودّ السلاطين والوزراء السلاجقة(١) ؛ وكان ثمرة ذلك أن عادت الحوزة العلمية ـ وبهدوء نسبي ـ إلىٰ ممارسة نشاطها العلمي والتبليغي ، وتأسّست مدارس علمية كثيرة في القرنين الخامس والسادس الهجريّين ، وبرز كثير من العلماء والفقهاء في هذه الفترة كما مرّ بنا سابقاً ، وتقلّد بعضهم منصب نقابة الأشراف ، ونقيب النقباء في الري ، وظهرت في هذه الفترة الأسر العلمية الكبيرة ، مثل أسرة الدوريستي ، والخزاعي ، والزكي ...(٢).

واستمرّ هذا الانفراج السياسي والعلمي في حوزة الري إلىٰ أوائل القرن السابع ، حيث قام المغول بشنّ الغارات المتعدّدة علىٰ مدينة الري ، ممّا أدّىٰ إلىٰ تخريبها وأفول نجم حوزتها العلمية كما مرّ بنا سابقاً.

وأمّا الدور السياسي لحوزة الري في التاريخ المعاصر ، فقد كان لهوية الري المذهبية ، وقربها من العاصمة السياسية للدولة القاجارية والبهلوية ، ووجودها

__________

(١) انظر : فهرست القزويني : ١٤٢ ـ ١٤٥.

(٢) انظر دانشنامه جهان إسلام ١٤ / ٣٧١ ـ ٣٧٣.

۱۴۱

قرب مرقد السيّد عبد العظيم الحسني وقبور السادة والأولياء وكبار الفقهاء والعلماء ، كلّ هذا أهّلها ليكون لها موقع متميّز ومؤثّر في الوقائع الخاصّة والمؤثّرة في التاريخ المعاصر ، وأصبحت هذه المدينة المنطلق لأهمّ الحوادث الاجتماعية في إيران ، وخاصّة في سنوات حركة المشروطة حتّىٰ يمكن أن يقال إنّ من هذه المدينة ولدت حركة المشروطة.

لقد أصبحت هذه المدينة في التاريخ الحديث بمثابة المأوىٰ والحصن الذي يلجأ إليه الثوّار والمصلحون والمعترضون علىٰ نظام الحكم السياسي الحاكم ، فشهدت المدينة تحصّن المصلح الثائر السيّد جمال الدين الأفغاني الأسد آبادي(١) في حرم السيّد عبد العظيم الحسني اعتراضاً علىٰ سياسة ناصر الدين شاه القاجاري ، حيث مكث في حرم السيّد الحسني متّخذاً من هذا المكان منطلقاً لحركته الإصلاحية من خلال البيانات التي كان يصدرها ، واتّصاله بعامّة الناس ، والذي كان له أثره في توعية الناس وتبصّرهم ، فلم يتحمّل نظام الحكم القاجاري ذلك فأخذ في تضييق الخناق عليه ، ومن ثمّ إخراجه من الحرم قسراً وإبعاده عن إيران(٢).

كذلك شهدت الري أكبر عملية اغتيال سياسية في تاريخ الدولة القاجارية حيث تمّ قتل ناصر الدين شاه القاجاري بيد الميرزا رضا الكرماني ؛ والذي يعدّ من المتأثّرين بحركة السيّد جمال الدين الأفغاني ، ومن الناقمين علىٰ الدولة القاجارية ، ومن أشدّ المعترضين جهاراً علىٰ إخراج السيّد جمال الدين من الحرم والطريقة المهينة التي أخرج بها ، فاعتقل وأودع السجن في قزوين وطهران لفترة ثمّ أطلق سراحه ، فاتّخذ قراره باغتيال الشاه ناصر الدين القاجاري ، فوجد

__________

(١) انظر : ترجمته في الأعلام للزركلي ٦ / ١٦٨ـ١٦٩.

(٢) انظر : دانشنامه ري ١ / ٤٣٠ ـ ٤٣١.

۱۴۲

الفرصة في (الثاني من شوّال سنة ١٣١٣ هـ ـ ١٢٧٥ ش) حيث جاء الشاه إلىٰ الحرم محتفلاً بالسنة الخمسين من تتويجه بتاج الملوكية والحكم ، فكمن له الميرزا رضا ، وأطلق عليه النار فمات الشاه علىٰ الفور ، منهياً بذلك زمان حكمه الذي امتدّ إلىٰ خمسين عاماً(١).

كذلك قاد آية الله السيّد عبد الله البهبهاني وفقهاء آخرون جموع المعترضين علىٰ سياسة الدولة القاجارية في إدارة الكمارك والتي كان علىٰ رأسها المستشار البلجيكي المسيو فوز في عهد سلطنة مظفّر الدين شاه ، ووزارة الميرزا علي خان أمين الدولة ، حيث تحصّن التجّار وعامّة الناس في حرم السيّد عبد العظيم في الري في (٨ /ربيع الأوّل /١٣٢٣هـ) وانتشر الخبر في المدن الإيرانية فتضامنوا مع المعترضين والمعتصمين ، وانتهت بتعهّد وليّ العهد القاجاري للتجّار والمعتصمين بعزل وزير التجارة(٢).

وفي الصراع الذي شهدته إيران بعد وفاة مظفّر الدين شاه ، ووصول وليّ عهده (محمّد علي شاه) إلىٰ دفّة الحكم وصدامه مع المشروطة ودعاتها ، كانت الري مسرحاً لهذا الصراع الدامي والذي أدّىٰ إلىٰ محاكمة الشيخ فضل الله النوري والحكم بإعدامه ، في قصّة حزينة طويلة لا يسع المجال للدخول في تفاصيلها(٣).

كذلك شهدت الري حركة آية الله الميرزا محمّد علي الشاه آبادي وتحصّنه في حرم السيّد عبد العظيم اعتراضاً علىٰ الشاه رضا خان بهلوي ، حيث بقي في حرم السيّد عبد العظيم فترة من الزمن تقارب السنة ، كان خلالها يرتقي المنبر ويلقي

__________

(١) المصدر نفسه ١ / ٤٣٢.

(٢) المصدر نفسه ١ / ٤٣٢ ـ ٤٣٦.

(٣) المصدر نفسه ١ / ٤٣٧.

۱۴۳

الخطب ويحرّض الناس ضدّ حكومة الشاه لمخالفته تعاليم الإسلام والقرآن.

وانتهت حركة الشاه آبادي بتدخّل بعض العلماء وتوسّطهم ، فخرج إلىٰ قم واستقرّ بها سنة (١٣٤٧هـ) ولم يعد بعدها إلىٰ طهران.

وهنالك حوادث سياسية مفصّلة أخرىٰ كان للري وحوزتها وعلمائها حضور فاعل فيها ، كحادث تأميم النفط ، وقضية الدكتور مصدّق ورئاسة الوزراء ، وتشييع شهداء (٣٠ تير) ودفنهم في المقبرة الخاصّة لهم بجوار السيّد عبد العظيم الحسني(١).

دور حوزة الري في الثورة الإسلامية‌ :

وكان لحوزة الري حضورها الفاعل والمؤثّر في أحداث الثورة الإسلامية حتّىٰ انتصارها ، وقدّمت في طريق هذه النهضة المباركة تضحيات ودماء وشهداء ، ووقفت مع الأمّة في مطالبها الحقّة ضدّ الظلم والطغيان والاستبداد الشاهنشاهي.

وتعود مشاركة الري وأهلها وحوزتها في وقائع الأحداث السياسية إلىٰ زمن بعيد ، ويستمرّ مع الأحداث إلىٰ أحداث الثورة الإسلامية وقيام الجمهورية.

ويسجّل لنا التاريخ السياسي لهذه المدينة تظاهرات التدريسيّين والكادر التعليمي فيها سنة (١٣٤٠ ش) بسبب خفض أجور التعليم ، وهضم حقوق الأساتذة والتدريسيّين ، وجوبهت هذه التظاهرات بالعنف المسلّح ، فجرح بعض المتظاهرين واستشهد واحد منهم ، فتصاعدت حدّة التظاهرات وكانت نتيجته سقوط حكومة رئيس الوزراء شريف إمامي ، وتمّ تعديل رواتب التدريسيّين ،

__________

(١) المصدر نفسه ١ / ٤٤٠ ـ ٤٤٣.

۱۴۴

وسمّي يوم (١٢) ارديبهشت يوم المعلّم.

وتفاعلت الري مع الاعتراضات الطلّابية التي حصلت في أحد الكنائس في باريس ، فاجتمع مجموعة من الناس مع مجموعة من طلّاب العلوم الدينية في حرم السيّد عبد العظيم ، وأطلقوا شعاراتهم المؤيّدة لنهضة الإمام الخميني رضى الله عنه.

وكانت لحادثة استشهاد السيّد مصطفىٰ الخميني في النجف الأشرف وما دار حولها من كونها حادثة اغتيال من قبل أعوان النظام الحاكم ، دور في تحرّك الناس في الري ، وتعطيل الأسواق وعقد الفواتح والأربعينيّات المتسلسلة والتي استمرّت في المدن الإيرانية إلىٰ سقوط النظام الشاهنشاهي.

وكان دور الري وحوزتها يتصاعد مع تصاعد أحداث الثورة الإسلامية ففي سنة (١٣٥٧ ش) تصاعدت الأحداث مع بدايتها ؛ وتوّجت بالانتصار الكبير للثورة في الثاني والعشرين من بهمن سنة (١٣٥٧ ش).

وكانت ذروة هذه المشاركة قد تجسّدت في تظاهرات يوم (١٨ / دي / ١٣٥٧ ش) والتي قادها علماء وطلّاب حوزة الري العلمية ، وكان في مقدّمة المتظاهرين كبار العلماء مثل آية الله لاله زاري ، والسيّد أبي القاسم الموسوي الهمداني ، والشيخ مهدي فضيلت ، وعبد الرحيم كني ، وعبد العلي كني ... وكانت من التظاهرات الكبيرة والتي عبرت أسواق وشوارع الري ، وكانت مشاركة الناس تزداد شيئاً فشيئاً ، حتّىٰ وصلت إلىٰ إحدىٰ ساحات الري الشهيرة ، فجوبهت بإطلاق نار كثيف من قبل أزلام الشاه ، فسقط مجموعة من الشهداء عرفوا بشهداء (١٨ دي) ويوجد شارع رئيسي في الري باسمهم.

وهكذا انتصرت ثورة الإسلام بدماء شهدائها والمضحّين من أبنائها ، وكانت ثمرة هذه الشجرة المباركة دولة الإسلام الكريمة الجمهورية الإسلامية.

۱۴۵

نتوقّف عند هذا المقدار من فيض عطاء حوزة الري العلمية ؛ وبهذه المعطيات الجليلة لهذه الحوزة التاريخية العريقة ننهي تدويننا لتاريخ حافل بالعطاء ، لننتقل إلىٰ الحوزة المجاورة والوريثة لها ألا وهي حوزة طهران العلمية ؛ وبما يحمله تأريخها القصير في عمر الزمن ، والغني في العطاء العلمي والثقافي والفكري والسياسي.

والله وليّ التوفيق والسداد

(وما توفّيقي إلّا بالله عليه توكلت وإليه أنيب)

المؤلّف

بغداد في الخامس عشر من شعبان ١٤٤١ هـ

الموافق التاسع من شهر نيسان ٢٠٢٠ م

۱۴۶

المصادر

١ ـ آثار البلاد وأخبار العباد : القزويني ، زكريا بن محمّد بن محمود (ت ٦٨٢هـ) ، طبعة دار صادر ، بيروت ، (د ـ ت).

٢ ـ آثار الحجّة يا تاريخ دائرة المعارف حوزه علميه قم : الرازي ، محمّد شريف (ت ١٤٢٠هـ) ، طبعة كتابفروشي برقعي ، قم ، ١٣٣٢ ش.

٣ ـ أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم : المقدسي ، شمس الدين أبو عبيد الله بن أحمد البشاري (ت ٣٨٠هـ) ، تحقيق‌ : ذي غوية ، طبعة ليدن ، ١٩٠٦ م.

٤ ـ اختران فروزان ري وطهران : الرازي ، محمّد شريف (ت١٤٢٠هـ) ، طبعة مكتبة الزهراء.

٥ ـ أطلس الشيعة : د. جعفريّان ، رسول ، ترجمة‌ : نصير الكعبي ، وسيف علي ، طبعة المركز الأكاديمي للأبحاث طهران ، ٢٠١٣ م.

٦ ـ الأعلام : الزركلي ، خير الدين (ت ١٣٩٦هـ) ، طبعة دار العلم للملايّين ، الطبعة السابعة عشرة ، ٢٠٠٧ م.

٧ ـ أعيان الشيعة : الأمين ، محسن بن عبد الكريم بن علي بن محمّد الأميني الحسيني العاملي (ت ١٣٧١هـ) ، حقّقه‌ : حسن الأمين ، طبعة دار التعارف ، بيروت ، الطبعة الرابعة ، (١٤١٨هـ ـ ١٩٩٨ م).

٨ ـ إكمال الدين وتمام النعمة : الصدوق ، أبي جعفر محمّد بن علي بن بابويه القمي (ت ٣٨١هـ) ، تحقيق‌ : علي أكبر الغفاري ، طبعة مؤسّسة النشر الإسلامي ، قم ، الطبعة الخامسة ، ١٤٢٩هـ.

٩ ـ أمل الآمل في تراجم علماء جبل عامل : العاملي ، محمّد بن الحسن بن علي الشهير بـ (الحر العاملي) (ت ١١٠٤هـ) ، تحقيق‌ : أحمد الحسيني ، طبعة مكتبة المرعشي ، قم.

١٠ ـ الأنساب السمعاني ، أبي سعد عبد الكريم بن محمّد السمعاني (ت ٥٦٢هـ) ، تعليق‌ : عبد الله

۱۴۷

عُمر البارودي ، طبعة دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان ، الطبعة الأولىٰ ، (١٤٠٨ه ـ ١٩٨٨م).

١١ ـ بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار : المجلسي ، محمّد باقر (ت ١١١١هـ) ، تحقيق : محمود درياب وآخرين ، طبعة دار التعارف ، بيروت ، الطبعة الأؤلىٰ ، (١٤٢١هـ ـ ٢٠٠١ م).

١٢ ـ بغية الوعاة في طبقات اللغويّين والنحاة : السيوطي ، جلال الدين بن عبد الرحمان (ت ٩١١هـ) ، تحقيق‌ : محمّد أبو الفضل إبراهيم ، طبعة عيسىٰ البابي الحلبي ، مصر ، ١٩٦٥ م.

١٣ ـ البلدان : الهمداني ، ابن الفقيه ، تحقيق : يوسف الهادي ، طبع : عالم الكتب ، بيروت ـ لبنان ، الطبعة : الأولىٰ ، ١٤١٦ هـ ـ١٩٩٦ م.

١٤ ـ تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام : الذهبي ، شمس الدين محمّد بن أحمد بن عثمان (ت ٧٤٨هـ) ، تحقيق‌ : عمر عبد السلام تدمري ، طبعة دار الكتاب العربي ، بيروت ، (١٤٠٩هـ ـ ١٩٨٩م).

١٥ ـ تاريخ الأمم الإسلامية ، الدولة العبّاسية : الخضري بيك ، محمّد (ت ١٩٢٧ م) ، طبعة المكتبة التجارية الكبرىٰ ، مصر ، القاهرة ، ١٩٧٠ م.

١٦ ـ تاريخ التربية الإسلامية : د. شلبي ، أحمد ، طبعة القاهرة ، الطبعة الثانية ، ١٩٦٠ م.

١٧ ـ تاريخ الحوزات العلمية والمدارس الدينية عند الشيعة الإمامية : عدنان فرحان ، آل قاسم ، ط. دار السلام ، بيروت ، (١٤٣٦هـ ـ ٢٠١٦ م).

١٨ ـ تاريخ الطبري : الطبري ، محمّد بن جرير (من علماء القرن الرابع الهجري) ، تحقيق‌ : محمّد أبو الفضل إبراهيم ، طبعة دار إحياء التراث ، بيروت ، (بلا ـ ت).

١٩ ـ تاريخ العراق في العهد البويهي : سهلب ، دكتور حسن (معاصر) ، طبعة دار المحجّة البيضاء ، بيروت ، (١٤٢٩هـ ـ ٢٠٠٨ م).

٢٠ ـ تاريخ الكوفة ، البراقي ، حسين بن أحمد (ت ١٣٣٢هـ) ، تحقيق‌ : ماجد العطية ، المكتبة الحيدرية ، قم ، ١٤٢٤هـ.

٢١ ـ تاريخ المؤسّسة الدينية الشيعية من العصر البويهي إلىٰ نهاية العصر الصفوي : د. القزويني ، جودت ، طبعة دار الرافدين ، بيروت ، ١٤٢٦هـ.

۱۴۸

٢٢ ـ تاريخ إيران ، دوره پهلوى ، از رضا شاه تا انقلاب إسلامى ، از مجموعه تاريخ كمبريدج به سرپرستى پيتر اوري : بيتر أوري ، ترجمة‌ : مرتضىٰ ثاقب فر ، دفتر دوم از جلد هشتم ، چاپ ١٣٨٨ ش.

٢٣ ـ تاريخ بغداد : الخطيب البغدادي ، أحمد بن علي (ت ٤٦٣هـ) ، تحقيق‌ : مصطفىٰ عبد القادر ، طبعة دار الكتب العلمية ، بيروت ، الطبعة الأولىٰ ، (١٤١٧هـ ـ ١٩٩٧ م).

٢٤ ـ تاريخ دمشق الكبير ، الشهير بتاريخ ابن عساكر : ابن عساكر ، أبو القاسم علي بن الحسين (٥٧١هـ) ، تحقيق‌ : علي عاشور الجنوبي ، طبعة دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، الطبعة الأولىٰ ، (١٤٢١هـ ـ ٢٠٠١ م).

٢٥ ـ تاريخ گزيده : المستوفي ، حمد الله بن أبي بكر بن حمد بن نصر القزويني (ت ٧٥٠هـ) ، باهتمام عبد الحسين نوائي ، طبعة إيران.

٢٦ ـ تبارنامه حوزه و روحانيت ، از صدر إسلام تا پهلوي اول : أباذري ، عبد الرحيم ، طبعة انتشارات سلمان فارسي ، قم ، ١٣٩٠ ش.

٢٧ ـ تتميم أمل الآمل : القزويني ، عبد النبي (من أعلام القرن الثاني عشر) ، تحقيق‌ : أحمد الحسيني ، طبعة مكتبة المرعشي النجفي ، قم ، ١٤٠٧هـ.

٢٨ ـ تجارب الأمم : ابن مسكويه ، أبو علي أحمد بن محمّد (ت ٤٢١هـ) ، تحقيق‌ : أبو القاسم إمامي ، طبعة دار سروش ، طهران ، ٢٠٠١ م.

٢٩ ـ التدوين في أخبار قزوين : الرافعي ، عبد الكريم بن محمّد الرافعي القزويني (ق٦) ، تحقيق‌ : عزيز الله العطاردي ، طبعة دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان ، (١٤٠٨هـ ـ ١٩٨٧م).

٣٠ ـ تراجم الرجال : الإشكوري ، أحمد الحسيني ، طبعة مكتبة المرعشي النجفي ، قم ، (بلا ـ ت).

٣١ ـ تطور مباني فكري تشيع در سه قرن نخستين : د. مدرسي ، طباطبائي ، حسين.

٣٢ ـ تقديم لكتاب الفهرست : الإشكوري ، أحمد الحسيني (معاصر) ، طبعة دار الأضواء ، (١٤٠٦هـ ـ ١٩٨٦ م).

٣٣ ـ تكملة أمل الآمل : الصدر ، حسن (ت ١٣٥٤هـ) ، تحقيق‌ : حسين علي محفوظ وآخرين ،

۱۴۹

طبعة دار المؤرخ العربي ، بيروت ، (١٤٢٩هـ ـ ٢٠٠٨ م).

٣٤ ـ تنقيح المقال : المامقاني ، عبد الله (ت ١٣٥١هـ) ، تحقيق واستدراك‌ : محي الدين المامقاني ، طبعة مؤسّسة آل البيت ، قم ، ١٤٢٦هـ.

٣٥ ـ جامع التواريخ : رشيد الدين فضل الله الهمداني (ت ٧١٨هـ) ، نقله إلىٰ العربية فؤاد عبد المعطي ، قدّم له يحيىٰ الخشاب ، طبعة دار النهضة ، بيروت ، ١٩٦٠ م.

٣٦ ـ الحوزات العلمية في الأقطار الإسلامية : الصالحي ، عبد الحسين ، طبعة بيت العلم للنابهين ، بيروت ، لبنان ، الطبعة الأولىٰ ، (١٤٢٥ ه ، ٢٠٠٤ م).

٣٧ ـ خاطرات آية الله خلخالي : خلخالي ، مهدي ، تهران ، نشر سايه ، ١٣٨٤ ش.

٣٨ ـ دائرة المعارف الشيعية : مقالة (بويه) ، بقلم محمّد حسن آل ياسين ، طبعة دار التعارف ، بيروت ، لبنان ، الطبعة السادسة ، (١٤٢٢هـ ـ ٢٠٠١ م).

٣٩ ـ الدارس في تاريخ المدارس : النُعيمي ، الدمشقي ، عبد القادر بن محمّد (ت ٩٢٧هـ) ، تحقيق‌ : جعفر الحسيني ، طبعة مكتبة الثقافة الدينية مصر ، القاهرة ، ١٩٨٨ م.

٤٠ ـ دانشنامه جهان إسلام : مقاله (حوزه) ، جلد ١٤ ، چاپ دائرة المعارف إسلامى ، تهران ، ١٣٨٩ ش ، باهتمام‌ : د. حداد عادل (بالفارسية).

٤١ ـ دانشنامه ري : چاپ دار الحديث ، قم ، چاپ اول ، ١٣٩٧ ش ، با همكارى گروهى از محقّقين‌ : مهدي مهريزي ، ورضا بابائي ، ومحمّد قنبري.

٤٢ ـ دمية القصر وعصرة أهل العصر : الباخزري ، أبو الحسن علي بن الحسين بن علي بن أبي الطيب الباخزري الشافعي (٤٦٧هـ) ، طبعة دار الجيل ، بيروت ، ١٤١٤هـ.

٤٣ ـ الذريعة إلىٰ تصانيف الشيعة : الطهراني ، محسن ، الشهير بـ (آقا بزرك) (ت ١٣٨٩هـ) ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، الطبعة الأولىٰ ، (١٤٣٠هـ ـ ٢٠٠٩ م).

٤٤ ـ رجال ابن داود : ابن داود ، تقي الدين الحسن بن علاء الدين داود الحلي (ت بعد سنة ٧٧هـ) ، حقّقه وقدّم له : السيّد محمّد صادق آل بحر العلوم ، طبعة أفست المكتبة الحيدرية.

۱۵۰

٤٥ ـ رجال الطوسي : الطوسي ، محمّد بن الحسن (ت ٤٦٠هـ) ، تحقيق‌ : جواد القيومي ، طباعة جامعة المدرسين قم ، الطبعة الخامسة ، ١٤٣٠هـ.

٤٦ ـ رجال النجاشي : النجاشي ، أبو العبّاس أحمد بن علي بن أحمد بن عبّاس (ت٤٥٠هـ) ، تحقيق‌ : موسىٰ الشبيري الزنجاني ، طباعة جامعة المدرسين ، قم ، الطبعة العاشرة ، ١٤٣١هـ.

٤٧ ـ الرعاية في علم الدراية : العاملي ، زين الدين بن علي الجبعي العاملي الشهير بـ (الشهيد الثاني) (استشهد في ٩٦٥هـ) ، طبعة مكتبة المرعشي النجفي ، إيران ، قم ، ١٣٦٣ ش.

٤٨ ـ روضات الجنات في تراجم العلماء والسادات : الخوانساري ، محمّد باقر (١٣١٣هـ) ، طبعة مكتبة إسماعيليان ، قم ، ١٣٩٠هـ.

٤٩ ـ الروضة البهية في الإجازة الشفيعية : الجابلقي ، محمّد شفيع الموسوي الإصفهاني (ت ١٢٨٠هـ) ، تحقيق‌ : جعفر الحسيني الإشكوري ، طبعة مؤسّسة تراث الشيعة ، قم ، ١٤٣٤هـ.

٥٠ ـ ري باستان : د. كريميان ، حسين ، انتشارات آثار ملىٰ ، طهران ، ١٣٤٥ ش.

٥١ ـ رياض العلماء وحياض الفضلاء : أفندي ، الميرزا عبد الله الإصفهاني (من أعلام القرن الثاني عشر الهجري) ، تحقيق‌ : أحمد الحسيني ، طبعة مكتبة المرعشي ، قم ، ١٤٠٣هـ.

٥٢ ـ ريحانة الأدب في تراجم المعروفين بالكنية واللقب : الخياباني ، محمّد علي مدرس (ت ١٣٧٣هـ) ، تحقيق‌ : مؤسّسة الإمام الصادق ، قم ، ١٣٩٥ ش.

٥٣ ـ السيّد عبد العظيم الحسني وحياته ومسنده : العطاردي ، عزيز الله الخبوشاني (ت ٢٠١٤م).

٥٤ ـ السيرة النبوية : ابن هشام ، أبو محمّد عبد الملك الحميري (ت ٢١٨هـ) ، تحقيق‌ : مصطفىٰ السقّا وزميلاه ، طبعة تراث الإسلامي ، مصر ، (د ـ ت) ، أفست دار الفكر ، بيروت.

٥٥ ـ شذرات الذهب في أخبار من ذهب : ابن العماد الحنبلي ، أبو الفلاح عبد الحي بن أحمد بن محمّد بن العماد الدمشقي (ت ١٠٨٩هـ) ، تحقيق‌ : الأنواط ، دار إحياء الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان ، ١٣٨٩هـ.

٥٦ ـ الشيعة في إيران : د. جعفريّان ، رسول ، تعريب‌ : علي هاشم الأسدي ، طبعة الآستانة الرضوية ، مشهد ، الطبعة الأولىٰ ، ١٤٢٠هـ.

۱۵۱

٥٧ ـ ضيافة الأخوان : ابن طاووس ، أبو القاسم رضي الدين (ت ٦٦٤هـ) ، طبعة مكتبة المرعشي النجفي ، قم ، (بلا ـ ت).

٥٨ ـ طبقات أعلام الشيعة : الطهراني ، محسن ، الشهير بـ : (آقا بزرك) (ت ١٣٨٩هـ) ، تحقيق‌ : علي نقي المنزوي ، طبعة دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، الطبعة الأولىٰ ، (١٤٣٠هـ ـ ٢٠٠٩م).

٥٩ ـ طبقات الشافعية الكبرىٰ : السبكي ، تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب بن علي (ت٧٧١هـ) ، تحقيق‌ : محمود محمّد الطناجي ، وعبد الفتاح محمّد ، دار زهراء للطباعة ، الطبعة الثانية ، ١٤١٣هـ.

٦٠ ـ عُمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب : ابنُ عِنبَه ، أحمد بن علي جمال الدين الحسيني (ت ٨٢٨هـ) ، طبعة المكتبة الحيدرية ، النجف الأشرف ، ١٣٨٠هـ.

٦١ ـ فتوح البلدان : البلاذري ، أبو الحسن ، أحمد بن يحيىٰ البغدادي (ت ٢٧٩هـ) ، تحقيق‌ : رضوان محمّد رضوان ، طبعة دار الكتب العلمية ، بيروت ، (١٣٩٨هـ ـ ١٩٧٨هـ).

٦٢ ـ الفقيه السلطان جدلية الدين والسياسة : الكوثراني ، وجيه ، طبعة المركز العربي للأبحاث والدراسات ، بيروت ، الطبعة الرابعة ، ٢٠١٥ م.

٦٣ ـ فهرست آل بابويه وعلماء البحرين : الماحوزي البحراني ، سليمان ، تحقيق وإعداد : السيّد أحمد الحسينيي ، طبعة مكتبة آية الله المرعشي النجفي ، قم ـ إيران.

٦٤ ـ الفهرست : ابن النديم ، محمّد بن إسحاق (ت ٣٨٥هـ) ، طبعة دار المعرفة ، بيروت ، لبنان ، (١٣٩٨هـ ـ ١٩٧٨م) ، وطبعة جامعة طهران ، بتحقيق‌ : رضا تجدّد ، طبعة طهران ، ١٩٧١م.

٦٥ ـ الفهرست : الرازي ، منتجب الدين علي بن بابويه (من أعلام القرن السادس الهجري) ، تحقيق‌ : عبد العزيز الطباطبائي ، طبعة دار الأضواء ، بيروت ، (١٤٠٦هـ ـ ١٩٨٦ م).

٦٦ ـ الفهرست : الرازي ، منتجب الدين علي بن بابويه (من أعلام القرن السادس الهجري) ، تحقيق‌ : جلال تادين الأرموي ، طبعة مكتبة آية الله المرعشي النجفي ، قم ـ إيران (١٣٦٦هـ. ش ـ ١٩٨٦ م).

٦٧ ـ الفهرست ، أو فهرست كتب الشيعة وأصولهم : الطوسي ، محمّد بن الحسن (ت ٤٦٠هـ) ، تحقيق‌ : عبد العزيز الطباطبائي ، طبعة مؤسّسة آل البيت ، قم ، ١٤٢٠هـ.

۱۵۲

٦٨ ـ الكامل في التاريخ : ابن الأثير ، عزّ الدين أبو الحسن علي بن محمّد الجزري (ت ٦٣٠هـ) ، تحقيق‌ : علي شيري ، طبعة دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، الطبعة الأولىٰ ، (١٤٠٨هـ ـ ١٩٨٩ م).

٦٩ ـ كتاب المغازي والسير ، المعروف بـ : (سير ابن إسحاق) : محمّد بن إسحاق بن سيّار (ت ١٥١هـ) ، حقّقه وقدّم له‌ : سهل زكار ، طبعة دار الفكر ، الطبعة الأولىٰ ، (١٤٠٦هـ ـ ١٩٨٧م).

٧٠ ـ كتاب المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار الشهير بـ : (خطط المقريزي) : المقريزي ، تقي الدين أحمد بن علي (ت ٨٤٥هـ) ، طبعة دار التحرير ، القاهرة ، (د ـ ت).

٧١ ـ كتاب نقض : الرازي ، عبد الجليل (ق ٦ هـ) ، باللغة الفارسية ، تحقيق وتعليق‌ : جلال الدين المحدّث الأرموي ، طبعة دار الحديث ، قم ، الطبعة الأولىٰ ، ١٣٩١هـ.

٧٢ ـ كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون : كاتب جلبي ، مصطفىٰ بن عبد الله الشهير بحاج خليفة وبكاتب جلبي (١٠٦٧هـ) ، قدّم له‌ : السيّد شهاب الدين المرعشي النجفي ، طبعة دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، لبنان ، (د ـ ت).

٧٣ ـ الكنىٰ والألقاب : القمي ، عبّاس بن محمّد رضا بن أبي القاسم (ت ١٣٥٩هـ) ، طبعة مؤسّسة النشر الإسلامي ، قم ، الطبعة الثانية ، ١٤٢٩هـ.

٧٤ ـ گنجينه دانشمندان : الرازي ، محمّد شريف (ت ١٤٢٠هـ) ، چاپ إسلاميه ، ١٣٥٣ ش.

٧٥ ـ لسان الميزان : ابن حجر العسقلاني ، أبو الفضل أحمد بن علي (ت ٨٥٢هـ) ، طبعة دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، الطبعة ٢ ، (١٤٢٢هـ ـ ٢٠٠١ م).

٧٦ ـ لغتنامه ، دهخدا (بالفارسية) : علي أكبر (ت ١٣٧٥هـ) ، نشر : دانشگاه طهران ، ١٣٣٨هـ.

٧٧ ـ المآثر والآثار : اعتماد السلطنة ، محمّد حسن خان (ت ١٣١٣هـ) ، طبعة كتابخانه سنائى ، طهران ، إيران ، بكوشش ايرج أفشار.

٧٨ ـ مجالس المؤمنين : الشوشتري ، نور الله (الشهيد سنة ١٠١٩هـ) ، تعريب‌ : شعاع فاخر ، طبعة المكتبة الحيدرية ، قم ، الطبعة الأولىٰ ، ١٤٣٣هـ.

٧٩ ـ المحاسن : البرقي ، أبو جعفر أحمد بن محمّد بن خالد القمي (من أعلام القرن الثالث

۱۵۳

الهجري) ، تصحيح وتقديم‌ : السيّد جلال الدين المحدّث الأرموي ، طبعة طهران ، ١٣٧٠هـ.

٨٠ ـ مدارس بغداد في العصر العبّاسي : د. عماد عبد السلام رؤوف ، طبعة دار البصري ، بغداد ، ١٩٦٦م.

٨١ ـ مدرسة الحديث في مدينة الرَّي منذ نشأتها حتّىٰ نهاية القرن الرابع الهجري : د. الحتاملة ثامر عبد المهدي ، طبعة دار الكتاب الثقافي ، الأردن ، أربد ، ٢٠١٦ م.

٨٢ ـ مراقد المعارف : حرز الدين محمّد (ت ١٣٦٥هـ) ، أفست مطبعة الآداب في النجف ، (١٣٩١هـ ـ ١٩٧١ م).

٨٣ ـ المرجعية الدينية العليا : د. القزويني ، جودت ، طبعة دار الرافدين ، بيروت ، ١٤٢٦هـ.

٨٤ ـ المسالك والممالك : ابن خرداذبه ، أبو القاسم عبيد الله (ت ٣٠٠هـ) ، تحقيق‌ : محمّد مخزوم ، طبعة دار إحياء التراث العربي ـ بيروت ، لبنان ، الطبعة الأولىٰ ، (١٤٠٨هـ ـ ١٩٨٨م).

٨٥ ـ مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل (الخاتمة) : المحدّث النوري ، ميرزا حسين محمّد تقي الطبرسي(ت ١٣٢٠هـ) ، طبعة وتحقيق‌ : مؤسّسة آل البيت ، قم ، الطبعة الأولىٰ ، ١٤٠٧هـ.

٨٦ ـ مسند الإمام الجواد : العطاردي ، عزيز الله الخبوشاني (ت ٢٠١٤ م) ، الناشر العتبة الكاظمية ، طبعة دار الصفوة ، بيروت ، (١٤٣٣هـ ـ ٢٠١٢ م).

٨٧ ـ مسند الإمام الرضا : العطاردي ، عزيز الله الخبوشاني (ت ٢٠١٤ م) ، الناشر العتبة الكاظمية ، طبعة دار الصفوة ، بيروت.

٨٨ ـ مسند الإمام الكاظم : العطاردي ، عزيز الله الخبوشاني (ت ٢٠١٤ م) ، الناشر العتبة الكاظمية ، طبعة دار الصفوة ، بيروت.

٨٩ ـ مسند الإمام الهادي : العطاردي ، عزيز الله الخبوشاني (ت ٢٠١٤ م) ، الناشر المؤتمر الثاني للإمام الرضا عليه‌السلام.

٩٠ ـ معالم العلماء في فهرست كتب الشيعة : العاملي ، زين الدين بن علي الجبعي العاملي الشهير بـ (الشهيد الثاني) (استشهد في ٩٦٥هـ) ، طبعة مؤسّسة الفقاهة ، قم ، ١٤٢٥هـ.

۱۵۴

٩١ ـ معجم الأدباء أو (إرشاد الأريب إلىٰ معرفة الحبيب) : الحموي ، شهاب الدين أبي عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي الرومي البغدادي (٦٢٦هـ) ، طبعة دار الزهراء ، الرياض ، ودار الكتب العلمية ، بيروت ، الطبعة الأولىٰ ، (١٤١١هـ ـ ١٩٩١ م).

٩٢ ـ معجم البلدان : الحموي ، شهاب الدين أبي عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي الرومي البغدادي (٦٢٦هـ) ، طبعة دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، (بلا ـ ت).

٩٣ ـ معجم رجال الحديث وتفصيل الرواة : الخوئي ، أبو القاسم بن علي أكبر (ت ١٤١٣هـ) ، نشر الفقاهة ، قم ، الطبعة الخامسة ، ١٤١٣هـ ـ ١٩٩٢ م.

٩٤ ـ معجم مقاييس اللغة : ابن فارس ، أحمد بن فارس بن زكريا الرازي القزويني (ت ٣٩٠ أو ٣٩٥هـ) ، حقّقه‌ : شهاب الدين أبو عمرو ، طبعة دار الفكر ، بيروت ، ١٤١٤هـ.

٩٥ ـ مقاتل الطالبيّين : الإصفهاني ، أبو الفرج علي بن الحسين (ت ٣٥٦هـ) ، تحقيق‌ : أحمد صقر ، طبعة القاهرة ، (١٣٦٨هـ ـ ١٩٤٩ م).

٩٦ ـ مقتل الحسين : المقرم ، عبد الرزاق (ت ١٣٩١هـ) ، طبعة قسم الدراسات ، مؤسّسة البعثة ، طهران ، (بلا ـ ت).

٩٧ ـ مقدّمة كتاب الفهرست : الطباطبائي ، عبد العزيز (ت ١٤١٦هـ) ، طبعة دار الأضواء ، (١٤٠٦هـ ـ ١٩٨٦ م).

٩٨ ـ مقدّمة كتاب الكافي : محفوظ ، حسين علي (ت ٢٠٠٩ م) ، طبعة دار الكتب الإسلامية ، بتحقيق‌ : علي أكبر الغفاري ، طبعة دار الكتب الإسلامية ، ١٣٨٨هـ.

٩٩ ـ منتقلة الطالبية : الطوسي ، محمّد بن الحسن (ت ٤٦٠هـ) ، تحقيق‌ : محمّد مهدي الخراسان ، طبعة المكتبة الحيدرية ، النجف الأشرف ، (١٣٨٨هـ ـ ١٩٦٧ م).

١٠٠ ـ ميراث مكتوب شيعه از سه قرن نخستن هجرى : مدرسي ، طباطبائي ، حسين ، دفتر اول ، ترجمه‌ : سيّد علي قرائي ، رسول جعفريان ، چاپ اعتماد ، ١٣٨٣ ش.

١٠١ ـ نزهة القلوب : المستوفي ، حمد الله بن أبي بكر بن حمد بن نصر القزويني (ت ٧٥٠هـ) ،

۱۵۵

طبعة إيران ، ١٣٣٦ ه ، (بالفارسية).

١٠٢ ـ نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة : التنوخي ، أبو علي المحسن بن علي التنوخي (ت ٣٨٤هـ) ، تحقيق‌ : عبود الشالجي ، طبعة دار صادر ، بيروت ، (بلا ـ ت).

١٠٣ ـ نهضة كربلاء والعزة الحسينية : عدنان فرحان ، آل قاسم ، طبعة دار المحجّة البيضاء ، بيروت ، لبنان ، (١٤٢٩هـ ـ ٢٠٠٨ م).

١٠٤ ـ الوافي بالوفيّات : الصفدي ، صلاح الدين خليل بن ايبيك الصفدي (٧٦٤هـ) ، طبعة دار النشر فرانز شتانيز ، قبيتبادان ، (١٣٨١هـ ـ ١٩٦٢ م).

١٠٥ ـ وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان : ابن خلّكان ، أبو العبّاس شمس الدين أحمد بن محمّد بن أبي بكر (ت ٦٨١هـ) ، تحقيق‌ : محمّد محي الدين عبد الحميد ، مطبعة السعادة ، مصر ، القاهرة ، ط الأولىٰ ، ١٩٤٨ م.

١٠٦ ـ يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر : النيسابوري ، أبو منصور عبد الملك الثعلبي (ت ٤٢٩هـ) ، تعليق‌ : د. مفيد محمّد قميحة ، طبعة دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان ، ط الأولىٰ ، (١٤٢٠هـ ـ ٢٠٠٠ م).

المجلّات

١ـ مجلّة تراثنا : نشرة فصلية تُصدرها مؤسّسة آل البيت : لإحياء التراث ، قم.

٢ـ مجلّة علوم حديث : مجلّة فصلية تصدر عن دار الحديث ، قم ، العدد (١٢).

٣ـ مجلّة محدّث : مجلّة دورية تصدر عن مركز مديرية الحوزة العلمية في الري ، العدد (٤) ، بهمن واسفند ١٣٨٥ ش.

‌الصفحات علىٰ الشبكة المعلوماتية (الإنترنت) :

ـ١arabic.tebyan.net.١ ـ

ـ٢ Farda.Fr/ ..٣ohn.٢ ـ

ـ٣ ـ hewzah.net

ـ٤ ـ Hozeh@Abdulqzim.com

ـ٥ ـ inf@hossha.com

ـ٦ ـ www.Hossna.com

۱۵۶

في رثاء النسخ التي أصابها البوار والتلف(١)

الشيخ أبو الفضل حافظيان

بسم الله الرحمن الرحيم

توطئة :

هذه المقالة عبارة عن تنبيه للفت الأنظار إلىٰ ما يخصّ النسخ الخطّية وإشارة إلىٰ الأضرار التي تتهدّدها ، وقد قسّمت العوامل المؤدّية إلىٰ تلف النسخ الخطّية نحواً من عشرين قسماً ، وقد استعنت في هذا النوع من التقسيم المبتكر الذي عرضته لأوّل مرّة باصطلاحات مثل : النسخ المقبورة ، ونسخ التنّور ، والنسخ المتروكة في المستودعات ، ونسخ سطوح المنازل ، ونسخ الآبار ، والنسخ الخطّية المحروقة وأمثالها ، حيث يتبيّن لنا من خلال جميع هذه الأمور مدىٰ عدم الاعتناء وعدم الاكتراث بالموروث العلمي الذي خلّفه لنا علماؤنا الماضون ، وقد ذكرت لكلّ واحد من هذه الأقسام نماذج مؤثّقة من الزمان الماضي والحاضر ، فإنّ بعض تلك النسخ أضحت بالية ولا جدوىٰ منها ، ولا يمكن الاستفادة منها ؛ وذلك بسبب ما عرض عليها من عوامل أدّت إلىٰ تلفها مثل تعرّضها للحوامض ، ومنها

__________

(١) تمّت ترجمة هذه المقالة من قبل هيئة التحرير.

۱۵۷

ما أضحت رهينة لهجوم الحشرات والقوارض ، ومنها ما تأثّرت بالرطوبة ، ومنها ما تركت في حضائر الحيوانات أو بين القمامة أو تحت الأنقاض والخرائب ، ومنها ما لم يحافظ عليها بتجليد صحيح ، ومنها ما كان يتعرّض عمداً للغسيل.

شكر وتقدير :

أقدّم مجهودي العلمي هذا هديّة لحامي التراث سماحة المرجع المرحوم آية الله العظمىٰ المرعشي النجفي رحمه‌الله ، وهو أكبر حامٍ للتراث المدوّن من النسخ الخطّية ، ومؤسّس الخزانة العالمية للمخطوطات الإسلامية ، إذ سعىٰ بدافع وواعز إلهي ، وبعزم وثبات محيّر للألباب ، وبكلّ ما يمتلكه من عدّة وعدد إلىٰ صيانة مصنّفات العلماء وجمعها وإحيائها منذ تلك السنين العجاف الأولىٰ التي كابد بها شظف العيش وعسرته إبّان تلمّذه في الحوزة العلمية لطلب العلم بجوار باب مدينة العلم وحتّىٰ أيّام تصدّيه للمرجعية في الحوزة العلمية في مدينة قم المقدّسة ، وكان يصف نفسه خادماً لعلوم أهل البيت عليهم‌السلام ، حتّىٰ أسّس ذلك الصرح العلمي العظيم ـ المكتبة المرعشية ـ الذي أصبح كنزاً من كنوز مدرسة أهل البيت عليهم‌السلام. وقصّة حياته إنّما هي قصّة كرامة شابٍّ طالب للعلم معدم المال بذل عمره الشريف بما له من عزم وولاء في صيانة المؤلّفات الإسلامية ونشرها حتّىٰ صار في عالم ولائه للكتب سليمان مملكة الكتاب ، وأضحىٰ شمساً مشعّة ينبثق منها الضياء لمجالس الوالهين المتعطّشين لطلب العلم والحقيقة ، هذا و «إنّ الهدايا علىٰ قدر مهديها».

المقدّمة :

من المسلّم به أنّ أفضل تراث يخلّده لنا العلماء والباحثون ـ بمختلف مستوياتهم الثقافية وبلدانهم التي ينتمون إليها ـ وأكثره تأثيراً هو مجموع ما خلَّفوه

۱۵۸

إلينا من آراء ونظريّات وأبحاث جديدة في مختلف الميادين العلمية من العلوم الإلهية والطبيعية ، وبطبيعة الحال يُعدّ الحصاد العلمي نتاجاً لما حصلوا عليه واكتسبوه من مسيرة عمر تكرّس بالجدّ والاجتهاد والمثابرة والسعي الذي لا يعرف مللاً ولا سأماً وقد دوّنوها علىٰ صفحات الأوراق والدفاتر في رسائلهم وكتبهم التي صنّفوها وأوقفوها علىٰ الأجيال التي تليهم في المستقبل من هواة العلم وجعلوها في متناول أيديهم من دون أيّ مقابل.

وقد تحمل النسخ الخطّية أحياناً آراء جهابذة روّاد العلم وكبار العلماء مثل : الشيخ الكليني ، الشيخ المفيد ، الشيخ الصدوق ، الشيخ الطوسي ، الشيخ الرئيس أبي علي سينا ، الشريف الرضي ، الشريف المرتضىٰ ، الخواجة نصير ، المحقّق الحلّي ، العلّامة الحلّي ، فخر المحقّقين ، الشهيد الأوّل ، الشهيد الثاني ، الشيخ البهائي ، المير داماد ، الملّا صدرا ، المجلسي الأوّل ، والثاني ، الفيض الكاشاني ، والشيخ الحرّ العاملي وهكذا حتّىٰ نصل إلىٰ صاحب الجواهر والشيخ الأنصاري وإلىٰ سائر أفراد هذه القافلة المحفوفة بالكمّ الغفير من أصحاب العلم والفضيلة ، مفاخر البشر وشرف أهل الأرض. فقد أماط هؤلاء الستار عن وجه العلم المشرق الذي أخذ بمجامع القلوب منبهرين به واستقاموا صامدين في طلب العلم والتدريس والتأليف ، وساهموا في ما مضىٰ من العصور الغابرة في شتّىٰ المجالات الاجتماعية والاعتقادية علىٰ نشر الأبحاث العلمية والجواب علىٰ الأسئلة الموجّهة إليهم من قِبَلِ الناس وحلّ مشاكلهم.

إذن ما هو واجبنا إزاء هذه الذخائر العلمية والتراث الديني العظيم الذي ورثناه وصار اليوم أمانة بأيدينا؟

فإنّ ما خطّته تلك الأيادي علىٰ تلكم الأوراق الأثرية القديمة تذكّرنا بالجهود الشاقّة والعمل الدؤوب لعلمائنا وما عانوه من غربة من أجل طلب

۱۵۹

العلم والفضيلة ، فأين أصبحنا نحن اليوم من تلكم الأمانة؟

فكم من أعاصير وسيول ونيران وغارات وتعصّبات قومية ومذهبية وآفات قد أضرّت بالعلم علىٰ مرّ التاريخ ، وشوّهت شفافية مرآة معرفته ، أو أودت به في مقابر الضياع والتلف ، وحجبته عن متناول أيدي الأجيال اللاحقة.

يا ترىٰ ألم يكن لهذه الروضة التي تبعث لناظرها روح الحياة من يحميها ويحرسها لينجيها من أيدي المجرمين واللصوص سرّاق التراث؟ أما من باكٍ متحرّق يذرف دموعه ألماً وحسرة علىٰ تلك الأجساد الجريحة والفوانيس الطريحة التي جنت عليها أيادي الجناة(١)؟

وأمّا اليوم فقد جاء دورنا وحان لنا أن نشعر بعظمة واجبنا وخطره ونتنبّه إليه ونهتمّ للقيام بأعبائه في حفظ وصيانة تلك المخطوطات وأن يكون لنا اطّلاع وخبرة فنّية دقيقة لإحياء هذه المتون القيّمة.

ويتوجّب علينا أيضاً تنبيه جميع أفراد المجتمع ليكونوا علىٰ بيّنة بأهمّية التراث المدوّن ، وأن يعلموا أنّ الكتاب المخطوط هو أغلىٰ موروث ثقافي لكلّ بلد وفي الحقيقة هو إثبات لأصالة ذلك الشعب أو تلك الأمّة.

وقد ذكرنا في هذه العجالة نماذج ممّا يهدّد المخطوطات أو ما تتعرّض له من بلايا كأنموذج تحذيراً لمسؤولي صيانة التراث.

ولابدّ لنا من حيلة نتوسّل بها ونهضة تدفعنا لإنقاذ النسخ الموجودة في أطراف البلاد وأكنافها والتي قضت وطراً من الزمن وقد أحاطت بها الظروف

__________

(١) مقالة بعنوان : (مخطوطات لا بواكيَ لها) ، ذكرت في مجلّة (مجموعة المخطوطات الإسلامية) في العدد الخامس منها ، ذو القعدة ١٤٣٨.

۱۶۰

الرديئة السيّئة بعد أن هُجرت وتضرّرت إثر ما طرأ عليها من مختلف الملمّات أو صارت عرضةً للسرقة أو التلف.

فالخطوة الأولىٰ التي لابدّ لنا أن نخطوها لحفظ وصيانة النسخ ، هو البحث عنها ومن ثَمّ فهرستها ، ثمّ من بعد ذلك تصويرها ومن ثَمّ ترميمها وعلاجها بأساليب وأجهزة متطوّرة ، كما لابدّ أن يؤخذ بعين الاعتبار حقّ المالك وحقّ الموقوف عليهم ، والموارد التي من أجلها تمّ الوقف ، ولابدّ أن تنتقل هذه النسخ إلىٰ مراكز ومكتبات كبيرة وضخمة مجهّزة بأجهزة الصيانة والترقيم وفيها نخبة من الخبراء الحاذقين بهذا الفنّ للتعرف عليها ، لكي تكون في متناول أيدي محقّقي التراث.

وبعد هذه المقدّمة التي كان من الضروري تقديمها أجمع قصاصاتي المتفرّقة في مقالي تحت عنوان : (في رثاء النسخ التي أصابها البوار والتلف) وأجعلها في متناول أيدي المحقّقين وهواة التراث وأقدّمه لهم عسىٰ أن يقع منهم محلّ القبول والرضا.

وقبل أن ألج في صلب الموضوع أقدّم اعتذاري للاستفادة من بعض المفردات والاصطلاحات التي تعدّ بعضها مبتكرة ـ ولا مناص لي دون الاستفادة منها ـ وهي دون شأن موروثنا.

وأتأمّل من المطّلعين علىٰ حال المخطوطات والمتألّمين عليها أن يشحذوا أقلامهم للكشف عن مثل هذه الرزيّة.

١ـ النسخ المقبورة :

وهو التعبير الذي استخدمه الخبير بالكتب والمفهرس الكبير الأستاذ المرحوم دانش پژوه ، حيث كان يطلقه علىٰ النسخ المنكوبة التي كانت تطمر في المقابر بأيدي جهّال الورثة من أبناء أهل العلم الذين لا أهليّة لهم في معرفة التراث العلمي.

ولا زلت أتذكّر جيّداً حينما دخلت ذات يوم مسجد حارتنا في مدينة بابُل

۱۶۱

فرأيت سلّة مملوءة بالكتب في جانب باب المسجد وفيها عدد من نسخ القرآن الكريم ومفاتيح الجنان القديمة قد أعدّت لتدفن في مقبرة المدينة ، فحملني الفضول ـ علىٰ يفاعة سنّي وعدم معرفتي بالنسخ ـ فتصفّحت الكتب واحدة واحدة ، فعثرت من بينها ـ في تلك السلّة ـ علىٰ بعض النسخ الخطّية ، ومن جملتها قرآن يطلق عليه اصطلاح : (نسخة العمامة) ، فاستجزت حينها من متولّي المسجد لأخذها ـ وكان أمّيّاً لا يحسن قراءة القرآن ولا حتّىٰ التوقيع ـ فأنقذت تلك النسخ من الدفن تحت أكوام التراب.

أنموذج آخر : كانت في شمال إيران مدرسة علمية تحظىٰ ببناء أثري قيّم وهو من الآثار القديمة في إيران والتي يعود بناؤها إلىٰ العهد القاجاري وقد هدّمت هذه المدرسة عن بكرة أبيها ولم يبقوا منها جداراً واحداً ، بذريعة صعوبة السكنىٰ فيها وتعسّره لكثرة الرطوبة في جدران حجراتها ، وقد أعيد بناؤها من جديد وذلك في أيّام الحرب حيث شحّت فيها موادّ البناء إذ كانت هذه الموادّ في زمن الحرب علىٰ شكل حصص ، وقد سمعت من متولّي المدرسة يقول : إنّنا في حين إنشاء البناء الجديد كنّا نلقي بالنسخ الخطّية القديمة والأوراق المتفرّقة في جوف البناء وكان يبدي تأسّفه لتأخّره عن إنقاذ مخطوطات تلك المدرسة للحيلولة دون ذلك.

وكذلك اطّلعت علىٰ قصّة أخرىٰ مؤسفة للغاية وذلك في حين إعمار إحدىٰ المزارات الواقعة في قرية من قرىٰ شمال إيران حيث أودعوا النسخ الخطّية الموجودة في ذاك المزار في ثلاثة أكياس كبيرة ثمّ دفنوها في أرض رطبة تقع إلىٰ جانبه ، وبعد متابعة حثيثة منّي وإصرار استطعت أن أستخرج واحدة من تلك الأكياس ولكن مع الأسف الشديد كانت الرطوبة قد أخذت منها مأخذاً حيث أخَرجَتْها عن إمكان الانتفاع منها ممّا اضطرّنا إلىٰ إرجاعها إلىٰ حيث كانت تحت التراب.

۱۶۲

٢ـ نسخ التنّور :

ومن ضروب الكوارث والبلايا التي حلّت بتراثنا المخطوط وما لاقته وعانته النسخ من جفاء وعدم اعتناء ، هو ما اعتاد عليه بعض الجهلة من وضعها في أماكن لا تجدر بها مثل التنّور وهو ما كان يؤدّي بها إلىٰ البوار والتلف.

علىٰ سبيل المثال : فقد جاءني طالب علم من محافطة خراسان الجنوبية وأراني صوراً للورق من عدّة نسخ خطّية قيّمة كانت مخزونة في هاتفه النقّال وقال : لقد عثرت علىٰ هذه النسخ داخل تنّور قديم في دارنا وذلك بعد إزاحة أكوام القمامة عنها ، وأضاف قائلاً : هناك كذلك عدد من نسخ أخرىٰ عديدة داخل التنّور تعرّضت هي الأخرىٰ للتلف ولا يمكن الاستفادة منها ، وقد لاحت لي نسخة قديمة من بين تلك الصور التي عرضها لي من كتاب نهج البلاغة ، أظنّ أنّ تدوينها يعود إلىٰ أوائل القرن الثامن الهجري ، وهي نسخة قيّمة ذات كلمات معربة ، ولو اطّلع عليها صديقي العزيز الدكتور محمّد كاظم رحمتي لسجّلها عنده من ضمن النسخ الخراسانية والنيشابورية لنهج البلاغة.

٣ـ نسخ المخازن :

إحدىٰ الأماكن المتداولة لدىٰ عامّة الناس لحفظ الكتب الخطّية هي المخازن والسراديب المظلمة المرطوبة التي كانوا يودعون بها كتبهم وذلك ليستقرّ بالهم ردحاً من الزمن أو لعلّه إلىٰ عقود متتالية تجنّباً ممّا تخلّفه لهم هذه النسخ من أوساخ وما تشغله من حيّز يؤدّي إلىٰ مضايقتهم أو للتخلّص من منظرها لكي لا يرون ظاهرها غير المألوف!

ولعلّ الكثير من قرّاء مقالنا الكرام قد رأوا النسخ التي بارت وقضت نحبها في المخازن.

۱۶۳

وقد اتّفق أن وقع لأستاذنا الفقيد المرحوم آية الله الروضاتي حدث مثير فكان يقول : خرجت ذات يوم لأشتري الفواكه لضيفي ، فلمّا شُغلت بشرائها وبينما أنا كذلك وإذا بامرأة عجوز محدودبة أتتني وطلبت منّي أن أصطحبها إلىٰ دارها لتريني عدداً من الكتب القديمة عندها ، فأعرضت عن شراء الفواكه ، وحملني ولعي بالكتاب علىٰ أن أصطحبها إلىٰ دارها فتبعتها من زقاق إلىٰ زقاق حتّىٰ دخلنا بيتها القديم وأرشدنا صاحب الدار إلىٰ خزانة مظلمة موحشة بجانب دار الخلاء وكانت الرطوبة قد سرت إلىٰ جدرانها ، وكان إلىٰ جانب ذاك الجدار الندي صرّةٌ مملوءة بالكتب فحملتها العجوز ووضعتها في يدي وقالت : خذ هذه النسخ إن كانت تفيدك وإلّا فادفنها في مكان ما ، فتحرّك بداخلي حسُّ الفضول لأطّلع علىٰ محتوىٰ تلك الصرّة بأسرع وقت ممكن فتوجّهت إلىٰ الدار مسرعاً ففتحت تلك الصرّة وعندما حملت أوّل نسخة منها أصابتني الدهشة حين رؤيتي النسخة المفقودة من كتاب (الإمامة والتبصرة) لوالد الشيخ الصدوق والتي لم يرد لها ذكر في فهارس المخطوطات ، وقد طبع هذا الكتاب عدّة طبعات مع تصحيحات الأستاذ العلّامة السيّد محمّد رضا الحسيني الجلالي من هذه النسخة الفريدة.

أنموذج آخر : سمعت من أحد هواة الكتاب أنّه كان يقول : دخلت دار أحد هواة الأثريّات القديمة ممّن صرف أمواله في شرائها واقتنائها من الخواتم القديمة وألبومات الطوابع والصور القديمة والجرار الفخارية والأواني النحاسية والسماورات البرونزية وسائر الأشياء الثمينة ، ومن المسلّم به فإنّه كان يهتمّ بشراء النسخ النفيسة أيضاً ، فسألته عن مخطوطاته فأخذني إلىٰ مخزن في السرداب فلمّا دخلت المخزن وإذا بي أواجه منظراً مؤلماً حيث رأيت أنّه قد وضع النسخ الخطّية من القطع الكبير (الرحلي) غطاءً علىٰ جرار كبيرة للخلّ المعتّق ووضع علىٰ تلك

۱۶۴

النُّسخ أجساماً ثقيلة لئلّا ينفذ إليها الهواء فيفسد ما فيها من خلّ! وقد تحوّل ذلك الخلّ بعد مضيّ السنين في جوف تلك الجرار إلىٰ ما يشبه الوحل وقد تهرّأت تلكم النُّسخ من أثر ما أصابها من بخار الخلّ ، والعجب أنّ صاحب هذه النفائس الذي خسرها لم يهتمّ ولم يعبأ بإتلاف تلك النُّسخ القيّمة القديمة التي طوىٰ عمره في جمعها وبذل من أجلها أموالاً طائلة.

٤ـ نُسخ القباب والسطوح :

قد لا يطيق تارة بعض الأفراد وجود الكتب أمام عينيه في الغرف والمخازن وعلىٰ الرفوف ، وهذا الأمر كان يؤدّي إلىٰ نقلها من مكان إلىٰ آخر في المنازل ، فكان يرىٰ البعض أنّ الحلّ في ذلك هو أن يلقيها في زاوية من زوايا السطح إلىٰ جانب أعشاش الطيور ، حيث تكون عرضة لمهبّ الرياح وهطول الأمطار وتلوّثها بالفضلات ممّا يؤدّي إلىٰ تلف ظاهرها وباطنها كجلدها وأوراقها ؛ ويكون سبباً لتفتّتها وتشتّتها وتهرّئها ، وقد رأيت أنا بأمّ عيني مثل هذه النُّسخ المهجورة فوق السطوح ، وقد أثّرت عليها أشعّة الشمس وهطول الأمطار وعبث الطيور فيها ممّا يجعل الإنسان يأنف أن يمدّ إليها يده ويلمسها.

كانت قباب المساجد والمزارات قديماً عبارة عن جدارين وكان الخلأ الموجود بينهما يتّخذ كمستودع لما زاد من أثاث وغيره. وقد عرض لنا زميلنا الأستاذ الفاضل الشيخ الحكمائي ـ الأستاذ في جامعة طهران اختصاص علم الآثار ـ ما رآه هو من نسخ القباب قائلاً : لقد شاهدت ـ علىٰ أقلّ التقديرات ـ ثلاث حالات من أمثال هذه النُّسخ فقد صادفت كمّاً كبيراً منها ومن الأوراق الخطّية التي شاء الله أن تبقىٰ سالمة أكثر من سائر النُّسخ التي تتعرّض إلىٰ الكوارث والبلايا الأخرىٰ.

إنّ السطوح في شمال إيران تتكوّن من القرميد بحيث يكون في أسفلها مساحة

۱۶۵

كبيرة خالية يستفاد منها كمخزن ، وفي ارتيادي دار أحد أصدقائي وهو من أئمّة الجماعة في مدينتنا لاستفساري منه أن يبيّن لي سيرة أبيه وهو من أكابر العلماء في مدينتنا ، فلمّا دار بيننا الحديث ومن بين الكلام ذكرت النُّسخ الخطّية ؛ فأردف الشيخ قائلاً : نِعْمَ ما صنعت حيث ذكرت الكتاب والنُّسخ ؛ فإنّه يوجد لدينا عدد من الكتب بالطبعة الحجرية والنسخ الخطّية التي اضطررنا أن نجعلها في السطح تحت القرميد عند تعمير الدار وبنائه ونحن الآن في أتمّ الاستعداد لأن نهديها لمكتبة المدرسة العلمية. وقد تمّ بالفعل نقل أربعين نسخة خطّية وأربعين كتاباً بالطبعة الحجرية إلىٰ مكتبة مدرسة الصدر العلمية في بابُل وذلك بعد متابعة الأمر وبمعونة من مالكها السخي الكريم وإخلاصه وأشكر الله علىٰ أنّ النسخ كانت لا تزال سالمة.

هذا وإنّ السطوح والقباب وأمثالهما لم تكن أماكن مطمئنّة لصيانة الكتب النفيسة وإنّ احتمال إصابتها بمختلف الأضرار لابدّ أن يؤخذ بعين الاعتبار.

٥ـ نُسخ الآبار :

من المؤسف أنّ نسمع أنّ الآبار أضحت مقبرة للعديد من النسخ الخطّية القيّمة التي كانت كلّ واحدة منها تحمل قسطاً من ثقافتنا وعلومنا وفنوننا القومية والدينية.

والعجب كلّ العجب أنّه لم يكن هناك أحد يمنع من ارتكاب مثل هذه الأعمال الشنيعة!؟

وقد ذكروا لي أنّه كان في إحد الأحياء وسط العاصمة طهران مسجد ومدرسة علمية يعود بناؤها إلىٰ زمن الملك ناصر الدين شاه القاجاري ، وقد تمّ في السبعينيّات من القرن الماضي تعميرهما وبناؤهما وترتيب غرفهما وتعديلها فأخرج من سردابيهما الكثير من النسخ الخطّية والكتب القديمة ووضعت في أكياس وألقيت في آبار المسجد والمدرسة ، فيالها من جهالة.

۱۶۶

٦ـ نُسخ الأنهار :

كثيراً ما حصل ممّن لا معرفة لهم بأهمّية النُّسخ أنّهم كانوا ينظرون إليها وكأنّها من القمامة تشغل حيّزاً وتسبّب لهم المضايقة ، أو أنّهم احتراماً لآيات القرآن وكلمات المعصومين في الأحاديث كانوا يلقونها في الأنهار. فإنّ هذا العمل السفيه والمؤلم ـ علىٰ مرّ التاريخ وحتّىٰ في عصرنا الحاضر ـ كثيراً ما أدّىٰ إلىٰ إتلاف النُّسخ النفيسة وإبادتها ؛ وإنّ تصرّفاً من هذا القبيل من قبل الجهلة له من الأضرار البالغة بنفس الأضرار التي يلحقها البغاة والطغاة في غزوهم البلاد طمعاً باحتلالها فإلىٰ جانب قتلهم أهلها ونهبهم وتدمير تراثهم العلمي يعرّضوا تراث الأمم إلىٰ خسائر باهضة قد يؤدّي بعضها إلىٰ دمار التراث.

وهناك نسخة من كتاب حديثي قديم موجودة في خزانة مكتبة آية الله المرعشي النجفي جاء في صفحة العنوان منه كتابة من مالكها ذكر فيها أنّه عثر علىٰ هذه النُّسخة وهي ملقاة في نهر دجلة إثر الاجتياح المغولي لبغداد فأخذتها من جرف النهر وبذلت ما في وسعي لإصلاحها.

وكذلك يخبرنا أستاذنا الراحل المرحوم المحقّق السيّد عبد العزيز الطباطبائي رحمه‌الله عن خزانة نفيسة جدّاً من المخطوطات كان يملكها أحد التجّار وكان مولعاً بجمع الكتب وكان يبذل أموالاً طائلة لشراء النُّسخ النفيسة وكانت هذه النُّسخ عزيزة عليه كنفسه ، بحيث لمّا طلبنا منه أحد النُّسخ التي كنّا نفتقر إليها للمقابلة والتصحيح أبىٰ ذلك وامتنع من إعارتها لنا إلّا أن نكون متواجدين عنده في داره لنتمكّن من رؤيتها ؛ وبعد وفاته قرّرنا أن نطلب من ورثته أن يهبوا مكتبة أبيهم لمكتبة آية الله الحكيم رحمه‌الله أو لمكتبة أمير المؤمنين عليه‌السلام التابعة للعلّامة الأميني رحمه‌الله لتكون ذخيرة له يوم المعاد وذكرىٰ له بين العباد ، فرأينا أن نصبر حتّىٰ انقضاء أربعينيّته وحينها يكون أبناؤه قد انقضت أيّام حزنهم وعزائهم فنذهب إليهم ،

۱۶۷

فمكثنا حتّىٰ جاء اليوم الموعود فذهبنا إلىٰ دار التاجر في بغداد لنكلّم أبناءه فذكرنا لهم ما نحن بصدده من بغيتنا وطلبنا ، ولكن مع بالغ الأسف قد صدمنا الجواب الذي واجهناه! وذلك حين قال لنا أبناؤه : لقد فات الأوان لو كنتم أتيتمونا بعد أيّام من رحيله لأعطيناكم تلك النُّسخ لكن سرعان ما ألقيناها في نهر دجلة بعد ما رأيناها وسخة ولا فائدة منها.

وكم هي مؤلمة لخبير مثل المحقّق الطباطبائي رحمه‌الله أن تمرّ عليه أحداث عجيبة ومهيبة وذلك أن تساق خزانة نفيسة لا مثيل لها للإبادة والفناء إثر جهل الجهلاء وحماقة الحمقىٰ ممّن شغلتهم لذّة العيش وبهارج الدنيا الفانية وزخارفها ممّن لا حظّ لهم من فضيلة العلم وكرامته ، فهل يا ترىٰ خَلَو مع أنفسهم هنيئة ليفكّروا ويهتدوا إلىٰ أنّ مثل هذه النفائس الفريدة ليس محلّها المقابر والمحارق والمخازن والآبار والأنهار؟

وكذلك أذكر أنموذجاً آخر : فقد رأيت في غابر السنين عدّة نسخ خطّية يحملها أحد طلبة العلم من خوزستان بيده وجاءني مستفسراً عنها وعن قيمتها ، فسألته أين كانت هذه النسخ وكيف وصلت إليك؟ فأجابني قائلاً : لقد عثرت عليها في كيس ملقىٰ علىٰ ضفة نهر الكارون متروكة في زاوية وقد أخذت هذه النسخ من بين تلك الكتب. وقد عثرت من خلال تفحّصي لتلك النسخ علىٰ رسالة أو رسالتين قليلتي النظير ولم تطبع قطّ.

٧ـ النسخ الخطّية المحروقة :

هناك العديد من النسخ المتضرّرة نتيجة الحرائق التي نشبت بسبب الإهمال في حفظها أو التي احترقت بالكامل وتحوّلت إلىٰ رماد نتيجة عدم التوقّي في إضرام النار ، وهي حوادث غالباً ما تحدث وهو أمر طبيعي بالرغم من إنّه أمر مؤسف.

۱۶۸

ولكنّ الأشدّ حرقة منها هو النسخ المجني عليها عمداً والتي ألقيت في النار قسراً وجهلاً بنوايا خبيثة وتمّ القضاء عليها فلم يبقَ لها أثر.

وكم من مكتبات أضحت طعمة للحريق علىٰ أيدي الغزاة الهمج ، وقد ذكرت في كتب التاريخ بعض أخبار هذه المحارق الكبيرة للكتب مثل إحراق مكتبة الشيخ الطوسي في بغداد(١) ، ومكتبة أبي طاهر الخاتوني الوزير في ساوه(٢) ، ومكتبة أعيان ديلم في الري ويقدّر ما فيها بخمسين حمل بعير ، ومكتبة آل الزين في مدينة شحور من جبل عامل في لبنان ، وقد اشتهرت شحور بمكتبتها هذه وقد أحرقها أحمد باشا الجزّار والي الدولة العثمانية وقتل المسؤول عنها الشيخ زين الدين خليل الزين وأحرق جسده ، وهناك العشرات من النماذج الأخرىٰ التي نجمت إثر الحروب واجتياح البلدان ؛ إذ كان الغزاة يجمعون الكتب في الميادين العامّة ويحرقونها حقداً وجهلاً ولئلّا يبقىٰ ـ علىٰ زعمهم ـ شيء لأهل تلك البلاد فكانوا يبيدون تراثهم العلمي بعد قتلهم ولا يبقون عليه.

وسيأتي فيما يلي ذكر بعض المواضيع في الدوافع التي كانت تكمن وراء إحراق الكتب طوال التاريخ ، علماً بأنّ مثل هذه الأعمال البشعة واللا إنسانية لا زالت مستمرّة وموجودة في عصرنا الحاضر.

ويذكر لنا زملاؤنا في النجف وكربلاء بألم ما حدث زمن ديكتاتور العراق الظالم ؛ إذ أحرق جيشه ـ إثر غارتهم التي شنّوها علىٰ العتبات المقدّسة ـ المخطوطات الأثرية التي كانت موجودة في خزانتها والتي تعود إلىٰ قبل ألف سنة

__________

(١) طبقات أعلام الشيعة : ١٦٢ـ١٦١.

(٢) دعا عبد الجليل القزويني في كتاب (النقض) مخالفي المذهب الشيعي لمطالعة كتب مكتبة أبي طاهر الخاتوني ، ولمزيد من المعلومات اللازمة انظر ساوه نامه : ٨٢ـ٨٠.

۱۶۹

لتكون وقوداً لهم ، كما إنّنا نسمع في هذه الأيّام أخباراً عن دسائس الفرقة الوهابية الضالّة وخيانتها في إبادة آثار الإمامية ، كما أنّهم قاموا بإتلاف سائر الكتب العلمية الأخرىٰ ـ غير القرآن والحديث ـ أيضاً ؛ لأنّهم كانوا لا يعدّونها من كتب العلم.

٨ـ النسخ الجدارية :

إنّ إخفاء الكتب بين الجدران لربّما كان يقصد به حفظها من أيدي العابثين بها ولكن تارة كانت تتّخذ هذه الطريقة لإتلاف النسخ والتخلّص منها أيضاً ، أو علىٰ أقلّ تقدير كان يؤدّي إخفاء الكتب بين الجدران إلىٰ إتلافها وإن لم تكن هناك نيّة سوء في البين.

وبعد نجاح الثورة الشيوعية كانت المناطق التي يقطنها المسلمون في الاتّحاد السوفيتي إبّان الحكم الشيوعي تتعرّض إلىٰ محاربة جميع مظاهر الدين من قبل الحكّام المتغطرسين الذين حكموا الناس بالحديد والنار ، بحيث كان الناس يخشون سطوتهم ومن فرط خشيتهم كانوا يخفون الكتب بين الجدران آملين أن تنتهي فترة الحكم الشيوعي ليمكنهم حينها إخراجها والاستفادة منها وإن طال تحقّق هذا الحلم إلىٰ عشرات السنين ، ولكنّ الأخبار التي وصلت إلينا بعد انحلال الحكم الشيوعي كانت حاكية عن إصلاح بعض النسخ.

ومن النماذج الرائعة والمهمّة التي تمّ من خلالها العثور علىٰ نسخ مخفية في جوف الجدران هي قصّة هدم إحدىٰ الجدران القديمة للحرم الرضوي المقدّس في ثمانينيّات القرن الهجري الماضي ؛ إذ عثروا إثر تلك الواقعة علىٰ نسخ نفيسة وقديمة من القرآن الكريم وعلىٰ عدد من النسخ الخطّية النفيسة جدّاً كما عثروا من بين تلك النسخ علىٰ أقدم نسخة للصحيفة السجّادية برواية الكرّامية وقد استنسخت من قبل أحد الخطّاطين العرب وطبعت في دمشق بمساعي المرحوم السيّد أحمد

۱۷۰

الفهري ، وكذلك أيضاً قام الأستاذ مدير شانه چي بتصحيحها وتنضيد حروفها وطبعها ، وقد استطعت الحصول علىٰ صورة النسخة المذكورة مع هاتين الطبعتين.

کما إنّ التفسیر الأثري للقرآن والذي جاء تحت عنوان : (تفسير الشنقشي) هو الآخر أيضاً قد أخرج من جوف ذلك الجدار وقد طبع في طهران بواسطة : (بنياد فرهنگ) بتصحيح الدكتور محمّد جعفر يا حقّي.

٩ـ نسخ الصناديق :

لبعض الناس ولع بشراء الكتب والنسخ الخطّية ؛ لا ليستفيدوا منها أو يستفيد منها الآخرون ؛ بل تحملهم هوايتهم لاقتنائها ونضدها في الصناديق ثمّ تهمل ، وبهذا الأسلوب تبقىٰ الكتب سجينة في الصناديق إلىٰ سنين متمادية(١) وهذا جانب آخر من أسر الكتب الذي يتمّ علىٰ أيدي هواتها حيث يُعدّون بعملهم هذا من الجناة علىٰ الكتاب ، فهذا الصنف من مالكي الكتب لا هم ممّن يستفيدون منها ؛ لأنّهم ليسوا بالمستوىٰ العلمي الذي يؤهّلهم للاستفادة منها ، ولا هم الذين يسمحون أن يكون لدىٰ الآخرين خبر عنها فضلاً عن الاستفادة منها ، وهنا يتداعىٰ إلىٰ فكر الإنسان أن يتذكّر قوله تبارك وتعالىٰ : ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ، وإلىٰ ما تحمله هذه الآية من معنىٰ دقيق يصدق في حقّهم.

١٠ـ نسخ يلفّ البقّالون بضاعتهم بأوراقها :

لم يكن للموادّ الغذائية قديماً علباً خاصّةً تحتويها كما لم تتوفّر لديهم الأكياس

__________

(١) وقد زوّدنا زميلنا الأستاذ محسن صادقي بمعلومة ذكر فيها ما يقارب من (١٥٠٠) نسخة خطّية لمكتبة أحد علماء طهران المعروفين قد وضعت بعد رحيله في كراتين وأغلقت بحيث لم يصلها الهواء.

۱۷۱

المتوفّرة لدينا اليوم ، بل كانوا يستعملون الأوراق للفّ أنواع الموادّ الغذائية مثل اللحم ، الخضروات ، الجبن ، الحلوىٰ وأمثالها ، كما كانوا يلجؤون إلىٰ الأوراق لتنظيف النوافذ الزجاجية أو تغطيتها ليحجبوا بها النور أو يضعوها بين النوافذ ليمنعوا نفوذ الغبار إلىٰ الداخل.

وقد عثر ثلاثة من الأكابر المتخصّصين في مجال التراث ومعرفة النسخ علىٰ ثلاث نسخ بالغة الأهمّية في مثل هذه الأماكن (البقّال والقصّاب و ...) وأنقذوها من أيدي الجهلة ، فقد عثر الأستاذ المرحوم همايي ـ العالم المعاصر المعروف ـ علىٰ كتاب : (التفهيم) وهو كتاب نفيس ونسخته قديمة وفريدة من نوعها وقد قام بتصحيحه ، وعثر الأستاذ المرحوم السيّد محمّد علي الروضاتي علىٰ مجلّدات كتاب : (مطالع الأنوار) لحجّة الإسلام الشفتي والتي كتبها بخطّه الشريف ، كما عثر والد الدكتور مهدي المحقّق علىٰ كتاب : (تفسير كيوان قزويني) من هذه الأماكن التي لا تمتّ إلىٰ التراث بصلة ، وكان هؤلاء العلماء سبباً في إحياء تلك الكتب.

وهل ترىٰ كان يخطر علىٰ بال أحد أنّ تلك الأوراق التي أنهكها طول العمر والتي حملت علىٰ عاتقها رسالة الفكر والعلم والفنّ بأن يصل بها المطاف إلىٰ هذا الحدّ من الانحطاط؟!

١١ـ النسخ التي صارت طعمة للحيوانات :

إنّ عصرنا الحاضر هو عصر تفجّر المعلومات وعصر التقدّم البشري في مختلف المجالات العلمية وهو العصر الذي تتوفّر فيه جميع الإمكانيّات لطلب العلم ، كيف يمكن أن يصدّق المرء أن تصبح أوراق النسخ الخطّية في عصرنا الحاضر هذا علفاً للحيوانات وأن تكون تلك المكتبات المهجورة مرتعاً لها؟

كانت شبه القارّة الهندية إحدىٰ المعاقل العلمية والمراكز المهمّة لتأليف الكتب

۱۷۲

واسنتساخها ؛ حيث بلغت الكتب المدوّنة في العلوم الإسلامية باللغتين الفارسية والعربية من قبل علمائها الهنود والعلماء المهاجرين إليها إلىٰ حدّ لا يمكن إحصاؤه بسهولة ، فماذا حلّ بهذه المنطقة التي كانت يوماً من الأيّام بحراً يحفل بالتراث المدوّن؟

إنّ جميع الظروف غير المناسبة من قبيل تغيّر الأنواء الجوية والرطوبة العالية والسرقات والغارات وسائر الأمور الأخرىٰ مثل السماسرة والوسطاء الذين كانوا سبباً في تهريب النسخ ، كلّ هذه يمكن لها أن تكون من عوامل إبادة النسخ وإتلافها ، ولكنّ ما ذكرناه آنفاً وهو أن تكون النسخ علفاً للحيوانات هو أمر عجيب وفريد من نوعه؟! ألا ما من أحد يتجشّم عناء نجاة هذه النسخ من بين أيدي هذه الحيوانات؟ علماً بأنّه أمر غير مُكْلِف ولا يحتاج إلىٰ مؤونة.

ولابدّ لي هنا أن أذكر جهود الأستاذ أحمد المنزوي ـ نجل المرحوم الشيخ آقا بزرك الطهراني ـ التي لا تعرف الكلل والملل ، والحقّ يقال : إنّ الحقّ مع الأستاذ إيرج أفشار إذ لقّبه بابن نديم عصره ، إذ لم يألُ جُهداً بما بذله من مساعيه ومواقفه المشرّفة في التعرّف علىٰ هويّة النسخ الخطّية الفارسية في باكستان وإحيائها ، وقد أنشئت إثر مساعيه مكتبة : (گنج بخش) في باكستان علىٰ أيدٍ كفوءة من هواة تراث إيران الإسلامي وهي اليوم مكتبة معطاءة تحفل بالكنوز العلمية تعدّ بنياناً ثقافيّاً شامخاً وخطوة منحت الحياة للموروث العلمي في شبه القارّة الهندية ؛ وقد ذكرت في مناسبات عدّة مؤكّداً علىٰ ضرورة إنشاء مراكز من هذا القبيل في أفغانستان ، كما أنّ الهند تفتقر أيضاً إلىٰ دعم المنظّمات الثقافية للعالم الإسلامي وخاصّة من قبل هواة تراث إيران الإسلامي ؛ وذلك لصيانة الموروث الإسلامي باللغتين العربية والفارسية هناك.

١٢ـ النسخ المتضرّرة بالحوامض :

من الأضرار الطارئة علىٰ النسخ هو تأثّر أوراقها بالحوامض الموجودة في

۱۷۳

الجوّ (١) ، وذلك إثر حفظها غير الصحيح المغاير للقواعد والضوابط العلمية نتيجة لحفظها في أماكن وأجواء غير مناسبة ، وهي العملية التي يتمّ من خلالها فساد الأوراق المؤدّية إلىٰ هشاشتها وتفتّتها ممّا يجعل النسخة غير صالحة للاستفادة منها.

ومن الطبيعي أنّ الحفظ الصحيح للنسخ يؤدّي إلىٰ طول عمرها ، فلابدّ لنا من رصد مقدار الرطوبة ، والحرارة ، والنور ، وأن تكون وضعية التهوية في مخازن الكتب طبقاً للمواصفات والمعايير الصحيحة ، وأن لا تنفذ إليها الموادّ الكيمياوية والذرّات المعلّقة في الهواء المضرّة بالفضاء الداخلي لتلك المخازن.

فإنّ مالكي النسخ الخطّية عادةً ليس لديهم علم بالطريقة الصحيحة لصيانتها أو أنّهم لم تتوفّر لديهم الوسائل الكافية لدفع الأضرار الطارئة علىٰ النسخ ومعالجتها.

وبالتأكيد فإنّ جودة القرطاس والحبر المتّخذين في تدوين النسخ له الأثر الكبير في طول عمرها وبقائها فلذلك نرىٰ أنّ بعض النسخ قد مرّ عليها أقلّ من مائتي سنة ولكنّها تخرج من حيّز الانتفاع لتأثّرها بالحوامض في حين تبقىٰ النسخ التي مرّ عليها ألف سنة سالمة.

ولا زلت أتذكّر أنّ الأستاذ المرحوم عبد الحسين الحائري رحمه‌الله كان ييشير إلىٰ نسخ من القرن السابع الهجري سليمة جدّاً ولم يطرأ عليها أيّ ضرر ، وكان يقول : أمّا ما يظنّه الآخرون من أنّ النسخة كلّما كانت أكثر قدماً فإنّ الأضرار التي لحقت بها تكون أكثر هذا غير صحيح ؛ لأنّه أمر ليس كلّيّاً ؛ لأنّ القدماء كانوا يستفيدون من القراطيس الثمينة العالية الجودة في كتابة النسخ مثل قرطاس (الخانبالغ والسمرقندي) حيث إنّ

__________

(١) تتكوّن الحوامض الكيميائية المتفاعلة في الجوّ من النيتروجين والكبريت الناتجة من الأنشطة البشرية.

۱۷۴

بقاءها وطول عمرها كان يميّزها عن سائر النسخ فإنّ القراطيس الهندية المستعملة في النسخ الخطّية أو الكتب المطبوعة بالطباعة الحجرية تكون عادة أكثر عرضة للحوامض من سائر القراطيس ، ومن أجل ذلك يعتذر أصحاب المكتبات من تقديم مثل هذه الكتب خشية أن لا تتفتّت أوراقها ، فلابدّ من مراعاة الاحتياط الكامل عند تصوير هذه النسخ ومن ثمّ الاستفادة من هذه الصور من قبل المحقّقين.

١٣ـ نسخ حضائر الحيوانات :

يعتريني الخجل عند التفوّه بمثل هذا التعبير غير اللائق في حقّ النسخ الخطّية! لكن لديّ معلومات موثّقة عن النسخ القيّمة وبعض تلك النسخ فريدة من نوعها ولا مثيل لها وقد تركت في حضائر الحيوانات أو الإسطبلات وهو عين الجفاء حيث لم يرعوا لها أيّ تقدير واحترام.

وقد قام سماحة حجّة الإسلام والمسلمين الدكتور السيّد محمود المرعشي حفظه الله ، الأمين العامّ علىٰ مكتبة آية الله العظمىٰ المرعشي النجفي رحمه‌الله ، بأسفار عديدة داخل البلاد وجاب بها أقصىٰ المناطق لشراء المخطوطات وقد ذكر عن أسفاره هذه ذكريات ذات عِبَر ؛ منها : أنّه عثر علىٰ نُسخ قديمة من مصنّفات الشيخ المفيد رحمه‌الله القيّمة استخرجت من داخل ... في محافظة كاشان التي كانت مهداً للعلم والعلماء.

وكذلك في إصفهان التي كانت يوماً مهداً للحضارة والرقي ، فقد عثر علىٰ مصنّفات العلاّمة الميرزا أبي المعالي الكلباسي رحمه‌الله ومصنّفات العلّامة الميرزا أبي الهدىٰ الكلباسي في ... دار أحد ورثتهم ، ولا يزال يمكن مشاهدة تلك الآثار المتبقّية عليها(١).

__________

(١) ذكر الأستاذ رحيم قاسمي الناشط الجدير بالتقدير والخبير بمخطوطات إصفهان : أنّ هذه الأوراق موجودة عند الدكتور علي كرباسي زاده.

۱۷۵

١٤ـ نسخ المزابل :

وقد ذكر لي أحد الفضلاء في رسالة أرسلها لي يصف فيها مشهداً مؤلماً قائلاً : إنّه في أثناء مروره في بعض الأزقّة رأىٰ رزمة من الأوراق قد وضعت في كيس القمامة وألقيت في الحاوية مع سائر القمامات ، فانتبهت إليها ثمّ عمدت إلىٰ استخراجها حذراً خجلاً من أنظار الناس ، فحملت ذلك الكيس وذهبت به إلىٰ الدار وأخفيته في جانب لأتفرّغ إلىٰ النظر في محتوياته في وقت مناسب ، ولكن شغلتني الأعمال المنزلية عن ذلك فنسيت الأمر حتّىٰ تعالىٰ صوت اعتراض الأهل من شدّة الرائحة الكريهة المتفشّية في أرجاء الدار ممّا نبّهني إلىٰ ما غفلت عنه فتنحّيت بذلك الكيس بعيداً عن مرأىٰ الأهل وفتحته وألقيت ببقايا الخضروات جانباً حتّىٰ عثرت علىٰ رزمة أوراق ملتفّة مع بعضها ففصلت بعضها عن الآخر بمشقّة ، ثمّ جفّفتها وقمت بعد ذلك بقراءة الأوراق وقد تفاجأت إذ رأيت أنّها بخطّ أحد العلماء وفيه ترجمة لنصّ عربي مقدّس إلىٰ اللغة التركية بلهجة خاصّة كانت متداولة في إحدىٰ المناطق ، وقد بلغ عدد أوراقها أكثر من (١٥٠) ورقة فأودعتها عند ورّاق ماهر ليصنع لها غلافاً جيّداً ثمّ أهديتها بعد ذلك لإحدىٰ المكتبات الكبيرة في البلاد ، واليوم هي في مخزن المخطوطات في تلك المكتبة وقد ذكرت أوصاف تلك النسخة في فهرست المكتبة.

١٥ـ النسخ المتروكة في الخربات :

توجد تارة بعض النسخ الخطّية المتروكة في خربات الأبنية القديمة مثل البيوت القديمة والمساجد الخربة وذلك إثر عدم اهتمام ولاة الأمر بها ؛ حيث باتت متروكة في أجواء غير مناسبة تفتك بها الرياح والأمطار وينهال عليها الغبار فصارت رهينة لمثل هذه البلايا ، ونماذج نسخ الخرائب كثيرة.

۱۷۶

وقد سمعت من العلّامة حسن زادة الآملي أنّه كان يمرّ عبر إحدىٰ قرىٰ لاريجان فصادف في طريقه مسجداً قد ألقيت في ساحته ما يقارب من ثلاثمائة نسخة خطّية كانت مغمورة بالطين والوحل ، وللأسف أنّها كانت قد تلفت ولا يمكن الاستفادة منها ، واستطعت بعد عناء أن أستخرج منها نسخة وأن أفصل بين أوراقها بمشقّة فنشرتها أمام أشعّة الشمس لتجفّ ثمّ أزحت بالمدية عنها الطين الملاصق لأوراقها ، وكان يقول : وهي نسخة نفيسة من كتاب تهذيب الأحكام للشيخ الطوسي بما لها من مواصفات ومميّزات بالغة الأهمّية.

وحكىٰ لي أحد الفضلاء من الأصدقاء عن عهد صباه قائلاً : عثرت في إحدىٰ الخربات من حارات قم علىٰ نسخة وأعطيتها إلىٰ والدي الذي كان من مشاهير خطباء المدينة آنذاك وقد منحها والدي لآية الله العظمىٰ المرعشي النجفي رحمه‌الله فسرّ بها كثيراً.

وراسلني أحد الأصدقاء من شيراز قائلاً : عزم المسؤولون في العقد الأوّل من القرن الهجري هذا علىٰ تهديم قسم من المناطق التاريخية في شيراز تقع بين حرم شاه چراغ وحرم السيّد علاء الدين حسين وإنشاء بناء جديد فيه ويا للأسف فقد هدّمت في هذا البين العشرات من الدور التاريخية التي تمّ تسجيلها في قسم الآثار التاريخية ، فكان مصيرها الخراب والضياع بعد مضيّ السنين والأعوام ولم يُبنَ في ذاك المكان سوىٰ بعض الدكاكين.

وفي يوم من الأيّام وأثناء مروري من بين تلك الخرائب لفت نظري عدد من الأوراق القديمة المتناثرة في الزقاق ، فمضيت علىٰ إثرها حتّىٰ بلغت إلىٰ مخزن قديم مهدوم وقد أدهشني غاية الاندهاش لمّا رأيت أنّ قاع ذاك المخزن مليء بتلك الأوراق ، وبعد تجشّم عناء الذهاب والإياب كراراً وبذل الأموال الكثيرة للمشرف علىٰ تلك المنطقة استطعت في الساعات الأخيرة من النهار حيث يكاد

۱۷۷

أن يغشاني ظلام الليل أن أدخل إلىٰ ذاك المخزن وأن أجمع سريعاً ما أمكنني من تلك الأوراق وأودعها داخل الكيس ؛ إذ لم يمكنني جمع كلّ الأوراق وكنت افتقر حينها إلىٰ ساعات عديدة من العمل الدؤوب وتوفير الوسائل لحملها وقد احتفظت بتلك الوثائق والأوراق التي كانت ترتبط بعهد المشروطة إلىٰ أعوام ثمّ أودعتها أخيراً في مركز الوثائق الإيرانية.

١٦ـ النسخ التي أضرّت بها الحشرات :

النسخ الخطّية هو غاية ما ترغب إليه دودة الأرضة والعثّة وسائر الحشرات ، فإنّ الحشرات الضارّة تعدّ من العوامل المضرّة بالكتب.

ومن بین العوامل المؤدّية لنموّ وكثرة الفطريّات في المكتبة هو تواجد الذرّات المعلّقة في الهواء ، والغبار ، والتهوية غير المناسبة ، وقلّة النور ، وشدّة الحرارة ، وكثرة الرطوبة ، فلابدّ من صيانة الكتب وحجرها وعزلها إلىٰ فترة من الزمن قبل إدخالها إلىٰ المخازن ، ثمّ يتمّ بعد ذلك نقلها إلىٰ المخازن علىٰ شكل مراحل ليتمّ من خلالها أخذ النماذج لاختيارها ، كما يمكن أن يعقّم المكان إذا اقتضىٰ الأمر.

فإنّ الحشرات المضرّة أحياناً تحدث حفراً في مواضع مختلقة من القرطاس ففي بعض الحالات تأتي هذه الحفر علىٰ أشكال دائرية ومربّعة بحيث تثقب الورقة الأولىٰ من الكتاب وتستمرّ إلىٰ آخره ، وبذلك تكون قد أتلفت العديد من العبارات ، فمثل هذا التلف لا يمكن جبرانه خاصّة في النسخ الفريدة من نوعها التي لا يوجد منها نسخة أخرىٰ بحيث يمكن ترميم ما تلف علىٰ أساسها ، هذا وكان السلف يكتبون في أوّل النسخ كلمة : (يا كبيكج) لصيانة نسخهم من شرّ هجمات الأرضة ؛ وذلك ظنّاً منهم أنّ كلمة : (كبيكج) هو اسم ملك دودة الأرضة والاستعانة به يمنع أضرار هجمات الأرضة.

۱۷۸

١٧ـ النسخ التي أتلفتها القوارض :

تعدّ الفئران من أخطر الجناة علىٰ النسخ الخطّية بحيث تقرض هياكل الكتب القديمة وتتلفها ، فلابدّ من الاستعانة بالأساليب المؤثّرة وغير المضرّة بالنسخ لمكافحة هذه الكارثة.

١٨ـ النسخ المتضرّرة بشفرة الورّاقين :

إنّ عمل الورّاقين في تجليد الكتاب وإصلاحه ليس بالأمر الهيّن فلا يمكن لكلّ من تقمّص مهنة الورّاق أو ادّعىٰ بها أن تكون له خبرة تامّة في هذا المجال ففي مثل هذه الحالات لابدّ لنا من أن نتحرّز من تسليم النسخ الخطّية للورّاقين المبتدئين وذلك لأنّهم غالباً ما اعتادوا قصّ الصفحات وأطرافها ظنّاً منهم أنّهم يقومون بإصلاحها ، فلربّما أتلف الورّاق المبتدئ الكثير من الحواشي والتصحيحات والبلاغات ودليل الصفحات ونسخ البدل المفيدة الموجودة في هوامش النسخ من خلال ما يقوم به من عملية القصّ للأوراق وبهذا العمل تقلّ قيمة النسخ علميّاً ومادّيّاً وتتلف العديد من الهوامش العلمية التي جاءت في أطراف النسخ ، ولربّما تكون تلك الحواشي قد أدرجت بخطّ المؤلّف أو بخطّ كبار العلماء المشهورين.

١٩ـ النسخ التي أصابتها الرطوبة :

يعتبر الماء الذي يصيب النسخ الخطّية والرطوبة من العوامل الأساسية التي تؤدّي إلىٰ تلف النسخ حيث تبلغ الرطوبة في بعض الأحيان حدّاً بحيث تكون سبباً لنفوذها داخل النسخة وتسويد الكلمات فيها وتشويهها بما لا يمكن قراءتها أو تؤدّي إلىٰ تهرّئ النسخة وتآكلها ، ومع شديد الأسف تضحىٰ تلكم الصفحات منكمشة شاحبة اللون بحيث لا يمكن الاستفادة منها أبداً.

فلابدّ من حفظ النسخ في أماكن لا يمكن تسلّل الماء إليها ، كما لابدّ من النأي

۱۷۹

بتلك النسخ عن الأماكن المرطوبة ، وقد تتعرّض النسخ للضرر إذا كانت في مناطق تكون نسبة الرطوبة بها عالية جدّاً وذلك مثل المناطق الساحلية.

ولابدّ من حفظ النسخ في مخازن مجهّزة بالوسائل المتطوّرة الكافية لتنظيم نسبة الرطوبة ، ودرجة الحرارة ، والنور ، والهواء ، وقد صدق من قال : إنّ تعاقب أشعّة الشمس والقمر يبليان كلّ جديد ، في حين أنّ الهواء والمطر أشدّ فتكاً منهما في تدمير النسخ وإتلافها.

٢٠ـ النسخ المغسولة :

لقد جاء الكلام في الفقرة السابقة عن النسخ التي تضرّرت بالرطوبة جرّاء عدم الاعتناء الناشئ من التهاون والإهمال والتغافل ، ويأتي الكلام هنا عن النسخ التي تعرّضت بصورة عمديّة لغسيل الصفحات ومحو كتابتها!

إذ يمكن توجيه هذا العمل بمبرّرين ؛ الأوّل : أنّهم كانوا يغسلون النسخ لمخالفتهم ما تحتويه من متون ومواضيع ؛ فيمحون ما فيها ويكتبون علىٰ تلك الأوراق المغسولة ما بدا لهم من مواضيع تروق لهم ؛ وذلك وفقاً لما قرّره جورج سارتن في كتاب تاريح العلم ، من حقبة القرون الوسطىٰ وحكم الكنيسة في مواجهتهم لكتب الفلسفة اليوناية.

والثاني : أنّه قديماً كان يلجأ المؤلّفون والكتّاب إلىٰ غسل الكتب التي لا حاجة لهم بها ومن بعد محو كتابتها وتجفيفها ليستفيدوا منها لاستنساخ كتب جديدة وذلك لقلّة القرطاس وعدم توفّره ، وتارة كان لغسيل النسخ دافع نفسيّ ومعنويّ ، أي : إنّ مثل هذه المطالب أجلّ من أن تكتب مثلاً.

٢١ـ النسخ المنهوبة والمسروقة :

إنّ سرقة الأثريّات وغيرها من الأمور التي لها علاقة مباشرة بحضارة وثقافة

۱۸۰

البلدان كان أمراً سائداً منذ القدم وحتّىٰ يومنا وعالمنا المتحضّر هذا ـ الذي ساد فيه حتّىٰ تهريب البشر ـ إذ نهبت فيه الذخائر العلمية للشعوب المستضعفة من قبل الجواسيس والسماسرة وعملاء الدول الاستعمارية بذرائع مختلفة حتّىٰ أنّه لم يستنكر أحد ما قاموا به من شنيع أعمالهم وقبيحها ، وفضلاً عن ذلك فقد كانوا يرون أنّ لهم أحقّية الاستفادة من تلكم الثروات القيّمة دون غيرهم ويمنّون علىٰ تلك الشعوب بما يرونه من جدارة في أنفسهم لرعاية هذه النفائس وصيانتها ويوحون إليهم بتصريحاتهم الجسورة من أنّها لو كانت قد بقيت لديهم لأصابها التلف والبوار!

فكيف حصلت الدول الكبرىٰ كأمريكا وأوربّا وروسيا وأمثالها من سائر الدول علىٰ كلّ هذا التراث الإسلامي؟ ترىٰ هل كانت لديهم مراكز لإنتاج مثل هذا التراث حتّىٰ تألّقت متاحفهم بنفائس المخطوطات؟ نقول في جوابهم : إن كنتم حقّاً صادقين فيما تزعمون وكانت قلوبكم تتحرّق وجداً وألماً من أجل الموروث العلمي لسائر الشعوب وكان غرضكم الانتفاع العلمي منها ، فخلّوا سبيل دول العالم الثالث ودعوا شعوبها تنتفع من ثرواتها الغنية بمطلق الحرّية والاستقلال ، فإنّ الشعوب لا حاجة لها بوصاية عليهم ، فإنّ المستعمرين كانوا ولا زالوا يتربّصون الدوائر ويتصيّدون بالماء العكر بإشعالهم فتيل الحروب الداخلية وإثارة الفتن بين الدول بغية الانقضاض علىٰ فريستهم ليصادروا ثرواتها.

وقد نهبت في عصرنا وحاضرنا هذا علىٰ أيدي السماسرة والعملاء العديد من المصادر النفيسة والقيّمة من باكستان والهند وأفغانستان والعراق واليمن ، وفجأة نراها قد عرضت في أسواق المزاد في لندن أو ظهرت في مكتبات أمريكا ، حيث نرىٰ هذا التراث العظيم مشتّتاً وقد تعرّض للنهب ، فإنّ هذه النسخ التي أجبرها الزمان علىٰ الهجرة قسراً كمشرّدي الحروب تعكس لنا جهود المئات من علماء

۱۸۱

ومفكّري بلاد الشرق ؛ فهي سفراء تخبرنا بصماتها عن المدارس والحضارات العظيمة للمجتمعات الفاضلة والحافلة بالعلم والعلماء.

وإذا أعرضنا صفحاً عن مثل ذلك السلب والنهب لثروات الدول نرىٰ أنّ النهب الذي طال المكتبات العامّة والخاصّة من قبل بعض الأشخاص الطامعين والمتربّصين ممّن لا خبرة لهم بالنسخ ولا يعرفون النفيس من غيره ويبيعونها بثمن بخس دراهم معدودة ليشتروا به ما أدمنوا عليه من المخدّرات.

ولكنّ المصيبة الكبرىٰ في السرّاق المحترفين الذين ينتقون النسخ النفيسة ويسرقونها ، فإنّ مثل هؤلاء لهم معرفة كاملة بالكتب والنسخ ويتوسّلون بمختلف الحيل ؛ فيأتون بظاهر أنيق وبمراوغات تذهل العقول لينفذوا إلىٰ خزانة المخطوطات ويبلغوا إلىٰ تحقيق أمنياتهم بمآربهم الشيطانية ؛ فإنّ مثل هؤلاء الأشخاص تارة يقومون بشراء النسخ النفيسة جدّاً بثمنٍ بخس من مالكيها الذين لا علم لهم بقيمتها ، في حين أنّهم يعلمون جيّداً ما في هذه النسخ من مميّزات ، ثمّ يقومون بعد ذلك بما يحترفونه من خبرة ببيع فريستهم بأضعاف ما اشتروها ، وكانوا يحتالون في أخذ النسخة القيّمة من أيدي طلبة العلوم ويتاجرون بها بتجارة خاسرة وذلك من أجل متاع قليل لدنياً زائلة حيث يصيب رماد عملهم الخؤون هذا أعين مجتمع بأكمله.

ولابدّ لنا أن نحظىٰ بفهرسة جامعة لجميع المخطوطات الموجودة في البلاد من أجل وضع حدّ للسرقات والحيلولة دونها وبذلك يتيسّر لنا متابعة النسخة فيما إذا خرجت من المكتبة بما أحطنا به خبراً من أوصافها ؛ وبهذه الطريقة سوف لن يتجرّأ أحد لشراء نسخة تحمل هويّة الدار التي سرقت منها النسخة.

ومن أجل أن نضع حدّاً لحالة السرقات الطارئة علىٰ النسخ الخطّية فمن

۱۸۲

اللازم علىٰ مالكي النسخ الخطّية أن يبيعوا كتبهم للمكتبات الكبيرة المعتبرة في البلاد أو يهدوها إليها أو يودعوها أمانة في مكان مطمئنّ وأن لا يبيعوها لأيّ أحد كان وأن يحدّدوا مصير تلك النسخ بعد رحيلهم ليتعيّن مصيرها من بعدهم لئلّا تذهب سدىً وضياعاً عند اختلاف الورثة في تقسيم الإرث.

٢٢ـ النسخ الناقصة :

يعدّ فقدان الأوراق من النسخ كارثة قد ابتليت بها الكثير من المخطوطات وخاصّة النسخ القديمة والخطّية التي كانت عند أشخاص غير جديرين بها.

كان الورّاقون قديماً يقومون بوضع ورقتين إضافيّتين في أوّل الكتاب وورقتين في آخره ويهتمّون بهذا الأمر ويأخذونه بعين الاعتبار وذلك ليكتب اسم الكتاب والمصنّف أو تدرج فيهما بعض المعلومات وكانوا يبدأون بكتابة الكتاب من بعد تلك الصفحات ليحتفظ الكتاب بسلامته ويبقىٰ كاملاً فيما لو سقطت بعض الأوراق من أوّله أو من آخره.

ولکن مع مرور الزمن وتوالي الأحداث أصبح لدينا اليوم الكثير من النسخ قد فقدت أوراقها التي كانت في مقدّمة الكتاب أو في خاتمته أو في وسطه وإنّ هذا النقص يؤدّي إلىٰ معضلة في تعيين هوية الكتاب حين فهرسته وهو من الأمور التي ابتلي بها المفهرسون وفي مثل هذه الحالات من المحتمل جدّاً أن يبقىٰ اسم الكتاب والمصنّف مجهولين ؛ فإنّ بعض المفهرسين من زملائنا يخرجون مثل هذه النسخ الناقصة من دائرة الفهرسة ولا يحمّلون أنفسهم ما لا طاقة لهم به من تجشّم أعباء البحث والتنقيب وكم من نسخ نفيسة قد هُجرت وذلك لما طرأ عليها من أمثال تلكم النواقص!

وقد زالت اليوم ـ إلىٰ حدٍّ كبير ـ معضلة تعيين هوية النسخ الناقصة وذلك

۱۸۳

بالاستعانة بالبرامج الكومبيوترية التي تمّ من خلالها الإحاطة الشاملة بالمعلومات ، فإذا كانت للمفهرسين الخبرة الكافية في طريقة استخدام البرامج الإلكترونية مع خبراتهم في مجال تعيين هوية الكتاب والنسخة والمؤلّف فحينئذ سيتمكّنون من الوصول إلىٰ غايتهم.

إنّ أكثر من تسعين بالمائة من المخطوطات ليس لها ترقيم في صفحاتها وأوراقها ولكنّ أكثر هذه النسخ تحتوي علىٰ (عطف الكلمات)(١) ، وذلك حفظاً لتسلسل الصفحات ونظراً إلىٰ وجود (عطف الكلمات) فإنّه يتمّ تعيين النقص في صفحات وسط الكتاب فيتعيّن حينها علىٰ المفهرس الحاذق أن يتابع تسلسل صفحات الكتاب فضلاً عن تفحّص الصفحات الأولىٰ والأخيرة ليتبيّن من خلال ذلك السقوطات المختلفة في جميع مواضع الكتاب ؛ ومن الواضح أنّ هذا الأمر له دور مهمّ في الاستفادة من النسخة وتعيين مدىٰ قيمتها ، ولذلك فإنّ بعض المشترين يقومون بأداء حركة سريعة فيها نوع من الشعبذة حين شراء النسخة يسحرون بها عين البائع ؛ إذ يستلّون من وسط النسخة بعض أوراقها وبهذا تتمّ خديعة البائع بأنّ النسخة ناقصة وذلك للحطّ من قيمتها وبعد شرائها يردّون الأوراق التي اقتلعوها إلىٰ مكانها!

إنّ النسخ الخطّية في زماننا اليوم معرّضة للخطر وخاصّة النسخ المزيّنة والمذهّبة والتي بها نقوش ملوّنة فإنّ الطامعين المترصّدين لها يحملهم طمعهم باقتلاع تلكم الأوراق المزيّنة والمنقوشة من النسخة وبعد تأطيرها يقومون ببيعها

__________

(١) كلمة منفردة تكتب في آخر كلّ صفحة على يسارها تدلّ على أوّل كلمة من الصفحة اللاحقة لعدم ترقيم الصفحات سابقاً.

۱۸۴

بأسعار خيالية علىٰ السوّاح الغربيّين.

٢٣ـ النسخ المعرّضة للمُثلة :

لقد ذكرنا سابقاً نماذج من المُثلة بالنسخ فإنّ الصحّاف المبتدئ الذي يقوم بقصّ الحواشي و (كلمات عطف) الصفحات وأطراف النسخ جهلاً ويفصلها عن الكتاب ، مثله كمثل المترصّد الطامع الذي يجعل الصفحات المزخرفة والمذهّبة في أطر جميلة وفخمة ويبيعها علىٰ هواة هذه الآثار التاريخية بأثمان باهضة وكالبعض الآخر الذين يفرّقون كلّ ما في النسخة من أوراق ويجعلون لها نقوشات مزوّرة ثمّ يأطّرونها ويقومون ببيعها.

فكلّ ورقة من هذه الأوراق المفرّقة التي تقع بأيد غريبة وتذهب إلىٰ أماكن بعيدة عن النسخة الأمّ سوف يكون مصيرها الدمار.

وهناك قسم آخر من مُثلة النسخ يقوم به المتطرّفون الجهلة لأغراض دينيّة وسياسية ، حيث يقومون بانتزاع المواضيع التي تخالف اعتقاداتهم من تلك النسخ ثمّ يقومون بإتلافها.

وذكر لنا أستاذنا الراحل المرحوم السيّد عبد العزيز الطباطبائي الذي كان يجوب المكتبات بحثاً عن المصادر الخطّية التي تحتوي علىٰ فضائل أهل البيت عليهم‌السلام قائلاً : إنّه عثر ذات مرّة في إحدىٰ مكتبات تركيا علىٰ نسخة كان مصنّفها من أهل السنّة ولكنّه عقد فصلاً من كتابه في مناقب أهل بيت الرسالة عليهم‌السلام ، وقد اندهشت أشدّ اندهاش عندما رأيت أنّ مالك النسخة المتشدّد قد انتزع منها عمداً تلكُم الصفحات التي جاء فيها الفصل المذكور آنفاً وعلّق في حاشية النسخة قائلاً : اقتلعت هذه الصفحات من النسخة وألقيتها في البحر لأنّها تحتوي علىٰ مواضيع غير صحيحة في فضائل أئمّة الرافضة.

۱۸۵

وقد امتدّت هذه الأحقاد حتّىٰ إلىٰ مصنّفاتهم المطبوعة ؛ إذ مثّلوا بمصادرهم القديمة عند إعادة طباعتها ونشرها وقاموا بحذف المواضيع التي لا تصبّ في صالحهم أو حرّفوها وحملوها علىٰ غير منطوقها ومفهومها.

كثيراً ما يسعىٰ المناوئون لإنكار فضائل أمير المؤمنين علي عليه‌السلام وفضائل آل البيت عليهم أفضل صلوات المصلّين ، ولكن بالرغم من ذلك نرىٰ أنّ نور وجودهم الطاهر قد شمل العالم بأسره.

فإنّ اقتلاع الأوراق عن النسخ وتمزيقها كثيراً ما وقع في التاريخ ومنها في سنة (١٦٣ هجرية) حيث اعتدىٰ المهدي بن المنصور وهو ثالث خلفاء بني العبّاس علىٰ مدينة حلب وقتل الناس وصلبهم وقطّع كتبهم بالسكاكين قطعاً.

في هذه العجالة من مقالتي أذكر مختصراً ممّا عثرت عليه من الُمثلة بالنسخ في رحلتي الأخيرة التي قمت بها إلىٰ النجف فقد رأيت عن قرب في إحدىٰ مكتبات النجف الأشرف الواقعة في حارة قديمة من حاراته اشتهرت باسم (الولاية) الكثير من النسخ الممزّقة ومن بين النسخ التي رأيتها كانت نسخة نفيسة من النفائس قد مزّقت جميع أوراقها وأتلفها جيش طاغية العراق المقبور عند اجتياحه للمدن المقدّسة في أوائل تسعينيّات القرن الميلادي الماضي إثر الانتفاضة الشيعية.

ومن الطريف فإنّ المُثلة أحياناً ما تقع علىٰ أيدي نفس أصحاب الكتاب! علىٰ سبيل المثال ففي إحدىٰ المكتبات الكبيرة التي لها وجاهة وطنية قاموا بتفريق الرسائل المجموعة علىٰ شكل مجاميع من بعضها الآخر ووضعوا كلّ رسالة في الرفّ المناسب لها في الموضوع وذلك بذريعة ترتيبها في المخازن حسب مواضيعها وفهرستها فهرسة موضوعية وهكذا كان حيث تفكّكت المجاميع وانهارت أركانها.

هذا وقد سمعت من أحد زملائي المحقّقين فيما يخصّ هذا الشأن أنّه احتاج ذات مرّة لتصحيح إحدىٰ الرسائل الفقهية أن يذهب إلىٰ أحد أصحاب المجاميع

۱۸۶

المعروفين لمطالعة النسخة المصوّرة الفريدة من تلك الرسالة التي كانت بحوزته ، فقام مالك الرسالة بانتزاعها من المجموعة الخطّية وعزلها عنها وقال لي : اذهب بها وصوّرها ثمّ ردّها!

٢٤ـ النسخ المفقود منها غلافها :

إنّ مرحلة التجليد هي مرحلة مهمّة في إعداد النسخة كما أنّ مهنة الورّاقين تعدّ من أهمّ الحرف والأعمال المهنية الفنّية علىٰ مرّ التاريخ حيث كانت دائماً جنباً إلىٰ جنب في خدمة النسخ الخطّية والنسخ الفنّية النفيسة بما قدّمته لها من خدمات ولا زالت أسامي بعض الورّاقين الماهرين مخلّدة في صفحات التاريخ حيث أبهر الناظرين ما تركوه من آثار مهنتهم ، فإنّ الغلاف الذي يحظىٰ بجودة عالية يكون أدوم بقاء وأسلم صيانة وأشدّ منعة إزاء مختلف عوادي الزمان وحوادثه فضلاً عن أنّ تفنّن بعض الورّاقين قد ترك أثراً كبيراً علىٰ قيمة النسخة ، فعلىٰ هذا فإنّ النسخ الفاقدة للتجليد أو المنتزع منها غلافها أو تعرّض غلافها للتمزيق غير مصانة وغير محصّنة من الأضرار والآفات التي تلحق بها.

ومن المؤسف إنّ بعض مالكي النسخ يقومون بانتزاع غلاف النسخة الذي عادة ما يكون من الجلد ـ وذلك لجهلهم وعدم معرفتهم بالأمر ـ ثمّ يستبدلونه بغلاف مصنوع من المقوّىٰ البرّاق وغيره وهذا ما يؤدّي إلىٰ تضرّر النسخة وإلىٰ الحطّ من قيمتها ، فمثل هذا الغلاف غير مناسب للنسخ الخطّية وليس من شأنها أن تغلّف به.

فبعض المترصّدين الطامعين كانوا يغيّرون الغلاف القديم للنسخ ثمّ يغلّفونها بغلاف جديد مزيّن بما تزيّن به غلاف النسخ القديمة من زخارف ونقوشات وآيات قرآنية وأدعية طمعاً بالدينار والدرهم ، ولا يهتمّون بما يعود به مثل هذا العمل من أضرار علىٰ مثل هذه النسخ. وبالتأكيد فإنّ مجال التزوير والتدليس مفتوح لمن ابتغاه

۱۸۷

من أهل المكر والاحتيال في تزيينهم الأغلفة لتبدوا وكأنّها قديمة ولابدّ لمن أراد أن يشتري النسخ القديمة من الاستعانة بأهل الخبرة والتشاور معهم في هذا المجال.

ولا بدّ هنا من التذكير بأمر مهمّ وهو أنّ الأغلفة القديمة المتّخذة من الجلد لا ينبغي لها أن تطلىٰ بالدهن ؛ لأنّ ذلك سوف يؤدّي علىٰ المدىٰ البعيد إلىٰ تغيير لونها وازدياد صلابتها ويبوستها.

٢٥ـ النسخ المبعثرة :

كثيراً ما اتّفق أنّ الكتاب يتهرّأ خياطه وتتفرّق أوراقه ويتغيّر ترتيبها حتّىٰ يصبح متناثراً مبعثرة أوراقه تتلاعب به أيدي الورّاقين خصوصاً إذا صار بيد ورّاق لا علم له بمحتوىٰ الكتاب ومضمونه فيجني علىٰ النسخة بما يشوّه أصالتها ونظمها. ففي مثل هذه الحالات وقبل أن يتصرّف بها الورّاق لابدّ من تسليمها إلىٰ خبير عالم بموضوع الكتاب وأبوابه وفصوله وأبحاثه ليقوم بترتيب أوراقه المبعثرة مع ما يبذله من دقّة كافية وسعة صدر ووقت كافٍ فيميّز مواضع السقط منها ويجبر نواقصها ما أمكنه من علىٰ نسخة أخرىٰ مماثلة لها كما له أن يستعين بخطّاط ماهر ؛ جبراً لسقوطات المتن وغوامضه ومن ثمّ يتمّ تسليمها إلىٰ ورّاق ماهر من أهل الفنّ والخبرة متقناً لخياطة أوراق الكتاب بخياطة جديدة وتجليد جديد.

وأمّا بالنسبة للفهرسة ، فإنّ المفهرس الخبير الحاذق والدقيق لابدّ له من ترتيب الأوراق المبعثرة بأسرها من جديد وأن يكون ملمّاً بعمله قائماً بأعباء ترتيبها وأن لا يعوّل علىٰ نظرته الأولىٰ الخاطفة وأن لا يظنّ أنّ عمله عليها قد أنجز بمجرّد أن تكون مقدّمة النسخة ونهايتها موجودتان فإنّ اكتساب مثل هذه البراعة واحترافها يتطلّب من المفهرس أن يكون عارفاً بمختلف مصنّفات العلوم الإسلامية ذا ألفة بها ومن أهل خلّتها ، فإنّ العلم بترتيب سور القرآن ، وتصنيف

۱۸۸

نهج البلاغة إلىٰ ثلاثة فصول : خطب الإمام علي عليه‌السلام وكتبه للولاة وكلماته القصار ، واشتمال الصحيفة السجّادية علىٰ أربعة وخمسين دعاء ، وتقسيم كتاب الكافي إلىٰ ثلاثة أقسام : الأصول والفروع والروضة ، ووجود المشيخة في كتاب من لا يحضره الفقيه وتنسيق أبواب الفقه في مصنّفات الفقه الإمامي بدءاً من كتاب الطهارة وانتهاءً بكتاب الديات ، وبترتيب الأبحاث الموجودة في الكتب الفلسفية والكتب الطبّية والعشرات من الأمور الأخرىٰ مثل العثور علىٰ اسم الكتاب ومؤلّفه هي من المعلومات المرتبطة بمجال معرفة الكتاب والخبرة الكافية به التي تساعد المفهرس علىٰ أن يتوصّل إلىٰ تمييز أوراق النسخة في التقديم والتأخير وأن يردّ بإمعان دقيق تلك الأوراق المبعثرة إلىٰ مواضعها الأصلية من خلال أرقام الصفحات وعناوين الفصول وأبواب الكتب ، وعطف الكلمات ، وأن يهتمّ بترميم الشكل الظاهري للكتاب ويبدي معالمه.

لدينا نماذج لمثل هذه العثرات الحاصلة للمفهرسين أثناء فهرستهم النسخ الخطّية من الحالات المذكورة آنفاً نتحرّز عن بيانها إذ يؤدّي ذكرها إلىٰ الإسهاب في الكلام وملل القرّاء الكرام.

٢٦ـ الموقوفات من النسخ الخطّية ذات المصير المعلّق :

يعدّ وقف الكتاب ومنذ سالف الزمن حركة ثقافية ذات أهداف دينية حيث كان لها تأثير كبير في نتشر العلوم الإسلامية وتوفيرها المتون الدراسية العلمية من الموروث المدوّن لروّاد العلم ، حيث نرىٰ الكثير من المخطوطات الإسلامية الموجودة حاليّاً في مكتبات العالم ، كتبت فيها موقوفات مختصرة أو مطوّلة أو نرىٰ فيها علىٰ أقلّ تقدير علامات الوقف.

وقد وضعت في الشريعة المقدّسة ضوابط لكيفية صياغة الوقفية وقواعدها

۱۸۹

ومؤهّلاتها وطريقة استثمارها واستغلالها بحيث يعدّ التقيّد بها ومراعاتها أمراً لازماً والتخلّف عنها ممنوعاً وحراماً.

وقد يعيّن الواقف في الوقفية الأشخاص الموقوف عليهم وهم من يطلق عليهم عنوان المأذون لهم شرعاً بالاستفادة من هذا الوقف ؛ فتارة يكون الكتاب وقفاً لكلّ من يستحقّ الاستفادة منه فيطلق علىٰ مثل هذا الوقف عنوان الوقف العامّ ؛ وتارة يكون وقفاً لخصوص المؤمنين مطلقاً أو لخصوص مؤمني مدينة من المدن أو لمنطقة من المناطق الخاصّة أو لخصوص طلبة علوم الدين أو لطلّاب أحد المدن أو مدرسة خاصّة أو وقفاً لمكتبة خاصّة يكون لهم حقّ الاستفادة منه ، أو لخصوص عشيرته وورثته أو للذكور منهم نسلاً بعد نسل وجيلاً بعد جيل ، فيطلق علىٰ مثل هذه الحالات الوقف الخاصّ ، وتكون أحياناً مردفة بالدعاء علىٰ من يغيّر حالة الوقف ولعنهم ، ممّا يؤدّي إلىٰ عدم إمكان التصرّف بالموقوفات ، وأوضح مصاديق ذلك فيما إذا توفّي الأولاد الذكور للواقف وكان الوقف عليهم فقط أو لم يتبقَّ أثر من المدرسة الخاصّة والمسجد الخاصّ ، فالنسخة حينها لا تصلح لاستفادة الموقوف عليهم منها وتكون عندها معرّضة للتلف والبوار ، والنسخ النفيسة والفريدة من نوعها من موقوفات مراقد الزيارات المقدّسة ومساجد ومدارس البلدان الصغيرة النائية عادة ما تحفظ بطريقة غير صحيحة وغير فنّية وتكون معرّضة للسرقة أو التلف أوالدفن من قبل المتولّين الذين لا علم لهم بمدىٰ قيمة واعتبار تلك النسخ ، فكثير من النسخ الموقوفة التي تعرض علىٰ المكتبات للبيع ، إن لم تُشترَ بأسعار مناسبة فسنراها غداً في مكتبات أوربّا وأمريكا مثلها مثل العديد من كتبنا النفيسة التي كان لها نفس هذا المصير ، ترىٰ هل يوجد عند الفقهاء العظام طرق حلّ مطابقة للشريعة المقدّسة لصيانة هذه

۱۹۰

الذخائر النفيسة والاستفادة منها بالنحو الأحسن؟

وقد أدرك المرجع الديني آية الله العظمىٰ المرعشي النجفي قدس‌سره أهمّية نفائس المخطوطات الإسلامية وأدرك مدىٰ قيمتها ، فهو حقّاً يعدّ في عصره خبيراً مقدّراً لتلك النفائس وعالماً مهتمّاً بالعلم وتراثه ، فقد اهتمّ هذا الفقيه بما حُبي به من فطنة ودراية فقهية ومقام علمي رفيع في الحوزة اهتماماً بالغاً بالتراث حيث كان مستميتاً في حراسة الموروث العلمي الإسلامي وصيانته ، فقد جاهد سماحته لخدمة التراث وتحمّل أعباء المسؤولية بجميع جوانبها واتّخذ حلولاً مناسبة لمعضلة النسخ الموقوفة ، وقد ذكر نجله العالم الفاضل الأمين العامّ للمكتبة حجّة الإسلام والمسلمين السيّد محمود المرعشي نقلاً عن والده رحمه‌الله في النسخ الموقوفة أنّه قال : «يمنح صاحب النسخة ـ في مثل هذه الحالات ـ نسخته إلىٰ المكتبة ويهدي إليه المشرف بإزاء النسخة مبلغاً من المال». كما نقل عنه رحمه‌الله أيضاً أنّه قال : «إنّ علامة كلمة : (وقف) المكتوبة في النسخة لا تدلّ بمفردها علىٰ وقفها فهي غير كافية في وقف النسخة ولابدّ لمالك النسخة قراءة صيغة الوقف من قبل والتصريح بأدائها».

وقد أجاب آية الله العظمىٰ السيّد أبو القاسم الخوئي قدس‌سره الشريف علىٰ استفتاء في شأن الكتب الوقفية مصرّحاً بفتواه وقد طبعت فتواه لأوّل مرّة نصّاً في مجلّة ميراث شهاب العدد : (٩٥).

[سؤال] : كانت لشخص كتب فأوقفها علىٰ ذرّيته نسلاً بعد نسل وقد مضىٰ علىٰ ذلك ردح من الزمن ولم يوجد في أعقاب ذرّيّته من يجدر به أن يكون عالماً بها أو يفهمها وينتفع بها وقد بقيت هذه الكتب من دون فائدة ، تُرىٰ فهل من الجائز بيع هذه الكتب وشراؤها أو استعارتها؟ في حين أنّه من المحتمل أن تتلف هذه الكتب علىٰ مرّ الزمن شيئاً فشيئاً وتندرس؟

۱۹۱

[الجواب] : بسمه تبارك وتعالىٰ إذا تيقّنتم أنّه في المستقبل أيضاً سوف لا يكون له وارث فسيدخل هذا الوقف في حيّز الوقف المنقطع الآخِر فيُردّ إلىٰ الورثة حين موت الوارث وإن لم يحصل لكم اليقين في ذلك فيبقىٰ علىٰ حاله كما هو ، وإن كانت استعارة الموقوف تؤدّي إلىٰ الحفاظ عليه وصيانته فلامانع من ذلك ولكن لابدّ أن تؤخذ مسألة عدم إتلافه بعين الاعتبار ؛ والله العالم.

سألت من الأستاذ عبد الحسين الحائري رحمه‌الله وهو مجتهد وخبير بالكتب ومحقّق معاصر بارز في شأن النسخ : كيف يتمّ تعاطيكم مع شراء النسخ الخطّية؟

فأجاب قائلاً : نحن نتعاطىٰ من جهة إنقاذ النسخة ونجاتها من التلف والسرقة ومن سائر الحوادث ، فنقوم بانتقالها إلىٰ المكتبة وندفع بإزائها مبلغاً من المال لصاحبها.

وقد سألت من المحقّق البارز السيّد عبد العزيز الطباطبائي رحمه‌الله في شأن حكم نقل النسخ الموقوفة وانتقالها؟

فأجاب قائلاً : يلزم في ذلك إذن المجتهد المتوفّرة فيه شروط الاجتهاد.

وقد سمعت من حجّة الإسلام والمسلمين النصيري رحمه‌الله (رئيس الحوزة العلمية في سمنان سابقاً) إذ كان يقول : إنّ آية الله العلّامة محمّد صالح المازندراني حينما أخرج من بابُل وهجّر إلىٰ سمنان اصطحب معه مكتبته ونقلها إلىٰ سمنان ، فكنّا نرىٰ من بين الكتب مكتوباً علىٰ بعض النسخ عبارة : (وقف علىٰ مدرسة كاظم بيك في بابُل) فسألنا العلّامة رحمه‌الله : لماذا نقلتم النسخ الموقوفة من مكانها؟

فقال لنا في الجواب : إنّ ولاية الفقيه تشفع في مثل هذه المسائل وهي طريقة حلّ لمثل هذه الأزمات.

ولا يخفىٰ أنّ مدرسة كاظم بيك في ذاك الزمن قد اندثرت ولا وجود لها

۱۹۲

اليوم ولم يتبقَّ من ذلك البناء الأثري اليوم سوىٰ مسجد كاظم بيك الذي كان بجانبها والذي لا يزال يعدّ من المساجد المهمّة في مدينة بابُل.

وقد أجابني أحد الأساتذة وكان خبيراً بالنسخ يشتري لمركزهم النسخ الخطّية عن سؤال في شأن الحكم الشرعي لشراء النسخ الموقوفة قائلاً : إنّ ما نمنحه من مال لصاحب النسخة فهو في إزاء حقّ الملكية لاختصاصها به دون غيره.

والجدير بالذكر أنّي كنت عند أحد الفقهاء في الحوزة العلمية في قم ، ممّن له خبرة في النسخ والكتب ، فجرىٰ الكلام عن النسخ النفيسة جدّاً والفريدة من نوعها التي تمّ وقفها علىٰ مكان خارج إيران ولا يعلم كيف تناولتها وتداولتها أيدي سماسرة النسخ الخطّية ولم تصل إلى مكانها الأصلي الذي تمّ وقفها عليه ثمّ وصلت بعد ذلك لإحدىٰ المكتبات الكبيرة والمعتبرة في إيران وبيعت بثمن باهظ ، ويقيناً أنّ هذه النسخة إذا كانت قد بلغت مكانها الأصلي الذي تمّ وقفها عليه لتلفت أو علىٰ أقلّ تقدير ـ إن أحسنّا الظنّ بعدم إتلافها ـ سوف ينتهي بها المطاف إلى إحدى المكتبات الغربية ، ولكن مع كلّ ذلك فقد صرّح ذلك الفقيه الجليل القدر قائلاً : إنّ نقل النسخة من مكانها الأصلي الذي تمّ وقفها عليه مخالف للشرع.

وعلىٰ كلّ إذا رفع الحرج في حكم انتقال النسخ الخطّية الموقوفة إلىٰ المكتبات المعتبرة وذات التقنيّات الكافية لصيانة الكتب من أجل إنقاذها وانحلّت مشكلتها بإذن من الحاكم الشرعي ؛ فإذا لم تصِل إلى تلك المكتبات فما هو الحكم إذن في شأن بيعها وشرائها بين الناس وباعة النسخ؟

يمكننا أن نستنتج من مجموع ما قيل ومن خلال طرق الحلّ المذكورة آنفاً أنّ وقف الكتاب أمرٌ مرضيّ عند الله تبارك وتعالىٰ وهو عمل ثقافي محمود ومرغوب فيه وكان يتمّ من أجل نشر العلوم الإسلامية وبثّها فلا ينبغي أن يؤدّي الوقف إلىٰ هجران الكتاب ومنعه وحبسه خلافاً لما كان يعتزمه ويهدف إليه الواقف من

۱۹۳

حسن نيّته في وقف الكتاب ؛ لأنّه سوف يكون نقضاً للغرض ، حتّىٰ بلغ الأمر أنّ بعض الحريصين على التراث صار يرجّح ويفضّل نقل المخطوطات إلىٰ المكتبات الغربية فضلاً عن حفظها داخل البلاد.

وقد عثر علىٰ نسخة موقوفة من كتاب بصائر الدرجات في شرح منهاج الشريعة ، تأليف محمّد علي المازندراني ؛ وهي بخطّ المصنّف كانت مدفونة في أفنية أحد المساجد المندرسة في إحدىٰ قرىٰ شمال إيرن.

٢٧ـ النسخ المحجورة والممنوعة :

من الطبيعي أنّه لا يمكن لكلّ كتاب أن يكون في متناول أيدي عامّة الناس وقد يكون ذلك لسوء مناهجه أو خوفاً من استغلاله لأغراض غير صحيحة ، مثل الكتب التي فيها معتقدات النِّحَل الضالّة والأراجيف الباطلة وكذلك بعض الكتب ذات المواضيع المنافية للأخلاق.

والذي أقصده من النسخ المحجورة والممنوعة هي النسخ التي مُنعت عن المحقّقين إثر التعصّبات الناشئة عن البغض غير المنطقي لموضوعاتها ، ولربّما يؤدّي هذا الأمر إلىٰ إتلافها كلّيّاً ؛ فما أكثر النسخ الشيعية التي مُنعت عن طالبيها ولم تفهرس نهائيّاً في مكتبات بعض الدول الإسلامية ، لئلّا يطّلع أحد علىٰ وجودها وذلك فضلاً عن حجرها ومنعها من أن تكون في متناول الأيدي للاستفادة منها ، في حين أنّ مكتباتنا مليئة بفهرسة المصادر السنّية ومصنّفاتهم العلمية ، بحيث تتوفّر لطالبيها بسهولة فتكون في متناول أيديهم وأكثر من ذلك فقد بلغتنا في الآونة الأخيرة أنباء عن مكتبات بعض الدول الإسلامية التي تقوم فقط باقتناء كتب علوم القرآن والحديث ، وأمّا كتب الفلسفة والكلام والتاريخ والأدب والشعر وغيرها ، يعتبرونها غير مجدية ، فلا يعدّونها من العلوم المفيدة.

۱۹۴

٢٨ـ عتائق النسخ ودفائنها :

كثيراً ما استغلّ السماسرة هذه الاصطلاحات واستخدموها للنسخ طمعاً باكتساب المال وتغريراً بالمشتري ، فعندما تطلق علىٰ النسخ اصطلاحات مثل عتائق ودفائن ، فحينها لا سبيل للمكتبات أن تتعامل معهم ولربّما تمتدّ خيوط أمثال تلكم التجارات إلىٰ أسواق المزاد العلني في لندن وغيرها.

ومن الطريف أنّ بعض المحتالين اتّخذوا في الآونة الأخيرة أسلوباً جديداً في مراوغاتهم ومكرهم وخديعتهم إذ يأتون بهيئة جماعة مع عدد من المحافظين إلىٰ المكتبات ويزعمون أنّهم عثروا علىٰ نسخة عتيقة في إحدىٰ البلدان النائية أو في إحدىٰ البلدان المجاورة ، وهي نسخة فريدة من نوعها وقد قيّمت بالملايين ويدّعون أنّهم لا يريدون أن تذهب خارج البلاد لأنّها تعدّ من الثروة الوطنية ، وعندما نسأل عن تلك النسخة ونطلب منهم رؤيتها فلا نجد لها أيّ أثر سوىٰ صورة رديئة من قطعة جلد كتبت عليه عدّة كلمات بخطّ مضطرب لا ترىٰ إلّا بمشقّة وعناء وهي غير مقروءة أبداً ويدّعي بعضهم أنّه خطّ عبري ، ويقيناً أنّ مثل هذه الحالات إنّما هي وضع وتزوير ساذج من أشخاص طامعين محتالين أو من جهلة حملهم الوهم والخيال علىٰ ارتكاب مثل هذه الفعال.

وكان يزعم أحد المدّعين من إصفهان أنّه قد عثر علىٰ صندوق كان تحت التراب منذ العهد الصفوي حتّىٰ الآن وقد استخرج حديثاً وشوهد بأنّه مليء بالنسخ الخطّية!! وعلىٰ الرغم من أنّي كنت متيقّناً أنّ مثل هذا الادّعاء لا يمكن أن يكون حقيقيّاً ولكنّي مع هذا سافرت إلىٰ إصفهان بإصرار منهم وأرسلوا إليّ دليلاً اجتزت معه العديد من الشوارع والأزقّة حيث كان السكوت المدوّي فيها موحشاً بالنسبة لي حتّىٰ بلغنا إلىٰ دار مملوءة بعتائق قديمة وهي عادة ما تتوفّر في

۱۹۵

المحلّات التي تباع بها العتائق ، فعندما فتحوا الصندوق كانت فيه أوراق من القرن الثالث عشر ولم أعثر فيه علىٰ مجلّد واحد!

٢٩ـ نسخ بثمن بخس :

أكتفي بتوضيح هذه الفقرة وبيانها بذكر بيتين من الشعر :

کتابی نوشتم بصد عزّ وناز

بوقت جوانی بعمر دراز

مبادا که افتد به بی دولتی

کتابم فروشند به نرخ پیاز

تعريبها :

كتبت كتاباً بعزّ حصل

بحين الشباب وعمر وصل

خشيت عليه جفاء الزمان

ألّا يباع بسعر البصل

٣٠ـ الورثة المسيؤون للنسخ والنسخ التي لا وارث لها :

ذكرت آنفاً بعض المواضيع في مضمار مختلف الابتلاءات التي تتعرّض لها النسخ الخطّية من قِبَلِ بعض ورثة العلماء ومالكي المخطوطات وكما هو المعروف في الأمثال والحكايات أنّ عبيد الزاكاني یصف ابن العالم بيّاعاً لكتب والده بثمن بخس ، إلّا أنّه يبدو من بعض الورثة في زماننا هذا كأنّهم يطلبون من خلال بيع مكتبة أبيهم سعر دية دمه وصاروا يكيلون جهوده ومتاعبه وما بذله من مال وعمر حبّاً منه في اقتناء الكتب والحفاظ عليها والاستفادة منها وكلّ ما تجشّمه من أتعاب وعناء بمكيال الدرهم والدينار تفريطاً منهم في أمر صيانة تراثه.

وقد أكّد أحد المهتمّين بالتراث أثناء مقال له علىٰ أهمّية النسخ الخطّية ، ويذكر إحدىٰ الحالات المؤسفة التي شهدها بنفسه في إتلاف النسخ من قِبَلِ أحد أبناء العلماء حیث قال : رأيت في دار أحد أبناء العلماء كمّية كبيرة من النسخ المخطوطة

۱۹۶

وقد صارت طعمة للأرضة وخرجت عن حيّز الانتفاع ، فعاتبت صاحب الدار قائلاً يا للأسف والحسرة علىٰ إتلافك هذه الكتب النفيسة الرائعة ذات الخطّ الجميل بهذا الشكل ، لماذا كلّ هذا الإهمال وعدم الاعتناء بها حتّىٰ أدّىٰ إلىٰ إتلافها؟ فأجابني بكلّ صراحة قائلاً إنّها كتب موقوفة وبما أنّ الموقوفات لا يمكن بيعها ولا شراؤها فأضحت لا جدوىٰ منها فلا داعي إذن ليبذل وقته في صيانتها والحفاظ عليها وهي منذ سنين مطروحة في جانب من الدار فكان مصيرها أن صارت طعمة للأرضة.

٣١ـ النسخ الأسيرة :

هي النسخ المحبوسة منذ سنين في مخازن مغلقة ومقفولة وإن کانت الحجج التافهة لهذا العمل عديدة ، ولكنّ شجار أبناء العلماء واختلافهم في إرث أبيهم هو أهمّ العوامل في هذا المجال وقد ذكر لنا نجل آية الله العظمىٰ المرعشي النجفي الآمين العامّ للمكتبة المرعشية قائلاً : دعا الوالد رحمه‌الله في أواخر عمره الشريف أبناءه وقال لهم : إنّ الكتب المتواجدة في المكتبة كلّها موقوفة وليس لكم فيها أيّ سهم من الإرث فلا تفكّروا في تقسيمها بينكم.

ولكن مع الأسف الشديد أنّي أعرف مكتبة في قزوين مملوءة من النسخ النفيسة جدّاً وقد مرّت عليها عقود من الزمن لا زالت مقفلة وذلك للاختلاف والشجار القائم بين الورثة. وقد بلغني خبر من كرمانشاه أنّ هناك مكتبة نفيسة لأحد العلماء المعاصرين لم تفتح من بعد وفاته إلّا أن يتواجد جميع الورثة ثمّ تغلق بعد ذلك إلىٰ إشعار آخر وهلمّ جرّاً علىٰ هذا المنوال. وهناك ثلاثة آلاف نسخة خطّية نفيسة عند أحد أبناء العلماء المشهورين تعدّ من ضمن النسخ الأسيرة ، وعندما كشفت مكتبة آية الله العظمىٰ المرعشي النجفي رحمه‌الله النقاب عن أقدم نسخة من نهج البلاغة بتاريخ (٤٦٩ هـ) وتمّ نشرها علىٰ شكل نسخة مصوّرة ،

۱۹۷

تبسّم ذلك الشخص وقال : لدينا نسخة أقدم منها.

وكذلك الحال في شأن الكثير من النسخ المصادَرة فهناك المئات منها كانت محتجزة عند أحد الشخصيّات ولم يتمكّن أحد من رؤيتها والاستفادة منها في أيّام حياته ومماته سوىٰ بعض النسخ التي كانت تسرق من داره خلسة بين الفينة والأخرىٰ وتباع بثمن بخس.

إنّ أصحاب المكتبات الشخصیة عادة ما يكونون من أهل العلم ومن المهتمّين بالتراث العلمي ، فلِمَ لَمْ يتّخذوا طريقة حلّ أساسية شاملة ليتعيّن تكليف الاستفادة منها بعد حياتهم وتبقىٰ لهم صدقة جارية كما تكون إعانة منهم لنشر العلم وتوفيراً لما يفتقر إليه المحقّق؟ فإنّ إيداع كتب المكتبات الخاصّة للمكتبات المعتبرة الكبيرة وصيانتها في حجرة تختصّ بكلّ واحد من الشخصيّات في تلكم المراكز تعدّ طريقة مناسبة للاحتفاظ بها للاستفادة منها.

فهي سنّة حسنة سنّها الأستاذ المرحوم السيّد محمّد مشكاة حيث أودع كتبه النفيسة النادرة في مكتبة جامعة طهران المركزية ، كما وقد أهدىٰ عدد من الخبراء في هذا المجال ومن أعلام تحقيق النسخ الخطّية مكتباتهم النفيسة لمؤسّسة دائرة المعارف الإسلامية الكبرى أو أوقفوها عليها.

۱۹۸

۱۹۹

۲۰۰

۲۰۱

۲۰۲

مقدمة التحقيق

بسم الله الرحمن الرحيم

هذه رسالة (الإفاضة الرحمانية في جواب المسائل الأرجانية) صنّفها الشيخ أحمد ابن مال الله الصفّار ، عَلَم من أعلام القرن الثالث عشر الهجري ، وهي أجوبة ستّ مسائل في أصول الفقه وفي الخلاف والفرق بين مدرستي المحدّثين والمجتهدين ، وقد وردت المسائل في الأصل من الآخوند ملّا محمّد علي الأرجاني لأستاذ المصنّف الشيخ عبد المحسن بن محمّد اللُّوَيمي (ت ١٢٤٥هـ) الساكن في محافظة (سِرجان) ، لكن لم تصل إلّا وقد ارتحل الشيخ عبد المحسن إلىٰ الرفيق الأعلىٰ ، فتصدّىٰ للإجابة عنها نجله الأكبر الشيخ علي اللُّوَيمي ، ثمّ وصلت المسائل إلىٰ مصنّف هذه الرسالة وهو في الأحساء ، بواسطة تلميذه السيّد محمّد بن إبراهيم القاري ، والتمس الأخير منه الإجابة عليها جواباً شافياً ، كما أشار المصنّف في بداية رسالته.

وهذه الرسالة التي بين يديك ، رسالة أُخرىٰ ذكرها المصنّف ضمن إجابته ، وهي رسالة : (غاية نيل السؤل في الجمع بين أهل الأخبار والأُصول) حيثُ أرتأىٰ المصنّف أنّها متمّمة لبحثه ، ولذا أوردها كاملة ، وهي في مقدّمة وفصلين وخاتمة.

ختاماً : أسأل الله التوفيق وخلوص النيّة فيما قدّمت وعملت ، إنّه حميد مجيد.

أحمد عبد الهادي المحمّدصالح

الأحساء ـ الهفوف

۲۰۳

ترجمة المصنّف

اسمه :

هو الشيخ أحمد بن محمّد بن مال الله الصفّار الأحسائي الخطّي(١) ، من أعلام القرن الثالث عشر.

ولد بالقطيف ، وأوّل من وصفه بالخطّي أستاذه الشيخ عبد المحسن اللويمي في إجازته له في تقديم اسمه(٢) ، ووصفه بالقطيفي تلميذه السيّد محمّد القاري في مقدّمة النسخة التي استنسخها لـ : (شرح حديث من عرف نفسه فقد عرف ربّه) ، بقوله : (للشيخ الأوحد ، الشيخ أحمد بن محمّد بن مال الله الصفّار القطيفي ـ أيّده الله ـ).

وذكر سالم النويدري(٣) أنّ أسرة آل مال الله تسكن حالياً في (النعيم) غربي المنامة ـ العاصمة ـ وهذه إشارة يحتمل منها أنّ أُصول الصفّار من البحرين ، وإن لم نقف علىٰ التفاصيل.

ولا تزال للمؤلّف ذرّية في الأحساء تسكن مدينة الهفوف تعرف بـ : (آل حاجي محمّد).

أساتذته :

ـ الشيخ عبد المحسن بن الشيخ محمّد اللويمي (ت ١٢٤٥هـ) ، ومجاز منه في (٢٥ رمضان ١٢٤٠هـ).

__________

(١) أعلام هجر ١/٣٥٢.

(٢) منتظم الدرّين ١/٢٣٩ رقم : (١٣١/١).

(٣) أسر البحرين العلمية : ١٦٥.

۲۰۴

ـ الشيخ محمّد بن عبد علي آل عبد الجبّار القطيفي(١)(٢).

من تلامذته :

ـ السيّد هاشم بن السيّد أحمد السلمان (ت ١٣٠٩هـ)(٣).

ـ السيّد محمّد بن إبراهيم بن عبد النبي الموسوي القاري (المتوفّىٰ حدود ١٢٦٠هـ)(٤).

وفاته :

لم يعرف تاريخ وفاته علىٰ وجه التحديد ، ولكنّه حتماً بعد سنة (١٢٦٥هـ) أو خلالها ، حيث نظم في السنة المذكورة قصيدته في رثاء الشيخ علي الرمضان(٥) ، وذكر الحاجّ جواد الرمضان(٦) ، بأن وفاته في حدود (١٢٧٠هـ).

__________

(١) ذكره المصنّف في هذه الرسالة وعبّر عنه بشيخي.

(٢) ذكر في أعلام هجر من أساتذته ، الشهيد الشيخ علي بن الشيخ محمّد الرمضان (ت ١٢٦٥هـ) ، إلّا أنّ هذه التلمذة محلّ نظر لجملة من القرائن ، أهمّها أنّ الشيخ علي متأخّر عن طبقة الشيخ أحمد وليس متقدّماً عليه ، بدلالة أنّه زميل مباحثة مع السيّد القاري ـ تلميذ الصفّار ـ كما أشار الأخير في رسالة نحوية له ، فكون الصفّار تلميذاً للرمضان ، بهذا اللحاظ لا يصحّ ، كما أنّ قصيدته في رثائه لا تحمل إشارة إلىٰ تتلمذه عنده أو استفادته منه ، ولو كان أستاذاً له لمَ غفل عن ذكر هذا المعنىٰ في تفجّعه عليه؟ نعم ، مجمل ما يستفاد أنّهما كانا علىٰ علاقة كبيرة من المحبّة والمودّة ، ولكن لا قرينة علىٰ أنّها علاقة تلميذ بأستاذ.

(٣) أعلام هجر ١/٣٥٤.

(٤) أعلام هجر ٣/٢٣٥.

(٥) أعلام هجر ١/٣٥٥.

(٦) أعلام الأحساء ١/١٣٤.

۲۰۵

مؤلّفاته :

له مجموعة من المؤلّفات موجودة في مجموع خطّي كانت في المكتبة الخاصّة للشيخ حسين بن محمّد آل خليفة (ت ١٤٢٦هـ) ، وهي علىٰ النحو التالي :

ـ الإفاضة الرحمانية في جواب المسائل الأرجانية : وهي ستّ مسائل وردت من الآخوند ملّا محمّد علي الأرجاني ، فرغ منها في (٢٢ ذي الحجّة سنة ١٢٥٦هـ).

أوّلها : «بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الهادي المجاهدين فيه إلىٰ سبيله ... فيقول المتعطّش إلىٰ فيض رحمة ربّه الغفّار ... هذا جواب مسائل للرجل الأكرم المكرّم».

آخرها : «وخرج السيّد مهدي من البيت وسمع بذلك فاستحسن فعله وقوله. فافهم يا أخي من ذلك رأيه وطريقته».

ناسخ الرسالة : السيّد إبراهيم بن محمّد القاري(١).

ـ غاية نيل السؤل في الجمع بين أهل الأخبار والأُصول.

أوّلها : «بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وليّ التوفيق ، وهادي المجاهدين في سبيله إلىٰ سواء الطريق ، والصلاة والسلام علىٰ علّة الإيجاد والتحقيق ، محمّد وآله ، الذي من ركن إليهم فقد ركن إلىٰ ركن وثيق. وبعد ؛ فيقول قليل البضاعة ، كثير الإضاعة ، تراب أقدام العلماء العظام ، وخادم حملة الكتاب وسنّة نبيّه محمّد وأهل بيتهعليهم‌السلام ، الفقير إلىٰ الله الغفّار ... إنّه قد اشتهر في هذه الأعصار بين علماء

__________

(١) أعلام هجر ١/٣٥٧ ؛ مطلع البدرين ١/٢٧٦ ؛ مجلّة التراث ، العدد (٢) : ١٥٥ ؛ معجم المؤلّفات الشيعية في الجزيرة العربية ٢/٥٣٠ رقم : (١٦١٨) ؛ أعلام الأحساء ١/١٣٦.

۲۰۶

الإمامية ـ غفر الله لهم أجمعين ـ اختلافاً كثيراً ، أوجب افتراقهم فرقتين».

آخرها : «أحسن الله لنا ولوالدينا ولإخواننا المؤمنين أحوال الدارين ، وعاملنا بعفوه وكرمه في النشأتين ، إنّه ذو الفضل الكريم والعطاء العميم. وصلّىٰ الله علىٰ محمّد وآله ذوي التبجيل والتعظيم».

ـ أرجوزة فقهية استدلالية في مستحقّ الخمس مختصرة ، في (٤٣) بيتاً.

أوّلها :

اختلفَ الأصحابُ في مَن انتسب

لهاشمٍ لأُمّهِ ليس لأبْ

هل يستحقُّ الخمس أو لا يستحقْ

فقالَ قومٌ إنّ هذا مُستَحقْ

آخرها :

و (أحمدُ الصفّارُ) يرجو المغفرة

من ربّهِ في هذهِ والآخرةْ

بالمصطفىٰ المختارِ والكرّار

وفاطمٍ والعترةِ الأطهار

ونشر السيّد هاشم الأرجوزة في أعلام هجر ، ونشرت في مجلّة الفقاهة ، بتحقيق الشيخ جعفر البناوي(١).

ـ أرجوزة فقهية استدلالية في مصرف الخمس مختصرة (أُخرى) ، في (٤١) بيتاً.

أوّلها :

في مصرفِ الخُمسِ اختلافٌ اشتهرْ

حالَ اخْتفاء إمامنا الثاني عَشَر

__________

(١) أعلام هجر ١/٣٥٨ و٣٦٣ ؛ مطلع البدرين ١/٢٧٦ ؛ مجلّة التراث ، العدد (٢) : ١٥٥ ؛ معجم المؤلّفات الشيعية في الجزيرة العربية ٢/١٨٠ رقم : (٤٦٢) ، أعلام الأحساء ١/ ١٣٦ ؛ مجلّة الفقاهة ، العدد (٦) : ١٦٢.

۲۰۷

ولاختلافِ النَّصِّ فيه اختلفوا

فلن يكادوا قطُّ أن يأتلفوا

آخرها :

ويطلبُ الغفرانَ يا غفَّارُ

ويا كريمُ (أحمدُ الصفّارُ)

بالمصطفىٰ محمّدٍ والآل

في هذهِ الدنيا وفي المآل

ونشرها السيّد هاشم في أعلام هجر ، ونشرت أيضاً في مجلّة الفقاهة ، بتحقيق الشيخ جعفر البناوي(١).

ـ أرجوزة فقهية استدلالية مختصرة في الاجتهاد ، في (٣٥) بيتاً.

أوّلها :

في الاجتهادِ اختلف الأصحابُ

وعندهم قد حصل اضطرابُ

في أنّه هل يقبلُ التجزّيْ

وأنّه في الاجتزاءِ يجزيْ

آخرها :

و (أحمدُ الصفّارُ) ذُو الذنوبِ

لازال يرجو السترَ للعيوب

بالمصطفىٰ وآله الكرام

صلّىٰ عليهم خالقُ الأنام

نشرها السيّد هاشم في أعلام هجر(٢).

__________

(١) أعلام هجر ١/٣٥٨ و٣٦٠ ؛ مطلع البدرين ١/٢٧٦ ؛ معجم المؤلّفات الشيعية في الجزيرة العربية ٢/١٨١ رقم : (٤٦٣) ؛ أعلام الأحساء ١/١٣٦ ؛ مجلّة الفقاهة ، العدد (٦) : ١٥٩.

(٢) أعلام هجر ١/٣٥٨ و٣٦٦ ؛ مطلع البدرين ١/٢٧٦ ؛ مجلّة التراث ، العدد (٢) : ١٥٥ ؛ معجم المؤلّفات الشيعية في الجزيرة العربية ٢/١٧٩ رقم : (٤٥٩) ؛ أعلام الأحساء ١/ ١٣٦.

۲۰۸

ـ أرجوزة فقهية استدلالية في صلاة الجمعة مختصرة ، في (٤٤) بيتاً.

أوّلها :

في الجمعة الخُلفُ فَشَا هل تَجبُ

في زَمَن الغَيبَة أو بَل تُندَبُ

حواست جمع كن

حواست جمع كن

آخرها :

أو الصلاة أربعاً مندُوبُ

وجمعةٌ عن فعلها مرغوبُ

وما علىٰ (الصفّارِ) من أوزارِ

يرجو له العفوَ من الغفّارِ

وقال الرمضان مشبّهاً الأرجوزة (في صلاة الجماعة) والأرجوزة منشورة في أعلام هجر ، ونشرت أيضاً في مجلّة الفقاهة ، بتحقيق الشيخ جعفر البناوي(١).

ـ البرهان علىٰ وجوب وجود المجتهد في كلّ الأوقات والأزمان : فرغ منها عام (١٢٤٢هـ).

أوّله : «بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين ، نحمدك يا من أتمّ علينا الحجّة وأوضح لنا المحجّة ، وأرسل الرسل رحمة بنا وإيصالاً للخير إلينا ، وأزاح العلل والأعذار ، وأبان الأعذار والإنذار ... فيقول الفقير إلىٰ الله الغني الغفّار ... إنّ الأدلّة من الاعتبار».

أخره : «فالحمد لله الذي أظهر الحقّ ظهور الشمس في رابعة النهار ، بعدم

__________

(١) أعلام هجر ١/٣٥٨ و٣٦٨ ؛ مطلع البدرين ١/٢٧٦ ؛ مجلّة التراث ، العدد (٢) : ١٥٥ ؛ معجم المؤلّفات الشيعية في الجزيرة العربية ٢/١٨٢ رقم : (٤٦٥) ، أعلام الأحساء ١/ ١٣٦ ؛ مجلّة الفقاهة ، العدد (٧ـ٨) : ٢٩٥.

۲۰۹

جواز خلوّ الأزمان والأعصار ، من المجتهد في جميع بلاد الإسلام والأمصار»(١).

ـ رسالة القبلة : فرغ منها سنة (١٢٤٣هـ).

أوّلها : «بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين ، الحمد لله الذي أوجب علىٰ المكلّفين متابعة خاتم النبيّين وآله المعصومين صلّىٰ الله عليهم أجمعين فيما أمكن من الأقوال والأفعال في كلّ وقت وعلىٰ كلّ حال ... فيقول الفقير إلىٰ الله ... إنّ أفضل الأعمال بعد المعرفة».

آخرها : «ولا تقلّد في ذلك أحداً ، فقد ظهر الحقّ ظهور الشمس في رابعة النهار ، من غير أن يعلوها الغبار. والصلاة والسلام علىٰ محمّد المختار وعلىٰ آله الأطياب الأطهار ، ما أظلم الليل وأضاء النهار»(٢).

ـ شرح الحديث المروي عن أمير المؤمنين عليه‌السلام : «من عرف نفسه فقد عرف ربّه» ، أجابه لسؤال من تلزمه إجابته ، وهو في مقدّمة وفصول وخاتمة ، فرغ منه (الخميس ١٠/٣/١٢٤٢هـ).

أوّله : «بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين ، الحمد لله الذي لا تدركه الأبصار ولا تحيط به الأفكار ، الذي لا يعلم بحقيقته ، ولا يعرف حقّ معرفته ، والصلاة ... وبعد ؛ فيقول الفقير إلىٰ الله الغفّار ... إنّه قد سألني من تلزمني إجابته».

آخرها : «نسأل الله العصمة من الخطأ والزلل ، والتسديد في القول والعمل

__________

(١) أعلام هجر ١/٣٥٨ ؛ مطلع البدرين ١/٢٧٦ ؛ مجلّة التراث ، العدد (٢) : ١٥٥ ؛ معجم المؤلّفات الشيعية في الجزيرة العربية ٢/١٣١ رقم : (٣١٠) ؛ أعلام الأحساء ١/١٣٦.

(٢) مطلع البدرين ١/٢٧٦ ؛ مجلّة التراث ، العدد (٢) : ١٥٥ ؛ معجم المؤلّفات الشيعية في الجزيرة العربية ٢/١٧٣ رقم : (٤٤٣) ؛ أعلام الأحساء ١/١٣٦.

۲۱۰

وأن يسهّل لنا تحصيل المرام ، وأن يحسن لنا الختام ، بمحمّد وآله الكرام ، والحمد لله حقّ حمده والصلاة والسلام علىٰ خيرة الله من العالمين محمّد وآله الطاهرين»(١).

ـ رسالة فقهية استدلالية في الوصية للعبد.

أوّلها : «بسم الله والحمد لله ، وصلّىٰ الله علىٰ محمّد بن عبد الله وآله خير خلق الله.

مسألة : إذا أوصىٰ الإنسان إلىٰ مملوكه بشيء من ماله فلا يخلو إمّا أن يكون الموصىٰ به مشاعاً من التركة أو معيّناً ، كبستان أو دار».

آخرها : «والاعتبارات لا تصلح لتأسيس الأحكام ، إن لم تدلّ عليها الآيات أو الروايات أو الإجماع ، والله العالم بحقائق أحكامه. والحمد لله ربّ العالمين ، وصلّىٰ الله علىٰ محمّد وآل الطاهرين(٢).

ـ رسالة في كفّارة النذر والعهد : فرغ منها (ليلة الثلاثاء ٨/١٠/١٢٥٢هـ).

أوّلها : «بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لوليّ الحمد ، وصلّىٰ الله علىٰ أهل الكرم والمجد ، محمّد وآل محمّد. وبعد ؛ فإنّي ذاكر في هذه العجالة ملخّص الكلام في كفّارة النذر والعهد».

آخرها : «كما فصّلناه. نسأل الله سبحانه الاهتداء إلىٰ سواء السبيل والتوفيق لما يحبّ ويرضىٰ ، بمحمّد المصطفىٰ وبوليّه المرتضىٰ ، وآله أهل الرضا ، إنّه علىٰ كلّ شيء قدير وبالإجابة جدير».

__________

(١) أعلام هجر ١/٣٥٨ ؛ مطلع البدرين ١/٢٧٦ ؛ مجلّة التراث ، العدد (٢) : ١٥٥ ؛ معجم المؤلّفات الشيعية في الجزيرة العربية ٢/٦٢ رقم : (١٢٨) ؛ أعلام الأحساء ١/١٣٦.

(٢) مطلع البدرين ١/٢٧٦ ؛ مجلّة التراث ، العدد (٢) : ١٥٥ ؛ معجم المؤلّفات الشيعية في الجزيرة العربية ٢/١٧٥ رقم : (٤٤٨) ؛ أعلام الأحساء ١/١٣٦.

۲۱۱

نشرت هذه الرسالة في مجلّة الفقاهة ، بتحقيق أحمد عبد الهادي المحمّد صالح(١).

النسخ المعتمدة في التحقيق :

اعتمدنا في تحقيق الرسالة علىٰ نسختين خطّيّتين ، وهما :

١ـ النسخة الأولى : ضمن مجموع خطّي كان في مكتبة الشيخ حسين بن محمّد آل خليفة المبرزي الأحسائي (ت ١٤٢٦هـ) ، يضمّ بين دفّتيه مجموع مؤلّفات للشيخ أحمد الصفّار والشيخ عبد المحسن اللويمي ، ونجله الشيخ علي اللويمي ، والسيّد محمّد بن إبراهيم القاري ، والشيخ عبد الله بن عبّاس الستري ، ورسائل مختلفة أخرىٰ. كلّها بخطّ السيّد محمّد بن إبراهيم بن عبد النبي القاري ، كتبها في عصر الشيخ أحمد الصفّار ، كما يُفهم من ديباجة تقديمه لأحد الرسائل ودعائه للشيخ الصفّار بقوله : ـ أيّده الله ـ.

ورسالتنا هي الرسالة الأولىٰ في المجموع ، وتقع في (٤٥) صفحة ، وهي مختلفة عدد السطور ، فالصفحة الأولىٰ احتوت علىٰ (١٦) سطراً ، و (٦) أسطر الصفحة الأخيرة ، وباقي الصفحات مختلفة عدد الأسطر.

ورمزنا لها بالحرف : (أ).

٢ـ النسخة الثانية : مصوّرة من مجموع خطّي موجود في مكتبة جمعية التراث الوطني الإيراني أو (SNH) ، برقم : (ى ٣در IRN–٠٠٢–٢٢٢٤) ، مجهولة الناسخ وتاريخ النسخ.

__________

(١) مطلع البدرين ١/٢٧٦ ؛ مجلّة التراث ، العدد (٢) : ١٥٥ ؛ معجم المؤلّفات الشيعية في الجزيرة العربية ٢/١٧٤ رقم : (٤٤٤) ؛ أعلام الأحساء ١/١٣٦ ؛ مجلّة الفقاهة ، العدد (٦) : ١٤٧ـ١٥٨.

۲۱۲

وتقع في (٨١) صفحة ، عدد سطور الصفحة الأولىٰ (١٢) سطراً ، والصفحة الأخيرة سطران فقط ، و (١٣) سطر بقية الصفحات.

ورمزنا لها بالحرف : (ب).

منهجية التحقيق :

ومرّ عمل التحقيق بمراحل علىٰ النحو التالي :

١ـ تنضيد الحروف وصفّها علىٰ الحاسوب.

٢ـ تقطيع النصّ وإخراجه.

٣ـ مطابقة النصّ وضبطه علىٰ ضوء المخطوطتين المعتمدتين في تحقيق الرسالة.

٤ـ تخريج الآيات القرآنية.

٥ـ تخريج الأحاديث الشريفة وضبطها.

٦ـ إرجاع الأقوال إلىٰ قائلها.

٧ـ ما سقط من المتن وهو في المصادر التي نقلنا عنها وضعناها بين عضادتين [] ، وكذلك قمت وفي أضيق الحدود بإضافة بعض المفردات ليستقيم سياق الجملة ، وليتّضح المعنىٰ منها ، وجعلتُ هذا بين عضادتين [] أيضاً.

٨ـ عند بداية كلّ سؤال أشرنا إلىٰ رقم السؤال.

٩ـ وضعنا عناوين جانبية لكلّ سؤال ، وعنونّا أيضاً بعض الفقرات ووضعناهم بين عضادتين [].

الختام :

نسأل الله أن يتمّه علىٰ خير بأحسن صورة ، كما نرجو من الأخوة الباحثين لا سيّما أهل التحقيق أن يشيروا علينا فيما يجدونه من خطأ وقعنا فيه دون قصد ، فإنّ الكمال لله ، والعصمة لأهلها ، والحمد لله ربّ العالمين.

۲۱۳

نماذج من نسخ الرسالة

الصفحة الأولى من النسخة : (أ)

۲۱۴

الصفحة الأخيرة من النسخة (أ)

۲۱۵

الصفحة الأولى من النسخة (ب)

۲۱۶

الصفحة الأخيرة من النسخة (ب)

۲۱۷

الإفاضة الرحمانية

في جواب المسائل الأرجانية

الحمد لله الهادي المجاهدين فيه إلىٰ سبيله ، والمرشد المجتهدين في تحقيق الحقّ إلىٰ دليله ، الذي أقام علىٰ ما أراد من المكلَّفين الحجّة ، وأوضح لهم بمحمّد وآله المحجّة ، والصلاة والسلام علىٰ المؤيّد بالدلائل والبراهين ، محمّد بن عبد الله الصادق الأمين ، وعلىٰ آله وعترته الغرّ الميامين ، صلاة تتعاقب بتعاقب السنين ، وتدوم بدوام الدنيا والدين.

وبعد(١) ..

فيقول المتعطّش إلىٰ فيض رحمة ربّه الغفّار ، أحمد بن محمّد بن مال الله الصفّار : هذا جواب مسائل للرجل الأكرم المكرّم ، الآخوند ، الملّا محمّد علي الأرجاني ، أرسلها(٢) لجناب مولانا الأكرم وشيخنا الأعظم ، شيخنا الأجلّ الأمجد ، والمعتمد الأنبل الأوحد ، وحيد عصره وفريد دهره ، الشيخ عبد المحسن بن محمّد الأحسائي اللويمي. وحيث إنّها لم تصل إلىٰ دار إقامته سيرجان(٣) إلّا بعد أن اختاره الكريم المنّان(٤) ، ونقله إلىٰ روض الجنان ، إلىٰ جوار الحور والولدان ، أجاب

__________

(١) ليست في (ب).

(٢) في (أ) : سألها.

(٣) مدينة إيرانية تقع في محافظة كِرمان.

(٤) توفّي الشيخ عبد المحسن سنة ١٢٤٤هـ ، وإن لم يذكر بالتحديد اليوم والسنة.

۲۱۸

عنها الشيخ العلي ، جناب الشيخ علي بن المرحوم المبرور ، الشيخ المذكور ، وقد التمس منّي جناب السيّد السند الكريم ، السيّد محمّد بن السيّد إبراهيم(١) أن أجيب عن ذلك جواباً شافياً ، وأكتب عليه كلاماً كافياً ، فأجبت مسألته وحقّقت طلبته ؛ قضاء لحقّه الواجب ، وكراهة لردّ مطلوب(٢) الطالب ، وإن كنت ذا تقصير وقصور ، إذ لا يسقط الميسور بالمعسور.

والتزامي بما عزمت عليه ؛ لأنّ الشيخ المشار إليه شيخي وأستاذي ، وقد قرأت عليه حظّاً وافراً(٣) من المعقول والمنقول ، وفهّمني الله بسببه جملة من الفروع والأُصول.

وسمّيتها بـ : (الإفاضة الرحمانية في جواب المسائل الأرجانية) فالله أسأل أن يعصمني من الزلل ، وأن يجعلها مطابقة للأمل ، بمحمّد وآله العلل. وما توفيقي إلّا بالله عليه توكّلت وإليه أُنيب.

__________

(١) السيّد محمّد بن إبراهيم بن عبد النبي بن علي بن محمّد بن عبد علي بن عبد الحسين الموسوي الأحسائي القاري (١٢١٥هـ ـ حدود ١٢٦٠هـ) ، من مؤلّفاته : حاشية علىٰ كتاب (شرح قطر الندىٰ) لابن هاشم ، رسالة مختصرة في إعراب قول امرؤ القيس : (كفاني ولم أطلب قليل من المال) ، ومجيب التوالي إلىٰ منتخبات الغوالي ، وحاشية علىٰ (الفوائد السيرجانية) للشيخ علي اللويمي. (راجع : أعلام هجر ٣/٢٣٤ـ٢٤٠ رقم الترجمة : ١١١).

(٢) في المخطوطتين : المطلوب.

(٣) ليست في (ب).

۲۱۹

[المسألة الأولىٰ]

[اختلاف الأقوال والروايات المتعارضة]

قال ـ أصلح الله حاله وبلّغه في الدارين آماله ـ :

المسألة الأولى : قد أُشكل عليَّ الأمر وتضايقت عليَّ الطرق من اختلافِ الأقوالِ والروايات.

الجواب ومن الله سبحانه نستمدّ الهداية إلىٰ طريق الصواب :

[أسباب اختلاف الأقوال] :

أمّا اختلاف الأقوال فلاختلاف الأنظار من أصحابنا الأخيار ، في معرفة معاني الأخبار ، الواردة عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآلهوآله الأطهار ، ولاختلاف مفاهيم الآثار وغير ذلك.

[أسباب اختلاف الروايات] :

وأمّا اختلاف الروايات فإن كان استشكالك من جهة سبب اختلافها ، فها أنا ذا ـ إن شاء الله تعالىٰ ـ موضح لك ذلك ، ومبين لك ما هنالك.

اعلم أنّ الروايات إمّا أن تكون عن سيّد المرسلين صلى‌الله‌عليه‌وآله ، أو عن خلفائه المعصومين ـ صلوات الله عليه وعليهم أجمعين ـ.

فأمّا الاختلاف فيما روي عن سيّد المرسلين ، فقد أبان سببه وأوضحه سيّد الوصيّين فيما روي عنه.

حدّثني شيخي وأستاذي ، ومَن عليه بعد النبي وآله في العلوم اعتمادي ، الشيخ الأمجد ، الشيخ عبد المحسن بن محمّد ، إجازة ، عن شيخه العلّامة الربّاني ، الشيخ حسين بن الشيخ محمّد بن عصفور البحراني ، عن شيخه الأعظم المعظّم ،

۲۲۰

عمّه ، الشيخ يوسف بن عصفور.

[ح] : وعن الشيخ الأجلّ الأمجد ، الشيخ أحمد بن الشيخ حسن الدمستاني ، عن الشيخ حسين بن(١) عصفور المذكور.

وعن الشيخ جعفر النجفي ، عن شيخه السيّد مهدي الطباطبائي ، وعن الآقا محمّد علي بن الآقا محمّد باقر البهبهاني ، عن والده البهبهاني.

[ح] : وعن الآقا مير سيّد علي الطباطبائي ، عن خاله الآقا محمّد باقر.

وعن السيّد مهدي الخراساني المشهدي ـ الشّهيد ـ عن خاله.

[ح] : وعن الشيخ محمّد بن الشيخ حسين(٢) بن عيثان الهجري الأحسائي ، عن شيخه الشيخ حسين المذكور.

وعن السيّد مهدي الشهرستاني ، كلّ ذلك بالأسانيد المذكورة في إجازته لي المتّصلة إلىٰ شيخنا ، الشيخ حسين(٣) بهائي الدين بن الشيخ حسين بن عبد الصمد العاملي ، عن أبيه الشيخ حسين ، عن مشايخه ، بسنده المذكور في كتاب الأربعين(٤)

__________

(١) ليست في (أ).

(٢) في طبقات أعلام الشيعة ٩/٦٣٩ ، ذكر في ترجمته أنّ الشيخ محمّد اشترىٰ الجزء الأوّل من (وسائل الشيعة) في مشهد خراسان وكتب عليه بخطّه أنّه (ملكه تراب نعال العلماء محمّد ابن علي) وذلك في سنة ١١٧٧هـ ، فيكون والد الشيخ محمّد هو الشيخ علي.

(٣) ليست في (ب).

(٤) الأربعون حديثاً في مناقب الأئمّة الطاهرين ، استخرج فيه الشيخ المؤلّف الأحاديث عن الكتب المعتبرة مثل (الأمالي) للشيخ الصدوق ، و (الأمالي) للشيخ الطوسي ، و (الكافي) و (التهذيب) وغيرها ... وبدأ بأحاديث فضل حفظ الأربعين حديثاً ، ثمّ بأحاديث فضل السلطان والترغيب إلىٰ طاعته ... وبعد تمام الأربعين حديثاً أورد خاتمة فيها جملة من

۲۲۱

المتّصل إلىٰ الشيخ الجليل عماد الإسلام محمّد بن يعقوب الكليني ، عن علي بن إبراهيم [بن هاشم] ، عن أبيه ، عن حمّاد بن عيسىٰ ، عن إبراهيم [بن عمر] اليماني ، عن أبان بن(٣) أبي عيّاش ، عن سليم بن قيس الهلالي ، قال ، قلت لأمير المؤمنين علي عليه‌السلام : «إنّي سمعت من سلمان الفارسي والمقداد وأبي ذرّ شيئاً في(١) تفسير القرآن ، وأحاديث عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله غير ما في أيدي الناس ، ثمّ سمعت منك تصديق ما سمعته(٢) منهم ، ورأيت في أيدي الناس أشياء كثيرة من تفسير القرآن ومن الأحاديث ، عن نبي الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، أنتم تُخالفونهم فيها ، وتزعمون أنّ ذلك كلّه باطل ، أفَتَرَىٰ الناس يكذبون علىٰ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله متعمّدين ، ويفسّرون القرآن بآرائهم؟

[قالَ] : فأقبل علي عليه‌السلام ، فقال : قد سألت ، فافهم الجواب ، إنّ في أيدي الناس حقّاً وباطلاً ، وصدقاً وكذباً ، وناسخاً ومنسوخاً ، وعامّاً وخاصّاً ، ومحكماً ومتشابهاً ، وحفظاً وَوَهَماً ، وقد كُذِبَ علىٰ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في عهده ، حتّىٰ قام خطيباً ، فقالَ : أيّها الناس ، قد كثرت عليَّ الكذّابة ، فمن كذب عليّ متعمّداً ، فليتبوّأ مقعده من النار ، ثمّ كُذِبَ عليه من بعده ، وإنّما أتاكم الحديث من أربعة ليس لهم خامس :

رجل منافق ، يظهر الإيمان ، متصنّع بالإسلام ، لا يتأثّم ولا يتحرّج أن يكذب علىٰ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله متعمّداً ، فلو علم الناس أنّه منافق [كذّاب] ، لم يقبلوا منه ولم يصدّقوه ، ولكنّهم قالوا : هذا [قد] صحب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ورآه وسمع منه ،

__________

الأحاديث في التحذير عن الوسواس. (راجع : الذريعة ١/٢٥٨ ، رقم : (٢١٦٥).

(١) ليست في (أ).

(٢) في الكافي : من.

(٣) في الكافي : سمعت.

۲۲۲

فأخذوا عنه ، وهم لا يعرفون حاله ، وقد أخبره الله عن المنافقين بما أخبره ، ووصفهم بما وصفهم ، فقال : ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ(١) ، ثمّ بقوا بعده ، فتقرّبوا إلىٰ أئمّة الضلالة والدعاة إلىٰ النار بالزور والكذب والبهتان ، فولّوهم الأعمال وحمّلوهم علىٰ رقاب الناس ، وأكلوا بهم الدنيا ، وإنّما الناس مع الملوك والدنيا إلّا من عصم الله ، فهذا أحد الأربعة.

ورجل سمع من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآلهشيئاً لم يحفظه علىٰ وجهه ، ووهم فيه ، فلم يتعمّد كذباً ، فهو في يده ، يقوله(٢) ، ويعمل به ، [ويرويه] ، ويقول : أنا سمعته من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فلو علِمَ الناس(٣) أنّه وهم لم يقبلوه ، ولو علمَ هو أنّه وهِمَ لرفضه.

ورجل ثالث سمع من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآلهشيئاً أمر به ثمّ نهىٰ عنه وهو لا يعلم ، أو سمِعه نهىٰ(٤) عن شيءٍ ثمّ أمر به وهو لا يعلم ، فحفظ منسوخه ولم يحفظ الناسخ ، ولو علم الناس(٥) أنّه منسوخ لرفضوه(٦) ، [ولو علم المسلمون ـ إذ سمعوه منه ـ أنّه منسوخ لرفضوه].

وآخر رابع لم يكذب علىٰ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، مبغض للكذب ؛ خوفاً من الله [تعالى] وتعظيماً لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآلهلم يسْهُ ، بل حفظ ما سمع علىٰ وجهه ، فجاء به

__________

(١) سورة المنافقون ، الآية : ٤.

(٢) في الكافي : يقول به.

(٣) في الكافي : المسلمون.

(٤) في الكافي : ينهىٰ.

(٥) ليست في الكافي.

(٦) في الكافي : لرفضه.

۲۲۳

كما سمع ، لم يزِد فيه ولم ينقِص منه ، وعلم الناسخ من المنسوخ ، فعمل بالناسخ ورفض المنسوخ ، فإنّ أمر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآلهمثل القرآن ، ناسخ ومنسوخ ، وخاصّ وعامّ ، ومحكم ومتشابه ، وقد(١) كان يكون من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآلهالكلام له وجهان ، وكلام عامّ وكلام خاصّ مثل القرآن ، قال(٢) الله في كتابه : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا(٣) ، فيشتبه علىٰ من لم يعرف ولم يدرِ ما عنىٰ الله به ورسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله» إلىٰ آخر الحديث(٤).

وإذا تأمّل الناظر إلىٰ ذلك عرف أنّ سبب اختلاف الأخبار من هذه الأسباب التي أبانها أبو الأئمّة الأطياب.

ويزيد أيضاً من جهة جواز نقل الحديث بالمعنىٰ ، فإنّه يختلف باختلاف العبارة عنه ، فتأمّل جيّداً(٥).

[سبب الاختلاف في الروايات المنقولة عن الأئمّة عليهم‌السلام] :

وأمّا الاختلاف في الأخبار المنقولة عن الأئمّة الأطهار فسببه ما ذكر في الرواية ما عدا النسخ ، فإنّه لا شريعة بعد شريعته ، ولا سنّة بعد سنّته صلى‌الله‌عليه‌وآله.

ويزيد علىٰ ما ذكر التقية ، فإنّهم عليهم‌السلام كانوا في أزمنة بني أميّة وبني مروان

__________

(١) في الكافي : قد.

(٢) في الكافي : وقال.

(٣) سورة الحشر ، الآية : ٧.

(٤) الكافي ١/١٥٧ ، كتاب فضل العلم ، باب : (٢١) اختلاف الحديث ، حديث رقم : (١٩٣/١).

(٥) في المخطوطتين : جدّاً.

۲۲۴

وبني العبّاس ـ كما لا يخفىٰ علىٰ كلّ أحد ـ وكانوا ربّما يجيبون السائل علىٰ مذاق ملك ذلك الزمان ، أو ما هو مشهور من فتاويهم المنقولة عن فقهائهم ، وربّما كان السائل من أهل الخلاف ، حتّىٰ أنّه ليختلف الجواب من الإمام عليه‌السلام باختلاف السائل في اعتقاداتهم ، وقد يكون من الشيعة ولكن يخاف علىٰ شيعته من إظهار مذهبهم ، فيجيبه بما يوافق مذاهب أهل زمانه ، وقد يخالف عليه‌السلام بين شيعته في الأجوبة فيختلفوا ؛ لئلّا يعرف لهم مذهب يعرفون به فيؤاخذون.

وقد ورد عنهم عليهم‌السلام : «أنا خالفت بينكم لتسلموا ، وخالفت بينكم لئلّا تضرب أعناقكم» ، فهذا سبب اختلاف الروايات المرويّة من النبي صلى‌الله‌عليه‌وآلهوآله الهداة.

[أخذ الأحكام في الخبرين المتعارضين] :

وإن كان استشكالك في كيفية مأخذ الحكم منها ، مع ما فيها من الاختلاف ، وكيف يعمل الناظر فيها ، فاعلم أنّ أصحابنا ـ رضوان الله عليهم ـ قد اختلفوا ؛ لاختلاف الأنظار فيما ورد عنهم عليهم‌السلام في الترجيحات عند تعارض الروايات.

ففي مقبولة (عمر بن حنظلة) : «قال : سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن رجلين من أصحابنا(١) ، يكون(٢) بينهما منازعة في دين أو ميراث ، فيتحاكمان(٣) إلىٰ السلطان وإلىٰ القضاة ، أيحلّ ذلك؟

قال(٤) عليه‌السلام : مَن تحاكم إليهم في حقّ أو باطل ؛ فإنّما تحاكم إلىٰ الطاغوت ، وما

__________

(١) ليست في (ب).

(٢) كذا في التهذيب.

(٣) في الكافي : فتحاكما.

(٤) في التهذيب : فقال.

۲۲۵

يحكم له فإنّما يأخذ سحتاً ، وإن كان حقّاً(١) [ثابتاً] له(٢) ؛ لأنّه قد(٣) أخذه بحكم الطاغوت ، وقد أمر الله أن يكفروا به(٤) ، قال الله : ﴿يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ(٥) (٦). قلت : كيف(٧) يصنعان؟

قال : ينظران إلىٰ من كان منكم [ممّن] قد روىٰ حديثنا ، ونظر في حلالنا (وحرامنا ، وعرف أحكامنا ، فأرضوا(٨) به حكماً ؛ فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً)(٩) ، فإذا حكم بحكم(١٠) فلم يقبل(١١) منه ، فإنّما استخفّ بحكم الله(١٢) ، وعلينا ردّ ، والرادّ علينا الرادّ علىٰ الله ، وهو (١٣) علىٰ حدّ الشرك بالله.

قلت : فإن كان كلّ رجل(١٤) يختار(١٥) رجلاً (من أصحابنا ، فرضيا أن يكونا

__________

(١) في التهذيب : حقّهُ.

(٢) ليست في التهذيب.

(٣) ليست في المخطوطتين ولا ضمن رواية الكافي وإنّما من التهذيب.

(٤) في (ب) والتهذيب : وقد أمروا أن يكفروا به ، وما أثبتناه من (أ) والكافي.

(٥) سورة النساء ، الآية : ٦٠.

(٦) الآية الكريمة ليست في (ب) ولا في التهذيب.

(٧) في التهذيب : وكيف ، وفي الكافي : فكيف.

(٨) في التهذيب والكافي : فليرضوا.

(٩) ما بين القوسين (١) ليست في (أ).

(١٠) في التهذيب والكافي : بحكمنا.

(١١) في التهذيب والكافي : يقبله.

(١٢) في التهذيب : فإنّما بحكم الله استخفّ.

(١٣) في التهذيب : فهو.

(١٤) في التهذيب : واحد منهما.

(١٥) في التهذيب والكافي : اختار.

۲۲۶

الناظرين في حقّهما ، واختلفا فيما حكما)(١) ، وكلاهما اختلفا(٢) في حديثكم(٣).

قال : الحكم ما حكم به أعدلهما ، وأفقههما ، وأصدقهما في الحديث ، وأورعهما ، ولا يلتفت إلىٰ ما يحكم به الآخر.

قال ، قلت(٤) : فإنّهما عدلان مرضيّان عند أصحابنا ، لا يفضل واحد منهما علىٰ الآخر(٥).

قال : فقال : ينظر (إلىٰ مكان)(٦) من روايتهما(٧) عنّا(٨) في ذلك [الذي حكما] به(٩) ، المجمع عليه بين(١٠) أصحابك ، فيؤخذ به من حكمنا ، (الذي حكما به)(١١) ، ويترك الشاذّ(١٢) الذي ليس(١٣) مشهوراً(١٤) عند أصحابك ؛ فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه.

وإنّما الأمور ثلاثة : أمر بيّن رشده فيتّبع ، وأمر بيّن غيّه فيجتنب ، وأمر مشكل

__________

(١) ما بين القوسين ( ) ليست في التهذيب.

(٢) في الكافي : اختلف.

(٣) في التهذيب : حديثنا.

(٤) في التهذيب : فقلتُ.

(٥) في التهذيب : «ليس يتفاضل كلّ واحد منهما علىٰ صاحبه» ، وفي الكافي : صاحبه.

(٦) في التهذيب : ما كان.

(٧) في الكافي : روايتهم.

(٨) ليست في التهذيب.

(٩) كذا في الكافي.

(١٠) ليست في التهذيب ، وفي الكافي : من.

(١١) ما بين القوسين (١٨) ليست في التهذيب والكافي.

(١٢) في (ب) : الشاذّ النادر.

(١٣) في (أ) : الغير.

(١٤) في التهذيب والكافي : بمشهور.

۲۲۷

يردّ علمه(١) إلىٰ الله وإلىٰ رسوله ، قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : حلال بيّن ، وحرام بيّن ، وشبهات بين ذلك ، فمن ترك الشبهات نجا من المحرّمات ، ومن أخذ بالشبهات ارتكب المحرّمات وهلك من حيث لا يعلم(٢).

قلت : فإن كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهما الثقات عنكم؟

قال : ينظر ، فما وافق حكمه حكم الكتاب والسنّة وخالف(٣) العامّة ، (فيؤخذ به ، ويترك ما خالف حكمه حكم الكتاب والسنّة ووافق العامّة)(٤).

قلت : جعلت فداك ، أرأيت(٥) ، إن كان الفقيهان(٦) عرفا(٧) حكمه من الكتاب والسنّة(٨) ، فوجدنا(٩) أحد الخبرين موافقاً للعامّة ، والآخر مخالفاً لهم ، بأيّ الخبرين يؤخذُ(١٠).

قال : ما خالف(١١) العامّة ، ففيه(١٢) الرشاد.

__________

(١) في التهذيب : حكمه.

(٢) في التهذيب : لا يعلمه.

(٣) ليست في (أ).

(٤) ما بين القوسين () ليست في (ب).

(٥) ليست في (ب).

(٦) في التهذيب : إنّ الخصمين غبي عليهما.

(٧) في التهذيب : معرفة.

(٨) في التهذيب : كتاب وسنّة.

(٩) في التهذيب والكافي : ووجدنا.

(١٠) في التهذيب : نأخذ.

(١١) في التهذيب : بما خالف.

(١٢) في التهذيب : فإنّ فيه.

۲۲۸

فقلت(١) : جعلت فداك ، فإن وافقهما الخبران جميعاً؟

قال : ينظر إلىٰ ما هم إليه أميل حكّامهم وقضاتهم فيترك ، ويؤخذ بالآخر.

قلت : فإن وافق حكّامهم الخبرين جميعاً.

قال : إذا كان ذلك فأرجِه حتّىٰ تلقىٰ إمامك ؛ فإنّ الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات»(٢).

وروىٰ أئمّة الحديث الثلاثة(٣) ـ قدّس الله أرواحهم ـ بسندهم ، عن داود بن الحُصين ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام : «في رجلين اتّفقا علىٰ عدلين ، جعلاهما [بينهما] في حكم وقع(٤) بينهما [فيه(٥) خلاف ، فرضيا بالعدلين ، واختلف(٦) العدلان بينهما] ، عن(٧) قول أيّهما يمضي الحكم؟

فقال : ينظر إلىٰ أفقههما وأعلمهما بأحاديثنا وأورعهما ، فينفذ حكمه ، ولا يلتفت إلىٰ الآخر»(٨).

__________

(١) في التهذيب : قلتُ.

(٢) تهذيب الأحكام ٦/٣٤٥ ، باب الزيادات ٩٢ من الزيادات في القضايا والأحكام ، رقم الحديث : (٣٣٥/٥١) ؛ الكافي ١/١٦٧ ، كتاب (٢) فضل العلم ، باب : (٢١) اختلاف الحديث ، حديث رقم : (٢٠٢/١٠).

(٣) أئمّة الحديث الثلاثة هم : الكليني والصدوق والطوسي.

(٤) ليست في (أ).

(٥) ليست في التهذيب.

(٦) في من لا يحضره الفقيه : فاختلف.

(٧) في من لا يحضره الفقيه : علىٰ.

(٨) تهذيب الأحكام ٦/٣٤٥ ، باب : (٩٢) من الزيادات في القضايا والأحكام ، رقم

۲۲۹

وعن سماعة بن مهران ، قال : سألت أبا عبد الله عليه‌السلام ، قال : «قلت : يرد علينا حديثان ، واحد يأمرنا نعمل به(١) ، والآخر ينهانا (عن العمل به)(٢)؟

قال : لا تعمل بواحد [منهما] حتّىٰ تلقىٰ صاحبك ، فتسأله عنه.

قال ، قلت : لابدّ [من] أن يعمل بأحدهما(٣).

قال : اعمل(٤) بما فيه خلاف العامّة»(٥).

وعن الحسن بن الجهم ، قال : قلت للرضا عليه‌السلام : «تجيئني(٦) الأحاديث عنكم مختلفة.

قال : ما جاءك [عنّا] اعرضه(٧) علىٰ كتاب الله عزوجل وأحاديثنا ، فإن كان ذلك(٨) يشبههما فهو منّا ، وإن لم يكن يشبهها فليس منّا»(٩).

__________

الحديث : (٣٣٣/٤٩) ، من لا يحضره الفقيه ٣/٨ ، باب : (٣٢٣) الاتّفاق علىٰ عدلين في الحكومة ، حديث رقم : (٣٢٣٥/١).

(١) في الاحتجاج : يأمرنا بالأخذ به.

(٢) ما بين القوسين (٨) ليست في الاحتجاج ، وفي موضعها : ينهانا عنه؟

(٣) في الاحتجاج : نعمل بواحد منهما.

(٤) في الاحتجاج : خذ.

(٥) الاحتجاج ٢/٢٦٥ ، احتجاجات الإمام أبي عبد الله جعفر بن محمّد الصادق ‘ ، رقم : (٢٣٥).

(٦) في الاحتجاج ووسائل الشيعة : تجيئنا.

(٧) في الاحتجاج ووسائل الشيعة : فقس.

(٨) ليست في الاحتجاج ووسائل الشيعة.

(٩) الاحتجاج ٢/٢٦٤ ، في ردّ الأحاديث الواردة إلىٰ كتاب الله ، رقم : (٢٣٣). وسائل الشيعة ٢٧/١٢١ ، الباب : (٩) وجوه الجمع بين الأحاديث المختلفة وكيفية العمل بها ، رقم : (٣٣٣٧٣/٤٠).

۲۳۰

وعن زرارة بن أعين ، قال : سألت الباقر عليه‌السلام ، فقلت : «جعلت فداك ، يأتي عنكم الخبران أو الحديثان المتعارضان ، فبأيّهما آخذ(١).

فقال عليه‌السلام : يا زرارة ، خُذ بما اشتهر بين أصحابك(٢) ، ودع الشاذّ النادر.

فقلت : يا سيّدي ، إنّهما معاً مشهوران مرويّان ، مأثوران [عنكم].

فقال عليه‌السلام : خذ بما يقول(٣) أعدلهما عندك ، وأوثقهما في نفسك.

فقلت : إنّهما معاً عدلان مرضيّان موثّقان.

فقال : انظر [إلىٰ] ما وافق منهما [مذهب] العامّة فاتركه ، وخذ بما خالفه(٤) ؛ فإنّ الحقّ فيما خالفهم.

فقلت : ربّما كانا [معاً] موافقين لهم أو مخالفين ، فكيف أصنع.

فقال : إذن فخذ بما(٥) فيه الحائطة لدينك ، واترك ما خالف الاحتياط.

فقلت : إنّهما معاً موافقان للاحتياط أو مخالفان له ، فكيف أصنع.

فقال عليه‌السلام : إذن فتخيّر أحدهما فتأخذ به وتدع الآخر»(٦).

وفي رواية أنّه عليه‌السلام قال : «إذن فأرجِه حتّىٰ تلقىٰ إمامك فتسأله»(٧).

وعن سماعة ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال : «سألتُه عن رجل اختلف عليه

__________

(١) في (أ) : نأخذ.

(٢) في (أ) : أصحابكم.

(٣) في عوالي اللآلئ العزيزة : خذ بقول.

(٤) في عوالي اللآلئ العزيزة : بما خالفهم.

(٥) ليست في (ب).

(٦) عوالي اللآلئ العزيزة ٤/١٣٣ ، في الأحاديث المتعلّقة بالعلم وأهله وحامليه ، حديث رقم : (٢٢٩).

(٧) عوالي اللآلئ العزيزة ، المصدر نفسه ، حديث رقم : (٢٣٠).

۲۳۱

رجلان من أهل دينه في أمر كلاهما يرويه ، أحدهما [يأمر] بأخذه ، والآخر ينهاه [عنه] ، كيف يصنع؟

قال : يرجئه حتّىٰ يلقىٰ من يخبره ، فهو في سعة حتّىٰ يلقاه».

وفي رواية أخرى : «بأيّهما أخذت من باب التسليم وسعك»(١).

وعن أحمد بن الحسن الميثمي ، أنّه سأل الرضا عليه‌السلام يوماً ، وقد اجتمع عنده قوم من أصحابه ، و [قد] كانوا يتنازعون في الحديثين المختلفين عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآلهفي الشيء الواحد.

فقال عليه‌السلام : «ما(٢) ورد عليكم من حديثين(٣) مختلفين فاعرضوهما علىٰ كتاب الله ، فما كان في كتاب الله موجوداً حلالاً أو حراماً ، فاتّبعوا ما وافق الكتاب ، وما لم يكن في الكتاب فاعرضوه علىٰ سنن (رسول الله)(٤) صلى‌الله‌عليه‌وآله ... فاتّبعوا ما وافق نهي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآلهوأمره ، وما كان في السنّة نهي إعافة أو كراهة.

ثمّ كان الخبر الآخر خلافه ، فذلك رخصة فيما عافه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآلهوكرهه ولم يحرّمه ، فذلك الذي يسع الأخذ بهما جميعاً ، و (٥) بأيّهما شئت وسعك الاختيار ، من باب التسليم ، والاتّباع والردّ إلىٰ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وما لم تجدوه في شيء من

__________

(١) الكافي ١/١٦٥ ، كتاب : (٢) فضل العلم ، باب : (٢١) اختلاف الحديث ، حديث رقم : (١٩٩/٧).

(٢) في عيون أخبار الرضا عليه‌السلام : فما.

(٣) في عيون أخبار الرضا عليه‌السلام : خبرين.

(٤) ما بين القوسين (١) ليست في عيون أخبار الرضا عليه‌السلام ، وموضعها : النبي.

(٥) في عيون أخبار الرضا عليه‌السلام : أو.

۲۳۲

هذه(١) الوجوه فردّوا إلينا علمه ، فنحن أولىٰ بذلك ، ولا تقولوا فينا(٢) بآرائكم ، وعليكم بالكفّ والتثبّت والوقوف ، وأنتم طالبون باحثون حتّىٰ يأتيكم البيان من عندنا»(٣).

وعن الحارث بن المغيرة ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال : «إذا سمعت من أصحابك الحديث وكلّهم ثقة ، فموسّع عليك حتّىٰ ترىٰ القائم عليه‌السلام »(٤) ، إلىٰ غير ذلك من الروايات الواردة في الترجيحات عند تعارض الأخبار.

وأنت إذا تأمّلت في أقوال أصحابنا ـ رضي الله عنهم ـ واختلافهم ، رأيت أنّ سبب ذلك أكثره من اختلاف أنظارهم ـ رضوان الله عليهم ـ في العمل بالمرجّحات. هذا بالنسبة إلىٰ الروايات.

[أسباب أخرىٰ في اختلاف الفقهاء] :

وقد يكون سبب الاختلاف اختلافهم في حجّية المفاهيم أو بعضها ، و [الـ]ـبراءة الأصليّة ، والاستصحاب ، وقياس الأولوية ، ومنصوص العلّة ، وحجّية خبر الواحد.

وإمكان تحصيل الإجماع في الأعصار المتأخّرة عن أيّام المعصومين أو ما يقرب

__________

(١) ليست في عيون أخبار الرضا عليهم‌السلام.

(٢) في عيون أخبار الرضا عليهم‌السلام : فيه.

(٣) عيون أخبار الرضا عليهم‌السلام ٢/٢٥٠ ، باب : (٣٠) فيما جاء عن الرضا عليهم‌السلام من الأخبار ، حديث رقم : (٤٥).

(٤) الاحتجاج ٢/٢٦٤ ، احتجاجات الإمام أبي عبد الله جعفر بن محمّد الصادق ‘ ، حديث رقم : (٢٣٤).

۲۳۳

منها ، كأيّام الغيبة الصغرىٰ وما بعدها بقليل ، قبل انتشار الإسلام والتشيّع والعلماء وغير ذلك ، وقد يكون الاختلاف في بعض التفريعات ، فبعض يدخلها في عموم وإطلاق ، وبعض يحكم بالبراءة الأصليّة أو الاستصحاب أو غير ذلك ، وهذا الاختلاف الحاصل من أجل هذه الأسباب المذكورة لا يوجب قدحاً في العلماء ، أخباريّين كانوا أو أصوليّين.

[عمل العالم الفقيه في القضاء والحكم بنظره] :

فمهما اتّصف العالم بالأوصاف المذكورة في (مقبولة عمر بن حنظلة) ، بأن كان راوياً لأحاديث أهل البيت عليهم‌السلام ، ناظراً في حلالهم وحرامهم ، عارفاً بأحكامهم ، كان الواجب عليه أن يعمل بما آتاه الله سبحانه وأدّىٰ إليه نظره ، ولا يلتفت إلىٰ قول غيره ، بل لو اختلف نظره (لاختلاف الأوقات ، كان الواجب عليه العمل بما يؤدّيه إليه نظره)(١) حال العمل ، ويجوز لسائر الرعية الأخذ بقوله ، بل قد يتعيّن إذا لم يكن غيره أو أعلم منه ؛ لقوله عليه‌السلام : «فاجعلوه حكماً عليكم(٢) ، فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً»(٣).

ولما في التوقيع المهدوي(٤) ـ عجّل الله فرجه في خير ، وصلّىٰ الله عليه وعلىٰ آبائه الطاهرين ـ من قوله عليه‌السلام : «أمّا الحوادث الواقعة ، فارجعوا فيها إلىٰ رواة

__________

(١) ما بين القوسين (١) ليست في (ب).

(٢) في (ب) : عليكم حاكماً.

(٣) تقدّم نصّ الرواية : «فارضوا به حكماً ، فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً».

(٤) في (ب) : المهدي. وهو ممّا كتبه الإمام الحجة عليه‌السلام جواباً لإسحاق بن يعقوب إلىٰ العمري رحمه‌الله ثاني الوكلاء الأربعة.

۲۳۴

حديثنا ، فإنّهم حجّتي عليكم وأنا حجّة الله عليهم(١)»(٢).

فالعالم الموصوف بالصفات المذكورة ، الثقة ، إذا نظر إلىٰ الأحاديث وجب عليه العمل بما يؤدّيه نظره إليه من غير اعتراض عليه.

ولا يستشكل عليك الأمر ، ولا تضيق بك الطرق.

ويأتي بقية الكلام في الجواب عن المسألة الثالثة(٣) ـ إن شاء الله تعالىٰ ـ.

[دستور العمل بالأخبار المختلفة] :

وإن أردت دستور العمل بالأخبار المختلفة ، وكيفية معرفة الحكم منها ، فقد ذكرنا لك أنّ لكلّ مذاقاً أو مذهباً ، كما قال الله تعالى : ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا(٤) ، إلّا أنّ ما ذكره شيخ الطائفة في أوّل التهذيب والاستبصار ليس ببعيد عن الاعتبار ، والعمل بما هناك هو طريق العمل بالأخبار.

قال رحمه‌الله في الاستبصار(٥) : «واعلم أنّ الأخبار علىٰ ضربين : متواتر وغير متواتر.

فالمتواتر منها : ما أوجب العلم ، (فما هذا سبيله يجب العمل به من غير توقّع شيء ينضاف إليه ، ولا أمر يقوىٰ به ، ولا يرجّح به علىٰ غيره)(٦) ، وما يجري هذا

__________

(١) ليست في الاحتجاج.

(٢) كمال الدين وتمام النعمة : ٤٤٠ ، باب : (٤٥) ذكر التوقيعات الواردة عن القائم عليه‌السلام ، حديث رقم : (٤) ، الاحتجاج ٢/٥٤٣ ، حديث رقم : (٣٤٤).

(٣) في (أ) : الثانية.

(٤) سورة المائدة ، الآية : ٤٨.

(٥) الاستبصار ١/٢ ، مقدّمة المؤلّف.

(٦) ما بين القوسين () ليست في (أ).

۲۳۵

المجرىٰ لا يقع فيه التعارض ولا التضادّ في أخبار النبي صلى‌الله‌عليه‌وآلهوالأئمّة عليهم‌السلام.

وما ليس بمتواتر علىٰ ضربين : فضرب منه يوجب العلم أيضاً ، وهو كلّ خبر تقترن إليه قرينة توجب العلم ، وما يجري هذا المجرىٰ يجب أيضاً العمل به ، وهو لاحق بالقسم الأوّل.

والقرائن أشياء كثيرة ، منها : أن تكون مطابقة لأدلّة العقل ومقتضاه.

ومنها : أن تكون مطابقة لظاهر(١) القرآن(٢) ، إمّا لإطلاقه(٣) أو عمومه ، أو دليل خطابه أو فحواه ، فكلّ هذه القرائن توجب العلم ، وتخرج الخبر عن خبر(٤) الآحاد وتدخله في باب المعلوم.

ومنها : أن تكون مطابقة للسنّة المقطوع بها ، إمّا صريحاً أو دليلاً ، أو فحواً أو عموماً.

ومنها : أن تكون مطابقة لما أجمع عليه المسلمون(٥).

ومنها : أن تكون مطابقة لما اجتمعت عليه الفرقة المحقّة.

فإنّ جميع هذه القرائن تخرج الخبر من حيّز الآحاد وتدخله في باب المعلوم وتوجب العمل به.

وأمّا القسم الآخر : فهو كلّ خبر لا يكون متواتراً أو (٦) يتعرّىٰ من [كلّ]

__________

(١) ليست في المصدر.

(٢) في المصدر : للقرآن.

(٣) في المصدر : لظاهره.

(٤) في المصدر : حيّز.

(٥) في المصدر : المسلمون عليه.

(٦) في المصدر : من.

۲۳۶

واحد من هذه القرائن ، فإنّ ذلك خبر واحد ويجوز العمل به علىٰ شروط ، فإذا كان الخبر لا يعارضه خبر آخر ، فإنّ ذلك يوجب العمل به ؛ لأنّه من الباب الذي عليه الإجماع في النقل ، إلّا أن تعرف فتاواهم بخلافه ، فيترك لأجلها العمل [به] ، وإن كان هناك ما يعارضه فينبغي أن ينظر في المتعارضين ، فيعمل علىٰ أعدل الرواة في الطريق(١) ، وإن كانا سواء في العدالة عمل علىٰ أكثر الرواة عدداً ، وإن كانا متساويين في العدالة والعدد وهما عاريان من جميع القرائن التي ذكرناها نظر ، فإن كان متىٰ عمل بأحد الخبرين أمكن العمل بالآخر علىٰ بعض الوجوه وضرب من التأويل ، كان العمل به أولىٰ من العمل بالآخر الذي يحتاج مع العمل به إلىٰ طرح الخبر الآخر ؛ (لأنّه يكون العامل بذلك عاملاً بالخبرين معاً ، وإن(٢) كان الخبران)(٣) يمكن العمل بكلّ واحد منهما وحمل الآخر علىٰ بعض الوجوه من التأويل ، وكان لأحد التأويلين خبر يعضده أو يشهد به علىٰ بعض الوجوه ، صريحاً أو تلويحاً ، لفظاً أو دليلاً ، وكان الآخر عارياً من ذلك ، كان العمل به أولىٰ من العمل بما لا يشهد له شيء من الأخبار.

وإذا لم يشهد لأحد التأويلين خبر آخر وكان متحاذياً ، كان العامل مخيّراً في العمل بأيّهما شاء.

وإذا لم يمكن العمل بأحد(٤) الخبرين إلّا بعد طرح الآخر جملة ؛ لتضادّهما

__________

(١) في المصدر : في الطريقين.

(٢) في المصدر : وإذا.

(٣) ما بين القوسين () ليست في (ب).

(٤) في المصدر : بواحد من.

۲۳۷

وبعد التأويل بينهما كان العامل أيضاً مخيّراً في العمل بأيّهما شاء من جهة التسليم ، ولا يكون العاملان بهما علىٰ هذا الوجه إذا اختلفا وعمل كلّ واحد منهما علىٰ خلاف ما عمل عليه الآخر مخطئاً ولا متجاوزاً حدّ الصواب.

إذ روي عنهم عليهم‌السلام أنّهم قالوا : «إذا ورد عليكم حديثان ، ولا تجدون ما ترجّحون به أحدهما علىٰ الآخر ممّا ذكرناه ، كنتم مخيّرين في العمل بهما»(١).

و [لأنّه] إذا ورد الخبران المتعارضان وليس بين الطائفة إجماع في(٢) صحّة أحد الخبرين ولا علىٰ إبطال الخبر الآخر فكأنّه إجماع علىٰ صحّة الخبرين ، وإذا كان إجماعاً علىٰ صحّتهما كان العمل بهما جائزاً سائغاً». انتهىٰ كلامه رحمه‌الله في الاستبصار ، الذي يتعلّق بهذا المعنى.

وأقول : لم يذكر رحمه‌الله الاحتياط والتقية ، ولا الإرجاء حتّىٰ يلقىٰ الإمام ، والظاهر أنّ الإرجاء لا يكون إلّا في حال يسع فيه عدم العمل ، ويتمكّن من الإمام.

ولعلّه أدخل التقية والاحتياط في قوله : (علىٰ [بعض الـ]ـوجوه من التأويل) والله العالم بحقائق الأحوال.

__________

(١) في (ب) : العمل بهما ولا بظاهر ذا.

(٢) في المصدر : علىٰ.

۲۳۸

[المسألة الثانية]

[الروايات هل هي قطعية الدلالة والصدور]

المسألة الثانية : إنّ الطرق إلىٰ الرواية عنهم عليهم‌السلام ، هل(١) هي قطعية سنداً ومتناً ، كما عليه مولانا (محمّد أمين الآستر آبادي) ، وشيّد أركانه (الميرزا محمّد النيشابوري) وادّعائه عصمة الرواة(٢).

الجواب ـ ونسأل الله سبحانه العناية واستمداد الصواب ـ : الظاهر أنّ(٣) في العبارة غلطاً من النسخ أو عدم التعبير بما ينبغي.

والمراد : أنّ الروايات قطعية الدلالة والصدور ، أم لا؟

وهذا قول مشهور بين المحدّثين ، إلّا أنّ أصحابنا المجتهدين وكثيراً من المحدّثين علىٰ أنّ الأخبار ظنّية الدلالة متناً وسنداً ، كما أنّ القرآن قطعي الصدور ، ظنّي الدلالة.

وإذا تأمّل السالك لجادّة الإنصاف والمجتنب لطريق الاعتساف تبيّن له أنّ القول : بأنّها قطعية سنداً ومتناً مكابرة محضة ؛ لأنّه كيف تكون قطعية الدلالة وقد سمعت ما أوردناه في المسألة السابقة من حديث (سليم بن قيس الهلالي) وبمضمونه أحاديث كثيرة ، فإن كان يحتمل أن يكون معناه غير ما ذكرنا لم تكن الأحاديث قطعية الدلالة ؛ لأنّه منها ، وإن كان يحتمل كونه موضوعاً لم تكن

__________

(١) في (ب) : بل.

(٢) نسبة ادّعاء العصمة من السائل لهما لم أقِفْ عليه في مؤلّفاتهم ، ولم يذكر ذلك في كتب العلماء بأنّهم ادّعوا ذلك ، ويظهر أنّ السائل مشتبه في قوله هذا ، ويظهر هذا ما دعا المصنّف رحمه‌الله يقول في بداية الجواب : «في العبارة غلطاً من النسخ أو عدم التعبير بما ينبغي».

(٣) ليست في (أ).

۲۳۹

الأحاديث أيضاً قطعيّة السند.

نعم ، قد يكون بعض الأحاديث قطعياً إذا اعتضد ببعض القرائن المذكورة في المسألة السابقة.

[تعدّد مذاهب وصفات الرواة] :

وكيف تكون الطرق إلىٰ الرواية عنهم عليهم‌السلام قطعية وفي الرواة ما أجمع علىٰ تصحيح ما يصحّ عنه ، وفيهم من لولاهم لاندرست آثار النبوّة(١) ، وفيهم غالي المذهب والواقفي(٢) ، والفطحي(٣) والناوسي(٤) ، والكذّاب ابن الكذّاب ، وفيهم

__________

(١) عن جميل بن درّاج ، قال : سمعت أبا عبد الله عليهم‌السلام يقول : «بشّر المخبتين بالجنّة : بريد بن معاوية العجلي ، وأبو بصير ليث البختري المرادي ، ومحمّد بن مسلم ، وزرارة ، أربعة نجباء ، أمناء الله علىٰ حلاله وحرامه ، لولا هؤلاء انقطعت آثار النبوّة واندرست». (اختيار معرفة الرجال : ١٥١ ، حديث رقم : (٢٨٦/٢))

(٢) الواقفية : «وهم الذين وقفوا علىٰ مولانا الكاظم عليهم‌السلام ، كما هو المعروف من هذا اللفظ حيثما يطلق ... ووجه الإطلاق ظاهر ، وإنّما وقفوا علىٰ الكاظم عليهم‌السلام بزعم أنّه القائم المنتظر ، إمّا بدعوىٰ حياته وغيبته ، أو موته وبعثته ، مع تضليل من بعده بدعوىٰ الإمامة ، أو باعتقاد أنّهم خلفاؤه وقضاته إلىٰ زمان ظهوره ... وربّما يطلق الواقفي علىٰ من وقف علىٰ غير الكاظم عليهم‌السلام ، كمن وقف علىٰ أمير المؤمنين عليهم‌السلام أو وقف علىٰ الصادق عليهم‌السلام أو الحسن العسكري عليهم‌السلام ... لكن مع التقييد بالموقوف عليه ، كما يقال : الواقفة علىٰ الصادق عليهم‌السلام ». (راجع : مقباس الهداية ٢/٦٧).

(٣) الفطحيّة : «هم القائلون بإمامة الأئمّة الاثني عشر عليهم‌السلام مع عبد الله الأفطح بن الصادق عليهم‌السلام ، يدخلونه بين أبيه وأخيه ... وقال بعضهم : نسبوا إلىٰ رئيس لهم يقال له : عبد الله بن فطيح من أهل الكوفة» (راجع : مقباس الهداية في علم الدراية ٢/٦٤).

(٤) الناوسي أو الناووسيّة : «أتباع رجل يقال له : ناووس. وقيل نسبوا إلىٰ قرية ناوسيا ، وهم القائلون بالإمامة إلىٰ مولانا الصادق عليهم‌السلام ووقفوا عليه ، وقالوا : إنّه حيّ لن يموت ، يظهر

۲۴۰

المتّفق علىٰ ضعفه ، وفيهم مجهول الحال ، وفيهم المهمل ، وكلّ ذلك ظاهر ، يعرفه كلّ من له أدنىٰ اطّلاع علىٰ حال الحديث والروايات مع ما ينضمّ إلىٰ ذلك من اتّفاق الأصحاب علىٰ ترك العمل ببعض الروايات.

وقول الصدوق رحمه‌الله في أوّل الفقيه : «إنّي لم أقصد ذكر كلّما أرويه ، بل ما اعتمد عليه وأعمل به»(١) ، أدلّ دليل علىٰ أنّه يروي شيئاً لا يعمل به ، بل أنّه في الكتاب المذكور كثيراً ما يقول : هذا ممّا تفرّد به فلان ولا أعمل به.

وفي التهذيب والاستبصار كثيراً ما يقول الشيخ ـ رضي الله عنه ـ هذه رواية رواها علي بن حديد(٢) ، وهو ضعيف ، أو وهب بن وهب(٣) وهو الكذّاب ابن الكذّاب.

وهذا كلّه ينافي القول بأنّ الطرق إلىٰ الرواية عنهم قطعية سنداً ومتناً ، وأنّىٰ لمدّعي ذلك إثباته ، وربّما لا ترىٰ حديثاً إلّا وللأصحاب فيه كلام ، إمّا في طريقه أو

__________

ويظهر أمره ، وهو القائم المهدي» (راجع : مقباس الهداية ٢/٦٦).

(١) نصّ ما ذكر الصدوق رحمه‌الله في المقدّمة : «ولم أقصد فيه قصد المصنّفين في إيراد جميع ما رووه ، بل قصدت إلىٰ إيراد ما أفتي به وأحكم بصحّته وأعتقد فيه أنّه حجّة فيما بيني وبين ربّي». (راجع : من لا يحضره الفقيه ١/٣).

(٢) «علي بن حديد بن حكيم المدائني الأزدي الساباطي ، روىٰ عن أبي الحسن موسى عليهم‌السلام. له كتاب ، روىٰ عنه علي بن فضّال». (راجع : رجال النجاشي : ٢٧٤ ، رقم : (٧١٧)).

(٣) «وهب بن وهب بن عبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطّلب بن أسد بن عبد العزّىٰ أبو البختري. روىٰ عن أبي عبد الله عليهم‌السلام ، وكان كذّاباً ، وله أحاديث مع الرشيد ... روىٰ عنه السندي بن محمّد ، له كتاب الولاية والروايات ، وكتاب مولد أمير المؤمنين عليهم‌السلام ، وكتاب صفات النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله». (راجع : رجال النجاسي : ٤٣٠ رقم : (١١٥٥) ، والفهرس للطوسي : ٢٤٨ رقم : (٦٦٥)).

۲۴۱

في متنه أو دلالته.

فاطرح هذا القول ولا تلتفت إليه ، وعليك بما أكثر الأصحاب عليه.

[ادّعاء عصمة الرواة] :

وأمّا ادّعاء عصمة الرواة فذلك مكابرة ـ نسأل الله سبحانه أن يعصمنا عن الخطأ في الجنان واللسان ، إنّه كريم منّان ـ فإذا بان عدم صدق الدعوىٰ فلا يحتاج إلىٰ الكلام في إبطالها ؛ لأنّه تكثير سواد وتضييع قرطاس والمداد ، وفيما تقدّم كفاية نسأل الله إلىٰ كلّ خير الهداية.

۲۴۲

[المسألة الثالثة]

[الفرق بين الأخباريّين والأصوليّين]

المسألة الثالثة : ما الفرق بين الأخباريّين والأصوليّين؟

الجواب : اعلم أنّه قد كثر في هذه المسألة الكلام ، والنقض والإبرام ، حتّىٰ أن الشيخ عبد الله بن صالح السماهيجي البحراني(١) صنّف رسالة في ذلك ، وذكر فيها الفرق بأربعين مسألة(٢).

[انتفاء الفارق بين الأخباريّين والأصوليّين] :

والحقّ الحقيق بأن يُتّبع علىٰ التحقيق أن ليس بينهما في الحقيقة افتراق ، بل هم متّفقون أتمّ الاتّفاق ؛ لأنّ كلّا من المجتهدين والأخباريّين قد بذل جهده في تحصيل الحكم من الأدلّة المأمور بالنظر إليها ، وكلّ من كان متّصفاً بالأوصاف المذكورة في (مقبولة عمر بن حنظلة) ، يجوز له العمل بما يؤدّي إليه نظره أصوليّاً كان أو أخباريّاً ، واختلاف الآراء والأنظار ، واختيار كلّ ما لا يختار الآخر يوجب

__________

(١) هو الشيخ عبد الله بن صالح بن جمعة بن شعبان بن علي بن أحمد بن ناصر بن محمّد بن عبد الله السماهيجي الاصبعي البحراني ، المتوفّىٰ ببهبهان ٩ جمادىٰ الثاني ١١٣٥هـ ، كان أخباريّاً ، وله من المصنّفات : الرسالة العلوية ، وأحكام النواصب ، وشرح أسانيد من لا يحضره الفقيه ، جواهر البحرين في أحكام الثقلين. (راجع : أنوار البدرين ١/٣٩٩ ؛ طبقات أعلام الشيعة ٩/٤٦١ ؛ تكملة أمل الآمل ٣/٣٤١).

(٢) اسم الرسالة : منية الممارسين في جوابات الشيخ ياسين. (راجع : روضات الجنّات ٤/ ٢٥٠ ، ترجمة رقم : (٣٩٠)).

۲۴۳

الافتراق.

ولا يذهب عليك تشنيع كلّ من الفريقين علىٰ الآخر ؛ لأنّك لو تأمّلت في ذلك لرأيته خارجاً عن جادّة الإنصاف(١) وربّما كان ذلك ، إمّا لأغراض أو قصور أو تقصير ، وكيف ذلك؟

وقد كتب صاحب الزمان ـ عجّل الله فرجه وسهّل مخرجه في خير ، وصلّىٰ الله عليه وعلىٰ آبائه الطاهرين ـ ثلاثة كتب(٢) ، في كلّ سنة كتاباً للشيخ الجليل محمّد ابن محمّد النعمان ، الأعلم ، الملقّب بالمفيد ، مشتملة علىٰ المدح المنبئ عن علوّ مرتبته وارتفاع رتبته ، والشيخ المذكور من أفاضل الأصوليّين.

وكان نسخة عنوان الكتاب إليه : «الأخ(٣) السديد ، والوليّ الرشيد ، الشيخ المفيد ، أبي عبد الله ، محمّد بن محمّد بن النعمان ـ أدام الله إعزازه ـ».

وفي أوّل الكتاب : «السلام عليك أيّها العبد الصالح والوليّ الناصح».

ومن جملة الكلام في الكتاب : «السلام(٤) عليك أيّها الأخ(٥) المخلص في الدين ، المخصوص [فينا] باليقين»(٦).

__________

(١) ليست في (ب).

(٢) التوقيع الأوّل في صفر سنة عشرة وأربعمائة ، والتوقيع الثاني يوم الخميس الثالث والعشرين من ذي الحجّة سنة اثنتي عشرة وأربعمائة ، وأمّا التوقيع الثالث مفقود لم تصل إلينا صورته كما ذكر السيّد أبو القاسم الخوئي في معجم رجال الحديث ١٨/٢٢٠.

(٣) في الاحتجاج : للأخ.

(٤) في الاحتجاج : سلام.

(٥) في الاحتجاج : الولي.

(٦) الاحتجاج ٢/٥٩٧ ، رقم : (٣٥٩).

۲۴۴

وفي الكتاب الآخر : «أمّا بعد(١) ؛ فقد(٢) أذن لنا في تشريفك في المكاتبة(٣) ، وتكليفك [فيها] بما تؤدّيه [عنّا] إلىٰ موالينا قبلك ـ أعزّهم الله بطاعته ، وكفاهم [المهمّ] برعايته [لهم] وحراسته ـ».

وفي التوقيع الثالث : «من عبد الله المرابط في سبيله إلىٰ ملهم الحقّ ودليله»(٤).

وهذا أوفىٰ مدح وتزكية ، ذكر ذلك يحيىٰ بن بطريق الحلّي(٥) في رسالته نهج العلوم إلىٰ نفي المعدوم(٦).

وقد ورد من الإمام أبي الحسن العسكري عليه‌السلام إلىٰ علي بن الحسين بن بابويه القمّي كتاب ، وفي أوّله : «بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله ربّ العالمين ... والصلاة علىٰ خير خلقه محمّد وآله أجمعين. أمّا بعد.

أوصيك يا أخي ومعتمدي أبا الحسن علي بن الحسين بن بابويه القمّي ـ وفّقك الله لمرضاته ـ» ، وفي آخره : «فاصبر يا شيخي ومعتمدي ، وأمر شيعتي بالصبر ، فإنّ الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتّقين. والسلام

__________

(١) ليست في المصدر.

(٢) في الاحتجاج : قد.

(٣) في الاحتجاج : تشريفك بالمكاتبة.

(٤) الاحتجاج ٢/٦٠٠ ، رقم : (٣٦٠).

(٥) هو الشيخ أبو الحسين ، يحيىٰ بن الحسن بن الحسين بن علي بن محمّد بن البطريق الحلّي ، المتوفّىٰ في شعبان سنة ٦٠٠هـ ، له مؤلّفات ، منها : اتّفاق صحاح الأثر في إمامة الاثني عشر ؛ وتصفّح الصحيحين في تحليل المتعة ؛ والردّ علىٰ أهل النظر في تصفّح أدلّة القضاء والقدر ؛ وخصائص الوحي المبين في مناقب أمير المؤمنين. (راجع : رياض العلماء ٦/١٢ ؛ روضات الجنّات ٨/١٩٦).

(٦) نهج العلوم إلىٰ نفي المعدوم في الجواب عن الأسئلة الحلبية.

۲۴۵

عليك ورحمة الله وبركاته»(١٠).

وفي هذا من المدح ما هو ساطع النور كأنّه نار علىٰ طور. وعلي بن بابويه من أجلّ مشايخ المحدّثين.

وقد صنّفنا في ذلك رسالة سمّيناها : (غاية نيل السؤل في الجمع بين أهل الأخبار والأصول) وهي كافية في ذلك وافية بما هنالك. وهي هذه :

[نصّ رسالة : غاية نيل السؤل في الجمع بين أهل الأخبار والأصول]

[توطئة] :

الحمد لله وليّ التوفيق ، وهادي المجاهدين في سبيله إلىٰ سواء الطريق ، والصلاة والسلام علىٰ علّة الإيجاد والتحقيق ، محمّد وآله ، الذي(١) من ركن إليهم ، فقد ركن إلىٰ ركن وثيق. وبعد.

__________

(١) ورد في (مناقب آل أبي طالب ٤/٤٥٩) : «ممّا كتب عليهم‌السلام إلىٰ أبي الحسن علي بن الحسين بن بابويه القمّي : اعتصمت بحبل الله. بسم الله الرحمن الرحيم ، والحمد لله ربّ العالمين ، والعاقبة للمتّقين ، والجنّة للموحّدين والنار للملحدين ، ولا عدوان إلّا علىٰ الظالمين ، ولا إله إلّا الله أحسن الخالقين ، والصلاة علىٰ خير خلقه محمّد وعترته الطاهرين ، منها : عليك بالصبر وانتظار الفرج ، قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله : (أفضل أعمال أمّتي انتظار الفرج) ، ولا يزال شيعتنا في حزن حتّىٰ يظهر ولدي الذي بشّر به النبي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً ، فاصبر يا شيخي ، يا أبا الحسن علي ، وأمر جميع شيعتي بالصبر ، فإنّ الأرض لله يورثها من يشاء من عباده ، والعاقبة للمتّقين ، والسلام عليك وعلىٰ جميع شيعتنا ورحمة الله وبركاته ، وصلّىٰ الله علىٰ محمّد وآله».

(٢) في (أ) : الذين.

۲۴۶

فيقول قليل البضاعة ، كثير الإضاعة ، تراب أقدام العلماء العظام ، وخادم حملة الكتاب وسنّة نبيّه ، محمّد وأهل بيته عليهم‌السلام ، الفقير إلىٰ الله الغفّار ، أحمد بن محمّد بن مال الله الصفّار : إنّه قد اشتهر في هذه الأعصار بين علماء الإمامية ـ غفر الله لهم أجمعين ـ اختلاف كثير ، أوجب افتراقهم فرقتين ، وتسمية كلّ فرقة منهم الأخرىٰ باسم ، فواحدة سُمّيت بالأخبارية والأخرىٰ بالأُصولية ، وسبّ جهّال كلّ فرقة منهم الأخرىٰ وتكفيرها ، وسبّ العلماء الراشدين ، وحملة السنّة والكتاب المبين ، من المتقدّمين والمتأخّرين ، فاشتهر ذلك بين الخاصّ والعامّ ، حتّىٰ صار حديثاً تتحدّث(١) به رعاة الأنعام ، لكن ذو العقل القويم والطبع المستقيم(٢) يعرف أنّ ذلك ليس من دأب العلماء ، الذين ورد فيهم أنّهم ورثة الأنبياء(٣) ، وأنّ مدادهم أفضل من دماء الشهداء(٤) ، بل دأب من هواه(٥) غالب ، ولدنياه طالب ، طلباً للرئاسة ، وهو لم يكن من أهلها ، وطمعاً في السياسة ، وهو لم يبلغ محلّها ، فلمّا اشتهر ذلك في البلاد وظهر بسببه الفساد ، وضعت هذه الرسالة الموسومة بـ : (نيل السؤل في الجمع بين أهل الأخبار والأصول) مبيّناً فيها سبب هذا الخلاف وما لأجله سمّيت(٦) كلّ فرقة باسم ، موضحاً أن ليس في الحقيقة خلاف ، مبرهناً

__________

(١) في (أ) : يتحدّث.

(٢) في (ب) : والصراط المستقيم.

(٣) الكافي ١/٨٢ ، كتاب : (٢) فضل العلم ، باب : (٤) ثواب العالم والمتعلّم ، حديث رقم : (٦١/١).

(٤) في (أ) وأنّ مدادهم يفضل دماء الشهداء. راجع : من لا يحضره الفقيه ٤/٣٩٨ ، حديث رقم : (٥٨٥٦/٩٢).

(٥) في (ب) : هو.

(٦) ليست في (ب).

۲۴۷

علىٰ ذلك بما لا شكّ فيه ولا شبهة تعتريه ، محرّراً بعض القواعد التي مرجع كلّ إليها ومعوّلهم عليها ، علىٰ سبيل الإجمال من غير تطويل ، بإيراد الدليل ، مبيّناً أنّ الطريقة واحدة متّفقة معنىٰ وإن اختلفت تسمية ؛ لعلّ الله أن ينفع بها من نظر إليها بعين بصيرته وصفاء سريرته.

وهي مرتّبة علىٰ فصلين وخاتمة ، مقدّماً أمام ذلك مقدّمة خارجة عن ذلك ، فيها نصيحة للمستنصحين وإرشاد للمسترشدين.

وما توفیقي إلا بالله عليه توكّلت وهو خير موفق ومعين

المقدّمة :

اعلم أيّها الفطن اللبيب ، الناظر بعين البصيرة وصفاء السريرة ، أنّه ينبغي للإنسان أن يعطي الإنصاف من نفسه ، فإذا جلس في حكومة أو مذاكرة لا تكن همّته القهر والغلبة ، مخطئاً أو مصيباً ، بل تكن همّته إظهار الحقّ له أو عليه ، وهذه طريقة من طلب العلم ، وتعلّمه وتعليمه قربة إلىٰ الله تعالىٰ لا يشوبه رياء ولا سمعة.

وأمّا من همّته القهر والغلبة فهو عدوّ للعلم لا طالبه ، فاحذر أن تكون من هذا القبيل ؛ لأنّ هؤلاء هم المضلّون عن سواء السبيل ، ولا تنظر إلىٰ من قال ، بل إلىٰ ما قيل. عصمنا الله وإخواننا المؤمنين من متابعة الشيطان ، وأدركنا برحمته إنّه كريم منّان.

۲۴۸

الفصل الأوّل

في ذكر سبب الاختلاف وتسمية كلّ فرقة منهم الأخرىٰ بما لا ترضىٰ أن ينسب إليها مدّعية أنّه نقص فيما ترى

[قول الأخبارية علىٰ الأصوليّين] :

قال(١) الأخباريّون : إنّ الأصوليّين يعملون بالرأي والاستحسان ، ودليل العقل والقياس والإجماع ، وكلّ ذلك لم يدلّ عليه دليل من كتاب ولا سنّة ، بل كلّها مأخوذة من قواعد العامة العمياء الذين يخالفون(٢) الله ورسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأحكام الله ـ جلّ وعلا ـ أجلّ من أن تُدرك بهذه القواعد التي نهي عن الرجوع إليها آية ورواية ، ومن حكم بحكم ما أخذه من هذه القواعد فقد حكم بما لم ينزل الله : ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ(٣) ، بل : ﴿الظَّالِمُونَ(٤) ، بل : ﴿الْكَافِرُونَ(٥).

وهو أُصولي ، أي : يأخذ الأحكام من الأصول التي لا أصل لها.

ويعـملون أيـضاً بالظـنّ ، وقد نهـي عن الركـون إليه فـي عـدّة آيات(٦)

__________

(١) في المخطوطتين : قالت.

(٢) في (ب) : خالفوا.

(٣) سورة المائدة ، الآية : ٤٧.

(٤) سورة المائدة ، الآية : ٤٥.

(٥) سورة المائدة ، الآية : ٤٤.

(٦) بعض الآيات التي ذكروها في كتبهم ، هي : في سورة يونس ، الآية : ٣٦ ، قال الله تعالى :

۲۴۹

وروايات(١).

[قول الأصولية علىٰ الأخبارية] :

وقال(٢) الأصوليّون : إنّ الأخباريّين يحكمون بالأحكام بمجرّد رؤية(٣) الرواية ، وظاهر الآية(٤) من غير نظر إلىٰ ناسخ ومنسوخ ، وعامّ وخاصّ ، ومطلق ومقيّد ، وأمر لوجوب أو استحباب ، ونهي لتحريم أو كراهة ، وغير ذلك ممّا يتوقّف

__________

﴿إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ، وفي سورة الجاثية ، الآية ٢٤ ، قال الله تعالى : ﴿وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ، وفي سورة البقرة الآية : ١٦٩ ، وفي سورة الأعراف ، الآية : ٣٣ ، قال تعالى : ﴿وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ، وفي سورة يونس ، الآية : ٥٩ ، قال تعالى : ﴿قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً قُلْ آللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ.

(١) ومن الروايات التي يعتمدون الأخبارية عليها بحرمة العمل بالظنّ كما في (مشارق الشموس الدرّية في أحقية مذهب الأخبارية) ، منها : عن مفضّل بن يزيد ، قال : قال لي أبو عبد الله عليه‌السلام : «أنهاك عن خصلتين ، فيهما هلك الرجال : أنهاك أن تدين الله بالباطل ، وتفتي الناس بما لا تعلم» (راجع : الكافي ١/١٠١ ، كتاب : (٢) فضل العلم ، باب : (١١) النهي عن القول بغير علم ، حديث رقم : (٩٩/١)).

قال الصادق عليه‌السلام فيما رواه الصدوق : «الحكم حكمان : حكم الله عزوجل ، وحكم أهل الجاهلية ، فمن أخطأ حكم الله عزوجل ، حكم بحكم الجاهلية ، ومن حكم بدرهمين بغير ما أنزل الله عزوجلفقد كفر بالله تعالى» (راجع : من لا يحضره الفقيه ٣/٤ ، باب : (٣١٦) أصناف القضاة ووجوه الحكم).

(٢) في المخطوطتين : وقالت.

(٣) ليست في (ب).

(٤) في (أ) : الرواية.

۲۵۰

معرفة الحكم علىٰ معرفته من(١) غير تأمّل وتفكّر في متن الحديث ورواته ، وعلوّ سنده وقوّته وضعفه ، وهذا خلاف قول الصادق عليه‌السلام ، حيث قال في المقبولة الحنظلية : انظروا إلىٰ رجل منكم «قد روىٰ حديثنا ، ونظر في حلالنا وحرامنا ، وعرف أحكامنا» إلخ ، أوجب عليه‌السلام الرجوع إلىٰ الراوي ، الناظر العارف.

فلو جاز العمل بمجرّد رؤية الرواية والآية لما أوجب النظر والمعرفة.

هذا وقد ورد عنهم عليهم‌السلام : «أنّا لا نعدّ الرجل فقيهاً حتّىٰ نُلحن له فيعرف اللحن»(٢) ، ومن عمل من غير نظر وتأمّل ، فقد حكم بما لم ينزل الله : ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ(٣) ، بل : ﴿الظَّالِمُونَ ، بل : ﴿الْكَافِرُونَ. والعامل بذلك أخباريّ ، أي : عامل بالأخبار من غير نظر وتأمّل.

[ردّ المصنّف علىٰ دعواهما] :

أقول : الدعوىٰ من غير بيان فجور وبهتان ، بل ما نسب كلّ إلىٰ خصمه لم يعمل به أحد من علماء الإمامية ـ رضوان الله عليهم أجمعين ـ من المتقدّمين والمتأخّرين والمعاصرين ، ومصنّفاتهم مشعرة بعدم العمل بذلك ، بل كانوا كلّهم يرجعون إلىٰ كتاب ربّهم(٤) وسنّة نبيّهم صلى‌الله‌عليه‌وآلهوأئمّتهم عليهم‌السلام ، وينظرون إلىٰ الناسخ والمنسوخ ، والعامّ والخاصّ ، والمطلق والمقيّد ، وينظرون في متن السند وإلىٰ

__________

(١) في (أ) : ومن.

(٢) عن أبي عبد الله عليهم‌السلام : «أنّا والله لا نعدّ الرجل من شيعتنا فقيهاً ، حتّىٰ يلحن له فيعرف اللحن». (راجع : مستدرك الوسائل ١٧/٣٤٥ ، باب : (١٥) نوادر ما يتعلّق بأبواب صفات القاضي ، وما يجوز أن يقضي به ، من كتاب القضاء ، حديث رقم : (٢١٥٣٤/٥)).

(٣) سورة المائدة ، الآية : ٤٧.

(٤) ليست في (ب).

۲۵۱

الرواية ، ويعملون بالأرجح من الأدلّة ، ويتركون المرجوح ، إلىٰ غير ذلك ممّا يتوقّف فهم الحكم عليه.

وأمّا العمل بالإجماع ودليل العقل فسيأتي ـ إن شاء الله تعالىٰ ـ في الفصل الثاني أنّه غير(١) خارج عن الكتاب والسنّة ، بل ليس أحد من العلماء إلّا وهو عامل بهما ، كما يأتي ـ إن شاء الله تعالىٰ ـ فإن ادّعىٰ مدّعٍ أنّ بعضهم لا يعمل بهما ، فهو مكابر. والكلام في ذلك يخرجنا عمّا نحن فيه.

[القول بالعمل بالظنّ] :

وأمّا العمل بالظنّ فعلىٰ القول بانسداد باب العلم لا كلام.

وأمّا علىٰ القول بعدم الانسداد ، فنقول : إذا استفرغ العالم وسعه وجب عليه العمل بما يؤدّي إليه اجتهاده ، علماً أو ظنّاً لأقوىٰ منه ؛ لبقاء التكليف ، فلو لم يحقّ(٢) للمجتهد العمل بالظنّ الحاصل له عند تعذّر العلم لزم تكليف ما لا يطاق أو سقوط التكليف.

بيان ذلك : إنّا مكلّفون بالأحكام ولا علم لنا بها ؛ لأنّه المفروض.

ولا يجوز العمل بالظنّ كما هو المدّعىٰ ، فأمّا أن يسقط التكليف أو نكلّف بالعمل بالعلم حال عدم تمكّننا منه ، وكلاهما محال.

فإذا(٣) كان اللازم محالاً فكذلك الملزوم هذا.

والاستدلال بما يدلّ علىٰ عدم جواز العمل للمجتهد في المسائل الفقهية بظنّه

__________

(١) في (ب) : ليس.

(٢) في (ب) : يجز.

(٣) في (ب) : إذا.

۲۵۲

محال أيضاً(١) ؛ لأنّ الاستدلال علىٰ عدم جواز العمل به يستلزم عدمه وما يستلزم وجوده(٢) عدمه فهو (٣) محال.

بيان ذلك : إنّ الأدلّة الدالّة علىٰ حرمة العمل بالظنّ عمومات ظنّية ، وإلّا لما صحّ تخصيصها ، إذ الظنون المجوّزة في الشريعة أكثر من أن تحصىٰ ، ويكفي قوله تعالى : ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ(٤) ، فإذا كانت العمومات ظنّية فالاستدلال بها لا يفيد إلّا الظنّ. ولتحقيق المسألة محلّ آخر.

مع أنّ الاختلاف في هذه المسألة وأضرابها لا يوجب الافتراق والتسمية.

غاية ما في الباب أنّ القائل بجواز العمل بالظنّ والقائل بعدم جواز العمل به استفرغ كلّ وسعه ، فيجب علىٰ كلّ منهما العمل بما يؤدّي إليه اجتهاده ، وتسمية كلّ واحد منهما ما يؤدّي إليه اجتهاده علماً وظنّاً لا يوجب هذا(٥) الافتراق ، بل التحقيق [يثبت] أنّ بينهما كمال الاتّفاق وأنّ النزاع لفظيّ ، كما يظهر لمن ليس بغبي.

واختلاف الأنظار والآراء ، واختيار كلّ ما لا يختاره الآخر لا يدلّ علىٰ المدّعىٰ ، بل ذلك موجود في الأصوليّين والأخباريّين ؛ إذ عدم الاختلاف غير ممكن ، بل ترىٰ العالم الواحد يخالف نفسه في المسألة الواحدة في واقعتين ؛ وما

__________

(١) في (ب) : وأيضاً.

(٢) في (ب) : عدمه وجوده.

(٣) ليست في (ب).

(٤) سورة الحجرات ، الآية : ١٢.

(٥) ليست في (ب).

۲۵۳

ذلك إلّا لاختلاف النظر ، وإذا كان العالم الواحد كذلك ، فكيف هو وغيره ، وهذا بديهي لا يشكّ فيه ذو حجا(١).

وهذا الذي ظهر لنا من مصنّفات علمائنا المتقدّمين والمتأخّرين ، وشاهدناه من العلماء المعاصرين ، غفر الله لنا ولهم أجمعين.

نعم ، من طلب الرئاسة وهو جاهل أو متجاهل ، يعمل بغير علم ، ويؤوّل الحديث والرواية برأيه وعلىٰ مقتضىٰ ذوقه من غير طلب ذلك من أهله ، ولا رجوع إلىٰ المحكم من الكتاب والسنّة ولا نظر إلىٰ من خالفه ، ولو كلّ الفرقة. عصمنا الله وإخواننا المؤمنين من ذلك ، وسلك بنا وبهم أحسن المسالك ، إنّه كريم رحيم.

__________

(١) الحِجَا : العقل والفطنة. وفي الحديث : «من بات علىٰ ظهر بيت ليس عليه حجا فقد برئت منه الذّمة» ، أي : ليس عليه ستر يمنعه من السقوط ، فالعقل شبّه الستر به في المنع عن التعرّض للهلاك. (راجع : لسان العرب ٤/٤٩ ، مادّة (حجا) ، ومجمع البحرين ١ـ٢/٦٥ مادّة (حجا)).

۲۵۴

الفصل الثاني(١)

في ذكر بعض القواعد التي مرجع [الـ]ـكلّ إليها ومعوّلهم عليها

علىٰ سبيل الإجمال من غير تطويل ولا إكثار من القال والقيل ، وذكر الدليل علىٰ التفصيل ؛ لأنّ ذلك ممّا يذكر في موضعه فيطلب هناك.

[ما ينبغي للفقيه معرفته] :

لابدّ للفقيه بعد معرفة كلام العربية ، من النحو والصرف واللغة من معرفة ما يتعلّق بالأحكام من الكتاب والسنّة ، بحيث يعرف مواقع ذلك ويتمكّن من الرجوع إليه ولا يلزم حفظ ذلك ، بل يكفيه أن يرجع إلىٰ أصل مصحّح عنده ، جامع لذلك في السنّة. والرجوع إلىٰ كتب الاستدلال(٢).

وأن يعرف أحوال الرواة في الجرح والتعديل ، ولو بالمراجعة.

وأن يعرف مواقع الإجماع ؛ ليتحرّز عن مخالفته.

وأن يكون عارفاً بالمباحث الأصولية ، من أحكام الأوامر والنواهي ، والعموم والخصوص ، والإطلاق والتقييد ، والناسخ والمنسوخ ، وغير ذلك ، ممّا يتوقّف معرفة الحكم علىٰ معرفته ، وهي من أهمّ العلوم للمجتهد ، ولابدّ أن يكون ذلك بطريق الاستدلال.

[و] قيل : وأن يعرف شرائط البرهان ؛ [لامتناع الاستدلال بدونه] ، إلّا من فاز بقوّة قدسيّة تغنيه عن ذلك.

__________

(١) في (ب) : الأوّل.

(٢) في المخطوطتين : والرجوع إلىٰ كتب الاستدلال في الكتاب.

۲۵۵

وأن تكون له ملكة مستقيمة ، وقوّة إدراك ؛ يقتدر بها علىٰ اقتناص الفروع من الأصول ، وردّ الجزئيّات إلىٰ قواعدها الكليّة ، والترجيح في مواضع التعارض(١).

ومن لم تكن عنده معرفة بما حرّرناه أو ببعضه فليس أهلاً للاجتهاد ولا يجوز الأخذ عنه ، إلّا أن يكون واسطة للمجتهد ، وكلّ علمائنا ـ رضوان الله عليهم ـ قائلون بتوقّف الاجتهاد علىٰ ذلك ، ولا ترىٰ عالماً إلّا وترىٰ ذلك منهجه وطريقته ، ومصنّفات العلماء منبئة بذلك.

[تنبيهات علىٰ بعض ما حرّر] :

لكن قد يتوهّم بعض القاصرين أشياء ترد علىٰ ما حرّرناه ، ينبغي التنبيه عليها والجواب عنها ؛ ليعلم أنّ ذلك عن جهل وقصور.

[شبهة أنّ المتقدّمين لا يرجعون للقواعد الأصولية المتّبعة] :

منها : إنّ المتقدّمين لا يرجعون إلىٰ هذه القواعد المذكورة ، إذ لو كانوا يرجعون إليها لنُقل ذلك إلينا ، فلمّا لم ينقل ذلك عنهم ، علم أنّ هذه القواعد حادثة مبتدعة ، إذ لو نقلت لكان ، إمّا نقل آحاد أو تواتر ، والأوّل لا يورّث علماً ولا عملاً ، ولم ينقل بالثاني ، إذ لو نقل كذلك ما اختلف في الرجوع لها وعدمه.

والجواب أوّلاً : إنّ المتقدّمين يرجعون إلىٰ ذلك ونُقل إلينا ، فراجع كتب الأصحاب ، ترىٰ بعض المسائل الأصولية منقولة عن بعض أصحاب(٢) الأئمّة عليهم‌السلام ، لكنّ الجاهل الذي لم يطّلع علىٰ الأحاديث وأقوال العلماء ، ويعدّ نفسه أنّه(٣)

__________

(١) يراجع : معالم الأصول : ٣٣١ ، الأصل : (٢) من المطلب التاسع في الاجتهاد والتقليد.

(٢) في المخطوطتين : الأصحاب.

(٣) ليست في (ب).

۲۵۶

ذو مرتبة علياء ، يتصوّر هذه الاعتراضات ، ويحدّث نفسه بهذه الخرافات.

وثانياً : إنّ عدم احتياج المتقدّم في فهم الحكم إلىٰ بعض هذه القواعد لا يدلّ علىٰ عدم احتياج المتأخّر إليها ، وذكر المتأخّر لها لاحتياجه لا يعدّ بدعة ؛ لأنّه لم يذكر شيئاً مخالفاً لكتاب الله ولا سنّة نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله ، بل ما يعين علىٰ فهم الحكم منهما ، كما يظهر لمن له(١) أدنىٰ فطنة.

وثالثاً : إنّ عدم تدوين المتقدّم هذا العلم لا يدلّ علىٰ عدم وجوده رأساً.

وما روي أنّ أمير المؤمنين عليه‌السلام أمر أبا الأسود الدؤلي بتدوين علم النحو وتأسيسه مشهور ، فهل مسائل النحو متداولة موجودة قبل ذلك ، أم لا؟ لا يحسن لأحد أن يقول : إنّ ذلك غير موجود قبل ، وما نحن فيه من هذا القبيل.

هذا (والخلاف في وجوب الرجوع إلىٰ ما ذكرنا علىٰ سبيل الإجمال)(٢) والاختلاف في أنّه هل يكفي في ذلك التقليد أو (٣) لابدّ من الاستدلال ، وكذا الخلاف في حجّية المفاهيم أو بعضها ، وحجّية الاستصحاب ، وفي أنّ الأصل البراءة في الحكم أو في موضوعه ، وفي أنّ الإجماع هل يمكن تحصيله في مثل هذه الأعصار ، ممّا يقرب من عصر الشيخ إلىٰ الآن(٤).

وفي انسداد باب العلم وعدمه في زمن الغيبة (وغير ذلك)(٥) من الخلاف المذكور في الأصول ، بعد اتّفاقهم علىٰ معرفة ذلك كلّه لا يجديك نفعاً.

__________

(١) ليست في (ب).

(٢) ما بين القوسين (٤) ليست في (ب).

(٣) ليست في (ب).

(٤) راجع : معالم الأصول : ٢٤٣ ، الأصل : (١) في حجّية الإجماع.

(٥) ما بين القوسين (٧) ليست في (ب).

۲۵۷

وأيضاً نقول لهذا القائل : هل رأيت عالماً يحكم بحكم وليس عنده علم ممّا ذكرنا ، فإن كنت ذا معرفة بالأقوال ومطّلعاً علىٰ فتاوىٰ العلماء ، مفتّشاً لمصنّفاتهم ، خصمت نفسك ؛ إذ لا يمكنك فهم عبارة ولا لفظة إلّا بعد المعرفة بما ذكرنا.

وإن لم تكن ذا معرفة بالأقوال ، ولا مطّلعاً علىٰ الفتاوىٰ ، ولا مفتّشاً للمصنّفات ، فحقيق أن تُلقَم بحجر ، بل تُرجَم بصخر.

[شبهة أنّ الكتاب والسنّة مغنيان عن القواعد الأصولية المتّبعة] :

ومنها : إنّ الكتاب والسنّة عربيّان ، فكلّ عربي أو ذي معرفة بلغة العرب يعرف لفظهما ويفهم معناهما ، وهما مشتملان علىٰ الأحكام ، وفيهما بيان كلّ شيء ، فلا معنىٰ للرجوع إلىٰ هذه القواعد ، ولا معرفة الإجماع ، ولا البراءة الأصليّة ، ولا الاستصحاب ، والقرآن والسنّة ناطقان بأنّ فيهما بيان كلّ شيء ، ولم يبقَ شيء ممّا يحتاج إليه الإنسان إلّا بيّنه الله تعالىٰ لنبيه صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ونبيه صلى‌الله‌عليه‌وآلهبيّنه لخلفائه عليهم‌السلام ، وبيّنه الخلفاء عليهم‌السلام لرعيتهم ، فالكتاب والسنّة مغنيان عن ذلك.

والجواب : إنّ عربية الكتاب والسنّة ممّا لا يشكّ فيه أحد ، وكون الكتاب والسنّة فيهما بيان كلّ شيء ، وكذا لم يبقَ شيء إلّا وبيّن فيهما ، ممّا لا شكّ فيه ولا شبهة تعتريه ، لكن لا شكّ أنّ فيهما أمراً ونهياً ، وناسخاً ومنسوخاً ، وعامّاً وخاصّاً ، ومطلقاً ومقيّداً ، ومجملاً ومبيّناً ، وهما مصرّحان بذلك كلّه ، فإذا ثبت ذلك ، كيف يمكن معرفة الحكم منهما ، من غير معرفة به ، فليت شعري ، هل القائل بعدم جواز الرجوع إلىٰ ما ذكرنا ، يحكم بالأحكام من الكتاب والسنّة بمجرّد حفظه القرآن ، ونظره إلىٰ الحديث أو لابدّ مع ذلك من مجالسة العلماء ، وتفتيش الكتب ، والاطّلاع علىٰ الأقوال؟ ما أظنّ أنّ أحداً عمل بمجرّد حفظه القرآن ونظره إلىٰ الحديث.

وأيضاً تعدّد الرواة واختلافهم في النقل للرواية الواحدة واختلاف الأفهام.

۲۵۸

وجواز نقل الحديث بالمعنىٰ ، لا يؤمن معه الغلط في العمل بمجرّد رؤية الرواية.

وكذا لو اتّفق العلماء علىٰ قول ولم يعلم لهم مخالف أو حصل اتّفاق علم قول المعصوم منه ، لا يجوز مخالفتهم في ذلك القول ، ولو وجد حديث ناطق بخلافهم ؛ لأنّ العلماء ـ رضوان الله عليهم ـ أهل دقّة وفطنة ، ورووا الحديث ونقلوه ، ولم يصل لنا إلّا بعد وصوله لهم ونقلهم له ، فكيف يطّلعون عليه ولا يفهمون منه ما فهمناه ، لكنّهم فهموه وطرحوه لما علموا من وجوب طرحه ممّا لم تعلمه.

فاتّهم فهمك ولا تركن إلىٰ سوء فطنتك ، وتأمّل جدّاً ولا تقلّد في ذلك أحداً.

[العمل بالاستصحاب والبراءة ليس بخارج عن العمل بالكتاب والسنّة] :

وأمّا العمل بالاستصحاب والبراءة الأصلية فلا ينافي وجود البيان في السنّة والقرآن ؛ لأنّ العمل بهما ليس خارجاً عن العمل بالكتاب والسنّة ، كما لا يخفىٰ علىٰ من تتبّع الأحاديث واطّلع علىٰ فتوىٰ العلماء.

ولا يغرّك ادّعاء أنّ ذلك خارج عن الكتاب والسنّة من غير تفطّن وتدبّر ، وعليك بمطالعة الأحاديث وتتبّع الفتاوىٰ ويظهر لك ذلك.

وليس هذه العجالة موضوعة لبيان ذلك ، فليطلب من مظانّه ، لكن نذكر بعض الأدلّة من غير ذكر لوجه الاستدلال ، والفطن العارف يعرف منها ذلك ، قال الله تعالى : ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ(١) ، وقال تعالى : ﴿خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً(٢).

وفي الحديث : «الناس في سعة ما لم يعلموا»(٣) ، و «كلّ شيء [هو] لك حلال

__________

(١) سورة الأعراف ، الآية : ١٥٧.

(٢) سورة البقرة ، الآية : ٢٩.

(٣) عوالي اللآلي ١/٤٢٤ ، المسلك الثالث من الفصل العاشر في أحاديث تتضمّن شيئاً من

۲۵۹

حتّىٰ تعرف(١) [أنّه] حرامٌ بعينهِ»(٢) ، و «كلّ شيء [لك] طاهر حتّىٰ تعلم أنّه قذر»(٣) ، «ولا ينقض اليقين (بالشكّ أبداً ، ولا ينقض اليقين إلّا)(٤) بيقين مثله»(٥).

فانظر إلىٰ هذه الأدلّة وأنصف ، واترك التعصّب ولا تركن إلىٰ قول من قال ، ولا تترك الهدىٰ وتتبّع الضلال ، فقد تبيّن أنّ العمل بالإجماع ، ودليل العقل ليس خارجاً عن الكتاب والسنّة.

[في العلّة من تقسيم الأدلّة إلىٰ أربعة مع أنّ جميعها عمل بالكتاب والسنّة] :

فإن قيل : إذا كان العمل بالإجماع ودليل العقل عمل بالكتاب والسنّة ، فما معنىٰ لعدّ الأدلّة أربعة ، وجعل الإجماع ودليل العقل قسمين للكتاب والسنّة.

قلنا : معنىٰ أنّ الإجماع سنّة ، أي : أمرنا بعدم مخالفته في السنّة ، وحجّية الإجماع

__________

الآداب الدينية ، حديث رقم : (١٠٩). راجع : الكافي ١٢/٣٧٨ ، باب ٤٨ نوادر ، حديث رقم : (١١٦٩٨/٢) رواية عن أمير المؤمنين عليهم‌السلام : «فقال : هم في سعة حتّىٰ يعلموا».

(١) في المصدر : تعلم.

(٢) الكافي ١٠/٥٤٢ ، الفروع ، باب : (١٥٩) النوادر ، كتاب : (١٧) المعيشة ، حديث رقم : (٩٣٩٩/٤١) ؛ تهذيب الأحكام ٧/٢٦٩ ، باب : (٢١) من الزيادات من كتاب التجارات ، حديث رقم : (٩٨٨/٨). وتفصيل وسائل الشيعة ١٧/٨٩ ، الباب : (٤) عدم جواز الإنفاق من كسب الحرام ولا في الطاعات ، وحكم اختلاطه بالحلال واشتباهه به ، حديث رقم : (٢٢٠٥٣/٤).

(٣) تهذيب الأحكام ١/٣٠١ ، باب : (١١) تطهير الثياب وغيرها من النجاسات من كتاب الطهارة : «كلّ شيء نظيف حتّىٰ تعلم أنّه قذر».

(٤) ما بين القوسين () ليست في (ب).

(٥) في الرواية : «ولا ينقض اليقين أبداً بالشكّ ، ولكن ينقضه بيقين آخر». (راجع : تهذيب الأحكام ١/٧ ، باب : (١) الأحداث الموجبة للطهارة من كتاب الطهارة ، حديث رقم : (١١/١١)).

۲۶۰

أيضاً ؛ لكشفه عن قول المعصوم ، (فالحجّة في الحقيقة قول المعصوم ، ومعرفة قول المعصوم)(١) من متن الحديث غير معرفته ؛ لأنّ المعصوم داخل في جملة المجمعين ، أو أنّ قوله لا يخرج عن قولهم. فالفرق بين المعرفتين أوجَبَ عدّ كلّ دليلاً.

وكذا المعرفة بالحكم من دليل العقل غير المعرفة به من الكتاب والسنّة ؛ لأنّ السنّة والكتاب فيهما تفصيل ، إنّ ذلك حلال وذلك حرام مثلاً ، فالحكم بأنّ هذا حلال ؛ لأنّه لم يُنصّ عليه ، والأصل في الأشياء الإباحة ، وإنّ هذا الحكم ثابت يقيناً ، فيستصحب غير الحكم بحلّية الشيء وتحريمه مثلاً من متن رواية أو دلالة آية ، دالّين علىٰ حلّية هذا وتحريم ذلك.

وأيضاً في الكتابِ والسنّة ما يدلّ علىٰ العملِ بذلك ، كما يظهر لمن تفطّن في الأدلّة المذكورة آنفاً ، وتتبّع الروايات وفكّر في معاني الآيات ، وترك التعصّب والحميّات ، ولم يركن إلىٰ التمويهات والزخرفات الناشئة من القصور وحبّ الرئاسات ، فتأمّل حقّ التأمّل.

[شبهة أنّ المكلّف مستغنٍ عن الرجوع إلىٰ القواعد الأصولية] :

ومنها : إنّ كلّ مكلّف مخاطب بالأحكام الموجودة في الكتاب والسنّة ، وهما موجودان عندنا ، فكلّ مكلّف يجب عليه العمل بما فيهما من الأحكام ، ولم نكلّف بما وراء ذلك ، فالرجوع إلىٰ هذه القواعد مستغناً عنه.

وقولكم : إنّه لا يمكن أن يفهم أحد من الكتاب والسنّة حكماً بغير معرفة بما ذكرتم من القواعد ، يلزم منه احتياج الشريعة إلىٰ غير الكتاب والسنّة ، ويلزم منه وجود الألغاز فيهما ؛ لأنّا مخاطبون بالأحكام الموجودة فيهما ، والمقصد شيء آخر

__________

(١) ما بين القوسين () ليست في (ب).

۲۶۱

من غير الأحكام ، وهذا هو اللغز(١) بعينه.

والجواب : ما ذكرتم من أنّ كلّ مكلّف مخاطب بالأحكام الموجودة في الكتاب والسنّة لا شكّ فيه ، ولكن ليس المعرفة بتلك القواعد المذكورة ؛ لأنّ الشريعة محتاجة لها حتماً ، بل لأنّ تحصيل الأحكام لنا من الكتاب والسنّة ـ لا المعرفة ـ غير ممكن إلّا بمعرفة تلك [القواعد] ، ولا يلزم الألغاز ؛ لأنّ هو (٢) : أن يذكر شيء ويراد منه غير معناه ، وليس كذلك الكتاب والسنّة علىٰ تقدير الاحتياج إلىٰ هذه القواعد ، بل ، إنّ معناهما لا نفهمه إلّا بعد معرفة تلك القواعد كما بيّناه سابقاً.

ولمّا كان معرفة الأحكام واجبة كانت معرفة هذه واجبة أيضاً ؛ لتوقّف الواجب عليه ، ومقدّمة الواجب واجبة ، كما قرّر في موضعه.

وأيضاً نقول لهذا القائل : إذا سألك أحد عن مسألة ، هل تحيله علىٰ الكتاب والسنّة ، وإن لم يحفظهما ، تقرأ له الآية والرواية المشتملة علىٰ الحكم أو تجيبه ، وإن لم يسمع الآية ولا الرواية؟ وهل تجيبه علىٰ قدر فهمك وما تبيّن لك من الدليل ، وعدم وجود ناسخ له ومخصّص ، وبعد نظرك في المرجّحات الداخلة والخارجة ، وغير ذلك ممّا لا يمكن فهم الحكم من الكتاب والسنّة إلّا بعد معرفته ، أو تجيبه من غير تأمّل وفكر؟ أم سمعت أحداً من العلماء المتقدّمين والمتأخّرين والمعاصرين يحيل السائل من العوامّ علىٰ الكتاب والسنّة؟ ما أظنّ أحداً عمل بذلك ولا قال به ، ولا يسمح قلم برسم مثل هذه الاعتراضات ، وأشباه هذه التمويهات إلّا غفلة منه. غفر الله لنا وله ولكافّة المؤمنين والمؤمنات.

__________

(١) في المخطوطتين : الألغاز.

(٢) أي : اللغز.

۲۶۲

توضيح فيه تلويح [في معنىٰ الاجتهاد] :

معنىٰ أنَا مجتهد ، وهذا ما أدّىٰ إليه اجتهادي ، وهذا رأيي وما أفتي به ، أنّي اجتهدتُ وبذلتُ جهدي ، وفرغتُ وسعي في تحصيل الحكم من الأدلّة بأن نظرت إلىٰ الأوامر والنواهي ، ونظرت وعلمت أنّ الأمر في هذه المسألة ـ مثلاً ـ للوجوب والاستحباب ، وأنّه عامّ ولا مخصّص له ، أو له مخصّص لم يقاوم ، أو قاوم فخصّصته ، ولا ناسخ ولا معارض له من الأدلّة ، أو له معارض وطرح لمرجوحيّته ، ونظرت في متن السند ، ورأيت صحّته وتوثيقه ؛ لتوثيق رواته ، إلىٰ غير ذلك ممّا يحتاج إلىٰ معرفته في معرفة الحكم ، أو أنّي لم أرَ في هذه المسألة أمراً ولا نهياً ولكن علمت ممّا تقرّر أنّ الأصل في الأشياء الإباحة عدا ما استثني ، وليست هذه المسألة مستثناة ، أو إنّ هذا الحكم ثابت يقيناً ، ولم يثبت خلافه ، فيبقىٰ علىٰ ما كان ، أو أنّي تتبّعت أقوال العلماء ، فرأيتهم قائلين بالحلّية ـ مثلاً ـ بلا خلاف عندهم ، أو تبيّن لي من قول جماعة من العلماء أنّ قول المعصوم هو قولهم ، فيجب عليَّ اتّباعه ، فإذا كان الإنسان أهلاً لذلك كان عالماً بما ذكرناه سابقاً ، وبذل جهده كذلك ، وظهر له أنّ الحكم في المسألة الفلانية كذا ؛ لرواية أو لآية أو غير ذلك ، علماً أو ظنّاً لا أقوىٰ منه ، فهو مجتهد وينسب ذلك الحكم إلىٰ نفسه ، فيقول : هذا حكمي.

وأمّا من لم يعرف ما ذكرناه فليس أهلاً لذلك ، بل من ادّعىٰ أنّ الأحكام تعرف من غير معرفة ما ذكرنا فلا يجوز الركون إليه ولا العمل بقوله. فتفطّن جدّاً وأنصف.

ولا تنظر إلىٰ قول من قال : إنّ المجتهدين أبدعوا في الدين ، وأتوا بما لم ينصّ عليه في السنّة والكتاب المبين ، وأنّ لا معنىٰ لقولهم : هذا ما أدّىٰ إليه اجتهادي وهذا رأيي.

لا أنّه حكم برأيه من غير مراجعة الأدلّة من الكتاب والسنّة. عصمنا الله وإخواننا المؤمنين من التهمة والبهتان ، وأدركنا برحمته إنّه كريم منّان.

۲۶۳

الخاتمة

في بيان أنّ الطريقة واحدة وأنّ افتراقهم لفظي

لا يخفىٰ علىٰ من تأمّل فيما قدّمناه واطّلع علىٰ مصنّفات العلماء ، أنّ ليس أحد من العلماء الإمامية إلّا وهو يراجع عند نظره إلىٰ الرواية والآية ؛ للقواعد المذكورة آنفاً ، وإن خالف [الـ]ـبعض الآخر في أنّ هذا حجّة وهذا ليس بحجّة ، وهذا الخلاف لا يدلّ علىٰ عدم الرجوع إلىٰ القواعد المذكورة ، فانظر إلىٰ مصنّفات [الـ]ـعلماء(١) المتقدّمين والمتأخّرين والمعاصرين يظهر لك(٢) ذلك في مطاوي كلامهم ، مثل(٣) قولهم : هذه الرواية معارضة بما هو أقوىٰ منها ، وهذا عامّ مخصّص ، فلم يبقَ علىٰ عمومه أو مطلقاً أو مقيّداً ، ودلّ علىٰ هذا الحكم مفهوم الموافقة أو مفهوم المخالفة ، وهذا الحكم منسوخ ، وإنّ هذه المسألة لم ينصّ عليها لا كتاب ولا سنّة ، لكنّ مذهب العلماء فيها كذا ، وإنّ هذا الحكم ثابت يقيناً ، ولم يدلّ دليل علىٰ خلافه فيستصحب ، إلىٰ غير ذلك ممّا يظهر للمتتبّع الفطن ، فإذا تتبّع الفطن عرف أنّ [هذا] لا يوجب للافتراق والتسمية ، بل كلّ العلماء عاملون بالكتاب والسنّة ودليل العقل والإجماع ، ناظرون في الحلال والحرام ، راجعون إلىٰ القواعد المذكورة ، غير عاملين بالرأي والاستحسان ولا بالقياس ، يدلّ علىٰ ذلك الاطّلاع علىٰ أقوالهم وتحريرهم والنظر إلىٰ فتاويهم وتقريرهم من غير ركون إلىٰ

__________

(١) ليست في (ب).

(٢) ليست في (ب).

(٣) في (ب) : كمثل.

۲۶۴

قول من قال : إنّ العلماء يعملون بما سوىٰ ما ذكرنا ، أو أنّهم لا يراجعون للكتاب والسنّة ، أو يعملون بمجرّد رؤية الرواية والآية(١) من غير نظر وتأمّل فيما يتوقّف فهم الحكم منهما عليه ؛ لأنّ ذلك بهتان محض وتعصّب بحت.

فقد تبيّن أنّ ليس بينهم في الحقيقة خلاف ، (بل هم)(٢) متّفقون غاية الاتّفاق ، يظهر ذلك لمن ترك التعصّب والشقاق ، ولم يطمع في الرئاسة علىٰ العوامّ والرفعة بين الأنام. عصمنا الله وإخواننا المؤمنين من الأغراض الدنيوية ، وأخذ بمجامع قلوبنا عن النيّات الردية ، إنّه رؤوف رحيم.

تذنيب فيه تأديب :

[ما يعين علىٰ تحصيل العلم] :

ينبغي لطالب العلم تخليص النيّة عن الأعراض الدنيوية ، وطلب العلم من أهله ، ونقله وتعليمه [إلى] من هو أدنىٰ منه ، والمذاكرة فيه ، والنظر إلىٰ الكتب المصنّفة فيه قديماً وحديثاً.

وأن يترك التعصّب ويعطي الإنصاف من نفسه. وإذا نظر إلىٰ مسألة أو إلىٰ قول ، يتأمّل عند نظره ، ولا يكون ناظراً فيه وهو كالمعرض عنه.

وأن لا ينظر إلىٰ من قال ، بل إلىٰ ما قيل.

وأن لا يكثر عند المذاكرة من القال والقيل ، بل يقتصر علىٰ ما يظهر الحقّ له أو عليه ، فإن(٣) عرف من مُذاكرة ذلك وإلّا تركه ولا يرجع إليه إلّا أن يكون كثرة

__________

(١) ليست في (أ).

(٢) ما بين القوسين () ليست في (ب).

(٣) في (أ) : وأن.

۲۶۵

الكلام مشتملاً علىٰ فوائد تناسب المقام ، وتكراراً لتفهيم السائل المرام ، أو بياناً لفروع المسألة.

وأن يوقّر العلماء ، خصوصاً معلّميه ، ويتواضع للمتعلّمين.

وأن يستعمل بعض العبادات المندوبة ، فإنّها نعم العون علىٰ طلب العلم.

وأن لا يضيّع أوقاته فيما لا يعنيه.

وأن لا يجالس الجهّال الذين لا ينتفعون به ولا ينفعونه ؛ لأنّ جلوسه معهم عليه وبال.

وأن يقتصر من الدنيا علىٰ الواجب ، ولا يطلب زيادة عليه.

وأن لا يتضجّر من كثرة الطلب ، ولا ييأس إذا أبطأ عليه الفهم ، ولا يستعجل علىٰ تحصيله ، ولا يترك الطلب معلّلاً بأنّي ما حصلت ولا أحصل ، بل يبذل جهده ، راجياً من الله الفرج ، والله أكرم من أن يخيّب راجيه ، فإذا طلب العبد العلم قرّبة الله تعالىٰ ، وعلم الله منه صفاء النية ، فالله أكرم من أن يخيّب سعيه ، وأقلّ مراتب ذلك أن يعدّه من الطلبة ، وأن يحصل الثواب وإن لم يعرف شيئاً ، وإن اضطرّه الحال إلىٰ أن يهاجر من بلد إلىٰ بلد ؛ لتحصيل العلم وأهله ومعلّميه هاجر مع المكنة.

وإذا ملّت نفسه النظر والمذاكرة جاهدها وعبسها(١) ، فإنّه إن لم يجاهدها وتتبّع هواها غلبت عليه وأتعبته ، فلا يحصّل علماً ولا يعمل عملاً ، لكن إذا أراد شرح خاطره عند ورود الهموم عليه وتكاثر الغموم لديه ، حصل ذلك بمجالسة بعض الأخوان المحبّين في الله ، والتحدّث معهم بما ليس فيه لغو ، وخرج إلىٰ مكان نظر

__________

(١) في (ب) : وعسفها.

۲۶۶

نزه ؛ ليشرح صدره ويقبل علىٰ فنّه ، وهذا في الحقيقة طلب للعلم ، لكن لا يجعل ذلك ديدنه ، ولا يصرف أكثر أوقاته كذلك ؛ لأنّه يؤدّي إلىٰ تصعّب النفس فيعسر رجوعها.

وبالجملة : فينبغي له أن يستعمل ما يعينه علىٰ تحصيل العلم ، وأن يهجر ما لا يعينه عليه.

فالطالب كذلك مجاهداً في سبيل الله ، والله سبحانه يقول : ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا(١).

أحسن الله لنا ولوالدينا ولإخواننا المؤمنين أحوال الدارين ، وعامَلنا بعفوه وكرمه في النشأتين ، إنّه ذو الفضل الكريم(٢) والعطاء العميم. وصلّىٰ الله علىٰ محمّد وآله ذوي التبجيل والتعظيم.

وهذا آخر ما أردنا ذكره في هذه العجالة ، نفع الله بها الطالبين ، وجعلها خالصة لوجهة الكريم. والحمد لله ربّ العالمين.

__________

(١) سورة العنكبوت ، الآية : ٦٩.

(٢) في (أ) : القديم.

۲۶۷

[عود إلىٰ الإفاضة الرحمانية وكلام الشيخ يوسف البحراني في الفرق بين الأخباريّين والأصوليّين] :

(ويؤيّد ما ذكرناه في هذه الرسالة ما ذكره جناب الشيخ المبرور ، شيخنا الشيخ يوسف بن عصفور ـ رضوان الله عليه ـ حيث قال في الجواب عن هذه المسألة : «اعلم ـ أيّدك الله ـ أنّه قد كثرت الأسئلة من الطلبة عن الفرق ما بين المجتهدين من المحدّثين والأصوليّين ، حتّىٰ إنّ [شيخنا] المحدّث الصالح ، الشيخ عبد الله بن صالح رحمه‌الله في كتاب منية الممارسين في أجوبة الشيخ ياسين قدس‌سره [قد] أنهاها إلىٰ ثلاثة وأربعين ، حيث كان من عمدة الأخباريّين المتأصّلين(١).

وقد كنت في أوّل أمري من الجارين علىٰ هذه الطريقة ، وقد أكثرت البحث في ذلك مع بعض أصحابنا(٢) المعاصرين من المجتهدين ، وقد أودعت كتابي الموسوم بـ : (المسائل الشيرازية) مقالة مبسوطة مشتملة علىٰ جملة من الأبحاث الشافية والأخبار الكافية المشتملة(٣) (علىٰ ذلك)(٤) والمؤيّدة لما هنالك.

إلّا أنّ الذي ظهر لي بعد إعطاء التأمّل حقّه في المقام ، وإمعان النظر (إلىٰ ما ذكره)(٥) أولئك الأعلام ، هو سدّ هذا الباب ، وإرخاء الستر دونه والحجاب ، وإن كان قد فتحه أقوام ، وأوسعوا فيه دائرة النقض والإبرام.

__________

(١) في المصدر : المتصلّبين.

(٢) في المصدر : مشايخنا.

(٣) في المصدر : المتعلّقة.

(٤) في المصدر ما بين القوسين () : بذلك.

(٥) في المصدر ما بين القوسين () : التي ذكرها أولئك الأعلام

۲۶۸

لاستلزامه القدح في علماء الطرفين ، والإزراء بفضلاء الجانبين ، كما قد طعن به كلّ من علماء الطرفين علىٰ الآخر ، بل ربّما أنجرّ القدح إلىٰ الدين ، ولا سيّما من الخصومِ المعاندين ، كما شنّع عليهم [به] الشيعة في انقسام مذهبهم [ودينهم] إلىٰ المذاهب الأربعة ، بل شنّع به كلّ من المذاهب الأربعة علىٰ الآخر.

ولأنّ (ما ذكر من الأمور الفارقة بين الفريقين ، أكثره)(١) ـ عند التأمّل بعين الإنصاف ، [وتجنّب جانب التعصّب والاعتساف] ـ لا يوجب فرقاً علىٰ التحقيق.

ولقد كان العصر الأوّل مملوءاً من المجتهدين والمحدّثين ، مع أنّه لم يرتفع بينهم [صيت] هذا الاختلاف ، ولم يطعن أحدهم(٢) علىٰ الآخر [بالاتّصاف بهذه الأوصاف] ، وإن ناقش بعضهم بعضاً في جزئيّات المسائل ، واختلفوا في تطبيق [تلك] الدلائل ، كما هو شأن العلماء [من كلّ قبيل ، والأمر الدائر بينهم] جيلاً بعد جيل.

والأحرىٰ أن يقال : إنّ علماء الفرقة [المحقّة] ، وفضلاء الشريعة [الحقّة] ـ رفع الله [تعالى] درجاتهم ، وألحقهم بساداتهم ـ [سلفاً وخلفاً إنّما] يجرون علىٰ مذهب أئمّتهم المعصومين [وطريقتهم التي أوضحوها لديهم ؛ فإنّ] جلالة (قدرهم وعظم شأنهم)(٣) ، يمنعهم من الخروج عن تلك الطريقة المستقيمة ، والجادّة القويمة ، [ولكن] ربّما حاد بعضهم ـ أخباريّاً [كان] أو مجتهداً ـ عن

__________

(١) عبارة ما بين القوسين () في المصدر : ما ذكروه في وجوه الفرق بين الفرقتين ، وجعلوه مائزاً بين الطائفتين ، جلّه ، بل كلّه.

(٢) في المصدر : منهم أحد.

(٣) في المصدر موضع ما بين القوسين () : شأنهم وسطوع برهانهم وورعهم وتقواهم المشهور ، بل المتواتر علىٰ ممرّ الأيّام والدهور.

۲۶۹

الطريق ، غفلة أو توهّماً أو لقصور [اطّلاع أو قصور] فهم ، [أو نحو ذلك] في بعض المسائل ، وهو لا يوجب قدحاً ولا تشنيعاً في أصل الاجتهاد.

وجميع تلك الأمور التي جعلوها [مناط] الفرق [إنّما هي] من هذا القبيل»(١). انتهىٰ كلامه زيد إكرامه.

وهو كما تراه ، صريح فيما ذكرنا من عدم الفرق عند التحقيق ، وإن كان ظاهره الفرق مع عدمه)(٢).

ولنرجع إلىٰ باقي المسائل.

__________

(١) الدرر النجفية ٣/٢٨٧ ، (٥٩) درّة نجفية في الفرق بين المجتهدين والأخباريّين.

(٢) ما بين : (ويؤيّد ما ذكرناه ... الفرق مع عدمه) ليست في (ب).

۲۷۰

[المسألة الرابعة]

[في تحقق الإجماع وموضع الخلاف]

المسألة الرابعة : البحث عن حقيقة الإجماع وحجّيته ، وكيف يتحقّق الإجماع ، وإن المذاهب [بلغت] إلىٰ ثلاث مائة ، كما ذكره الملّا خليل في حاشيته (العدّة)(١) ، فكيف يتحقّق الإجماع في موضع الخلاف ، مضافاً إلىٰ عدم حجّيته عند هؤلاء الأعلام ، ولا سيمّا في الأصول؟

الجواب : اعلم أنّ كلام أصحابنا ـ رضوان الله عليهم ـ في تعريف الإجماع وتحقّقه مضطرب جدّاً ؛ ولهذا كان منكر تحقّقه ظاهراً مستظهراً ، وعلىٰ مدّعي تحصيله مستنهضاً مستنصراً.

[تعريف العلماء للإجماع] :

قال المحقّق رحمه‌الله في كتاب معارج الأصول : إنّ الإجماع اصطلاحاً : هو «اتّفاق من تعيّن(٢) قوله في الفتاوىٰ الشرعية علىٰ أمر من الأمور الدينية ، قولاً [كان] أو فعلاً ، وهو ممكن الوقوع»(٣).

وقال في أوائل المعتبر : «وأمّا الإجماع : فعندنا هو حجّة بانضمام المعصوم عليه‌السلام ، فلو خلا المائة من فقهائنا عن قوله لما كان حجّة ، ولو حصل في اثنين لكان قولهما حجّة»(٤).

__________

(١) لترجمة الملّا خليل والتعريف بالحاشية ، راجع : كتاب رياض العلماء ٢/٢٦١.

(٢) في المصدر : يعتبر.

(٣) معارج الأصول : ١٢٥ ، الفصل الأوّل من الباب السادس في الإجماع.

(٤) المعتبر ١/٣١.

۲۷۱

وقال الشهيد في الذكرى : «الإجماع ، [و]هو اتّفاق علماء الطائفة علىٰ أمر في عصر واحد»(١).

وقال الشيخ حسن في المعالم : «هو اتّفاق من يعتبر قوله من الأمّة في الفتاوىٰ الشرعية علىٰ أمر من الأمور الدينية. والحقّ إمكان(٢) وقوعه والعلم به وحجّيّته»(٣). انتهىٰ.

فإنّك إذا تأمّلت في تعريفهم له وجدته ينبئ عن عدم إمكان وقوعه ؛ لأنّه يستحيل الاطّلاع علىٰ أقوال العلماء حتّىٰ لا يشذّ منهم أحد.

وإذا تأمّلت قولهم في تحقيقه حكمت بإمكانه ، بل صريح قول صاحب المعالم ذلك ، لكنّه قال بعد ذلك بقليل في فوائده : «الحقّ امتناع الاطّلاع عادة علىٰ حصول الإجماع في زماننا هذا(٤) وما ضاهاه من غير جهة النقل»(٥) إلىٰ آخر كلامه.

إذا عرفت ذلك فنقول ـ وبالله سبحانه الثقة والمأمول ـ : إنّه قد دلّ الدليل العقلي والنقلي ، كتاباً وسنّة ، متواتراً وآحاداً علىٰ أنّه لا يخلو زمان التكليف من إمام معصوم ، إمّا ظاهراً أو مستتراً ، فالحجّة قبل الخلق ومع الخلق وبعد الخلق.

وأنّه لا يجوز التعبّد إلّا بما علم ـ أو ظنّ مع فقد العلم ـ أنّه حكم شرعي ، ولا

__________

(١) موسوعة الشهيد الأوّل ٥/١٤ ؛ ذكرىٰ الشيعة١ / ٤٩.

(٢) ليست في (أ).

(٣) معالم الأصول : ٢٣٩ ، الأصل : (١) في الإجماع من المطلب الخامس.

(٤) ليست في (ب).

(٥) معالم الأصول : ٢٤٢ ، الأصل : (١) في حجّية الإجماع من المطلب الخامس.

۲۷۲

يعلم ذلك إلّا بمعرفة الأدلّة ، والأدلّة الكتاب بلا خلاف والسنّة كذلك ، ودليل العقل والإجماع.

فأمّا الكتاب فنصّه وظاهره وكذلك السنّة قولاً كانت أو فعلاً أو تقريراً ، نبوية كانت أو إمامية إلّا مع احتمال التقية في الإمامية.

وأمّا العقلي فقد يكون ضروريّاً ، وقد يكون استدلاليّاً ، ومن الاستدلالي الاستصحاب(١) وأصالة البراءة ما لم يتحقّق دليل خلافهما ، ومفهوم الموافقة ومفهوم المخالفة مع عدم دليل خلافه ، والتفريع المنصوص علىٰ علّته ، وقياس الأولوية.

[تعريف الإجماع عند المصنّف] :

وأمّا الإجماع : فهو عبارة عن العلم أو الظنّ بقول المعصوم عليه‌السلام من غير طريق النصّ ، وذلك قد يحصل منه اتّفاق (كلّ علماء الإسلام ، وقد يحصل من اتّفاق علماء الإمامية ، وقد يحصل من اتّفاق)(٢) بعض علماء الإمامية ، فأمّا مع اتّفاق علماء الإسلام أو اتّفاق علماء الطائفة المحقّة فلا كلام ؛ لأنّ الإمام من جملتهم وقوله حجّة.

وأمّا اتّفاق بعض الطائفة : فاعلم أنّ الأمور الشرعية المعلومة قد لا يشكّ فيها أحد(٣) من المسلمين ، كوجوب الصلاة والزكاة ، والصوم والحجّ ، والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وغير ذلك ممّا علم من دين الإسلام ، وهذا

__________

(١) ليس في (أ).

(٢) ما بين القوسين () ليس في (ب).

(٣) ليست في (ب).

۲۷۳

وهذا هو (١) ضروري الدين.

وأمّا أن لا يشكّ فيه أحد من الطائفة المحقّة ، كوجوب المسح وتحريم غسل الرجلين ، ووجوب البسملة ، وجواز نكاح المنقطع ، وتحليل الأمه ، وعدم العول والتعصيب ، وغير ذلك ممّا علم من مذهب أهل البيت عليهم‌السلام ، وهذا هو ضروري المذهب ، وهذا لا شكّ أنّ جميع علماء الإمامية يقولون به ، ويحكم بذلك حكماً قطعيّاً ، وإن انتشروا في البلدان ولم يكن حصر بلدانهم فضلاً عن أشخاصهم ، وقد تكون الأمور تخفىٰ علىٰ سائر الناس ولكن لا تخفىٰ علىٰ العلماء ، ولا ترىٰ عالماً ولا مصنَّفاً لعالم إلّا ويذكر ذلك ، وهذا هو الإجماع ، فإنّه إذا اتّفقت العلماء علىٰ قول ، علم أنّ مذهب إمامهم ذلك.

وهذا أيضاً لا يشكّ فيه ، وإن نوقش في إمكان ذلك بعد انتشار الإسلام ، وعلماء الشيعة وشمول التقية ، فإنّه من المتعذّر علم أقوال علمائهم ، بحيث لا يشذّ منهم أحد وأنّهم متّفقون عليه.

وقد يكون الحكم عَلم به رؤساء الطائفة أو أكثرهم مع عدم العلم بقول الآخرين أو العلم بخلافهم ، ولكن يحصل من ذلك الاتّفاق علم قطعي أو عادي أو ظنّ راجح ، إنّ مذهب الإمام ذلك ، كمعرفتنا بمذهب أبي حنيفة والشافعي ، وأحمد بن حنبل ومالك بنقل أصحابهم مذاهبهم ، وإن لم نعلم اتّفاق أصحابهم علىٰ ذلك ، فكذلك قد يحصل بأنّ هذا قول المعصوم عليه‌السلام من قول الشيخين ، وابن إدريس والمرتضىٰ ، وابن أبي عقيل والمحقّق ، والعلّامة والشهيدين مثلاً ، وإن لم نعلم مذهب باقي العلماء ، وهذا لا ينكره أحد ، والمنكر مُكابر.

__________

(١) لبست في (ب).

۲۷۴

وقد لا يحصل العلم ولكن يحصل الظنّ المتاخم للعلم ، ونسمّي(١) هذا إجماعاً أيضاً ؛ لمعلومية قول المعصوم منه أو الظنّ به لا أقوىٰ منه.

وقد تكون الأمور مشهورة بين علماء الطائفة ولكن فيها خلاف معلوم ، ولا يحصل من تلك الشهرة علم بقول المعصوم ولا ظنّ لا أقوىٰ منه ، وهذا هو المشهور ، فعلىٰ هذا الإجماع : هو اتّفاق يعلم أو يظنّ منه قول المعصوم.

[في الجمع بين تعريف المصنّف وتعريف غيره للإجماع] :

فإن قيل : هذا خلاف ما عرف به أصحابنا الأصوليّون ، كما نقلت في أوّل الكلام.

قلنا : ظاهر تعريفهم خلاف ذلك ، ولكن قولهم : «وهو ممكن الوقوع»(٢) ، من غير تخصيص بزمان دون زمان.

وقولهم : «والحقّ إمكان وقوعه ، والعلم به ، وحجّيّته»(٣).

وقولهم : «هو حجّة بانضمام المعصوم»(٤) ، فلو خلا المائة من فقهائنا عن قوله لما كان حجّة ، ولو حصل في اثنين لكان قولهم حجّة ، والمفروض أن لا نَقْلَ(٥) عنه ، فليس إلّا أنّه يحصل من اتّفاق بعض العلماء علم بقوله عليه‌السلام.

فقولهم : في التّعريف «اتّفاق من يعتبر قوله»(٦) ، معناه بحيث يعرف قول المعصوم

__________

(١) في (ب) : ويسمّىٰ.

(٢) كما مذكور أعلاه في تعريف الإجماع عن معارج الأصول : ١٢٥.

(٣) معالم الأصول : ٢٣٩ ، الأصل : (١) في الإجماع من المطلب الخامس.

(٤) كما مذكور أعلاه في تعريف الإجماع عن المعتبر ١/٣١.

(٥) هكذا في المخطوطتين ، ولعلّ الصواب : ولا تقل.

(٦) كما مذكور أعلاه في التعريف الإجماع عن معالم الأصول : ٢٣٩.

۲۷۵

فلا يشترط معرفة اتّفاق (علماء الطائفة)(١) ، ولا دخول مجهول النسب في المخالفين.

وبهذا يندفع الإشكال وينحلّ الاعتراض عن من يدّعي الإجماع مع وجود المخالف ، وعن من يدّعي إجماعاً علىٰ مسألة ، ثمّ يدّعي الإجماع علىٰ خلافها ، فإنّ ذلك كلّه من جهة اختلاف الأنظار باختلاف الأوقات ، فقد يحصل للناظر من قول جماعة أنّ ذلك قول المعصوم عليه‌السلام ، فيحكم بأنّه إجماع ، وقد لا يحصل ، بل قد يكرّر النظر ، فيحصل له من قول آخرين عكس ذلك فيحكم بأنّه إجماع.

فإن قلت : هذا هو المشهور ، وهو ليس بحجّة عند أكثر علمائنا.

قلنا : إن حصل للناظر من ذلك المشهور علم بأنّ قول المعصوم ذلك أو ظنّ ذلك ، ظنّاً لا أقوىٰ منه ، كان إجماعاً وإلّا لم يكن إجماعاً ، بل هو المشهور ، علىٰ أنّ المشهور وهو : الذي لم يعلم قول المعصوم منه ، إن حصل منه ظنّ يرجّح به الخبر أو القول الذي ليس له ذلك الظنّ.

قال شهيد الذكرىٰ فيه : «الخامس : ألحق بعضُهم المشهور بالمجمع عليه ، فإن أراد في الإجماع فهو ممنوع ، وإن أراد في الحجّة فهو قريب ؛ لمثل ما قلناه ؛ [و]لقوّة الظنّ في جانب الشهرة ، سواء كان لاشتهار في الرواية ـ بأن يكثر تدوينها أو ورودها بلفظ واحد أو ألفاظ متغايرة ـ أو الفتوىٰ.

فلو تعارضا فالترجيح للفتوىٰ ، إذا علم اطّلاعهم علىٰ الرواية ؛ لأنّ عدولهم عنها ليس إلّا لوجود أقوىٰ.

وكذا لو تعارض الشهرة المستندة إلىٰ حديث ضعيف وحديث قويّ فالظاهر ترجيح الشهرة ؛ لأنّ نسبة القول إلىٰ الإمام قد تعلم وإن ضعف طريقه كما يُعلم

__________

(١) ما بين القوسين () من (أ) وأمّا في (ب) فموضعها : العلماء.

۲۷۶

مذاهب الفِرَق بأخبار أهلها وإن لم تبلغ التواتر»(١) ، انتهى.

وبالجملة : فالضابط هو العلم أو الظنّ بقول المعصوم ، فمهما علم أو ظنّ ظنّاً لا أقوىٰ منه ، كان ذلك القول المعلوم أو المظنون قول الإمام منه حجّة. وهذا هو الإجماع.

والمتأمّل في كلام أصحابنا (في الإجماع)(٢) حقّ التأمّل يظهر له أنّ مرادهم بالإجماع هو ما ذكرنا ، فتأمّل جدّاً ، ولا تقلّد في ذلك أحداً.

وممّن صرّح بأنّ الإجماع هو : الاتّفاق الكاشف عن قول المعصوم من غير اشتراط مجهول النسب صاحب القوانين(٣) الميرزا أبي القاسم القمّي ـ قدّس الله نفسه ـ وصاحب سلّم الوصول في علم الأصول(٤) شيخنا ، الشيخ محمّد بن الشيخ عبد علي بن عبد الجبّار رحمه‌الله (٥).

__________

(١) موسوعة الشهيد الأوّل ٥/١٦ ، وهو الفرع الخامس من فروع الأصل الثالث الإجماع في الإشارة السادسة من المقدّمة.

(٢) ما بين القوسين (٢) ليست في (أ).

(٣) القوانين المحكمة في الأصول المتقنة ٢/٢٣٥ ، المقصد الأوّل من قانون الإجماع في الباب السادس من الأدلّة الشرعية.

(٤) ورد ذكره في بعض الكتب بـ : (سلّم الأصول في علم الأصول) و (سلّم الوصول إلىٰ الأصول) ، ووصف الشيخ علي البلادي الكتاب بالمبسوط جدّاً ، وأنّه أكبر كتب الأصول ، ولا يزال الكتاب مخطوطاً. يراجع : أنوار البدرين ٢/١٦٤ ، والذخائر في جغرافيا البنادر والجزائر : ٢١٠ رقم : (٣٦) و٤١٦ رقم : (١٤٩) ؛ الذريعة ١٢/١٥٧ رقم : (١٤٥٧) ١٥٩ برقم : (١٤٦٥).

(٥) الشيخ محمّد بن الشيخ عبد علي بن الشيخ محمّد بن الشيخ أحمد بن الشيخ علي آل عبد الجبّار القطيفي المولد والنشأة ، السماهيجي البحراني (ت ١٢٥٢هـ) ، وهو أحد أساتذة

۲۷۷

فإن قلت : إنّما ذكرتم منافٍ لإجماعهم ، إذ لم يصرّح بأن الإجماع ما ذكرتم غير من ذكرتم هذين الشيخين ، وذلك خارق للإجماع ، فلا يعتمد علىٰ ذلك.

قلنا : أوّلاً : إنّ ما ذكرنا مفهوم من كلام أكثر الأصحاب المذكور في مباحث الإجماع ، يظهر ذلك لمن تأمّل وتدبّر.

ثانياً : أنتم تقولون : إنّ الإجماع غير ممكن ؛ لتعذّر الاطّلاع علىٰ أقوال العلماء الفقهاء مع كثرتهم وانتشارهم في البلدان.

فإن قلتم : حصل لنا العلم بقول المعصوم من أقوال من رأينا قوله.

قلنا : هذا هو قولنا بعينه ، فقد(١) وافقتمونا علىٰ إمكان العلم بقول المعصوم وإن تعذّر الاطّلاع علىٰ أقوال الفقهاء. فتدبّر.

تنبيهات مشتملة علىٰ أجوبة عن اعتراضات :

[ردّ اعتراض : أنّ اتّباع الإجماع والعقل ليس اتّباعاً للسنّة النبوية] :

الأوّل : عدّ الأدلّة أربعة ينافي قول سيّد المرسلين ممّا نقله عنه جميع المسلمين ، وهو : «إنّي مخلّف فيكم ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا : كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، لن يفترقا حتّىٰ يردا عليّ الحوض» ، فلو كان هناك مستمسك غير الكتاب والعترة ، من دليل عقل وإجماع كما ذكرتم لبيّنه صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فالأخذ من غير الكتاب والسنّة أخذ من غير الطريق المأمور بالأخذ منه.

__________

مصنّف هذه الرسالة. (راجع كتاب الشيخ محمّد آل عبد الجبّار القطيفي ... توثيق ببليوغرافي بآثاره المخطوطة والمطبوعة).

(١) ليست في (أ).

۲۷۸

والجواب : أوّلاً : أنّه كما ورد هذا الخبر المجمع علىٰ نقله وصحّته ورد أيضاً أنّه صلى‌الله‌عليه‌وآلهأمر بالكون مع الإجماع والأخذ بالمجمع عليه ، فقد نقل عنه صلى‌الله‌عليه‌وآلهأنّه قال : «لا تجتمع أمّتي علىٰ خطأ».

وورد أيضاً أنّه قال صلى‌الله‌عليه‌وآله : «لا تجتمع أمّتي علىٰ ضلاله».

وورد أيضاً أنّه صلى‌الله‌عليه‌وآلهقال : «يد الله مع الجماعة ، وسألت ربّي أن لا تجتمع أمّتي علىٰ ضلالة فأعطاني ، ولم يكن ليجمع أمّتي علىٰ ضلال».

وروي ولا علىٰ خطأ : «وعليكم بالسواد الأعظم» ، وأمّته في الحقيقة : أتباعه في الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر لا كلّ من كان في زمانه ومن تخلّف عنه ، فإنّهم قد اختلفوا علىٰ نيف وسبعين فرقة ، ولم يتّفقوا علىٰ شيء من الخمسة المذكورة ما عدا فرقة واحدة ، وفي القرآن الكريم : ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا(٢).

وقد تقدّم في (مقبولة ابن حنظلة) وغيرها ما يدلّ علىٰ الأخذ بالمجمع عليه وعدم مخالفته ، وإن كان ظاهر ذلك في الرواية إلّا أنّه يشمل ذلك الفتوىٰ ، وإن لم يظهر نصّ فيه ؛ لأنّ ما اتّفق الإمامية علىٰ القول به لا يكون إلّا حقّاً ؛ لأنّه قول إمامهم ، هذا بالنسبة إلىٰ الإجماع.

وأمّا بالنسبة إلىٰ دليل العقل من البراءة الأصلية والاستصحاب ، ففي الكتاب والسنّة ما يدلّ علىٰ أنّهما أصلان يرجع إليهما ، قال الله تعالىٰ في مقام الامتنان : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً(٢).

__________

(١) سورة النساء ، الآية : ١١٥.

(٢) سورة البقرة ، الآية : ٢٩.

۲۷۹

وقال جلّ وعلا : ﴿كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً(١).

وقال سبحانه وتعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ(٢) ، وغير ذلك من الآي.

وفي الحديث : «كلّ شيء فيه حلال وحرام ، فهو [لك] حلال ، حتّىٰ تعرف الحرام بعينه فتدعه».

و «كلّ شيء [لك] طاهر حتّىٰ تعلم أنّه نجس».

«ولا تنقض اليقين إلّا بيقين مثله ، ولا تنقض اليقين بالشّك أبداً»(٣).

فالواجب الرجوع إلىٰ كلّ ما أمر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآلهوأهل بيته بالرجوع إليه ، من حديث الثقلين وغيره. فلا ينافي حديث الثقلين عدّ الأدلّة أربعة.

[كون الأدلّة أربعة ليست بخروج عن التمسّك بالثقلين] :

وثانياً : إنّ عدّ الأدلّة أربعة ليس فيه خروج عن التمسّك بالثقلين ؛ لأنّه إذا وجب التمسّك بهما وجب معرفة ما يتوقّف عليه معرفتهما وكلّ ما يعين علىٰ ذلك ، فالأخذ بالإجماع ودليل العقل(٤) (يعين ذلك)(٥) ؛ لأنّا ذكرنا لك أنّ العمدة في حجّية الإجماع قول المعصوم ، فإذا علمناه بأيّ وجه وجب علينا التمسّك به من النصّ أو الإجماع أو دليل العقل. فتأمّل.

__________

(١) سورة البقر ، الآية : ١٦٨.

(٢) سورة البقرة ، الآية : ١٧٢.

(٣) تقدّم تخريج الروايات ضمن عنوان : العمل بالاستصحاب والبراءة ، وهنا وردت بالمعنىٰ.

(٤) في (ب) من العقل.

(٥) ما بين القوسين () ليست في (ب).

۲۸۰

[إنّ العقل والإجماع تمسّك بالثقلين]

وثالثاً : إنّ الأخذ بالإجماع ودليل العقل متمسّك بالثقلين ؛ لأنّ الأخذ بهما أخذ بقول المعصوم ، والمعصوم أحد الثقلين.

بيان ذلك : إنّا لم نجوّز الأخذ بالإجماع إلّا للعلم بقول المعصوم منه ، وكذا لم نجوّز الأخذ بدليل العقل إلّا لأمر المعصوم بذلك ، وكلّ ذلك معلوم ممّا ذكرنا لك. فتأمّل في ذلك.

وكذا في القرآن ما يدلّ علىٰ الأخذ بهما ، فلم يكن في الأخذ بهما خُلف ؛ لقول سيّد المرسلين صلى‌الله‌عليه‌وآله ، بل ذلك أخذ بقوله وقول أولاده المعصومين عليهم‌السلام.

نعم ، معرفة الحكم من الكتاب والسنّة بنصّ آية أو رواية بأنّ هذا الشيء مثلاً حرام أو حلال ، غير المعرفة بذلك ؛ لكون قول العلماء ذلك ، وقولهم قول المعصوم أو حصل اتّفاق علم أو ظنّ منه قول المعصوم أو ليس في الكتاب والسنّة بيان ذلك نصّاً ولا ظاهراً ولكن كلّ شيء لم يعلم الحكم فيه بطريق النصّ ، الحكم فيه الإباحة مثلاً أو الطهارة ، وكذا إذا ثبت حكم(١) ولم يعلم زواله ، يحكم ببقائه ، حتّىٰ يثبت ارتفاعه بدليل ، فاختلاف طريق الحكم أوجب عدّ الأدلّة أربعة.

وإلّا فالمعلوم من مذهبنا عدم جواز أخذ الأحكام إلّا عن كتاب أو سنّة نبوية أو إمامية أو معرفة قول المعصوم من إجماع أو دليل عقل ، وكلّ ذلك ظاهر لمن تأمّل في كلامنا السابق ، بل لا ترىٰ عالماً منّا إلّا وهو يقول بذلك ، ومصنّفات علمائنا المتقدّمين والمتأخّرين والمعاصرين مشعرة (بما فصّلنا لك)(٢).

__________

(١) ليست في (ب).

(٢) ما بين القوسين () ليست في (أ).

۲۸۱

[رد اعتراض : منع الأخذ بالظنّ] :

الثاني : أنّه قد ورد في الكتاب الكريم ذمّ الظنّ وأتباعه في عدّة آيات ، وكذا في الروايات الواردة عن النبي والأئمّة الهداة عليهم‌السلام وكلامكم ينبئ بجواز الأخذ به.

والجواب : إنّه تجب طاعة الله سبحانه وتعالىٰ فيما أمر به ونهىٰ عنه من عبادات وغيرها ، ولا يمكن ذلك إلّا بمعرفة أحكامه جلّ وعلا ، ولا تعرف أحكامه إلّا بنصّ كتاب أو ظاهر أو سنّة نبوية أو إمامية أو إجماع أو دليل عقل كما تقدّم.

وفي الكتاب والسنّة الناسخ والمنسوخ ، والمجمل والمبين ، والعامّ والخاصّ ، والمطلق والمقيّد ، وفي رواة الحديث الثقة والضعيف والمهمل والمجهول.

وكذا في الأحاديث الإمامية احتمال التقية ، وكلّ ذلك معلوم لا شكّ فيه ، فإذا كان ذلك ، كان علم الحكم في حيّز التعسّر إن لم نقل إنّه متعذّر ، فإن حصل علم بالحكم من قرائن كنصّ كتاب أو تواتر أخبار أو ضروري مذهب أو إجماع ، وجب العمل به ، وإن لم يحصل العلم بالحكم ، والواجب العمل ، فهل يسقط التكليف أو يكلّف بالعلم به مع عدم إمكان ذلك أو يعمل بالظنّ؟ لا سبيل إلىٰ الأوّل والثاني ، فيتعيّن الثالث ؛ لمن قيل لا حكم مكلّف به إلّا ويمكن العلم به من الكتاب والسنّة.

قلنا : ادّعاء ذلك بعد التأمّل فيما قدّمنا لك مُكابرة.

وأيضاً إذا علمت بحكم وجب عليك العمل به.

وبالجملة : إنّه لا شكّ أنّه لا يجوز العمل بالظنّ مع التمكّن من العلم ومع عدم التمكّن منه ، ووجوب العمل بتعيين العمل بالظنّ ، فلا منافاة بين النهي عن اتّباعِ الظنّ والعمل به.

[ردّ اعتراض : إنّ روايات الإجماع روايات عامّية] :

الثّالث : إنّ فيما أوردتموه من الروايات في الدلالة علىٰ الإجماع روايات عامّية ،

۲۸۲

مثل : «وعليكم بالسواد الأعظمِ» ، و «يدُ الله علىٰ الجماعة» ، علىٰ أنّ ظاهر ذلك يتضمّن مدح الكثرة.

والمعلوم أنّ الكثرة مذمومة والقلّة ممدوحة ، كقوله تعالى : ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ(١) ، وكحديث افتراق الأمّة(٢).

والجواب : من وجوه :

الأوّل : إنّ رواية العامّة للخبر لا ينافي رواية الخاصّة له ، وعلىٰ تقدير أنّ الخبر لم يروَ إلّا من طريق العامّة لا يمنع العمل به مطلقاً ؛ لأنّه قد تكون أخبار أخر مروية من طرقنا بمضمونه عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآلهوأهل بيته عليهم‌السلام ، فيكون العمل به لا لذلك الخبر بالخصوص ، بل قد يكون ذاك مقوّياً لغيره ؛ لكون مضمون ذلك متواتراً ، إذا روي بطرق متعدّدة عامّية فيقيّد العلم.

الثَّاني(٣) : أنّا قد أوردنا من الأخبار بالنسبة إلىٰ الإجماع أخباراً كثيرة تفيد التواتر معنىٰ يقيناً فلا ينافي كون العامّي منها.

الثالث : إنّه مع التسليم(٤) كون ما دلّ علىٰ الإجماع من الأخبار النبوية عامّية

__________

(١) سورة سبأ ، الآية : ١٣.

(٢) إشارة للحديث المشهور ، والمروي بطرق مختلفة عند الفريقين بألفاظ متعدّدة ومعنىٰ واحد : «ستفترق أمّتي علىٰ ثلاث وسبعين فرقة ، فرقة منها ناجية ، والباقون هالكون ، والناجون الذين يتمسّكون بولايتكم ، ويقتبسون من علمكم ، ولا يعملون برأيهم ، فأولئك ما عليهم من سبيل». (تفصيل وسائل الشيعة ٢٧/٤٩ ، الباب : (٦) عدم جواز القضاء والحكم ، بالرأي ، والاجتهاد ، والمقاييس ، ونحوها من الاستنباطات الظنّية في نفس الأحكام الشرعية ، من كتاب القضاء ، حديث رقم : (٣٣١٨٠/٣٠)).

(٣) في (أ) : ثانياً.

(٤) في (ب) : تسليم

۲۸۳

فلا ينكر أحد كون (مقبولة عمر بن حنظلة) مروية عن الصادق عليه‌السلام ، وهي معمول بها عند كلّ الأصحاب المحدّث والمجتهد ، وكون موردها الخبر لا ينافي إجراءها في الفتوىٰ كما قدّمنا لك بيان ذلك وفي معناها اخبار أخر ، كما تقدّم في أخبار الترجيح ، فلاحظ ما هنالك يظهر لك ذلك.

الرابع : إنّ ذمّ الكثرة لا ينافي الأخذ بالإجماع ؛ لأنّ العمل بالإجماع لا للكثرة ، بل لكون المعصوم من جملة المجمعين ، فإذا علم أو ظنّ أنّ قوله هو قولهم وجب العمل به ، سواء كانوا قليلين أو كثيرين ، ولهذا تراهم يقولون : لو خلا المائتان من المعصوم لم يكن قولهم حجّة ، ولو حصل في اثنين كان قولهم حجّة ، والسواد الأعظم الواجب اتّباعه المعلوم أو المظنون كون المعصوم فيهم ، وكذا الجماعة التي يد الله عليها. فتدبّر.

[ردّ اعتراض : إنّ روايات تثليث الأحكام تنفي دليل العقل] :

الرابع : إنّ الروايات التي أوردتموها بالنسبة إلىٰ دليل العقل تتضمّن التثنية في الأحكام ، وقد وردت أخبار كثيرة تفيد التثليث ، كقوله عليه‌السلام : «حلال بيّن وحرام بيّن ، وشبهات بين ذلك»(١) ، وبهذا المعنىٰ أخبار أخر ، فما وجه التوفيق ، لأنّه مع الأخذ بأخبار التثليث ينتفي دليل العقل.

والجواب : إنّ الروايات التي أوردناها بالنسبة إلىٰ دليل العقل متواترة تفيد

__________

(٥) من لا يحضره الفقيه ٤/٧٥ ، نوادر الحدود ، الباب : (٥٠٧) بقية ما يوجب الحدّ ، من كتاب الحدود (الزنا واللواط) ، حديث رقم : (٥١٥٢/١٥) ، وتفصيل وسائل الشيعة ٢٧/١٧٥ ، الباب : (١٢) مصدر سابق ، حديث رقم : (٣٣٥٣١/٦٨).

۲۸۴

اليقين ، وهي عامّة ، وما ذكرتم من روايات التثليث ـ فمع تسليم ثبوتها وصحّتها ـ تكون خاصّة ، فتخصّ بها تلك العامّة ، فيرتفع الإشكال.

فإن قلتَ : إنّ سياق الكلام يقتضي الحصر ، فيكون معنىٰ قوله : «حلال بيّن وحرام بيّن ، وشبهات بين ذلك» ، أنّه لا تخلو القضية من أحد الثلاثة وذلك يفيد العموم.

قلنا : كما أنّ سياق لفظ روايات التثليث ذلك ، كذلك سياق لفظ روايات التثنية ، بل تسوير الكلام بكلّ في قوله عليه‌السلام : «كلّ شيء» ، وإضافة (كلّ) إلىٰ (شيء) الذي هو أنكر النكرات أظهر في العموم ، فعلىٰ تقدير أنّ كلّا من هذه وهذه متواتر عامّ.

فإمّا أن يعمل بهما مطلقاً أو يطرحا ، أو يعمل بأحدهما خاصّة أو يحمل علىٰ بعض الوجوه ، والآخر (علىٰ آخر)(١) ، لا سبيل إلىٰ العمل بهما مطلقاً ؛ للتنافي بين مضامينهما ، ولا إلىٰ طرحهما مطلقاً ؛ لتواترهما ، ولا إلىٰ العمل بأحدهما دون الآخر ؛ لأنّه ترجيح من غير مرجّح ؛ لغرض تواتر الكلّ ، فلم يبقَ إلّا الشقّ الرابع ، والراوي لأحاديث أهل البيت عليهم‌السلام ، الناظر في حلالهم وحرامهم ، العارف لأحكامهم فهو (٢) العارف بتلك الأحكام والمرجوع إليه الكلام ، علىٰ أنّ روايات التثنية أكثر وأشهر ، وخذ ما اشتهر بين أصحابك. والله العالم.

__________

(١) ما بين القوسين () ليست في (أ).

(٢) في (ب) : هو.

۲۸۵

[المسألة الخامسة]

[مصنّفات الشيخ عبد المحسن اللويمي في مسألة الإجماع]

المسألة الخامسة : إن كان برز لكم في هذا المعنىٰ مصنّف فأمروا بكتبه.

أقول : الظاهر أنّ الشيخ قدس‌سره لم يبرز له مصنّف في هذا المعنىٰ بالخصوص ، ولكن مصنّفاته في الأصول والرجال والفقه تنبئ عن منهاجه رحمه‌الله (١) ، وهذا النضح من ذلك الإناء الممتلئ ، وهذه القطرة من لجّة ذلك البحر ، وهذا الضياء(٢) من ذلك النور المشرق ، فلقد ضمّني منه في جناح ، وغذّاني بالعلم في الصباح والرواح ، وهداني الله بسببه الاستضاءة بمصباح أهل النجاح والفلاح ، صلّىٰ الله عليهم ما تنفّس نسيم الصباح ، وأضاء فجر ولاح.

__________

(١) للشيخ عبد المحسن اللويمي مجموعة من المؤلّفات الفقهية التي أشار المصنّف علىٰ السائل بالرجوع إليها ، منها : جامع الأصول عن أهل الوصول. ورسالتان في معرفة أحوال الرجال من الرواة الذين لم يعرف لهم حال. ثلاث رسائل فقهية : صغرىٰ ووسطىٰ وكبرىٰ. كتاب في علم الرجال. مشكاة الأنوار في فقه الصلاة عن الأئمّة الأطهار. النهج القويم والصراط المستقيم.

(٢) في (ب) : السفر.

۲۸۶

[المسألة السادسة]

[منهج الشيخ عبد المحسن اللويمي]

المسألة السادسة : إنّه قد بلغني عنك أنّك ترىٰ(١) رأي الأخباريّين.

أقول : الذي ظهر(٢) من حاله قدس‌سره وسيرته ، هو عدم العمل بكلّ ما روي ، وعدم طرح بكّل ما دري(٣) ، بل طريقته هي طريقتنا المذكورة ، ولقد سمعناه غير مرّة ينقم علىٰ (من يتكلّم علىٰ)(٤) العلماء الأخباريّين والأصوليّين ، ولقد حكىٰ لنا رحمه‌الله حكاية : وهو إنّه كان في مشهد الحسين عليه‌السلام ودخل يوماً مع شيخه ، الشيخ محمّد بن الشيخ حسين بن عيثان(٥) بيت الميرزا مهدي الشهرستاني(٦) ؛ لزيارته ،

__________

(١) يعني الشيخ عبد المحسن اللويمي.

(٢) ليست في (ب).

(٣) في (أ) : ولا طرح بكلّ ما دري.

(٤) ما بين القوسين () ليست في (ب).

(٥) يظهر أنّ الاسم الصحيح هو الشيخ محمّد بن علي ، كما ذكره العلّامة أقا بزرك الطهراني في (الطبقات ٩/٦٣٩) ضمن أعلام القرن الثاني عشر ، وذكر أنّه أشترىٰ الجزء الأوّل من (وسائل الشيعة) في مشهد خراسان وكتب عليه بخطّه أنّه : «ملكه تراب نعال العلماء محمّد ابن علي» وذلك في سنة ١١٧٧هـ ، وفي أعلام هجر ٥/٢٧٢ـ٢٧٨ ، ذكر اسمه ونسبه كالتالي : الشيخ محمّد بن الشيخ علي بن الشيخ إبراهيم بن الشيخ محمّد بن حسين بن عيسىٰ آل عيثان الأحسائي القاري ، وأنّه من المتبنّين مسلك (الأخباريّين).

(٦) السيّد الأجلّ الميرزا محمّد مهدي بن أبي القاسم الموسوي الشهرستاني الحائري المسكن ، المنتهي نسبة إلىٰ الإمام موسىٰ الكاظم عليهم‌السلام (ت ١٢١٦هـ) ، العالم الجليل ، أحد شيوخ الإجازة ، من مؤلّفاته : الفذالك في شرح المدارك ، المصابيح في الفقه ، تفسير بعض سور

۲۸۷

وحضر فيه المير السيّد محمّد الهندي الأخباري المشهور(١) ، ورجل من تلامذة المير السيّد علي(٢) ، والظاهر رحمه‌الله أنّه يسمّىٰ آقا محمّد علي(٣) وهو أصولي ، وقد جرىٰ بينهما كلام كثير ، كلّ منهما يقدح علىٰ صاحبه.

ويذكر الشيخ رحمه‌الله : إنّ كلامهما بالفارسية ولا أعرفها ، لكنّي أفهم من المقام ، أنّ كلامهما كلام سبّ وقدح ، غير لائقين بالعلماء ، وأخرَج كلّ واحد مصنّفاً له ، فيه ردّ علىٰ صاحبه.

قال : فلمّا سمعت ذلك ، ورأيت رسائلهم المصنّفة ، أخذني الغيظ ، والحمية علىٰ الدين ؛ لعلمي أنّ هذا ليس من دأب العلماء الربّانيّين ، فقمت وأخذت كتبهم من أيديهم ومزّقتها ، وتكلّمت عليهم بما معناه : إنّ فعلكم هذا غير جائز ، بل هو حرام ؛ لأنّه فيه أذية للإمام عليه‌السلام ؛ لأنّكم في جواره ، وافتراء علىٰ العلماء ؛ لأنّ ليس

__________

القرآن الكريم. (راجع : الكنىٰ والألقاب ٢/٣٧٤ ؛ طبقات أعلام الشيعة ١٢/٥٣٩ رقم : (٨٧٤) ؛ أعيان الشيعة ١٥/٣٩ رقم : (١٠٤٧٩)).

(١) هو جمال الدين أبو أحمد الميرزا محمّد بن عبد النبي بن عبد الصانع بن محمّد مؤمن بن علي أكبر بن نور الدين علي بن محمّد طاهر بن فضل علي بن شمس الدين محمّد الجويني النيسابوري الهندي الأكبر آبادي الأخباري ، المقتول بالكاظمية سنة ١٢٣٢هـ ، من مؤلّفاته : سيف الله المسلول علىٰ مخرّبي دين الرسول ، الميزان لمعرفة الفرقان ، الفوائد الذهبية. (راجع : الذريعة ٣/٢١٩ رقم : (١٤٤٤) و١٦/٢٣٨ رقم : (١٥٥٨) ، و٢٣/١٩٤ رقم : (٩١٣٨) ؛ موسوعة العتبات المقدّسة ١٠/٧٨).

(٢) هو المير السيّد علي بن محمّد علي بن أبي المعالي الصغير بن العالم المير أبي المعالي الكبير الطباطبائي الحائري (ت ١٢٣١هـ) ، من مؤلّفاته الرياض ، ورسالة في الطهارة والصلاة والصوم ، وحجيّة الشهرة. (تكملة أمل الآمل ٤/١١٥ رقم : (١٥٧٠)).

(٣) علي ليست في (ب).

۲۸۸

بينهم اختلاف يوجب هذا ولا بعضه ، بل في الحقيقة لا اختلاف بينهم ، إذ غاية ما في الباب أنّ كلّا منهم بذل جهده في استخراج أحكام الله سبحانه من القرآن وكلام الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآلهوالأئمّة عليهم‌السلام ، فيجب عليه العمل بما يؤدّي إليه نظره ، سواء كانت طريقته علىٰ نهج المحدّثين أو المجتهدين ، فإذا كان الرجل راوياً لأحاديث أهل البيت عليهم‌السلام ، ناظراً في حلالهم وحرامهم ، عارفاً بأحكامهم ، عدلاً في نفسه ، كان أهلاً لأن تؤخذ منه الأحكام ، ولا معنىٰ لهذا التشنيع والسبّ والقدح ، إذ لا يكون ذلك إلّا لأغراض دنيوية ، والعلماء الربّانيّون يلاحظون الأعمال(١) الأخروية فسكتوا ، وخرج السيّد مهدي من البيت ، وسمع بذلك ، فاستحسن فعله وقوله.

فافهم يا أخي من ذلك رأيه وطريقته. وهذا آخر ما أردنا إيراده. فخذ ما أتيتك وكن من الشاكرين.

والحمد لله ربّ العالمين ، وصلّىٰ الله علىٰ محمّد وآله الميامين وسلّم تسليماً كثيراً(٢).

__________

(١) في (أ) : الأغراض.

(٢) نهاية نسخة (ب). وفي نسخة (أ) : وقع الفراغ منها يوم الثاني والعشرين من شهر ذي الحجّة سنة ١٢٥٤هـ ، علىٰ يد الفقير إلىٰ الله الغني إبراهيم بن محمّد عفا الله عنه.

۲۸۹

المصادر

القرآن الكريم

١ ـ الاحتجاج : أبو منصور أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي ، تحقيق : الشيخ إبراهيم البهادري والشيخ محمّد هادي به ، الطبعة الثالثة ١٤٢٢هـ ، الناشر : دار الأسوه ، إيران ـ طهران.

٢ ـ اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي) : شيخ الطائفة أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي ، تحقيق : جواد القيّومي الإصفهاني ، الطبعة الأولىٰ ١٤٢٧هـ ، الناشر : مؤسّسة النشر الإسلامي ، قم ـ إيران.

٣ ـ الاستبصار فيما اختلف من الأخبار : الشيخ أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي ، تحقيق : علي أكبر الغفاري ، الطبعة الأولىٰ ١٣٨٠هـ ش ، الناشر : دار الحديث للطباعة والنشر ، قم ـ إيران.

٤ ـ أسر البحرين العلمية ... أنسابها ـ تاريخها العلمي والثقافي ـ أعلامها : سالم النويدري ، الطبعة الأولىٰ ١٩٩٤م ، دار المودّة.

٥ ـ أعلام هجر : السيّد هاشم محمّد الشخص ، الطبعة الثانية ١٤١٦هـ ، مؤسّسة أمّ القرىٰ للتحقيق والنشر ، بيروت ـ لبنان.

٦ ـ أعلام هجر من الماضين والمعاصرين : السيّد هاشم محمّد الشخص ، الطبعة الأولىٰ ربيع الثاني ١٤٢٥هـ ـ ٢٠٠٤م ، مؤسّسة أمّ القرىٰ للتحقيق والنشر ، بيروت ـ لبنان.

٧ ـ أعيان الشيعة : السيّد محسن الأمين ، حقّقه وعلّق عليه : السيّد حسن الأمين ، الطبعة الخامسة ١٤٢٠هـ ـ ٢٠٠٠م ، الناشر : دار التعارف للمطبوعات ، بيروت ـ لبنان.

۲۹۰

٨ ـ الدرر النجفية من الملتقطات اليوسفية : المحدّث الشيخ يوسف بن أحمد البحراني ، تحقيق : شركة دار المصطفىٰ لإحياء التراث ، الطبعة الثانية ١٤٢٨هـ ـ ٢٠٠٧م.

٩ ـ الذريعة إلىٰ تصانيف الشيعة : الشيخ آقا بزرك الطهراني ، الطبعة الأولىٰ ١٤٣٠هـ ـ ٢٠٠٩م ، الناشر : دار إحياء التراث العربي ، بيروت ـ لبنان.

١٠ ـ ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة : الشهيد الأوّل ، مؤسّسة آل البيت عليهم‌السلام لإحياء التراث ، الطبعة : الأولىٰ ، ١٤١٩هـ.

١١ ـ الشيخ محمّد آل عبد الجبّار القطيفي ... توثيق ببليوغرافي بآثاره المخطوطة والمطبوعة : نزار آل عبد الجبّار ، الطبعة الأولىٰ ١٤٤٠هـ ـ ٢٠١٩م ، الناشر : أطياف للنشر والتوزيع ، القطيف ـ المملكة العربية السعودية.

١٢ ـ الفهرست : الشيخ أبو جعفر ، محمّد بن الحسن الطوسي ، تحقيق : السيّد محمّد صادق بحر العلوم ، الطبعة الأولىٰ ١٤٣٦هـ ـ ٢٠١٥م ، الناشر : مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات ، بيروت ـ لبنان.

١٣ ـ القوانين المحكمة في الأصول المتقنة : الميرزا أبو القاسم القمّي ، شرحه وعلّق عليه : رضا حسين صبح ، الطبعة الثالثة ١٤٣١هـ ، دار المحجّة البيضاء ، بيروت ـ لبنان.

١٤ ـ أنوار البدرين في تراجم علماء القطيف والأحساء والبحرين : الشيخ علي بن حسن البلادي البحراني ، تحقيق : عبد الكريم محمّد علي البلادي ، الطبعة الأولىٰ ١٤٢٤هـ ـ ٢٠٠٣م ، الناشر : مؤسّسة الهداية ، بيروت ـ لبنان.

١٥ ـ تاريخ البحرين ، المسمّىٰ (الذخائر في جغرافيا البنادر والجزائر) : الشيخ محمّد علي بن الشيخ محمّد تقي آل عصفور البحراني ، تحقيق : وسام عبّاس السبع ، الطبعة الأولىٰ ١٣٩٦هـ. ش ـ ٢٠١٨م ، الناشر : دار زين العابدين ، قم ـ إيران.

١٦ ـ تفصيل وسائل الشيعة إلىٰ تحصيل مسائل الشريعة : الشيخ محمّد بن الحسن الحرّ العاملي ، تحقيق : مؤسّسة آل البيت عليهم‌السلام لإحياء التراث ، الطبعة الرابعة جمادىٰ الأولىٰ ١٤٣٨هـ ،

۲۹۱

الناشر : مؤسّسة آل البيت عليهم‌السلام لإحياء التراث ، قم ـ إيران.

١٧ ـ تكملة أمل الآمل : السيّد حسن الصدر ، تحقيق : د. حسين علي محفوظ وعبد الكريم الدبّاغ ، وعدنان الدبّاغ ، الطبعة الأولىٰ ١٤٢٩هـ ـ ٢٠٠٨م ، الناشر : دار المؤرّخ العربي ، بيروت ـ لبنان.

١٨ ـ تهذيب الأحكام في شرح المقنعة : أبو جعفر محمّد بن الحسن بن علي الطوسي ، صحّحه وعلّق عليه : علي أكبر الغفاري ، الطبعة الأولىٰ ١٣٨٦هـ. ش ، الناشر : دار الكتب الإسلامية ، طهران ـ إيران.

١٩ ـ روضات الجنّات في أحوال العلماء والسادات : الميرزا محمّد باقر الموسوي الخوانساري الإصفهاني ، الطبعة الأولىٰ ١٤٣١هـ ـ ٢٠١٠م ، الناشر : دار إحياء التراث العربي ، بيروت ـ لبنان.

٢٠ ـ رياض العلماء وحياض الفضلاء : الميرزا عبد الله أفندي الإصبهاني ، تحقيق : السيّد أحمد الحسيني ، الطبعة ١٤٣١هـ ـ ٢٠١٠م ، الناشر : مؤسّسة التاريخ العربي ، بيروت ـ لبنان.

٢١ ـ طبقات أعلام الشيعة : آقا بزرك الطهراني ، الطبعة الأولىٰ ١٤٣٠هـ ـ ٢٠٠٩م ، الناشر : دار إحياء التراث العربي ، بيروت ـ لبنان.

٢٢ ـ عيون أخبار الرضا عليه‌السلام : الشيخ أبو جعفر الصدوق ، الطبعة الأولىٰ ١٤٢٩هـ ـ ٢٠٠٨م ، الناشر : منشورات الفجر ، بيروت ـ لبنان.

٢٣ ـ فهرست أسماء مصنّفي الشيعة (رجال النجاشي) : الشيخ أبو العبّاس أحمد بن علي بن أحمد بن العبّاس النجاشي الأسدي الكوفي ، تحقيق : السيّد موسىٰ الشبيري الزنجاني ، الطبعة السادسة ١٤١٨هـ ، الناشر : مؤسّسة النشر الإسلامي ، قم ـ إيران.

٢٤ ـ الكافي : ثقة الإسلام أبو جعفر محمّد بن يعقوب بن إسحاق الكليني الرازي ، تحقيق : قسم إحياء التراث ، الطبعة الثالثة ١٤٣٤هـ ، الناشر : دار الحديث ، قم ـ إيران.

٢٥ ـ كمال الدين وتمام النعمة : الشيخ أبو جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي ،

۲۹۲

الصدوق ، الطبعة الأولىٰ ١٤١٢هـ ـ ١٩٩١م ، الناشر : مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات ، بيروت ـ لبنان.

٢٦ ـ الكنىٰ والألقاب ، الشيخ عبّاس القمّي ، تاريخ النشر ١٣٦٨ ، الناشر : مكتبة الصدر ، طهران ـ إيران.

٢٧ ـ لسان العرب : العلّامة أبو الفضل جمال الدين محمّد بن مكرم ابن منظور الأفريقي المصري ، بدون رقم وتاريخ طبع ، دار صادر ، بيروت ـ لبنان.

٢٨ ـ مجلّة التراث : المجلّد الأوّل ، إعداد ونشر شركة المصطفى صلى‌الله‌عليه‌وآلهلإحياء التراث.

٢٩ ـ مجلّة الفقاهة : رئيس تحريرها : الشيخ جعفر البناوي ، تطبع في مؤسّسة دلتا للطباعة والنشر ، المنطقة الشرقية ـ المملكة العربية السعودية.

٣٠ ـ مجمع البحرين : فخر الدين الطريحي ، تحقيق : السيّد أحمد الحسيني ، الطبعة الثانية ١٤٢٩هـ ـ ٢٠٠٨م ، الناشر : مؤسّسة التاريخ العربي ، بيروت ـ لبنان.

٣١ ـ مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل : الميرزا حسين النوري الطبرسي ، تحقيق : مؤسّسة آل البيت عليهم‌السلام لإحياء التراث ، الطبعة الثالثة ١٤١٢هـ ـ ١٩٩١م ، الناشر : مؤسّسة آل البيت لإحياء التراث ، بيروت ـ لبنان.

٣٢ ـ مشارق الشموس الدرّية في أحقّية مذهب الأخبارية : السيّد عدنان بن علوي آل عبد الجبّار الموسوي البحراني ، بدون معلومات.

٣٣ ـ مطلع البدرين في تراجم علماء وأدباء الأحساء والقطيف والبحرين : جواد بن الحاجّ حسين آل الشيخ علي آل رمضان الأحسائي ، الطبعة الأولىٰ ١٤١٩هـ ـ ١٩٩٩م.

٣٤ ـ معارج الأصول : المحقّق الحلّي ، الشيخ نجم الدين أبو القاسم جعفر بن الحسن الهذلي ، الطبعة الأولىٰ ١٤٠٣هـ ، الناشر : مؤسّسة آل البيت عليهم‌السلام للطباعة والنشر ، قم ـ إيران.

٣٥ ـ معالم الأصول : الشيخ حسن بن الشهيد الثاني ، مع تعليقة سلطان العلماء ، صحّحها : الشيخ علي محمّدي ، الطبعة الأولىٰ ١٣٧٤هـ ، الناشر : دار الفكر ، قم ـ إيران.

۲۹۳

٣٦ ـ المعتبر في شرح المختصر : نجم الدين أبو القاسم جعفر بن الحسن المحقّق الحلّي ، بدون معلومات.

٣٧ ـ معجم المؤلفات الشيعية في الجزيرة العربية : الشيخ حبيب آل جميع ، الطبعة الثانية ١٤٢٦هـ ـ ٢٠٠٦م ، دار المحجّة البيضاء ، بيروت ـ لبنان.

٣٨ ـ معجم رجال الحديث وتفصيل طبقات الرواة : السيّد أبو القاسم الموسوي الخوئي ، بدون رقم طبعه وتاريخ ، الناشر : مكتبة الإمام الخوئي ، النجف ـ العراق.

٣٩ ـ مقباس الهداية في علم الدراية : الشيخ عبد الله المامقاني ، تحقيق : الشيخ محمّد رضا المامقاني ، الطبعة الأولىٰ ١٤٢٨هـ ـ ١٣٨٥هـ ش ، الناشر : دليل ما ، قم ـ إيران.

٤٠ ـ من لا يحضره الفقيه : أبو جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي ، الشيخ الصدوق) ، تحقيق : الشيخ علي أكبر الغفاري ، الطبعة الخامسة ١٤٢٩هـ ، الناشر : مؤسّسة النشر الإسلامي ، قم ـ إيران.

٤١ ـ مناقب آل أبي طالب : أبو جعفر محمّد بن علي بن شهر أشوب السروي المازندراني ، تحقيق : د. يوسف البقاعي ، الطبعة الأولىٰ ١٤٢١هـ ـ ١٣٧٩هـ. ش ، الناشر : انتشارات ذوي القربىٰ ، قم ـ إيران.

٤٢ ـ منتظم الدرّين في تراجم علماء وأدباء الأحساء والقطيف والبحرين : الحاجّ محمّد علي بن أحمد بن عبّاس التاجر البحراني ، عنىٰ بتحقيقه : الشيخ ضياء بدر آل سنبل ، الطبعة الأولىٰ ١٤٣٠هـ ، مؤسّسة طيبة لإحياء التراث ، بيروت ـ لبنان.

٤٣ ـ موسوعة الشهيد الأوّل (ذكرىٰ الشيعة في أحكام الشريعة) : تحقيق : مجموعة من المحقّقين ، الطبعة الثانية ١٤٣٥هـ ـ ٢٠١٤م ، مركز إحياء التراث الإسلامي ، قم ـ إيران.

٤٤ ـ موسوعة العتبات المقدّسة : جعفر الخليلي ، الطبعة الثانية ١٤٠٧هـ ـ ١٩٨٧م ، الناشر : مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات ، بيروت ـ لبنان.

۲۹۴

من أنباء التراث

هيئة التحرير

كتب صدرت محقّقة

* شرح الصحيفة السجّادية ج(١ـ٢).

تأليف : الشيخ علي بن زين الدين بن محمد العاملي الجبعي (ت١١٠٤ هـ).

ذكر المؤلّف طريقة جديدة في شرح الدعاء ، فقد تطرّق في شرح أدعية الإمام السجّاد عليه‌السلام من حيث اللغة والإعراب والمعنىٰ ، وهو شرح أدبي مستشهداً بذلك ببعض الأبيات الشعرية.

تحقيق : الدكتور شعلان عبد علي سلطان وحيدر عبد الرسول عوض.

الحجم : وزيري.

نشر : مجمع الإمام الحسين عليه‌السلام

التابع للعتبة الحسينية ـ كربلاء ـ العراق.

* تنبيه الأمّة وتنزيه الملّة.

تأليف : الميرزا النائيني.

كتاب مترجم عن اللغة الفارسية. يبحث في الفقه السياسي الإسلامي بقيام الدولة علىٰ أساس دستوري وتشكيل مجلس للشورىٰ لقيادة الأمّة وعدم تسلّط الحكّام و تفرّدهم بالسلطة ، بإقامة العدل والمساواة وشيوع الحقوق بين أفراد المجتمع.

اشتمل الكتاب علىٰ : مدخل للمترجم والمحقّق في حياة الميرزا العلمية والسياسية ، ونبذة عن الفقه السياسي الإسلامي ، مقدّمة في شرح

۲۹۵

حقيقة الاستبداد ودستورية الدولة ، وخمسة فصول : الفصل الأول حقيقة السلطنة المجعولة في الدين الإسلامي ، الفصل الثاني وظيفة المسلمين السياسية في عصر الغيبة ، الفصل الثالث هل يوجد حكم دستوري؟ وهل أنّه خالٍ من الإشكال؟ والفصل الرابع في الشبهات التي أثيرت حول الحكم الدستوري والإجابة عليها ، والخامس في صحّة تدخّل النوّاب وبيان وظائفهم وشرائط مشروعيّتها ، وخاتمة في قوىٰ الاستبداد وطرق مكافحته.

ترجمة : عبد الله آل نجف.

تحقيق : عبد الكريم آل نجف.

الحجم : وزيري.

نشر : مؤسّسة أحسن الحديث ـ قم ـ إيران.

*كمال الدين وتمام النعمة ج(١ـ٢)

تأليف : الشيخ الصدوق محمد بن علي بن بابوية القمّي (٣٨١هـ).

يُعتبر الكتاب من الكتب الحديثية

التي تناولت الأحاديث التي تذكر غيبة إمامنا الحجّة بن الحسن العسكري عجل الله تعالى فرجه الشريف ، وقد ذكر الشيخ الصدوق فيه غيبة ما قد سبقه من الأنبياء ، ثمّ النصوص الواردة في فضله وغيبته عن الأنبياء والأئمّة عليهم‌السلام ، وأخيراً ذكر باباً مفصّلاً عن علامات الظهور.

تحقيق : السيّد محمّد كاظم الموسوي.

الحجم : وزيري.

نشر : مجمع الإمام الحسين عليهم‌السلام التابع للعتبة الحسينية ـ كربلاء ـ العراق.

* الالتقاطات (كتاب الغصب).

تأليف : الميرزا حبيب الله الرشتي (ت١٣٠٢هـ).

كتاب فقهي في باب الغصب ، تصدّىٰ المصنّف فيه إلىٰ شرح مسائل هذا الباب ببحث استدلالي مفصّل ، وهو من نفائس كتب الفقه المعوّل عليها لدىٰ العلماء ، و يعدّ مصنّفه من تلامذة الشيخ مرتضىٰ الأنصاري.

اشتمل الكتاب علىٰ كلمة الناشر

۲۹۶

بالفارسية ، وترجمة المؤلّف ، مشايخه ، تلامذته ، تأليفاته ، النسخ المعتمدة في تحقيق الكتاب ، منهجية التحقيق.

تحقيق : حسن قاسمي.

الحجم : وزيري.

نشر : مدرسه عالي شهيد مطهّري ـ طهران ـ إيران.

* الثبت المصان المشرّف بذكر سلالة سيّد ولد عدنان.

تأليف : أبو النظّام مؤيّد الدين عبيد الله الأعرجي الواسطي (ت٧٨٧ هـ).

كتاب في علم الأنساب ، ذكر فيه المصنّف أنساب السادة الأشراف من الدوحة الفاطمية ، حيث قال في مقدّمته : «قد سألني بعض أهل الغيرة الدينية ، والمروءة الهاشمية من بني الزهراء أن أكتب له ثبتاً مشجّراً كافّة أصول آل فاطمة سلام الله ورضوانه عليهم أجمعين ، فأجبته علماً بانّ مطلوبه واجب القبول». وقد ذكر المحقّق في مقدّمته أهمّية الكتاب ،

حيث ذكر مَنْ شجّره وزاد عليه بعض التعليقات ، أمثال : الشيخ أبي الحسن علي الصوفي النسّابة والسيّد محمّد بن أحمد بن عميد الدين الحسيني النجفي ، واحتمل المحقّق أن يكون كتاب المشجّر الكشّاف مأخوذاً من عمدة الطالب لابن عَنبة ومن الثبت المصان.

ابتدأ الكتاب بترجمة الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله وترجمة أمير المؤمنين عليه‌السلام ثمّ تدرّج بذكر أعقاب الأئمّة الأطهار عليهم‌السلام وقد ذكر أعقاب كلّ من : محمّد بن الحنفية ، والعبّاس بن علي بن أبي طالب ، وجعفر بن أبي طالب ، وعقيل بن أبي طالب ، وذكرجماعة من أعلام بني فاطمة وانتهىٰ إلىٰ ترجمة الإمام المهدي عجله الله تعالي فرجه الشريف وكيفية ولادته والبشارة بالإمام المهدي عجله الله تعالي فرجه الشريف.

تحقيق : السيّد مهدي الرجائي.

الحجم : وزيري.

نشر : مكتبة آية الله المرعشي

۲۹۷

النجفي ـ قم ـ إيران.

* السيف الصنيع لرقاب منكري علم البديع.

تأليف : الشيخ محمد رضا النجفي الإصفهاني.

رسالة من التراث الأدبي تحكي عن ضرب من ضروب علم البلاغة وهو البديع ، وقد دوّنت في القرن الرابع عشر بعد أن نظم المؤلّف قصيدة بعد زواج أحد أصدقائه ، وهو الشيخ كاظم آل كاشف الغطاء ، وكان ذلك بعد أن دار الكلام بين الشيخ هادي آل كاشف الغطاء وبین المؤلّف حول قضايا تخصّ النقد الأدبي.

بيّن الشيخ في هذه الرسالة آراءه الشخصية ، وأشار إلىٰ أهمّية وعظم علم البديع ورأيه حول ماهيّة التورية والفرق بين التورية البديعية والتورية العرفية ، وتحريض الباحثين علىٰ التحقيق في هذا العلم ، الإشارة إلىٰ الفرق بين البديعيين والجاهلين بهذا

العلم ، الإشارة إلىٰ تفوّق أشعار المتأخّرين عذوبة علىٰ أشعار المتقدّمين ، كما ذكر أموراً ينبغي للمتأخّرين مخالفة المتقدّمين فيها ...

اشتمل الكتاب علىٰ : مقدّمة المصحّح ، نصّ الرسالة ، بيان معاني غريب الألفاظ ، والتعليقات علىٰ النصّ كما أن القصيدة مضبوطة في آخر الکتاب.

تحقيق : مجيد هادي زاده.

الحجم : وزيري.

نشر : المكتبة الأدبية المختصّة ـ قم ـ إيران.

*الدرّة الغرّاء في وفاة الزهراءعليها‌السلام.

تأليف : حسين بن محمّد آل عصفور البحراني (ت١٢١٦ هـ).

تطرّق المؤلّف إلىٰ سيرة الزهراء عليها‌السلام تاريخ ولادتها وخصائصها أثناء حملها ، ثمّ تعرّض الىٰ زواجها من ابن عمّها سيّد الأوصياء علي بن أبي طالب عليه‌السلام ، بعد ذلك انتقل إلىٰ وفاة أبيها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وما جرىٰ عليها بعد

۲۹۸

وفاته صلى‌الله‌عليه‌وآله من ظلم واضطهاد إلىٰ حين وفاتها صلوات الله وسلامه عليها.

تحقيق : السيّد عبّاس هاشم الأعرجي.

الحجم : وزيري.

نشر : مجمع الإمام الحسين عليه‌السلام التابع للعتبة الحسينية ـ كربلاء ـ العراق.

* الحجج البالغة والنعم السابغة.

تأليف : الشيخ علي بن الشيخ حسن البلادي البحراني (ت١٣٤٠ هـ).

يتكوّن الكتاب من قسمين : الأوّل تحدّث فيه المصنّف عن معنىٰ الإمامة وثبوتها وعن وجوب تنصيبها وفوائدها ، وأنّ الأئمّة هم اثنا عشر اماماً وعصمتهم.

ذوالقسم الثاني : شرح فيه أحوال المعصومين عليهم‌السلام بدءاً من النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله وختماً بالإمام الكاظم عليه‌السلام ، ولم يكمل بقيّة الأئمّة المعصومين عليهم‌السلام ، حيث وافاه الأجل فتغمّده الله بواسع رحمته.

تحقيق : عبد الكريم محمّد علي ابن

الشيخ علي البلادي.

الحجم : وزيري.

نشر : مجمع الإمام الحسين عليه‌السلام التابع للعتبة الحسينية ـ كربلاء ـ العراق.

* منهج السلف في تفريق المتّفق والمختلف.

تأليف : السيّد محمد علي هبة الدين الشهرستاني.

من كتب التراجم ، يبحث بترجمة علماء العربية من نحو وبلاغة وأدب ؛ فضلاً عن علوم القرآن ، وكان هدف المؤلّف التسهيل علىٰ الباحث في الوصول إلىٰ ترجمة تلك الثلّة من خلال كناهم المشتركة ، حيث تكون الكنية الواحدة متّفقة لشخصين أو أكثر مع اختلاف الأشخاص ، فكان ذلك في ستّ وخمسين شخصية.

اشتمل الكتاب علىٰ : مقدّمة ، والنصّ المحقّق بذكر الأشخاص علىٰ أساس كناهم. مبتدأ بابن دريد وخاتماً بابن جنّي.

۲۹۹

تحقيق : الدكتور حميد مجيد هدّو.

الحجم : وزيري.

نشر : المكتبة الأدبية المختصّة ـ قم ـ إيران.

كتب صدرت حديثاً

* أضواء علىٰ علمَي الدراية والرجال.

تأليف : السيّد هاشم الهاشمي.

علم الدراية والرجال يعدّان من أهمّ العلوم دراسة وتنقيباً في معرفة صحّة سند الروايات أو سقمها ومعرفة نصوصها ، ولازالا في خضمّ المعترك العلمي في سجال دائم منذ عصر الأئمّة حتىٰ يومنا هذا ، ولم يقتصر المؤلّف علىٰ آراء السيّد الخوئي الذي كانت له الهيمنة العلمية في عصرنا الحاضر ، بل بيّن معالم المرحلة من بعده من نظريّات جديدة مبتكرة ، ومناقشات ، وإضافات قيّمة لأساطين الحوزة المعاصرة من تلامذته وغيرهم.

اشتمل الكتاب علىٰ مقدّمة الناشر ، مقدّمة المؤلّف ، واثني عشر فصلاً في : تعاريف وأقسام ، الجرح والتزكية ، تقييم المتقدّمين والمتأخّرين ، التوثيقات العامّة ، أصحاب الإجماع ، الشهرة ، شروط الراوي ، أصول الحديث ، الأصول الرجالية ، ألفاظ المدح والذمّ ، مصطلحات وفوائد ، موجز عن فِرق الشيعة.

الحجم : وزيري.

نشر : دار التفسير ـ قم ـ إيران.

* الشيخ عبد الحسين محيي الدين حياته وشعره (ت ١٢٧١ هـ).

تأليف : د. محمد حسن محيي الدين.

ربّما يعدّ هذا الكتاب من كتب التراجم ، حيث تطرّق فيه المؤلّف إلىٰ ذكر حياة أحد أعلام أسرته إلاّ أنّه في الوقت نفسه كتاب أدبي ، حيث ذكر شعره وأدبه الراقي الذي يحكي عن أدب العراق حيث كان ولازال مهداً للأدب والشعرالعربي الثرّ.

لقد توزّع الكتاب علىٰ مقدّمة

۳۰۰

وأربعة فصول :

الفصل الأوّل : خُصّص لحياة الشاعر ، حيث جاء فيه اسم الشاعر ، لقبه ، أسرته ، ولادته ، نشأته ، أساتذته وتلامذته ، شخصيّته وآراء مترجميه فيه ، آراء مترجميه في شعره ، علاقته بأدباء جيله ، علاقته بشيخي زبيد وخزاعة ، ثقافته ومصادرها ، وفاته.

الفصل الثاني : خصّص لدراسة موضوعات شعره ، وقد تعرّض المؤلّف فيه لدراسة الموضوعات التي نظم فيها الشاعر في كلّ غرض وهي : المديح ، الإخوانيات ، الرثاء ، الغزل ، الأغراض الأخر ، وتمثّلت في : شعر الشكوىٰ ، الرحلة ، الوصف ، الفخر ، الهجاء.

الفصل الثالث : الدراسة الفنّية : وقد توزّعت في أربعة أمور هي : اللغة ، بناء القصيدة ، الموسيقىٰ ، الصورة.

الفصل الرابع : وكان في جمع الديوان وتحقيقه ، تعرّض المؤلّف في جمعه للمصادر المخطوطة والمطبوعة التي اعتمد عليها ، وما واجه عملية

الجمع من صعوبات في الوصول إلىٰ تلك المصادر ، كما أشار إلىٰ مصادر مخطوطة لم يستطِع الوصول إليها ، وتطرّق في الفصل الىٰ منهجه في تحقيق النصوص ، وعمله في ذلك.

وبعد هذه الفصول الأربعة جاء الديوان مجموعاً ومحقّقاً ومرتّباً ، مع ملحق ضمّ القصائد والمقطوعات التي زيدت علىٰ المخطوطة الأصل ، ومذّيلاً بهوامش.

الحجم : وزيري.

نشر : دارالفرات للثقافة والإعلام ـ الحلّة ـ العراق.

* كتاب الخمس في عصر الغيبة.

إعداد : الشيخ وسام البغدادي والشيخ ميثم الصريفي.

الكتاب عبارة عن إعداد لدروس السيّد أحمد الإشكوري ، والتي يتناول فيها بالأجوبة الفقهية والأصولية مشروعيّة فريضة الخمس وتطبيقاتها في عصر النبي الأكرم والأئمّة المعصومين

۳۰۱

عليهم‌السلام ، وقد جاءت لردّ الشبهات المثارة حول مسألة الخمس بأسلوب علمي وروح موضوعية منفتحة علىٰ الرأي الآخر ، مجيباً علىٰ جميع التساؤلات والإشكالات.

اشتمل الكتاب على : مقدّمة وشبهات : الشبهة الأولىٰ : عدم تشريع فريضة الخمس في أرباح المكاسب. الشبهة الثانية : عدم تفعيل النبي لخُمس المكاسب وعدم جبايته إلىٰ عهد الصادقين دليل علىٰ عدم تشريعه. الشبهة الثالثة : ابن أبي عقيل وابن الجنيد قالا بعدم وجوب الخُمس في أرباح المكاسب. الشبهة الرابعة : عدم ذكرخُمس المكاسب في مصنّفات الفقهاء القدماء. الشبهة الخامسة : تحليل الخُمس في زمن الغيبة الكبرىٰ. الشبهة السادسة : وجوب الخُمس من الأحكام الولائية. الشبهة السابعة : عدم وجود دليل علىٰ إيصال الخُمس إلىٰ الفقيه. الشبهة الثامنة : آلية جمع وتوزيع فريضة الخُمس غير تخصّصية. الشبهة التاسعة :

إنّ فريضة الخُمس لا تخضع للرقابة المالية. الشبهة العاشرة : بدعة المصالحة والمداورة. الشبهة الحادية عشرة : إعطاء نصف الخُمس للسادة من بني هاشم يدعو إلىٰ التفاوت الطبقي. الشبهة الثانية عشرة : نسبة الخُمس لله ينافي غناه. الشبهة الثالثة عشر : ربط الحادث بالمتغيّر (مشكلة الحداثة والمعاصرة والحفاظ علىٰ الأصالة والموروث). الشبهة الرابعة عشر : ابتلاء الخُمس بمخالفة المنظومة الأخلاقية والعقل العملي. ملحقات حول الخُمس.

الحجم : وزيري.

نشر : مركز الدراسات التخصّصية في الإمام المهدي عجله الله تعالي فرجه الشريف ـ النجف الأشرف ـ العراق.

*منهاج الوصول إلىٰ دروس في علم الأصول (شرح الحلقة الثالثة)ج (١ـ٧).

تأليف : الشيخ محمد رضا الأحمدي البهسودي.

كتاب أصولي اعتمد فيه المؤلّف

۳۰۲

تدريس الحلقة الثالثة للشهيد الصدر ، ملتزماً ضبط متن الحلقة الثالثة علىٰ طبعة المؤتمر العالمي للشهيد الصدر المنعقد في طهران سنة (٢٠٠١ م) حيث وصفها بالدقّة وجودة التحقيق والخلوّ من الأخطاء الطباعية ، تناول المؤلّف شرح المطالب العلمية للكتاب ، كما توسّع في شرح بعضها ذاكراً بعض الآراء والمناقشات والردود عليها أو الإجابة عنها ، ولم يقصد شرح متن الكتاب وإن اقتضىٰ الأمر ذلك أحياناً.

اشتمل الكتاب بأجزائه السبعة علىٰ : المقدّمة ، تمهيد ، حجّية القطع ، الدليل الشرعي اللفظي ، المطلقات ، العمومات ، الدليل الشرعي غير اللفظي ، إثبات صغرىٰ الدليل الشرعي ، الدليل العقلي ، الوظيفة العملية في حالة الشكّ بالوظيفة الأوّلية ، الوظيفة الثانوية في حالة الشكّ بالوظيفة العملية في حالة العلم الإجمالي ، تطبيقات منجّزية العلم الإجمالي ، الوظيفة عند الشكّ في

الوجوب والحرمة معاً ، الوظيفة عند الشكّ في الأقلّ والأكثر ، ملاحظات عامّة حول الأقلّ والأكثر ، الاستصحاب ، أركان الاستصحاب ، مقدار ما يثبت بالاستصحاب ، تطبيقات ، توفّر الشكّ في البقاء ، التعارض ، قاعدة الجمع العرفي ، التعارض المستقرّ علىٰ ضوء دليل الحجّية ، حكم التعارض علىٰ ضوء الأخبار الخاصّة.

الحجم : وزيري.

نشر : دار المحجّة البيضاء ، بيروت ـ لبنان.

* ديوان ابن حمّاد العدوي.

إعداد : د. حيدر محلّاتي.

يأتي هذا الكتاب في عداد دواوين الشعر العربي التي جاءت في إعلان كلمة الحقّ ونصر النهج الرسالي المتمثّل في ولاء أميرالمؤمنين عليه‌السلام والعترة الطاهرة مضياً علىٰ درب ولائهم عليهم‌السلام ، وهو ديوان علم من أعلام الشعر الشيعي في القرن الرابع الهجري ، حيث

۳۰۳

شمّر المؤلّف عن ساعد الهمّة في جمع أشعاره من مضانّها بعد التنقيب عن صحّة صدورها عنه ليرىٰ النور في دراسة لمعنىٰ شعره القائم علىٰ ولاء

العترة الطاهرة وأميرها الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه‌السلام.

الحجم : وزيري.

نشر : فرهنگ منهاج ـ قم ـ ايران.

۳۰۴